البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الله.. ، الأساس النهائي للحقيقة العلمية

الباحث : جان دومينيك روبير Jean Dominique Robert

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 7

السنة : السنة الثالثة - ربيع 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : May / 9 / 2017

عدد زيارات البحث : 275

حجم ملف البحث : 302.179 KB

 تحميل

في مقام التأمّل العقلاني يبدو جليّاً أنّ أي تفكير متدبّر، ولو بنسبة محدودة، حول نتائج العلم ومنهجه يجب أن يَقود إلى البحث في طبيعة العمل العلمي نفسه والمشاكل ذات الطابع الفلسفي التي يطرحها. هذا ما يُقرِّره الباحث الفرنسي في اللاهوت المعاصر جان دومنيك روبير الذي سيبحث في هذا المقال جملة من المشكلات المعرفيّة المتّصلة بالجدل حول العلم والألوهة. ثم يُقرِّر واستناداً إلى الاستدلالات المنطقية أن اللَّه هو الأساس النهائي للحقيقة العلمية.

المحرر


الكلام في مسألة وجود اللَّه الذي شكّل محور تأمّلات مايرسون Meyerson كما كان أيضاً محور تأمّلات بياجيه Piaget و«أولمو Ulmo» وغيرهم الكثير من العلماء وفلاسفة العلوم، هي مسألة التطابق بين الواقع والفكر[1]. هكذا، بسبب التفكير بالعلم ومُسلّماته، يُطرَح سؤال لم يعدْ من المسموح النظر إليه على أنه إحدى المسائل التافهة والخيالية التي تُحيّر علماء الميتافيزيقا!

بهذه الطريقة، فإنّ العلمَ نفسَه هو الذي يقودنا إلى التساؤل: كيف يمكن لواقعٍ لا يرتبط بفكري في بُنيته الداخلية، أن يكون معقولاً؟[2] بعبارة أخرى: كيف ولماذا هو يقبل بأن يستوعبه العقل؟ أو إذا آثرنا، لماذا يقضم الفكر الواقع ويجد فيه غذاءً «فِطريّاً» له؟

يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالقول: «إنّ الواقع هو شبيه الفكر». لكن يجب أيضاً في هذه الحالة أن نفهم بدقة عمّا نتكلّم. إن التشابه بين الواقع والعقل لا يمكن جعله ممكناً لمجرد أن العالم في لحظةٍ مُعيّنة كان موضوعاً للتفكير من قبل عقل بشري لِمجرّد أن هذا الأخير قد تحقّق خلال التطور، وتنبّه لمَهمّته الكبرى، التي هي عقلنة العالم. على أي حال، مشكلتنا هي تلك التي تُطرح قبل العلاقة التي يعقدها العالم مع العقل البشري. فقبل أن يتدخّل هذا العقل في الموضوع، وتحديداً، كي يكون قادِراً على إنجاز مهمّته، نحن مُجبرون على افتراض وجود أساس معقول من ناحية الواقع ذاته: يجب أن يكون الواقعُ قابِلاً لأن يُفكَّر به. لكن ماذا يمكن أن يعني هذا إذا أردنا ألّا نكتفِيَ بالكلام الفارغ، سوى أنّ هناك علاقة تجمع الواقع بفكرٍ ما، أي علاقة بالعقل. وهذه العلاقة سابقة على أي ظهور للذكاء البشري وتحديداً ليكون ممُكِناً له ممارسة وظيفته. باختصار: بما أننا نُفكّر بالعالم فذلك لأنه قابل للتفكير به، وإذا كان كذلك فهذه صفة يمتلكها حتى قبل أن نُفكّر به! يبدو أننا هنا أمام إحدى المُسلّمات التلقائية للعلماء. فهم يعتقدون أن العالم قابل للتفكير به حتى قبل أن يُفكروا به، وهم يتصوّرونه على هذا النحو لِمجرّد أنهم يبذلون قصارى جهدهم لفهمه. وهنا تكمن المشكلة الأساسية التي يصوغها إينشتاين أو دو بروغلي Broglie في قالب الأسئلة التالية: لماذا العالم معقول؟ ما هو أساس هذه المعقولية الجوهرية التي هي ليست من إنتاجنا بينما العمل العلمي بالصورة التي هو عليها مُجبَر على التسليم بها؟

في الحقيقة ليس هناك سوى إجابتين[3] عن السؤال المطروح بهذا الشكل. الأول، وبدرجات مُتفاوتة من الصراحة والخشونة، يتمثّل في العودة إلى الوراء وإنكار المعقولية الجوهرية للعالم المادّي والمحسوس، الخاضِع لأبحاث العلماء. على العكس من ذلك، فإن الإجابة الثانية كونها تقبل المُعطيات الأساسية للمشكلة باعتبارها تظهر نتيجة تفكير معرفي بدون قبلية a priori، لا ترى تفسيراً  مُمكناً إلا ضمن تفكير يتعالى في آن واحد على العالم المادّي وعلى عالم العقول البشرية التي تعمل على فهْمه (مهما تكن الأنماط التي يكتسيها ذلك «الفكر»). بعبارة أخرى: إنّ المشكل ينتهي ويتبخّر أو يُصبح طريقاً تسمح بالولوج إلى فهم التعالي بالمعنى الدقيق للكلمة.

يمكننا القول، بدون خشية من الوقوع في الخطأ، إن الظروف التي أوصلتْ العقول حالياً إلى هذين الموقفين المُتضادّين، مهما بلغت درجة تعقيدها وآثارها الإنسانية، إن تلك الظروف خضعت إجمالاً لسلطة (weltanschauung) ذات طابع مثالي أو واقعي. بل إن الظروف غالباً ما تظهر بفعل الضغط المباشِر لأنساق فلسفية بالغة التحديد، مثل مثالية «برانشفيغ» Brunschvicg، أو المثاليات المُقنّعة لبعض المُؤلّفين «الوجوديين» existentialists. وهذه النقطة مفهومة لأنه لا يمكن للعالِم وخصوصاً لِفيلسوف العلوم أن لا يتعرّض بوعي منه أو من دون وعي لِتأثير الأنساق الفلسفية أو، على الأقلّ، للتيارات الفكرية العامة السائدة في عصره.

اليوم، تنزع العقول إلى إعطاء حلّين جذريين للعمل العلمي والتفسيرات الميتافيزيقية التي يتضمّنها. الأول يصل إلى حدّ إنكار كل معقولية جوهرية للواقع لمُجرّد أنه يرفض أي أسبَقيّة  للعالم على الوعي الإنساني؛ وفي الوقت نفسه لأنه يحصر الوجود مطلقاً في الفكر. هكذا يصنع مثالية مُطلقة.

الحلّ الثاني يقبل، بسلامة نيّة، أسبَقية لا جدال فيها للواقع تُجاه العقل البشري الذي جاء أخيراً في مسيرة تطوّر الكون، لكنه في الوقت نفسه يمتنع عن استيعاب الواقع بالكامل في الفكر أو الوعي. في الحالة الأخيرة،من الواضح أن تُطرَح عندئذ، منطقياً، ولا مناصّ، مسألة أساس معقولية يُنظَر إليها على أنها جوهرية لكونٍ لا يبنيه الفكر الإنساني في بُنيته العميقة، ولكن يتصوّره ويقبل بمعطياته.

باختصار، إما أن يظهر مُشكل العلاقات واقع ـ فكر بطرح مسألة الأسباب المُتعلّقة بالمعقولية الجوهرية للواقع، وإما أن يختفي مطلقاً لمجرّد أن الوجود يُستوعب لا أكثر في الفكر. لكن مَن يتورّط في اختيار المخرج الأخير، فإنّه يستحيل عليه أن لا يجد نفسه مَنطقياً واقعاً في كل صعوبات المثالية، كي لا نقول مآزقها. إن الأحادية التصوّرية (solipsisme) تُجازف بانتحال شخصية المُهدّد. لا يمكن إلا أن تُطرَح قضية الفكر (Pensée) والأفكار (Pensées)، والوعي وأشكال الوعي. وكيف تُحلّ دون الرجوع إلى الوراء[4]؟ على كل حال، عندما نقبل بهذه التهديدات والمآزق التي قد تُؤدّي إليها، فمن البديهي أن يُحلّ مشكل التطابق بين الفكر والواقع، لأن الصراع انتهى... نظرا لعدم وجود مُتحاربين.

تُوجد أجوبة من نوع ثالِث، قريبة من هذا الحلّ اليائس، لكنها في الوقت عينه تتعارض معه تعارضاً جوهريّاً. ومع أنها واجهت صعوبات أخرى كبيرة، فإنها تُحاول الإفلات من فخاخ المثالية. طبعاً، إن هذه الأخيرة مُخطئة إلى حدٍّ كبير. إن الفكر ليس لديه هذه المثولية (immanence) وهذه السريرة (intériorité) اللتان تمنحهما المثالية له. إننا بالضرورة «موجودات في العالم». لقد «رُمينا» فيه. وإذا انفتح العالم على بحثنا، فذلك لأنه موجود ولأننا نحن موجودون ونتبادل التأثير. إذاً، لا يمكن للوجود أن يكون مجرد فكر. إن الوجود لا يُبرهَن ولا يُطرَح ولا ينبني، إنه «يُمنَح». ونحن نتصوّره و«نُحاوره»، بل إن معقوليته تبرز في هذا الحوار. ومع أن الواقع موجود، وأنه في ذاته «مُمكن» contigent بشكل أساسي، وحده فكر الإنسان هو الذي يعطيه معناه أو، إذا كنا نُفضّل ذلك هو الذي يُؤنسن humanise، بكل ما تعنيه الكلمة، هذه المنحة التي نجد أنفسنا أمامها، بكل مهماتنا وكل واجباتنا. وهكذا، «يصنع» الإنسان»عالمه» من خلال تاريخ لا يعود البتّة تاريخاً طبيعياً بل حرية، هبة معنى ودلالة: إنه تاريخ يجب على الفكر أن يُؤدّي فيه أدواراً لا غنى عنها، منها بناء عالم العلم من خلال إعطاء الواقع معقوليته الحقيقية.

ضمن هذه المجموعة من وجهات النظر التي بإمكاننا وصفها بأنها وجودية existentialistes، تجد مشكلة العلم وعلاقته بالواقع ومعها مشكلة المعقولية التي من المُناسب إسباغها على الواقع، تجدان طريقهما إلى الحلّ في كنف نسبية، هي تارة مُنكِرة بصراحة، وتارة تقبل أن تُؤوّل بِلاأدرية محضة. وهكذا بالذات يمكن حالياً، إضافةً إلى التبخّر الكامل للمُشكل نتيجة تلاشي العالم في الوعي، يمكن أن نجد أنفسنا أمام حلول مُتعدّدة تبذل قصارى جهدها من أجل ستْر المساوئ البيّنة جداً لموقف جذري بهذه الدرجة. يجب القبول بأن شيئاً ما يوجد في مقابل العقل البشري. إن العالم المادّي ليس محلّ إنكار. فلديه سماكته الخاصّة. ويجب طبعاً الاعتراف بعالم أشخاص يُشكّل التعدّد فيه القاعدة المطلقة، لأن الحرية هي أحد المُكوّنات الخاصّة بكل شخص ولأننا لا نستطيع أن نعترف ونحترم كثيراً هذه الثروة البشرية في الأساس. الأحادية التصورية solipsisme هي إذاً (مُقابل المثالية التي تُريد أن تتحوّل أو التي قد تكون مُهدّدة من قبلها) مرفوضة عمْداً وبشكل صريح جداً. لكن، بالرغم من ذلك، هل نمتلك حلّاً مُناسباً للمشكل؟ إذا حملنا بشدّة على العدوّ أَلَن يجد نفسه من جديد في مأزق؟ أَلَا يمكننا اتّهامه بأنه يتبنّي هو أيضاً موقفاً تراجعياً لا سَنَد له ومليء بالالتباسات؟ ففي النهاية يجب على المرء أن يكون واضحاً وشفّافاً في ما هو حسّاس وخطير وله نتائج مُتنوّعة. إن العبارات المُتوازنة والمَليئة بالحسرة ليست مُناسبة هنا.

عندما يُقال لنا، على غرار سارتر Sartre: «لم يعد أحد يؤمن بتطابق، غير مُحدّد المعالم، مُقرّر سلفاً بين الإنسان والأشياء، ولم يعدْ أحد يجرؤ على الأمل أن تكون الطبيعة سهلة المنال في جوهرها»، ماذا ينبغي أن نفهم بالضبط وما النتائج التي يمكن أن تترتّب على موقف يأخذ هذا الكلام حَرفيّاً[5]؟ هل يجب الاعتقاد بأن الواقع، الذي نعود إليه للقبول به كواقع، ليس سوى شيء «عديم الدلالة»، وشرط بسيط سابِق على ممارسات العقل الذي، وحده، يجعل الواقع مفهوماً ومُدرَكاً بمعقولية سطحية، بينما يبقى غير مفهوم بذاته وربما بلا معقولية جوهرية؟ لكن في هذه الحالة، ألسنا أقرب إلى حقيقة مُشابهة لحقيقة «الشيء بذاته» الكانطية التي رفضتها بازدراء وبحقّ المثالية المُطلقة المُولَعة بالمنطق والدقّة[6]. يجب أن نرفض القبول بتسويات لا تحلّ شيئاً. إن العقل البشري هو الذي يُضفي معنىً على الأشياء، ودلالة على العوالم، سواء أكانت خاصّة بالعلم والأخلاق أو بالفنّ والمجتمع. لكن ما هو هذا العقل، في الحقيقة؟ هل هو عقلي أنا أو عقل آخر؟ أهو خاصّ بهذا العصر أو ذاك؟ أم هو ليس العقل البشري في ذاته، الفكر Pensée، الوعي Conscience! ألم نرتدّ إذاً إلى حلّ يُماثل حلّ المثالية؟ أو، إذا كان كل فكر، في ذاته، مرفوضاً، فكيف يجري تأسيس، حتى لا أقول وجدان، القواعد (سواء أكانت أخلاقية أم منطقية) وبالتالي التخلّص من النسبية؟

ربما كل هذا دَفَعَ بعض المُفكّرين إلى اتّخاذ مواقف مُنكِرة بشكل أقلّ جذرية لمعقولية العالم. ويبدو أن ضرباً من الخوف قد أجبرهم على أن يلوذوا بلاأدرية حَذِرة ومَرِنة، ومُعترف بها أحياناً بشكل صريح. عملياً، نشعر كثيراً أن لا شيء عُيّنَ بطريقة واضحة، هذا إذا وضعنا جانباً الرفض المزدوج للقضية الأساسية وتفسيرها الجذري.

هل ينبغي، كما فعلنا أحيانا، أن نضع في هذه الفئة من المُفكّرين المُعاصِرين فيلسوفاً مثل مرلو-بونتي؟ على أي حال ثمة شيء يبدو واضحاً: إن الصفحات الأكثر تعقيداً والأقلّ إقناعاً في آثاره تتمحور حول المشكل الذي نتناوله. لقد كرّرنا كثيراً بعده الكلام الشهير: «العالم هو مصدرٌ للمعنى»! لكن صورة مُلتبسة إلى هذا الحدّ لا تشرح شيئاً وتترك كل شيء مُعلّقاً. أما نص (فينومينولوجيا الإدراك) الذي يُذكَر كثيراً والذي لارتباطه بفكرة الحقيقة في ذاتها يأخذ كمثال المُثلّث وخصائصه «الضرورية» ليخلصَ إلى شرح كل شيء بواسطة اللغة، هل بإمكاننا القول إنه يحمل جواباً قاطِعاً وأساسياً؟ أليست اللغة نوعاً من «مدد الآلهة» الذي يُلتَمس، كما نعتقد، لكن يمكنه عمليّاً أن يُثير أسئلة أكثر من أن يعمل على حلّ المسألة؟

«إن الكلام العلمي هو وجود ثقافي يدّعي ترجمة إحدى حقائق الطبيعة في ذاتها. من المعلوم أن هذا ليس صحيحاً وقد أبرز النقدُ الحديث للعلوم العنصرَ البنائي الذي تتوفّر عليه[7]. ويبدو لنا أن هذا القول يفتقر إلى الدليل. لأنه إضافةً إلى الجانب «البنائي» الذي لا يمكن إنكاره والجليّ جدّاً للعمل العلمي، أليس هناك شيء آخر غيره[8]؟ ثمة شيء يطرح قضية لا يرفضها علماء المعرفة épistémologues المعاصرون بمثل هذا الاستخفاف، إلا في حال كانوا لا يزالون تحت تأثير فكر مثل فكر برانشفيك Brunschvicg أو فكر آخر قريب من فكره. أي إذا وجدوا أنفسهم عملياً، بوعي أو من دون وعي، تحت تأثير مثالية لا يمكن إنكارها، وإن كانت موضوع نزاعٍ بينهم. في حالة مرلو بونتي Merleau-Ponty ومن يشبهونه، لدينا انطباع مُكدّر جدّاً: إنه الانطباع الناتج من موقف اتُّخِذَ بناءً على دفْع بعدم القبول (fin de non recevoir). ونظراً لانغلاقنا عمْداً على الحلّ الذي يمكن اختصاراً أن نصفه ﺑ «الواقعية الألوهية»، فإننا مُجبَرون على الارتداد إلى شيء آخر. وهذا الشيء يقوم على تأكيدات يبقى معناها مُبهماً إلى حدّ كبير وهي، علاوة على ذلك، ليست مُثبَتة إطلاقاً. هكذا، يكتب مرلو بونتي: «عندما أضع خارج التجربة أساس الحقيقة أو الأخلاق، أترك ما هو مُمكنٌ التحقّق منه لمصلحة الحقيقة، أي أترك الواقعي لأجل الفرَضيّ. إنّ الحقيقة والقيمة بالنسبة لنا لا يمكن إلا أن تكونا نتيجة تحقيقاتنا وتقييماتنا[9]» هذا جيد جداً. ولكنّ هذا موقف لم يُبرهن الكاتب أبداً أنه الحلّ المقبول الوحيد وأنه الحل الصحيح للمشكل. هل يجب علينا الاعتقاد بأن هذا الموقف يريد ببساطة ادّعاء أن الحقيقة والقيمة يتوقّفان على الإنسان، بحيث يكون هو المقياس الوحيد والعامّ لعالم المعايير الأخلاقية والمنطقية؟ إن الأمور أعقد من ذلك والكثير من فلاسفة العلوم المعاصرين لا يريدون القبول بالتأكيد بمثل هذا الجزم. يبدو لنا، والحالة هذه، أن لا جواب عن سؤال مُعيّن، لأنه يُرفَض طرحه. ويُرفَض طرحه لأنه بكل بساطة لا يُرى له حلّ. وفي الحقيقة إذا كان لا يُرى له حلّ، فذلك بسبب انسداد أبواب العلم. ربما ليس من باب المُبالغة القول: إن بعض الناس أسرى إنكارهم الخاصّ، وكل المُسكّنات التي يُحضرونها لإخفاء استقالة مقبولة للعقل لا تُغير فيها شيئاً!

إزاء المشكلات المُتعلّقة بمعقولية العالم أو، إذا شئنا، إزاء القضايا التي تطرحها الرغبة في إيجاد أساس للحقائق العلمية «المُكتشفة» بالاحتكاك بالكون، تحضر إذاً ثلاثة حلول. أولاً: إلغاء جذري للمشكلة من خلال تذويب لفظة ما في لفظة أخرى (الواقع يُساوي الوعي) كما عند برانشفيك. ثانياً: رفْض حقيقي للقضية، بالمقدار نفسه، لكن مُموّه، سواء أكان ذلك بالطريقة الخاصّة بسارتر أو بمرلو بونتي. إننا نثق بأن هذه المواقف تسمح بفهم مناخٍ مُعيّن له رياسة على البحث والتفكير لدى عدد من الكتّاب المعروفين حالياً في فلسفة العلوم.

لكن، مع ذلك، لا شيء يقينيّاً بعدُ. فإلى جانب الحلول التي تُسيطر عليها وجهاتُ النظر المثالية، نجد أنّ عدداً من علماء المعرفة والعلماء المُعاصرين يتّخذون مواقف مُناقضة تماماً، مواقف تتفاوت في خضوعها لِسلطان واقعيات مُتنوّعة جدّاً ربما، لكنها تشترك على الأقلّ في قبول صريح بمشكلة التطابق بين الفكر والواقع وما يُصاحبها: ما هو الأساس الأصيل لمعقولية عالم مادّي  تُقبل بُناه وضروراته المعقولة، بلا مواربة، على أنها مُستقلّة عن العقل البشري.

نحن مُجبَرون إذاً على أن نُعايِنَ انقسام علماء المعرفة والعلماء إلى فريقين بوصفه أمراً غير قابلٍ للنزاع فضلاً عن كونه مُسلّماً به. أما الفريق الأول فولاؤه للمثالية بالمعنى الدقيق للكلمة، وأما الفريق الآخر فولاؤه بصراحة للواقعية (أحياناً تكون واقعية "ساذجة" بوضوح)، وهناك بين الاثنين جدول الفوارق الدقيقة والتلويثات (compromissions) التي يحصل في الغالب أن يدعو العقل البشري إليها.

أمام هذا الموقف المُختَلَف فيه (الذي ينبغي المُوافقة عليه والذي لا يمكننا فعل شيء ضدّه) ربما يكون مُلائماً، إذا شئنا أن نحظى مدّة أطول، وبشكل أوثق، بإصغاء الجمهور المُعاصر، أن نضع جانباً، مُؤقّتاً، العناصر الخاصّة بتلك الطرق نحو الله، التي تتمحور حول مشكلة المعقولية الجوهرية للعالم المادّي، بهدف دفْع الجهود في اتّجاه مُغاير كلّياً: الاتّجاه الذي سنُبرزه الآن.

لكن، قبل أن نصل إلى هذه النقطة، نوَدّ مع ذلك أن نجتنب أن نُسيء الظنّ بفكرنا. فنحن نرى تماماً الفائدة التي تجنيها أي طريق للوصول إلى الله، من موقف واقعي مُتعلّق بمُشكلة التطابق بين الواقع والفكر ومن أساس معقولية العالم المادّي، وذلك بِمجرّد القبول بحقيقته الخاصّة واستقلاله عن العقل البشري (الذي يُشكّل العالم المادّي حدّه لا العكس). وبالتالي نعتقد أنه من الجائز تماماً أن نحاول الارتقاء من هذا الموقف، وعبر إعادة تبنٍّ صريح للمشكلة بواسطة ميتافيزيقا أصيلة، أن نُحاول الارتقاء إلى فكر Pensée يشرح بعمق وبشكل نهائي معقولية العالم المادّي.

نقول بشكل عابرٍ، يبدو أننا أمام "دليل" هو، وبغية الوصول عملياً إلى النتيجة نفسها التي تُؤدّي إليها طريق القدّيس توما Saint Thomas الخامسة (الفكر الأول)، ليس أقلّ تحقّقاً بالوسائل الأخرى. إنّ البرهنة الأخيرة يحصل وفقاً لِلعلّة النهائية ولِتكييف الوسائل مع غايةٍ ما مِن قِبل كائن بِلا ذكاء تماماً. على العكس، ستبقى الحجة التي استطعنا تطويرها على نحو صوري وصريح، تكتسي طابع السببية النموذجية. ولقد نجحنا في الوصول إلى "فكر إلهي" في إطار الأفكار (De Ideis) وفي سِجلّ المُشاركة الخاصّ بالحقيقة. على طريقته لن يكون تقدّمه بشكل متدرّج سوى تحقيق الطريق الرابع. فهو وَضَعَ مشكل المشاركة بالحقيقة (secundum magis et minus) في سياق مُتاحٍ بشكل أكبر. في الواقع، إن مبدأ المشاركة الشهير أدّى دوره الأساسي مع صيرورته أكثر قابلية للإدراك وأكثر تأثيراً، بفضل السياق الذي كان قد سَمَحَ برؤية صوابيته بطريقة أقلّ تجريداً، وإذا كان باستطاعتنا القول، في "سماء ما وراء طبيعية" (ميتافيزيقية) حطّت على أرض البشر والعلماء.

لمّا كان الشيء قد عُيّن بوضوح على هذا النحو، إذا ظنَنّا أنه ينبغي الذهاب في اتّجاه آخر، فذلك بسبب الاختلافات المرتبطة بتأويل المشكلة التي تُثير الانقسام بين العلماء وعلماء المعرفة. نحن نودّ فعلاً أن يتمكّن العلماء أنفسهم، الذين تعرّضوا ـ وهم لا يدرون ـ لتأثير الجوّ المثالي لبعض الأوساط العلمية والفلسفية، أن يتمكّنوا من مُواكبتنا في مشروع جديد مُؤسّس على مُسلّمة علمية أخرى سنذكرها بإيجاز. لأن هناك مشكلة أخرى يطرحها العلم على العالِم الذي يُمارسه، وهي مُشكِلة يستحيل عليه التملّص منها من دون أن يأتي لها قبل كل شيء بحلّ واقعي.

إذاً، ليست القضية الآن قضية معقولية الواقع التي يفترضها العالِم، وإنما قضية الأساس الحقيقي الذي يُمكّن العقول البشرية، المتّحدة في ما بينها في هذا العمل العلمي المُدهش، أن تتفهّم وتنجحَ بالتالي في الوصول به إلى اتّفاق قد يكون نسبياً في بعض الأحيان، غير أنه لا يمكن إنكارُه. إن المادّة العلمية هي، في الآن نفسه، "للجميع وللفرد". فالجميع والفرد يُشاركون فيه بأدنى درجة مُمكنة من عدم التناسب. على أي حال، لا تنتمي المادّة العلمية إلى هذا أو ذاك. في الواقع، مهما كان الدور الذي قام به عبقري ما في اكتشاف وصياغة حقيقة علمية، كبيراً، ولن يخطر في باله إطلاقاً أنها حقيقت(ه)، بل هي (ال)حقيقة. إنها (ال)حقيقة التي نَذَر نفسَه لها بالكامل والتي تُسيطر عليه كما تُسيطر على جميع هؤلاء القادِرين على فهمها. إن الحقيقة العلمية ليست "وقفا له"، بل هي إرث مُشترك يستحيل على أحد أن يُسقِط عليه بِلا حقّ غرائزه التملّكية. ثم أليس ذلك أحد الأشياء التي دافَع عنها العلماء بشراسة وطالبوا بها (ولا سيّما مقابل الميتافيزيقيين) والتي قد يستندون إليها كحجّة لدعْم قيمة البحث والاكتشاف العلميين؟

إن عالَم العالِم هو عالَم حقائق محكومة بِقوانين عامّة وكونية التي هي، على مُختلَف المستويات التي تنكشف فيها، قوانين العقل esprit أو، كما يُفضّل البعض كتابتها: قوانين العقل Esprit. بعبارةٍ أخرى، لا تملك المادّة العلمية قيمة حقيقةٍ بالنسبة لهذا الفرد أو ذلك، ولا بالنسبة لهذا العصر أو ذلك من ناحية التطوّر العلمي في سيره نحو حقيقة ما فتئت تزداد مُلاءمةً للواقع، لأنه، كما يتّضح من تاريخ العلوم، إذا كانت الفرضيات تتغيّر وتَتعاقب إلى ما لا نهاية، فإنه يستحيل حصْر العلوم في هذا الجانب من جهودهم. قد يكون من الضروريّ، قبل كل شيء، عدم نسيان بعض قواعد اللعبة التي تستوجب ثباتاً من وجهة نظر الاتّساق (التماسك) الداخلي للبحث.

هكذا، عندما يصوغ عالِمُ فيزياءٍ مُعادلةً، يمكن أن يُشكّل تغييرها ضرورة تِبعاً لِعناصر كان يجهلها ولم يكن بإمكانه أن يتوقّع وجودَها، سيبقى صحيحاً أنه، من أجل فهْم الصيغة الأولى وتحويلها إلى أخرى أكثر مُلاءمةً، سيكون من الضروري دائماً لعلماء الفيزياء في المستقبل إعطاء معنى للصيغة الأولى وإعادة بنائها منطقياً وفقاً لِلمُعطيات الجديدة، ليس هذا وحسب بل بحسب مُتطلّبات عقل له قواعد بحث خاصّة به ومناهج يجب أن يبقى وفيّاً لها كي يبقى مُتّسِقاً أيضاً. ثمّة مبادئ منطقية تحتاج إلى العقل كيفما كان، وتجعل مُمكناً الربط بين عناصر تفترضها بُنى الفكر العلمي كافّة. على هذا النحو تتحكّم بالعمل العلمي، من دون أن نكتشف ذلك صراحةً على الدوام، ضرورات معقولة intelligibles التي تُحاول فلسفة العلوم والمنطق البحث عن أسبابها المُباشِرة وأسسها البعيدة.

لكن إذا كان الأمر على هذا النحو، فنحن بِلا شكّ سائرون باتجاه مسألة أساسية يُثبت تاريخ العلوم والفلسفة بكامله أهمّيتها: مسألة العلاقة بين العقول البشرية المُتناهية والمُتعدّدة وغير المُكتملة والعَرَضية contingentes، التي تخضع لصيرورة دائمة، وبعض "الضرورات المعقولة" التي تُسيطِر على سيل الأفكار الشخصية وتفرِض عليها معايير، وإذا شئنا، قوانين موضوعية وعامّة، في اتّجاهٍ يجب حتماً، وبلا ريب، تعيينه وتأسيسه. يوجد في العقل البشري قدر من الاقتناع بإمكانية وجود حقيقة، مقبولة من الجميع. هناك قواعد عقلية ضرورية تبقى سرّية للغاية، لكونها تظهر من خلال فعلٍ هو نفسه عَرَضي كان يمكن ألّا يحدث أبداً.

من جديد، ألا يبدو إذاً أن طريقاً نحو التعالي transcendance ينفتح؟ إذا أمكَنَ لأفكارنا الزائلة والعابرة (التي هي ليست، طبعاً، أفكاراً ضرورية بِما أنه كان من الممكن جدّاً ألّا نوجَدَ نحن أبداً، حتى لو أنه من أجل إدراكها، يجب أن نكون موجودين) أن تكشِف الضروريّ وتسجنه داخل أوعيتها الهشّة، أليس ثمّة سرّ هنا؟ أليس هذا الاتحاد بين الضرورة وبين شيء "هو الحقيقي في ذاته" مع عَرَضيّة (contingence) كاملة للفعل الذي يكشف الحقيقي في ذاته عبر الخضوع له، أليس علامة على ضرورة فكر هو ليس بحثاً وحسب وإنما امتلاك للحقيقي، إنه فكر يكون باختصار حقيقة تَقيس (vérité mesurante) لا حقيقة تُقاس؟ يجب أن يتبيّن لنا مما سبق أن هذه الحجة لا يمكن أن تنطلق من "نتائج" العلم الحالي. في الواقع، إنّ هذا ليس له، بالمعنى الدقيق، أي معنى. في الواقع، إن العلم بما هو كذلك لا يُمكنه إثبات وجود الله. لقد قلنا ذلك بالتحديد: كل ما يمكن للعلم، بمنهجيته الخاصّة، أن يُفضيَ إليه، لن يكون بالتأكيد أبداً: الله، ومَن يُؤمن بذلك فسيغرق دون أن يدري في وَثَنية ساذجة[10]! إن الأساس الأول للحجة التي ألمحنا إليها يجب أن يكون "طبيعة" العلم نفسها أو بعبارة أفضل طبيعة الفعل العلمي؛ وبعبارة أفضل أكثر، إنه التفكير بهذا الفعل. وتحديداً، تفكير يقود شيئاً فشيئاً إلى البحث عن المضامين الميتافيزيقية التي ينطوي عليها ذلك الفعل، والتي لا يمكن لمجهود أمين، في وقتٍ مُعيّن من مراحل إنجازه، أن يُنكر ضرورتها. بطريقة أوضح، وبناءً على ما كنّا قد قلناه: يجب أن يُشكّل التفكير بالمُسلّمات نقطة انطلاق حجّة من هذا النوع، تلك المُسلّمات التي بدونها يصبح الفعل العلمي غير مفهوم ويفقد قيمته، إنها مُسلّمات تستعصي "أسسها الأخيرة"، عملياً، على العلم كما تستعصي على فلسفة العلوم، والتي بكل وضوح واختصار ترتبط بالبحث الميتافيزيقي.

سنرى حينئذ إلى أيّ درجة يتحقّق بلوغ المستوى المطلوب، أو على أيّ حال، يمكن أن يتحقّق دون اصطدام ودون عنف. لهذا السبب يبدو أن محاولة كهذه ليست غير مُجدية وأنها ينبغي أن تقع في محور الضرورات المعاصرة. إن مجهوداً كهذا يستجيب في الواقع لنداء مُعيّن إذا كان علينا القبول باستنتاجات اللجنة العلمية "السلام الروماني" Pax Romana [11] بهذا الخصوص وإذا لم يكن ر. ب. دومينيك دوبارل Dubarle مُخطئاً حين كتب الأسطر التالية التي وافقنا عليها كلها. وقد أجاب هذا الأب بهذه الكلمات أحد المُخاطِبين الذي كان يُحدّثه عن "ما وراء" العلم مُعتبراً أنه أمر لا يمكن إنكاره: "أودّ إذاً القول إنه يبدو لي ضروريّاً أن أُبيّن للعقل العلمي الحديث أنه إذا كان هناك من انفتاح للعلم، فإن انفتاحه على شيءٍ لا يمكن أن يُسمّى علماً، يجب أن يُعرّف نفسه مع ذلك من داخل العلم، انطلاقاً من نوع من تفكير العلم نفسه بنفسه. معنى ذلك أنه من الضروري للعالِم الذي يقوم ببحث مُعيّن ويصل باتّباع إجراء مُعيّن إلى نتيجة مُعيّنة، من الضروري أن يبحث عن قوّة هذا الإجراء ويكتشف بذلك الانفتاحات على ما وراء العلم من خلال التفكير بهذه القوة نفسها بالبحث بشكل علمي عن الشروط والمخارج العامّة للوصول إلى فهم مِن أين يأخذ الأسس، أو على نحو مُحتَمل، الحدود الداخلية لمهارته العلمية[12]».

يبدو لنا أن الأسطر التي كتبها الأب المُوقّر دوبارل Dubarle واضحة بحيث يُمنع على القارئ تخيّل أن العالِم، بما هو كذلك، هو الذي يمكنه بلوغ دليل على الله. في يوم ما ستكون لدينا فرصة للعودة إلى هذه النقطة كشخص خبير بذاته: ليس ثمة برهان على الله غير البرهان الذي له طابع ميتافيزيقي. والدليل الذي أشرنا إليه هنا ينبثق أساساً وعلى نحو صوري من تفكير ميتافيزيقي محض، يتعلّق بالعمل العلمي ومضامينه التي هي أيضاً ذات طابع ميتافيزيقي محض. ولأن المناخ الفكري المعاصر هو مناخ تسوده قيمة العلم والبحث في منهجه ومُسلّماته فإننا نعتقد بأنه لا ينبغي أن نُعلّق عليه أهمية كبيرة.

[1]*ـ أستاذ في اللاهوت وعضو الأكاديمية الدولية لفلسفة العلوم ـ باريس.

ـ العنوان الأصلي: Dieu, fondement ultime du vrai scientifique

ـ المصدر:  Nouvelle Revue Theologique 82/ 8, 1960.

ترجمة: عماد أيوب. مراجعة: هيئة التحرير.

ـ  انظر:

Emile Meyerson, De l'explication dans les sciences, Paris, Payot, 1921, 2 vol. et Du cheminement de la pensée, Paris, Alcan, 1931, 3 vol. Jean Piaget, Introduction à l'épistémologie génétique, Paris, Presses Univ. De France, 1950, 3 vol. Jean Ulimo, La pensée scientifique moderne, Paris, Flammarion, 1958.

[2]ـ ألم يكتب أنشتاين: Man kan sagen das ewig Unbegreifliche an

der Welt ist ihre Begreiflichkdt » (Physik und Realiîàt in Ze'ttschrift fur fret deutsche Forschung, Paris, vol. I, n.l, pp. 5-19 et n. 2, pp. 1-14) ما يمكنناترجمته بالقول: إن ما لا يُدرك أَبَديّاً في الكون، هو معقوليته ذاتها. يُنبّه لويس دو بروغلي Louis de Broglie في (الفيزياء والفيزياء المجهرية) إلى أنّ: "المعجزة الكبرى في تقدّم العلم هي أنه [العلم] يَكشِف عن توافقٍ ما بين فكرنا والأشياء (Paris, Albin Michel, 1947, pp. 229-230).

[3]ـ لا نطمح هنا إلى تعداد جميع الحلول الممكنة للمعضلة المَنظور إليها. بديهيّ أنه بإمكاننا، مثلاً، مُحاولة الإجابة من خلال التذكير بالنظرية القائلة بأن "العالم المادّي معقول (مُدرَك بالعقل لا بالحواسّ) لا بسبب خالق ذكيّ، ولكن تِبعاً لِضرورة مُجرّدة لِبديهية (جمع بديهيات) أبديّة، لِقانون فيزيائي أعلى، الذي هو مصدر جميع القوانين الخاصّة". حينئذ، قد نكون بحاجة إلى نظرية مماثلة لتلك التي يفترضها الكثير من الملحدين الأخلاقيين، وتتعلّق بمصدر الالتزام الأخلاقي. لكن، في الواقع، إن هذه الإجابة لا تُقدّم حلّاً جذريّاً وينبغي أن يُحوّلها النقاش إلى إحدى وجهات النظر المُطلقة التي نكتفي بها في هذه الصفحات. هذا ما سيبرز، نأمل ذلك، من النصّ المُشترك الذي خرجنا به في (نهارات سارت Journée de Sarte) والذي لمّحنا إليه في أول الهوامش.

[4]ـ لنسمحْ لأنفسنا بالإحالة هنا على النقد المُوجَز الذي خصّصناه للمذهب المثالي في "منظورات ميتافيزيقية للتأويل الأونطولوجي للمعرفة الإنسانية عند القديس توما"، أنجيليكوم، 1959، ص. 321-342 (انظر صفحة 339).

[5]ـ  انظر Situations, I, Paris, Gallimard, 1947, pp. 96- 97.

[6] ـ  انظر Perspectives..., pp. 337 -336.

[7]ـ  انظر Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, 1945, p. 448.

[8]ـ إن ما هو مقبول تماماً في ملاحظة مرلو-بونتي، هو بلا شكّ نقده لكل علم يسعى لبلوغ الحقيقة الأونطولوجية للأشياء. في الواقع، إن هذا الادّعاء غير مقبول بالنسبة لأي فيلسوف جدير بهذا اللقب. إن القبول بهذا الجانب من فكر مرلو-بونتي أمر مُختلف، وأن نرفض معه معقولية أصيلة للواقع، أمر مُختلف (إن مستويات الواقع مُختلفة أساساً بحسب الأنظمة التي تتقصّى الواقع من أحد جوانبه الشكلية، كما يقول فلاسفة علم الكلام).

[9]ـ انظر:

Rev. de Métaphysique et de Morale, 1947 — repris et développé dans Sens et Non-Sens, Paris, Nagel, 194S, pp. 190- 191.

[10]ـ نُوافق هنا تماماً السيد جان لاكروا Jean Lacroix عندما كتب: "أيّاً يكن ما يكتشفه العلم، فذلك تحديداً هو ما نرفض تسميته ﺑ الله. انظر Le sens de l'athéisme moderne, Paris-Tournal, Casterman, 1958. من الحسن التفكير مَليّاً في الصفحات الصحيحة والمُحرّرة التي تُفصّل هذه الفكرة، صفحة 20، من دون إغفال الهامش الأول. إن هذا التفكير لا يجب أن يتعارض مع تفكير البابا "بيوس" الثاني عشر حول "أدلّة وجود اللَّه في ضوء العلم الحالي" (ترجمة الخطاب الذي أُلقِيَ في الأكاديمية البابوية للعلوم في 22-11 -1951، وصدرت في مجلة "مستندات كاثوليكية" Documentation catholique، 16 كانون الأول 1951). لا يجب أن ننسى العبارة المُعتَرِضة الصغيرة بخصوص العالِم الاختصاصي الذي بإمكانه "عندما يُفكّر كفيلسوف" رؤية أن العلم يكتشف الله. لهذا الاستطراد أهمية كبرى. بهذا المعنى يجب أن نقرأ الصفحات اللافتة للنظر للكاهن القانوني فان ستينبرغن Van Steenberghen في مجلّة لوفان الفلسفية Revue philosophique de Louvain، 1959، ص. 397-414: العلوم الوضعية ووجود الله. حول استقلال الميتافيزيقا عن العلم انظر بخاصة الصفحات 402-404. حول استحالة الأدلّة العلمية على الله، بالمعنى الحديث لكلمة علم، انظر الصفحة 400: "ليس هناك إذاً أدلّة علمية على وجود الله". بالتالي تقع دراستنا على النقيض من كل مُحاولات الأدلّة على اللَّه التي تقوم على تقديرات استقرائية علمية بحت أو لم يُرفَع النقاب كفايةً عن عناصرها الأساسية ونقدها بذاتها ولذاتها. يمكننا هنا أن نذكر أسماء معروفة مثل ب. تيلار دو شاردان ولوكونت دو نو Lecomte du Noü. كما نُشير إلى مُصنّف صغير: علم الفلك الراهن ومفهوم الله، باريس، بايار، 1958. L'astronomie actuelle et la notion de Dieu كاتبه أندريه جيري André Giret مُفعَم بأفضل النيّات لكن التقديم يبقى في أغلب الأحيان مُلتبساً. تشهد على ذلك هذه الجملة التي يبدأ بها الكتاب: "إن مسألة وجود اللَّه هي دراسة فلسفية لا قضية علم بحت (هذا ممتاز). لكنها ترتكز على معطيات العلم، وبخاصة علم الفلك" (loc, cit. p. 17) من أجل نقدٍ اعتدالي لكن مُلائم ﻟِ "لوكونت دو نو"، انظر D. Dubarle, Hews et malheurs d'une synthèse, dans Vie Intellectuelle, 1949, pp. 564 -566.

[11]ـ - انظر استنتاجات لجنة السلام الروماني "العلمية" 24-31 تموز 1959 في نشرة الاتحاد الكاثوليكي للعلماء الفرنسيين، عدد 52، أيلول-تشرين الأول 1959، صفحة 12-15. نقرأ في الصفحة 14: "من البحث العلمي نفسه تنبثق معضلات فلسفية يحملنا الفصل التبسيطي بين العلم والفلسفة على إنكارها". يمكننا أن نتذكّر هنا كلام مين دو بيران Maine de Biran : "هناك معضلات يطرحها العلم لكنه لا يقدر على حلّها". وينبغي أن نُضيف، كي نكون واضحين تماماً، أن الفيلسوف الذي يُفكّر بالمعطيات العلمية هو وحده يستطيع طرح تلك المعضلات حقاً، وذلك ضمن اختصاصها وبكل نَفاذها الميتافيزيقي. في هذا الصدد، يبدو لنا نصّ غلسون Gilson لا غِنى عنه: لن نتعالى البتّة على العِلموية أو الفلسفة الوضعية الزائفة لدى مُعاصرينا، انطلاقاً من فكرة عن الكون استُعيرَت من العلم نفسه. نرى ذلك جيّداً في مُغامرات العلماء الذين، لِعدم قبولهم بالمناقشة، يكتفون بأن يحلموا بحُرّية بِماورائيات العلم. بذلك لا يَصِلون إلا إلى حقيقة جنس العلم-الخيال، الحقيقة الأقل إمتاعاً من بين كل الحقائق. لكن من العبث أيضاً، بالنسبة للفيلسوف نفسه، التوجّه إلى ما فوق العلم بإعادة توزيع المفاهيم التي يَدين الفيلسوف بها للعلم والاكتفاء بالحديث عنها بطريقة تُخالف العلم. إن إرادة التعالي على العلم في اختصاص العلم يعني تطبيق طرائقه في اختصاص لا تُستخدَم فيه".

(Souvenir de Bergson, dans Revue de Met. et de mer 1959, n.  134 ) ليس بمقدورنا أن نقول أفضل مما قلناه.

[12]ـ -Vers une science de la méthode (نسخة طبق الأصل لِحديث مُسجّل بصيغة النصوص الغنية Rich Text Document RTF وبإشراف بيير سبيريوت Pierre Spiriot) في "طاولة مستديرة" Table ronde، 1959، عدد 134 (شباط)، صفحة 163. حول سوء استخدام نتائج العلم في دراسات تتناول الأدلّة على اللَّه والتي لا يمكن إلا أن تخفق، انظر D. Dubarle, Conscience chrétienne et Univers, dans Conscience chrétienne et Dimensions de l'Univers Lumière et Vie n. 17, 1954, pp. 116-142.