البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : العلمانية الفرنسية والحجاب الإسلامي، تصدع المنهج

الباحث : طلال أسد - Tala Asad

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 8

السنة : السنة الثالثة - صيف 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : August / 13 / 2017

عدد زيارات البحث : 224

حجم ملف البحث : 322.353 KB

 تحميل

في إطار مشروعه المعرفي الذي يبحث في العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الإسلام والغرب يتناول المفكّر وعالم الأنثروبولوجيا طلال أسد جملة من الإشكاليات المتعلقة بما يُسمّى بقضية الحجاب الإسلامي في فرنسا وصياغته الرئيسة الواردة في تقرير لجنة ستاسي.

مقالته هذه ـ كما يشير هو نفسه ـ ، ليست جزءاً من الجدال المحتدم حول مسالك العلمانية الفرنسية، وبالتالي هي ليست على أيّ نحوٍ من الأنحاء محاولة لتقديم الحلول لما يُطلق عليه غالباً «بأزمة اللائيكية». أما الهدف المتواضع منها فهو فقط محاولة فهم بعض مفاهيم العلمانية الفرنسية وتطبيقاتها.

المحرر

في الفترة الأطول من عاميّ 2003 و2004، وبعد خطابٍ لوزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي في نيسان 2003، تأثّر الرأي العام الفرنسي بقضية «أغطية الرأس الإسلامية». هل ينبغي السماح للفتيات المسلمات بتغطية رؤوسهنّ في المدارس الرسمية؟ كان الرأي السائد هو أنّه لا ينبغي ذلك على الإطلاق. لقد نُشرت كميةٌ وافرةٌ من المادة الجدلية حول هذا الموضوع في فرنسا وغيرها من الأماكن، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتمّ فيها مناقشة هذه القضية بشكلٍ علني، إلا أنّه في هذه المناسبة كانت النتيجة إصدار قانون يمنعُ إظهار الاختلافات الدينية في المدارس الرسمية.

لقد غدا الحجاب الذي ترتديه التلميذات المسلمات رمزاً للعديد من أبعاد الحياة الاجتماعية والدينية للمهاجرين المسلمين وأولادهم التي يُعارضها العلمانيّون. لقد تساءل الباحثون عن أسباب عدم اندماج المهاجرين المسلمين في المجتمع الفرنسي وبخاصة اندفاع العديد من شبابهم نحو «الإسلام الأصولي»، وهو اندفاعٌ يعزوه بعضُهم إلى العنصرية العامة والحرمان الاقتصادي بينما يراهُ آخرون نتيجةً لتلاعب دول الشرق الأوسط المحافِظة ومواقع الإنترنت الإسلامية التحريضية. لقد ناقش المفكرون إمكان دمج المسلمين المتديّنين في المجتمع العلماني الفرنسي وكيفيته إذا كان ذلك ممكناً. إنّ المشاعر التي أدّت إلى القانون الجديد هي مُلفتة للنظر وليس فقط من جانب الفرنسيين المسلمين. يبدو أنّ أغلبية المفكرين والسياسيين الفرنسيين -سواءً انتموا إلى اليمين أو اليسار- يشعرون أنّ الطابع العلماني للجمهورية يقع تحت تهديد أبعادٍ إسلاميةٍ يعتبرون أنّ الحجاب الإسلامي يرمزُ إليها.

أودّ الإشارة إلى أنّ الدولة العلمانية الفرنسية اليوم تلتزمُ إلى حدٍ ما بمبدأ «دين الحاكم دين رعيّته» على الرغم  من أنّها تنفي أيَّ ولاءٍ ديني وتحكمُ مجتمعاً غير متديّنٍ بشكلٍ كبير. برأيي، إنّ الإلتزام بدينٍ معيّن أو حظره ليس النقطة الأهم في هذا المبدأ، بل تنصيب قوةٍ مطلقةٍ وحيدة –أي الدولة ذات السيادة- مُستوحاة من مصدرٍ مجرّدٍ وحيد، وتُواجه مهمةً سياسية واحدة: الاهتمام الدنيوي بسكّانها بغض النظر عن اعتقاداتهم. كما أشار إميل دوركايم في كتاباته حول الدمج، فإنّ الدولة الآن تُمثّل عنصراً متعالياً ونيابياً كذلك، وكما أظهر هوبِز، يُمكن للدولة الآن تجسيد المبدأ المجرَّد للسيادة المستقلة عن جميع الجمهور السياسي سواءً أكانوا حُكّاماً أم محكومين، وبشكلٍ مستقل عن أي قوةٍ غيبيّة.

إنّ إحدى الطرق التي تُثير اهتمامي لدى النظر في هذه المسألة هي التالي: بما أنّ «الدين» يُوجِّه انتباه الرعايا إلى الاهتمامات المتعلقة بالآخرة، يتحتّم على قوة الدولة تحديد مكانها المناسب من أجل السلامة الدنيوية للسكّان الموجودين تحت عهدتها. (هذا لا يشمل ضمانة الحياة؛ تستطيع الدولة قتل رعاياها أو أن تدعهم يموتون بينما يُمنع أيّ أحدٍ آخر من هذا الحق. ولكنّه يشمل التشجيع على ثقافةٍ استهلاكيةٍ مُزدهرة.) المطلوب هو تحقيقُ صورةٍ من السلامة الدنيوية التي يُمكن ملاحظتها في الحياة الاجتماعية وبالتالي الإيمان بها، ولكن ينبغي أيضاً الإجابة عن السؤال التالي: ما علامات وجود الدين؟ وعليه، تبدو اللائيكية مشابهة للعلمانيات الأخرى كتلك الموجودة على سبيل المثال في الولايات المتحدة حيث يوجد مجتمعٌ يُرحِّب بالاعتقاد والنشاط الديني وتجدُ الحكومة الفيدرالية الحاجة لتحديد الدِّين.

دلالة العلامات

بما أنّ الدين يحمل أهميةً أساسية للجمهورية الشعبية، فإنّ هذه الجمهورية تحتفظُ لنفسها بالسلطة النهائية في تحديد كون معاني الرموز المحدَّدة (أي الرموز التقليدية)  «دينية». قد يعترضُ المرء بأنّ هذا الأمر ينطبق فقط على معاني العلامات في الأماكن العامة، ولكن بما أنّ التمييز القانوني بين الأماكن العامة والخاصة هو بنفسه من إنشاء الدولة، فإنّ نطاق «المكان العام» ومحتواه هو بشكلٍ أساسيٍ إحدى وظائف سُلطة الجمهورية.

وعليه، كانت النقاشات التي تمّ تقديمها في الإعلام حول قضية الحجاب الإسلامي مُنغرسةً في هذه السلطة. بالنسبة لي، لم تبدُ هذه النقاشات متعلقة بالتسامح تجاه المسلمين في مجتمعٍ متنوع دينياً ولا حتى بالفصل الحاد بين الدين والدولة. لقد كانت متعلقة أولاً وقبل كل شيء ببُنية الحريات السياسية التي يتمّ بناء الدولة عليها –أي علاقات التبعية والحصانة وإدراك الفرد شخصيتَه المحدّدة- وببُنية المشاعر التي تقع خلف هذه الحريات. لقد افترض الموقفُ المهيمن في هذا الجدال أنّه إذا حصل نزاعٌ بين المبادئ الدستورية، فإنّ حق الدولة في الدفاع عن هويتها يتفوّق على كل الحقوق الأخرى. لقد تمّ التعبير عن الهوية المنيعة للدولة عبر تلك الصور المحدَّدة بالاضافة إلى تلك التي تدلّ على الأفراد النظريين الذين تُمثّلهم والذين بدورهم عليهم إطاعتها بشكلٍ غير مشروط. اعتُبر الحجاب الإسلامي الذي ترتديه النساء المسلمات رمزاً دينياً يتعارضُ مع الهوية العلمانية للجمهورية الفرنسية.

تمثّلت النتيجة النهائية لهذه النقاشات حول الحجاب الإسلامي في الإعلام وغيره بتعيين الرئيس للجنةٍ استقصائية مُكلّفة بتقديم التقرير حول مسألة العلمانية في المدارس. لقد ترّأس اللجنة الوزيرُ السابق برنار ستاسي وتمّ الاستماع إلى شهادات مجموعة كبيرة من الأفراد. في كانون الأول 2003، تمّ أخيراً تسليم التقرير إلى الرئيس مع التوصية بقانونٍ يمنع إظهار أيَّ «علامات دينية واضحة» في المدارس الرسمية، بما في ذلك الحجاب وقبعات الكيباه والصلبان الكبيرة التي تُلبس على العنق. من ناحيةٍ أخرى، تمّ السماح بارتداء ما حدّد التقرير بأنّها «علامات مُتحفِّظة» كالميداليات والصلبان الصغيرة ونجمة داوود والخميسات أو المصاحف القرآنية الصغيرة. عبر إجراء هذه المساومات كلها، اتّضحت حاجة اللجنة للظهور بمظهرٍ عادل. في شباط 2004، قام المجلس الوطني رسمياً بسنّ القانون المطروح وذلك بالإجماع تقريباً. قام الشباب المسلمون ببعض المظاهرات كما حصل سابقاً حين قدّمت لجنة ستاسي توصيتها بشكلٍ رسمي، إلا أنّ عدد المتظاهرين في العلن كان قليلاً. لقد بدا أنّ معظم الفرنسيين المسلمين كانوا مستعدين لاتّباع القانون الجديد ولو كان بعضهم متردّداً.

سوف أبدأ بأمرٍ لم يتطرّق إليه تقرير ستاسي: وفقاً للمسلمين المعارضين للحظر لأسبابٍ إيمانية، فإنّ ارتداء الحجاب من قبل النساء في العلن هو تكليفٌ ديني ولكنّ ارتداء «العلامات المتحفِّظة» ليس كذلك. بالطبع، يوجد العديد من المسلمين من الرجال والنساء الذين يؤكدون أنّ ارتداء الحجاب ليس تكليفاً في الإسلام إلا أنّه من الصحيح من دون ريب أنّه حتى اللواتي يرتدينه يفعلن ذلك بدوافع عدّة. ولكن إذا كانت المحجبة تعتبرُ الحجاب واجباً يستلزمه دينها، وإذا كان يدفعها ضميرُها لارتدائه باعتبار أنّه طاعة، يُصبح الحجاب بذلك جزءاً لا يتجزّأ من شخصيتها. بالنسبة إليها، إنّه ليس علامة تهدف للتعبير عن شيء، بل يغدو جزءاً من التوجّه وأسلوباً في الوجود. ولكن في مقابل ذلك، ترى لجنة ستاسي أنّ الملبوسات كلها التي ذُكرت هي علامات وأنّها قابلة للإزالة أيضاً.

تعتبرُ لجنة ستاسي أنّ بعض العلامات لها دلالة «دينية» بمقتضى علاقتها المجازية مع أنظمة التمثيل الجماعي حيث ترمز مثلاً الكيباه لليهودية، والصليب للمسيحية، والحجاب للإسلام. وعليه، فإنّ ما تدلّ عليه علامةٌ محدَّدة هو سؤال رئيس. إنني أؤكد أنّه على الرغم من عدم تعريف تقرير ستاسي «الدين» في أي من المواضع، إلا أنّه يفترضُ وجود هكذا تعريف لأنّ الهيئة التأهيلية لمصطلح «علامات دينية» ترتكزُ على الهيئة الأساسية «للدين».

توجد نقطتان يمكن ملاحظتهما في هذه العلاقة. أولاً، بسبب وجود اختلاف بين المسلمين المتدينين المعاصرين حول إذا كان الحجاب لباساً واجباً إلهياً على المرأة فإنّ معناه «الديني» ينبغي أن يكون غير محدَّد بالنسبة لغير المسلمين. فقط من خلال رفض أحد التفاسير المتاحة («أنّ الحجاب لا علاقة له بتاتاً بالدين الحقيقي») لصالح تفسير آخر («الحجاب رمزٌ إسلامي») يُمكن للجنة ستاسي الإصرار على أنّ الحجاب علامة «دينية» واضحة. إنّ اختيار معنى هذه العلامة يُخوّل اللجنة الادّعاء بمخالفة «الحجاب الإسلامي» لمبدأ اللائيكية، وبما أنّ اللائيكية غير قابلة للتفاوض ينبغي نزع الحجاب.

النقطة الثانية هي كالتالي: يتمّ التمييز بين العلامات «الدينية» الممنوعة في حرم المدرسة وفق بُعدها الجنسي، فالنساء يرتدين الحجاب، والرجال يلبسون الكيباه، بينما يرتدي الصليب كلٌّ من الجنسين. بالتأكيد، إنّ هدف هذا التطبيق بأكمله هو منع الحجاب الإسلامي والسبب الجزئي هو كونه «دينياً»، ولكن يُضاف أيضاً دلالته على «المركز الشرعي المتدنّي للنساء في المجتمع الإسلامي» (دلالة علمانية). ولكنّ الفتيات اللواتي تعرّضن للمنع المدرسي هنّ فرنسيات ساكنات في فرنسا، فلذلك يخضعن للقانون الفرنسي وليس للشريعة. وبما أنّ القانون الفرنسي لم يعد يُميِّز بين المواطنين على أُسُس الجنس أو الانتماء الديني، وبما أنّه لم يعد يسمح للرجل بمعاقبة زوجته لعصيانها بعد أن كان قد سمح بذلك حتى العام 1975، فإنّ هذه العلامة لا تدلّ على موقع حقيقي بل على موقعٍ وهمي، وبالتالي يكون الانتهاك وهمياً.

بشكلٍ مثالي، إنّ عملية الدلالة هي منطقيةٌ وواضحةٌ في آن، وهذه الخصائص بالذات هي التي تجعلها قابلة للنقد المنطقي. يُفترض أنّ علامةً محدَّدةً تدلُ على شيءٍ «ديني» واضح. ولكن ما يتمّ استبعاده في هذه الفرضية هو المملكة الكاملة للخطابات والتطبيقات المستمرة التي تُقدِّم معاني موثوقة. إنّ الدقة والثبات المنسوبَين لعلاقة الدلالة هما دائماً فعلٌ تعسفيٌ غالباً ما يكون زائفاً حينما يتعلّق الأمر باللغة المجسَّدة. بتعبير آخر، إنّ دلالة الحجاب هي ليست حقيقة تاريخية (التقليد الإسلامي المتطوّر) بل علامة أخرى («الدين الإسلامي» الثابت إلى الأبد) الذي -على الرغم من طابعه الزاخر- يُستخدم لإعطاء «الحجاب الإسلامي» معنى ثابتاً.

حين نفترض جدلاً أنّ بعض العلامات هي دينيةٌ في جوهرها، أين يمكن الانتفاع منها لإظهار المعتقد وكيف يمكن ذلك؟ استناداً إلى تقرير ستاسي، لا تُصرُّ العلمانية على حصر الدين في عزلة الضمير ومنعه من الظهور العلني. على النقيض من ذلك، يُصرّح التقرير أنّ التعبير الحر عن العلامات الدينية (الأشياء، الكلمات، الأصوات ذات المضمون «الديني») هي جزءٌ لا يتجزّأ من حرية الفرد. وهكذا، فإنّ هذا التعبير ليس مشروعاً فحسب بل ضرورياً لإدارة المناقشة العامة في الديمقراطية العلمانية –ما دام ممثلو الآراء الدينية المختلفة لا يحاولون السيطرة عليه. ولكنّ معنى «السيطرة» لدى التعامل مع الأقلية المحددة دينياً-والتي تُمارسُ نسبةٌ صغيرةٌ من تلك الأقلية تقليدها الديني بشكلٍ فعّال- ليس واضحاً تماماً.

من المثير للاهتمام أنّ تحديد المعاني من قبل اللجنة لم ينحصر بما هو مرئي. لقد شمل محاولة فهم العمليات النفسية كالرغبة والإرادة. وعليه، قيل بأنّ إظهار العلامة من قِبل المرتدي لها يتضمّن إرادة الفاعل لإظهارها، وعليه أصبح هذا الأمر جزءاً من معنى الحجاب. كما أوضح أحدُ عناصر اللجنة لاحقاً، كان يُقصد من استخدام اللجنة مصطلحَ «الإظهار» توفير قاعدة الحقيقة التي تُفيد أنّ بعض الأفعال تُجسِّد «إرادة الإظهار». مثّلت الهوية الإسلامية للمحجَّبة أمراً مهماً بالنسبة لمعنى الحجاب لأنّه كان ينبغي دراسةُ إرادةِ إظهاره انطلاقاً من تلك الهوية. (انبثق بُعدٌ آخر لمعناه من الموازاة بين إرادة إظهار الحجاب و«الأصولية الإسلامية» أو «الإسلام السياسي»، وهما مصطلحان يتمّ استخدامهما بشكلٍ متبادل للدلالة على نطاقٍ من التصديقات المختلفة للإسلام العام). بشكلٍ متناقض، أدرك القانون الجمهوري طابعه العام عبر هوية محدَّدة (نسائية مسلمة)، أي باطنية نفسيّة محدَّدة. ولكن الوجود المحض للبعد الباطني الذي يُمكن الوصول إليه من الخارج هو أمرٌ مناسب للعلمانية. إنّه يفتح المجال للتوقّع العام المتمثل بتهذيب النفوس الجمهورية في المدارس العامة. على كلِّ حال، لا تُرى «الإرادة» في حد ذاتها ولكنّ الحجاب الظاهر يُشيرُ إليها باعتبار أنّها إحدى مفاعيله.

تمّ تناول «الرغبة» بشكلٍ أكثر مثيرٍ للاهتمام. عبّرت اللجنة عن اهتمامها برغبات التلاميذ من خلال التمييز بين أولئك اللواتي لم يردْن فعلاً ارتداء الحجاب وأولئك اللواتي أردن ذلك. ليس من الواضح تماماً كيف فُهمت هذه «الرغبات الأصيلة» بالرغم من الإشارة إلى الضغط الذي يُمارسه الأهل والمجتمع التقليدي. يُفترضُ بأنّه قد تمّ تقديم بياناتٍ بهذا الشأن إلى اللجنة.

من الجدير بالذكر أنّ الاهتمام بالرغبات «الحقيقية» للتلاميذ انطبق فقط على الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب، ولا يبدو أنّه تمّ التفكير بتحديد الرغبات «الحقيقية» للفتيات اللواتي لا يلبسن الحجاب. هل من الممكن أنّ بعضهنّ أردْن سراً ارتداء الحجاب ولكنهنّ كُنَّ يخجلن من ذلك بسبب ما يُمكن أن يفكّر به أو يقوله زملاؤهن الفرنسيون والناس في الشارع؟ أو هل من الممكن أنهنّ تردَّدْن لأسبابٍ أخرى؟ مهما كان، فإنّ المظهر الخارجي وحده في حالتهنّ كان كافياً للجنة: أي إنّ عدم ارتداء الحجاب يعني عدم وجود رغبة بارتدائه. بهذه الطريقة، لم يتمّ اكتشاف «الرغبة» بل تركيبها بشكلٍ سيميائي.

إنّ عدم التناسق في المعاني المحتملة للحجاب بوصفه علامة يبدو معقولاً إذا اعتُبِر أنّ اهتمام اللجنة ليس تدقيقاً في تفسير الأدلة بشكلٍ مجرد فحسب بل توجيهاً لنوعٍ محدَّدٍ من السلوك –وعليه نُلاحظ استخدام اللجنة الثنائيَّ البسيط «مجبور أو مختار» في تعريف الرغبة. المقصود هو أنّه في الحياة الاعتيادية، تتجذر الرغبة بفعل شيءٍ بدلاً من أمرٍ آخر في الأعراف السائدة والولاءات والعادات التي اكتسبها الفرد عبر الوقت، بالاضافة إلى المخاوف وحالات المتعة التي يشعرُ بها لدى التفاعل مع المعشوق والأصدقاء والأقرباء والأساتذة وغيرهم من الشخصيات السلطوية. ولكن حين تكون «الرغبة» هدفاً للانضباط، يوجد خياران: إما ضرورة تحفيزها (بالتالي جعلها طبيعية) أو إحباطها (وبالتالي اعتبارها «خادعة»). لقد كانت اللجنة قطعاً تُمارسُ مشروعاً انضباطياً.

وعليه، اعتبرتْ اللجنة أنّها تُواجه خياراً صعباً بين شكلين من الحرية الفردية –رغبة الفتيات بارتداء الحجاب (وهنّ أقلية)، ورغبة أولئك اللواتي لم يُردْن ذلك. لقد قرّرت اللجنة منح الحرية للفئة الأخيرة على قاعدة الأغلبية. إنّ هذا القرار الديمقراطي ليس مُخالفاً للائكية إلا أنه يتعارض مع فكرة أنّ الحرية الدينية هي حقٌ ثابتٌ لكل مواطن- وهو ما يُعرب عنه «إعلانُ حقوق الإنسان» (وأي إعلان لحقوق الإنسان في يومنا الحالي). ولكن أظنُّ أنّ الأهم هو فصلُ الرغبة عن موضوعها (الحجاب) لكي تُصبح مُحايدة وقابلة للتعداد والجمع والمقارنة الرقمية. إنّ الرغبات في الأساس ليست «دينية» أو«لادينية» بل هي ببساطة حقائق اجتماعية نفسية.

لم أكن أشير فقط إلى أنّ المسؤولين الحكوميين يُقرّرون معنى العلامات الملبوسة، بل إنّهم يفعلون ذلك بمقتضى امتلاكهم الامتياز في التوصُّل إلى دافع المحجبة وإرادتها –أي إلى ذاتيتها- ويتمّ تسهيل هذا الأمر عبر اللجوء إلى نوعٍ محدَّد من السيميائيات. إلى هذا الحد، كانت اللجنة وسيلة لتشكيل المعاني عبر استخدام العلامات الداخلية (النفسية) أو الخارجية (الاجتماعية)، وقد سمحتْ بتحفيز بعض الرغبات والمشاعر على حساب غيرها. لقد سعتْ لجنةُ الاستقصاء الحكومية لإدخال الاهتمامات والالتزامات والمشاعر «الخاصة» تحت التدقيق «العام» من أجل تقييم صلاحيتها في الجمهورية العلمانية. إن المجال العام -وهو ضمانةٌ للديمقراطية الليبرالية- لا يمنح المواطنين مسافةً بعيدة من سلطة الدولة. إنّه الحقل الفعلي الذي يتمُّ فيه بسط تلك السلطة من أجل ضمانة التكوين السليم للرعايا.

منذ بداياتها، يبدو أنّ فكرة الجمهورية العلمانية انقسمتْ بين اتجاهين متعارضَين- الإصرار على انسحاب الدولة من جميع الأمور التي تمتُّ إلى الدين (وينبغي أن يشمل الإحجام حتى عن محاولة تعريف «العلامات الدينية»)، وبين مسؤولية الدولة في تكوين المواطنين العلمانيين (ولا أعني بذلك الأشخاص «غير المتدينين» بالضرورة). ينتهزُ تقرير ستاسي هذا التعارض الأساسي كفرصةٍ للتفسير الإبداعي، ويُصرِّح بأنّ مشكلة الأحكام القانونية السابقة المتعلقة بالحجاب تكمنُ في أنّ «القاضي لم يظن أنّ لديه قوة الإعلان عن تفسير معنى العلامات الدينية. لقد شكّل هذا حدّاً جوهرياً لتدخّل القاضي. لقد كان الدخول في التفسير الذي يمنحه دينٌ ما لعلامةٍ أو لأخرى مستحيلاً بالنسبة إليه. بناءً على ذلك، لم يكن قادراً على إدراك أنّ ارتداء الحجاب من قبل بعض الشابات قد يعني التمييز بين الرجل والمرأة، وأنّ ذلك يتعارضُ بالطبع مع مبدأٍ أساسيٍ للجمهورية».

يتأسّف تقرير ستاسي من رفض القضاة في هذه الحالات الدخول إلى ميدان العلامات الدينية. إنّه يُريد من القانون أن يُصلح المعاني، وبالتالي يُوصي بتشريعٍ يُحقق ذلك. ولكن أولاً، عليه تشكيل العلامات الدينية التي يُمكن فهم معانيها وفق القواعد الموضوعية لأنّ ما تُطلق عليه اللجنة «علامة» هو لا شيء في حد ذاته. إنّ «العلامات الدينية» هي جزءٌ من اللعبة التي تلعبها الجمهورية العلمانية. بشكلٍ أدق، من خلال تلك اللعبة يتم تحقيق الوجود المجرَّد المسمَّى بالدولة المعاصرة.

قد يُشير الفرد إلى أنّ لجنة ستاسي تعتبر أنّ الحجاب الذي ترتديه الفتيات المسلمات هو أكثر من علامة. إنّه أيقونة بمعنى أنّه لا يؤدي إلى الدلالة فحسب بل إلى الاستحضار. ما يتمّ استحضاره هو ليس غطاء الرأس بل «الحجاب الإسلامي». باعتبار أنّه أكثر من صورة، فإنّ الحجاب أمر تخيّلي- اختلافٌ محجوبٌ ينتظر الكشف والإبراز تحت ضوء المنطق وجعْله محايداً.

التعامل مع حالات الاستثناء

يبرزُ سؤالٌ حول وجود أي مكان للحقوق المتعلقة بالمجموعات الدينية في اللائيكية. الجواب هو حتماً بالإيجاب على الرغم من أنّ هذه المجموعات غالباً ما تُعتبر استثناءات. لعلّ من أكثرها لفتاً للنظر المدارس المسيحية واليهودية، وهي مؤسسات خاصة «متعاقدة» مع الحكومة وتُقدّم لها الدولة العلمانية الكثير من المساعدات المالية. في هذه المدارس الدينية المدعومة من قِبل الدولة حيث يُمكن بالاضافة إلى أمورٍ أخرى إظهار الصلبان وقبعات الكيباه، وحيث يتم تدريس النصوص الدينية بشكلٍ منهجي، ألا يكبر التلاميذ بالرغم من ذلك ليصبحوا مواطنين فرنسيين جيدين؟ ما مدى أهمية هذا القطاع التعليمي؟ استناداً إلى أحدث الإحصائيات الحكومية، فإنّ أكثر بقليل من 20 بالمئة من جميع الطلّاب الثانويين هم مسجّلون في المدارس الدينية. (بالمناسبة، حتى في المدارس الرسمية حيث تُمنع اليوم «العلامات الدينية المتباهية»، يتمُّ تحضير أطعمة منفصلة للتلاميذ المسلمين واليهود الذين يودّون اتّباع أحكام دينهم الغذائية).

توجد استثناءات إضافية تُعزِّز تعلّق الأفراد بالطوائف الدينية: تقوم الدولة بتأمين وجود الكهنة في الجيش والجامعات والمدارس والسجون والمستشفيات وتدفع لهم. يُسمح إجراء مراسم الجنازة اليهودية والمسلمة في المقابر بالرغم من أنّ الدولة هي التي تمتلكها جميعاً وتديرها. وفقاً لقانون عام 1987، تنتفع الهبات الممنوحة إلى الجمعيات الدينية من التيسير الضريبي تماماً كالجمعيات الأخرى التي تُقدِّم خدماتٍ عامة. يعترفُ تقرير ستاسي بهذه الاستثناءات الطارئة على مبدأ الدولة المتمثل بالحيادية المطلقة إلا أنّه يعتبرُ أنّها «تعديلات معقولة» تسمحُ لكل فردٍ بتطبيق حريّته الدينية.

وعليه، تتمتّع كلُّ هذه الاستثناءات بوجودٍ سياسي-تشريعي في البنية العلمانية للجمهورية الفرنسية. ينتمي العديد من المواطنين إلى هذه المنظّمات سواءً كانوا من رجال الدين أو من العامة، ويُصيغ هذا الانتماء أحاسيسهم بشكلٍ جزئي. هل تبلغُ هذه المجموعات «الجماعانية»؟  إنّ هذا المصطلح هو أقل أهميةً من الحقيقة التي تُفيد تشكُّل فرنسا من التنوّع في المجموعات التي تقطنُ في المجال العام الفاصل بين الحياة الخاصة والدولة. وبما أنّ هذه المجموعات تُمارس قوة متفاوتة في تشكيل السياسة العامة، فإنّ ادّعاء الدولة بالحياد السياسي تجاه كل المجموعات «الدينية» هو محل إشكال.

لقد أدركت لجنة ستاسي الاستثناءات الكامنة في القاعدة العامة للائكية، وقامت بتوضيحها من خلال تمييز مبدأ العلمانية التأسيسي (أنّ الجمهورية الشعبية تحترم المعتقدات كلها) من الواجبات القانونية المتعددة التي تصدر من هذا المبدأ ولكن تبدو أحياناً متعارضة معه. تُشير اللجنة في تقريرها إلى أنّ النظام الشرعي ليس وحدةً مُتراصّة على الإطلاق؛ بل إنّه في الوقت نفسه مُوزَّع في مصادر قانونية متعددة ومُتنوّعٌ في أشكاله المختلفة في أرجاء فرنسا الأم وأقاليمها ما وراء البحار. إنّ المصادر المنتشرة والأشكال المختلفة من العلمانية الفرنسية تعني أنّ على الجمهورية التعاطي بشكلٍ مستمر مع الاستثناءات. أودّ الإشارة إلى أنّ تطبيق القوة في حد ذاته من أجل تحديد الاستثناء والتعامل معه هو ما يُصنّف الاختلافات في الوحدة ويقومُ بالتأكيد على السلطة الجمهورية. وعليه، يمكن اعتبار أنّ منع الحجاب بوصفه علامة هو تطبيقٌ للسلطة السيادية ومحاولةٌ من قِبل دولة مركزية للسيطرة على المجال العام باعتبار أنّه مجال العلامات المحدَّدة.

أودُّ التأكيد على أنّ اهتمامي لا ينصبُّ على المجادلة بأنّ فرنسا علمانية بطريقة غير مناسبة أو أنّها عديمة التسامح. لا ينبغي إنكار أي ادّعاء تقوم به علمانيةٌ موجودةٌ بالفعل على علمانيتها فقط لأنها لا تتطابق مع نموذجٍ مثالي. إنّ الأشكال المتنوّعة من التاريخ الديني المحفوظ والتهديد والفرصة السياسية المتصوّرة تحدِّد المشاعر التي تدعم المواطنة العلمانية والانتماء الوطني في الدولة المعاصرة. إنّ هذه المشاعر ليست ثابتة على الدوام، ونادراً ما تكون خالية من التناقضات، وتكون هشّة في بعض الأحيان إلا أنّها تؤدي نوعياً إلى أشكالٍ مختلفة من العلمانية. أظنّ أنّ المهدَّد بالخطر هنا ليس تقبُّل الاختلاف بل السيادة التي تُعيِّن الاستثناءات وتسوّغها ونوعية المساحات التي تحدِّد العلمانية أنّها عامّة. بالنسبة لي، تبدو «أزمة اللائيكية» مزروعةً بشكلٍ فريد في النزاع السياسي الدائر حول نموذجين مثاليّين لمستقبل فرنسا، وهو انقسامٌ يفصل بين حزب اليسار واليمين: دولة مركزية ومسيطرة للغاية في مقابل دولة لامركزية ومتضائلة وتبدو الحاجة لتطبيق السيادة في كلٍّ منهما أمراً مُسلَّماً جدلاً. لقد أصبح هذا النزاع بطريقةٍ ما مقترناً بتعريف الدولة المبدئيّ للدين وحدوده «العامة» في سبيل تحقيق «مجتمعٍ عاطفي».

الذوات العاطفية

إنّ سياسات العلمانية مفعمة بالعاطفة وتتساءل عن فكرة الحيادية في حد ذاتها. يتداخل الشعور بالذنب، الازدراء، الخوف، الاستياء، الغضب الشريف، الحساب المحتال، الفخر، القلق، والرحمة جميعها بشكلٍ غامض في الذاكرة الجماعية للجمهورية العلمانية وتُحرّك المواقف تجاه مواطينيها المحدَّدين دينياً أو أخلاقياً. إنّ اللائيكية ليست غافلة عن المجموعات المحدَّدة دينياً في المجال العام. إنها ترتاب تجاه البعض: (المسلمين) بسبب ما تتخيل أنّهم يقومون به، وتستحي من آخرين (اليهود) بسبب معاناتهم على يد الفرنسيين. إنّ الرغبة في وضع بعض المجموعات تحت المراقبة مع التعويض لغيرها –وبالتالي التصالح «الشريف» مع الماضي وإعادة تأكيد فرنسا بوصفها دولة مُتجدِّدة- هي مشاعر تُحافظ على نزاهة الجمهورية الشعبية وتخدمُ في تعتيم عقلانية التواصل ووضوح العلامات التي تفترضها لجنة ستاسي بشكلٍ صريح.

إنّ جميع الدول المعاصرة، حتى تلك الملتزمة بترويج «التسامح»، هي مبنيةٌ على مواريث عاطفية معقَّدة  تحدِّد العلاقات بين مواطنيها. في فرنسا، يتمثل أحد هذه المواريث بصورة الإسلام والعداء تجاهه بينما يتمثّل آخر بصورة اليهودية والكراهية تجاهها (حتى مدة قريبة). لردحٍ من الزمن، وبالنسبة لكثيرين، كان اليهود هم «الآخَر في الداخل». في تعديلٍ تاريخيٍ معقَّد، تم إضفاء هذه المنزلة الآن على المسلمين بدلاً من ذلك.

وعليه، قد يتساءل المرء إذا كانت قضية الحجاب غير ناجمة عن استبدال مخاوف المجتمع تجاه مأزقه السياسي الخاص غير المؤكَّد أو انحداره الاقتصادي والفكري. في استعراضٍ ظريف وثاقب لتقرير ستاسي، ادّعى مؤخراً الأنثروبولوجي الفرنسي إمانويل تيراي أنّ هذه هي الطريقة التي ينبغي فهم قضية الحجاب وفقها- كمثالٍ على «الهستيريا السياسية» حيث يحصل القمع والاستبدال الرمزي من أجل تعتيم الحقائق المادية. يُشير تيراي إلى أنّه لدى مناقشة «التهديد الموجّه إلى عمل الخدمات الاجتماعية»، لا يُشير تقرير ستاسي على الإطلاق إلى التمويل الناقص ولكنّه يُركز بدلاً من ذلك على الصعوبات البسيطة التي تنتج حين يقوم بعض المسلمين بمطالباتٍ «دينية» في المدارس والمستشفيات أو السجون. بالطبع، إنّ هذه هي اللائيكية على وجه الدقة. إنّ اهتمامها الرئيس هو القيم المتعالية (كحيادية الدولة، فصل «الدين» عن السياسة، «قُدسية» الميثاق الجمهوري،...) وليس الأمور المادية في جوهرها (كتوزيع المصادر، ليونة المنظمات،...).  أليس هذا هو السبب الذي يبدو المدافعون الأقوياء عن اللائيكية غير مستعدِّين لاستكشاف العلاقات المعقَّدة بين هذين الاثنين؟

إنّ التنافر (وحتى العداء) المثار في هذه القضية هو بكل بساطة جزء ممّا يعنيه أن يكون الرجل أو المرأة فرنسياً علمانياً، وهو امتلاك قضية مُكوَّنة من طبقاتٍ من العواطف المؤدَّبة. إنّ القضية تتعلق بالعلامات والعواطف التي تُثيرها هذه العلامات. تمتلك العلامات دلالاتٍ سياسية واقتصادية، ولكنّها لا تقف كأقنعةٍ فارغة. يدّعي المدافعون عن العلمانية أنّ العلامات هي مهمةٌ حين تدلُّ على المساواة الدنيوية بين جميع البشر وتستدعي التعاطف تجاه المعاناة الإنسانية. إنّ هذا الادّعاء صحيحٌ بمعنىً خاص على الرغم من أنّ لعبة الدلالة هي أكثر تعقيداً ممّا يُعلنه الناطقون الرسميون للجمهورية.

يدّعي المدافعون عن الحجاب أنّه جزءٌ لا يتجزّأ من معتقداتهم الدينية. كيف تتوجّه الدولة العلمانية إلى ألم الناس المجبرين على التخلي عن جزءٍ من تراثهم الديني لإظهار مقبوليتهم؟ إن الجواب البسيط هو عبر التوقّع منهم الاستخفاف بالمعتقدات. إنّ معظم الليبراليين غير متحمسين في التعبير عن معتقداتهم. يجدرُ التذكير إلى أنّه في الحقبة المبكرة من أوروبا المعاصرة، كان سبب دعم المفكرين الرواقيين الجُدُد لبروز الدولة القوية العلمانية التي أصبحت قاعدة الوطنية المعاصرة هو اعتبارهم أنّ العاطفة هي قوةٌ مُدمّرة تُهدِّد الدولة. لأنهم حدّدوا العاطفة بالاعتقاد الديني، كان يعني هذا بالفعل الانفصال عن الأخير، أي التشكيك في الأمور الدينية. يبدو أنّه قد تمّ استيعاب هذه الميزة في طراز الليبرالية، فأضحى هناك ميلٌ لتصوير العاطفة الدينية كغير منطقية وخلافيّة، وعلى وجه الخصوص في الإطار السياسي المعاصر. إنّ ما حصل في الميدان السياسي وقع كذلك في الميدان الخاص، والشعور الذي يحمله الكثيرون هو أنّ العاطفة هي قوةٌ مُزعجة وسببٌ للكثير من عدم الاستقرار وعدم التسامح والتعاسة.

من جهةٍ أخرى، لا يُنظر إلى الدعم العاطفي للمعتقدات العلمانية بالطريقة نفسها. يُعتبر أنّ تلك العاطفة هي أكثر شبهاً بالتعبير العام «للمبدأ الموضوعي» بدلاً من «الاعتقاد الذاتي». في الثورة الفرنسية، أدّت العاطفة العلمانية إلى الرعب لأنها ثورةٌ على وجه الدقة، حيث عملية تحويل شعبٍ منقسم إلى جمهوريةٍ موحَّدة. بشكلٍ عام، إنّ الشدة هي علامة على أوضاع اجتماعية غير منطقية ومضطربة. العاطفة «الجيّدة» هي من نتاج التنوير العلماني وليس التعصُّب الديني، ولكنّ المثير للسخرية أنه وعلى الرغم من أنّ القلق العاطفي بشأن معاداة السامية (إسلاموفوبيا) هو دائماً مثالٌ على العاطفة «الجيدة» (لأنها علمانية)، ولكنّ الانغماس العاطفي في موضوع معاداة السامية أو الإسلاموفوبيا (التقاليد اليهودية أو الإسلامية في حد ذاتها) قد لا يكون كذلك.

النتيجة

يقومُ المدافعون عن الحجاب والمنتقدون له بتصوير الأمر بطرقٍ مختلفة ولكنّ العلمانيين -سواءً كانوا معه أو ضده- يستخدمون اللغة السياسية نفسها التي يؤكدون فيها ما يتعلّق بالمكان المناسب للدين. إنّني أظن أنّه من خلال فعل ذلك، يُخفق معظمهم في معرفة كيف يمكن لخطاباتٍ معيّنة أن تتحوّل إلى جزءٍ من الممارسات القوية التي تُنمّي مشاعر محدَّدة وضرورية بالنسبة إلى نوعٍ معيَّن من الفرد المتناقض–أي ذاك الفرد الحاكم على مستوى الأخلاق ولكنه مطيعٌ لقوانين الجمهورية العلمانية، وليّن، ومتسامح، ولكنه متمسكٌ بالمبادئ بشدّة. تُفيدُ الفكرة الليبرالية أنّه فقط حين يتمّ اجتياح هذه السيادة الفردية عبر جسم آخر غير الدولة الديمقراطية التي تمثّل إرادته الفردية بشكلٍ جماعي، وغير السوق الذي هو الشريك المدنيّ المهيمن للدولة (بالاضافة إلى تقنيتها الانتخابية الأساسية)، يتراجع الخيار الحر أمام السلوك المجبر عليه. ولكنّ الحقيقة التي تُفيد أنّ أفكار السيادة الأخلاقية والسياسية هي غير واضحة بوصفها أوصافاً للفرد المعاصر والحياة الجماعية، هي أقل أهميةً من الحقيقة التي تُفيد أنّها جزء من جهاز التقنيات المخصَّص لتكوين رعايا علمانيين وأنّ المدرسة الرسمية لها مكانةٌ فكريةٌ استثنائية في التقديم الذاتي للجمهورية. في ذاك الجهاز، يحملُ التفعيل المناسب للعلامات أهميةٌ محورية، وهو موضوعٌ بدأت به في هذه المقالة وسوف أختم بذكر بعض الملاحظات الإضافية حوله.

إنّ الأمر المثير للاهتمام حول الرموز (أي الرموز التقليدية) هو أنّها تدعو الفرد لدراستها بشكلٍ مستقل عن غايات الناس والتزاماتهم التي يُعلنون عنها. بالفعل، تُصبح دراستها طريقةً لتشكيل «الرغبات الحقيقية» على نحو استعاديّ، وتقوم بتسهيل محاولة تركيب المفاهيم النفسية والقضائية للذات الليبراالية. يُسجّل فنسِنت غيسر بعض الطرق التي قام بها الإعلام الفرنسي بتقديم الفتيات اللواتي أردن ارتداء الحجاب في المدرسة. يذكر أولاً أنّه قد تمّ عرض الشابّات المحجبات كضحايا لأقربائهن. ولكن كردٍّ على أحدث الدراسات الاجتماعية حول ارتداء الحجاب التي أظهرت صورةً معقَّدةً لدوافع الشابات لارتدائه، اختار الإعلامُ تفسيراً أكثر إثارة للقلق: «من الآن فصاعداً، إنّ فكرة ’الاستعباد الاختياري‘ هي السائدة في التحاليل الإعلامية: أن تقوم الشابات الفرنسيات بأنفسهنّ باختيار ارتداء الحجاب هو على وجه الخصوص ما يجعلهنّ أكثر خطراً. لا يُمكن النظر إلى هذا الفعل بعد الآن كنتيجةٍ للضغط العائلي بل كعلامةٍ للالتزام الشخصي، وبالتالي المتعصِّب».

كما يُشير غيسر، هذا يجعل الحجاب يبدو أكثر تهديداً لمدرسة الدولة وللقيم الجمهورية بشكلٍ عام. حين ينشغلُ الفرد بالكشف عن المعاني الخفية الخطيرة –كبحث المحقق الإسباني عن المعتقدات المستورة- سوف يعثر الإنسان على ما يبحث عنه. مع شمول قوة قراءة العلامات لتشكيل النوايا (الدينية\العلمانية) المنسوبة إلى الممارسين، يُصبح حتى التمييز الموضوع في قانون الفصل بين الكنيسة والدولة في 1905 بين «حرية الضمير» (أي مناعةٌ أخلاقية) و«حرية الممارسة الدينية» (حقٌ قانوني) أمراً يصعبُ المحافظة عليه بوضوح.

تُثار العلمانية من أجل الحيلولة دون نوعين مختلفَين جداً من الانتهاكات: انحراف السياسة على يد القوى الدينية من ناحية، وتقييد الدولة للحرية الدينية من جهةٍ أخرى. إنّ الفكرة التي تُفيد أنّ الدين هو منظومة من الرموز تُصبح جذّابةً في الحالة السابقة على وجه الخصوص لأنه من أجل حماية السياسة من الدين (وبالأخص بعض الأنواع من السلوك الذي تحرّكه دوافع دينية)، ومن أجل تحديد أشكالها المقبولة ضمن نظام الحكم، ينبعي للدولة تحديد «الدين». بالقدر الذي تُصبح فيه عملية التحديد شأناً قانونياً، تكتسبُ الجمهورية الوظيفة اللاهوتية المتمثلة بتعريف العلامات الدينية وقوة فرض ذلك التعريف على رعاياها و«دمجهم». قد لا يُعتبر هذا الأمر غالباً قوة قسرية ولكنّه من دون شك قوة دخيلة، ولا يتظاهر تقرير ستاسي أنه ليس كذلك. إنّه يصر على أنّ الدولة العلمانية «لا يمكنها أن ترضى بالانسحاب من جميع الشؤون الدينية والروحية».

لقد كتب بيار تيفانيان، وهو ناقدٌ للقانون الجديد، أنّ العلمانية التي تمّ تحديدها في قوانين 1881، 1882، و1886 تنطبقُ على حرم المدرسة والمناهج الدراسية والأساتذة ولكن ليس على الطلاب. المطلوب من التلاميذ ببساطة هو إطاعة قوانين المدرسة، الحضور في كل الدروس بشكلٍ مناسب، والتصرُّف باحترام تجاه الآخرين. يبدو أنّ هذه النصوص التأسيسية قد تكرّرت في حُكم مجلس الدولة في 27 تشرين الثاني 1989 (الذي تمّ إصداره بمناسبة أزمة سابقة تتعلق بالحجاب) والذي يقتبسُ منه تقرير ستاسي التالي: «ينبغي توفير التعليم من ناحية المناهج والأساتذة الحياديين من جهة، ومن ناحية حرية ضمير التلاميذ من جهةٍ أخرى»، ومن ثمّ يشرحها بطريقته الخاصة. بدلاً من الانسحاب كلياً من أي شيء يطبع نفسه بصفة «الدين» (مع الإصرار على عدم القبول بأي سلوك يعرقل العملية الصحيحة للتعليم)، يختار تقرير ستاسي التدخُّل في «الدين» عبر السعي لتحديد موقعه المناسب.

   في يومنا الحالي، يبدو أنّ «الدين» ما زال يُفسد «السياسة» في فرنسا –من ناحيةٍ جزئية كمحاكاةٍ ساخرة (أي القاعدة «المقدَّسة» للجمهورية العلمانية)، وجزئياً كحضارة (أي القيم «اليهودية-المسيحية» في تعليم المواطنين العلمانيين). مهما يكن، لا يُمكن للائكية أن تمثّل الفصل التام بين الدين والسياسة الذي يُقال بضرورته من أجل العيش المشترك المنسجم في مجتمعٍ معاصر متنوّع. تحاولُ أجهزةُ الدولة دائماً تشجيع الرعايا لصناعة وإدراك أنفسهم عبر العلامات المناسبة وذلك باعتبار أنهم مواطنون أصبحوا علمانيين بطريقة مناسبة و«يعلمون أنهم ينتمون إلى فرنسا» (فقط إلى فرنسا؟ في الختام إلى فرنسا؟ بشكلٍ رئيس إلى فرنسا؟). كالأنماط الأخرى من العلمانية، إنّ اللائيكية هي شكلٌ معاصر من الحكم السياسي الذي يسعى لتحديد نوع معيَّن من الذات العلمانية (سواءً كانت «دينية» أم لا) التي تستطيع المشاركة في لعبة الرموز –النوع الصحيح من الرموز التقليدية- من أجل إظهار وفائه/وفائها للدولة.

أين يدع كل هذا فكرة «مجتمع القيم المشتركة» الذي يُقال إنه مضمونٌ بالحد الأدنى عبر العلمانية في المجتمع الديمقراطي المعاصر؟ إنّ فكرتي البسيطة هي أنّ الاختلافات في الطبقة والجنس والمنطقة والجذور العرقية لا تُشكّل مجتمع القيم المشتركة في فرنسا. إلى جانب ذلك، يوجد على الدوام عددٌ كبير من المهاجرين في فرنسا المعاصرة، وكلُّهم قد أحضروا أفكاراً وعادات وتجارب «أجنبية». إنّ الاختلاف المهم الوحيد هو أنّه منذ الحرب العالمية الثانية، انحدر معظمهم من شمال أفريقيا. إنّ الشعار الشهير «الجمهورية غير قابلة للتجزئة» يُظهر طموحاً وطنياً وليس واقعاً اجتماعياً. كالبشر في كل مكان، إنّ الفرنسيين مشبعون بعواطف معقّدة تجاه شركائهم في المواطنة، بالاضافة إلى شعورٍ بسيطٍ متمثلٍ في أنّ «فرنسا» مُلكٌ لهم وليس للآخرين. مهما يكن، فإنّ مسألة الشعور بالانتماء إلى الوطن تختلف عن حقوق المواطنة وواجباتها؛ تتعلق الأولى بأحلام الوطنية بينما تتعلق الأخيرة بممارسة المسؤولية المدنية.

إنّ الطرق التي يعملُ فيها مفهوم «الدين» في تلك الثقافة كدافعٍ ونتيجة، وكيفية تحوّله، وما يقوم بمنحه ومنعه، والذكريات التي يحتفظ بها أو يستثنيها ليست دائماً ثابتة. إنّ هذا هو ما يجعل أنواع العلمانية –بالاضافة إلى اللائيكية الفرنسية- فريدة على الدوام. إذا قبل الفردُ بهذه النتيجة، يُمكنه مقاومة الإغراء المتمثل بالظن أنه ينبغي عليه إما «الدفاع عن العلمانية» أو «مهاجمة الدين المدني». بدلاً من ذلك، قد يتعلم المرء كيفية أن يناقش في الطرق المثلى لدعم حرياتٍ معيَّنة مع الحد من أخرى وتقليل الضرر الاجتماعي والفردي. باختصار، قد يرضى الفرد بتقييم مطالب وتهديداتٍ محدَّدة من دون الحاجة لمواجهة «الخطر العام للدين».

-----------------------------------------

طلال أسد : أستاذٌ في الأنثروبولوجيا في جامعة مدينة نيويورك، وهو أنثروبولوجيٌ معروفٌ متخصص بالدين، وعلى وجه الخصوص الدين في الشرق الأوسط. ألّف عدداً من الكتب، من ضمنها «سلاسل النسب الدينية: الانضباط وبواعث القوة في المسيحية والإسلام» (1993) و«تشكيلات العلمانية: المسيحية والإسلام والحداثة» (2003).

ـ العنوان الأصلي للمقال: French Secularism and the "Islamic Veil Affair

Talal Asad من تأليف:  French Secularism and the Islamic Veil Affair1 نص مقتطف من كتاب بعنوان

المصدر: http://www.iasc-culture.org/THR/archives/AfterSecularization/8.12IAsad.pdf

ـ ترجمة: هبة ناصر الدين. مراجعة: إ . الموسوي.