البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : ما بعد العلمانية في فكر يورغن هابرماس، الدين في رحاب الحياة الليبرالية المعاصرة

الباحث : آرمان زارعي

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 8

السنة : السنة الثالثة - صيف 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : August / 13 / 2017

عدد زيارات البحث : 227

حجم ملف البحث : 519.980 KB

 تحميل

قدّم المفكّر الألماني يورغن هابرماس نظرية (ما بعد العلمانية) بهدف دراسة حقيقة الدين وتحليله وبيان دوره على الصعيدين السياسي والاجتماعي في رحاب المجتمعات الليبرالية الديمقراطية التي نشأت حديثاً، واستنتج من مجمل ذلك الأسلوب الأمثل الذي ينبغي للمتديّنين اتّباعه بغية الحضور الفاعل في النشاطات السياسية ضمن المجتمعات المشار إليها مهما تنوّعت مشاربها الفكرية.

أما الهدف من تدوين هذه المقالة فهو بيان الخلفيات المعرفية التي اعتمد عليها هابرماس في مجال تحليل ماهية الدين، ومن ثم بيان آرائه حول الدور الذي تفيه المعتقدات الدينة على الصعيد الاجتماعي العامّ والحياة السياسية، وكذلك توضيح أوجه الاختلاف بين استدلالاته والاستدلالات التي أثارها سائر المفكّرين الليبراليين الغربيين وعلى رأسهم جون رولز.

كلمات مفتاحية: الدين، المجتمع، ما بعد العلمانية، العلمنة، يورغن هابرماس، جون رولز

المحرر

بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي واضطراب أوضاع المعسكر الشرقي، تغيّرت السياسة العالمية بشكلٍ محسوسٍ، وآنذاك قدّم المفكّر الأميركي صامويل فيليبس هنتنجتون[2] نظرية صراع الحضارات[3] التي توقّع على أساسها بأنّ السياسة العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي لن تقتصر على النزاعات الإيديولوجية والاقتصادية التقليدية، بل ستواجه نزاعات محتدمة على الصعيد الثقافي أيضاً.

قُدِّمت هذه النظرية إثر التغييرات المتسارعة التي شهدها العالم في الظروف الراهنة بعد أن أصبح الدين جزءاً من الحياة السياسية، إذ لا فرق بين كونه متقوّماً على تعاليم أصيلة وحقّة أو أنّه مجرّد معتقداتٍ واهيةٍ وباطلةٍ، فهو في جميع أنماطه تمكّن من احتلال مرتبةٍ جديدةٍ وفرض نفسه أمراً واقعياً لا يمكن التغاضي عنه على صعيد السياسة الداخلية والخارجية في جميع أرجاء العالم.

المفكّر الألماني يورغن هابرماس[4] بدوره سلّط الضوء على قضية إنعاش الحياة الدينية في العصر الحديث، وعلى هذا الأساس أثار مفهوم (ما بعد العلمانية) هادفاً من ذلك دراسة ماهية الدين وبيان دوره المهم في الحياة الاجتماعية العامّة ومختلف النشاطات السياسية التي تشهدها المجتمعات الليبرالية الديمقراطية المعاصرة، ومن ثمّ بادر إلى شرح ما يكتنف هذا الموضوع من ملابساتٍ وبالأخص فيما يتعلّق بالحياة الاعتقادية؛ إذ تطرّق إلى توضيح نمط حياة المتديّنين في إطار هذه المجتمعات التي تتبنّى مشارب شتّى وترزح لتوجّهات ونظريات سياسية مختلفة على الصعيدين المحلّي والدولي.

الهدف من تدوين المقالة هو دراسة الرؤية الفلسفية التي يتبنّاها المفكّر الغربي يورغن هابرماس وتحليلها، وذلك ضمن خمسة مباحث، وكما يلي:

في المبحث الأوّل من المقالة تطرّق الباحث إلى ذكر بعض المقالات والآثار العلمية التي دوّنت بهدف بيان المتبنّيات الفكرية ليورجن هابرماس، ثمّ أشار إلى أوجه التشابه والاختلاف بين ما هو مثار في هذه الدراسات وبين مضمون المقالة التي بين يدي القارئ الكريم.

والمبحثان الثاني والثالث تضمّنا دراساتٍ حول أهمّ التحوّلات الاجتماعية ومختلف مباحث علم الاجتماع المرتبطة بمفهوم العلمانية، وقد دار البحث فيهما بشكلٍ أساسيٍّ على مسألة إنعاش الحياة الدينية في العصر الحديث، والمبادئ والتوجّهات الاجتماعية التي أسفرت عن ظهور الفكر السياسي العلماني الذي قُدّمت في رحابه نظريات يورغن هابرماس.

المبحث الرابع أُشير فيه إلى المنهج الاستدلالي الذي تبنّاه المفكّرون الليبراليون الغربيون ولا سيّما آراء الفيلسوف الأميركي جون رولز حول الدور الذي يفيه الدين في النظام الليبرالي الديمقراطي المعاصر، فهذه الآراء في الحقيقة هي السبب الذي دعا يورغن هابرماس لتقديم نظريته الليبرالية الحديثة؛ أي إنّها ردّ فعلٍ عليها.

وأمّا المبحث الخامس والأخير فقد سلّط الباحث فيه الضوء على آراء يورغن هابرماس التي أثارها لبيان واقع العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمعات الليبرالية المعاصرة.

أوّلاً: خلفية البحث

المفكّرون الأكاديميون في إيران دوّنوا الكثير من الدراسات والبحوث حول نظريات المفكّر الألماني يورغن هابرماس، ولكن لا يسعنا المجال هنا إحصاؤها بالتمام والكمال، بل غاية ما يتسنّى لنا فعله هو بيان أهمّ معالمها وخطوطها العريضة التي امتازت بها.

بعض هذه الدراسات سلّطت الضوء على مكانة هذا العالم الغربي في مدرسة فرانكفورت الفكرية وتناولت آراءه ونظرياته بالنقد والتحليل، إذ قام مؤلّفوها بإجراء دراساتٍ مقارنةٍ لبيان أوجه الشبه والاختلاف بين متيبنّياته الفكرية والآراء التي تتبنّاها هذه المدرسة الفكرية؛ ومن أهمّ المباحث التي أثيرت ضمن هكذا دراسات ذلك النقد الذي ذكره هابرماس حول بعض المفكّرين الغربيين من أمثال هوركهايمر[5] وأدورنو[6] وماركوس[7].

وبعض الباحثين تطرّقوا إلى توضيح آرائه حول الحداثة، لذلك قاموا بشرح البحوث المدوّنة وتحليلها على هذا الصعيد فحسب؛ ليثبتوا أنّه أكّد دورَ العقل في نشأة الحياة المعاصرة التي صوّرها في إطارٍ باثولوجي بغية تقديم تعريفٍ مختلفٍ للحداثة لا يتناقض مع المعتقدات الدينية.

وبعض الدراسات الأخرى التي أجريت حول آثار هذا المفكّر ومتبنّياته الفكرية، دارت حول المبادئ الإبستمولوجية والمنهجية التي كان يتبنّاها، إذ سلّطوا الضوء على توجّهاته الفكرية الانتقادية في مجال الإبستمولوجيا التحرّرية والتي اعتبرها سبيلاً للخلاص من المعارف المنحرفة المتقوّمة على الفكر العقلي الذي يعتبر المعرفة مجرّد وسيلةٍ لتحقيق أهدافٍ خاصّةٍ.

نظرية الفعل التواصلي هي الأخرى من جملة محاور البحث في المقالات والآثار التي تمّ تدوينها حول المنهج الفكري ليورجن هابرماس، إذ تطرّق الباحثون فيها إلى بيان مختلف آرائه التي قدمها في مجال علم الاجتماع العامّ حول الحياة والنظام الاجتماعيين.

ومن الجدير بالذكر هنا أنّه لم تدوّن دراسةٌ متكاملةٌ تتناول آراء هذا المفكّر الغربي على صعيد العلاقة بين الدين والسياسة على الرغم من كلّ تلك الدراسات والبحوث التي أجريت لحدّ الآن، ومن هذا المنطلق قام الباحث في هذه المقالة ببيان آرائه الخاصّة حول ارتباط الدين بالسياسة بأسلوبٍ تخصّصيٍّ الأمر الذي مازها من سائر المقالات والبحوث التي تمّ تدوينها على هذا الصعيد؛ ولكن ننوّه هنا إلى أنّ مجلّة (معرفت اجتماعي) الفصلية التي تصدرها مؤسّسة الإمام الخميني للتعليم والبحوث في مدينة قم، نشرت في أحد أعدادها مقالةً تضمّنت دراسةً نقديةً حول آراء هابرماس تحت عنوان (الدين والمجتمع غير العلمانيين؛ دراسةٌ نقديةٌ حول نظريات هابرماس بشأن الدين في العالم المعاصر)،[8] وقد أُشير فيها إلى أهمّ خصائص المجتمعات غير العلمانية وذكرت آراء يورغن هابرماس على هذا الصعيد في إطار دراسةٍ تحليليةٍ نقديةٍ، النتيجة التي تمّ التوصّل إليها أكّدت أنّ مجتمع ما بعد العلمانية الذي يصوّره هذا المفكّر يعير أهمّيةً إلى تحقيق أهدافٍ علمانيةٍ واسعة النطاق أكثر من اهتمامه بوجود الدين في المجتمع بشكلٍ حقيقيٍّ.

البحث في هذه المقالة لا يدور حول نقد الآراء والنظريات العامّة التي طرحها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في مجال الدين والعلمانية وتقييمها، بل قام الباحث فيها بتسليط الضوء على الرؤى الفلسفية لهذا المفكّر بالنسبة إلى الدين وأشار إلى دوره في الحياة الاجتماعية العامّة والتي جعلته في نهاية المطاف يقدّم نظرية (ما بعد العلمانية)؛ وعلى هذا الأساس تطرّق إلى بيان مختلف جوانب هذه النظرية ودلالاتها.

ثانياً: يورغن هابرماس والصراع العلماني

في المرحلة الأخيرة من حياته الفكرية، ساق الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس مباحثه في نطاق الجدل حول ظاهرة العلمنة والنظام العلماني، والنظريات التي قدمها في هذا الصدد تضمّنت الكثير من النقاشات والآراء المتضاربة، لكنّها بمجملها تتّصف بوجهٍ مشتركٍ فحواه أنّ العلمانية هي نتيجةٌ أساسيةٌ ترتّبت على الحداثة الأمر الذي أدّى إلى تضييق نطاق الدين وحصره في إطارٍ محدودٍ أو التقليص من حجم المعتقدات والتعاليم التي يتبنّاها المتديّنون.

المفكّر الغربي بيتر بيرجر وصف العلمانية بعباراتٍ هي الغاية في الدقّة والصواب، إذ قال: «نقصد من العلمانية تلك الأعمال التي تتمّ بوساطتها تحرير مختلف المكوّنات الاجتماعية وانتشال الأصول الثقافية من سلطة المراكز والمكوّنات الدينية... كما أن العلمانية الثقافية والاجتماعية هي أمرٌ واقعٌ تشهده مجتمعاتنا المعاصرة، وهناك أيضاً علمانيةٌ توعويةٌ.

والعلمانية باختصارٍ فحواها أنّ العالم الغربي المعاصر قد أنشأ الكثير من المواطنين الذين لا يعيرون أهمّيةً للدين في حياتهم ولا يتبنّون أيّ فكرٍ دينيٍّ». [9]

مع وجود كلّ تلك الاستدلالات المقنعة التي قدمها علماء الاجتماع حول العلمانية، إلا أنّنا نلاحظ في السنوات الخمس والعشرين الماضية أنّ النظرية العلمانية قد فقدت شعبيتها وتأثيرها بين علماء الاجتماع، فالمفكّر بيتر بيرجر على سبيل المثال قال في لقاءٍ أجري معه عام 1977 م ما يلي: «أعتقد بأنّ كلّ ما كتبته وما كتبه معظم علماء علم الاجتماع في عام 1960 م حول العلمانية، كان مخطئاً؛ إذ إنّ الاستدلال الأساسي الذي ارتكزنا عليه هو أنّ العلمانية والحداثة تسيران في خطٍّ واحدٍ إلى معاً، ولكنّ الحداثة تعدّ أكثر مواكبةً للعلمانية؛ أي إنّ الحداثة تجري على نسقٍ علمانيٍّ وليس العكس. هذه النظرية في الحقيقة كانت مشوّشةً وغير منتظمةٍ، ولا يوجد دليلٌ عليها باستثناء بعض الشواهد والوثائق المحدودة، وأعتقد بأنّها باطلةٌ من أساسها لأنّ الغالبية العظمى في العالم اليوم لا تتبنّى فكراً علمانياً، بل تنزع نزعةً دينيةً متأصلةً لا خلل فيها». [10]

هذا التحوّل الفكري البنيوي في علم اجتماع الدين قد انعكس أيضاً في آثار يورغن هابرماس الذي كان يؤكّد غاية التأكيد في بادئ الأمر أنّ العلم والإيمان أمران متباينان وكلٌّ منهما يجري في فلكٍ مستقلٍّ عن الآخر؛[11] كما قال في باكورة حياته الفكرية إنّه خاض في غمار القضايا العلمية فقط.

ولكنّه بعد ذلك تخلّى عن رأيه وخاض في مباحث جديدة لم يكن يستسيغها سابقاً، فمنذ عام 2001 م سخّر جلّ وقته لإجراء بحوثٍ فلسفيةٍ موسّعةٍ للغاية حول المواضيع والمسائل المتعلّقة بالتديّن، ولا سيّما تلك المحاضرة التي ألقاها في مؤتمر جائزة السلام في ألمانيا[12] والتي تقام في كنيسة سانت باولز[13] بمدينة فرانكفورت، وذلك بعد شهرٍ من أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر عام 2001 م حينما استهدف تنظيم القاعدة برجي التجارة العالمية في نيويورك. هذه المحاضرة نشرت بالتفصيل في كتابه الذي ألّفه حول أخلاق الاستنساخ البشري[14] والذي طبع في ذلك العام نفسه تحت عنوان (مستقبل الطبيعة البشرية). [15]

وفي عام 2004 م جرى حوارٌ تحت عنوان (جدلية العلمانية) بينه وبين بابا الفاتيكان بنيديكت السادس عشر[16] جوزيف راتسينجر[17] قبل أن يعيّن للمنصب البابوي، وحصيلة هذا الحوار طبعت عام 2005 م في كتابٍ تحت عنوان (جدل العلمانية: بين العقل والدين)،[18] وفي الآونة الأخيرة طبعت آراؤه الأساسية في كتابٍ تحت عنوان (الدين والعقلانية). [19]

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ النتاجات الأولى لهذا المفكّر لم تكن حول البحوث الدينية كما هي عليه الحال في أواخر حياته، فنظرية الفعل التواصلي على سبيل المثال والتي نشرت لأوّل مرّةٍ باللغة الألمانية عام 1981 م كانت ترتكز بشكلٍ أساسيٍّ على نظرية التكامل الاجتماعي التي أثارها الفيلسوف إميل دوركايم، إذ جاء في جانبٍ منها ما يلي: «المجتمع البدائي الذي يعيد هيكلته في رحاب مجتمعٍ دينيٍّ على أساس معتقداتٍ دينيةٍ خاصّةٍ، عادةً ما يتوحّد ويخطو خطوات كبيرة نحو التطوّر والرقي؛ وهذه الوحدة الاجتماعية ترتكز على الفهم المتبادل الذي ينشأ بطبيعة الحال من العقلانية التواصلية». وقد أطلق هابرماس على هذه العملية التفاعلية عنوان تحوّل القداسة إلى نشاطٍ حواريٍّ[20].

لا شكّ في أنّ النظرية الاجتماعية المقدّمة على ضوء الفعل التواصلي تتناغم إلى حدٍّ كبيرٍ مع النزعة العلمانية، إلا أنّ هابرماس في السنوات الأخيرة من حياته لم يفنّد النظرية العلمانية بشكلٍ صريحٍ، بل ذهب إلى القول بوجود مزاعم واهية أسفرت عن التشكيك في هذه النظرية؛ فهو في الحقيقة قد بدأ حركةً باتّجاه ما بعد العلمانية إثر تشكيكه بالحداثة التي لم تكتمل بعد ومن منطلق اعتقاده بعدم القدرة على تجاهل دور الدين فيها.

ثالثاً: إحياء الدين عالمياً

* الدين في فلسفة هابرماس

اهتمام يورغن هابرماس بالدين في أواخر حياته لا تتّضح معالمه إلا في ظل علم اجتماع الدين، وقد ذكر المفكّرون الكثير من الأسباب التي أدّت إلى تغلغل النظرية العلمانية في باطن هذا العلم وهي غالباً ما تكون اجتماعيةً عامّةً ولا ترتكز على استدلالاتٍ فلسفيةٍ متقنةٍ؛ ويرى بعض الباحثين أنّ النظرية العلمانية ليست سوى فرعٍ من الحداثة الأوروبية البحتة، وعلى هذا الأساس فنّدوا قول من ادّعى أنّ العلمنة بمعناها الحقيقي قد بسطت نفوذها إلى خارج حدود أوروبا الغربية؛[21] فيما ذهب آخرون إلى القول إنها لم تتحقّق بالكامل حتّى في المجتمع الأوروبي المعاصر. [22]

وأمّا الرأي المناهض للعلمانية فهو أكثر رواجاً بين علماء الاجتماع، إذ يؤكّد أصحابه ضرورة إحياء الحياة الدينية عالمياً، ومن هذا المنطلق انتقدوا جميع النظريات والأسس العلمانية ودحضوا شتّى التوقّعات التي أثارها المنظّرون لها سابقاً.

العلماء الذين جعلوا مبدأ إعادة الحياة الدينية مرتكزاً لآرائهم ونظرياتهم قد فنّدوا العلمانية على ضوء قدرة الدين في قيادة المجتمعات البشرية ولم يركزّوا نقدهم لها على عقم تعاليمها فقط أو عدم فاعليتها في مختلف المجتمعات الأوروبية وغير الأوروبية[23].

قبل أكثر من قرنٍ قدّم الباحثون صيغاً متنوّعةً للنظرية العلمانية تدلّ في مجملها على أنّ العالم في كلّ خطوةٍ يخطوها مستقبلاً نحو الحداثة والتجدّد فهو في الوقت ذاته يرجع خطوةً إلى الوراء على صعيد التديّن والحياة المعنوية؛ ولكنّ الذي حدث فيما بعد أثبت عقم هذه التوجّهات والتنبؤات العارية عن الصواب، فعلى الرغم من شيوع الحداثة والتجدّد في العالم نجد الدين قد انتعش وساد على نطاقٍ أوسع مـمّا كان عليه سابقاً، ولا نبالغ لو قلنا إنّ هذا التوسّع كان ردّ فعلٍ طبيعي لذلك الفكر اللقيط الذي جاء به دعاة علمنة العالم، وهذا الأمر أكّده الكثير من الباحثين الغربيين ومن جملتهم المفكّر بيتر بيرجر الذي قال: «العالم المعاصر يطغى عليه جنونٌ دينيٌّ، وهذه الخصلة لم تنفكّ يوماً عن المجتمعات البشرية، كما أنّ الدين قد انتشر في بعض المناطق التي لم يكن له وجودٌ فيها سابقاً»[24].

على الرغم من أنّ يورغن هابرماس قد تناول النظرية العلمانية بالشرح والتحليل في إطار رؤيةٍ محدودةٍ تقتصر على العالم الأوروبي،[25] إلا أنّ السبب الأساسي لشكّه وترديده في فائدة النظرية العلمانية يكمن في اعتقاده بعدم قدرتها على علمنة العالم،[26] وهذا الأمر قد أكّده في نظرياته، والحقيقة أنّ النزعة إلى الدين التي اكتنفت روح هابرماس في أواخر حياته والتي اعتبرها موضوعاً فلسفياً مستقلاً، قد نشأت لديه إثر انتعاش الحياة الدينية في المجتمعات البشرية ورواج التديّن على نطاقٍ واسعٍ لم يكن بالحسبان، حيث شاعت هذه الظاهرة المعنوية في مختلف النواحي الاجتماعية والسياسية في جميع أرجاء العالم[27].

استند هابرماس إلى الدراسة التي أجراها المفكّر خوزيه كازانوفا والتي دوّنها في كتابٍ تحت عنوان (الأديان العامّة في العالم الحديث)[28] إذ اعتبرها دليلاً يثبت أنّ انحسار دور التعاليم الدينية وتنامي الرغبة في الخصخصة الاجتماعية عبر علمنة المجتمعات، لا يدلان بالضرورة على كون الدين قد افتقد قابليته على إدارة المجتمعات البشرية في مختلف المجالات السياسية والثقافية أو أنّه أصبح عقيماً وليس من شأنه تفعيل الحياة الشخصية لكلّ فردٍ في المجتمع[29].

المفكّر خوزيه كازانوفا وصف إحياء الحياة الدينية بأنّه تعميمٌ للدين وعدم خصخصته،[30] فهو يعتبر التقاليد والطقوس الدينية المتعارفة في شتّى أرجاء العالم لا تسمح لأحدٍ بأن يهمّشها ويضيّق نطاقها في إطارٍ محدودٍ، ومن هذا المنطلق أكّد أنّها لم تكن تنصاع لتعاليم العلمانية التي حاول منظّروها الحدّ من نفوذ الدين في المجتمعات البشرية؛ فالأديان في شتّى أصقاع المعمورة تدافع عن حدودها الجغرافية في جميع مراحل التأريخ وبما في ذلك المرحلة الراهنة، وستبقى كذلك بالتأكيد، كما أنّها تزاول النشاطات السياسية لأجل تحقيق هذا الهدف ولوضع مقرّراتٍ من طرازٍ معاصرٍ في شتّى الأوساط العامّة والخاصّة سياسياً واجتماعياً[31].

المفكّرون الذين يتبنّون نزعاتٍ غير علمانيةٍ ولا يضيّقون نطاق الدين في إطارٍ خاصٍّ، يسوقون العديد من الأدلّة والشواهد لإثبات صواب متبنّياتهم الفكرية، ومن جملتها ما يلي:

- النهضة الإسلامية العالمية.

- النجاح الذي حقّقته البروتستانتية الإنجيلية[32] ولا سيّما في قارّة أميركا الجنوبية.

- شيوع القومية الهندوسية في الهند.

- عودة الحركة الأورثوذكسية إلى روسيا وشيوعها من جديدٍ بين شعوب الاتحاد السوفييتي السابق.

هذه الموارد ليست سوى شواهد يسيرة تدعم تلك الآراء التي ذهب إليها أتباع النزعة الدينية، وهي باعتقاد يورغن هابرماس قد أسفرت عن ولادة ثلاث ظواهر مهمة يمكن اعتبارها حركةً نحو حياة ما بعد العلمانية إذ تمكّن الدين في رحابها من استعادة سلطته وصبغته الاجتماعية الشاملة، في حين أنّ العلمانية كانت خلاف ذلك تماماً، فقد أصبحت تواجه مصيراً يكتنفه الغموض في شتّى أرجاء العالم لأنّ شبح الأفول بدأ يخيّم عليها ويزعزع أركانها الهشّة من أساسها[33].

أمّا الظاهرة الأولى التي تتجسّد في النهضة الإسلامية العالمية فهي تثبت قدرة الدين على فهم مختلف الصراعات الإيديولوجية التي تحدث في العالم بشكلٍ دقيقٍ، ولا سيّما تلك التي لها صلةٌ بالخلافات الدينية. هذا الأمر في الحقيقة ذو أهميةٍ بالغةٍ لأنّ الفكر العلماني حسب المعتقدات الدينية هشٌّ وعرضةٌ للاضمحلال وليس من شأنه بسط نفوذه يوماً ما، أي إنّ أتباعه مهما فعلوا فلن يذوقوا طعم النصر مطلقاً.

وأمّا الظاهرة الثانية ففحواها أنّ الدين يمرّ في مرحلة استعادة سيطرته على المجتمعات البشرية في شتّى أرجاء العالم وبما في ذلك المكوّنات السياسية والمؤسّسات الرسمية، حيث انتعشت الحياة الدينية الشعبية من جديدٍ بعد التلاقح الثقافي الواسع الذي حصل بين المجتمعات التقليدية والحديثة. الانتشار المتنامي للدين في المجتمعات والثقافات التي غالباً ما تكون غير موحّدة المشارب الفكرية أسفر عن توعية الأوساط العلمانية في كلّ بقعةٍ من العالم ورفع مستوى معرفتها بالدين وحقائقه، والفضل في ذلك يعود إلى الهجرة الواسعة التي شهدتها البشرية في العصر الحديث، إذ إنّ إحدى نتائج هذه الهجرة تتمثّل في اتّساع رقعة المعتقدات الدينية وشيوعها في الأوساط الرسمية وإثر ذلك تلاقحها مع النزعات الوطنية، فالمعتقدات الدينية لم تكن واضحة المعالم لدى بعض المجتمعات. ومن المؤكّد أنّ عدم الانسجام الثقافي بين الشعوب عادةً ما يتواكب مع التغييرات الديموغرافية التي تطرأ في مختلف البلدان، إذ إنّ نتيجته بطبيعة الحال تزايد الصراعات الاجتماعية والسياسية فكرياً وبالتالي إحياء الدين وترويج تعاليمه[34].

رابعاً: عودة الحياة الدينية في المجتمعات الليبرالية الديمقراطية المعاصرة

التطوّرات الاجتماعية التي أشرنا إليها حفّزت يورغن هابرماس على البحث والتحليل حول دور الدين في الحياة الاجتماعية العامّة ولا سيّما في مجال ولوجه في الحياة السياسية عالمياً بشكلٍ لم يكن الخبراء والمفكّرون الغربيون يتوقّعونه؛ ومن هذا المنطلق سلّط هابرماس الضوء في بحوثه على تلك الآثار المشهودة التي خلّفتها النزعات الدينية في المجتمعات الليبرالية الديمقراطية.

بناءً على ما ذكر، هناك سؤالٌ أساسيٌّ يقدّم نفسه في هذا المضمار، ألا وهو: ما الأُسس الفلسفية التي اعتمد عليها يورغن هابرماس للاستدلال على تحقّق هذه التغييرات الاجتماعية الشاملة؟

لا شكّ في أنّ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي إجراء دراسةٍ دقيقةٍ حول المتبنّيات الفكرية لمنظّري النزعة الليبرالية والدعاة إليها وعلى رأسهم المفكّر الغربي جون رولز، إذ إنّ هابرماس نفسه قدّم آراءه في هذا الصدد ردّ فعلٍ على ما ذكره رولز بهدف تفنيد نظرياته ونقد وجهته الفكرية.

المفكّرون الداعون إلى ضرورة وجود الدين في الحياة الاجتماعية العامّة، قد اتّخذوا مواقفهم وتبنّوا آراءهم ردّ فعلٍ على النظريات التي أثارها مروّجو الفكر الليبرالي الهادف إلى الفصل بين الحياتين الاجتماعية الخاصّة والعامّة لأجل إقصاء الدين عن النشاطات الحياتية العامّة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المفكّرين الليبراليين أنفسهم قد أثاروا آراء متباينةً في هذا المضمار، ومنهم جون رولز الذي يعدّ أكثر اعتدالاً من سائر أقرانه الليبراليين لكونه لم يسلك مسلكاً متعصّباً ومناهضاً للدين؛ ولكن على الرغم من ذلك فالدعاة إلى وجوب وجود الدين في الأوساط الاجتماعية العامّة ومن جملتهم هابرماس، قد انتقدوا آراءه ونظرياته.

إذن، من الضروري بمكانٍ شرح ردّ فعل يورغن هابرماس وتحليله تجاه المتبنّيات الفكرية التي ساقها جون رولز حول دور الدين في الحياة الاجتماعية العامّة، وهو ما سنتطرّق إليه في المباحث الآتية:

1) الليبرالية السياسية وأطروحة (توقيف الدين) في نظريات جون رولز

رواج الدين على نطاقٍ واسعٍ في الحياة الاجتماعية العامّة قد حفّز الكثير من الفلاسفة الغربيين المعنيين بالشأن السياسي على أن يعيدوا النظر في تقييم دوره في المجتمعات الليبرالية الحديثة.

حسب ادّعاء منظّري النظام الديمقراطي الحديث، فإنّ جوهر الديمقراطية وهدفها الأساسي هو منح الحكّام صلاحية تشريع القوانين بحيث يكون هذا الأمر حكراً عليهم دون غيرهم؛ أي إنّ كلّ قانونٍ لا يكون رسمياً ومشروعاً إلا بعد تأييده من قبلهم؛ فالمشروعية في هذا النظام الحديث تحظى بأهميةٍ بالغةٍ لكونه مرتكزاً على رضا الشعب، ومن هذا المنطلق لا يمكن فرض شيءٍ على المجتمع من غير إرادة أعضائه ورغبتهم[35].

هذه المشروعية في الحقيقة ترمي إلى استئصال استبداد القانون من خلال تأكيدها أنّ التقنين يجب أن يكون ثمرةً للإرادة الحرّة لجميع أبناء الشعب، لذا فكلّ ما تشرّعه الديمقراطية هو في الواقع عبارةٌ عن قدرةٍ اختياريةٍ مطلقةٍ ليست غريبةً على البنية الاجتماعية، كما أنّها لا تُفرض بالقهر والإجبار على المواطنين باعتبارهم أصحاب القرار في تشريع ما يرونه ينصبّ في مصلحتهم العامّة؛ وهذا هو السبب الذي دعا المفكّرين المحدثين إلى وصف القوانين الديمقراطية بأنّها تتناغم مع حرّية الفرد والشعب على حدٍّ سواء.

الفلسفة السياسية المعاصرة تؤكّد أنّ العدل العامّ والشامل هو أحد السبُل الكفيلة لمعرفة الرضا الشعبي حول بعض القضايا المهمة، وهو ما دعا إليه المفكّر جون رولز، إذ اعتبره موضوعاً محورياً في الفلسفة السياسية، وأكّد أنّ إقراره في المجتمع يتطلّب وضع قانونٍ ديمقراطيٍّ مشروعٍ يكون منصفاً ومقبولاً لدى جميع المواطنين.

لقد أكّد جون رولز غاية التأكيد أنّ العدل يعتبر الدعامة الأساسية والمغزى الحقيقي للفضيلة في مختلف المكوّنات الاجتماعية، واعتبر البحث والنقاش حوله لترسيخ دعائم البنية الاجتماعية يناظر تلك البحوث والنقاشات التي تجرى في المباحث العلمية النظرية بهدف التعرف على الحقائق[36].

ومن جملة إنجازات هذا الفيلسوف أنّه أعاد هيكلة الفلسفة السياسية في المنتصف الثاني من القرن العشرين، وأثار نظرية العدالة على أساس عقلانية إيمانوئيل كانط، وعلى هذا الأساس ذكر تفسيراً جديداً لنظرية العقد الاجتماعي والتوافق العقلاني، كما انتقد مبدأ النفعية الذي ساد بين المفكّرين آنذاك كضرورةٍ اجتماعيةٍ وفرديةٍ؛ إذ يرى أنّ المجتمع العادل هو ذلك المكوّن الذي ترتكز دعائمه على مبدأ العدل، لذا دعا إلى إقراره وصياغة مختلف جوانبه بشكلٍ خارجٍ عن إطار الرغبات والنزعات الفردية. [37]

المتبنّيات الفكرية لهذا الفيلسوف الغربي يمكن تصنيفها في نطاق مرحلتين فكريتين متباينتين، فالمرحلة الأولى هي التي قدّم فيها نظرية العدالة ضمن كتابه الذي ألّفه تحت عنوان (العدالة كإنصافٍ) عام 1971 م، إذ اتّبع نهجاً فلسفياً أخلاقياً لتعريف مبدأ العدل في المجتمع، وهذا يعني أنّه اعتبر العدالة الاجتماعية في هذا الكتاب نظريةً فلسفيةً أخلاقيةً على غرار قراءة الفيلسوف إيمانوئيل كانط للفكر الليبرالي. جون رولز في هذه المرحلة أكّد وجود أصولٍ عامّةٍ من شأنها تحقيق العدالة في المجتمع شريطة أن تكون مدعومةً بمبادئ فلسفية وأخلاقية.

لا شكّ في أنّ هذا المفكّر قصد من نظريته تقديم نظريةٍ شموليةً حول مبدأ العدالة بحيث يمكن تطبيقها في كلّ مجتمعٍ متقوّمٍ على مبادئ أصيلةٍ، ولكنّه واجه مشكلات جادّة على هذا الصعيد وتعرّض لنقدٍ لاذعٍ من المفكّرين الذين عاصروه.

وفي المرحلة الفكرية الثانية من حياته، ألّف كتاب (الليبرالية السياسية)،[38] فقد كان حصيلةً لآرائه وانتقاداته، وقد طبع في عام 1993 م بعد 22 عاماً من نشر كتابه (العدالة كإنصافٍ) في عام 1971 م[39]. نحا رولز في هذا الكتاب نحواً بعيداً عن الفكر الشمولي ولم يعر فيه أهميةً للثقافات والقضايا الفكرية المتنوّعة، حيث قدم نظرية العدالة السياسية وأعرض عن نظريته السابقة التي اتّصفت بصبغةٍ عموميةٍ، وعلى هذا الأساس جعل هدفه وضع مبادئ أساسية من شأنها تحقيق العدل سياسياً في أهمّ المكوّنات الاجتماعية؛ لذا يمكن القول إنّه أثار أصولاً ليبراليةً سياسيةً تنسجم فقط مع المجتمعات الليبرالية الديمقراطية، والسبب في ذلك يعود إلى تغيير مبانيه الفكرية في المرحلة الثانية من حياته والتي استبدل فيها العقلانية الذهنية لإيمانوئيل كانط - والتي هي عقلانيةٌ انتزاعيةٌ ومستقلّةٌ عن المصالح الفردية - بعقلانية فريدريتش هيجل الواقعية التي تصوّر العقلانية في الحياة البشرية بأنّها حقيقةٌ تأريخيةٌ؛ وإثر ذلك ذهب إلى القول إن أصول العدل في كلّ مجتمعٍ يجب أن تكون متناسبةً مع البُنى الأساسية لتوجّهات أعضائه[40].

يمكن القول إنّ هدف جون رولز من إثارة نظرية العدالة السياسية ومبدأ الليبرالية السياسية في كتابه (الليبرالية السياسية) هو عرض قراءةٍ جديدةٍ في هذا المضمار تختلف عن تلك القراءة التي قدمها في كتابه (العدالة كإنصافٍ) لكونها لا ترتكز على أيّة نظريةٍ شموليةٍ أخلاقيةٍ أو فلسفيةٍ[41].

أهمّ ميزةٍ تتّصف بها المجتمعات الحديثة باعتقاد هذا المفكّر، تكمن في كثرة النظريات المقدّمة في شتّى المجالات الأخلاقية والفلسفية والدينية وتنوعها، وأكّد أنّ نظرية الإجماع في الليبرالية السياسية والتي هي بمنزلة عقدٍ اجتماعيٍّ على كون العدالة تعني التعامل بإنصافٍ مع مختلف أبناء المجتمع، تختلف عن الآراء الدينية والفلسفية المتباينة المقدَّمة حول مبدأ الخير.

القراءة السياسية التي يثيرها جون رولز للعدالة في نظريته الليبرالية السياسية هي في الحقيقة رؤيةٌ حول تلك الشعوب التي تتبنّى أفكاراً متباينةً يشوبها الجدل، وتستند بطبيعة الحال إلى أصولٍ منطقيةٍ أو ميتافيزيقيةٍ أو دينيةٍ، والهدف منها تنظيم البنية الاجتماعية بشكلٍ توافقيٍّ،[42] ويرى أنّ البشرية إن أرادت تحقيق الإجماع الشعبي حين تعدّد النظريات الأخلاقية والفلسفية والدينية، وكذلك تحقيق العدل والاستقرار في المجتمع ذي المذاهب الفكرية المتعدّدة، فالسبيل الوحيد لها هو الاعتماد على التوافق العقلي العامّ وقبول فكرة الحظر الديني التي هي في واقع الحال قانونٌ منبثقٌ من أخلاقيات المواطنين في المجتمعات الليبرالية؛ وحسب رأي يورغن هابرماس فأخلاق المواطنة التي دعا إليها جون رولز تدور حول النشاط المؤثّر في العملية الديمقراطية، إذ قال: «بغضّ النظر عن الاختلاف الدائم في الآراء التي تثار من قبل المواطنين حول شتّى المسائل المتعلّقة بالإيديولوجيات والنظريات الدينية، فلا بدّ لهم من احترام بعضهم لبعض بوصفهم أعضاء متساوين في الحقوق والتكاليف، وأحراراً في مجتمعهم السياسي؛ ومن هذا المنطلق يجب عليهم ذكر مسوغات مناسبةٍ في كلّ اختلافٍ سياسيٍّ يطرأ بينهم بحيث يكون نشاطهم متقوّماً على الاتّحاد المدني؛ وقد وصف جون رولز هذا الأمر بأنّه واجبٌ حضاريٌّ وانتفاعٌ عامٌّ من القابليات الشخصية»[43].

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أخلاق المواطنة هي منشأ فكرة الحظر الديني، إذ يطالب أصحاب هذه النظرية المواطنين المتديّنين بالدفاع العامّ والشامل عن أحد القرارات السياسية عند انعدام الاستدلالات المبرّرة التي يتقبلها العرف الاجتماعي العامّ، والأمر الذي يحظى بأهميةٍ بالغةٍ على هذا الصعيد هو اعتماد جون رولز على مقولة العقل البشري المشترك[44] الذي هو عبارةٌ عن أصولٍ وغاياتٍ مشتركةٍ يجب أن يتّسع نطاقها بغية إضفاء شرعيةٍ على بسط السلطة السياسية على النطاق الاجتماعي العامّ.

هناك سؤالٌ أساسيٌّ يثار هنا، وهو: بما أنّ المجتمعات المعاصرة تتبنّى مشارب فكرية متنوّعة ومتباينة، فكيف يمكن لجون رولز الاعتماد على ما يسمّى بـ (العقل البشري المشترك) والذي يطلق عليه في معظم الأحيان عنوان (العقلّ العمومي)[45] من غير تجاهل الإيديولوجيات التي يتبنّاها المواطنون المعارضون لهذه الفكرة؟

إذا كان تأسيس مجتمعٍ ليبراليٍّ متقوّمٍ على عقلانية الحوار وعدم إجبار الآخرين لا يتحقّق إلا في ظلّ سلوكٍ غير مسوّغٍ متقوّمٍ على إيديولوجياتٍ معارضةٍ، فنتيجة ذلك أنّ الليبرالية غير قادرةٍ على تحقيق الظروف المناسبة والضرورية لإدامة حياتها بالاعتماد على مصادرها الخاصّة؛ وبالتالي يقال: ما منشأ العقل العمومي إذن؟!

يعتقد جون رولز أنّ العقل العمومي منبثقٌ من ثقافةٍ سياسيةٍ عامّةٍ ذات جذورٍ فكريةٍ متعدّدةٍ وفي الحين ذاته ليست فوضويةً، بل هي محدودةٌ ومتقوّمةٌ على أصولٍ ومعتقداتٍ معيّنةٍ. هذه التعدّدية الفكرية التي تتمخّض عنها ثقافةٌ سياسيةٌ عامّةٌ يعتبرها جون رولز تعدّديةً فكريةً معقولةً[46] أو تعدّديةً نظريةً شاملةً ومعقولةً؛[47] وبالطبع فثمرة ما ذكر هي أنّ كلّ عضوٍ عاقلٍ في المجتمع المتقوّم على هذا النمط من التعدّدية الفكرية لا بدّ وأن يتبنّى مبدأ التعامل بالمثل والذي يطلق عليه في علم الاجتماع عنوان (التبادلية السلوكية)[48] لكونه معياراً مناسباً للمساواة التي تتحقّق على أساسها مصالح متبادلة،[49] وبناءً على هذا فالعقل العمومي - ليبرالية جون رولز - يمكن أن يتحقّق بشكلٍ عامٍّ بوساطة ما يمكن وصفه بأنّه العقلانية الحاكمة على التعدّدية للنظريات الشمولية، وهذه السلطة هي السبب في عدم القدرة على القيام باستثمارٍ عامٍّ لأدلّةٍ غير عامّةٍ، أي تلك الأدلّة التي يمكن على أساسها تبرير الأصول الدينية.

الجدير بالذكر هنا أنّ سيطرة العقل على التعدّدية الفكرية يسفر عن نشأة نمطٍ من الثقافة السياسية، وهذا النمط بدوره يكون سبباً لظهور عقلٍ عموميٍّ تتمكّن البشرية على أساسه من العمل تحت مظلّة سلسلةٍ من الأصول والأهداف الديمقراطية التي من شأنها الاتّساع في نطاقٍ أوسع بغية إضفاء شرعيةٍ على الفعل الصادر من السلطة السياسية؛ ولهذا السبب دافع جون رولز عن الإجماع الشعبي والنظريات الشمولية التي تدعو إلى طرحٍ سياسيٍّ متّفقٍ عليه حتّى وإن لم يكن متقوّماً على أُسسٍ مستحكمةٍ. [50] إذن، من المؤكّد أنّ الأصول التي تنشأ على أساس العقل العمومي حسب هذا الاستدلال، لا تكون بروتستانتية ولا يهودية ولا نفعية، ولا أيّ شيءٍ آخر يناظر ذلك مـمّا يعني أنّ كلّ نمطٍ عقليٍّ واستدلاليٍّ تابعٍ لكلّ واحدةٍ من هذه المدارس الدينية والفكرية، ليس من شأنه أن يصبح عقلاً عمومياً في حدّ ذاته؛ ومن ثمّ لا بدّ من القول إن التوجّهات العقلية المثارة اجتماعياً في نطاق إحدى المدارس الفكرية أو الدينية لا يمكن اعتبارها نظريةً اجتماعيةً شموليةً يُعتمد عليها لإضفاء شرعيةٍ على النشاطات السياسية في المجتمع، وعلى هذا الأساس فالمعيار الأساسي للمشروعية التي جاء بها جون رولز يكمن في قطع الطريق على التعاليم الدينية وعدم تسريتها في النطاق الاجتماعي والسياسي العام - الحظر الديني - حيث دعا المواطنين إلى عدم السماح للمدارس الفكرية والدينية ببسط نفوذها في النطاق الاجتماعي العامّ حينما تكون مفتقرةً إلى مبادئ شمولية عامّة تنسجم مع أطروحته.

2) فكرة الحظر الديني والهوّة السحيقة بين الثقافة الاجتماعية العامّة وثقافة المجتمع المتحضّر

فكرة الحظر الديني التي أثارها جون رولز واجهت انتقاداتٍ متباينةً، إلا أنّ المحور الأساسي والمشترك فيها هو تأكيدها أنّ أخلاق المواطنة الليبرالية قد أوجدت هوّةً عميقةً بين الثقافة الاجتماعية العامّة والثقافة المدنية الحديثة، ومن ثمّ فهي تعدّ عقبةً جادّةً أمام بعض المواطنين فيما لو تمّ إحقاق الحقوق الديمقراطية عملياً. إذن، هذا هو السبب في ظهور ردود أفعالٍ متبانيةٍ في هذا الصدد ولا سيّما تلك الأصوات الداعية إلى تغيير المنهج المتّبع حالياً، إذ عارض بعض المفكّرين أخلاق المواطنة الليبرالية وفكرة الحظر الديني، ومن أبرزهم المفكّر مايكل بيري[51] وكرستوفر إيبرل[52] وباول ويثمان[53] ونيكولاس وولترستورف[54].

يمكننا تلخيص الاستدلالات المعارضة لفكرة الحظر الديني في نمطين متمايزين بعضهما عن بعض، كما يلي:

الاستدلال الأوّل: الحظر الديني عبارةٌ عن مسؤوليةٍ غير عادلةٍ وغير منصفةٍ تفرض على المواطنين المتديّنين الذين يعيشون في ظلّ مجتمعٍ ليبراليٍّ ديمقراطيٍّ، لذا فهو ظلمٌ صريحٌ لشريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع.

الاستدلال الثاني: الحظر الديني على المستوى الاجتماعي العامّ يقطع الطريق على أهمّ التعاليم والأعراف السياسية الدينية، ومن ثمّ يهمّشها ولا يفسح المجال للمجتمع كي ينتفع من آثارها الإيجابية.

كما هو واضحٌ مـمّا ذكر، فالاستدلال الأوّل يؤكّد على مسألة انفصام الهوية[55] التي تنشأ من الحظر الديني، وذلك بمعنى أنّ الكثير من المتديّنين لا يعتقدون بصحّة تهميش الدين وعزله عن الحياة السياسية ولا يقبلون بتحجيم دوره في زاويةٍ اجتماعيةٍ ضيّقةٍ، إذ يعتقدون أنّهم إذا ما ولجوا في مضمار السياسة العامّة فلا بدّ لهم من العمل على أساس أصولهم الدينية الأخلاقية لكونهم لا يرغبون بتاتاً في التخلّي عن معتقداتهم الدينية؛ لذا فالمفكّر نيكولاس وولترستورف أكّد أنّ الكثير من المتديّنين في المجتمعات الليبرالية يعتقدون بضرورة صياغة القوانين والمقرّرات الأساسية المتقوّمة وفق مبدأ العدالة وعلى أساس متبنّياتهم الدينية باعتبار أنّ هذا الأمر حقٌّ لهم ولا يمكن التغاضي عنه بوجهٍ. هذه الشريحة الاجتماعية باعتقاد وولترستورف لا تتفاعل مع العلمانية بشتّى صورها لدرجة أنّها ترفض جميع إنجازاتها سواء كانت سلبيةً أو إيجابيةً، وبالتالي لا مجال لإرغامها على السير في مسلكٍ علمانيٍّ؛[56] والسبب في ذلك يرجع إلى أنّها تعتبر معتقداتها الدينية مطلقةً ومتكاملةً بحيث تتعدى نطاق الحياة الفردية والاجتماعية لكونها سبباً أساسياً في الوحدة والانسجام بين جميع مكوّناة الحيات ونواحيها بحيث تسوق البشرية جمعاء نحو هدفٍ واحدٍ لا ثاني له؛ وهكذا اعتقادٌ بطبيعة الحال يلزم الفرد بعدم قبول أيّ نمطٍ فكريٍّ آخر خارج نطاق المعتقدات الدينية.

وأمّا يورجين هابرماس فهو يرى أنّ اعتراض المتديّنين على الحياة الديمقراطية الليبرالية الحديثة ناشئٌ من الاعتقاد بكون الدين ذا دورٍ مشتركٍ في الحياة اليومية لجميع الذين يعتنقونه دون استثناءٍ،؛ أي إنّ هذا الاعتراض في واقع الحال منبثقٌ من مكانة الدين في الحياة الاجتماعية، فكلّ متديّنٍ بطبعه يؤدّي جميع تكاليفه وأعماله اليومية على ضوء معتقداته؛ إذ إنّ الاعتقاد الراسخ لدى الإنسان لا يعدّ مجرّد نظريةٍ متقوّمةٍ على سلسلةٍ من المبادئ والأصول الدينية، بل هو عبارةٌ عن مصدر إلهامٍ وطاقةٍ كامنةٍ تأخذ بيد من يتبنّاها نحو السير قدُماً في شتّى مسالك الحياة.

لا شكّ في أنّ التديّن يعتبر الدعامة الأساسية لقابليات الحياة البشرية، لذلك تمكّن من التغلغل في جميع منافذ الحياة الفردية والاجتماعية ومواكبة الإنسان في كلّ خطوةٍ يخطوها أو نفسٍ يستنشقه، لذا فالمجتمعات المتديّنة عادةً ما ترفض أيّ تغييرٍ أو تحوّلٍ في المباني السياسية خارج نطاق دينها لأنّ معتقداتها ترغمها على تسرية أصولها الدينية في كلّ فعلٍ ونظريةٍ من غير استثناءٍ، وبالطبع فإنّ السياسة على رأس هذه الأولويات. [57]

بناءً على ما ذكر فالكثير من المواطنين المتديّنين - وليس جميعهم - لا يرغبون بتبنّي أفكارٍ ليبراليةٍ ديمقراطيةٍ بحتةٍ في المجال السياسي، إذ إنّ تعاليمهم الدينية تقيّدهم وتمنعهم من الانصياع وراء مبادئ تتعارض مع الأصول الدينية، ولا فرق في ذلك بين المسيحيين واليهود والمسلمين؛ فأتباع هذه الديانات لا يقتنعون بأخلاق المواطنة الليبرالية المرتكزة على فكرة الحظر الديني لكون توجّهاتهم دينيةً مطلقةً وذات صبغةٍ هجومية الأمر الذي يعني أنّ الحلّ الوحيد هو إبعادهم عن العملية الديمقراطية لعدم قدرتهم على التفاعل والانسجام معها بسبب عدم امتلاكهم تصوّراً صائباً عن الحياة المثلى.

وهناك استدلالٌ آخر مشابه لما ذكر، ألا وهو عدم وجود تناغمٍ بين المسؤوليات المعرفية في المجتمع، إذ يؤكّد أصحاب هذا الرأي أنّ فكرة الحظر الديني المتقوّمة على المبادئ الليبرالية التي روّجها جون رولز، تفرض على المتديّنين مسؤوليةً معرفيةً مقيّدةً في نطاق رؤيةٍ محدّدةٍ، في حين أنّ سائر المواطنين غير المتديّنين لا يواجهون هذه الظاهرة؛ وهذه المعضلة في الحقيقة هي منطلق نقد يورغن هابرماس، إذ حاول إيجاد حلّ لها. الاعتراضات والاستدلالات النقدية المثارة في هذا الصدد تؤكّد بشكلٍ أساسيٍّ أنّ فكرة الحظر الديني ينجم عنها تقسيم مهامّ المواطنة والتكاليف الاجتماعية الديمقراطية بشكلٍ غير عادلٍ بحيث تمنح الأولوية فيها للإيديولوجيات العلمانية في عين تهميش المبادئ الدينية، وكما هو واضحٌ في أطروحات جون رولز، فالمواطنون العلمانيون تتسنّى لهم مزاولة نشاطاتهم العامّة والخاصّة في المجتمعات المدنية والسياسية بسهولةٍ أكثر من أقرانهم المتديّنين الذين يجدون أنفسهم في مأزقٍ فكريٍّ ومضطرّين للتخلّي عن معتقداتهم الراسخة المرتكزة على أُسسٍ أخلاقيةٍ مستحكمةٍ، وهم بطبيعة الحال عادةً ما يشعرون بالأسى والضجر من ذلك لأنّ الرأي العلماني العامّ لا يتبنّاها، لذا لا حيلة لهم سوى التزام جانب الصمت. إذن، المواطنون العلمانيون وأقرانهم المتديّنون لا يخوضون في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية بشكلٍ متكافئ، وسوف نوضّح هذا الأمر بتفصيلٍ أكثر في موضعه.

وأمّا الصنف الثاني من الآراء المعارضة والذي فحواه أنّ الحظر الديني على المستوى الاجتماعي العامّ يقطع الطريق على أهمّ التعاليم والأعراف السياسية الدينية، ومن ثمّ يهمّشها ولا يفسح المجال للمجتمع كي ينتفع من آثارها الإيجابية، فهو كما يبدو يؤكّد أنّ فكرة الحظر الديني تمثّل أحياناً خطراً على التوجّهات الليبرالية العلمانية.

هناك استدلالان متباينان حول المصالح السياسية التي يكتسبها المجتمع من ترويج الدين في النطاق الاجتماعي العامّ، وهما كما يلي:

الاستدلال الأوّل: الإسهام السياسي الفاعل يجب أن تكون منبثقاً من المعتقدات والتعاليم الدينية.

الاستدلال الثاني: النتائج الاجتماعية لا بدّ وأن تكون ذات فائدةٍ للأديان المعتبرة من الناحية الديمقراطية.

بالنسبة إلى مسألة الإسهام السياسي الديني الفاعل، فهو يؤكّد أنّ الحظر الديني الذي يهمّش الآراء الدينية ولا يعير لها أهميةً، يحرم المجتمع من مصدرٍ مهم للعلم والمعرفة والتنظير السياسي، والدعاة إليها ذكروا بعض الأمثلة التي تدلّ على أنّ الدين تمكّن من تقديم نقدٍ مرتكزٍ على استدلالاتٍ قويةٍ بغية التصدّي للقوانين الجائرة، وأهمّ نقدٍ تجدر الإشارة إليه على هذا الصعيد يكمن في ذلك النقد السياسي الديني الذي طرح على مؤسّسة الحقوق المدنية الأميركية؛ فعلى سبيل المثال نلاحظ في كلام المفكّر مارتن لوثر كينغ[58] الكثير من المفاهيم الدينية التي يمكن اعتبارها استدلالات أساسية، ومن جملتها مسألة الأخوّة بين البشر والتساوي أمام القانون. بناءً على هذا الاستدلال، يمكن القول بشكلٍ عامٍّ إنّ الكثير من الحركات الاجتماعية الرائدة في شتّى أرجاء العالم منبثقةٌ من دوافع دينية وغالبيتها تنشأ وتتنامى في رحاب مجتمعاتٍ متديّنةٍ؛ كما يؤكّد هذا الاستدلال عدم صواب إثارة المبادئ الدينية للبحث والنقاش السياسي لمعرفة ما إن كان فيها خيرٌ للمجتمع أو شرٌّ، لأنّ الدين منذ نشأته كان مصدراً للخير فقط.

وأمّا الاستدلال الثاني، فيمكن القول إنّ المفكّر ويثمان قد تبنّاه بشكلٍ خاصٍّ، ففي الفصل الثاني من كتابه ( الدين وواجبات المواطنة) جمع معلومات اجتماعية متنوّعة من مختلف الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المضمار، ومعظمها يؤكّد وجود ارتباطٍ وطيدٍ بين الإسهام الديني والمواطنة الفاعلة المتجسّدة في مصاديق عديدة ومن جملتها المشاركة في الانتخابات والقيام بمختلف النشاطات المدنية وما شاكل ذلك؛ وعلى هذا الأساس استنتج بأنّ شتّى المكوّنات والمؤسّسات الدينية وكلّ تعلّقات الإنسان العقائدية، لها دورٌ أساسيٌّ للغاية في تحقّق مبدأ المواطنة وفق النمط الأميركي[59].

هناك رأي جديرٌ بالاهتمام قُدِّم من قبل هذا المفكّر أيضاً، وفحواه أنّ دور الكنيسة في التعبئة السياسية للأقلّية الاجتماعية التي لا تمتلك مقوّمات مادّية تؤهّلها لقيادة المجتمع، غالباً ما يشمل المواطنين الأمريكان الذين ينحدورن من أصولٍ أفريقيةٍ، إذ أكّد أنّ التديّن بين هؤلاء راسخٌ ومؤثّرٌ لدرجة أنّه يثير لديهم غريزة الصراع السياسي. [60] لا ريب في أنّ أساس الاعتراض على فكرة الحظر الديني في هذا المضمار ناشئٌ من أنّها تحول دون تنامي الهوية الوطنية للمتديّنين وتكاملها في المجتمعات المعاصرة.

على الرغم من أنّ المفكّر جون رولز حاول الإجابة عن هذه الاعتراضات والانتقادات، لكنّه لم يتّبع أسلوباً جادّاً وحازماً من منطلق اعتقاده بأنّها لا تهدّد الكيان الليبرالي من أساسه ولا تعدّ عقبةً أمام أخلاق المواطنة الليبرالية ولا تعتبر حائلاً أمام إيفاء الدين بدوره على النطاق الاجتماعي الليبرالي الديمقراطي؛ وهذا التصوّر الناقص قد أدركه يورغن هابرماس، لذا نجده نحا نحواً يختلف عنه تماماً، إذ دعا إلى إعادة صياغة الحياة الدينية من جديدٍ وفسح المجال للمكوّنات الدينية بمزاولة نشاطاتها في المجالين الاجتماعي والسياسي والسعي لتقديم إجاباتٍ مناسبةٍ حول الاعتراضات التي تذكر ضدّ التديّن عبر اتّباع أسلوبٍ أفضل مـمّا ذهب إليه جون رولز.

خامساً: هابرماس والليبرالية التبريرية وما بعد العلمانية

كما ذكرنا آنفاً فالمفكّر الغربي يورغن هابرماس كان يعتقد بأنّ العالم المعاصر يمرّ في مرحلة إعادة هيكلة الحياة الدينية وإحيائها من جديدٍ الأمر الذي أدّى إلى تزايد المكوّنات الأصولية الدينية بحيث أصبحت أكثر رونقاً وانتعاشاً من المكوّنات الاجتماعية الليبرالية.

لا ريب في أنّ النزعات الأصولية في الظروف الراهنة تتنامى على نطاقٍ واسعٍ في مختلف الأديان وجميع المذاهب الإسلامية والمسيحية سواء كانت بروتستانتية أو كاثوليكية، ولو أنّ هذه المكوّنات التي تحتلّ نطاقاً واسعاً في المجتمعات البشرية والتي تمكّنت من بسط نفوذها في شتّى أرجاء المعمورة، بقيت تشعر بكون النزعة الليبرالية خطراً محدقاً بكيانها وتعاليمها فمن شأنها أن تصبح خطراً يهدّد بعض المشتركات الاجتماعية والسياسية العامّة وبالتالي ستوجّه ضربةً قاصمةً للحياة الديمقراطية؛ وهذا الأمر أشار إليه جون رولز أيضاً إذ قال إنّ العقد الاجتماعي لا يمكن أن يتحقّق إلا في رحاب نظرياتٍ معقولةٍ يقبلها العرف الديني العام بحيث تتناغم مع الأوضاع الراهنة لكلّ مجتمعٍ إنسانيٍّ، كما أكّد أنّ المساعي التي تبذل في سبيل تحقيق هذا الهدف يمكن أن تثمر عن اجتثاث سائر النظريات التي لا تنسجم مع حكم العقل والمنطق. [61]

لقد حاول يورغن هابرماس توسيع نطاق مفهوم الليبرالية التبريرية[62] لأجل أن تضاف إليها الأفكار الليبرالية الديمقراطية التي لم تشر إليها نظريات جون رولز، لذلك أكّد أنّ الحكومة الليبرالية التي تدعم جميع أنماط التوجّهات الدينية بشكلٍ متكافئ وبدون ترجيح مذهبٍ أو دينٍ على غيره، ملزمةٌ بعدم إرغام المواطنين المتديّنين على الانصياع وراء فكرة الفصل بين المبادئ العلمانية والدينية في الحياة الاجتماعية والسياسية لكون هذا الأمر يمسّ بهويّتهم الدينية[63]. يرى هذا المفكّر ضرورة تقديم أنموذجٍ ديمقراطيٍّ لا يرغم المواطنين على اللجوء إلى خيارٍ واحدٍ فقط بحيث يجعلهم مضطرّين للانصياع إمّا للقيم السياسية الليبرالية أو التمسّك بمعتقداتهم الدينية، وعلى هذا الأساس ذهب إلى القول إن حياة ما بعد العلمانية هي التي تلبّي طموح البشرية في عدم التخلّي عن تقاليدها وطقوسها الدينية إلى جانب تحرّكها في مسالك ليبرالية، لذا أعاد قراءة آراء جون رولز ومختلف نظرياته بغية التنسيق والمواءمة بين الحياتين الدينية والليبرالية سياسياً واجتماعياً وبالتالي الحيلولة دون المساس بهوية المتديّنين وعدم تهميشهم، بل والعمل على التعاون معهم والاستفادة من آرائهم ونظرياتهم الدينية للسير قدماً نحو مستقبلٍ ليبراليٍّ دينيٍّ زاهرٍ.

1) الليبرالية التبريرية وشرط الترجمة التأسيسية

التغيير الأساسي الذي اقترحه يورغن هابرماس يكمن في توسيع نطاق الشرط[64] الذي أثاره جون رولز ردّاً على من انتقده واعترض عليه حينما قدّم نظريتي أخلاق المواطنة الليبرالية وفكرة الحظر الديني، حيث أكّد هابرماس ضرورة التعامل معه بوصفه مفهوماً عنوانه (شرط الترجمة التأسيسية). [65]

وكما ذكرنا فإنّ جون رولز أثار مفهوم الشرط لدى ردّه على الاعتراضات التي سيقت على مبدأ المواطنة الليبرالية المتقوّمة على أساس الحظر الديني، إذ أراد منه السماح للمواطنين بأن يخوضوا في غمار النشاطات الاجتماعية والسياسية العامّة وفق النظريات الشمولية التي يتبنّونها شريطة أن يأتوا باستدلالاتٍ سياسيةٍ تتناسب مع مقتضيات العصر وتنسجم مع الأوضاع التي تحفّ المجتمع بجميع مكوّناته، وذلك لأجل إثبات صحّة الأصول السياسية والاجتماعية التي يعتقدون بها[66].

هدف جون رولز من إثارة مسألة (الشرط) التقليل الضغوط المعرفية التي يواجهها بها المواطنون المتديّنون حينما يلجون في المضمار السياسي ويتخلّون عن ثقافتهم المتأصّلة التي عادةً ما تكون نطاقاً حرّاً لهم في تطبيق معتقداتهم الدينية، لأنّ النشاطات السياسية الجديدة عليهم لا ترتبط بمعتقداتهم الدينية ولا تخدمهم إلا في إطار حياتهم العامّة. المتديّنون على أساس هذا الشرط لهم الحرّية التامّة في بيان معتقداتهم الحقيقية وإقحامها في مختلف مراكز التقنين من غير أيّة خشيةٍ أو مضايقةٍ ولا يحقّ لأحدٍ الاعتراض عليهم أو معاقبتهم على ذلك، والهدف الأساسي منه هو تذليل العقبات وإزالة بعض النتائج الوخيمة التي جاءت بها الليبرالية الحديثة وفي الحين ذاته فسح المجال لهم للمشاركة الفاعلة في مضمار الخطاب الاجتماعي السياسي العامّ. من الجدير بالذكر هنا أنّ الشرط الذي أثاره جون رولز لا يمنح التعاليم الدينية قدرةً على فرض نفسها في عالم السياسة والتنظير الشمولي، وهو ما أكّده يورغن هابرماس.

هابرماس حاله حال رولز، إذ جعل منظومته الفكرية ترتكز على أساس تقسيم المجتمع إلى صنفين، وقد سار على نهجه في عزل الثقافة الاجتماعية البنيوية عن الإطار السياسي العام، إذ أكّد في نظريته أنّ الأطر المحلّية غير الرسمية تختلف عن المكوّنات الرسمية بشتّى أنواعها كالبرلمانات والمحاكم والوزارات وجميع الدوائر الحكومية،[67] وهذا التمايز في الحقيقة يعتبر واحداً من الأصول التي ارتكز عليها هابرماس حينما اقترح أنموذجاً ديمقراطياً ذا مرحلتين[68].

النظام الديمقراطي الفاعل والمؤثّر بشكلٍ إيجابيٍّ حسب رأي هابرماس هو ذلك النظام الذي يتمّ تطبيقه في نطاقٍ واسعٍ يشمل المكوّنات والتوجّهات الفكرية العامّة الرسمية وغير الرسمية بحيث يتمكّن المواطنون في رحابه من إعادة صياغة معتقداتهم وتبادل الآراء فيما بينهم حول نجاعته أو فشله؛ كما يعتبر مصدراً تشريعياً ثرياً للحياة البشرية من شأنه تلبية جميع متطلّباتهم المعيشية فكرياً ومادّياً على المستويين الرسمي وغير الرسمي. وقد أشار في كتابه ( بين الحقائق والمعايير: إسهامات لنظرية جدل القانون والديمقراطية)[69] إلى أنّ صياغة الإرادة السياسية[70] التي هي عبارةٌ عن فرعٍ من عملية التقنين في الحكومة المتقوّمة على أركان ثابتة، إذا ما أصبحت عقبةً وحالت دون استثمار القابليات الذاتية العامّة للمجتمع، ولو أنّها نأت بنفسها عن المسائل والمواضيع الحسّاسة ولم تكن شريكاً في الجوانب المعرفية لمختلف الطبقات الاجتماعية التي تعيش في كنف حضارةٍ معاصرةٍ بمنأى عن الأجواء الرسمية؛ فهي بطبيعة الحال سوف تعقم العملية السياسية وتفقدها التأثير في جميع المكوّنات الاجتماعية وتهدم دعائمها العقلانية من الأساس[71].

يمكن القول بضرسٍ قاطعٍ بأنّ المشروعية الديمقراطية التي دعا إليها يورغن هابرماس في الخطاب الاجتماعي المعاصر، حتّى وإن كانت تقتضي إيجاد صلةٍ وثيقةٍ بين المكوّنات الرسمية وغير الرسمية، لكنّنا نستشفّ من أصول مذهبه الفكري ضرورة الحفاظ على المسافة الموجودة بين تلك الأمور التي تتّسم بصبغةٍ رسميةٍ وبين نظائرها التي تندرج ضمن إطارٍ غير رسميٍّ؛ كما نستنتج من مجمل آرائه أنّه يعتبر المجتمع المتحضّر عرضةً لإقامة علاقاتٍ مطلقةٍ وغير مقيّدةٍ بقيودٍ خاصّةٍ[72]، ولكن على الرغم من ذلك، يبدو من كلامه أنّه كان يخشى من خطورة الخطاب المفتوح ـ اللامحدود ـ على عملية التقنين. ومن جملة آرائه الأخرى قلقه من فسح المجال لإثارة نقاشاتٍ دينيةٍ في البرلمانات التي تمثّل الشعوب، فهذه الظاهرة بزعمه قد تحوّل السلطة الحكومية إلى وسيلةٍ لإرغام جميع أبناء المجتمع للانصياع وراء رأي الأكثرية التي تعتنق أحد الأديان أو المذاهب الأمر الذي يُفرغ الديمقراطية من محتواها ويسحق قوانينها؛ إذ إنّ القرارات السياسية التي تتّخذها الحكومة يجب أن تدوّن بأسلوبٍ متكافئ يضمن مصالح جميع الشرائح الاجتماعية دون استثناءٍ، كما لا بدّ وأن تكون مسوّغةً؛ لذا حينما تسعى الأكثرية الدينية إلى تحقيق مآربها وتمتنع الآخرين من تقديم قوانين ومقرّرات ترضي جيمع الشرائح الاجتماعية وتصوغ العملية الديمقراطية بشكلٍ لا يتناغم مع تطلّعات الأقلّيات الأخرى، من الممكن أن تتحوّل السلطة إلى وسيلةٍ لقمع الأقلّية سواءً كانت علمانيةً أو من أتباع إحدى الديانات الأخرى، ومن ثمّ تصبح مصدر ظلمٍ واضطهادٍ بدل أن تكون مصدر حرّيةٍ وديمقراطيةٍ[73].

استناداً إلى ما ذكر فإنّ يورغن هابرماس قد استنتج من مجمل نظرياته وبحوثه على صعيد الدين والليبرالية الديمقراطية ضرورة وضع قيودٍ تحدّد نطاق مختلف المكوّنات الرسمية وغير الرسمية في تقديم خطاباتها وفرضها على المجتمعات البشرية، فهذه القيود برأيه تعدّ جسراً رابطاً بين النظريات المثارة ومختلف المكوّنات الاجتماعية والمؤسّساتية. وأمّا شرط الترجمة التأسيسية الذي أشار إليه، فهو عبارةٌ عن قيدٍ يسوّغ للمفاهيم الدينية بأن تلج في غمار الأُطر السياسية والاجتماعية العامّة، ناهيك عن أنّه يشرعن الأصول المتّبعة في عملية التقنين؛ فالشرط الوحيد يدور حول أنّ الدين قبل تقديمه في الإطار الاجتماعي العامّ، لا بدّ له أوّلاً من تجربة عملية الترجمة لكي يتمكّن على أساسها من إدراك حقيقة النطاق الاجتماعي العامّ بصفته كلاً متكاملاً.

تطرّق هابرماس بشكلٍ جادٍّ إلى دراسة الأطروحات المعارضة لفكرة الحظر الديني وتحليلها ولا سيّما ذلك الرأي القائل بأنّ الدين له القابلية على تقديم دعمٍ سياسيٍّ كبيرٍ لجميع شرائح المجتمع الديمقراطي، فالخطاب الديني باعتقاده ما زال حيّاً ويضمّ في طيّاته الكثير من التعاليم الأصيلة التي من شأنها أن تكون مصدراً وذخراً أساسياً لخلق المفاهيم الاجتماعية وصقل الهوية الإنسانية[74].

لا شكّ في أنّ الهدف من الترجمة هو استكشاف القابلية الكامنة في المفاهيم التي تُترجم، ومن الناحية السياسية فهي ذات فائدةٍ مشهودةٍ على صعيد توضيح معالم الخطاب الديني وتيسيره لكي يكون في متناول كافّة المكوّنات الاجتماعية بشتّى توجّهاتها الفكرية ومستوياتها الثقافية، وقد أكّد هابرماس أنّ الغاية الأساسية منها تكمن في تنقية المفاهيم من الزوائد والقشريات[75] وتلك القرارات التوقيفية التي لا تقبل النقاش، إذ تجري ضمن اختبارٍ صعبٍ يتمثّل في تقييم الخطاب العقلاني بغية صقل المفاهيم الأخرى على أساسه؛[76] ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّه ليس من الحريّ اعتبار عملية الترجمة مجرّد قاعدةٍ لتقييم العلمانية وتوضيح معالمها، لذا لا ينبغي التقليل من شأنها وإفراغها من محتواها[77].

بناءً على ما ذكر نستنتج أنّ هابرماس يرى ضرورة اتّصاف المفاهيم الاستدلالية العامّة المنبثقة من عملية الترجمة بتلك المعاني الأساسية التي تضمّنتها المفاهيم الدينية، ومن هذا المنطلق يتسنّى للمتديّنين الحفاظ على هويّتهم الدينية في عين تغلغل المفاهيم الدينية في باطن عملية التقنين.

2) عملية الترجمة وتحديث[78] التديّن والوعي الديني

يمكن القول بشكلٍ عامٍّ إنّ آراء يورغن هابرماس التي قدمها حول تقييم عملية ترجمة المفاهيم الدينة في رحاب النشاطات الاجتماعية والسياسية العلمانية، تدلّ على أنّ شرط الترجمة التأسيسية الذي اقترحه يختلف عن ذلك الشرط الذي جاء به جون رولز، فهو يعتبر شرطه ذا قابليةٍ على وضع تفسيرٍ مناسبٍ للتعاليم الدينية وتسويغها بشكلٍ يتناغم مع متطلّبات العصر حتّى تصبح مناسبةً للولوج في الحياة الاجتماعية والسياسية العامّة بأفضل شكلٍ.

لا ريب في أنّ الترجمة على هذا الأساس تعتبر مضماراً يتمكّن المتديّنون فيه من العمل وفق التزاماتهم الدينية في أثناء عملية التقنين من غير أن يضطرّوا إلى التنازل عن هويّتهم الدينية أو مجاملة الآخرين على حسابها، كما يمكنهم ذكر استدلالاتٍ وتبريراتٍ مقنعةٍ؛ وعلى هذا الأساس ذهب هابرماس إلى القول إن شرط الترجمة التأسيسية إن تمكّن من تحقيق نجاحٍ على أرض الواقع، فسوف تتمكّن البشرية من إيجاد أنموذجٍ شموليٍّ لليبرالية التبريرية بحيث تكون الديمقراطية في رحابها مصدراً للتلاحم والانسجام ومن ثمّ يتسنّى لها تشكيل حكوماتٍ تعدّديةٍ حديثةٍ لا تكتنفها أيّة تفرقةٍ أو خلافاتٍ إيديولوجيةٍ جادّةٍ.

ترجمة المفاهيم الاستدلالية الدينية لا بدّ وأن تكون منسجمةً مع الخلفيات الثقافية للمجتمع ونطاقه السياسي العامّ، ويجب أن تمتلك المقوّمات التي تؤهّلها لمواجهة جميع أشكال الفوضى والاضطرابات والخلافات التي تحدث بين مختلف التيارات والمكوّنات العامّة غير الرسمية؛[79] ولكن مهما يكن الأمر فالترجمة المناسبة لا يمكن وأن تنبثق من اللا نظم والفوضى؛ وينبغي التنويه هنا إلى أنّ المعضلة الأساسية في هذا المضمار هو صعوبتها ومشقّتها معرفياً[80].

من المؤكّد أنّ الترجمة عبارةٌ عن نشاطٍ اجتماعيٍّ مشتركٍ بين المواطنين يختلف في واقعه عن تلك الرؤية المنسجمة الشاملة، لذا فإنّ الترجمة التأسيسية تتطلّب وجود نزعاتٍ معرفيةٍ محدّدةٍ لدى المتديّنين والعلمانيين على حدٍّ سواء؛ ويورجن هابرماس من جهته لم يغفل عن هذه القضية المهمة وعلى هذا الأساس نجده اعتبر المسؤولية المعرفية عبئاً ثقيلاً يقع على كاهل جميع المواطنين دون استثناءٍ، لكن غاية ما في الأمر نجده قد أكّد ضرورة امتلاك المواطنين المتديّنين رؤى ونزعاتٍ معرفيةً خاصة ومرنة لها القابلية على التوسّع حينما يبادرون إلى عملية الترجمة العامّة.

طبعاً حتّى وإن اعتبرنا هذه العملية الحسّاسة شرطاً أوّلياً لا تتحقّق نظرية هابرماس الليبرالية إلا في ظلّه، لكن تجدر الإشارة هنا إلى اعتقاده بأنّ الفرضيات والشروط الأساسية التي تسبق المشروع النهائي يجب أن تكون ناشئةً من باطن الأعراف الدينية وأن توسّع نطاقها بالاستناد إلى عملية التأمّل الذاتي[81] الهرمنوطيقي[82].

وقد ذكر هذا المفكّر ثلاثة أُسسٍ على صعيد التحوّلات المعرفية التي تحدث وفق تبنّي هذا النمط من الترجمة، وهي كالتالي:

1) يجب على المواطنين المتديّنين إبداع رؤيةٍ معرفيةٍ جديدةٍ في رحاب خطابهم الديني الخاصّ للتعامل مع سائر الأديان والإيديولوجيات التي يواجهونها في حياتهم الاجتماعية والسياسية، ومن المؤكّد أنّهم سينجحون في هذا المضمار فيما لو تدبّروا بدقّةٍ في أوضاعهم وظروف حياتهم وقدموا معتقداتهم بأسلوبٍ يكون مفهوماً من قبل الطرف المقابل ويفنّد ادّعاءه الذي يروم منه احتكار السلطة والنفوذ.

2) ينبغي للمواطنين المتديّنين اتّخاذ موقفٍ معرفيٍّ قبال الأصوات الداعية إلى استقلالية المعارف العلمانية عن المعارف المقدّسة الدينية، وفي مقابل الاحتكار المؤسّساتي الذي شاع بعد رواج العلم الحديث في الدوائر الرسمية المحلّية والعالمية.

لو أنّ المتديّنين نجحوا إلى حدٍّ ما في إدراك حقيقة العلاقة بين المعتقدات الثابتة والأصول العلمية، ففي هذه الحالة فلن يواجهوا عقباتٍ أمام تنامي الفكر العلماني ومن ثمّ لا يحدث أيّ تعارضٍ بين متبنّياتهم الفكرية وسائر التوجّهات الفكرية المتقوّمة على النهج العلماني.

3) لا بدّ للمواطنين المتديّنين من بلوغ درجةٍ معرفيةٍ تفسح لهم المجال لإدراك السبب الحقيقي الذي جعل الفكر العلماني يأخذ عصا السبق في شتّى المجالات السياسية والاجتماعية المعاصرة، ومن المؤكّد أنّ نجاحهم في هذا المضمار سيمكّنهم من تحقيق ارتباطٍ وطيدٍ بين النزعة الفردية المستندة إلى مبدأ التساوي بين بني البشر والنزعة الشمولية على صعيد الحقوق والأخلاق العامّة في المجتمعات المعاصرة، ومن ناحيةٍ أخرى سيتسنّى لهم التواصل مع الأصول والنظريات الدينية الشمولية[83].

يرى هابرماس أنّ هذه التحوّلات المعرفية تعين المجتمعات على تحديث التديّن والوعي الديني لدى المواطنين، لذلك اعتبرها السبيل الوحيد لإعانة المجتمعات البشرية المعاصرة على مواكبة التعدّدية الدينية،[84] وقال إنّ علماء الاجتماع المعاصرين اعتبروا هذا التحديث للوعي الفردي والاجتماعي الديني ردّ فعلٍ إزاء ثلاثة تحدّياتٍ تفرض نفسها في العصر الحديث، والتي هي:

1) التعدّدية.

2) رواج العلوم الحديثة.

3) اتّساع رقعة الفلسفة الوضعية والأخلاق غير الدينية[85].

نستنتج مـمّا ذكر أنّ يورغن هابرماس قد اتّبع أسلوباً مشابهاً لما جاء في نظريات سلفه جون رولز، فالمقترحات التي قدمها للمتديّنين لأجل تمكينهم من الإسهام في الخطاب العامّ أشبه ما تكون بالقيود العقلانية المقدّمة من قبل رولز. وفي كتابه (بين الحقائق والمعايير: إسهامات لنظرية جدل القانون والديمقراطية) ربط بشكلٍ صريحٍ بين مفهوم التديّن الحديث والمفهوم الذي أثاره رولز في نظريته العقلانية الشمولية، إذ أكّد أنّ ظروف الحداثة الراهنة قد نجم عنها فقدان الإيديولوجيات الدينية وسائر المعتقدات الميتافيزيقية لأصولها التأسيسية، وبالتالي طالب المتديّنين بالتخلّي عن معتقداتهم حول الحقائق الثابتة والانخراط في ركب الفرضيات العلمانية التي تعدّ غير مصونةٍ من الخطأ وذلك لكي يتمكّنوا من تقديم حقائق تمكّنهم من الخوض في غمار المنافسات المحتدمة بينهم وبين سائر المدارس الفكرية؛ وهذا الأمر دعا له جون رولز أيضاً في إطار نظريةٍ عقلانيةٍ شموليةٍ[86].

إذن، يمكن القول إنّ كلاً من يورغن هابرماس وجون رولز يعتبران العقلانية شرطاً أساسياً لكلّ نظريةٍ شموليةٍ يراد تقديمها في النظام الديمقراطي الليبرالي، وهي في الواقع ذات نمطٍ واحدٍ وصيغةٍ متكافئةٍ لديهما، لذا ليس هناك من يدّعي أنّ عقلانية الأوّل تختلف عن العقلانية التي دعا إليها الثاني؛ لذا يمكن تعريفها وفق متبنّياتهما الفكرية كما يلي: العقلانية تعني الالتزام بمبادئ الحرّية والمساواة، والحكم على أساس دستورٍ مصادقٍ عليه، وعلى ضوء حياد المسؤولين الرسميين، وإقرار القوانين عن طريق التداول الفكري مع جميع الأطراف والمكوّنات الاجتماعية.

استناداً إلى ما ذكر، نستنتج أنّ النظرية الشمولية الحديثة المتقوّمة على أصولٍ علمانيةٍ، هي نظريةٌ تتّسم بإيديولوجيةٍ فاعلةٍ لها القابلية على تطبيق شتّى القيم السياسية.

3) التأمّل الذاتي الهرمنوطيقي لدى المواطنين العلمانيين، والحركة نحو ما بعد العلمانية

إلى جانب أوجه الشبه الموجودة بين آراء الفيلسوفين جون رولز ويورجن هابرماس، هناك أوجه اختلافٍ أيضاً، فالنظريات التي قدمها الأوّل بحاجةٍ إلى تشذيبٍ وإعادة صياغةٍ من جديدٍ لأنّ أخلاق المواطنة التي دعا إليها تحمّل المتديّنين عبئاً كبيراً ولا تلبّي طموحاتهم، كما أنّ حرّيتهم للإدلاء بآرائهم حول مختلف المسائل السياسية حتّى وإن كانت ذات أهميةٍ أخلاقيةٍ برأيه، لكنّها غير مسوّغةٍ ما لم تحظ بتأييدٍ اجتماعيٍّ عامٍّ. وفي مقابل ذلك فإنّ أخلاق المواطنة التي دعا إليها هابرماس هي الأخرى تؤكّد هذه الأمور في إلزاماتها المعرفية، ولكنّها تمتاز بخصوصيةٍ إيجابيةٍ من خلال تقديمها الخطاب الديني بصيغةٍ أكثر يسراً وسلاسةً ومن ثمّ إقحامه في عملية التقنين مـمّا يتيح للمتديّنين الحفاظ على هويّتهم الدينية في الحياة الاجتماعية والسياسية العامّة وصيانتها من الاضمحلال؛ كما أعرب عن قلقه من الآراء المعارضة التي تؤكّد عدم إمكانية مواكبة الدين للحياة المعاصرة وعدم نجاعته في النظام الليبرالي الديمقراطي الحديث، لذلك قال: «الأمر الذي يثير دهشتي بالنسبة إلى هذه الحياة الليبرالية الحديثة يتعلّق باقتراحي حول إعادة قراءة مفهوم المواطنة، فيا ترى هل أنّ هذا المفهوم ما زال سبباً لفرض مسؤولياتٍ لا مسوّغ لها على المواطنين الذين يتبنّون نزعات دينية في مختلف المجتمعات البشرية؟!»[87].

المواطنون العلمانيون عادةً ما يعتبرون اقتضاءات الحداثة ومقرّراتها الإلزامية، أقلّ عبئاً ومشقّةً في حياتهم الاجتماعية والسياسية، وهذا الأمر بطبيعة الحال يعتبر نتيجةً تأريخيةً لتوالي الأحداث والتطوّرات الاجتماعية والسياسية. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ النظريات العلمانية الشمولية غالباً ما تكون متوائمةً مع أوضاع الحداثة وظروفها المختلفة بحيث يتّسع نطاقها دون أيّة هواجس تذكر، لأنّ الكثير منها ليس غريباً على الناس في العصر الراهن الذي هو عصر التعدّدية الفكرية، فضلاً عن ذلك فالكثير من النظريات الدينية الشمولية في العصور السالفة قد اتّسع نطاقها في ظلّ التحجّر الفكري والقيود المفروضة على المعتقدات والآراء. هذه الظاهرة في الحقيقة تدلّ بوضوحٍ على كون الليبرالية ترجّح الفكر العلماني على الديني بشكلٍ ضمنيٍّ، وبالتالي فهي تدعو إلى حياةٍ اجتماعية سياسيةٍ غير عادلةٍ، ولكنّ هابرماس لا يعتقد بذلك بداعي أنّ المواطنين العلمانيين في منظومته الفكرية يتحمّلون جانباً من المسؤولية المعرفية[88].

لقد أكّد هذا المفكّر عدم كفاية الوعي العلماني، ودعا إلى تفهّم أوضاع المتديّنين واحترامهم من قبل المواطنين والمسؤولين العلمانيين، لذا ذكر بعض الآراء والتوجّهات المعرفية التي تدعوهم إلى العمل وفق أصول الترجمة التأسيسية؛ وكما أشرنا آنفاً، فالعملية الاجتماعية التي تتمّ ترجمتها وفق المفاهيم الدينية وتتحوّل إلى لغةٍ اجتماعيةٍ سياسيةٍ عامّةٍ بحيث يتبنّاها الناس وتكون في متناول أيديهم، هي في الواقع تقتضي تعاوناً تامّاً بين المواطنين المتديّنين والعلمانيين، لذا يجب عليهم جميعاً بذل قصارى جهودهم في هذا المضمار لتحقيق الهدف المنشود.

بادر يورغن هابرماس إلى توضيح الاختلافات الموجودة بين مفهومي العلماني والعلمانية على ضوء تعدّد الإيديولوجيات العلمانية واختلافها، إذ إنّ المفهوم الأوّل برأيه يدلّ على ما هو محايد من الناحية الإيديولوجية، في حين أنّ الثاني يشير إلى نمطٍ من الأصولية التثقيفية أو ما يسمّى بالإيديولوجية العلمانية[89] التي لا تلتزم جانب الحياد وتعارض المعتقدات والآراء الدينية بشكلٍ صريحٍ[90].

ومن جملة آراء هابرماس على هذا الصعيد، ما يلي: «ما دام المواطنون العلمانيون يعتقدون بنسخ جميع الأعراف الدينية ويدّعون اضمحلال المجتمعات التي تتبنّاها وتلاشيها عن الحياة الاجتماعية العامّة بعد عصر التنوير الفكري والحداثة؛ فليس من المستبعد أن يصبحوا ضحيةً لرؤيتهم العلمانية البحتة، إذ إنّ المبادئ العلمانية تعتبر الحرّية الدينية مجرّد أداةٍ وقائيةٍ طبيعيةٍ لتلك الأنماط المنقرضة. هؤلاء يعتبرون الدين مفتقراً للمقوّمات الذاتية التي تؤهّله إلى مواصلة حياته في المجتمعات البشرية المعاصرة، ومن هذا المنطلق يبذلون قصارى جهودهم للفصل بين السياسة والكنيسة لتحقيق أحلام العلمانية وصيانة نظام الحكم من سلطة المتديّنين»[91].

الرؤية العلمانية البحتة نجدها تتجلّى بالتمام والكمال[92] في مقالةٍ للمفكّر الغربي ريتشارد رورتي التي دوّنها تحت عنوان (الدين عقبةٌ هشّةٌ في طريق الحوار)[93] إذ أكّد فيها بضرسٍ قاطعٍ رفض إقحام الدين في القضايا السياسية العامّة ودعا إلى تهميشه بالكامل،[94] وعلى هذا الأساس قدم نظرية خصخصته وتقييده عبر تضييق نطاقه. وأمّا هابرماس فقد أكّد أنّ أصحاب هذه الرؤية المتعصّبة تجاه الدين لا يُنتظر منهم التنازل عن متبنّياتهم الفكرية واللجوء إلى التعاليم الدينية لأجل معالجة بعض القضايا السياسية أو التصدّي للمشكلات التي يواجهها المجتمع على هذا الصعيد، كما أنّهم غير مستعدّين لمقارنة رؤيتهم العلمانية مع الأصول الدينية أو الاعتماد على هذه الأصول لإثبات بعض مقوّمات المجتمع العلماني في العصر الحديث. [95] وعلى أساس هذا الاستدلال حاول يورغن هابرماس إزالة تلك الضغوط الإدراكية الناشئة من عدم انسجام المسؤوليات المعرفية الأخلاقية للمواطنة مع فكرة الحظر الديني التي أثارها سلفه جون رولز والتي تعرّضت لانتقاداتٍ لاذعةٍ من قبل معارضيه، إذ رام من ذلك إشاعة أخلاق المواطنة الليبرالية التي قدمها في نظرّيته بين مختلف الشرائح الاجتماعية المتديّنة والعلمانية، ومن ثمّ دعا الباحثين إلى مواصلة طريقه وإكمال نظريته وفق متطلّبات العصر. وفي السياق ذاته قال لو أنّ دعاة المذهب العلماني تطرّقوا إلى عملية الترجمة على ضوء أخلاق المواطنة فلا مناص لهم حينئذٍ من تبنّي وجهةٍ تفسيريةٍ وفق متبنّيات الأديان، إذ إنّ فهم المضمون برأيه يقتضي احترام التعاليم الدينية التي يعتقد بها المتديّنون لكون النزعة العلمانية تؤكّد ضرورة الأخذ بنظر الاعتبار جميع التوجّهات الاجتماعية وبما فيها الدينية، واعتبر النزعة العلمانية الحديثة سبباً في التعصّب العلماني المشهود في المجتمعات الغربية وتجاهل الرأي الآخر[96].

إذن، هذا الكلام يدلّ على أنّ المواطنين غير المتديّنين لا يتورّعون عن التصدّي للأعراف الاجتماعية الدينية الموروثة من السلف والتي سبقت عصر النهضة والحداثة من منطلق اعتقادهم أنّها غير قادرةٍ على مواجهة التغييرات الاجتماعية والسياسية المتسارعة، وعاجزةٌ عن مواكبة التطوّرات الاجتماعية والثقافية الواسعة التي تطرأ في كلّ لحظةٍ؛ لذا طالب هابرماس أولئك الذين يتبنّون نزعةً علمانيةً بالتخلّي عن العمل الحثيث لعلمنة المجتمع بأيّ ثمنٍ كان، أو على أقلّ تقديرٍ تحفيزهم على عدم إصدار آراء عبثية لا يوجد مسوّغ عقلي لها لأجل اتّخاذ القرارات وفق الأصول العلمية الصائبة والشروع بتأسيس نظام ما بعد العلمانية؛ إذ أكّد ضرورة نبذ تلك الآراء التي تعدّ استبداداً فكرياً حديثاً لكونها سبباً في تهميش الدين وعزله عن الحياتين السياسية والاجتماعية، واستنتج أنّ هذه الظاهرة تحرم المدّ العلماني من تسخير الطاقات المعرفية الكامنة في التعاليم الدينية التي تخدم المجتمع ثقافياً وسياسياً، كما أنّها تقطع الطريق على أصحاب النزعة الدينية من تقديم خدماتهم ومعارفهم العقلية الناجعة[97].

خلاصة الكلام هي أنّ هذا المفكّر دعا أصحاب النزعة العلمانية إلى التعاون مع المتديّنين والاعتراف بثراء المعتقدات التي جاءت بها الأديان والإقرار بفائدة مخزونها المعرفي.

لا شكّ في أنّ التلاقح الثقافي والمعرفي الذي يتحقّق عن طريق إجراء حواراتٍ صادقةٍ وبنّاءةٍ لتقصّي الحقائق[98] بين مختلف الشرائح الاجتماعية، يحول دون رواج فكرة أنّ المتديّنين أناسٌ سذّجٌ ومتشدّدون لا يعيرون للعقل أهمّيةً ولا يبالون بمصلحة المجتمع، ومن هذا المنطلق قال هابرماس: «يجب على المواطنين العلمانيين الاعتراف بأنّ عدم انسجام آرائهم مع التعاليم الدينية يعدّ أمراً طبيعياً ولا بدّ بالتالي من العمل على وضع حلٍّ منطقيٍّ له»، وقال أيضاً: «الكثير من المواطنين العلمانيين الذين يتحرّكون نحو مجتمع ما بعد العلمانية يواجهون مشقّةً كبيرةً حينما يبادرون إلى علمنة الوعي الديني ومواجهة التحدّيات المحدقة بهم». [99] بناءً على هذه الآراء استنتج هابرماس ما يلي:

أ - أخلاق المواطنة تقسّم المسؤوليات الاجتماعية والسياسية بشكلٍ متكافئ بين مختلف النظريات المتنافسة، وإثر ذلك لا يشهد المجتمع أرجحيةً مستبدّةً وغير مسوّغةٍ لإحدى الإيديولوجيات على حساب نظائرها.

ب - ضرورة تبنّي المجتمع مبادئ أساسية ومفيدة بغية ترجمة المعتقدات الدينية بأسلوبٍ صائبٍ وبلغةٍ تجعلها ناجعةً ومؤثّرةً في المؤسّسات الديمقراطية.

إذن، نظرية هذا المفكّر الغربي تفسح المجال للمعتقدات الدينية بالتغلغل في النظام الليبرالي الديمقراطي، وتبسط يد المواطنين الذين يتبنّونها في الحياة الاجتماعية والسياسية لكي يكون لهم دورٌ حقيقيٌّ في عملة التقنين.

خلاصة البحث:

نستنتج من جملة ما ذكر في هذه المقالة أنّ بعض المفكّرين الغربيين دعوا إلى إحياء المعتقدات الدينية في ظلّ علم الاجتماع المعاصر لكي تُستثمر من قبل جميع المكوّنات الاجتماعية، ومن أبرزهم بيتر بيرجر وخوسيه كازانوفا، مـمّا جعل يورغن هابرماس يشكّك بالنظرية العلمانية، لذلك تطرّق إلى الحديث عن دور الدين في المجتمع الحديث وفق قواعد فلسفية واعتبره جزءاً من الحياة الاجتماعية العامّة.

الأدلّة المعرفية الاجتماعية التي سيقت لنقد نظرية العلمنة، جعلت هابرماس يقدّم نظريته الشهيرة (ما بعد العلمانية) بهدف إحياء الدين وترقيته في الحياة الاجتماعية العامّة، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن هذه النظرية هي لسان حال جميع المفكّرين المتديّنين والمدارس الفكرية الدينية التي تروم العودة إلى هذه الحياة مهما كانت الظروف المعاصرة.

بدأ يورغن هابرماس أطروحاته الفلسفية حول موضوع إعادة إحياء الدين في المجتمع الحديث من خلال مناقشة آراء المفكّرين الليبراليين وعلى رأسهم سلفه جون رولز، لذلك انتقده وعارض نظرية المواطنة الليبرالية وفكرة حظر الدين التي تدعو إلى تضييق نطاقه اجتماعياً وسياسياً؛ لذلك اقترح في مقابل ذلك فكرة (شرط الترجمة التأسيسية) وصاغها بشكلٍ ينسجم مع أخلاق المواطنة الليبرالية التي يتبنّاها.

كما أكّد أنّ التعاليم والمعتقدات الدينية لها القابلية على أداء دورٍ فاعلٍ في الإطار الاجتماعي السياسي العامّ، فضلاً عن قدرتها على إثبات وجودها بشكلٍ مسوّغٍ ومستدلٍّ.

مصادر البحث:

1) يد الله دادگر - محمّد رضا آرمان مهر، بررسی ونقد مبانی معیار عدالت اقتصادي رالز (باللغة الفارسية)، مجلّة: (پژوهش نامه علوم اقتصادي)، السنة التاسعة، العدد 2، التسلسل 35، 2009 م.

2) عسكر دير باز - هژبر مهري، نسبت نظريه عدالت جان رالز با فلسفه اخلاق كانت وفلسفه حق هگل (باللغة الفارسية)، مجلة: (الهيات تطبيقي)، السنة الأولى، العدد 4، 2010 م.

3) عبد الرحمن عالم، بنيادهاي علم سياست (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات ني، 1998 م.

4) أحمد واعظي، نارسائي قرائت اخلاق رالز از ليبراليسم (باللغة الفارسية)، مجلّة: (علوم سياسي) الفصلية، السنة السابعة، العدد 26، 2004 م.

5) يورغن هابرماس، نظريه كنش ارتباطي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية: كمال پولادي، طهران، منشورات مؤسّسة إيران، 2005 م.



6) Berger،  Peter L. (1967)،  The Sacred Canopy؛ Elements of a Sociological Theory of Religion،  Garden City،  N. Y.: Doubleday.

7) Berger،  Peter L. (1997)،  “Epistemological Modesty: An Interview with Peter Berger”،  The Christian Century،  October 29،  pp. 972- 978.

8) Berger،  Peter L. (1999)،  The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics،  Washington،  D. C.: Ethics and Public Policy Center.

9) Casanova،  Jose (1994)،  Public Religions in the Modern World،  Chicago: University of Chicago Press.

10) Davie،  Grace (1999)،  “Europe: The Exception That Proves the Rule ?” In: Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics،  ed.

11) Peter L. Berger،  Washington،  D. C.: Ethics and Public Policy Center،  pp. 65-83.

12) Delumeau،  Jean (1977)،  Catholicism between Luther and Voltaire: A New View

of the Counter - Reformation،  Philadelphia،  PA: Westminster Press.

13) Eberle،  Christopher J. (2002)،  Religious Conviction in Liberal Politics،  Cambridge،  U. K.: Cambridge University Press.

14) Gorski،  Philip S. (2003)،  “Historicizing the Secularization Debate”،  In: Handbook of the Sociology of Religion،  ed. Michele Dillon،  Cambridge،  U. K.: Cambridge University Press،  pp. 110-122.

15) Habermas،  Jürgen (1996)،  “Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy”،  Studies in Contemporary German Social Thought،  Cambridge،  Mass: MIT Press.

16) Habermas،  Jürgen (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005،  Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November.

17) Habermas،  Jürgen (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press.

18) Habermas،  Jürgen (2008 b)،  “Notes on a Post - Secular Society”،  Signandsight. com. ( http://www. signandsight. com/features/1714. html).

19) Perry،  Michael J. (1988)،  Morality،  Politics،  and Law: a Bicentennial Essay،  New

York: Oxford University Press.

20) R Audi،  N Wolterstorff (1997)،  Religion in the Public Square: the Place of Religious Convictions in Political Debate،  Point / counterpoint. Lanham،  Md: Rowman & Littlefield Publishers.

21) Rawls،  John (1996)،  Political Liberalism،  Columbia University Press.

22) Rawls،  John (1971)،  A Theory of Justice،  Oxford University Press.

23) Rawls،  John (1993)،  “Political Liberalism”،  The John Dewey Essays in Philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press.

24) Rawls،  John (1997)،  “The Idea of Public Reason Revisited”،  In: Political Liberalism،  The John Dewey essays in philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press،  Originally Published in the Chicago Law Review (Summer 1997).

25) Rorty،  Richard (1999)،  Philosophy and Social Hope،  New York: Penguin Books.

26) Weithman،  Paul J. (2002)،  Religion and the Obligations of Citizenship،

Cambridge،  UK: Cambridge University Press.

آرمان زارعي : باحث في الفلسفة ـ إيران.

ـ ترجمة: أسعد مندي الكعبي.

[2] -Samuel Phillips Huntington.

[3] - The Clash of Civilizations.

[4] - Jurgen Habermas.

[5] - Horkheimer.

[6] - Adorno.

[7] - Marcuse.

[8] - هذه المقالة مدوّنةٌ باللغة الفارسية تحت عنوان: (دين وجامعه فراسكولار؛ نقدي بر نظريات هابرماس در باره دين در جهان مدرن).

[9] - Berger،  Peter L. (1967)،  The Sacred Canopy؛ Elements of a Sociological Theory Of  Religion،  Garden City،  N. Y.: Doubleday. pp. 107 - 108.

[10] - Berger Peter (1997)،  “Epistemological  Modesty: An Interview with Peter Berger”،  The Christian Century،  October 29،  p. 974.

[11] - Habermas،  Jürgen (1996)،  «Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy”،  Studies in Contemporary German Social Thought،  Cambridge،  Mass: MIT Press: p. 211.

[12] - German Peace Prize Commission.

[13] - St. Pauls.

[14] - Cloning.

[15] - The Future of Human Nature.

[16] - Benedict XVI.

[17] - Joseph Ratzinger.

[18] - The Dialectic of Secularization: On Reason and Religion.

[19] - Between Naturalism and Religion.

[20] - يورغن هابرماس، نظرية كنش ارتباطي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية: كمال بولادي، ص،  77 – 112 .

[21] - Habermas،  Jürgen (1996)،  «Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy»،  Studies in Contemporary German Social Thought،  Cambridge،  Mass: MIT Press.

[22] - Gorski،  Philip S. (2003)،  “Historicizing the Secularization Debate”،  In: Handbook of the Sociology of Religion،  ed. Michele Dillon،  Cambridge،  U. K.: Cambridge،  University Press: p. 120.  Davie،  Grace (1999)،  “Europe: The Exception That Proves the Rule ?” In: Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics،  ed. pp. 65-83. Thompson،  1971، Delumeau،  Jean (1977)،  Catholicism between Luther and Voltaire: A New View of the Counter - Reformation،  Philadelphia،  PA: Westminster Press.

[23] - Berger،  Peter L.،  (1999)،  The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics،  Washington،  D. C.: Ethics and Public Policy Center.

[24] - Berger،  Peter L.،  (1999)،  The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics،  Washington،  D. C.: Ethics and Public Policy Center،  p. 2.

[25] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press.

[26] - Desecularization of the World.

[27] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press.

[28] - Casanova،  Jose (1994)،  Public Religions in the Modern World،  Chicago: University of Chicago Press.

[29] - Habermas،  Jürgen (2008 b)،  “Notes on a Post - Secular Society”،  Signandsight. com.

(http://www. signandsight. com/features/1714. html).

[30] - Deprivatization.

[31] - Casanova،  Jose (1994)،  Public Religions in the Modern World،  Chicago: University of Chicago Press: pp. 5 - 6.

[32] - Evangelical Protestantism.

[33] - Habermas،  Jürgen (2008 b)،  “Notes on a Post - Secular Society”،  Signandsight. com.

( http://www. signandsight. com/features/1714. html).

[34] - Habermas،  Jürgen (2008 b)،  “Notes on a Post - Secular Society”،  Signandsight. com.

( http://www. signandsight. com/features/1714. html).

[35] - عبد الرحمن عالم، بنيادهاي علم سياست (باللغة الفارسية)، ص 106.

[36] - Rawls،  John (1971)،  A Theory of Justice،  Oxford University Press: p. 3.

[37] - يد الله دادگر / محمّد رضا آرمان مهر، بررسي ونقد مباني معيار عدالت اقتصادي (باللغة الفارسية)، ص 38.

[38] - Political Liberalism.

[39] - عسكر دير باز / هژبر مهري، نسبت نظرية عدالت جان رالز با فلسفه اخلاق كانت وفلسفه حق هكل، مقالة نشرت في مجلة (الهيات تطبيقي)، السنة الأولى، العدد 4،  ص 53.

[40] - يد الله دادگر / محمّد رضا آرمان مهر، بررسي ونقد مباني معيار عدالت اقتصادي (باللغة الفارسية)، ص 49.

[41] - أحمد واعظي، نارسائي قرائت اخلاقي رولز از ليبراليسم، مقالة نشرت في مجلة (علوم سياسي) الفصلية، السنة السابعة، العدد 26، ص 54 - 55.

[42] - Rawls،  John (1996)،  Political Liberalism،  Columbia University Press.

[43] - Habermas،  Jürgen (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005،  Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November. P. 6.

[44] - Common Human Reason.

[45] - Public Reason.

[46] - Reasonable Pluralism.

[47] - Pluralism of Reasonable Comprehensive Doctrines.

Rawls،  John،  (1993)،  “Political Liberalism”،  The John Dewey Essays in Philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press. P. 54.

[48] - Reciprocity.

[49] - Rawls،  John،  (1993)،  “Political Liberalism”،  The John Dewey Essays in Philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press. P. 17.

[50] - Rawls،  John،  (1993)،  “Political Liberalism”،  The John Dewey Essays in Philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press. P. 39.

[51] - Perry،  Michael J. (1988)،  Morality،  Politics،  and Law: a Bicentennial Essay،  New York: Oxford University Press.

[52] - Eberle،  Christopher J. (2002)،  Religious Conviction in Liberal Politics،  Cambridge،  U. K.: Cambridge University Press.

[53] - Weithman،  Paul J. (2002)،  Religion and the Obligations of Citizenship،  Cambridge،  UK: Cambridge University Press.

[54] - R Audi،  N Wolterstorff (1997)،  Religion in the Public Square: the Place of Religious Convictions in Political Debate،  Point/counterpoint. Lanham،  Md: Rowman & Littlefield Publishers.

[55] - Split Identity.

[56] - R Audi،  N Wolterstorff (1997)،  Religion in the Public Square: the Place of Religious Convictions in Political Debate،  Point/counterpoint. Lanham،  Md: Rowman & Littlefield Publishers. P. 105.

[57] - Habermas،  Jürgen،  (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005،

Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November. P. 7.

[58] - Martin Luther King.

[59] - Weithman،  Paul J. (2002)،  Religion and the Obligations of Citizenship،  Cambridge،  UK: Cambridge University Press. P. 45.

[60] - Weithman،  Paul J. (2002)،  Religion and the Obligations of Citizenship،  Cambridge،  UK: Cambridge University Press. P. 45.

[61] - Rawls،  John،  (1993)،  “Political Liberalism”،  The John Dewey Essays in Philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press. P. 126.

[62] - Justificatory Liberalism.

[63] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 130.

[64] - Proviso.

[65] - Institutional Translation Proviso.

Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 130.

[66] - Rawls،  John (1997)،  “The Idea of Public Reason Revisited”،  In: Political Liberalism،  The John Dewey essays in philosophy،  No. 4،  New York: Columbia University Press،  Originally Published in the Chicago Law Review ( Summer 1997). P. 453.

[67] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 130.

[68] - Two - Track.

[69] - Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy.

[70] - Political Will Formation.

[71] - Habermas،  Jürgen (1996)،  «Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy»،  Studies in Contemporary German Social Thought،  Cambridge،  Mass: MIT Press: pp. 183 - 184.

[72] - Habermas،  Jürgen (1996)،  «Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy»،  Studies in Contemporary German Social Thought،  Cambridge،  Mass: MIT Press: pp. 189.

[73] - Habermas،  Jürgen (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005،

Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November. P. 9.

[74] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 131.

[75] - Encapsulation.

[76] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 142.

[77] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 110.

[78] - Modernization.

[79] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 131، 

[80] - Epistemologically.

[81] - Self Reflection.

[82] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 137.

[83] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 137.

[84] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 136.

[85] - Habermas،  Jürgen (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005، 

Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November. P. 10.

[86] - Rawls،  John (1996)،  Political Liberalism،  Columbia University Press. P. 312.

[87] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 138.

[88] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 139.

[89] - Lai’cistic.

[90] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 2 - 3.

[91] - Habermas،  Jürgen (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005،

Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November. P. 11.

[92] - Secularistic.

[93] - Religion as Conversation stopper.

[94] - Rorty،  Richard (1999)،  Philosophy and Social Hope،  New York: Penguin Books. P. 169.

[95] - Habermas،  Jürgen (2005)،  “Religion in the Public Sphere”،  Holberg Prize Laureate 2005،

Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar 29 November. P. 11.

[96] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 138.

[97] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 138 – 139.

[98] - Truth seeking.

[99] - Habermas،  Jürgen،  (2008 a)،  Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays،  Cambridge،  UK: Polity Press. P. 138 – 139.