البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : شبهات الملحدين ، النقد العقلي لـ " لا عقلانية " الإلحاد

الباحث : محمد حسن قدردان قراملكي

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 7

السنة : السنة الثالثة - ربيع 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : May / 9 / 2017

عدد زيارات البحث : 255

حجم ملف البحث : 441.999 KB

 تحميل

تهدف هذه المقالة إلى تظهير منظومة معرفية تبحث من جهة في الأجلة العقلية والمنطقية على وجود الله تعالى وتتناول من جهة ثانية بعض الشبهات التي طرحت حولها من قبل الملحدين والمشكّكين، ومن ثمّ تثبت أنّ الاعتقاد بوجوده تعالى ينسجم انسجاماً تامّاً مع حكم العقل والفطرة الإنسانية بحيث يمكن إثباته بالبراهين الفلسفية والفطرية التي لها قابلية على نقض كلّ شبهةٍ يطرحها أهل التشكيك والإلحاد، فالشبهات الواهية التي تشبّث بها هؤلاء لا تصمد أمام تلك البراهين الدامغة وليس من شأنها إيجاد أيّ خللٍ في دلالاتها.

المحرر



لا يكتفي مناهضو الأديان بإثارة شكوكٍ حول براهين إثبات وجود البارئ الكريم، بل يسوقون بعض الأدلّة الواهية والشبهات التي يزعمون أنّها تنفي وجوده من الأساس، وسنذكر في هذا البحث بعض هذه الأدلّة والشبهات ثمّ نقوم بتحليلها ونقضها:

* الشبهة الأولى: إثبات الوجود وتحقّق المعرفة اعتماداً على الحسّ المحض :

من الأُسس التي اعتمد عليها المادّيون في نظرياتهم هي دعوى اقتصار معرفة كلّ شيءٍ على الحسّ والتجربة فحسب، لذا إن أردنا إثبات وجود أيّ أمرٍ كان فلا بدّ من اللجوء إليهما. استناداً إلى هذه القاعدة المادّية أنكروا وجود الله تعالى، إذ ليس من الممكن إثبات وجوده بالحسّ والتجربة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أوغست كونت وديفيد هيوم لهما الريادة في طرح هذه النظرية ولم يتورّعا عن إنكار وجود البارئ جلّ شأنه، ولكن لو تتبّعنا تأريخها لوجدناها تضرب بجذورها في قرونٍ سبقت عهد هذين الفيلسوفين، فالفرقة (السمنية) التي ظهرت في الهند قد أنكرت فائدة كلّ تأمّلٍ باطنيٍّ مهما كان نوعه وزعم أتباعها أنّ الحسّ هو المبدأ الوحيد للمعرفة والعقيدة.

بطبيعة الحال فإنّ منكري المعرفة العقلية ينخرطون في طوائف عدّة وبمشارب شتّى، فبعضهم أنكروا العلم من أساسه ومنهم من أنكر العلم بالقضايا الماورائية الدينية فقط؛ وقد تطرّق العلماء المسلمون الأوائل إلى بيان المتبنّيات الفكرية لهذه المذاهب ضمن مختلف نظرياتهم العقائدية ومؤلّفاتهم التي تمحورت حول المباحث العلمية والمعرفية، ومثال ذلك ما ذكره الفخر الرازي، إذ قال: «واحتجّ المنكرون للنظر في الإلهيات بوجهين، أحدهما أنّ إمكان طلب التصديق موقوفٌ على تصوّر الموضوع والمحمول، والحقائق الإلهية غير متصوّرةٍ لنا لما سبق أنّا لا نتصوّر إلا ما نجده بحواسّنا أو نفوسنا أو عقولنا»[2].

تحليل الشبهة ونقضها:

نقول في نقض الشبهة المذكورة:

1 ) عدم اقتصار المعرفة على الحسّ :

أثبتنا في المباحث الآنفة أنّ زعم اقتصار معرفة الإنسان على الحسّ والمعرفة باطلٌ من الأساس ولا يستند إلى أيّ دليلٍ معتبرٍ، كما ذكرنا أدلّةً وبراهين تثبت تحقّقها عن طريق العقل والشهود والعلم الحضوري؛ وعلى هذا الأساس فإنّ عدم معرفة الله تعالى عن طريق الحسّ والتجربة المادّية لا يعني أبداً عدم وجوده، بل هو واجب الوجود الثابت بالبراهين العقلية والفلسفية كما ذكرنا سابقاً.

2) أتباع المذهب المادّي اعتمدوا على الدليل العقلي لإثبات مزاعمهم:

على الرغم من أنّ أتباع المعرفة المادّية يقيّدون علم الإنسان بما هو محسوس فقط، لكنّهم في الواقع يتشبّثون بالدليل العقلي لإثبات مدّعاهم هذا، إذ يطرح عليهم السؤال الآتي: ادّعاء أنّ (المعارف البشرية متقوّمةٌ على الحسّ والتجربة) هل هو ثابتٌ بالدليل الحسّي أو العقلي؟ من المؤكّد أنّ الحسّ والتجربة ليس من شأنهما أبداً إثبات هذا الادّعاء أو وضع أيّة قاعدةٍ علميةٍ أخرى؛ لذا لا يبقى سوى العقل، وهذا يعني أنّ هؤلاء يقولون بالمعرفة الماورائية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، ومن ثمّ يثبت بطلان نظرياتهم من أساسها.

3 ) الإدراكات الحسّية لا تزيد من الثروة المعرفية للبشرية:

إنّ الأمور الحسّية تعين الإنسان على إدراك ما هو موجود بظاهره المادّي فحسب، ومن ثمّ لا تمنحه المعرفة واليقين بوجوده، فالجزم بوجود ما ندركه بالحسّ يتطلّب تحقّق مقدّماتٍ مسبقةٍ تستند إلى الاستدلال العقلي. عندما يشعر الإنسان بوجود أمرٍ مادّيٍّ، كما لو أحسّ بوجود شجرةٍ في الظلام الدامس، لا يمكننا القول حينها إنّ مجرّد هذا الشعور يثبت وجود الشجرة على أرض الواقع ومن ثمّ نجزم على أساسه بوجودها، إذ من المحتمل أن تكون غير موجودةٍ والشعور الذي اكتنف هذا الإنسان مجرّد وهمٍ لأنّه لم يرها رأي العين ولم يلمسها بيده؛ فما العمل هنا؟! هل بإمكاننا قول إنّ الشجرة موجودةٌ لأنّه شعر بها وفي الحين ذاته غير موجودةٍ لأنّه لم يرها ولم يلمسها؟! بالطبع لا، فاليقين بوجود شجرةٍ أو عدمها متقوّمٌ على قاعدة امتناع اجتماع النقيضين التي تؤكّد عدم إمكانية كون الشيء موجوداً ومعدوماً في آنٍ واحدٍ، وكما هو معلومٌ فهي قاعدةٌ عقليةٌ وليست حسّيةً؛ وعلى هذا الأساس لا يمكننا الاعتماد على القواعد المادّية هنا للحكم على وجود الشجرة أو عدم وجودها، بل لا بدّ من الرجوع إلى القواعد العقلية.

أمّا الدليل الآخر على عدم فائدة المدركات الحسّية في إثراء الجانب المعرفي لدى الإنسان، فهو حضور صورة الشيء في الذهن؛ فتصوّر شجرةٍ لا يعني انتقالها بذاتها في الذهن، وإنّما هيئة صورتها هي التي تنطبع فيه فتجعله يصل إلى مرحلة التصديق، وهذا الأمر بكلّ تأكيدٍ يتحقّق وفق عمليةٍ نفسيةٍ عقليةٍ ولا دخل للحسّ المادّي[3].

إذن، الإدراك الحسّي ليست له قيمةٌ معرفيةٌ ما لم يرتكز على الإدراك العقلي، ومن هذا المنطلق فإنّ أصحاب النزعة المادّية لم يجدوا بدّاً من الإذعان للدليل العقلي والإقرار بالمعارف العقلية.

4 ) معرفة الله تعالى عن طريق الآثار:

يدّعي أتباع الحسّ والتجربة أنّ وجود الله تعالى لا يمكن إثباته بوساطة المعارف البشرية لأنّه وجودٌ ماورائيٌّ.

هذه المزاعم باطلةٌ ولا أساس لها من الصحّة، إذ يمكننا الاعتماد على العقل والحسّ معاً لإثبات وجوده ولمعرفة صفاته المباركة، وسوف نثبت في المباحث اللاحقة ضمن حديثنا عن الصفات الإلهية أنّ عنوان (واجب الوجود) يعني ضرورة وجود صفاتٍ ثبوتيةٍ عديدةٍ لله عزّ وجلّ من قبيل الأزلية والوحدة والبساطة والكمال والغنى. فضلاً عن ذلك فالتأمّل في الكون والطبيعة والنظام المذهل اللذان يتقوّمان عليه، يغرس في أنفسنا الطمأنينة واليقين بوجود مدبّرٍ حكيمٍ يدير شؤونهما بعلمه الواسع وقدرته اللامتناهية.

* الشبهة الثانية: المفاهيم غير المحسوسة ليست ذات قيمةٍ معرفيةٍ وفق أصول النزعة التجريبية الوضعية:

لقد نحا بعض المادّيين منحىً متطرّفاً للغاية لدرجة أنّهم لم يكتفوا بإنكار كلّ وجودٍ ماورائيٍّ، بل ذهبوا إلى أنّ دلالة كلّ مفهومٍ مرهونةٌ بكونه قابلاً لأن يتحقّق في إطار لحسّ والتجربة، أي: إنّهم ينكرون كلّ أمرٍ غيبيٍّ بأيّ نمطٍ كان ويقومون بتحليل كلّ قضيةٍ أو تفكيكها إلى عناصرها الأوّلية بغية فهمها وإدراكها؛ وفي غير هذه الحالة يعدّونها كاذبةً ويعرضون عنها لكونها مهملةً بزعمهم. وعلى أساس هذا الاعتقاد اعتبروا المفاهيم الدالّة على العالم المجرّد ـ وبما في ذلك الله تعالى ـ عاريةً من أيّ معنى ومن ثمّ لا يصل الدور إلى الحديث عن وجودها أو عدم وجودها.

وقد دافع أتباع النزعة التجريبية الوضعية (الفلسفة الوضعية) عن هذه الرؤية المتطرّفة، حيث أنكروا جميع الوجودات الماورائية بذريعة عدم تحقّقها على أرض الواقع في العالم المادّي وعدم إمكانية تحليلها وتفكيكها إلى عناصرها الأوّلية الأمر الذي دفعهم لإنكار وجود الله عزّ وجلّ أيضاً.

تحليل الشبهة ونقدها:

لا شكّ في أنّ تسليط الضوء على المتبنّيات الفكرية لأتباع الفكر التجريبي الوضعي وبيان جميع جوانبه، يتطلّب إجراء بحثٍ واسعٍ ومستقلٍّ في إطار عناوين فرعية عديدة، ولكن بما أنّه في العصر الراهن أصبح هشّاً وهزيلاً مقابل النظريات المعارضة له، سنكتفي فيما يأتي بذكر بعض النقاط في نقضه:

1) حدوث الدَّور المنطقي الممتنع[4]:

إثبات وجود أمرٍ عن طريق الاستدلال بنفس وجوده يعدّ باطلاً من حيث القواعد العقلية والمنطقية لأنّه يستلزم حدوث الدَّور، فليس من الصحيح بمكانٍ إثبات أنّ القضية صادقةٌ نظراً لكونها ذات معنى ومن ثمّ إثبات أنّها ذات معنى لكونها صادقةً؛ فقد عُدّ وجود المعنى دليلاً على الصدق، وهذا الأخير بدوره عُدَّ دليلاً على وجود المعنى؛ أي قد توقّف وجود الشيء على نفسه، وهو دورٌ باطلٌ.

إذن، ما ذكره أتباع النزعة التجريبية الوضعية يستلزم تحقّق الدَّور، مـمّا يعني بطلان مذهبهم.

2) استحالة تحقّق المدّعى:

أتباع التجريبية الوضعية يؤكّدون إمكانية تحليل القضايا، أي: إنّهم يقولون إنّ القضية الصادقة التي يمكن فهمها وإدراكها هي تلك التي يمكن تحليلها أو تفكيكها إلى عناصرها الأوّلية عن طريق التجربة المادّية؛ ومن هذا المنطلق نطرح عليهم السؤال الآتي:

حسب ادّعائكم فإنّ معنى القضية لا بدّ من أن يتّصف بالقابلية على التحقّق في الخارج، وهذا المدّعى بذاته هل يندرج تحت القضايا التي يمكن تحليلها أو التي يمكن تفكيكها إلى عناصرها الأوّلية؟

من المؤكّد أنّ هذا المدّعى لا يندرج تحت القضايا التحليلية لكون المحمول لا يتحقّق إلا عن طريق تحليل الموضوع، حتّى لو فرضنا أنّه يندرج تحت هذا النمط من القضايا فلا يتحقّق منه حينئذٍ أيّ معنىً جديدٍ أو مفهومٍ ذي دلالةٍ جديدةٍ، في حين أنّه مطروحٌ في الأساس لإثبات معنىً جديدٍ وهو الاستدلال على ضرورة قابلية تحقّق الشيء في الخارج.

وإذا افترضنا أنّه يندرج تحت القضايا التركيبية القابلة للتفكيك، فيا ترى هل أثبتت التجربة أنّ تحقّق المعنى لجميع القضايا مرهونٌ بقابليتها على التحقّق في الخارج بجميع أجزائها؟ بالطبع لم يقل أحدٌ بذلك.

إذن، التجريبية الوضعيـة تناقض نفسها، وما ادّعاه أتباعها لم يتحقّق في الخارج، لـذا لا يمكن زعم أنّ القضايا الحقيقيـة مشروطةٌ بالتحقّـق العيـني[5].

3 ) بطلان مدّعى عمومية القاعدة:

حتّى لو افترضنا أنّه يمكن إثبات ما ذكر عن طريق الحسّ والتجربة، لكن مع ذلك لا يمكن ادّعاء عمومية هذه القاعدة وتطبيقها على جميع القضايا الحسّية والماورائية، إذ يقرّ العلماء التجريبيون بإمكانية تفنيد القوانين العلمية والطبيعية قاطبةً، لذا ليس هناك أيّ قانونٍ طبيعيٍّ ثابتٍ ودائمٍ إلى الأبد؛[6] وعلى هذا الأساس فغاية ما يمكن أن يدّعيه أصحاب المذهب الوضعي هو أنّ دلالة القضايا على معانٍ قابلة للفهم والإدراك في نطاق الحسّ والتجربة يمكن أن تتحقّق بشكلٍ كلّيٍّ، أي: إنّ تحقّقها ممكنٌ في إطار بعض القضايا المحدودة فحسب، لذا لا يمكن عدّ هذه الدلالة شرطاً لكلّ القضايا مطلقاً.

من البديهي أنّ هذا الأمر المتزعزع من أساسه ليس من شأنه أن يكون برهاناً على نقض القضايا المرتبطة بالعالم المجرّد (الماورائي).

4 ) عدم إمكانية تفنيد القضايا الماورائية:

أتباع التجريبية الوضعية بذلوا ما بوسعهم بغية تفنيد كلّ قضيةٍ تمتّ بصلةٍ إلى الله عزّ وجلّ وعالم الغيب، لكنّهم في الحقيقة لا يمتلكون صلاحية القيام بذلك، فغاية ما في الأمر هو اقتصار مبادئهم وبراهينهم المادّية على نطاق عالم المحسوسات، وحسب التعبير المنطقي فحدود استنتاجاتهم منحصرة في إطار القضية الموجبة الجزئية؛ لذا ليست لديهم الصلاحية ولا القابلية العلمية على نقض كلّ قضيةٍ لا تخضع للحسّ والتجربة، ولو أنّهم خالفوا هذه القاعدة وذهبوا إلى أبعد من استحقاقهم فهذا يعني أنّهم خرجوا عن حدود البحث العلمي وأعرضوا عن الدليل الذي هو الحجّة والبرهان لإثبات كلّ قضيةٍ محسوسةٍ أو غير محسوسةٍ.

استناداً إلى ما ذكر، يمكن للتجريبيين فقط ادّعاء أنّ القضايا المحسوسة قابلة للإثبات ومن ثمّ يمكن فهم معانيها، لكنّهم غير مخوّلين بالحكم على القضايا الماورائية وزعم أنّها غير قابلةٍ للإثبات، لذا لا يحقّ لهم تجريدها عن المعنى.

الفيلسوف الألماني مارتين بوبر الذي يدرج اسمه ضمن زمرة المتعصّبين للنزعة التجريبية والذي كان مدافعاً عنها بكلّ وجوده في فترةٍ من حياته، وصف تفنيد القضايا الماورائية وتجريدها عن الدلالة بالقول: «من السخرية بمكانٍ أن يقوم الإنسان بتفنيد كلّ ما لا يمكن إثباته عن طريق التجربة، ولقد حاول الفلاسفة في حلقة فيينا إثبات هذا الأمر فأقدموا على تدوين قائمةٍ أدرجوا فيها القضايا التي اعتبروها مستحيلةً... إنّك [أيها الإنسان] مخوّلٌ بطرح رأيك حول القضايا العلمية في إطار ما تمتلكه من علمٍ، وما خلا ذلك من كلامٍ فهو لا يتعدّى كونه هراءً»[7].

5 ) النسبوية:

النزعة النسبية (النسبوية) تعدّ واحدةً من التحدّيات التي يواجهها أتباع النزعة التجريبية الوضعية على الصعيد المعرفي، فالحسّ الذي هو باعتراف العلماء التجريبيين متغيّرٌ ومتحوّلٌ، حينما يصبح مصدراً أساسياً ومعياراً وحيداً للعلم والمعرفة وإضفاء المصداقية على جميع القضايا، فليس من الممكن حينئذٍ البتّ بوجود أيّة قضيةٍ أو الجزم بصحّة أيّ مفهومٍ علميٍّ، إذ إنّ احتمال عدم مطابقته للواقع يعدّ أمراً ثابتاً ولا مناص منه في جميع الأطروحات والاستنتاجات إثر عدم استقرار القواعد العلمية وتغيّرها باستمرارٍ.

6 ) بطلان الفرضية من أساسها وعدم انسجام تفاصيلها:

لقد واجهت المدرسة التجريبية الوضعية نقداً لاذعاً منذ باكورة ظهورها الأمر الذي دعا مؤسّسوها للتراجع عن متبنّياتهم الفكرية بين الفينة والأخرى، ومن ثمّ افتقدت أطروحاتهم الفكرية للرصانة العلمية ولم تشهد انسجاماً منطقياً في جميع تفاصيلها ناهيك عن عدم اتّزانها فلسفياً. أتباع النزعة الوضعية ذهبوا في بادئ الأمر إلى القول بمبدأ التحقّق والبرهان في إثبات مصداقية القضايا (Verifiability principle) لكنّهم بعد ذلك تخلّوا عن هذه الأطروحة وتبنّوا فكرة الثبوت (Confirmability) التي تؤكّد أنّ المعيار الأساسي لمصداقية كلّ قضيةٍ هو إثباتها عن طريق المشاهدة فقط، ومن ثمّ ليست هناك ضرورةٌ لإثباتها بالكامل. فيما بعد طرح التجريبيون المنطقيون نظرية قابلية الاختبار (testability) ومن ثمّ استبدلوا بها نظرية قابلية التفنيد (التجربة والخطأ) (falsability).

وبرغم كلّ الجهود التي بذلها أصحاب هذه النزعة وتعدّد النظريات التي طرحوها لإثبات مزاعمهم، إلا أنّهم لم يتمكّنوا من تحقيق أهدافهم، والأمثلة على ذلك كثيرة لكنّ المجال لا يسعنا لتسليط الضوء عليها هنا، لكن نكتفي بذكر كلامٍ لأحد روّادها وهو الفيلسوف الإنجليزي المعاصر آير، فحينما سُئل عن أهمّ خللٍ في كتابه (لغة الحقيقة والمنطق) الذي ألّفه بهدف إثبات صحّة النزعة التجريبية الوضعية، أجاب قائلاً: «أعتقد أنّ أهمّ خللٍ في هذا الكتاب هو اشتماله على مواضيع عاريةٍ من الصحّة»[8]. ووصف البُنية المنطقية المتزعزعة للمدرسة الوضعية بالقول: «إنّ البحث العلمي [في هذه المدرسة الفكرية] لم تُرسَ دعائمه على أساسٍ قويمٍ منذ بادئ الأمر، وقد حاولت مراراً رأب هذا الصدع لكنّني في كلّ مرّةٍ إمّا اضطررت لأن أُحمّل الموضوع أكثر من طاقته وإمّا  عجزت عن إثرائه بالمبادئ الفكرية كما ينبغي؛ وإلى يومنا هذا ما زالت هذه المدرسة الفكرية تفتقر إلى الأُسس المنطقية المعتبرة»[9].

* الشبهة الثالثة: عدم اكتمال المعرفة البشرية:

من الذرائع التي تشبّث بها الملحدون لإثبات نزعاتهم المادّية، هي القول بعدم اكتمال المعرفة البشرية، فزعموا أنّ الذهن البشري عاجزٌ عن إدراك الحقائق بشكلٍ تامٍّ وكاملٍ، وكلّ قضيةٍ معرفيةٍ عرضةٌ للخطأ والبطلان؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن ادّعاء أنّ أحداً يمتلك معرفةً كاملةً بإحدى الحقائق.

ولأجل إثبات مدّعاهم وقعوا في أخطاء وهفوات عديدة بعد أن تمسّكوا بالمدركات العلمية المادّية، ومن ثمّ أدرجوا المعرفة البشرية بالله عزّ وجلّ ضمن هذه القاعدة بحيث لم يستثنوا أيّ أمرٍ غيبيٍّ.

هذه الرؤية التي شاعت في القرون الماضية قد انبثقت في بادئ الأمر من أفكار الفيلسوف إيمانوئيل كانط الذي قال بوجود غيريةٍ بين الذوات «النِمونات» (Noumen) وبين الأعراض والظواهر الخارجية «الفنومونات» (Phenomen)[10]، ومن هذا المنطلق أكّد استحالة مطابقة الصورة الذهنية للواقع.

توضيح الشبهة بتفصيلٍ أكثر:

أوّلاً: ادّعى بعض علماء اللاهوت أنّ النقص الموجود في المعرفة البشرية واحتمال حدوث الخطأ فيها محدودٌ بنطاق البراهين اللاهوتية العقلية والفلسفية، وذهبوا إلى أنّ اتّصاف هذه البراهين بالخطأ يضطرّنا للتخلّي عنها وطرحها جانباً والاكتفاء بالبراهين المادّية وتسليط الضوء على الآثار الطبيعية فحسب.

ثانياً: باعتقاد بعض العلماء فإنّ العلوم البشرية عُرضةٌ للتغيير باستمرارٍ، وكذا هي الحال بالنسبة إلى عقيدة الإنسان بالله تعالى، أي: إنّها دائماً في مهبّ رياح التغيير. في العقود الخمسة المنصرمة انخرط بعض المفكّرين المسلمين تحت مظلّة الفكر الماركسي وأطلق عليهم عنوان (المسلمون الاشتراكيون)، وقد دافعوا عن فكرة التغيير هذه[11].

تحليل الشبهة ونقضها:

نذكر النقاط الآتية في نقض الشبهة المطروحة:

1) إن كان المقصود من هذا البرهان هو إنكار العلم البشريّ من أساسه، فهذا ضربٌ من السفسطة التي تنتهي إلى النزعة الشكوكية، ومن المؤكّد أنّه لا يمكن الاستناد إلى الأفكار السفسطائية في الاستدلال والبرهنة، ناهيك عن ثبوت بطلانها حسب القواعد الإبستمولوجية.

إضافةً إلى ما ذكر، فالذين أنكروا وجود الله تعالى حسب الفرضية المذكورة لم يأتوا بأيّ دليلٍ معتبرٍ لإثبات مدّعاهم وذلك لكون إقامة الدليل مقدّمةً أساسيةً لتحقّق العلم وإثبات المدّعى.

2) إن لم يكن المقصود بالبرهان المذكور إنكارَ مطلقِ العلم، وأُريد منه إنكار أحد جوانبه فحسب، فهذا يعني أنّ موضوعه ليس من نمط القضية الموجبة الكلّية، ومن ثمّ ليس من الصواب زعم أنّ جميع المعارف الإنسانية صادقةٌ ومطابقةٌ للواقع. وفي هذه الحالة يمكن القول إنّ أصل المدّعى مقبولٌ وذلك لكون المتديّنين أيضاً لا يعتقدون بمطابقة جميع العلوم والمعارف البشرية للواقع ويقرّون باحتمال طروء خطأ عليها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه العلوم تصنّف في قسمين أساسيين، هما:

أ ـ علوم بديهية.

ب ـ علوم نظرية.

وتصنّف في تقسيمٍ آخر إلى:

أ ـ علوم حضورية.

ب ـ علوم حصولية.

وبطبيعة الحال فإنّ العلوم النظرية وكذلك الحصولية عرضةٌ لطروء الخلل والخطأ وعدم مطابقة الواقع، ومن هذا المنطلق لجأ المتديّنون إلى العلوم البديهية والحضورية، من قبيل برهان الفطرة، لإثبات وجود الله تعالى. كما أنّ علماء اللاهوت استندوا إلى البراهين العقلية والفلسفية ـ التي أُشير إليها في المباحث الآنفة ـ لإثبات وجوده تبارك شأنه وذلك نظراً لضعف احتمال طروء الخطأ عليها في عين قوّة احتمال حدوثه في العلوم النظرية والحصولية.

إذن، يتّضح لنا من هذا الكلام عقم ما ذهب إليه المادّيون من ضرورة التخلّي عن البراهين العقلية والفلسفية والاكتفاء بالبراهين المادّية، لذا لا يمكن التذرّع بنقصان المعرفة البشرية لتفنيد البراهين الدامغة التي ذكرها علماء اللاهوت على صعيد إثبات البارئ عزّ وجلّ. وحسب أصول البحث العلمي، من الممكن طرح هذه البراهين في بوتقة النقد والتحليل العلمي ومن ثمّ الحكم عليها بإنصافٍ ومن دون أيّ انحيازٍ؛ ومن هذا المنطلق نجد الفيلسوف إيمانوئيل كانط الذي ادّعى عدم تطابق التصوّرات الذهنية مع الواقع، قد اعتمد على البرهان الأخلاقي بغية إثبات الله تعالى.

3) لا شكّ في أنّ الذهن البشري عاجزٌ عن إدراك حقيقة الذات الإلهية وكُنهها، لكنّ هذا الأمر ليس وازعاً لزعم عجزه عن إثبات وجود الله تعالى.

4) بالنسبة إلى القول بكون علم الإنسان غير مستقرٍّ، نقول: التغيير في العلوم الحسّية يعدّ أمراً طبيعياً ويحدث باستمرارٍ، والسبب في ذلك يرجع إلى أنّ المحسوسات عرضةٌ للتغيير وغير مصونةٍ من الخطأ، إلا أنّ العلوم العقلية ثابتةٌ ولا يطرأ التغيير عليها كما لا يحتمل حدوث الخطأ فيها عند إتقانها؛ فقواعد الرياضيات والمنطق على سبيل المثال مستقرّةٌ ولا يمكن تغييرها بتاتاً، لذلك لن يأتي اليوم الذي تتغير فيه نتيجة المعادلة الرياضية (1 + 1 = 2) كما أنّ النقيضين لا يمكن أن يجتمعا في أيّ آنٍ كان.

وبما أنّ ذات البارئ عزّ وجلّ هي وجودٌ ثابتٌ بسيطٌ ومحضٌ لدرجةٍ يستحيل معها طروء أيّ تغييرٍ على العلم المرتبط بها، فالبراهين العقلية والفلسفية الدالّة على ضرورة وجود واجب الوجود هي أصولٌ عقليةٌ لم يطرأ عليها أيّ تغييرٍ على مرّ العصور، حيث كانت مطروحةً منذ باكورة ظهور علم الفلسفة، لذا نجدها في الفلسفة الإغريقية وفي الفلسفة المعاصرة على حدٍّ سواء. ولكن نظراً لضيق نطاق علمنا بالذات والصفات الإلهية، من المحتمل حدوث اختلافٍ في الآراء المطروحة على هذا الصعيد، إلا أنّ هذا الأمر ليس موضوع بحثنا الحالي، بل محور الكلام هو إثبات وجود الله تعالى الذي أصبح هدفاً لسهام الملحدين.

إذن، بناءً على ما ذكر فإنّ عدم اكتمال المعرفة البشرية لا يعدّ دليلاً يمكن الاستناد إليه في نفي وجود الربّ العظيم.

* الشبهة الرابعة: عدم وجود محمولٍ في قضية (الله موجودٌ):

براهين إثبات وجود الله عزّ وجلّ تهدف إلى تأكيد صدق القضية الآتية: (الله موجودٌ)، لذلك ادّعى بعضهم أنّ كلمة (موجود) التي هي محمولٌ[12] برأي المتدينين، لا تعدّ محمولاً في واقع الحال مـمّا يعني عدم صواب رأي المتدينين.

ومن هذا المنطلق زعم هؤلاء أنّ القضية المذكورة تدلّ على وجود نسبةٍ بين أمرين فقط، ومن ثمّ ذهبوا إلى عدم إمكانية الاعتماد على البراهين العقلية لإثبات وجود الله تعالى.

هذه الشبهة غالباً ما تطرح من قبل الفلاسفة الغربيين، ولدى نقده لبرهان الوجود الذي طرحه القديس أنسلم، ادّعى الفيلسوف إيمانوئيل كانط عدم وجود محمولٍ حقيقيٍّ في القضايا البسيطة كقولنا: (هذه الوردة موجودةٌ)، والسبب في ذلك هو أنّ المحمول في مثل هذه القضايا لا يضفي شيئاً على الموضوع ولا يمنحنا معنىً جديداً، لذا فإنّ كلمة (موجودة) في الجملة المذكورة لا فائدة منها لكوننا على علمٍ مسبقٍ بوجود الوردة (الموضوع)، وواقع الحال أنّ القضية التي تصوّرها هذه الجملة هي: (هذه الوردة الموجودة، موجودةٌ). بناءً على هذا الرأي، فقضية (الله موجودٌ) عاريةٌ من المحمول، ومن ثمّ لا يمكن اعتبارها من جملة القضايا التأليفية التي يشترط في تحقّقها افادة علمٍ جديدٍ ينتقل إلى ذهن المخاطب.

إذن، قضية (الله موجودٌ) لا تتضمّن أيّ محمولٍ حقيقيٍّ، ومن ثمّ فهي عاريةٌ من المعنى[13].

إضافةً إلى ما ذكر، فإنّ قضية (الله موجودٌ) ليست من سنخ القضايا التحليلية لكون المحمول لا يُستنتَج من تحليل الموضوع، ويشترط في كون القضية تحليليةً أنّ إنكارها يؤدّي إلى حدوث تناقضٍ، كقولنا: (كلّ أبٍ رجلٌ)؛ لكنّ إنكار وجود الله تعالى لا يسفر عن حدوث تناقضٍ؛ وعلى هذا الأساس، لا يمكن إدراج قضية (الله موجودٌ) ضمن القضايا التأليفية ولا التحليلية؛ ومن ثمّ فهي ليست قضيةً من الأساس.

تحليل الشبهة ونقضها:

نقول في نقض الشبهة المطروحة أعلاه:

1) ليس من الصواب بمكانٍ اشتراط دلالة القضية على الحقيقة بضرورة إفادتها لمعنىً جديدٍ في ذهن المخاطب، إذ إن القضايا على نوعين، فهي إمّا أن تكون ذهنيةً وإمّا لفظيةً، الذهنية بدورها تتمحور فقط في ذهن المتكلّم من دون أن تلقى إلى المخاطب، لذا لا يمكن إدراجها ضمن القضايا التي تفيد معنىً جديداً؛ ومن هنا يتّضح لنا أنّ القضية لا تتقوّم على إفادة معنىً جديدٍ ولا يشترط هذا الأمر في تحقّقها[14].

2) حسب أصول الفلسفة الإسلامية وعلم المنطق فالمحمولات في القضايا التي تدور حول مباحث وجود الله تعالى وصفاته، لا تعدّ من سنخ الأعراض الذاتية، بل هي ذات الموضوع وعينه، حيث يعبّر عنها بالقضايا الأزلية أو الهلّية البسيطة؛[15] وهذا الأمر أيّده الرئيس ابن سينا لدى حديثه عن المقدّمات البرهانية، حيث قال: «وإذا كانت المقدّمات البرهانية؛ يجب أن تكون ذاتية المحمولات للموضوعات الذاتية التي تشترط في البرهان»[16].

استناداً إلى ذلك يتّضح لنا أنّ قضية (الله موجودٌ) هي من سنخ القضايا التحليلية التي أشار إليها الفيلسوف كانط، لذا فإنّ محمولها يُستنتج من تحليل مفهوم الموضوع بهدف إثبات الوجود الإلهي، وسنوضّح هذا الأمر بتفصيل أكثر في المبحث اللاحق.

نستشفّ ممّا ذكر أنّ اعتراض الفيلسوف كانط لا يرد مطلقاً على البراهين التي تساق لإثبات وجود الله تعالى ولا على استدلالات الفلاسفة في هذا المقام لكونها ليست من سنخ المحمول بالضميمة، وإنّما تطرح لإثبات وجوده جلّ شأنه بصفتها عين الموضوع وتندرج في القضايا الهلّية البسيطة المطروحة في المنطق، ومن هذه الناحية يصبح الوجود محمولاً حقيقياً في القضايا الأزلية.

3 ) برغم أنّ قضية (الله موجودٌ) تدرج ضمن القضايا التحليلية، لكن يمكن تصوّر معنىً جديدٍ لها، وهو إفادة تأكيد وجود الذات الإلهية للمتديّنين، كما أنّها تخبر عن وجوده لمن لا يؤمن به سواءٌ كان جاهلاً أو شاكّاً أو منكراً؛ حيث يمكن لمن لا يؤمن بالله تحليل القضية في ذهنه والتأمّل فيها ومن ثمّ سيتمكّن من الوصول إلى درجة إدراكها فيعتبرها مساوقةً للوجود الحقيقي.

4 ) لدى حديثنا عن برهان الصدّيقين وضمن الشبهة الأولى التي تمحورت حول الوجود المحمولي والقضايا الأزلية، قلنا إنّ الفلاسفة المعاصرين من أمثال العلامة محمّد حسين الطباطبائي قد ذهبوا إلى أنّ القضايا التي يكون الوجود محمولاً لها هي قضايا من سنخ عكس الحمل، بمعنى أنّ محمولها هو الموضوع في الواقع وموضوعها هو المحمول، فحقيقة قضية (الله موجودٌ) هي (الموجود الله)، وفي هذه الحالة فهي تفيد معنىً جديداً لأنّها على أقلّ تقديرٍ تشير إلى أنّ الله تعالى هو أحد مصاديق الموجود.

ومن جانبٍ آخر يمكن اعتبار هذه القضية من سنخ القضايا التحليلية التي طرحها كانط لكون محمولها هو (الله) الذي يُستنتَج من خلال تحليل الموضوع (موجود)؛ وهو ما أشرنا إلى تفاصيله في برهان الصدّيقين.

* الشبهة الخامسة: الله ليس موجوداً بالضرورة (ضرورة وصف القضية وليس الحقيقة):

يصف علماء اللاهوت الله تعالى بأنّه واجب الوجود، وهذا العنوان ـ كما هو واضحٌ من دلالته ـ يعني ضرورة وجوده، فمفهوم (ضرورة) هو الجهة في قضية (الله موجودٌ بالضرورة).

الشبهة التي طرحها الملحدون تتلخص في أنّ الضرورة التي توصف بها القضية ذات المحمول والمـوضوع تعـدّ من سنخ القضايا الذهنية البحتة بحيث إنّها لا تتحقّـق علـى أرض الواقـع؛ وهي شبهةٌ طُـرحت في غـالب الحـال بين الفلاسفة الغربيين من أمثـال ديفيـد هيوم وإيمانوئيل كانط وفندلي وبارنز[17]. يقول الفيلسوف برتراند راسل في هذا الصدد: «كلمة (واجب) باعتقادي لا تتحصّل منها الفائدة ولا تدلّ على المعنى الكامن فيها إلا حينما تطلق على القضايا التحليلية، أي القضايا التي يؤدّي إنكارها إلى حدوث تناقضٍ... إنّني لا أعتبر الأمر واجباً ما لم يسفر إنكاره عن وقوعنا في تناقضٍ»[18].

نتيجة ما ذكر أنّ بعض المعترضين يعتقدون بكون الضرورة تتعلّق بالقضايا وحسب، واعتبروها ضرورةً منطقيةً لا تتحقّق إلا ضمن نطاق القضايا التحليلية بحيث يسفر إنكارها عن حدوث تناقضٍ، لكنّهم في الحين ذاته جرّدوا الضرورة العينية والفلسفية من أيّة دلالةٍ[19]. ومن جانبٍ آخر، بما أنّ هؤلاء لا يعتقدون بكون قضية (الله موجودٌ) من سنخ القضايا التحليلية، لذا يجرّدونها من الضرورة والوجوب.

تحليل الشبهة ونقضها:

برغم أنّ قضية (الله موجودٌ بالضرورة) لم ترد بهذا اللّفظ في النصوص الدينية، لكنّها مستوحاة منها، إذ هناك عباراتٌ أخرى ترادفها في المعنى، وبما فيها ما يأتي:

- «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»[20].

- «وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»[21].

- «وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ»[22].

وروي في بحار الأنوار عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: «الحمد الله الذي أعدم الأوهام أن تنال إلى وجوده»[23]، وروي عنه أيضاً في نهج البلاغة: «ما وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلا حَقِيقَتَهُ أَصابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلا إِيّاهُ عَنى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلا صَمَدَهُ مَنْ أَشارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ، كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قائِمٍ فِي سِواهُ مَعْلُولٌ، فاعِلٌ لا بِاضْطِرابِ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيُّ لا بِاسْتِفادَةٍ، لاَ تَصْحَبُهُ الْأوْقاتُ، وَلا تَرْفِدُهُ الْأدَواتُ»[24]، وقال أيضاً: « كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالاْلةِ، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ»[25]، وقال كذلك: «سُبحانَ الواحد الذي ليس غيره، سبحان الدائم الذي لا نفاد له، سبحان القديم الذي لا ابتداء له، سبحان الغنيّ عن كلّ شيءٍ ولا شيء من الأشياء يُغني عنه»[26]. وجاء في دعاء الإمام الحسين(ع) المعروف بدعاء عرفة: «إلهي أنت الغنيّ بذاتك أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنيّاً عنّي؟!»[27].

كما هو واضحٌ من هذه النصوص فإنّ الله تعالى وجودٌ أزليٌّ سرمديٌّ، وغنيٌّ مطلقٌ قائمٌ بنفسه وهو علّة العلل، في حين أنّ كلّ وجودٍ غيره فانٍ ومفتقرٌ ومعلولٌ له؛ وهذا بطبيعة الحال يعني أنّه واجب الوجود.

وللردّ على الشبهة المطروحة نقول:

1 ) لا بدّ من التمييز بين معنى الضرورة في علمي المنطق والفلسفة وعدم الخلط بينهما، ففي المنطق تستعمل للدلالة على قسمي القضية، أي مادّتها وجهتها. مادّة القضية تعني نسبة المحمول إلى القضية في نفس الأمر، وجهتها ليس بمعنى نسبة المحمول الواقعية إلى الموضوع في نفس الأمر، بل المقصود منها ما يُدرَك إدراكه من هذه النسبة وفق دلالة العبارة وظاهر القضية، لذا نجد في بعض الحالات أنّ الجهة تنطبق مع المادّة وفي حالاتٍ أخرى تتعارض معها، فالوجوب هو مادّة القضية وجهتها في عبارة (واجبٌ أن يكون الإنسان ناطقاً)، ولكنّ المادّة في عبارة (واجبٌ أن يكون الإنسان حجراً) هي الامتناع لأنّ نسبة المحمول (حجر) إلى الموضوع (إنسان) ممتنعةٌ في نفس الأمر، والجهة هي الوجوب حسب دلالة لفظ (واجب)[28].

وأمّا بالنسبة إلى القضية المطروحة للبحث هنا، وهي (الله موجودٌ)، أو في محمولها المعكوس (الموجود الله)؛ فالمادّة والجهة واحدةٌ، وهي الوجوب من  النوع الأزلي الذي يترتّب وجوده على مادّة القضية في نفس الأمر. إذن، ادّعاء أنّ الضرورة المنطقية لا يمكن أن تتحقّق في الخارج ليس سوى زعمٍ عارٍ من الصواب. وبيان ذلك أنّ الجانب الإثباتي للمدّعى، أي الوجود الذهني وتعلّق الوجوب المنطقي بالقضايا، هو قولٌ صحيحٌ، ولكن حسب القاعدة العقلية التي تقول إنّ إثبات الشيء لا ينفي غيره، لا يستنتج منه نفي الوجوب المنطقي وتعريته عن المعنى في نفس الأمر، فتحقّقه في الخارج متوقّفٌ على ماهية القضية ونوع موضوعها ومحمولها؛ فقضيتا (الإنسان نوعٌ) و(الإنسان كلّيٌّ) تدلان على الوجوب المنطقي، ولكن نظراً لكون الأمور الكلّية لا تتحقّق في الخارج في هيئةٍ كلّيةٍ، فإنّ موضوعها ووجوبها أيضاً لا يتحقّقان في الخارج ضمن هذا الإطار الكلّي. لكنّ قضية (هذه الشجرة خضراء) يتحقّق وجوبها في الخارج تبعاً لتحقّق موضوعها. أمّا بالنسبة إلى قضية (الله موجودٌ بالضرورة) فلو افترضنا أنّ الضرورة أمرٌ منطقيٌّ، سوف تتحقّق في الخارج تبعاً لوجود الموضوع على أرض الواقع. وبتعبيرٍ أكثر دقّة: نظراً لكون وجود الله وجوداً محضاً وأنّه مفيض الوجود على كلّ موجودٍ، فهي متحقّقةٌ في الخارج[29].

إذن، يثبت لنا ممّا ذكر أنّ كلمتي (واجب) و (ضرورة) تفيدان معنىً ثابتاً حتّى وإن جرى إطلاقهما على القضايا الواقعية، ولدى حديثنا عن براهين إثبات وجود الله عزّ وجلّ وبما فيها برهان الإمكان والوجوب، وضّحنا بالتفصيل أنّ الله تبارك شأنه من منطلق كونه واجب الوجود ومنعم الوجود على جميع حقائق الكون، فلا يمكن إنكار وجوده أبداً، وإن أنكره أحدٌ فهو بكلّ تأكيد يكون قد وقع في فخّ التناقض، وذلك بمعنى أنّه ينكر حينئذٍ جميع الوجودات وبما فيها نفسه.

2 ) المقصود بالوجوب هو تلك الضرورة العينية والفلسفية، فالوجود محتاجٌ في تحقّقه إلى الوجوب؛ وإذا كان من سنخ الوجودات الممكنة فهو بطبيعة الحال مفتقرٌ إلى علّةٍ تفيض عليه الوجود وتجعله ممكناً، وفي هذه الحالة يصبح وجوده ضرورياً وعينياً على أساس العلّة التامّة للوجوب، ولكنّ واجب الوجود الذي هو واجبٌ باقتضاء ذاته يكون وجوبه مؤكّداً.

بناءً على ما ذكر، حينما ننسب الضرورة إلى واجب الوجود (الله) فهي في هذه الحالة تكون مؤكّدةً بذاتها وغير مكتسبةٍ من الغير، أي: إنّها ملازمةٌ لذاته المباركة ومنتزعةٌ منها، وهو ما يعبّر عنه في الفلسفة الإسلامية بـ (الضرورة الأزلية)[30]. إذن، الضرورة المنسوبة إلى الله تعالى تختلف عن الضرورة المنطقية التي طرحها بعض الفلاسفة من أمثال ديفيد هيوم وإيمانوئيل كانط، في حين أنّ بعض المتخصّصين في فلسفة الدين الغربيين التفتوا إلى هذا الاختلاف، كالفيلسوف جون هيك الذي قال: «النقد المطروح حول الوجوب المنسوب إلى الله ووصفه بأنّه غير مفهومٍ ولا معقولٍ عبر الاعتراض على برهان الأنطولوجيا، ناجمٌ عن فهمٍ خاطئ، لأنّ البرهان المذكور لا يرتكز على تصوّرٍ لوجودٍ ضروريٍّ بحكم العقل، فمفهوم (واجب الوجود) المتداول في المعتقدات المسيحية ليس له ارتباطٌ بالضرورة العقلية، بل هو مرتبطٌ بشكلٍ أساسيٍّ بنمطٍ من الضرورات الحقيقية التي تساوق وجود الله وتعني أنّه قائمٌ بالذات؛ وعلى هذا الأساس فإنّ تصوّر كون الله واجباً لا ينبغي أن يعتبر قضيةً عقليةً حقيقيةً وضروريةً مساوقةً لقضية (الله موجودٌ)»[31].

* الشبهة السادسة: عدم الانسجام بين صفات الله تعالى:

من الأدلّة التي تشبّث بها الملحدون لإنكار وجود الله تعالى، زعم وجود تضادٍّ بين صفاته، حيث عدّوا الصفات التي ذكرها المتألّهون في وصفه متعارضةً يعارض بعضها بعضاً ومستحيلة التحقّق في مقام الثبوت، فاستنتجوا من ذلك أنّه غير موجودٍ واتّخذوا الإلحاد سبيلاً.

وفيما يأتي نذكر استنتاجاتهم مع تفنيدها:

1) الله تعالى غير متناهٍ:

من الصفات التي تنسب إلى الله عزّ وجلّ هي كونه غير متناهٍ، وبطبيعة الحال فهذه الصفة سببٌ لعدم القدرة على إثبات وجود من يتّصف بها؛ وتوضيح ذلك كما يأتي: لأجل معرفةٍ أحد الأمور ووصفه وتعريفه للآخرين، لا بدّ من أن يكون متناهياً وذا حدودٍ تحدّه؛ إذ لو كان غير متناهٍ وليس محدوداً بحدودٍ معيّنةٍ فلا يمكن وصفه وتعريفه، ومن ثمّ لا يمكن إثبات وجوده. على سبيل المثال قولنا (هذه دائرة) نعني به تمييز هذا الشكل الهندسي عمّا سواه من أشكال أخرى كالمربع والمستطيل والمثلث، وكذا هي الحال بالنسبة إلى سائر الأشكال الهندسية، فحينما نذكر اسمها أو شكلها نروم من ذلك تمييزها عن غيرها؛ ولكنّ الأمر غير المتناهي ليس له شكلٌ معيّنٌ ومن ثمّ لا يمكن وصفه وتعريفه كي يتمايز عمّا سواه. وهكذا إن قلنا (هذه وردة) حيث نقصد من ذلك تمييز هذا الشيء المحدود (المتناهي) الذي هو ليس شجرةً ولا غصناً ولا جذعاً ولا أيّ شيءٍ آخر غير الوردة.

وقد دافع الفيلسوف وليام هدسون عن هذه الشبهة مؤكّداً أنّ إضفاء صفة (لا متناهي) إلى الذات الإلهية، كقولنا هو قديرٌ ورؤوفٌ بلا نهايةٍ، يعدّ ضرباً من التناقض، لذلك استبدل بهذا التعبير كلمة (أكثر)، أي: إنّه اعتبره تعالى أكثر قدرةً ورأفةً[32].

تحليل الشبهة ونقضها:

الشبهة المذكورة ترتكز في الحقيقة على افتراضين أساسيين، هما:

أوّلاً: كون الأمر غير متناهٍ يدلّ على عدم إمكانية وصفه.

ثانياً: عدم إمكانية وصف الأمر سببٌ لنفي وجوده.

وفيما يأتي نتطرّق إلى نفي هذين الافتراضين ونقضهما:

الافتراض الأوّل: إنّ كون الأمر متّصفاً باللانهاية وخارجاً عن نطاق الحدود التي تقيّد كلّ أمرٍ آخر، لا يعدّ سبباً لعدم القدرة على وصفه، ومنشأ هذا التصوّر هو الذهن البشريّ ذو النطاق المحدود، حيث يواجه أموراً متناهيةً ذاتت نطاقٍ معيّنٍ فيلجأ إلى وصفها بأمورٍ متضادّةٍ معها كما أشرنا في الأمثلة السابقة، وعلى هذا الأساس ذهب المعترضون إلى ادّعاء أنّ عدم التناهي متلازمٌ مع عدم الوصف دون أن يقيموا أيّ دليلٍ عقليٍّ يمكن الاحتجاج به. مثلاً لو افترضنا عدم وجود أيّ لونٍ في الكون سوى الأبيض بحيث لا نرى الأشياء إلا بيضاء ـ وهذا يعني عدم تناهي اللون الأبيض ـ كما هي الحال بالنسبة إلى بعض الحيوانات التي لا تبصر سوى لونٍ واحدٍ؛ فهل بإمكاننا ادّعاء أنّ عدم التناهي هذا لا بدّ من أن يدلّ على انعدام اللون الأبيض ومن ثمّ تجريده من صفة البياض؟! أي هل يمكن زعم عدم وجودٍ شيءٍ يتّصف بالبياض بسبب عدم تناهي اللون الأبيض؟! 

إذن، مجرّد كون الأمر غير متناهٍ لا يعني عدم إمكانية وصفه ومن ثمّ نفي وجوده، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه حسب قواعد الإبستمولوجيا إذا لم نكن نعرف سوى لونٍ واحدٍ ـ كالأبيض ـ بحيث كنّا جاهلين بسائر الألوان التي لا نراها؛ فجهلنا هذا في واقع الحال إنّما يكون في مقام وضع الأسماء للألوان كالأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والأسود، ولا يعدّ جهلاً بذواتها، إذ إنّنا نفتقر إلى العلم التفصيلي بمختلف أنواع الألوان وليس بإمكاننا زعم عدم وجودها من الأساس لكوننا لا نراها أو لا نعلم بها. وهذا الأمر يندرج تحت القاعدة الفلسفية المعروفة: (تعرف الأشياء بأضدادها).

الافتراض الثاني: لا شكّ في أنّ عدم إمكانية وصف الأمر ليس سبباً لنفيه، وقد أثبتنا في المباحث الآنفة بطلان هذا الزعم، إذ إنّ عدم الوصف مؤشّرٌ فقط على عدم إمكانية تعريف الشيء وبيانه بالتفصيل (من الناحيةة المعرفية)، ومن البديهي أنّ عدم إمكانية بيان تفاصيل أحد الأشياء ليس وازعاً للقول بعدم وجوده (من الناحية الوجودية). وبطبيعة الحال فإنّ فقدان التصوّر الواضح حول أحد الأمور اللامتناهية هو في الواقع مرآةٌ تعكس مدى ضيق نطاق ذهننا؛ وعلى هذا الأساس يثبت لنا أنّ أصحاب هذه الشبهة قد خرجوا عن قواعد البحث العلمي والاستدلال الصحيح بعد أن مزجوا بين المبادئ المعرفية والوجودية ولم يميّزوا بينها.

بناءً على ما ذكر، نستنتج أنّ وجود الله اللامتناهي ليس وازعاً لادّعاء عدم إمكانية اتّصافه بوصفٍ مطلقٍ، بل تبعاً لهذه الميزة الفريدة فهو يوصف بوصفٍ لامتناهي، ألا وهو واجب الوجود الذي لا تحدّه حدودٌ. ولأجل معرفة هذا الوجود الذي لا نظير له بإمكاننا الاعتماد على أوصاف عدمية كما فعل علماء اللاهوت القدماء، حيث نقول إنّه ليس جسماً ولا فانياً ولا جاهلاً ولا عاجزاً، وما إلى ذلك؛ فالعقل البشري من خلال سلب هذه الأوصاف عن الذات الإلهية المباركة يتوصّل إلى صفاتها الثبوتية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ وجود الله تعالى غير متناهٍ وتصوّره يفوق قابليات العقل البشري، لذا لا يمكن لإنسانٍ إدراك كُنه الذات الأحدية المباركة ولو إجمالاً، ولكن بما أنّ الطاقات الإدراكية والقابليات النفسية للبشر ذات مراتب متباينة، بإمكانهم إدراك وجودها إجمالاً كلٌّ حسب مرتبته العقلية والنفسية؛ على هذا الأساس تصبح أوصافها قابلةً للإدراك بشكلٍ إجماليٍّ أيضاً وبذلك المستوى نفسه؛ ومن ثمّ نتمكّن من إثبات وجوده شهوداً وعقلاً.

2) عدم تناهي بعض الصفات (الخير والقدرة والعلم):

يرى بعض الناقدين أنّ وصف الله تعالى بصفاتٍ مطلقةٍ وغير متناهيةٍ يسفر عن حدوث محذورٍ نتيجته التناقض، مثلاً اعتباره مصدراً لخير مطلقٍ يرد عليه إشكال وجود الشرّ في الكون، فالبشرية منذ باكورة خلقتها وعلى مرّ العصور تعاني مآسي ومصائب لا انقطاع لها، ولا سيّما الطبقة الاجتماعية المحرومة والأبرياء الذين يواجهون أحياناً أعتى أشكال الظلم والجور برغم معاناتهم على المستوى المعيشي؛ ومن هذا المنطلق كيف نعتبر خالقهم ذا خيرٍ مطلقٍ وهم في هذه الحالة المزرية؟![33].

وأمّا قدرته المطلقة، فمنذ سالف الأيام كانت عرضةً لاستفساراتٍ عديدةٍ تراود الذهن البشري، فعلى سبيل المثال هل بإمكانه أن يخلق شريكاً له؟ هل له القدرة على خلقة حجرٍ يعجز عن حمله؟[34]. ومن ناحية علمه اللامحدود، فقد قيل إنّه لو كان عالماً بكلّ ما يكتنف حياة بني آدم وملمّاً بجميع حركاتهم وسكناتهم قبل أن يخلقهم، فنتيجة ذلك أنّ كلّ ما يجري في الحياة الدنيا مكتوبٌ في علمه المسبق، وفي غير هذه الحالة يلزم القول بجهله؛ ويترتّب على هذا العلم القول بعقيدة الجبر وسلب الاختيار من الإنسان.

تحليل الشبهة ونقضها:

سوف نتطرّق إلى بيان تفاصيل ما ذكر في الفصل الخامس من الكتاب ضمن الشبهة الخامسة المطروحة حول صفات الله تعالى، لذا نكتفي هنا بنقضها في إطارٍ موجزٍ.

بالنسبة إلى قدرة الله تعالى، فليس المقصود بالقول بكون صفات البارئ لامتناهية أنّها مطلقةٌ إلى ما لانهاية من دون أيّ حدٍّ عقليٍّ ومنطقيٍّ، بل هي لامتناهية في نطاق العقل والمنطق؛ وعلى هذا الاساس فليس من المعقول أن يخلق (دائرةً مربّعةً) لأنّ ذلك يؤدّي إلى التناقض، والقدرة الإلهية بطبيعة الحال لا يصدر عنها تناقضٌ في القواعد الثابتة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ عدم خلقة هكذا شكل مفترضٍ ليس مؤشّراً على ضيق نطاق القدرة الإلهية وإنّما هو شاهدٌ على استحالة تحقّق ذات الشيء وهو ما لا يتعلّق بالقدرة المطلقة. وكذا هي الحال بالنسبة إلى شريك البارئ أو الحجر العظيم الذي يعجز عن حمله، فهذه الأمور كلّها من نمط القضايا التي تتّصف ذاتاً بالاستحالة وعدم التحقّق.

وبالنسبة إلى علم الله تعالى بجميع حركات وسكنات خلقه قبل أن يوجدهم من العدم، نقول: إنّ أصل الموضوع يعدّ أمراً بديهياً لدى علماء اللاهوت، لكنّهم يقيّدونه باختيار الإنسان في أفعاله، أي: إنّ البارئ عزّ وجلّ منذ الأزل على علمٍ بأنّ الطاغية يزيد بن معاوية سيأمر بارتكاب مجزرة كربلاء في العاشر من شهر محرّم الحرام بمحض إرادته واختياره، وبما أنّ هذا العمل متعلّقٌ بالعلم الإلهي الأزلي بقيد الاختيار، فلا مجال لزعم وجود جبرٍ فيه، فهو لا بدّ أن يتحقّق بمحض اختيار فاعله وفي غير هذه الحالة يلزم القول بجهل البارئ بأفعال عباده، وبالطبع فإنّ العلم ليس من سنخ العمل كي يقال إنّه سببٌ لحدوثه. وأمّا بالنسبة إلى كون الله تعالى خيراً مطلقاً، فقد ذكرنا تفاصيل هذا الأمر بإسهابٍ، ونكتفي هنا بالقول:

أوّلاً: الشرّ يعدّ أمراً ملازماً لعالم الطبيعة الزاخر بالخير الكثير، فالإنسان يجني منافع جمّة من النار ولكنّه أيضاً يتعـرّض لأضرار منها؛ وبطبيعة الحـال فهذا الشرّ القليل ليس بشيءٍ مقابل ذلك الخير العظيم الذي لا يمكن الاستغنـاء عنه أبداً.

ثانياً: الأذى الذي يصيب الإنسان لا يمرّ دون تعويضٍ، فالله تعالى يجازيه في عالم الآخرة عمّا أصابه من شرٍّ؛ وسوف نسلّط الضوء على هذا الأمر بالتفصيل في الفصل الخامس ضمن موضوع قدرة الله المطلقة والشرّ في الحياة الدنيا.

* الشبهة السابعة: وجود الله تعالى وهمٌ أساسه دوافع فردية واجتماعية :

طرح بعض الملحدين شبهةً فحواها أنّ وجود الله تعالى لا يتعدّى كونه وهماً من صياغة الذهن البشري، ومن هذا المنطلق أنكروه وعدّوه مجرّد انعكاسٍ نفسيٍّ لتصوّرات الإنسان، وفيما يأتي نذكر أهمّ شبهاتهم الواهية على هذا الصعيد، ومن ثمّ ندحضها بالبرهان القاطع:

أوّلاً: وجود الله تعالى ناشئٌ من الشعور بالخوف (شبهةٌ أولى في إطار مبادئ علم النفس):

بعض المفكّرين الملحدين[35] طرحوا الشبهة في رحاب تعاليم علم النفس بغية إثبات أنّ الأمم السالفة كانت تعتقد بالله عزّ وجلّ بسبب خشيتها من الكوارث الطبيعية، كالزلازل والصواعق وما ناظرها من أمور مرعبة؛ لذا حينما كان الخوف يستولي عليهم لم يجدوا بدّاً من اللجوء إلى ملاذٍ آمنٍ يصونهم ويهدّئ من روعهم، وبالطبع فإنّ أفضل خيارٍ لهم هو تصوّر وجود قدرةٍ مطلقةٍ فوق كلّ تلك الكوارث العظيمة؛ وعلى هذا الأساس ابتدعوا إلهاً له القدرة على إنقاذهم ممّا يطرأ عليهم من بلايا تؤرّقهم.

تحليل الشبهة ونقضها:

للردّ على هذه الشبهة نقول:

لو افترضنا أنّ الشعور بالرعب من الحوادث الطبيعية هو السبب في ظهور عقيدة الإيمان بوجود الله تعالى، فلا بدّ من بيان المسألة في إطار النقاط الثلاث التالية:

1) لا ينبغي لنا إطلاق العنان لهذا الافتراض من دون بيان تفاصيل القضية، ولأجل بيان سقمه نطرح السؤال الآتي في بادئ الأمر: ما السبب الذي يحفّز الإنسان على اللجوء إلى الأمور الماورائية في حياته المادّية ولا يعتمد على نفسه أو على قدراتٍ مادّيةٍ نظراً لكون الحوادث الطبيعية مادّيةً وليست غيبيةً؟! فيا ترى ألا يدلّ هذا الأمر على طبيعة الإنسان الفطرية ورسوخ وجود الله تعالى في تصوّراته الذهنية؟!

إذن، المخاوف التي كانت تكتنف أذهان الأمم السالفة هي مؤشّرٌ جليٌّ على امتلاكهم فطرةً سليمةً ترتكز على الإيمان بوجود الله تعالى، حتّى لو تنزّلنا ولم نقبل بهذا الأمر، ففي هذه الحالة أيضاً لا يكون الخوف برهاناً يثبت صحّة ما ذهب إليه الملحدون. إضافةً إلى ذلك فقد أثبتنا في الفصل السابق لدى حديثنا عن موضوع الفطرة البشرية أنّ الإنسان يؤمن بالله عزّ وجلّ من داعي فطرته الكامنة في ذاته.

2) حسب القواعد العقلية والفلسفية حينما تنعدم العلّة فلا بدّ من انعدام المعلول، ويترتّب على ذلك أنّ الإنسان لا يمكن أن يشعر بالخشية من الحوادث الطبيعية في عصرنا الحديث الذي تطوّر العلم فيه وتمّ استكشاف أسباب وعلل كلّ كارثةٍ عظيمةٍ تشهدها البشرية، وإثر ذلك لا بدّ من إنكار وجود الله تعالى واتّخاذ جانب الإلحاد من قبل جميع الناس؛ لكنّنا نلاحظ أنّ الأمر على العكس من ذلك، إذ إنّ إيمان الناس واعتقادهم بالله تعالى يتنامى ويترسّخ أكثر يوماً بعد يومٍ في جميع مشاربهم وتوجّهاتهم.

3) هل هذا الافتراض يعدّ وازعاً لإنكار وجود الله عزّ وجلّ؟ فهل يستند هذا الإنكار إلى قاعدةٍ عقليةٍ؟ صحيحٌ أنّ بعض الأمم السالفة ولوهلةٍ من الزمن لم تكن تعتقد بوجود الله عزّ وجلّ نظراً لعدم توفّر الظروف المناسبة والشروط اللازمة؛ إلا أنّها بعد ذلك آمنت به إثر ما شهدته من حوادث مرعبة؛ ولكنّ هذا الإيمان لم يقتصر على الشعور بالخشية، بل ترسّخ بينها وعلى مرّ الأيام اكتشفت براهين قاطعةً تدلّ على وجوده تعالى وتؤكّد سلامة عقيدتها، فأصبح إيمانهم بالربّ العظيم متقوّماً على أسسٍ عقائديةٍ سليمةٍ لا يمكن المساس بها.

إذن، مجرّد انحراف بعض الأمم عن الصراط القويم لا يعدّ سبباً لاتّخاذ جانب الإلحاد وإنكار وجود الخالق بزعم أنّ الاعتقاد به ناشئٌ من دواعي نفسية.

ثانياً: الجهل سببٌ للاعتقاد بوجود الله تعالى (شبهةٌ ثانيةٌ في إطار مبادئ علم النفس):

ادّعى بعض الملحدين أنّ جهل بني آدم في العهود السالفة بالسرّ الكامن وراء طروء الحوادث الطبيعية يعدّ سبباً لاعتقادهم بوجود إلهٍ خالقٍ للكون، فقد كانوا عاجزين عن تفسير ما يشاهدون من بلايا وكوارث عظيمة الأمر الذي جعلهم يعتقدون بإلهٍ أو آلهةٍ بأوصاف عديدة بحيث تُنسب إليهم كلّ تلك الحوادث الطبيعية.

ومن جملة الذين طرحوا هذه الفكرة الفيلسوف أوغست كونت، حيث قسّم المسيرة التأريخية للبشرية في ثلاث مراحل[36]، كما يأتي:

المرحلة الأولى: مرحلة ربّانية مرتكزة على أوهام اكتنفت الإنسان بالنسبة إلى العلل الكامنة وراء وقوع الحوادث الطبيعية، حيث نُسبت إلى قوى ماورائية وغيبية، من قبيل الأرواح الشيطانية؛ وفي هذه المرحلة ظهرت عقيدةة الإيمان بالآلهة.

المرحلة الثانية: مرحلة فلسفية أو عقلية، ولم تُنسب فيها علل الحوادث إلى مناشئ متعدّدة كالأرواح والآلهة، بل لجأ الإنسان فيها إلى العقل واعتقد بوجود إلهٍ واحدٍ مسؤولٍ عنها.

المرحلة الثالثة: مرحلة ظهور البحوث والعلوم التجريبية ورقيّها، حيث اعتمد الإنسان على قابلياته العلمية ووجد نفسه قادراً على وضع تفاسير وتبريرات للحوادث الطبيعية من دون الحاجة إلى إلهٍ أو أيّ قدرةٍ ماورائيةٍ[37].

وقد نحا هذا المنحى بعض المفكّرين والفلاسفة الغربيين من أمثال ديفيد هيوم[38] وإريك فروم[39]، كما دوّنت مجموعة من المقالات في بعض المواقع الإلكترونية تأييداً لهذا الرأي[40].

تحليل الشبهة ونقضها:

بطلان هذه الشبهة قد اتّضح في نقض الشبهة السابقة، لذا نكتفي هنا بالردّ عليها في إطارٍ موجزٍ ضمن النقاط الآتية:

1) لو تنزّلنا وافترضنا أنّ الأمم السالفة اعتقدت بوجود الله تعالى إثر عجزها عن معرفة مناشئ الکوارث التي تزعزع أمنها، فالأسئلة التالية تطرح نفسها هنا: لماذا لم تبحث هذه الأمم عن علل هذه الحوادث الطبيعية في الطبيعة نفسها؟ فيا ترى لـِمَ لم تصوّرها في نطاق ظواهر مادّية؟ ما السبب الذي دعاها لأن تذهب إلى الاعتقاد بوجود قدرةٍ غيبيةٍ ماورائيةٍ تفوق قدرة هذه الحوادث الأمر الذي جعلها تؤمن بوجود إلهٍ عظيمٍ يدبّر شؤون الكون؟ فيا ترى ألا يدلّ ذلك على امتلاك الإنسان فطرةً إلهيةً ترشـده إلى بارئـه وبارئ الخلائق أجمعين؟

2) يترتّب على ما ادّعاه الملحدون أنّه تزامناً مع تطوّر البشرية على صعيد العلوم التجريبية ومعرفة مناشئ الحوادث الطبيعية، فهي بنفس ذلك المستوى من التطوّر سوف تتراجع عن الاعتقاد بالله تعالى وتعرض عن المعتقدات الدينية؛ ومن هذا المنطلق نستنتج أنّ المفكّرين والعلماء في شتّى العلوم في هذه الحالة يجب أن يلحدوا بالله تعالى غاية الإلحاد لدرجة أنّهم يصلون إلى مرتبة الكفر المطلق! لكنّنا نلمس أنّ الواقع على خلاف ذلك تماماً، إذ إنّ أبرز العلماء والمخترعين والخبراء في العلوم التجريبية يؤمنون بالله تعالى ويتّخذون الدين منهجاً في حياتهم بحيث إنّ بعضهم يجمع بين الأمرين ويصنّف إلى جانب سائر العلماء المعنيين بالشأن الديني، ويشار هنا إلى إسحاق نيوتن وأديسون وديكارت وماكس بلانك وداروين وبريجسون وأنيشتاين، فلا أحد ينكر أنّ هؤلاء أبرز العلماء التجريبيين في العصر الحديث.

3 ) حينما يتمكّن العلماء من طرح تفاسير واضحة لمختلف الظواهر العلمية والحوادث الطبيعية، فإنّ مدى اعتبار النتائج التي توصّلوا إليها والنظريات التي ذكروها محدودٌ في نطاق تجاربهم وتخصّصاتهم العلمية المادّية ولا يمكن تسريته إلى المعتقدات الدينية والحقائق الماورائية، لذا لا يمكن الاعتماد على تجاربهم المادّية لإنكار وجود الله عزّ وجلّ.

فيا ترى من الذي خلق هذا العالم المادّي؟ من الذي أوجد عناصره الأوّلية ومنحه كلّ هذه الخواصّ والميزات الذاتية؟ بما أنّه عالمٌ من سنخ الممكنات وبحاجةٍ دائمةٍ إلى أمرٍ غيبيٍّ يتقوّم عليه، فما هي تلك العلّة الماورائية التي يرتكز عليها؟ هذا إضافةً إلى العديد من الأسئلة التي تطرح في هذا المضمار وليس للعلوم التجريبية المادّية قابليةٌ على ذكر أجوبةٍ شافيةٍ لها، وبالطبع فإنّنا نجد أجوبةً لها في رحاب المباحث الفلسفية والعلوم العقلية، فالمادّيون لهم القدرة على طرح تفاسير علمية للحوادث التي تطرأ في الحياة الدنيا فحسب، وقد حثّت التعاليم الدينية على هذا الأمر وشجّعت على طلب العلم بغية استكشاف واقع العلاقة العلّية بين الحوادث الطبيعية وعلّتها الأساسية، لذا لا يمكن أبداً زعم أنّ عدم معرفة علّة هذه الحوادث دليلٌ على إنكار وجود الله تعالى، وقد أثبتنا في حديثنا عن برهان الصدّيقين أنّ العالم المادّي بحاجةٍ دائمةٍ إلى واجب الوجود لكونه عالماً ممكناً ومفتقراً في ذاته.

فضلاً عمّا ذكر فالاكتشافات العلمية الحديثة التي شهدتها البشرية من قبل مختلف العلماء، ولا سيّما في مجال المجرّات الكونية والمنظومات الشمسية، قد جعلت هؤلاء العلماء يذهلون من عظمة الكون ويؤمنون بوجود قدرةٍ فائقةٍ تسيطر عليه، فأذعنوا بأنّ الله تعالى وحده له القدرة على ذلك. ويمكن للقارئ الكريم الاطّلاع على بعض أقوال العلماء والمفكّرين الذين تخصّصوا في العلوم المادّية والفلكية ولا سيّما ما يتمحور منها حول الاعتقاد بوجود الله تعالى وإثبات أنّ هذا العالم المادّي ليس سوى قطرةٍ من بحرٍ عظيمٍ تنعكس في مرآة حقائق ماورائية[41].

ثالثاً: الاعتقاد بوجود الله تعالى ناشئٌ من أفكار خرافية وتقاليد اجتماعية

(شبهةٌ في إطار علم الاجتماع):

لجأ بعض الملحدين إلى مبادئ علم الاجتماع للتشكيك في عقيدة الإيمان بالله تعالى، إذ نسبوها إلى أفكار خرافية سادت في المجتمعات السالفة. وقال هؤلاء إنّ القرائن التأريخية تشير إلى رواج ثقافات وتقاليد خاصّة في التجمّعات البشرية الأولى أدّت فيما بعد إلى الاعتقاد بوجود خالقٍ للكون، وقد أيّد عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم هذه الرؤية مؤكّداً أنّ الأمم السالفة كانت متأثّرةً بقضايا عاطفية خارجة عن نطاق القواعد العقلية بحيث أخذتها النشوة في ظلّ أحاسيس موهومة فظهر في كنفها مفهوم (مانا) الذي يدلّ على القوى الطبيعية العظمى، وبمرور الزمان تحوّل هذا المفهوم إلى (الله). كما أنّ بعض علماء الاجتماع أيّدوا هذه الفكرة فدوّنوا مقالاتٍ[42] في مختلف المواقع الإلكترونية[43] دفاعاً عنها.

تحليل الشبهة ونقضها:

نقول في نقض الشبهة المطروحة أعلاه:

1) نحن لسنا بصدد نقد وتحليل ما إن كانت فرضية الاعتقاد بالله تعالى ناشئةً من الأعراف والتقاليد الاجتماعية للأمم السالفة أو لا، فهذا الأمر تأريخيٌّ ـ اجتماعيٌّ وهو موكولٌ إلى مباحث علمَي التأريخ والاجتماع، ولكن ننوّه بأنّ العلماء المختصّين بهذين الفرعين قد أكّدوا عدم إمكانية تقييد الدين بالتقاليد الاجتماعية، لذلك عدّوه ذا منشأ فردي أيضاً، حيث توصّلوا في بحوثهم إلى أنّ التجارب الشخصية كان لها الأثر البالغ هذا الصعيد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأديان السماوية تؤمن بكون سيّدنا آدم (ع) هو الإنسان الأوّل الذي تكاثرت البشرية من نسله وقد كان مؤمناً بالله عزّ وجلّ، بل إنّه نبيٌّ من الأنبياء؛ لذا لا صحّة لمزاعم من ادّعى من علماء التأريخ بأنّ الإنسان الأوّل لم يكن يعتقد بوجود الله تعالى أو أنّه كان يعبد الأوثان أو الظواهر الطبيعية، وذلك لما يأتي:

- ليس هناك أيّ دليلٍ معتبرٍ يثبت صحّة عدم إيمان الإنسان الأوّل، بل كلّ ما ذكر مجرّد فرضياتٍ لا تستند إلى أيّ أساسٍ علميٍّ، ومن ثمّ لا يمكن الاعتماد عليها أبداً لإثبات المدّعى.

- ربّما تكون هناك أسبابٌ خفيّةٌ علينا أدّت إلى تحريف أو زوال المعتقدات الدينية للبشرية بعد فترةٍ من استيطانها الكرة الأرضية، لذا إن افترضنا صحّة ما ذكره بعض المؤرّخين من كون الأمم السالفة ذهبت إلى عبادة الأوثان أو الظواهر الطبيعية، فهذا الأمر في الواقع يحكي عن حال بني آدم في المراحل التالية من العهد الأوّل؛ إذ ليس هناك أيّ برهانٍ على رواج هذه المعتقدات الزائفة في باكورة ظهور البشرية كي يتّخذه الملحدون اليوم ذريعةً لإنكار وجود الله عزّ وجلّ.

2) لو تنزّلنا وافترضنا أنّ الأمم السالفة لم تكن تعتقد بوجود الله تعالى ولم تعتنق أيّ دينٍ وأنّها على مرّ العصور وبعد نشأة مجتمعات بشرية عديدة وفي ظلّ قوانين ومقرّرات ثابتة إلى حدٍّ ما، بدأت تتبنّى فكرة وجود خالقٍ للكون؛ نتساءل ونقول: هل يحقّ لنا التشكيك بوجود الله عزّ وجلّ لمجرّد افتراض أنّ الأمم السالفة قد اعتقدت به إثر أعرافها وتقاليدها الاجتماعية؟ هل يمكن للعقل أن يحكم بإنكار وجود الله تعالى لمجرّد كون بعض الأمم آمنت به متأثّرةً بتقاليدها وقوانينها الاجتماعية؟ هذا إضافةً إلى مجموعة من الاستفسارات التي تحتاج إلى إجاباتٍ شافيةٍ، وقد قلنا آنفاً إنّه لا يمكن اتّخاذ الأحداث التأريخية ذريعةً لإنكار وجود الله عزّ وجلّ، لذا ينبغي لمن طرح الشبهة أن يأتي ببراهين تثبت صحّة مدّعاه.

3 ) يا ترى ما السبب الذي دعا بعضهم لأن يسوق مسيرة التغييرات التي طرأت على القوانين والأعراف الاجتماعية والنشاطات التجريبية والمعتقدات الغيبية للأمم السالفة نحو وجهةٍ منحرفةٍ وزعم أنّ تلك الأمم لم تكن تؤمن بالله تعالى لكنّها على مرّ الزمان آمنت بقدرةٍ ماورائيةٍ تحت عنوان (مانا)؟ من المؤكّد أنّ الذي ذهب إلى هذا الرأي ليس لديه أيّ برهانٍ يثبت مدّعاه، لكن حسب الوقائع التأريخية الثابتة وكذلك بإقرار الملحدين أنفسهم فإنّ الأمم السالفة كانت تؤمن بقدرةٍ ميتافيزيقيةٍ عظيمةٍ، لذا ألا يمكن القول إنّ هذه العقيدة تنمّ عن امتلاك الإنسان لفطرةٍ سليمةٍ تسوقه نحو البارئ الحقيقيّ للكون وإنّ الأعراف الاجتماعية قد تأثّرت بهذه الفطرة فروّجت لهذه العقيدة الحقّة؟

إذن، النزعة الفردية والاجتماعية إلى الاعتقاد بوجود قدرةٍ ميتافيزيقيةٍ عظيمةٍ كانت على مرّ العصور سائدةً بين مختلف الأمم والمجتمعات، وهذا ما لا يمكن لأحدٍ إنكاره؛ فيا ترى ألا يدلّ على وجود فطرةٍ إلهيةٍ لدى الإنسان تسوقه نحو الإيمان بالله الواحد الأحد الذي أودع في باطنه هذه الفطرة السليمة؟!

رابعاً: الاعتقاد بالله تعالى مبتدعٌ من قبل الطبقة البرجوازية (شبهةٌ في إطار الفكر الماركسي):

كما هو معلومٌ فإنّ أصحاب النزعة المادّية وعلى رأسهم الماركسيون، يفسّرون جميع الظواهر الكونية والاجتماعية من زاويةٍ مادّيةٍ بحيث حلّلوها وفق أداء الآلات والمعدّات الإنتاجية، ومن هذا المنطلق فهم يعتقدون بكون الدين والله مفهومين من صناعة الطبقة البرجوازية التي قصدت بذلك إخضاع الطبقة المحرومة (البروليتاريا) واستثمار طاقاتها الإنتاجية.

يقول منظّر الشيوعية فلاديمير لينين: «الدين هو أحد أشكال الضغط النفسي على الطبقة الكادحة التي تبذل جهودها خدمةً للآخرين وتعاني الحرمان»[44].

ويقول موريس كونفورس: «إنّ الدين يعدّ أمراً مرفوضاً لكونه مجرّد منظومةٍ متقوّمةٍ على أوهامٍ روّجها أعوان الطقبات الحاكمة بهدف خداع عامّة الناس»[45].

كما يقول كارل ماركس إنّ الإنسان هو من يصنع الدين[46]، وإنّ الاعتقاد بإلهٍ واحـدٍ أو عدّة آلهةٍ هو نتيجةٌ مشؤومةٌ للصراع الطبقي؛ لذا فهو أمرٌ منبوذٌ، بل لا بدّ من أن يترك ويحتقر[47].

تحليل الشبهة ونقضها:

نردّ على الشبهة المذكورة بالقول:

1 ) ليس هناك أيّ برهانٍ يثبت صحّة القول بكون الدين والإيمان بالله تعالى من صياغة إحدى الطبقات الاجتماعية كالطبقة البرجوازية، ومن ثمّ إبطاله من أساسه، ناهيك عن أنّ البرهان القاطع على خلاف ذلك؛ فقد ذكرنا في المباحث الآنفة أنّ الاعتقاد بالله تعالى يضرب بجذوره في باطن الإنسان وضميره لكونه منبثقاً من فطرته السليمة التي أودعت في نفسه تزامناً مع خلقته وخلقة أبيه آدم (ع)، وبالطبع فهي ستدوم حتّى آخر لحظةٍ من حياة البشرية[48].

لا ريب في أنّ العهود السالفة شهدت ظهور مجتمعاتٍ ذات مشارب وتوجّهات متنوّعة وفي الحين ذاته شهد كلّ مجتمعٍ ظهور عدّة طبقاتٍ من الناحية الماديّة كالأثرياء والمُعدِمين الكادحين الذين غالبيتهم من العمّال والفلاحين، لذا فإنّ رواج عقيدة الإيمان بالله تعالى على مرّ العصور وبين شتّى الفئات الاجتماعية لا شأن لها بالأوضاع الاجتماعية للبشرية، بل هي حقيقةٌ ثابتةٌ سادت بين الغنيّ والفقير على حدٍّ سواء دون أن يبتدعها أحدٌ، والتأريخ يشهد في جميع مراحله على وجود أثرياء مؤمنين وآخرين ملحدين إضافةً إلى وجود فقراء أيضاً من هذا القبيل.

لا بدّ لأتباع النزعة المادّية ـ ولا سيّما الماركسيين ـ من الالتفات إلى أنّ موريس كونفورس لم يقل إنّ الدين قد أُسس بواسطة أتباع الطبقة الحاكمة، بل قال إنّ هذه الطبقة قد عملت على ترويجه؛ كما قال أيضاً: «وعلى أيّ حالٍ، فالدين لم يظهر بصفته وسيلة ضغطٍ تُفرض على عامّة الناس، بل نشأ في كنف هذه الطبقة»[49].

2 ) حسب القاعدة الشائعة بين العقلاء فإنّ فرض المحال ليس بمحالٍ، لذا لو افترضنا تنزّلاً بكون الاعتقاد بالله تعالى قد نشأ في بادئ الأمر بين فئةٍ اجتماعيةٍ معيّنةٍ، فكلّ عاقلٍ تتبادر في ذهنه الأسئلة الآتية: هل نسبة عقيدةٍ خاصّةٍ إلى فئةٍ معيّنةٍ تعدّ برهاناً لبطلانها؟ يا ترى ألا يقتضي العقل دراسة وتحليل ماهية الاعتقاد بوجود الله تعالى بغضّ النظر عن منشئه والدوافع التي دعت الناس إليه؟ فهل من الصواب بمكانٍ الحكم على بطلان هذه العقيدة من دون الخوض في تفاصيلها ومعرفة دواعيها الحقيقية؟

إذن، ادّعاء أتباع النظرية الماركسية بكون الطبقة البرجوازية هي التي أوجدت الدين، لا يعدّ برهاناً لتفنيد حقيقة وجود الله تعالى حتّى إن افترضنا صحّته؛ وقد ذكرنا الأدلّة التي تثبت حقّانية الدين في الفصل السابق.

3) حتّى إذا قمنا بتحليل الرؤية الماركسية بانحيازٍ إلى أطروحاتها المادّية، فلا مناص من القول إنّ الأمر الذي دعا كارل ماركس إلى اعتبار الدين واقعاً اجتماعياً فُرِض من قبل الطبقتين البرجوازية والحاكمة هو تلك الضغوطات النفسية والاجتماعية التي كان متأثّراً بها، لذا رام من أطروحته هذه اكتساب دعم الطبقة المتديّنة وأرباب رجال الكنيسة من غير الموالين للحكّام والأثرياء وعامّة الناس بغية تعزيز موقفه ونشر أفكاره، وذلك لأنّه ولد في كنف أسرة يهودية إلا أنّ والده اعتنق المسيحية فيما بعد؛ ناهيك عن معاناته المادّية الشديدة والفقر المدقع الذي كانت أسرته تعانيه[50]، كما أنّه عاش في رحاب مجتمعٍ شهد فساداً ملحوظاً للشخصيات الدينية التي كانت مواليةً للطبقة الحاكمة وتقتات بفتات مائدتها التي تجنى إليها أموال الطبقة الفقيرة المغلوبة على أمرها؛[51] والكلام الآتي يثبت بوضوحٍ كيف كان ساخطاً على الديانة المسيحية المحرّفة، وهذا السخط بطبيعة الحال كان سبباً لتبنّي نظرياته المادّية، حيث قال: «المقرّرات الاجتماعية التي تطرحها المسيحية تسوّغ العبودية الموروثة من السلف، حيث مجّدت الأرستقراطية التي سادت في القرون الوسطى وساندتها برغم علمها بأنّ الأرستقراطيين الفاسدين كانوا يدنّسون حقوق الطبقة الفقيرة ويتسبّبون في معاناتها ومآسيها، فهي مقرّراتٌ تبرّر وجود طبقة حاكمة مستبدّة وطبقة محكومة محرومة... إنّ المقرّرات الاجتماعية المسيحية توكل تعويض كلّ ما يعانيه الفقراء إلى عالم الآخرة، لذا تبرّر ما يتعرّضون له في الدنيا بأنّه جزاء على الخطيئة الأولى... أو تبرّره بأنّه ابتلاءٌ إلهيٌّ مفروضٌ عليهم».

إنّ انحراف رموز الديانتين المسيحية واليهودية قد أثّر سلباً في توجّهات ماركس، إذ إنّهم لم يكترثوا بشؤون الناس وتنصّلوا من واجباتهم الملقاة على عاتقهم بصفتهم رجال دين، لذا كانت تصرّفاتهم الهوجاء سبباً لتنامي النزعات المادّية وظهور الأفكار العلمانية والتقليل من شأن الدين، بل إنكاره من الأساس[52].

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ ماركس وأتباعه قد ارتكبوا خطأً فادحاً بحقّ الأديان السماوية وتعاليمها حينما نسبوا أفعال رجال الدين اليهود والنصارى إليها، حيث بادروا إلى إنكار وجود الله تعالى ونفي الدين من أساسه متذرّعين بانحـراف أرباب هـاتين الـديانتين؛ فـضلاً عـن ذلك فـإنّهم لم يوجّهوا أنظارهم إلى التعاليم الإسلامية السمحة التي تدعم الطبقة الاجتماعية المحرومة وتدعو إلى الحرية وإقامة العدل في المجتمع.

لا ريب في أنّ الإسلام الذي غفلوا عنه يعدّ ديناً متكاملاً من جميع النواحي المادّية والمعنوية، فالعمل بأوامره وترك نواهييه يسوق البشرية نحو العيش في رحاب مدينةٍ فاضلةٍ في الحياة الدنيا والتمتّع بسعادةٍ دائمةٍ في الحياة الآخرة، وعلى هذا الأساس فقد تمكّن في القرون الأولى من إرساء دعائم حضارةٍ عظيمةٍ لا نظير لها لدرجة أنّ الحضارة الغربية اليوم مدينةٌ لها بكلّ ما لديها من إنجازت علميةٍ وإنسانيةٍ منذ باكورة ظهورها. ولا ننسى أنّ البروتستانتية المسيحية قد تمخّض عنها حدوث تغييراتٍ مشهودةٍ في العالم الغربي ولا أحد ينكر ذلك[53].

إذن، طبقاً لما ذكر فهل يمكن زعم أنّ الدين (أفيون الشعوب) أو أنّه الدعامة الأساسية التي استندت إليها الطبقة البرجوازية؟! بالطبع لا.

* الشبهة الثامنة: عدم الحاجة إلى الله تعالى في معرفة حقائق الكون

(العلم الحديث يتحدّى الدين)

ذكرنا آنفاً أنّ بعض الملحدين عدّوا جهل الناس وعجزهم عن تفسير الظواهر والحوادث الكونية سبباً لظهور الدين والاعتقاد بوجود الله تعالى، وقد نقضنا هذه الشبهة في محلّها؛ ولكنّها طرحت مجدّداً في تقريرٍ آخر، حيث زعم المادّيون أنّه بتطوّر العلم الحديث وتنامي العلوم التجريبية أمسى العلماء قادرين على معرفة حقائق الكون ووضع تفاسير علمية صحيحة لمختلف الظواهر والأحداث الكونية من دون الحاجة إلى الدين أو الله تعالى، كما ادّعوا أنّ الإنسان بات قادراً على تسخير جميع القابليات المادّية لمصلحته ومعرفة حقائقها، لذا فهو في غنىً عن الاعتقاد بالعلل والتفاسير الماورائية.

ويذكر مؤرّخو العصر الحديث أنّ الفيزيائي الفرنسي الشهير بيير لابلاس عندما بعث كتابه (ميكانيكا الأجرام السماوية) إلى نابليون بونابرت الذي لم يلمس فيه أيّ كلامٍ حول تأثير الله تعالى وقدرته في الكون، سأل لابلاس عن ذلك، فأجابه بالقول: «لست بحاجةٍ إلى هذه الفرضية»[54]. وقد أيّد هذه الرؤية دعاة الإلحاد والعلمانية من منطلق تصوّرهم أنّ البشرية في غنىً الدين والاعتقاد بوجود خالقٍ له، فقد ظنّ هؤلاء أنّ تطوّر العلوم التجريبية وتنامي قدرات العقل البشري بلغت درجة الكمال وكلّ ما سوى ذلك من أمور غيبية لا فائدة منه.

في الآونة الأخيرة جرى تدوين مقالاتٍ تدافع عن الأفكار المادّية العلمانية[55] وظهرت الكثير من المواقع الإلكترونية التي تروّج لها[56].

تحليل الشبهة ونقضها:

مع أنّ الشبهة واضحة البطلان، لكن نذكر النقاط الآتية في دحضها:

1 ) تستند الشبهة المذكورة إلى افتراض أنّ الاعتقاد بوجود خالقٍ عظيمٍ يترتّب عليه تهميش سائر العلوم والعلاقات العلّية الحاكمة على أمور الكون لدرجة أنّ معتنقي الأديان ينسبون كلّ حدثٍ إلى الله تعالى مباشرةً؛ وتؤكّد أنّ هذه العقيدة تشابه ما ذهب إليه الإنسان القديم بكون الأحداث المخيفة مثل الزلازل والبراكين والأعاصير والكسوف والخسوف تقع إثر سخط الله من الأفعال القبيحة التي يرتكبها الناس.

هذه الفرضية في الواقع تهمةٌ واهيةٌ للأديان السماوية، ولا سيّما الإسلام الحنيف، فهي زعمٌ باطلٌ لا يستند إلى أيّ برهانٍ منطقيٍّ يقبله العقل؛ فالقرآن الكريم الذي نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرناً قد تضمّن حقائق علمية لا نظير لها، ومن جملتها أنّه أشار إلى وجود علاقات علّية بين بعض الأحداث السماوية والأرضية[57]، فهناك آياتٌ توضّح كيفية تكوّن السحب ونزول الأمطار ونموّ النباتات[58]، وآياتٌ تصف حركة الرياح والسحب بشكلٍ علميٍّ[59]، وأخرى تتحدّث عن طبيعة الجبال وسكون الأرض[60].

فضلاً عن ذلك فالأحاديث والروايات بدورها أكّدت مواكبة التعاليم الإسلامية للمعارف والعلوم بشتّى أنواعها، وبما فيها الحديث الآتي المروي عن الإمام الصادق (ع): «أبى الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، فجعل لكلّ سببٍ شرحاً، وجعل لكلّ شرحٍ علماً، وجعل لكلّ علمٍ باباً ناطقاً، عرفه من عرفه وجهله من جهله»[61].

2 ) يا ترى هل يمكن ادّعاء وجود تعارضٍ بين استكشاف العلاقات العلّية للقضايا الطبيعية والاعتقاد بوجود الله عزّ وجلّ؟

الإجابة عن هذا السؤال اتّضحت بشكلٍ مجملٍ في المباحث الآنفة، وقلنا إن رأي من أجاب بـ (نعم) مدحوضٌ بالبرهان القاطع، فالتعاليم الإسلامية قبل أكثر من أربعة عشر قرناً قد حفّزت المسلمين على طلب العلم في المجالين النظري والتجريبي، كما أنّ المؤمنين بالله تعالى قد أكّدوا وجود عللٍ تكوينيةٍ كامنةٍ في مختلف الأحداث وأثبتوا عدم وجود أيّ تباينٍ بين استكشافها والبحث عن مناشئها وبين وجود الله عزّ وجلّ.

لا ريب في أنّ المعتقدين بالدين لا يرفضون قانون العلّية ولا ينسبون كلّ أمرٍ صغيرٍ وكبيرٍ في الكون مباشرةً إلى الله تعالى، إلا أنّهم يعتقدون بأنّه علّة العلل ومسببها، ولكن إثر تطوّر العلوم واتّساع نطاقها اتّضح وجود عللٍ طبيعيةٍ كامنةٍ وراء الأحداث التي يشهدها الكون، وهذا الأمر بطبيعة الحال يؤيّد عقيدة المتديّنين ويدحض ما ذهب إليه العلمانيون الذين أنكروا كلّ دورٍ لله تعالى في كلّ مجريات الحياة.

3) اتّضح لنا من المباحث الآنفة أنّ مجريات الأحداث في الكون تسير وَفق نظام العلّية، فإمّا أن يكون الله تعالى هو العلّة المباشرة لها وإمّا  أنّه جعل عللاً أخرى تتسبّب في وقوعها؛ وإلى جانب نظام العلّية وضع نظاماً كونياً متناسقاً لا يشوبه أيّ نقصٍ ولا خللٍ، وبالطبع فاستكشاف كُنه هذا النظام البديع يميط اللثام عن حقائق مذهلة يعجز الذهن البشري عن تصوّرها، لذلك نجد كثيراً من العلماء والمكتشفين غير المتدينين يؤمنون بالبارئ جلّ وعلا فور اطّلاعهم على هذه الحقائق. في علم الفيزياء على سبيل المثال، فإنّ أصغر مكوّنات المادّة، أي الذرّة ومكوّناتها، تحظى بنظمٍ وتركيبٍ خارقٍ للعادة بحيث إنّ الإلكترونات تدور في مداراتٍ ثابتةٍ وبسرعةٍ فائقةٍ حول نواة الذرّة من دون حدوث أيّ خللٍ فيها برغم تناهيها في الصغر وسرعتها المذهلة. فيا ترى كم هي القدرة التي تتمتّع بها ذرّة عنصر اليورانيوم المتناهية في الصغر؟!

إذن، تطوّر مختلف العلوم المادّية في واقع الحال قد قوّى عقيدة الإنسان بالدين ورسّخ إيمانه بوجود الله تعالى، فيوماً بعد يومٍ يدرك الإنسان عظمة الخالق الجليل الذي نظم الكون في إطارٍ منسجمٍ وجعل لكلّ حدثٍ ـ صغيراً كان أو كبيراً ـ علّةً تتسبّب في وقوعه؛ وهو ما اعترف بها العلماء المادّيون أنفسهم مراراً وتكراراً لدرجة أنّ بعضهم قال يمكننا تلخيص هذه الحقيقة في كتابٍ نسمّيه (إثبات الله) على أساس النظريات المادّية.

4) لا ريب في أنّ استكشاف العلاقات العلّية بين مختلف القضايا لا يعدّ دليلاً على إنكار وجود الله عزّ وجلّ، فحتّى إن تمكن العلم التجريبي الحديث من بيان الأسباب الفيزيائية لبعض الأحداث والوقائع التي يشهدها الكون، لكنّ هذا الأمر ليس برهاناً يثبت عدم وجود خالقٍ للكون، وبطبيعة الحال فإنّ غاية ما يثبته هو وجود نظام العلّية الذي أكّدته التعاليم الإسلامية.

ومن البديهي أنّ العلماء المادّيين لا يسعهم الخوض في نطاقٍ خارجٍ عن تخصّصاتهم العلمية، وهذا الأمر ثابتٌ بينهم أيضاً، وعلى هذا الأساس فليس من صلاحيتهم طرح نظرياتٍ حول المسائل الميتافيزيقية ومن ثمّ نفي وجود الله تعالى من دواعي مادّية بحتة لا تمتّ إلى عالم الماورائيات بأدنى صلةٍ. إنّ غاية ما يمكنهم البتّ فيه هو بيان العلاقات العلّية بين بعض الحوادث ومسبّباتها المادّية وفق قواعد فيزيائية ثابتة؛ لكنّهم بكلّ تأكيدٍ لا يمكنهم تقييدها بعللٍ توقيفيةٍ ونفي كلّ ما سواها، إذ حسب القواعد العلمية التجريبية نفسها قد تكون هناك علّة مادّية أخرى كامنة وراء تلك العلة التي استُكشِفَت، وبطبيعة الحال هناك علل ماورائية يعجز العلماء المادّيون عن استكشافها حسب قواعدهم الفيزيائية المحدودة.

5 ) إذا ما حاول بعض المادّيين إنكار وجود الله تعالى ونفي الدين إثر انبهارهم بعلومهم المادّية المحدودة واستكشافاتهم التي يعتبرونها مذهلةً، فمن المؤكّد أن تشمل القائمة هنا أسماء أبرز هذا الصنف من العلماء والمخترعين، لكنّنا نجد عكس ذلك تماماً إذ نادراً ما نجد عالماً كبيراً برع في العلوم والمخترعات الحديثة قد نحا منحىً إلحادياً، بل إنّ معظمهم متديّنون ويعتقدون بوجود الله عزّ وجلّ، ومن جملة هؤلاء إسحاق نيوتن وأنيشتاين؛ وقد تحدّثنا عن هذا الموضوع في المباحث الآنفة.

دور الله تعالى في الكون على ضوء نظام العلّية:

يطرح البعض سؤالاً حول الصلة بين الله تعالى والحوادث الطبيعية التي يشهدها الكون، وفحواه: كيف يمكننا تصوّر دور الله تعالى مع وجود نظام العلّية الحاكم على الكون؟ فحسب هذا النظام لا بدّ من أن ينبثق كلّ حدثٍ في الكون من علّةٍ طبيعيةٍ.

هناك العديد من الأجوبة التي ذكرت في الإجابة عن السؤال المذكور، لكنّنا نكتفي هنا بذكر أهمّ إجابتين فيما يأتي:

أوّلاً: يمكن تشبيه الله تعالى بصانع الساعات الذي يصنع ساعةً ثمّ يتركها تعمل وحدها وفق نظامٍ خاصٍّ، حيث خلق الكون وأوكل تدبير شؤونه إلى نظام العلّية.

هذه الإجابة لا تتعارض مع عقيدة الإيمان بوجود الله عزّ وجلّ، لكنّها تنفي دوره المباشر بعد خلقة الكون، أي: إنّها لا تندرج في ضمن عقيدة التـوحيد في الأفعـال. تبنّى هذه الرؤية بعض المعتزلة والعلماء المادّيين، وهي بلا شكٍّ لا تعدّ دليلاً على نفي وجود الله جلّ شأنه[62].

ثانياً: حسب رأي الشيعة وبعض الفلاسفة، فمن يؤمن بنظام العلّية الطبيعي فهو بالتالي يؤمن بعلّية الله سبحانه، وهذان النظامان العلّيان غير متعارضين، بل متناسقان فيما بينهما غاية التناسق.

أثبتنا في برهان الإمكان والوجوب أنّ كلّ موجودٍ من سنخ الممكنات في نظامي العلّية المادّي والمجرّد، مفتقرٌ إلى واجب الوجود حدوثاً وبقاءً، إذ إنّ وجوده الإمكاني يعدّ عين الحاجة والافتقار إلى الله تعالى الذي هو واجب الوجود، بل إنّ جميع العلل المادّية الممكنة تستمدّ وجودها وقوامها منه جلّ شأنه مع كون أفعالها وآثارها منسوبةً إليها بفيضٍ منه سبحانه.

إذن، حينما نجمع بين العلّية الإلهية ونظام العلل المتفرّع منها، نستنتج أنّ تأثير الله تعالى يبقى ثابتاً، وعلى هذا الأساس يثبت بطلان برهان صانع الساعات، لأنّ البارئ سبحانه وتعالى لم يترك الكون وشأنه بعد أن خلقه، بل إنّ فيضه لا ينفكّ عن كلّ حركةٍ وسكنةٍ في الكون برمّته بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ اعتقاد الفلاسفة بكون نظام العلّية المادّي يسير باتّساقٍ مع نظام العلّية الإلهي، يجب أن لا يكون وازعاً لتوهّم بعض المسائل غير الصائبة حول الفعل والتأثير، ولا سيّما فيما يأتي:

أوّلاً: الخلقة من العدم:

الخلقة هي من مختصّات الله عزّ وجلّ ولا يمكن لأيّة علّةٍ أخرى التدخّل فيها[63]، وقد سقنا في المباحث الآنفة بعض المواضيع حول كيفية خلقة الشيء من العدم.

ثانياً: تأثير الأشياء بعضها في بعض:

ذهب الفلاسفة إلى القول بمبدأ العلّية المتناسقة لدى تفسيرهم مسألة تأثير الأشياء بعضها  في بعض ومختلف أفعال البشر والحيوانات، فعلى سبيل المثال عدّوا أفعال الإنسان مستندةً إلى علّتين فاعلتين، هما الإنسان نفسه والله تعالى، ومن جملة ذلك ما قاله الحكيم صدر الدين الشيرازي: «لكونها [قدرة العبد] من جملة أسباب الفعل وعلله، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، بل يحقّقه؛ فكما أنّ ذاته تعالى علّةٌ فاعلةٌ لوجود كلّ موجودٍ ووجوبه، وذلك لا يبطل توسيط العلل والشرائط وربط الأسباب بالمسبّبات»[64].

كما أكّد العلامة محمّد حسين الطباطبائي استناد فعل الإنسان إلى نفسه وإلى الله تبارك وتعالى، حيث قال: «فما ذهب إليه المجبّرة من الأشاعرة من أنّ تعلّق الإرادة الإلهية بالأفعال الإرادية يوجب بطلان تأثير الإرادة والاختيار، فاسدٌ جدّاً؛ فالحقّ الحقيق بالتصديق أنّ الأفعال الإنسانية لها نسبةٌ إلى الفاعل ونسبةٌ إلى الواجب، وإحدى النسبتين لا توجب بطلان الأخرى لكونهما طوليّتين لا عرضيّتين»[65].

المسألة الأخيرة التي يشار إليها على صعيد الشبهة المذكورة هي اعتقاد العرفاء بنظرية التشؤّن والتجلّي بدلاً عن نظام العلّية[66]، وجاء في شرح المنظومة: «فإنّ الفعل عند أهل الحقّ هو التشؤّن والتجلّي، وأحقّ الفواعل باسم الفاعل هو الفاعل بالتجلّي؛ والعقل البسيط باعتبار إبداعه المعقولات البسيطة المجرّدة وإنشائه الخياليّات وتكوينه المحسوسات، آيةٌ كبرى لمن «لَهُ الْأَمْرُ وَالْخَلْقُ»؛ وكونها جليّةً واضحةً وكثيرٌ منها غير مدوّنةٍ، لا ينافي كونها علوماً، إذ العلم مقسم كلّ البديهيات والنظريات»[67]. كما أنّ صدر الدين الشيرازي[68] نحا هذا المنحى، لكنّ المجال لا يسعنا هنا لتسليط الضوء على تفاصيل الموضوع، لذلك اكتفينا بذكر ما يرتبط ببحثنا حسب مقتضى الحاجة[69].

* الشبهة التاسعة: عدم توفّر براهين كافية تثبت مصداقية علم اللاهوت:

اتّبع بعض الملحدين أسلوب نفي الدليل لإثبات زعمهم في إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، إذ ادّعوا أنّ أدلّة إثبات وجود الله تعالى لا تنهض في تحقيق المدّعى في عين كونها غير معتبرةٍ وهو أمرٌ يترتّب عليه إنكار وجود بارئ خالقٍ للكون.

تحليل الشبهة ونقضها:

للردّ على الشبهة المطروحة أعلاه نقول:

1) تطرّقنا في الفصل الثاني من الكتاب إلى البراهين التي تثبت وجود الله تعالى ودحضنا شبهات المشكّكين بأسلوبٍ علميٍّ استدلاليّ بحيث أثبتنا أنّ مساعي الملحدين للتقليل من شأن هذه البراهين لا تتقوّم على أيّ أساسٍ علميٍّ معتبرٍ، بل هي مجرّد اتّهامات ومزاعم واهية.

2) بطبيعة الحال فإنّ فرض المحال ليس بمحالٍ، لذا لو تنزّلنا وافترضنا أنّ براهين إثبات وجود الله عزّ شأنه لا تنهض في إثبات المدّعى، فالسؤال التالي يُطرَح: هل عدم اطّلاع الإنسان على دليلٍ ظاهرٍ يثبت وجود أمرٍ ما، يمكن اعتباره دليلاً على انعدامه حقّاً أو بطلانه؟!

بطبيعة الحال هناك كثير من الحالات التي تكون القضية المطروحة فيها صحيحةً لكنّنا نعجز عن برهنتها في نطاق ألفاظٍ واستدلالاتٍ منطقيةٍ وذلك لأسباب عديدة، لذا حسب معايير حكم العقل والمنطق لا يحقّ لأحدٍ أن يشكّك في صحّة وجودها أو ينكرها من أساسها لمجرّد العجز عن إقامة دليلٍ مقنعٍ.

من النظريات التي طرحها بعض علماء اللاهوت هي عدم تناهي وجود الله تعالى لكونه غير محدودٍ في إطار ماهيةٍ تقيّده، ومن ثمّ نظراً لضيق نطاق المعرفة البشرية واقتصارها على العقل المحدود، فلا يمكن للإنسان (المحدود) إدراك ذلك الوجود (اللامحدود)، ومن هذا المنطلق فهو عاجزٌ عن إثبات هذا الوجود الذي لا يمكن أن يتقيّد بالألفاظ والاستدلالات العقلية؛ لذا فالسبيل الوحيد لمعرفته هو الكشف والشهود اعتماداً على النفس النزيهة والفطرة السليمة. وضّحنا بعض تفاصيل هذه النظرية في الفصل الأوّل من الكتاب، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ العرفاء قد تبنّوها ودافعوا عنها أكثر من أيّة فئةٍ أخرى.

3) من المؤاخذات الجادّة التي ترد على الملحدين لدى طرحهم الشبهة المذكورة، هي أنّهم لم يتمكّوا حتّى الآن من إثبات مزاعمهم الإلحادية بالدليل والبرهان القاطع، إذ اكتفوا بطرح بعض الشبهات الواهية، وهذا الأسلوب غير المنطقي يمكن اتّباعه في جميع العلوم والمجالات لإنكار كلّ أمرٍ مهما كانت طبيعته؛ وقد اعترف بعضهم بهذا الأسلوب الركيك من أمثال الفيلسوف برتراند راسل، إذ سأله الفيلسوف وايت قائلاً: «هل ثبت لك بالبرهان القاطع عدم وجود شيءٍ اسمه الله؟ أو هذا الأمر لم يثبت لديك بالبرهان؟»، فأجاب راسل: «أنا لا أبتّ بالقول بعدم وجود شيءٍ اسمه الله، كلا؛ أعتقد أنّ هذا الأمر يشابه آلهة الإغريق والنرويج، فهذه الآلهة قد تكون موجودةً حقّاً لأنّي لا أستطبع إثبات عدم وجودها»[70]. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الفيلسوف الذي زعم أنّ وجود الله سبحانه وتعالى لم يثبت بالبرهان، قد أكّد بنفسه أنّ الإيمان به يُولّد الطمأنينة في النفس[71].


[1]*ـ مفكر وباحث في الإلهيات ـ إيران.

[2]  ـ الخواجة نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصّل، ص 50؛ السيّد المرتضى، الذخيرة في علم الكلام، ص 344؛ القاضي عضد الدين الإيجي، شرح المواقف، ج 1، ص 188؛ ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 1، ص 18 و 20 و 22.

[3]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: عبد الله جوادي الآملي، تفسير موضوعي ـ توحيد در قرآن (باللغة الفارسية)، ج 12، ص 256 ـ 257؛ مرتضى مطهّري، مجموعه آثار (باللغة الفارسية)، ج 6، ص 913.

[4]  ـ الدَّور المنطقي يعني توقّف وجود الشيء على نفسه، وحين تحقّقه في أيٍّ من البراهين والاستدلالات فهو يعني بطلان موضوعها. وبعبارةٍ أخرى فإنّ معناه حاجة الأوّل إلى الثاني والثاني إلى الأوّل، إمّا بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ.

[5]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: پوزيتيويسم منطقي (باللغة الفارسية)، ص 14.

[6]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق، ص 16.

[7]  ـ كارل ريموند بوبر، مجلّة (ذهن)، العلم والفرضية (علم وفرضيه)، العدد1، ص102.

[8]  ـ برايان ماجي، مردان انديشه ـ گفتگوي مگي با آير (باللغة الفارسية)، ص 202.

[9]  ـ المصدر السابق.

[10]  ـ الطبيعيات: تؤكّد على أنّ ذهن الإنسان قادر في الأمور الطبيعية فقط على إدراك الأعراض والظواهر «الفنومونات» (Phenomen) التي تأتي عن طريق الحسّ والعقل، لكنّه عاجزٌ عن إدراك الذوات «النِمونات» (Noumen) التي هي موضوع الأعراض والظواهر. وفي مورد الظواهر أيضاً فإن العقل الإنساني- بتركيبه الخاص- يضفي أشكالاً وصوراً خاصة على الأشياء، ولا يمكن الاطمئنان إلى أنّ الواقع ونفس الأمر هو بهذا الشكل وهذه الصورة الظاهرة لعقولنا.

[11]  ـ رسول جعفريان، جريان ها وسازمان هاي مذهبي سياسي ايران (باللغة الفارسية)، ص 92.

[12]  ـ حسب قواعد علم المنطق فكلّ قضيةٍ لها محمولٌ وموضوعٌ، وحينما نقول (الله موجودٌ) فإنّ لفظ الجلالة هو الموضوع وكلمة (موجود) محمولٌ.

[13]  ـ إيمانوئيل كانط، سنجش خرد ناب (باللغة الفارسية)، ص 3 ـ 661؛ مصطفى ملكيان، مسايل جديد كلام (باللغة الفارسية)، ص 20.

[14]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: مصطفى ملكيان، مسايل جديد كلام (باللغة الفارسية)، مبحث (إثبات وجود الله)، الدرس 32.

[15]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: صدر المتألّهين، الأسفار الأربعة، ج 1، ص 93.

[16]  ـ ابن سينا، النفس من كتاب الشفاء، الفصل الثاني، ص 141؛ ابن سينا، الإشارات (بشرح المحقّق الطوسي والفخر الرازي)، ج 1، ص 38؛ عبد الله جوادي الآملي، تبيين براهين اثبات خدا (باللغة الفارسية)، ص 220؛ عبد الله جوادي الآملي، رحيق مختوم (باللغة الفارسية)، القسم الرابع، الجزء الأوّل؛ صدر المتألّهين، الأسفار الأربعة، ص 483.

[17]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: ديفيد هيوم، تاريخ طبيعي دين (باللغة الفارسية)، القسم التاسع (الله في الفلسفة)، ص 65 ـ 66، أميري عسكري سليماني، نقد برهان ناپذيري وجود خدا (باللغة الفارسية)، ص 214 ـ 215.

[18]  ـ برتراند راسل، عرفان ومنطق (باللغة الفارسية)، ص 202 و 204.

[19]  ـ الضرورة العينية أو الفلسفية هي ضرورةٌ ذات وجودٍ خارجيٍّ لأنّها من ناحية الفلسفة الوجودية ما لم تصل إلى مرحلة الوجوب فهي لا تبلغ درجة التحقّق، حيث قال الفلاسفة: «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، وهذا الوجوب قابلٌ للتحقّق في وجود كلٍّ من الواجب والممكن.

[20]  ـ سورة القصص، الآية 88.

[21]  ـ سورة الرحمن، الآية 27.

[22]  ـ سورة محمّد، الآية 38.

[23]  ـ محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 4، ص 221.

[24]  ـ المصدر السابق، ج 77، ص 310؛ الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد المعتزلي، الخطبة رقم 186.

[25]  ـ الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد المعتزلي، الخطبة رقم 1.

[26]  ـ المصدر السابق، ج 20، ص 348.

[27] ـ للاطّلاع أكثر، راجع: مفاتيح الجنان وسائر كتب الأدعية.

[28]  ـ زين الدين عمر بن سهلان الساوي، البصائر النصيرية، ص 109؛ محمّد رضا المظفّر، المنطق، ص 148 ـ 151.

[29]  ـ في المباحث المتعلّقة بمادّة القضية وجهتها، أشار علماء المنطق إلى وجود بعض الحالات التي يكون الوجوب فيها واحدٌ لكليهما، وبعض الحالات الأخرى التي يختصّ بأحدهما، ففي القضية الأزلية (الله موجود) المادّة والجهة كلاهما ضروريتان، أي: إنّ الوجوب متّحدٌ فيها.

[30]  ـ للاطّلاع أكثر،راجع: صدر المتألّهين، الأسفار الأربعة، ج 1، ص 93.

[31]  ـ جون هاسبرز، فلسفه دين (باللغة الفارسية)، ص 58.

[32]  ـ وليم هدسون، لودويگ ويتگنشتاين (باللغة الفارسية)، ص 6 ـ 72.

[33]  ـ www.farhangshahr.com , p. 58.

[34]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: مايكل بيترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (باللغة الفارسية)، ص 112.

[35]  ـ برتراند راسل، چرا مسيحي نيستم؟ (باللغة الفارسية)، ص 25؛ محمّد تقي الجعفري، توضيح وبررسي مصاحبه راسل ـ وايت (باللغة الفارسية)، ص 175.

راجع أيضاً: ابن ورّاق، اسلام ومسلماني (باللغة الفارسية)، ص 320؛ تولدي دیگر (باللغة الفارسية)، المؤلّف غير معروف، فصل (رحلةٌ في تأريخ الدين)، ص 2؛ مسعود الأنصاري (الدكتور روشنگر)، الله اکبر (باللغة الفارسية)، ص 23؛ سياوش اوستا (حسن عباسي)، دينداري وخردگرايي (باللغة الفارسية)، مقتبس من موقع إلكتروني، ص 8.

[36]  ـ ريموند آرون، مراحل اساسي انديشه در جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ص 129 ـ 131.

[37]  ـ ريموند آرون، مراحل اساسي انديشه در جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ص275.

[38]  ـ ديفيد هيوم، تاريخ طبيعي دين (باللغة الفارسية)، ص 9 ـ 10.

[39]  ـ إريك فروم، روانكاوي ودين (باللغة الفارسية)، ص 124.

[40] ـ سياوش اوستا (حسن عباسي)، دينداري وخردگرايي (باللغة الفارسية)، مقتبس من موقع إلكتروني، ص8؛ مسعود الأنصاري (الدكتور روشنگر)، الله اکبر (باللغة الفارسية)، ص 23 و 43 و 56.

[41]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: اثبات وجود خدا به قلم چهل تن از دانشمندان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أحمد آرام.

[42]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: صاموئيل كينغ، جامعه شناسي (باللغة الفارسية)،، ص 134؛ فيليسين شاليه، تاريخ مختصر اديان بزرگ (باللغة الفارسية)، ص 477؛ دانييل بالس، هفت نظريه در باب دين (باللغة الفارسية)، الفصل الثالث؛ ابن ورّاق، اسلام ومسلماني (باللغة الفارسية)، ص 17 و 120.

[43]  ـ www.farhangshahr.com

[44]  ـ فلاديمير إليتش لينين، ماترياليسم تاريخي (باللغة الفارسية)، ص 61.

للاطّلاع أكثر، راجع: السيّد رضا الصدر، سخنان سران كمونيزم درباره خدا (باللغة الفارسية).

[45]  ـ موريس كونفورس، دانش رهايي وارزش هاي انساني (باللغة الفارسية)، ص 28.

[46]  ـ أندريه بييتر، دانش رهائي وارزش هاي انساني (باللغة الفارسية)، ص 28.

[47]  ـ دانييل بالس، هفت نظريه در باب دين (باللغة الفارسية)، ص 209 ـ 210؛ مسعود الأنصاري (الدكتور روشنگر)، الله اکبر (باللغة الفارسية)، ص 24.

[48]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: فيليسن شاليه، تاريخ مختصر اديان بزرگ (باللغة الفارسية)، ص 12؛ جون بي. ناس، تاريخ جامع اديان (باللغة الفارسية)، ص 23؛ جون بيرنال، علم در تاريخ (باللغة الفارسية)، ج 1، ص 75؛ صاموئيل كينغ، جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ص 126.

[49]  ـ موريس كونفورس، دانش رهايي وارزش هاي انساني (باللغة الفارسية)، ص 28.

[50]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: دانييل بالس، هفت نظريه در باب دين (باللغة الفارسية)، ص195.

[51]  ـ ماركس وماركسيسم (باللغة الفارسية)، ص 240 نقلاً عن كتاب: خدا در انديشه بشر (باللغة الفارسية)، ص 79.

[52]  ـ محمّد حسن قدردان قراملكي، سكولاريزم در مسيحيت واسلام (باللغة الفارسية)، القسم الأوّل من الكتاب.

[53]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: ماكس فيبر، اخلاق پرتستان وروح سرمايه داري (باللغة الفارسية).

[54]  ـ إيان باربر، علم ودين (باللغة الفارسية)، ص 52 ـ 72.

[55]  ـ مسعود الأنصاري (الدكتور روشنگر)، الله اکبر (باللغة الفارسية)، ص 43؛ ابن ورّاق، اسلام ومسلماني (باللغة الفارسية)، ص 255.

[56]  ـ www.farhangshahr.com , p. 58.

[57]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: محمّد حسن قدردان قراملكي، اصل علّيت در فلسفه وكلام (باللغة الفارسية).

[58]  ـ سورة البقرة، الآية 22؛ سورة الحج، الآية 5؛ سورة السجدة، الآية 27.

[59]  ـ سورة الروم، الآية 48.

[60]  ـ سورة لقمان، الآية 10.

[61]  ـ محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 2، ص 90.

[62]  ـ عبد الحسين مشكاة الديني، نظري به فلسفه صدر المتألّهين (باللغة الفارسية)، ص 60.

[63]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: ابن سينا، الإشارات (بشرح المحقّق الطوسي والفخر الرازي)، ج 2، ص 42؛ بهمنيار، التحصيل، ص 521؛ صدر المتألّهين، الأسفار الأربعة، ج 3، ص 42.

[64]  ـ صدر المتألّهين، الاسفار الأربعة، ج 7، ص 308.

[65]  ـ محمّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 111. كذلك راجع الصفحات: 76 و 107 و 398.

[66]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: محي الدين بن عربي، الفتوحات المكّية، ج 1، الباب رقم 63؛ ابن العربي، فصوص الحِكم (مع تعليقات أبي العلاء العفيفي)، الفصّ الشيثي.

[67]  ـ الملا هادي السبزواري، شرح المنظومة، ج 5، ص 133.

[68]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: صدر المتألّهين، الاسفار الأربعة، ج 2، ص 299 ـ 300؛ المشاعر (باللغة الفارسية)، بشرح علي أكبر حكمي يزدي، ص 179؛ مرتضى مطهّري، مقالات فلسفي (باللغة الفارسية)، ج 3، ص 97 و 129؛ مرتضى مطهّري، مجموعة آثار (باللغة الفارسية)، ج 13، ص 213 و 265؛ عبد الله جوادي الآملي، تفسير موضوعي ـ توحيد در قرآن (باللغة الفارسية)، ص 454.

[69] ـ للاطّلاع أكثر، راجع: محمّد حسن قدردان قراملكي، اصطياد معارف عقلي از نصوص ديني ـ خدا در حكمت وشريعت (باللغة الفارسية)، مبحث التوحيد في الخالقية ونظام العلّية.

[70]  ـ محمّد تقي الجعفري، توضيح وبررسي مصاحبه راسل ـ وايت (باللغة الفارسية)، ص60؛ برتراند راسل، چرا مسيحي نيستم؟ (باللغة الفارسية)، ص 248.

[71]  ـ للاطّلاع أكثر، راجع: فريدريك كوبلستون، تاريخ فلسفه (باللغة الفارسية)، ج 8، ص 512.