البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الله وغرضية العالم ، النظام الأخلاقي كغاية عليا للاجتماع البشري

الباحث : والتر ستيس

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 7

السنة : السنة الثالثة - ربيع 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : May / 9 / 2017

عدد زيارات البحث : 184

حجم ملف البحث : 290.998 KB

 تحميل

كانت صورة العالم في العصر الوسيط خليطاً من الأفكار العلمية والفلسفية، فالنظرية الجيوسنترية (مركزية الأرض) هي نظرية علمية الطابع، ما دامت تنتمي إلى علم الفلك. لكن إذا ما ترك المرء جانباً المفاهيم العلمية، فسيجد نفسه تلقاء مثلث مترابط من الأفكار الفلسفية الرئيسية هي: الله، وغرضية العالم، والنظام الأخلاقي لهذا العالم.

في هذه المقالة للفيلسوف الأخلاقي الأميركي ولترستيس درسٌ معمَّقٌ لهذه الجدلية المثلثة الأضلاع، وبيان مآلاتها المعرفية كما ظهرت في حقول الاشتغال الفلسفي بمسائل الإلهيات في الغرب.

المحرر


إذا ما شرعنا بأية طريقة في محاولة حل المشكلات التي يعانيها عصرنا فإن أول شيء جوهري ينبغي أن نقوم به هو أن نحدد بدقة قدر المستطاع معاني المفاهيم، التي ورثتها ثقافتنا، التي هبطت إلينا من تراث الماضي ووضعت لنا المشكلات.

الفكرة الأولى هي فكرة الله، والشيء المهم بالنسبة إلينا أن نفهم ماذا تعني هذه الكلمة التي ورثناها من عصور موغلة في القدم، في أذهان الناس. وبعبارة أخرى نريد أن نعرف ما هو نوع الوجود الإلهي الذي نؤمن به.

والنقطة الأساسية التي ينبغي لنا أن نركز فيها هي أن الناس يعتقدون أنه إله مشخص أعني أنه عقل واعٍ أو روح.

وهذا يعني أن عقل الإله أشبه ما يكون بالعقل البشري، فهو يضع الخطط، وله غرض ولا بد أن يكون وعياً، ولا بد كذلك أن يكون لديه أفكار وتصوّرات وربما انفعالات وعواطف أيضاً: كالحب، والغضب، برغم أنها ليست أحاسيس مادية (فيزقية) ما دام اللَّه روحاً مخلصاً خالصاً وليس له جسد ماديّ، ربما لا يقول اللاهوتيون بهذه الأمور تماماً، لكن المهم أنه يستحيل التفكير في عقل ما على الإطلاق إلا ببعض هذه المصطلحات.

وقد يرى بعض المثقفين أن كلمات سيكولوجية مثل "فكرة" و"غرض"، و"تصور"، و"انفعال" و"عاطفة": لا تقال عن اللَّه إلا بمعنى مجازي أو رمزي وأن عقل اللَّه في الحقيقة لا بد أن يكون مختلفاً أتمّ الاختلاف عن أي عقل معروف لنا، لكن تظهر في هذه الحالة مشكلة ما إذا كان استخدام هذه الكلمات النفسية تنطبق على اللَّه يحمل أي معنى. وتظهر مشكلة ما إذا كنا سنطلق على اللَّه لفظ العقل أو الروح أو أن ننسب إليه غرضاً من خلق الإنسان أو العالم، يحمل أي فكرة صحيحة لعقلنا على الإطلاق. إن المرء قد يستخدم كلمة أو جملة بطريقة مشروعة ماماً، بطريقة رمزية أو مجازية، غير أنه يستطيع أن يقول في هذه الحالة ما الذي يقصده المعنى غير المجازي.

ففي استطاعتك مثلاً أن تتحدث عن "بحر من الاضطرابات"، فإذا سُئلت كيف تشكل الاضطرابات بحراً ففي استطاعتك تفسير ذلك بأن كلمة "بحر" المستخدمة هنا هي استعارة أو مجاز لتعني هنا الكثرة وطابع التعدد، أو ربما الطبيعة الطاغية للاضطرابات وأنت بهذا الشكل تقدم المعنى الحرفي. والقاعدة هي أن الاستعارة يكون لها معنى لو كان في استطاعتك تقديم المعنى الحرفي لها. لكنك إذا لم تستطع فإنها في هذه الحالة تكون مجرد "استعارة" لا معنى لها.

ولو قال شخص ما عن موضوع ما "هذه شجرة"، ثم أضاف إلى ذلك أنه لا يعني بكلمة "شجرة" شيئاً مما نسميه عادة بالأشجار، وإذا لم يستطع في الوقت نفسه أن يقول بأي معنى آخر يستخدم كلمة "الشجرة"، كان من الواضح أن استخدامه لكلمة الشجرة لا معنى له على الإطلاق. ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك مع الكلمات السيكولوجية التي تستخدم عن الله. فأما أن تعني، عندما تنطبق على الله، نفس ما تعنيه عندما تنطبق على البشر، أو إذا كانت استعارات ومجازات، فلا بد من أن يكون في استطاعتنا أن نقول ما هو المعنى الحرفي لهذه الاستعارات أو أنها لن تعني شيئاً على الإطلاق.

وليس الهدف من هذه الملاحظات "الشك" أو السخرية من فكرة اللَّه بوصفه روحاً، بل إن علينا مواجهة المشكلات المضمنة في تفكيرنا، وقد يقال إن الطبيعة الحقيقية لله تجاوز التصوّر البشري، وليس في استطاعتنا أن نقدم المعاني الدقيقة للكلمات التي نستخدمها بطريقة تقنع عالم المنطق، ومع ذلك فكلمات مثل "الروح" و"الغرض" وما إلينا تشير إلى معاني ما ليس في استطاعتنا أن نقدّم لها تعبيراً واضحاً عن طريق اللغة، وربما كان في ذلك شيء من الصحة.

لكن ما أحاول الآن القيام به هو تمييز ما الذي تعنيه وتتضمنه أفكار الناس البسطاء وكلماتهم بغض النظر عن الفكر العميق عند الصوفية واللاهوتيين وما الذي يؤمنون به عندما يقولون إنهم يؤمنون بالله بوصفه عقلاً أو روحاً، فلا شكّ في أنهم يؤمنون بما تتضمنه كلماتهم منطقياً، وهو أن اللَّه وعي له سيكولوجيا تشبه أساساً سيكولوجيا البشر، ومن ثم فمن الصواب أن تُنسب إليه العمليات العقلية التي تدل عليها كلمات مثل "فكرة"، و"تصور" و"غرض"، و"حب"، و"غضب".. ولا شك في أن عقل اللَّه يُنظر إليه على أنه أعظم وأشمل وأقوى وأكثر حكمة من العقل البشري ومن هنا كان الحديث عن حكمة الله، وعلم الله، وحب الله، وقوته وقدرته ولكنه لا يزال برغم ذلك من الضروري أن يشبه العقل البشري.

ولا شك في أن اللاهوتيين والفلاسفة كانوا على وعي بالصعوبات الضخمة التي تكتنف هذا التصور التشبيهي المألوف لله الذي يربط بينه وبين الإنسان، ولهذا حاولوا أن يستبدلوا به تصوّراتٍ أخرى أشدّ عمقاً، وكان لهم في ذلك جدارة فلسفية عظيمة جداً، غير أنه يستحيل عليهم أن يفلتوا تماماً من النزعة التشبيهية، فلو أنك اعتقدت أن الله، بأي معنى، شخص وعقل أو روح، مهما كنت على وعي بقصور هذه الكلمات، وبالغاً ما بلغت محاولاتك لتجنب معانيها الفجة المألوفة على نحو ما تنطبق على الموجودات البشرية.

فليس في استطاعتك أن تتجنب النزعة التشبيهية للإنسان، وليس في استطاعتك أن تتجنب تصوّر اللَّه من منظور العقل البشري. لأنك لا تملك مواد أخرى تستطيع أن تصوغ منها تصورك الله. وباختصار فإن فكرة اللَّه لا بد بالضرورة أن تكون تشبيهية.

وليس معنى ذلك أن نقوم بعملية نقد، فقد تكون النزعة التبشبيهية صحيحة، وقد لا تكون، وتظل المشكلة أمامنا مفتوحة تماماً بلا تحيّز تماماً من أي شيء مما سبق لنا قوله. وما هو ظاهر في الوقت الحالي هو ببساطة ما يلي: إن الناس الذين يؤمنون بالله يؤمنون أنه عقل لا بد أن يكون واعياً لديه وهذا ما تعنيه فكرة الله، وما كانت تعنيه بالنسبة لعقل العصر الوسيط هو ما تعنيه بالنسبة لنا الآن، ومن الواضح أن ذلك ما تعنيه بالنسبة للديانة الشائعة الآن، حتى إذا ما حاول اللاهوتيون والفلاسفة تنقية الفكرة فلن يستطيعوا تجنب بعض عناصر النزعة التشبيهية.

لقد خلق اللَّه العالم في لحظة ما في الماضي كانت بالنسبة لإيمان العصور الوسطى منذ بضعة آلاف من السنين مضت. أما بالنسبة للعقل الحديث فلا بد أن تكون منذ بلايين السنين الماضية. والواقع أن لا أهمية للحقبة الزمنية التي انقضت منذ خلق الكون بالنسبة لسياقنا الحالي. فالنقطة التي ينبغي أن نوجه لها الانتباه أن كلمة "الخلق" إما أن يكون لها معنى في اللغة الإنجليزية الدارجة أو لا يكون لها معنى على الإطلاق: فإن تخلق يعني أن تصنع، والبشر يصنعون المنازل، والآلات، والأثاث، ولقد صنع اللَّه العالم بهذا المعنى تماماً.

والحجج نفسها التي تُستخدم في حالة كلمة "العقل" تستخدم عن الله، ولا بد أن يكون لها معناها الدارج أو أن تكون بغير معنى، وقل مثل ذلك في كلمة "الخلق"، فهي إذا ما استخدمت بالنسبة لله، فلا بد أن تعنى بالطريقة نفسها، ولنفس الأسباب معنى مألوف أو أن تكون بغير معنى. ومعنى ذلك أن اللَّه صنع العالم بنفس المعنى الذي يصنع به البشر منازلهم، والفارق الوحيد هو أن اللَّه خلق العالم من العدم في حين أن الناس تصنع ما تصنعه من مواد موجودة سلفاً.

غير أن هذا الاختلاف لا يمثل أية مشكلة أمام العقل، وعلى الرغم من أننا لا نملك القدرة على صنع شيء ما من العدم، فإن الفكرة، مع ذلك، يسهل فهمها، وصنع شيء من مواد موجودة سلفاً لا يعني شيئاً سوى العزم على إخراجه إلى الوجود، وعندئذٍ يظهر إلى الوجود. ونصوص سفر التكوين التي جاء فيها "وقال اللَّه ليكن نور، فكان نور" (الإصحاح الأول: 3) تعبر بدقة عن هذه الفكرة. أما القول بأننا أنفسنا لا نستطيع أن نفعل شيئاً كهذا، لا يمنعنا من أن نفهم ما الذي نعنيه بقولنا إنّه تمّ أو كان قد تمّ. إن ما يبدو أن الساحر يفعله عندما يستخرج شيئاً من صندوق فارغ هو بالضبط ما فعله الله. وتلك هي الفكرة الأساسية الأصلية لخلق العالم، برغم ما يبذله المثقفون من جهود لتنقيتها أو تعديلها.

الفكرة الثانية التي علينا الآن أن نناقش معناها هي فكرة "الغرض" عندما تطبق على العالم، والمحاولة المترتبة عليها لتفسير ظواهر الطبيعة تفسيراً غائياً. وكلمة "الغائي" تعني "الغرضي"، والتفسير الغائي للظواهر يعني تفسيرها من منظور الغرضية، وهكذا إذا ما اقترف الإنسان جريمة السرقة، فإن عمله يكون حدثاً من أحداث الطبيعة تماماً مثل ومضة الضوء في ظاهرة البرق، ومن ثم فإن علينا أن نبحث عن تفسير لهذا الحدث وللحدث الآخر على حد سواء، وربما تساءلنا لماذا وقع هذا الحدث سواء أكان "البرق" أم "السرقة". فإذا ما فسرنا السرقة بأن الرجل كان جائعاً فسرق النقود "بغرض" شراء الطعام، فإن ذلك يسمى تفسيراً غائياً، و"التفسير الغائي" يقابل، في العادة، التفسير "الآلي أو الميكانيكي"، فتقديم تفسير غائي لحدث، يعني تحديد "غرض له" أما تقديم تفسير آلي للحدث، فإنه يعني تقديم سبب له.

ويمكن أن يُقال أيضاً إن التفسير الآلي يعني تفسير الظواهر عن طريق قوانين الطبيعة، ولأن تفسير قوانين الطبيعة هو نفسه التفسير عن طريق الأسباب، فالقول بأن الماء يتجمد طبقاً للقانون الذي يقول إنّ الماء يتجمّد في درجة حرارة كذا، وإنّ سبب تجمده هو درجة كذا وكذا من درجات الحرارة هما شيء واحد.

فإذا ما عُدنا إلى التفرقة بين التفسير الغائي والتفسير الآلي فإن علينا أن نتأمل الحالة الآتية: أفرض أننا شهدنا رجلاً يتسلّق جبلاً، فقد نسأل لماذا يتسلّقه، ونحن في هذه الحالة نسأل عن تفسير لهذا الحدث، وهناك إجابتان مختلفتان عن هذا السؤال تبدو كل منهما معقولة، فقد يقول قائل: إنه يتسلق الجبل لأنه يريد أن يشاهد المنظر من فوق قمته، وذلك تفسير غائي لحادث التسلّق، وقد يجيب عالم النفس عن السؤال بسلسلة من الأسباب والنتائج بحركة أرجل هذا الإنسان، فالطعام الذي تناوله تسبب في إحداث طاقة اختزنت في أجزاء معينة من جهازه العصبي، ثم تسبب مثير خارجي في إطلاق هذه الطاقة، ثم في إحداث تيارات عصبية تسببت في إحداث تقلصات وارتخاءات لعضلاته، وتسببت في النهاية في دفع جسده إلى أعلى الجبل ويسمى ذلك بالتفسير الآلي أو الميكانيكي لحركات هذا الرجل.

وينبغي لنا أن نلاحظ من زاوية المصطلحات فحسب أن كلمة آلي أو ميكانيكي تستخدم حينما يكون التفسير عن طريق الأسباب، سواء أكان الموضوع الذي يتحرك هو ما نسميه عادة باسم الآلة أم لم يكن، وذلك واضح من مثل الرجل الذي يتسلّق الجبل.

وكضرب من تأكيد الطبيعتين المتعارضتين لهذين النوعين من التفسير، ذهب بعض الفلاسفة إلى أن الأسباب تدفع الحدث من الخلف، وأن الأغراض أو الأهداف تجر الحدث وراءها من الأمام، في سلسلة من الأسباب والنتائج تتبع الواحدة منها الأخرى في سلسلة زمانية، فأنا أبتلع السمّ أولاً ثم يسري السمّ في دمي ويعمل على تجليطه، ثم أموت، وفي حالة تسلّق الجبل يأتي المثير أولاً ثم تحدث بعد ذلك تقلصات العضلات.

غير أن المفكرين افترضوا أنه في حالة التفسير الغائي فإن الغرض أو الهدف يأتي بعد الحدث في الزمان وليس قبله كما يحدث للسبب، فرؤية المنظر من فوق الجبل التي هي هدف من تسلّق الرجل للجبل تظهر إلى الوجود بعد ان تكتمل عمليّة التسلّق بالفعل، وبهذا المعنى قيل إن السبب يدفع الحدث في الماضي في حين أن الغرض يجر الحدث من المستقبل.

وهذا الجدال، الذي لا مبرر له، هو برغم ذلك أحد العناصر الهامة بالنسبة لنا التي ينبغي أن نفهمها، فقد ساهم في إذاعة وانتشار الإيمان بأن التفسير الغائي والتفسير الآلي متعارضان بطبيعتهما ويطرد الواحد منهما الآخر، فإذا كان التفسير الآلي صحيحاً، فلا بد أن يكون التفسير الغائي كاذباً والعكس. وهي وجهة نظر سوف نعترض عليها، والنزاع أو الجدال لا مبرر له لأن مصدره خلط بسيط بين فكرة الغرض وفكرة الهدف، فعندما يتسلّق إنسان الجبل فإن هدفه يكون، وهذا حقّ، موجود في المستقبل، فالهدف هو الرؤية الفعلية للمنظر وهو ما لن يحدث حتى يصل الرجل إلى قمة الجبل.

لكن الغرض الذي دفعه إلى تسلّق الجبل هو شيء يتّسم به الرجل وهو يتسلق الجبل، أو بعبارة أصحّ، قبل إن يبدأ عملية التسلّق، وهو أمر يصعب أن يتحدّ في هوية واحدة مع الرغبة في رؤية المنظر التي كانت عنده قبل أن يقوم بعملية التسلّق التي ظلت تحثّه في إصرار بينما هو يتسلّق، والاعتقاد بأن هذين التفسيرين ضدان يطرد بعضهما بعضاً بحيث لا يمكن أن يكونا معاً صادقين في وقت واحد، هو جزء من السبب (وليس كل السبب) الذي جعل كثيراً من رجال العلم يحكمون أحكاماً مبتسرة ضد التفسيرات الغائية ويعتبرونها غير علمية.

وقد يقال لكن الحدث يمكن تفسيره تفسيراً تاماً وكاملاً عن طريق الأسباب، وأفرض أننا قد عرفنا جميع الأسباب التي تتحكم في مجموعة من الظواهر، ولتكن أ، ب، جـ، د. فلو أن هذه كانت قائمة كاملة فسوف يعد ذلك تفسيراً تاماً وكاملاً، وهو أيضاً تفسير آلي ما دام لا يذكر شيئاً سوى الأسباب، وليس ثمّة فرصة إذن ولا ضرورة لأي تفسير آخر، وأي محاولة لإقحام الأغراض أو الأهداف، أو أية أسباب أخرى سوف يؤدي إلى خلط واختلاط بغير نظام لتصوّرات لا لزوم لها.

صحيح أنّ إقحام فكرة الأهداف المقبلة في التفسير تؤدي إلى مثل هذه النتيجة، ما دامت الأهداف تكمن في مستقبل الحدث ولا يمكن، من ثم، أن تكون من بين الأسباب، لكن إدخال الأغراض بمعنى الرغبات الحاضرة من أجل أهداف المستقبل لن يكون له مثل هذه النتيجة، فهو ليس الرؤية الفعلية للمنظر المقبل الذي يفسّر التسلّق الحالي للرجل. فرغبته الحالية في تحقيق مثل هذا الهدف هي التي تفسر سلوكه، أو هي على الأقل جزء من هذا التفسير، وهذا يعني أن الرغبة هي أحد الأسباب في حركته.

ولا شك في أن من بين هذه الأسباب الدوافع العصبية والتقلصات العضلية، غير أن الأغراض والرغبات تظهر أيضاً في مكان ما من سلسلة الأسباب، وذلك يعادل رد السبب الغائي إلى نوع من التفسير الآلي، فالتفسير الغائي لتسلق الرجل للجبل هو جزء من التفسير الآلي.

ومن هنا فليس ثمة مبرر للقول بأن هذين النوعين من التفسير متناقضان لا يتفق أحدهما مع الآخر، ويبدو أن الأمثلة الشائعة أنهما لا يمكن أن يكونا كذلك، فمن الواضح أن الرجل يتسلّق الجبل بسبب التيارات العصبية والعضلات التي تدفعه إلى الأمام، لكن من الواضح أيضاً أن من الصواب أن نقول أنه يتسلّق الجبل بسبب أنه يريد أن يرى المنظر من فوق قمّته، وهذه الحقائق الواضحة لا يمكن أن يناقض بعضها بعضاً، ولو افترض أحد أنها تتناقض فلا بد أن نُرجع ذلك إلى خطأ ما. فمن الخُلف أن نتجادل في أن عليك أن تختار أحدهما دون الآخر.

صحيح أننا إذا ما سلّمنا بالتفسير الغائي فسوف تظهر صعوبات مفترضة حول التأثير المتبادل بين العقل والجسم، إذ يُفترض أن الرغبة أو الغرض هي شيء عقلي في حين أن التيار العصبي هو شيء عقلي في حين أن التيار العصبي هو شيء مادي، والمفروض فيما هو عقلي أنه غير مادي إذا ما سلّمنا بالرغبات من بين أسباب السلوك البشري والحيواني، ويبدو أننا بذلك نذهب إلى أن الأشياء غير المادية كالأغراض والأفكار نتائج مادية مثل حركة البدن، فكيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؟

والجواب هو أنه توجد، بالقطع، مشكلات صعبة من هذا القبيل، ونحن لا نعرف حلها في الوقت الحاضر، فهناك مشكلة حول طبيعة العقل وحول علاقته بالجسم، وآراء ووجهات نظر مختلفة في هذه المشكلة، ويبدو بعضها مقبولاً ولكنها كلها نظرات وخواطر أكثر منها معلومات ومعارف. لكن ليس ثمة نظريات في الأمور التي نجهلها تحتم علينا أن ننكر الوقائع البسيطة أو الحقائق الواضحة.

ومن الحقائق الواضحة أن للناس، والحيوانات، رغبات وأنها تتحرك عن طريق أغراضها، وأن هذه الرغبات والأغراض تفسر، في حالات كثيرة، سلوكها أو هي جزء من هذا التفسير، فمن الحمق أن ننكر أنني عندما أكون جائعاً أرغب في الطعام، وأنني عندما أخرج من مكتبي لأتناول غذائي فإن غرضي من الخروج هو إشباع الجوع وأن ذلك تفسير معقول وصحيح لسلوكي. وسيظل ذلك صحيحاً سواء استطعت أن أقول ما هو العقل أو لم أستطع، أو ما هي الرغبة أو كيف يرتبط العقل بالبدن.

حين أن تحرك الناس عن طريق الأغراض هو حقيقة واضحة، فإن القول بأن العقول والرغبات والأفكار هي أمور "غير مادية" ليس حقيقة واضحة بل هو نظرية تأملية قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، وقل مثل ذلك في النظرة المادة التي تقول إنّ العقول والرغبات والأفكار هي أشياء مادية وإنّها يمكن أن تردّ، فلن يكون ثمة مشكلة في القول بأن الرغبة يمكن أن تسبب حركة الجسم، ما دام ذلك لن يكون أكثر من حالة لإحدى الظواهر الفيزيقية التي تسبب حركة الظاهرة الأخرى.

لكن إذا لم يكن من المستطاع ردّها إلى وظائف فيزيقية، فإن علينا في هذه الحالة أن نسلّم بأن سبباً غير مادي يمكن أن تكون له نتيجة مادية، ولا يهم بعد ذلك مدى تناقص أحكامنا المبتسرة، ولا يهم قدر التعديلات التي نحتاج إليها في علمنا الطبيعي ونظرتنا إلى العالم.

وربما اعتنقت سيكولوجيا سلوكية أو مادية أو ثنائية، لكن من الحمق على أية حال، أن تنكر أن الرغبات والأغراض وأنها من بين أسباب السلوك البشري وليس من النظرة العلمية في شيء أن تنكر حقائق معروفة لا لسبب إلا أنها تبدو متعارضة مع نظرية تأملية تؤمن بها.

والحقيقة التي يزدريها أو يرفضها كثير من السيكولوجيين والعلماء وهي كلمة "الغرض" يتمنون الخلاص منها ومحوها من قاموس مفرداتهم هي مثال صارخ على ما يأخذ به العلماء أحياناً، من منظور غير علمي، فالرغبة في حذف التفسيرات الغائية من علم النفس ليست سوى حكم مبتسر.

علينا الآن أن ننتقل إلى ملاحظة أخرى ترتبط بالغائية، فهناك لَبْس فيما يتعلّق بالتفسير الغائي ينبغي لنا إزالته إذا ما تتبعنا بعض المناقشات المتأخرة في كتابنا هذا ففي المثال الذي سقناه على "تسلّق الإنسان للجبل" نجد إنّ الغرض الذي يقدّم كتفسير لحركاته كامن في الموضوع المتحرك ذاته أعني داخل الإنسان، لكن لو قلنا إنّ للساعة غرضاً هو أن نبئنا بالوقت، فإننا بذلك نشير إلى الغرض الذي كان موجوداً في أذهان مَنْ صنعوا الساعة أو استخدموها، لكنا لا نعني بالغرض أنه موجود داخل الساعة نفسها أو إنّ لها عقلاً أو أن عقل الساعة هو الذي يحدد غرضها، ويبدو أن ذلك واضح كل الوضوح.

ومع ذلك فإذا لم نتذكره فسوف نقع في الخلط بسهولة شديدة. وهو يصبح أكثر أهمية عندما نطرح مشكلة هل للكون غرض؟ فقد افترض بعض الفلاسفة أن الكون في ذاته حي، بمعنى أو بآخر، ويمكن أن تكون له في ذاته أغراض، ولكن ما لم نؤمن بذلك فإن السؤال هل للكون غرض يجب أن يعني البحث عما إذا كان هناك موجود حي يرتبط بالكون على نحو ما يرتبط الصانع بالساعة. ومن ثمّ فإذا كان للعالم غرض سواء أكان هو في ذاته حيّاً، أو كان هناك موجود حي هو الذي تتحكم أغراضه في الكون، وربما هو الذي صنعته، ويمكن أن نسمي النظرة السابقة بالغائية المحايثة Immanent والنظرة الثانية بالغائية الخارجية External ولقد اعتنق المفكرون النظرتين لكنهم لم يميزوا، عادة، بينهما أو يطلقوا عليها أسماء منفصلة، بل أشاروا إليهما معاً باسم التفسيرات الغائية للكون.

والتميز بين التفسير الغائي والتفسير الآلي على جانب كبير من الأهمية لفهم تاريخ الكائن البشري. وأحد التعارضات بين العقل في العصر الوسيط والعقل الحديث، هو أن الأول سيطر عليه الدين بينما سيطر العلم على العقل الثاني. ويمكننا الآن أن نضيف أن الدين ارتبط بصفة عامة بالغائية بينما ارتبط العلم بالآلية. وها هنا تعارض آخر بين العقل في العصر الوسيط والعقل الحديث هو تأكيد الغائية عند الأول، والتشديد على الآلية عند العقل الثاني. قسمة أساسية للعقل الحديث استمدها من العلم هي أن نظرته في الأعم الأغلب آلية، وأنه ألقى بالنظرة الغائية إلى الخلف حتى إذا لم ينكرها تماماً، فمعظم علماء البيولوجيا آليون، ويميلون إلى رفض التفسيرات الغائية حتى بالنسبة إلى سلوك الموجودات الحيّة، ونفس الكراهية للغائية شائعة في علم النفس إذ ينظر عادة إلى إقحام فكرة الغرض على أنها عمل غير علمي.

ويقال أحياناً إنّ العلم توقف عن أن يكون آلياً تحت ضغط الفيزياء الحديثة ونظرية النسبية والكوانتم، غير أن ذلك خطأ يرجع إلى غموض كلمة "الآلية"، وإنْ كان من الصواب أن نقول إنّ هناك معنى علمياً خاصاً للكلمة يمكن أن نقول معه إنّ العلم كفّ عن أن يكون آلياً، ويمكن أن نجد هذه المعنى الخاص للكلمة في كتاب مثل "تطور علم الطبيعة" الذي ألّفه "أينشتين" مع "إيفلد"[2].

لكن ذلك لا علاقة له على الإطلاق بما نناقشه الآن. فأي تفسير من منظور الأسباب بالمعنى الذي نستخدمه لكلمة التفسير، أو أي تفسير من منظور القوانين الطبيعية وهو نفس الشيء لا يدخل تصوّر "الغرض" يسمى تفسيراً آلياً، فلا يحلم أحد من علماء الطبيعة بالتفسيرات الغائية للظواهر، وذلك أساساً بسبب إنكاره لوجود أغراض للأحداث.

غير أن هذه الأغراض تقع خارج نطاق العلم، فمهمة العالم أن يقدم تفسيرات سببية أو آلية، ومن ثم يكون علمه آلياً تماماً، وهو قد يقول في بعض الأحيان إنّ الحركة، ولتكن حركة الإلكترون لا تحكمها الأسباب، غير أن ذلك لا يعني أن تفسيره غائي بل معناه أنه لم يصل بعد إلى تفسير، وهكذا فإن تصوّر علم الطبيعة للتفسير لا يزال آلياً تماماً.

وربما كانت هناك نقطة أخرى في التفسير العلمي يحسن إضافتها، إذ قد يؤدي غياب الإشارة الواضحة إليها إلى سوء فهم. فيقال في بعض الأحيان إن فكرة الاعتماد الوظيفي قد حلّت محلّ فكرة السبب والنتيجة في العلم. فلم يعد العالم يفكّر في مسار الطبيعة على أنه منقسم إلى سلسلة من القطع الصغيرة المتمايزة التي يطلق على إحداها اسم السبب والآخر النتيجة، لكنه يؤمن بالمسار المتصل الذي يكون فيه الجزء الأخير معتمداً وظيفياً على الجزء الأول. ولا يعنينا ذلك في شيء، فمفهوم السبب والنتيجة ومفهوم الاعتماد الوظيفي متحدان، ويعبران عن فكرة واحدة، فيما عدا أن الأول فجّ نسبياً، بينما الثاني أكثر دقّة ونقاء، ولكن لغة الحس المشترك تقلّبه وتقنع به ولن تدخل في تفكيرنا أية أخطاء بصدده.

وليس من الضروري أن يلتزم الدين بما هو كذلك بالإيمان بأن هناك غرضاً للكون، ويمكن أن نسوق البوذية مثالاً على ذلك فهي إحدى الديانات الكبرى التي لا تؤمن به، لكنه سمة أساسية للإيمان في معظم الديانات ومنها المسيحية، بغير شك، التي تقول: إن اللَّه خلق العالم من أجل غرض ما. حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالله إيماناً صريحاً قد يقولون في بعض الأحيان عن أشياء معينة: "إنه لا بد أن يكون هناك غرض ما من هذه الأشياء".

ومهما يكتنف هذه العبارة من غموض فمن الواضح أنها تحسّ نوعاً ما من الشعور الديني، فالنظرة الغائية إلى العالم، هي بصفة عامة، سمة من سمات الموقف الديني، تجاه العالم، برغم أنها قد توجد، في بعض الأحيان، عند أفراد لا يؤمنون بعقيدة غائية معينة، وليس للعالم عامة غرض فحسب بل للأشياء والأحداث الجزئية الموجودة فيه، فهي يمكن تفسيرها تفسيراً غائياً، وهي لذلك تتسم بطابع الديانة الغربية، ولا سيما ديانة العصور الوسطى، لقد فسرت ظاهرة "قوس قزح" تفسيراً غائياً عندما فُهمت على أنها تأكيد للإنسان بأن الجنس البشري لن يتعرض مرة أخرى للدمار عن طريق الطوفان، وهي تفسر تفسيراً آلياً عندما تفهم في ضوء قوانين علم الطبيعة، ولقد افترض العقل في العصر الوسيط غير أن تصور العالم على أنه تحكمه «الغرضية» لم يكن تصوّراً ابتدعته المسيحية، فلا شكّ في أن هذا التصوّر متغلغل في الديانة العبرية القديمة على نحو ما عرضها «العهد القديم». وإذا أردنا بدلاً من العودة إلى الوراء إلى الأصول العبرية في حضارتنا، أن نقتفي أثر المصادر الوثنية، فسوف نجد الشيء نفسه، وأشهر فلاسفة الإغريق القدماء: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، طوروا مذاهب غائية في الميتافيزيقا، فأفلاطون في محاورة «فيدون» قال على لسان سقراط وهو ينتظر تنفيذ الحكم عليه بتجرع السمّ الكلمات الهامة الآتية:

«لقد سمعتُ أحدهم يقرأ في كتاب ذكر أن مؤلفه هو إنكساجوراس يقول فيه: إن العقل هو العلّة وهو المنظّم لكل شيء، ويضع كلاً منها في موضعه على أفضل نحو ممكن، ولشدّ ما اغتبطت لذكر ذلك الذي كان باعثاً على الإعجاب، وخالجني أمل بأنني سوف أجد معلماً يبيّن لي كيف تنسجم الطبيعة مع العقل، فهو سوف يعلمني: علّة كل شيء على نحو يوافق ما أرغب فيه، وأنه سيذكر لي أولاً إن كانت الأرض مسطحة أم كروية، أو سوف يشرح بالتفصيل العلّة والضرورة في كل ذلك ولم كان الأفضل أن تكون الأرض هكذا ما دام هو القائل بمذهب الأفضل. وإذا قال لي: إن الأرض في وسط الكون، فسوف يشرح لي بالتفصيل إن كان الأفضل أن تكون كذلك، ولو برهن ذلك فلن أطلب أي نوع آخر من العملية. وكنت مستعداً الاستعداد نفسه بخصوص الشمس، والقمر، والنجوم الأخرى. ما دام سيعلمني على هذا النحو ما يخصّ سرعتها بقياس بعضها إلى بعض وانقلاباتها، وغير ذلك من الأحداث التي تتعرض لها، باختصار كيف يكون من الأفضل لكل منها أن يفعل ما يفعل وأن ينفعل بما ينفعل به.. وهكذا يكشف في كل ظاهرة جزئية عن هدفها النوعي الخاص، ويبرهن في الكل الهدف العظيم للكون، لم أستسلم طويلاً لهذا الأمل، فلشدّ ما كانت خيبة أملي عندما عكفت بحماسة على كتابات انكساجوراس فوجدته بدلاً من أن يلجأ إلى العقل يلجأ إلى علل خارجية: كالهواء، والأثير، والماء وما إليها»[3].

وهكذا يظهر سقراط كفيلسوف يؤمن بأن وضع الأرض في السماء سواء أكانت في المركز أم لا وكذلك الأجرام السماء يمكن تفسيرها ببيان حقيقة تنظم هذه الموجودات، وأنها «في موضعها على أفضل نحو ممكن» وأنها أيضاً كلّها تخدم «الهدف العظيم للكون»، وقوله: إنه «لن يبحث عن أية علّة أخرى» أعني أنه لن يبحث عن أي تفسير آخر غير التفسير الغائي. ومعنى ذلك أنه أدرك التمييز بين التفسير الغائي والتفسر الآلي ورفض الأخير. وهذا واضح من أنه يقول بعد ذلك مباشرة: إن خيبة أمله كانت شديدة في انكساجوراس بمجرد ما اكتشف أنه بعد أن وعد بالتفسير الغائي في بداية حديثه يلجأ في نهايته إلى التفسيرات الآلية وحدها. يقول:

«أي آمال توقعتها، وأي حزن أصابني بعد خيبة الأمل! فكلما تقدمت في قراءة الكتاب وجدت فيلسوفاً لا يستخدم العقل ولا أي مبدأ من مبادئ النظام، لكنه يلجأ إلى الهواء، والأثير، والماء وأشياء أخرى غريبة. ولذلك خُيّل إليّ أن حالته تشبه حالة رجل يقول: إن سقراط في كل ما يعمله يعمل حساب العقل، ثم يأتي بعد ذلك ليقول وهو يفسر تفصيلات السلوك: إنني جالس الآن هنا لأن جسمي يتكون من عظام وعضلات، وإن العظام صلبة، وإن لها مفاصل تبعدها بعضها عن بعض. أما العضلات التي يمكن لها أن تتوتر وتسترخي فإنها تلتف حول العظام باللحم والجلد الذي يضم هذه جميعاً. وهكذا فإن العظام عندما تتحرك والعضلات في استرخائها وتوترها فإن ذلك يجعلني، على سبيل المثال، قادراً على ثني أطرافي الآن، وذلك هو السبب الذي يجعلني أجلس هنا في هذا الوضع المنحني.. مهملاً تقديم العلل الحقيقية ألا وهي أنه بعد أن رأى الاثينيون أنه من الأفضل أن أُدان، رأيت أنا من جانبي أنه من الأفضل كذلك أن أجلس هنا وأن أتحمل الحكم الذي أصدروه..»[4].

وتوضح هذه الفقرة التفريقية بين التفسير الغائي والتفسير الآلي، ويصف الأخير بأنه التفسير الأدني، وليس التفسير «الصحيح» الذي يكمن في أغراض الاثينين، وفي غرض سقراط نفسه، وتقدم الرواية من منظور العضلات والمفاصل والعظام التي تفسر «لماذا يجلس سقراط في هذا الوضع المنحي» وذلك بالطبع تفسير آلي، وهو، إذا جاز لنا أن نستخدم الطابع البدائي لعلم الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) هو بالضبط نوع التفسير الذي يوصف بأنه «علمي» كما يقول علماء الفسيولوجيا وعلماء النفس في يومنا الراهن.

معنى ذلك أن كلمات سقراط تقدم لنا تحيّزاً وميلاً نحو التفسير الغائي،  ورفضاً للتفسير الآلي. ولقد أظهر عصرنا الحديث، بتأثير العلم، ميلاً لرفض الاتجاه الغائي وتحيّزاً للآلي. وما دام هذان النوعان من التفسير، كما بيّنا فيما سبق لا يتناقض الواحد منهما مع الآخر فإن كلا من التحيزين غير منصف.

ومع ذلك فإن ما يقوله سقراط يبدو لي أنه يستحق اللوم بسبب الفكرة التي يقولها والتي يحاول عصرنا الحديث استبعادها تماماً من مجال التفسير.

ونحن لا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت الفقرة التي اقتبسناها تمثّل رأي سقراط نفسه أو رأي أفلاطون راوي سيرته. غير أن أفلاطون في الفلسفة التي نسلّم جميعاً بأنها فلسفته يسود الباعث الغائي، فلو أننا وصلنا إلى أرقى درجات المعرفة بل لو كان لدينا، في الواقع، العلم بكل شيء لكان علينا، في رأيه أن نفهم كل شيء موجود في الكون من منظور ما يسميه «مثال الخير»، ويمكن أن نشرح ذلك بإيجاز:

نحن نقبل كوقائع فجّة أن للمكان ثلاثة أبعاد، وأن هناك ثلاثة أنواع من الزوايا: حادة، قائمة، ومنفرجة، وأن هناك نوعين من الأعداد: الفردية والزوجية. وأن الطبيعة وبنية العالم هي بصفة عامة على نحو ما نجدها ونحن نسلّم بهذه الحقائق: لكن لماذا تكون على نحو ما هي عليه؟ لماذا يكون للمكان ثلاثة أبعاد وليس له اثنان وعشرون؟ (وليس المهم أن ما نعرف العدد الصحيح)، فافرض أننا اكتشفنا كأمر واقع أن للمكان ستة أبعاد، فلن يكون ذلك جوابنا عن سؤال أفلاطون فسوف يظل يتساءل لمَ كان العدد ستة وليس سبعة أو سبعة عشر؟. بل المهم مهما كان العدد فهي حقيقة فجة لم يقدّم لها تبريراً، فلماذا يكون هناك ثلاثة أنواع من الزوايا، ونوعان من الأعداد..؟ وباختصار لماذا يكون العالم على نحو ما هو عليه وليس على أي نحو آخر..؟ وفي استطاعة المرء أن يتساءل الطريقة نفسها: لماذا يغلي الماء في درجة 100 مئوية ولا يغلي في درجة أخرى؟ وهذا بالضبط هو نوع الأسئلة الذي تصفه الوضعية المنطقية بأنه لا معنى له.

غير أن أفلاطون كان يرى أنه يمكن الإجابة عنها لو أننا استطعنا أن نرى الأشياء من منظور «مثال الخير» فلا بد من أن يكون هناك مبرر أو علّة تجعل كل شيء على ما هو عليه. لأنه ما لم تكن هناك علة Reason تجعل العالم على ما هو عليه فسوف يكون عالماً غير معقول وهو ما يُسلّم به أفلاطون.

غير أن علّة الأشياء لا يمكن أن تكون أسباباً آلية. لأن السببية الآلية هي باستمرار واقعة فجّة غير معقولة، هي مجرد واقعية تقول: إن كذا وكذا من درجات الحرارة تحدث الغليان، على حين أن درجات أخرى من الحرارة لا تفعل ذلك. فلا بد أن تكمن المبررات أو الأسباب في هذه الحالة، تكمن في أغراض من نوع ما. يجب أن تكون هناك ثلاثة أبعاد لا أربعة، لأنها في التخطيط النهائي للأشياء وهو تخطيط لا نفهمه إن الأبعاد الثلاثة أفضل من الأربعة بالنسبة لمثال الخير كما يقول أفلاطون، في حين أن الثلاثة لن تكون كذلك.

وكل واقعية تفصيلية في العالم تبدو لنا غير معقولة بمعنى «أنها توجد على ما هي عليه فحسب» لا بد أن تكون هناك علّة ومبرر لوجودها على هذا النحو، كما لا بد أن تكمن العلّة النهائية هي التي تخدم وجود غرض ما خير. فقد نقدّم أسباباً آلية للأشياء، وربما كانت هذه الأسباب مهمة وصحيحة، وفيدة، لكنها في النهاية لا تفسّر شيئاً، فصحيح أن الماء يغلي على درجة حرارة معينة، وربما أمكن تقديم تفسير آلي من هذا النوع عن طريق الجزئيات، والذرات، والإلكترونيات. غير أننا مهما سرنا في هذا الطريق العلمي، فسوف نقول في شيء من التفصيل، يقل أو يكثر، ماذا يحدث وليس لماذا يحدث، وسيظل العالم واقعة فجة توجد على نحو ما هي عليه دون تقديم أي مبرر أو علّة لذلك، فالجزئيات والإلكترونيات تسلك بهذه الطريقة لا بطريقة أخرى، فلو استطعنا أن نرى الغرض النهائي للأشياء، إذا استطعنا أن نرى الأشياء في ضوء «مثال الخير» فإننا بهذه الطريقة وحدها نستطيع أن نفهم العالم، وأن يكون واضحاً وعقولاً، أما العالم الذي نراه بدون هذه الرؤية النهائية للخطة فلن يكون سوى كتلة من «الوقائع» غير المعقولة التي لا معنى لها.

وبالطبع لم يعترف أفلاطون نفسه أن لديه أية تفسيرات نهائية للعالم. فما يسميه أفلاطون «بالمعرفة الحقة» أو الصحيحة هي المثل الأعلى الذي يفوق البشر ولا يستطيع الموجود الفاني بلوغه. وإنما اللَّه وحده هو الذي يملك مثل هذه المعرفة. ومع ذلك فإن على الفلسفة أن تكافح لبلوغ هذا المثل الأعلى. وعلى الرغم من أن المرء لا يستطيع بالعقل بلوغه في حالته النقية الخالصة، فيبدو أن أفلاطون اعتقد أن الإنسان قد يستطيع أن يلمحه أو يُلقي عليه نظرة خاطفة عن طريق الأساطير والتشبيهات المجازية والتصويرات.

والقول إنّ هناك خطةً أو غرضاً للأشياء هو أساساً جزء من النظرة الدينية للعالم سواء ارتبطت بالعقيدة التأليهية التي تقول بوجود إله أو آلهة أم لا. وحيثما وجدناها عرفنا أن النظرة الدينية تعمل. ولقد كان أفلاطون فيلسوفاً متديناً بعمق، وتدهشنا كتابات أرسطو من حيث إنها أكثر برودة من كتابات أفلاطون، فالشعور الديني أو الصوفي لا يتغلغل فيها بالقدر نفسه الذي نجده عند أستاذه، ففلسفته أكثر واقعية وأقل إلهاماً مقارنةً بفلسفة أفلاطون، ولكنه مع ذلك، قد أخذ أيضاً بوجهة نظر غائية عن العالم. ولن أقدم هنا أية تفصيلات عن الغائية عند أرسطو، فقد أكدت وجهة النظر التي نود عرضها على نحو كافٍ، وهي أن الإيمان بوجود غرضية كونية ليست من إبداع الديانة المسيحية وإنما هي تضرب بجذورها في أعماق الماضي البعيد.

صحيح أنه كانت هناك أشكال كثيرة من الآلية في الفلسفة اليونانية القديمة، فالفلاسفة الأوائل، والعلماء، من طاليس إلى أمباذ قليس كانوا يؤمنون بالآلية. وقل مثل ذلك في فلسفة ديمقريطيس الذي كان معاصراً لسقراط، والذي صاغ نظرية مفصلة في الذرة عن المادة. ولقد أثرت الآلية التي كانت عند اليونان في العلم الحديث، لكن ما تشربته العصور أساساً من اليونان هو فكر أفلاطون وأرسطو لا فكر ديمقريطيس وخلفائه من أتباع المذهب الآلي. وعلى الرغم من أن المذهب الآلي يوجد دائماً في أي تفكير بشري متقدّم، فإنه كان استعادة للأرومة الأصلية، في الثقافة الغربية حتى ظهور العلم الحديث.

فالديانة المسيحية لم تبدأ بل واصلت فحسب الطابع الغائي في تفكير العالم العربي. ولا شك في أن تفصيلات التخطيط الغائي المسيحي ليست هي نفسها تفصيلات أية فلسفة يونانية على الرغم من التأثير الهائل لكل من أفلاطون وأرسطو على اللاهوت المسيحي. غير أن رؤية أفلاطون لغرضية العالم في صورة الخير تتلاءم تماماً مع التخطيط المسيحي لعالم خلقه إله خير وحكمه لأغراض معينة. والنتيجة التي تنبثق هي أنّ تتصور العالم على أنّ له غرضاً، وأنه عالم تبدو فيه جميع الأحداث غير معقولة وغير واضحة، يجد له معنى في ضوء الغرضية الكونية التي فيها يبدو الخليط المهوش من التفصيلات التي لا معنى لها في الظاهر، حتى كل ما يظهر من شر يمكن أن يراه المرء لو استطاع أن يصل إلى الرؤية الإلهية متناسباً مع التخطيط الضخم للأشياء، كما تجد معناه في ضوء الكل وذلك هو ما نستطيع أن نسميه بساطة بالنظرة الغائية للعالم، وهي جزء من التراث العقلي، والروحي للرجل الغربي على مدى ألفين من السنين منذ عصر سقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، حتى العصور الحديثة تقريباً، أما ما حدث لهذه النظرة في القرن السابع عشر، وما كان من تأثير الظهور المفاجئ للعلم فيها بطرائق الآلية في التفكير، فتلك مشكلة تنتمي إلى جزء متأخر من قصتنا.

----------------------------------

[1]*ـ فيلسوف أميركي من أصل بريطاني 1886 - 1949.

ـ النص مستلّ من كتاب ستيس "الدين والعقل الحديث" ترجمة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام دار التنوير  ـ بيروت 2009.

[2]ـ ترجمه إلى اللغة العربية الدكتور محمد عبد المقصود النادي والدكتور عطية عاشور، وراجعه الدكتور محمد مرسي أحمد وأصدرته مكتبة الأنجلو المصرية. (المترجم).

[3]ـ أفلاطون: محاورة فيدون 97 – 98.

[4]ـ محاورة فيدون 97 جـ، د، هـ.