البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : عبد الوهاب المسيري شاهداً، تهافت مفهومات العلمنة في العالم العربي

الباحث : عبد الوهاب المسيري

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 8

السنة : السنة الثالثة - صيف 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : August / 13 / 2017

عدد زيارات البحث : 73

حجم ملف البحث : 442.705 KB

 تحميل

من الأمور التي زادت مصطلح «العلمانية» غموضاً وإبهاماً بعض المراجعات المهمة التي قام بها بعض المفكرين والباحثين للمصطلح في الشرق والغرب.

في هذا النص للمفكر العربي المصري الراحل عبد الوهاب المسيري سوف نقرأ مراجعة نقدية شاملة لمفهوم العلمانية كما جرى التعامل معه في الغرب وكذلك الكيفية التي تم التعاطي بشأنه بين النخب العربية.

نشير في هذا الصدد إلى أن اختيار المسيري ليكون شاهداً في هذا العدد عائد إلى كونه من أبرز المفكرين العرب الذين قاربوا مفهوم العلمنة واختباراتها في العقود القليلة الماضية.

المحرر

يلاحظ أن مراجعات العلمانيّة والحداثة في العالم الغربي بلغت أبعاداً ربما لم تصلها بين العلمانيين العرب، فلا توجد مراجعة تصل في راديكاليتها إلى ما وصلت إليه، على سبيل المثال، مراجعة (ارفنج كريستول- irving kristol)، المثقف الأميركي اليهودي، الذي يؤكد في دراسة كتبها مؤخراً عن العلمانية أن عملية العلمنة جزء عضوء من عملية التحديث، وهو يصف العلمنة بأنها «رؤية دينية حققت انتصاراً على كلٍّ من اليهودية والمسيحية»، وهو يصرّ على تسميتها «رؤية دينية»، أي رؤية شاملة (على الرغم من رفض العلمانيين ذلك)، لأنها تحتوي مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافزيقية لاهوتية، وفي هذا الدين (العلماني)، يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها (تأليه الإنسان)، كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني، ذلك أن المقدرة على الخلق، التي كانت من صفات الإله، أصبحت في المنظومة الدينية العلمانية من صفات الإنسان، ومن هنا ظهرت فكرة التقدُّم، وهذه العقيدة العلمانية هي الإطار المرجعي لكلٍّ من الليبرالية والاشتراكية.

ويلاحظ كريستول أن معدلات العلمنة ارتفعت إلى أقصى حد في الولايات المتحدة، بل إن العقائد الدينية ذاتها تمت علمنتها، ولم تَعُد عقائدية دينية، بل أصبحت نوعاً من المهدئات النفسية التي تساعد الإنسان على تحمُّل التوترات الناجمة عن العصر العلماني الحديث، ثم يقدِّم تفسيراً لهذه الظاهرة يستند إلى مقدمات فلسفية وتاريخية مفادها أن العقيدة العقلانية للإنسانية العلمانية بدأت تفقد مصداقيتها بالتدرج، على الرغم من هيمنتها الكاملة على مؤسسات مجتمعنا (المدارس والمحاكم والكنائس ووسائل الإعلام)، ويعود هذا ـ بحسب كريستول ـ إلى سببين:

بإمكان الفلسفة العلمانية أن تزودنا بوصف دقيق للمسلمات الضرورية  لتأسيس نسق أخلاقي، ولكنها لايمكنها أن تزودنا بهذا النسق نفسه، فالعقل قادر على تفكيك الأنساق الأخلاقية من منطلق إيماني غير عقلي، والعقل المحض لا يمكن أن يتوصل إلى أن جماع المحارم خطأ (طالما أن مثل هذه العلاقة لا تثمر أطفالاً)، أو أن مضاجعة الحيوانات شرّ (إلا من منظور أنها انتهاك لحقوق الحيوان)، ذلك أنه ليس معروفاً لدينا إن كانت الحيوانات تتمتع بمثل هذه العلاقة الجنسية أو لا.

وبسبب هذه الفوضى الأخلاقية، أصبح من المستحيل علينا تنشئة الأطفال، وظهرت أجيال قلقة لا تجد لنفسها مخرجاً من هذا الوضع (ولذا يتحدث كريستول عن «البربرية العلمانية»).

2 ـ لايمكن البقاء  لمجتمع إنساني إن كان أعضاؤه يعتقدون أنهم يعيشون في عالم لا معنى له، والواقع أننا، ومنذ القرن التاسع عشر (الحركه الرومانسية)، نجد أن الفكر الغربي  ردَّ فعل للإحساس بأن العلمانية أدَّت إلى ظهور عالم لا معنى له، وهي تحاول أن تحُلَّ هذه المشكلة بأن تؤكد للإنسان أنه يسيطر على نفسه وعلى الطبيعة من خلال الاستقلال والإبداع، وهو أمر يراه كريستول مجرد خداع للنفس، ولذا فإن أهم ثلاثة فلاسفة غربين في العصر الحديث لا يؤمنون بالعقيدة الإنسانية (الهويمانية): فنيتشه عدميّ، وهايدجر وثنيّ جديد، وسارتر وجوديّ يشعر بالغثيان الدائم! كما أن التيارات الفكرية السائدة الآن (التفكيكية ومابعد الحداثة) كلها تشعر بالازدراء تجاه الفكر الإنساني الهيوماني.

ثم يشير كريستول إلى أن هذا كله يبين أن من المتوقع تراجُعَ العلمانية وتزايد الانتماء الديني، أي من المتوقع أن يحدث بعث جديد للمسيحية في المجتمع الأميركي، وهو توقُّع أكدت الأحداث صدقه.

أما أجنيس هيلر Agnes Heller فتؤكد أن الحضارة الغربية منذ عصر النهضة قد تلاقى فيها مصدران: المصدر الإغريقي والمصدر المسيحي، وأن هذا التلاقي أدى إلى علمنة الحياة اليومية والمساحة الأخلاقية (وهما الدائرتان الصغيرة والكبيرة). والعلمنة ـ في تصوّرها ـ تفكيك العلاقة بين الإيمان والالتزام والكنيسة (أي الدين)، فلا يعد أحدها شرطاً للآخر، وقد أخذت العلمنة شكل دوران الفلسفة حول مبحث الإنسان، وإدخال مبحث الإله في هذا العالم؛ أي تماهي مبحث الإله في مبحثي الإنسان والطبيعة (الكون)، وهذا ما سميناه «وحدة الوجود الروحية» التي تتحوَّل إلى «وحْدة وجود مادية»، وبالفعل تصف هيلر هذا التماهي بأنه حلولي (بالإنجليزية: بانثيست Pantheist)، وقد وصفت هيلر هذا بأنه يمكن وصفه بأنه أنسنة الفلسفة (بالإنجليزية: أنثروبومورفيزيشن anthropomorphization)، أي أنسنة الكون (وهي المرحلة الإنسانية الهيومانية المتمركزة حول الإنسان في مصطلحنا)، وهو تصوُّر أدى إلى ظهور الإنسان في الطبيعة (أي الإنسان الطبيعي في مصطلحنا).

وقد عبرت هيلر عن الفكرة نفسها بشكل آخر حين ذهبت إلى أن العلمنة هي إحلال أسطورة الأصل الإغرقية  محل أسطورة الأصل الدينية، وقد وصل هذا الاتجاه إلى قمته في الأسطورة البروميثية التي تحاول تأليه الإنسان ( وإلى حد ما أنسنة الإله،بجعله إلهاً حاقداً خائفاً من البشر )

هذا كله أدى إلى إسقاط سؤال نشأة الكون ومصير العالم ليبرز سؤال: ماذا يفعل الانسان في هذا العالم ؟ وما حدود قدرته؟ وبذالك تهاوى النسق المطلق لصالح السياق الاجتماعي الذي تم تكريس نسبيته ونسبية معاييره. وهكذا تراجعت مفاهيم مثل العار والحياة (shame) والانحراف (deviation) بسبب غياب أي معيارية، وحلّ محلها  تحقيق الذات (self-realization) والتنوع (variation) وبالتدريج تم تكريس الجسد كأساس للوجود  والمتعة، وأصبحت الحرية قيمة أساسية. وقد نشأت الحاجة لإيجاد دافع الآن وهنا، وليس مطلقاً / متجاوزاً، هذا الدافع هو الأنانية أو تحقُّق الذات (selfishnes)  وكانت هذه آخر كلمات تختتم بها كتابها الضخم المعنون بـ: رجل النهضة (the  renaissance man) والذي يقع في 450 صفحة.

وعلى الرغم من أن ماكس فيبر Max Weber، عالم الاجتماع الألماني، لم يتوجه إلى قضية العلمانية مباشرةً، فإن من اليسير أن نستخلص رؤيته من جماع كتاباته، والمدخل لفهم عملية العلمنة عند فيبر هو مفهوم الترشيد (بالإنجليزية: راشيوناليزيشن Rationalization)، وحيث إننا سنتناوله بالتفصيل في فصل قادم، فلنكتف بإيراد تعريف فيبر الترشيدَ (المادي) بأنه عملية تزايد الضبط المنهجي على كل مجالات الحياة، على أساس تصوُّرات علمية وقواعد ومبادئ عامة تستبد بالولاءات التقليدية والحماس الكاريزمي والوسائل السحرية والمرجعيات المتجاوزة لعالم الحواس والمادة بل والمبادئ الفردية، بحيث يدرك الإنسان أن العالم يتحرك وفقاً لقوانين عقلانية مادية قابلة للاكتشاف (أي كامنة فيه)، لا وفق قوى غامضة غير محسوبة مستعصية على الفهم، فالترشيد عملية شاملة (الدائرة الكبيرة).

والترشيد عملية تنميط وفرض للنماذج الكمية والبيروقراطية لمراقبة مجالات النشاط الإنساني كلها والتحكُّم فيها، إذ سيتم قياس أداء كل فرد بطريقة رياضية.

والترشيد عملية ستزداد أوتارها إلى أن تصل إلى قمتها الشاملة الإمبريالية فتتم السيطرة على جوانب الحياة كلها ويتحكّم الإنسان في الواقع نفسه، إلى أن يُفرَّغ المجتمع من أية دلالة أو معنى، ويتحوّل إلى مجموعة من المعادلات الرياضية، وبذا تسود المجتمع ككل ظروف المصنع، بمعنى أنه سيصبح منظماً كفئاً يشبه الآلة، وهذه البنية الآلية ستزيد ولا شك من فعالية المجتمع الاقتصادية زيادة كبيرة، ولكنها تهدد الحرية الفردية، وتحول المجتمع إلى قفص حديدي، بخاصة أن الفرد في المجتمع الحديث شخصية هشَّة من الداخل، لا تشعر بالأمن ولا بالمقدرة على التجاوز، فهي لا تقف على أرضية صُلبة من المعنى (وقد وردت تنويعات على عبارة «القفص الحديدي» في كتابات جورج لوكاتش وجورج زيميل، كما أن صورة العالم كقفص حديدي صورة متواترة في الأدب الحداثي).

وقد أدرك فيبر الجوانب المظلمة لهذا المجتمع فوصف عملية الترشيد بأنها «ديس إنتشامنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world، «نزع السحر عن العالم» وفعل «ديس إنتشانت disenchant» باللغة الإنجليزية فعل مبهم، فهو يعني «إزالة الغشاوة»، وهو معنى إيجابي بمعنى أن يرى الإنسان الأمور على ما هي عليه، ولكنه يعني أيضاً «خيبة الأمل والظن»، وهو معنى سلبي بمعنى أن الإنسان حينما يعرف حقيقة شخص ما، وإبهام المصطلح  ـ في تصوُّره ـ مناسب جداً، فهو يصف المشروع التحديثي الغربي الذي بدأ بأوهام الاستنارة المضيئة بأن يعتمد الإنسان على عقله (المادي) وحسب، فيزيل الغشاوات التي تراكمت عليه عبر عصور الظلام السابقة، ويرفض أية غيبيات أو مثاليات أو مطلقات، ليصل إلى الجوهر (الماديّ الحقيقي) للأشياء، وكان المفترض أن يؤدي هذا إلى سعادة الإنسان وسيطرته على نفسه وعلى العالم، ولكن الإنسان حين فعل ذلك وجد أن ما يهيمن هو الواحدية المادية، وأن ما فعله هو تفكيك الإنسان حين رده إلى عناصره المادية، ففقَدَ العالم (الإنسان والطبيعة) سحره وجلاله وجميع عناصره القداسة والسرّ فيه، وأصبح مادة محضاً، وأصبح كل شيء فيه محسوباً، ويمكن السيطرة عليه (ولذا، فإن المُصطلح يُترجم أحياناً بعبارة «خيبة العالم» و«تشيّؤ العالم»، لكل هذا سيكون في وسع هذا المجتمع أن يُجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محددة لهم ومقررة مسبقاً، وأن يدرك ذلك، سيكون همه الأوحد أن يصبح تُرْساً أكبر»، والهدف من هذا كله هو تعظيم المردود من الطبيعة والإنسان من خلال توظيفهما على أحسن وجه في خدمة الهدف الذي يحدده من يقوم بترشيد الواقع.

وقد وصف فيبر هذا المجتمع الجديد في عبارات تنمُّ على تشاؤمه الشديد: «لا أحد يعرف من سيعيش في هذا القفص [الحديدي] في المستقبل، أو لعلّه في نهاية هذا التطوّر الرهيب سيظهر أنبياء جدد تماماً، أو قد تُبعث الأفكار والمثاليات القديمة، أو إن لم يحدث شيء كهذا، سيسود تحجُّرٌ آلي، موشيّ بنوع من إحساس متشنج بأهمية الذات، عن هذه المرحلة الأخيرة لهذا التطوّر الحضاري يمكن أن نقول عن حق: متخصصون لا روح لهم، حسِّيون لا قلب لهم، وهذا اللاشيء سيتصور أنه وصل إلى مستوى من الحضارة لم يصل إليه أحد من قبل».

ونزع السحر عن العالم ودخول العالم القفص الحديدي ليس سوى النتائج الأولى السلبية من منظور فيبر، إذ توجد نتائج أخرى من أهمها أزمة المعنى (والقيمة).

فالإنسان الحديث بعد أن يقوم بترشيد عالمه، وبعد أن تهيمن عليه القوانين العلمية ـ سيكتشف أن عالميه الاجتماعي والخاص قد أصبحا لا معنى لهما، فصياغة القوانين العلمية بدقة بالغة، والمعرفة العلمية والتنظيم الرشيد قد تساعد كلها على التوصل إلى الطرق المناسبة لإنجاز الأهداف الاجتماعية، ولكنها لا تساعدنا على الاختيار بين قيم مطلقة أو أهداف متناقضة أو على اتخاذ قرارات أخلاقية، فالعلم في نهاية الأمر لا علاقة له بقضية اختيار الحياة الفاضلة، فثمة هوَّةٌ شاسعة بين المعرفة العقلانية والحكم الأخلاقي «ولذا، فإن كل ما يمسك به الإنسان دائماً مؤقت وليس محدداً ونهائياً).

وقد وصف فيبر الإنسان الحديث بأنه «يعيش في سهل لا نهائي لا آفاق له: أزلية علمانية خالية من المعنى»، وتصاعد عمليات الترشيد لن يساعد كثيراً، إذ إنها ستؤدي إلى تقسيم (أو تفتيت) حياة الإنسان إلى مجالات مستقلة مختلفة.

وقد طوَّر كثير من المفكرين دراسة هذه الظاهرة (أي ظاهرة الترشيد في الإطار المادي ونتائجها السلبية) وربطوها بظواهر حديثة أخرى، من أهمها ظاهرة الإبادة النازية، فتشير حنا أرنت في كتابها أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر (1963) إلى «السفاح) أيخمان، فتبين أنه لم يكن سوى بيروقراطي عادي تافه، يؤدي ما يوكل إليه من مهام مثل أي موظف في بيروقراطية حديثة، فهو من منظور الترشيد المادي، لم يكن سوى نتيجة منطقية (أو ربما حتمية) لعملية الترشيد المتصاعدة التي تؤدي إلى نزع السمات الشخصية وتقويض الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية الشخصية.

وقد طوَّرتُ هذه الأطروحة في كتابي الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة (1981)، فبيَّنتُ أن «الحضارة الغربية حضارة تكنولوجية تُعلي قيم المنفعة والكفاءة والإنجاز والتقدم مهما كان الثمن المادي والمعنوي المدفوع فيها، وترى أن البقاء للأصلح والأقوى دائماً، وتهمل كثيراً القيم التقليدية «البالية»، مثل البِرِّ بالضعفاء والشهامة والتقوى ومساعدة الآخرين، والنازية حينما أبادت اليهود والعجزة كانت تفعل ذلك لأنهم «غير نافعين»، وموضوع تحويل اليهود إلى شعب منتج كان مطروحاً في أوروبا، في شرقها ووسطها بخاصة، وثمة عدد كبير من يهود ألمانيا «إيست يودين»، أي من يهود شرق أوروبا الذين لفظهم الجيتو، والذين لم تستوعبهم مجتمعاتهم أو أيٌّ من المجتمعات الأوروبية الأخرى، نظراً لتخلفهم الحضاري والاقتصادي، كانوا يُعدّون فائضاً بشريّاً لا نفع له، وقد حاولت ألمانيا التخلص من هذا الفائض الإنساني غير النافع بإرسالهم في قطارات إلى بولندا التي رفضتهم، كما رفضتهم كثير من الدول الأخرى، ومنها الولايات المتحدة التي لم توافق على فتح أبواب الهجرة أمامهم. إن العالم الغربي، برفضه هؤلاء اليهود، أيَّد ضمنياً الجريمة النازية ووافق على منطلقاتهم الفلسفية، حتى وإن لم يوافق على الشكل المتطرّف الذي اتخذته.

«وثمة ظاهرة مشتركة بين النازية والصهاينة (وهي أيضاً سمة أساسية للحضارة الغربية) هي عقلانية الإجراءات والوسائل، ولا عقلانية الهدف، وقد أشار ماكس فيبر إلى هذه الظاهرة في كتاباته، فعملية الترشيد التي يتحدث عنها تنصب على الوسائل والأدوات فحسب، أما الأهداف فهي أمر متروك لاختيار الأفراد.

ومعسكرات الاعتقال والتعذيب، سواء في ألمانيا النازية أو في إسرائيل الصهيونية، مثال جيد على هذا الجانب في الحضارة الغربية، فهذه المعسكرات منظمة بطريقة «منهجية» تُحسب فيها حسابات المكسب والخسارة، وتُحسب المدخلات بطريقة منظمة، ويُقال إنه حتى حينما كان اليهود في طريقهم إلى غرف الغاز لم يكن مسموحاً للجنود الألمان إساءة معاملتهم، فعملية الإبادة ـ هذا النتاج «الرائع» لحضارة العلم والتكنولوجيا، يجب أن تتم بحياد علمي رهيب، يشبه الحياد الذي يلتزمه الإنسان تجاه المادة الصماء في التجارب المعملية التي تتخطى حدود الخير والشر. أما الهدف من معسكرات الاعتقال والإبادة والتعذيب، والمضمون الأخلاقي لهذه الأشياء، ومدى عقلانيتها من منظور إنساني فهذا كله متروك للزعيم أو للدولة، أو للأهواء الشخصية، أو للأسطورة الدينية القومية».

كما تعرَّض للقضية نفسها بشكل مباشر عالم الاجتماع الإنجليزي (من أصل بولندي) زيجمونت باومان في كتابه الحداثة والهولوكوست (1989) وبشكل غير مباشر في كتابه الحياة المتبعثرة (1995)، يرى باومان أن مشكلة المشكلات بالنسبة للحداثة أخلاقية، فقد سقط ملف الأخلاق من الحداثة، مع تزايد النسبية الكاملة.

وعلى الرغم من تحذير ديستويفسكي من أنه «من غير الإله فإن كل شيء يصبح مباحاً»، وتأكيد دوركهايم أنه لو تخلخلت «قبضة» العُرف الاجتماعي لانهارت الأخلاق ـ «فإن العقل الحداثي ظل يؤكد [من غير دليل أو نجاح يُذكر] أن سد هذه الفجوة ممكن، إن لم يكن اليوم فغداً» [الأمر الذي لم يحدث قط!]، ويؤكد باومان أنه ثمة حاجة إلى إله، حتى لو كان الإله إنساناً يسعى للكمال، لأن غياب المتجاوز يعني تسرُّب العبثية إلى كل شيء.

وغياب المطلق الديني ـ في تصوّر باومان ـ أدى إلى التمحور حول «الجسد»، ولكن حين يغيب «ما وراء الجسد» تغيب أيضاً فكرة الجماعة والمجتمع والهُوية الجمعية التي تشترط تجاوزاً للذات/ الجسد، وحين يصير «الجسد» هو المحور، يكون هو أيضاً الهدف عند النزاع، ويكون الحل هو الإبادة.

ثم يثير باومان قضية الإبادة في هذا الإطار في كتابه الحداثة والهولوكوست الذي أورد فيه تلخيصاً لبحث ريتشارد روبنشتاين (ألقي في ندوة عقدت عام 1978 تحت عنوان «المجتمع الغربي بعد الهولوكوست» حاول فيه أن يعيد قراءة أطروحة فيبر عن بعض الاتجاهات في المجتمع الحديث في ضوء تجربة الهولوكوست، فهو يرى أن عرض فيبر البيروقراطية الحديثة والروح العقلانية ومبدأ الكفاءة والعقلية العلمية ووضع القيم في مكان بعيد في عالم الذاتية [بحيث تصبح كل الأمور نسبية] لم يحتوِ في ثناياه على أية آلية يمكنها أن تقف في وجه التطرّف النازي، ويلتقط باومان هذه الأطروحة ويشير إلى بعض سمات البيروقراطية، ويخلص إلى أن الإبادة نبعت من اهتمام حقيقي عقلاني (رشيد) [بحل المشكلات التي واجهها المجتمع] وولَّدتها بيروقراطية متّسقة مع شكلها ومضمونها.

«والثقافة البيروقراطية تجعلنا ننظر إلى المجتمع كشيء يُدار، ومجموعة من المشكلات التي تُحل، وطبيعة ينبغي السيطرة عليها والتحكم فيها وتحسينها وإعادة صياغتها، كما أنني ـ والكلام لباومان ـ أرى أن روح العقلانية الأداتية، وشكلها المؤسسي البيروقراطي الحديث، جعلت «الحلول» على شاكلة الهولوكوست، ليست ممكنة وحسب، بل معقولة إلى حدٍّ كبير»، ثم يشير باومان إلى أيخمان، «الموظف العقلاني»، فيقول: «أيخمان ارتكب أفعالاً يحصل المرء على نياشين من أجلها إن ربح، ويذهب إلى المشنقة إن خسر، فالأفعال ليست أخلاقية أو لا أخلاقية في حد ذاتها» (فالترشيد الأداتي لا يهتم بالأهداف ولا ينشغل إلا بالإجراءات)، ويلخص باومان أطروحته في الكلمات التالية: «إن النازيين قبل أن يبنوا أفران الغاز، حاولوا، بناءً على أوامر هتلر، أن يبيدوا المتخلفين عقلياً والمعاقين (في المجتمع الألماني) من خلال القتل الرحيم (الذي سُمِّي إيوثنيشيا Euthenesia)، وأن يساعدوا على تكاثر الجنس الأرقى من خلال قيام رجال أرقى من الناحية العرقية بتلقيح نساء من المستوى العِرْقي نفسه (الإيوجينيا)، وقتل اليهود [ونحن نضيف: وغيرهم من العناصر غير المرغوب فيها] شأنه شأن هذه المحاولات كلها.. هو تجربة، ضمن تجارب أخرى، في إدارة المجتمع بشكل رشيد، ومحاولة منهجية استهدفت أن يوضع.. العلم التطبيقي وفلسفته ومبادؤه في خدمة المجتمع).

وكان چون كين يُعد من أهم منظري العلمانية، ولكنه ينطلق من منظور ربوبي (بالإنجليزية: ديست deist) أي الإيمان بالإله دون حاجة لوحي، فيما يسمَّى «الدين الطبيعي»، وقد تبنَّى موقف المفكر الربوبي الأميركي توماس بين Thomas Paine الذي دعى في كتابه عصر العقل إلى استيعاب الدين في المجتمع، بحيث يتم الإبقاء على فكرة الإله، لكي تظل مصدراً للأخلاق في المجتمع، مع إلغاء أي دور للأديان فيما عدا ذلك.

ولكن چون كين توصل إلى أن الدعوة الربوبية أخفقت في خلق جو متمسامح يستطيع البشر فيه أن يتعايشوا على الرغم من اختلاف معتقداتهم، كما تمنّى توماس بين، وأن ما حدث هو تقليص دور الدين وإضعافه وهزيمته، ولكن الدكتور كين يرى أن اجتثاث الدين من حياة الناس أمر غير ممكن، وأن العلمانية لم تفِ بوعودها لا في العالم الأول (حيث تنتشر العنصرية والجريمة والنسبية الفلسفية) ولا في العالم الثالث (حيث تحالفت العلمانية مع الفاشية والقوى العسكرية)، ولذا، فقد نحت مصطلح «ما بعد العلمانية» (بالإنجليزية: بوست سيكولا ريزم Post – secularism) على غرار «ما بعد الحداثة» و«ما بعد الأيديولوجيا» وغيرها من المصطلحات التي تتحدث عن الـ «ما بعد» وكلمة «ما بعد» هنا تعني في واقع الأمر «نهاية».. فـ «ما بعد الحداثة» تعني «نهاية الحداثة»، و«ما بعد الأيديولوجيا» تعني «نهاية الأيديولوجيا» (ويظهر هذا في مصطلح «نهاية التاريخ»). ولكن أصحاب هذه المصطلحات آثروا أن يستخدموا الكاسحة «بوست» (ما بعد) ليشيروا إلى أن النموذج المهيمن فقد فعاليته، ولكن النموذج الجديد البديل لم يحل محله بعد. و«ما بعد العلمانية» تعني أن نموذج العلمانية دخل مرحلة الأزمة، ولكن لم يحل محله نموذج آخر.

وقد سكّ أحد النقاد الغربيين مصطلح «العلمانية الفاشيّة) (بالإنجليزية: fascist-secularism)، وهو مصطلح شاع في الآونة الأخيرة في بعض الصحف الغربية للإشارة إلى العلمانية في تركيا، فالمؤسسة العسكرية هناك هي التي تقوم بالدفاع عن «العلمانية» التي تعني في المعجم العلماني التركي «محاربة الدين»، وكي تنجز المؤسسة العسكرية هذا الهدف تلجأ إلى الأساليب الفاشية المعروفة ومنها التهديد بقلب نظام الحكم، وقد ضغطت المؤسسة العسكرية قبل سنوات قليلة، ونجحت بالفعل، في إقصاء حكومة أربكان عن الحكم، على الرغم من أن حزب الرفاه حصل على عدد من أصوات الناخبين يفوق ما حصل عليه أي حزب آخر، أي إن القوى العلمانية في تركيا معادية للديمقراطية، ومن هنا تصدق تسميتها «العلمانية الفاشية».

مراجعة مفهوم العلمانية في العالم العربي

وقد تمت مراجعة مفهوم العلمانية في العالم العربي أيضاً من قِبَل بعض المفكرين العلمانيين والإسلاميين، وهم يشتركون في أنهم يدركون العلمانية باعتبارها رؤية جزئية غير شاملة، ولكن أهم المراجعات الجذرية لمفهوم العلمانية في العالم العربي من قِبَل مفكر علماني هو ما قام به جلال أمين، فهو لم يكتفِ بتعريف العلمانية بطريقة معجمية هزيلة، أو بتعديد مناقبها أو الهجوم عليها، ولم يركن إلى التعريف الشائع بأنها فصل الدين عن الدولة، ولم يكتفِ بدراسة النموذج المجرد دون دراسة الواقع العلماني ذاته، ولم يظلّ قابعاً داخل الدئرة الصغيرة الجزئية، دائرة الإجراءات، بل حاول الوصول إلى الدائرة الأشمل، فدرس جذور العلمانية الفكرية وبنيتها، وقام بتعريفها من خلال رؤيتها المعرفية الكلية، ثم من خلال تجلياتها في مجالات الحياة كافة ابتداءً من عالم الاقتصاد وانتهاءً بحياة الإنسان اليومية.

ومن الواضح أن جلال أمين يرى أن ثمة نموذجاً كامناً وراء منتجات الحضارة الغربية الحديثة ونظمها المعرفية والأخلاقية والسياسية، ولذا، فهو يربط بين العلمانية والاستنارة والحداثة، ويتحدث عن فكر هوبز وداروين وآدم سميث والاستهلاكية باعتبارها ظواهر مترابطة، وهو لا يفعل ذلك صراحةً (فهو يكره التنظير)، ولكن القراءة المتفحصة تبيَّن أن هذا هو ما يفعله، ولا يستخدم جلال أمين كلمة «علمانية» إلا لماماً، ولكن حينما يفعل فإنه يتحدث عن «العلماني الليبرالي والماركسي» باعتبارهما ينتميان إلى المنظومة نفسها ويصدران عن الميتافيزيقا المسبقة نفسها.

ويرى جلال أمين أنه لا مفرّ من اتخاذ موقف ميتافيزيقي ما. وما البدايات الميتافيزيقية ـ في تصوُّره ـ هي التي تفضي إلى النتائج والمقولات المختلفة التي تُكوِّن أيديولوجية ما، وتوجِّه السلوك الإنساني (العلل والمعلولات عند مراد وهبه)، أي إنه يتحرك في الإطار الشامل والنهائي، ولكن جلال أمين لا يؤمن بالتطوّر أحادي الخط ولا بالحداثة الكونية أو الزمانية العالمية.. الخ، فهو يذهب إلى أن البدايات الميتافيزقية تظهر في تراث الإنسان (المصدر الوحيد للإبداع، بمعنى «أنك لا تستطيع تقديم إجابة جديدة حقاً إلا إذا التزمت بموقف ميتافيزيقي مختلف، أو غيَّرت الافتراضات والمسلَّمات التي تَصدُر عنها»).. «يكون البحث الذي يستهدف الإبداع حقاً، بالغوص في مقدمات التراث ومسلماته وما يعامله التراث كبدهيات، والكشف عما لا يزال من خذلك حياً في حياتنا المعاصرة ونمط تفكيرنا»، ويمكن القول إن دراسة جلال أمين في العلمانية تبدأ من الذات.. من همٍّ عربي وأخلاقي وإنساني حقيقي.

ويذهب جلال أمين إلى أن العلوم الإنسانية أبعد ما تكون عن الحياد والموضوعية.. «إن المسألة التي نثيرها هنا ليست مسألة صواب أو خطأ، بل هي مسألة استيراد قيم ومواقف أخلاقية وفلسفية وكأنه «علم» محايد يتجاوز حدود الزمان أو المكان أو الثقافة، ومن ثمَّ، فإن الخطر الذي تتعرض له الأمم «المستوردة» أو «التابعة» خطر مقصور عليها دون غيرها، فهي حين تقوم باستيراد قيم وميتافيزيقا غريبة عنها باسم العلم، إذ بها تتخلى عن قيمها وميتافيزيقاها الخاصة، ليس لصالح العلم، ولكن لحساب قيم وميتافيزيقا أمم أخرى».

ومن الواضح أن من تصدوا لمحاولة تعريف العلمانية لم يتعاملوا مع مسلَّماتها الميتافيزيقية المسبقة، فغالبيتهم الساحقة (مثل هشام صالح ومراد وهبه وعزيز العظمة) تؤمن بعالمية العلم وحياده وبالنماذج أحادية الخط وحتمية التقدم، وبذلك غفلوا عن أن النظريات الاجتماعية الغربية «كثيراً ما تقوم على مسلَّمات مستمدة من مجرد الحدس، أو من موقف ميتافيزيقي أو أخلاقي أو فلسفي قَبْليّ لا يمكن أن يخضع للتمحيص العلميّ، فنحن إذن بقبولنا هذه النظريات لم نقدِّم جانباً إلا ميتافيزيقانا نحن وقيمَنا نحن، واستبدلنا بها ميتافيزيقاهم وقيمهم، ونحن نقبل ذلك باسم التزام المنهج العلميّ في التفكير، فهم إذن يُهرِّبون إلينا مواقفهم وحسَّهم الأخلاقي الخاص مغلّفاً بالنظريات العلمية، وهي مواقف لا علاقة لها بالعلم، فإذا عمد عالم الاجتماع أو الاقتصاد الغربي إلى اتخاذ الفرد بدلاً من الأسرة كوحدة لدراسته، ألا يكون بذلك قد اتخذ موقفاً قيمياً قد نقبله وقد نرفضه؟ فإذا سايرناه في ذلك،على الرغم من أن قيمنا الخاصة قد تتعارض مع ذلك، ألا نكون قد وقعنا في إسار التبعية؟.

ولذا جعل جلال أمين همه كشفَ المنطلقات الميتافيزيقة المسبقة للعلمانية.

وجوهر المنظومة العلمانية في تصوُّره (دون استخدام المصطلح بالضرورة) هو الإيمان بأسبقية المادة على الفكر (والتي يمكن ترجمتها بأنها أسبقية المادة على الإنسان)، وهذا هو حجر الزاوية في الرؤية العلمانية، وعنها تنبثق كل مقولاتها الأخرى، ومنها تصوُّرها للإنسان، ولأنه المادة تسبق الفكر نجد أن العنصر المادي (في أشكال مختلفة) يصبح أهم المكونات، ولذا، فالإنسان حسب هذه الرؤية هو أساساً إنسان اقتصادي، يستجيب بطبعه لمؤشرات الأسعار والنفقات، وهو يهاجر بطبعه إلى حيث يجد أكبر دخل ممكن، ويرى أن من الطبيعي أن يستقل الابن أو البنت عن الأسرة من أجل السعي إلى تحقيق أكبر دخل.

في هذا الإطار يتم تعريف الاقتصاد تعريفاً فنياً تكنوقراطياً ضيقاً، فالجوانب الاقتصادية في الوجود الإنساني هي تلك الجوانب القابلة للقياس، وما يمكن تقديره بالأرقام (أي الإنسان تم تحويله إلى ظاهرة رياضية تنحل إلى أرقام، شيء بين الأشياء)، ومن ثم استبعد من عالم الاقتصاد حاجة الإنسان إلى حد أدنى من الشعور بالأمن والاستقرار، ومن العلاقات الاجتماعية، ومن الاتصال بالطبيعة ومن الثبات في القيم الأخلاقية والاجتماعية السائدة [فهي جميعا غير قابلة للقياس].

ويُلاحظ جلال أمين أننا إذا قبلنا المقدمات الميتافيزيقة لعلم الاقتصاد الغربي، فإن ذلك سيُفضي إلى قبوله مقولاته الاقتصادية والسياسية (التي ستبدو محايدة وبريئة حين يتم عزلها عن أساسها الميتافيزيقي، أي المعرفي، أي الذي يتناول القضايا النهائية والكلية الخاصة بالإنسان).

فمثلاً سنقبل عزل الظاهرة الاقتصادية عن سائر الظواهر الاجتماعية، وتصوُّر إمكانية الوصول إلى حل للمشكلة الاقتصادية مع بقاء الظروف الخارجية، أي الخارجة عن الاقتصاد، على ما هي عليه، كما أننا سنقبل تصور أن الرفاهية الإنسانية قابلة للتجزئة، وسنؤمن بإمكانية تعظيم ما يسمى (الرفاهية الاقتصادية) دون المساس بالرفاهية الإنسانية بوجه عام، وسنتعرَّف المشكلة الاقتصادية، في النظرية الاقتصادية الغربية، بأنها انخفاض مستوى الدّخل بالمقارنة به في الدول الصناعية، وتقاس الرفاهية بمستوى الاستهلاك. واعتبار العمل الإنساني «مشقة» أو «منفعة سالبة» تُحسب ضمن النفقات وتُطرح قيمتها من قيمة السلع المنتجة، واعتبار «الفراغ من العمل» كسباً محضاً يُضاف إلى مجموع الرفاهية الاقتصادية لولا صعوبة حسابه؟ أليست هذه البدايات الميتافيزيقية نفسها هي المسؤولة عن تقديس الفكر الليبرالي للملكية الفردية، وللتكنولوجيا المتقدمة، واعتبار الفكرة القائلة إن أي تقدُّم تكنولوجي ممكن لا بد أن يكون بالضرورة مرغوباً فيه، بيهيةً من البدهيات؟ بل ألا يجوز أن تكون البدايات الميتافيزيقية نفسها هي المسؤولة عن الأهمية المبالغ فيها التي يعلقها الفكر الماركسي على القضايا على الملكية الفردية وكأنها هي الصورة الوحيدة للقهر، وعلى نظام توزيع الدخل وكأن المساواة بين الناس في استهلاك السلع والخدمات هي الشرط الوحيد لتحقيق العدل؟».

ـ من المسلّمات الميتافيزيقية الأخرى في النظرية الاقتصادية الغربية ـ حسب تصوّر جلال أمين ـ نظرية الاستهلاك التي تذهب إلى أن: «هدف المستهلك هو تعظيم الإشباع أو المنفعة، فإذا سألت عن ماهية هذا الإشباع [و الغاية منه] قيل لك: لا شيء غير ما يقرر المستهلك أنه يريده، فهم إذن قد قبلوا كمسلمة من المسلمات، وهرَّبوا إلينا مذهب الفردية،  بمعنى أن كل ما ترغب فيه هو أمر مشروع، أو على الأقل ليس من وظيفة الاقتصادي الاعتراض عليه، ولا يمكن مساءلة المستهلك عن القيمة الأخلاقية أو الاجتماعية لما يريد».

ـ مشكلة الاقتصاد ـ حسب النظرية الاقتصادية الغربية العلمانية ـ هي مشكلة ندرة أو مشكلة التوفيق بين الموارد المحدودة والحاجات غير المحدودة [ويبيِّن جلال أمين أن افتراض أن الحاجات غير محدودة هو الآخر افتراض ميتافيزيقي مسبق].

ـ وتُعرَّف المشكلة الاقتصادية، في النظرية الاقتصادية الغربية العلمانية، بأنها انخفاض مستوى الدخل بالمقارنة به في الدول الصناعية، وتُقاس الرفاهية بمستوى الاستهلاك.

ـ التنمية ليست تحسين نمط الحياة، وإنما هي ارتفاع معدل الادخار والاستثمار ـ تطوير نوعية الإنتاج ـ تكاثُر في السلع والخدمات ـ زيادة الناتج (بغض النظر عما يحدث في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية الأخرى).

ـ قضية العدالة الاجتماعية ليست جديرة بالاهتمام بذاتها، وإنما من منظور أثرها في معدل النمو، ولذا.. إن تدهورت العلاقات الاجتماعية في بلد ما فلا يمكن أن يُعدَّ هذا مؤشراً على التخلف.

ـ العمل الإنساني إن هو إلا عنصر من عناصر الإنتاج على قدم المساواة مع الطبيعة ورأس المال. ولذا، فالعمل مجرد رأس مال بشري قابل للتصدير وحساب منافع تصديره وتكاليفه، كما تُحسَب منافع وتكاليف أية سلعة أخرى.

ـ الطبيعة ذاتها مجرد مادة.. وسيلة لإنتاج السلع.

ـ نتيجةً لما تقدّم.. تم إخضاع كل شيء لمبدأ المنفعة، كما تم تعريف هذه المنفعة تعريفاً مادياً في الأساس يقوم على تعظيم الناتج في عدد وحدود من الموارد.

اعتبار النفع الماديّ المتولد عن تطبيق التكنولوجيا الحديثة أكبر من أي خسارة اجتماعية أو نفسية قد تترتب عليها، ومن ثمّ تهون البطالة في سبيل مضاعفة الإنتاج، فالمادي يسبق الإنسانيّ.

ـ العمل على توليد الطاقة النووية، بغض النظر عن كل أخطارها [على الإنسان]، في سبيل مغانمها المادية.

ـ الاعتقاد أن التكنولوجيا الحديثة قادرة على حل المشكلات الناجمة عن التكنولوجيا القديمة [وهذا إيمان ميتافيزيقي عميق «بقدرة» التكنولوجيا!].

ـ والرؤية المادية نفسها تتضح في عالم السياسة، إذ يتم فصل السياسة عن الأخلاق.

بل يتم فصل الحياة كلها عن الهدف النهائي منها، فيتم تقديس الكفاءة مع إهمال الهدف منها، فالكفاءة هي إنتاج أكبر قدر بأقل تكلفة ممكنة، والقيام بأكبر عدد من الأعمال في أقل وقت ممكن، دون أدنى اهتمام بالآثار التي لا يمكن تقديرها رقمياً أو بالمضمون الخُلقي أو الإنساني لما تم إنجازه، طالما تم إنجازه بكفاءة وبسرعة!

ـ يظهر الانفصال عن أية غائية إنسانية أو أخلاقية في تمجيد السرعة بصرف النظر عن طبيعة العمل الذي تؤديه بسرعة، ومضاعفة سرعة وسائل المواصلات بغض النظر عن جدوى الراحة أصلاً، وما إذا كان المقصود جديراً أو غير جدير بالوصول إليه، وغياب الهدف يظهر في تعريف علم الاقتصاد، فالاقتصادي لا يتدخل في تقويم الغايات (أو الحاجات)، وإنما مهمته تحقيق أكبر كفاءة ممكنة في توزيع الموارد المحدودة على الحاجات غير المحدودة، وفي المجتمع ككل يصبح الهدف تعظيم المنفعة ولتكن المنفعة ما تكون، فالغاية غير مهمة: سعادةً أو لذةً حسية، أو رضا عن النفس، أو منتجاتٍ استهلاكية، أو أفلاماً إباحية.. أو حتى مسدسات لقتل الناس.

ـ ونتيجة هذا كله هو النسبية الأخلاقية، أي اعتبار الأحكام الأخلاقية نسبية وليست مطلقة.

لهذا كله تم تعريف مؤشرات التقدم في إطار ماديّ يُنكر ثمن التقدم، لأن المؤشر إذا كان غير مادي فلا يمكن قياسه (معاداة الطبيعة ـ تمزيق العائلة ـ تنمية البيروقراطية ـ تطوير وسائل التسلّح ـ الإباحية)، ومن ثمّ فهو غير موجود أساساً.

وكما أسلفنا لا يكتفي جلال أمين بالتعامل مع مفهوم العلمانية (دون استخدام المصطلح أحياناً)، وإنما يدرس المتجمعات العلمانية، التي تحقق فيها هذا النموذج إلى حدٍّ كبير. وكعادته يركز على الإنسان، ويذهب إلى أن ما يظهره في هذه المجتمعات هو الإنسان ذو البُعد الواحد.. «رجل الشارع البسيط، محدود الثقافة والتعليم،عادي الذكاء محدود الطموح إلا فيما يتعلق بما يمكن أن يحوزه من سلع، ترضيه القصة البسيطة غير المعقدة، يستهويه تتبع أفلام الجريمة وأخبار الفضائح ما دامت تحدث لغيره. يحب السياحة وأن يشاهد متحف اللوفر وأهرامات مصر لكن لا صبر له على معرفة التاريخ أو التعمق فيه، يفرح بالسيارة الكبيرة كما يفرح الاطفال، يقبل أكثر ما يتلقاه عن طريق التلفزيون أو الجرائد اليومية دون أدنى شكّ في صحة ما يسمع أو يقرأ، هذا الرجل العادي يمثل غالبية سكان العالم في كل بقاع الارض، والحضارة الأميركية هي حضارة الرجل العادي، فهي التي نجحت في الوصول اليه، وإشباع تطلعاته بأكثر مما نجحت أية حضارة أخرى، واتساع السوق الامريكية هو الذي سمح بابتداع فنون الإنتاج الكبير التي تقوم على إنتاج كميات هائلة من السلع المتماثلة وعلى تطبيق درجة عالية من التخصص وتقسيم العمل. ولكن هذا الاتساع نفسه وهذا النوع من فنون الإنتاج كانا هما أيضاً قد طبعا الحضارة الأميركية بكثير من ملامحهما المتميزة كـ: التماثل الرهيب في انماط السلوك والتفكير، وانتشار الموضات، وخضوع المستهلك خضوعاً مستمراً لحملات الدعاية والإعلان، والهالات التي تحيط بنجوم السينما ورجال السياسة. أو «بالبطل» بوجه عام، ويلاحظ جلال أمين سمة أساسية أخرى في الحضارة العلمانية الأميركية وهي محاولتها هزيمة الطبيعة ونزوعها نحو التجريد، فالإنسان لابد أن يتناول لبنا خالياً من الدسم، وسكراً لا يحتوي على أي مادة سكرية، وخبزاً لا يؤدي إلى السمنة، وقهوة لا تحول دون النوم.

إن الثقافة الأميركية هي ثقافة الاستهلاك.. ولكن المستهلك المستهدف «يجب أن يكون بدوره شخصاً عادياً، محدود الثقافة، عاديّ الذكاء، إذ هنا تكمن فرص التسويق الواسع الانتشار، فنمط الثقافة السائد هو النمط الذي يستجيب لنوازع الرجل العادي وميوله، وإذا بالثقافة الرفيعة تتراجع على استحياء إذ لا تجد لها ممولاً، وإذا بوسائل الإعلام تخاطب أبسط غرائز الإنسان ونوازعه لمجرد أنها الأكثر انتشاراً».

«لا عجب إذاً في أن نجد أن أكثر الناس عداً لغزو الحضارة الأميركية لبلادهم هم الثقفون، بينما يتلقفها بسطاء الناس وصغار السن بالرضا والترحيب، ولم تستطع المجتمعات الأوروبية ـ مع ما أحرزته من تقدُّم في الارتفاع بمستوى الثقافة فيها ـ أن تقاوم ما يحمله نمط الثقافة الأمريكية من جاذبية لجماهيرها، فإذا بالبرامج الجادة في التلفزيون تقلُّ عاماً بعد عام، وإذا بالصحف الأوروبية تجاري الصحافة الأميركية في اعتمادها على التشويق والإثارة، وإذا بالمطاعم والمقاهي الأوروبية تتخلى عن المقاعد الوثيرة والخدمة المتأنية لتحلّ محلّها المقاعدُ الطاردة للجالسين عليها وقيام العميل بخدمة نفسه! بل لم يستطع الاتحاد السوفيتي بعد عشرات من السنين من الانغلاق عن العالم أن يمنع شبابه من الانبهار بنمط حياة الأميركي والاقتداء به».

ونظراً لانشغاله بتراثه وحضارته، لا يندفع جلال أمين نحو هذه العولمة والنظام العالمي الجديد وعالم المادة الذي لا يعرف الخصوصية أو القيم، فيُحذِّر من أن الفكرة القومية نفسها قد أخذ مضمونها في الغرب يميل أكثر فأكثر إلى التركيز على المزايا الاقتصادية التي يمكن أن تتحقق من تكوين سوق مشتركة (أي إنها تستند إلى المقولات الميتافيزيقية التي تسبق القومية كأيديولوجية)، ومن ثمّ، زاد الميل إلى التضحية بالخصائص القومية لكل أمة إذا كان في ذلك نفع اقتصادي، فالعنصر المطلق هنا ليس القومية وإنما المنفعة المادية.

وهو يبين كيف تغلغلت هذه المقولات الغربية (التي هي ثمرة حتمية للرؤية المادية) في الفكر القومي العربي، وكيف حققت النماذج التكنوقراطية والكمّية هيمنة على هذا الفكر تدريجاً، فتم على سبيل المثال علمنة المواجهة مع إسرائيل، «فقضية إسرائيل كانت دائما بالنسبة لنا قضية قومية، وليست قضية اقتصادية أو فنية، كانت قضية إسرائيل بالنسبة لنا وحتى وقت قريب جداً قضية طرد شعب لشعب آخر من أرضه، وتهديد مستمر لاستقلال إرادتنا السياسية. كما بيَّنت حروب 48، 56، 1967.. ثم تحوَّلت القضية بالتدريج منذ أواخر الستينات إلى قضية استرداد الأرض المحتلة حديثاً، ثم تحوَّلت في السبعينات إلى قضية استعادة بترول سيناء وإمكانية فتح قناة السويس، بما يحمله الأمر من إمكانية زيادة مواردنا من العملات الأجنبية، إلى أن تحوَّلت إلى قضية تحديد سعر البترول الذي يمكن أن يُباع لإسرائيل، وبدأ الحديث لأول مرة عن المزايا الاقتصادية للتعاون مع إسرائيل بوصفها دولة متفوقة اقتصادياً وتكنولوجياً، وأصبح من الممكن أن تُعطى مشكلات التنمية أولوية حتى على قضية استرداد الفلسطينيين لأرضهم، وأصبحت المسألة كلها خاضعة لحساب النفع والخسارة، ثم تصبح العبرة ما إذا كان البيض الإسرائيلي أرخص أو أعلى سعراً!

«وقد حدث تغيُّر مماثل في موقفنا من قضية الوحدة العربية [إذ تمت علمنتها هي الأخرى]، فالضيق نفسه الذي أصبح يُعبِّر عنه أصحاب الموقف التكنوقراطي من قضية التبعية الاقتصادية والسياسية، أصبح يُعبَّر عنه أيضاً تجاه الوحدة العربية.

فدعوة الوحدة العربية كانت في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية تقوم في الأساس على الدعوة إلى توحيد ما سبقت تجزئته بإرادة الأجنبي، واعتبار الوحدة العربية، السياسية والاقتصادية، النظام الطبيعي الذي طرأ عليه ما أبعدنا عنه ولكن لا بد من العودة إليه، ثم تحوَّلت هذه الدعوة في الستينيات في الأساس، إلى قضية مصلحة سياسية تتمثل في مواجهة الاستعمار وتحرير الإرادة السياسية العربية، وهو ما يمثل بعض التراجع عن الموقف الأكثر قوة، وهو اعتبار الوحدة الأصل واعتبار التجزئة الوضع المصطنع المفتعل، ثم حدث تراجع أكبر في السبعينيات، حتى بصرف النظر عن القطيعة المؤقتة بين مصر والبلاد العربية في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد، إذ اتخذت قضية المصلحة شكلاً اقتصادياً بحتاً، يتمثل في الحصول على معونات وفتح أبواب الهجرة من دولة عربية لأخرى.. وتدفُّق الاستثمارات الخاصة من بلد عربي لآخر، وهكذا تحوَّلت الوحدة العربية على يد هذا الموقف التكنوقراطي إلى مجرد وسيلة لإصلاح العجز في ميزان المدفوعات».

وهو لكل هذا لا يسقط في الاستقطابات الطفولية، فلا يربط الإيمان الديني بالتعصّب والتطرف ومعاداة العلم من جهة، ولا يربط العلمانية بالتسامح وتقبُّل العلم من جهة أخرى، ويبيِّن أنه ربطٌ تعسُّفي ليس له سند من الواقع، فالتعصب الذميم المفجِّر لجميع أنواع الفظائع والمآسي، له أمثلة في التاريخ العلماني لا تقل عدداً ولا قسوة عنه في التاريخ الديني، وهو يضرب مثلاً الإرهاب في الثورة الفرنسية، وما فعله الأوروبيون في مستعمراتهم باسم المدينة، وما شهدته السنوات الأخيرة من فظائع ارتكبت بحق مسلمي البوسنة والشيشان وفلسطين.

وفي المقابل.. يضرب الدكتور أمين أمثلة على أن الاعتقاد الديني والإيمان بالغيبيات لا يؤديان بالضرورة إلى موقف معاد للعلم، ويؤكد أن «المزاد الديني، مثله مثل المزاج الفني، لا يؤدي بالضرورة إلى الخروج من العلم».

وفي تصوُّري قدّم جلال أمين تعريفاً مركباً للعلمانية لأنه لم يقبع داخل الدائرة الجزئية، ولم يحبس نفسه داخل التعريفات الضيقة التي اتسع نطاق الواقع دونها، بل نظر إلى العلمانية نظرة شاملة، وتعامل مع الظواهر الاجتماعية العلمانية المختلفة، ومع أثر العلمانية في مجالات الحياة كافة.

وقد اكتشف كثير من الدارسين العرب، بحكم تجربتهم التاريخية، كثيراً من الجوانب المظلمة للعلمانية، فهناك ابتداءً ارتباط العلمانية بالإمبريالية، فأولى تجارب العلمانية الغربية حركة «الاكتشافات» التي تطوَّرت لتصبح الحركة الإمبريالية التي اشتركت فيها الدول الغربية كلها (وضمن ذلك روسيا القيصرية [في الخانات التركية وبولندا] والولايات المتحدة [في أميركا اللاتينية والفلبين في مرحلة لاحقة] لإبادة الملايين ونهب العالم كلِّه تقريباً، ويمكن في هذا الإطار أن نشير إلى الغزوة الصهيونية لأرض فلسطين، فالصهيونية ـ على الرغم من ديباجاتها كلها في جوهرها حركة داروينية علمانية حوَّلت فلسطين والفلسطينيين إلى مادة استعمالية (تُطرد خارج فلسطين)، بل حوَّلت الجماعات اليهودية في العالم إلى مادة استعمالية أيضاً (تُنقل إلى فلسطين)، وساندتها الإمبريالية الغربية، وهذا كله تم في إطار من العقل الماديّ المطلق، ولم يتوقف مسلسل العنف الإمبريالي (العلماني) حتى الآن، سواء في فيتنام أو البوسنة أو الشيشان أو من خلال نشاط المخابرات الأميركية، سواء في حركة الاغتيالات أو الانقلابات أو مساندة النخب الحاكمة الفاسدة في العالم الثالث.

ويعرف المثقفون العرب بتجربتهم التاريخية أن الصورة الفرنسية التي نادت بالحرية والإخاء والمساواة هي التي أرسلت إليهم قواتها الاستعمارية، وأفرزت عهد الإرهاب وروبسبير، ثم نابليون الذي أرسل جيوش فرنسا لغزو روسيا ومصر وغيرها من البلدان، ثم كانت هناك الثورة البلشفية التي أفرزت ستالين والمذابح التي دبرها والجو الشمولي الذي فرضه على الشعب السوفيتي، والثورة النازية التي طبقت معايير رشيدة مادية صارمة على البشر، واجتثت من تصورت أنهم غير نافعين (useless eaters).. «أفواه تستهلك ولا تنتج بما فيه الكفاية» بحسب المصطلح النازي.

ثم جاءت مرحلة الاستقلال.. ولم يتغيَّر الأمر كثيراً، إذ جاءت نخب محلية علمانية صعَّدت عملية تفكيك أوصال المجتمع بالقضاء على البقية الباقية من الجماعات المدنية، وزادت هيمنة الدولة «القومية» وسطوتها وسطوة مؤسساتها الأمنية، فهي نخب متغربة منفصلة تماماً عن الشعوب التي تحكمها وعن خطابها الحضاري، وقد أسَّست هذه النخب نظماً استبدادية فاسدة قامت باستغلال شعوبها، واستمرت في عملية العلمنة دون تحديث.. وقد تم هذا كله بتأييد دول الغرب العلمانية الديمقراطية.

وقد أدرك هؤلاء الدارسون أن ارتباط مصطلح «العلمانية» بالتسامح واتساع الأفق والتعددية وقبول الآخر والإيمان بالعلم ليس ضرورياً، فهذه مجموعة من القيم يمكن أن يتّسم بها نظام علماني أو غير علماني، ويمكن أن تكون غائبة عنهما.

ولعل مثال إيران وتركيا يبين أن الربط بين العلمانية وهذه القيم الإيجابية ربطٌ تعسُّفيٌ ليس له سندٌ في الواقع. ففي إيران يوجد نظام يتبنى الإسلام رؤيةً للكون ومنهجاً في التعامل مع الواقع، ومع هذا سمح بوجود حيز كبير من الحرية والجدل والصراع «التدافع» في المصطلح الإسلامي، عبر عن نفسه بشكل ملموس في انتخابات الرئاسة حين انتخبت الجماهير مرشحاً لا تدعمه المؤسسة التقليدية الحاكمة ويعبِّر عن إرادة الشباب والنساء وبعض المهمَّشين في المجتمع، فخضعت المؤسسة الحاكمة لاختيار الجماهير، أما تركيا، فيحكمها نظام يتبنّى ـ بصرامة بالغة ـ العلمانية رؤية للكون ومنهجاً في التعامل مع الواقع، ولكن حينما اختار الشعب التركي بإرادته نسبة معقولة من ممثلي التيار الإسلامي الذين لا يعادون العلمانية، وعلى أتم استعداد لأن يعملوا من خلال القنوات السياسية الشرعية، وأن يدخلوا في تحالفات سياسية مع الأحزاب الأخرى، كما هو الحاصل في كل النظم الديمقراطية، حينما حدث ذلك تحركت قوات الجيش باسم العلمانية لتضرب ممثلي الشعب، وتمنعهم من ممارسة سلطاتهم المخولة لهم بحكم الدستور العلماني. ونجحت بالفعل في إقصاء حكومة أربكان، زعيم الكتلة الإسلامية، عن الحكم، على الرغم من أن حزبه حصل على عدد من أصوات الناخبين يفوق ما حصل عليه أي حزب آخر!

وحالة تركيا ليست الوحيدة من نوعها، فهناك أمثلة في الفكر والتاريخ العلماني تبين مدى القسوة التي يمكن أن تصل إليه النظم الحاكمة العلمانية، ففكرة الاقتصاد الحرّ أو اقتصاديات السوق والداروينية الاجتماعية والنيتشوية والعنصرية والنازية.. كلُّها أفكار أو منظومات فكريّة علمانيّة صراعية قتالية، أبعد ما تكون عن التسامح وقبول الآخر، ويضرب جلال أمين مثلاً بالاتحاد السوفيتي، الذي لا شبهة في علمانيته، والذي وقف ضد العلم والحقيقة حين حرّم الاعتقاد بأية حقائق علمية تتعارض والمادية الجدلية، ووأد بحوثاً من شأنها أن تُعلي من تأثير البيولوجيا في السلوك الإنساني على حساب البيئة، كما يشير إلى القومية النازية [العلمانية] التي وقفت ضد أي فكر يتعارض وفكرةَ التفوّق الآري.

مراجعة مفهوم العلمانية من قِبَل التيارين القومي العلماني والإسلامي في العالم العربي

تقبَّل كثير من المفكرين العرب (علمانيين وإيمانيين) الجوانب الإيجابية للمنظومة العلمانية الجزئية، ورفضوا العلمانية الشاملة حتى لا يسقطوا في المادية والعدمية، وحتى لا يتم تقويض الحيز الإنساني بكل ما يحوي من خصوصية وتركيبية، وتأخذ محاولاتهم عادةً شكل تضييق نطاق مصطلح «العلمانية» إلى حدود الدائرة الجزئية، على أن تترك الأمور النهائية وشأنها، قضيةً مفتوحة، وقد أشرنا من قبل إلى تعريفات محمد أحمد خلف الله وحسين أمين ووحيد عبد المجيد وفؤاد زكريا ومحمود أمين العالم، واعتقد أنها جميعاً تندرج تحت هذا التصنيف، والوضع نفسه ينطبق على محمد عابد الجابري، وإن كان يتبع استراتيجية مختلفة، فهو يذهب إلى أن العلمانية جزء من التشكيل الحضاري الغربي الذي يعني «فصل الكنيسة عن الدولة»، وهو لهذا يعتبر أن مفهوم العلمانية غريب عن الإسلام لأنه يرى أن «الإسلام ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة»، وعلى هذا، فالعلمانية ليست قضية في الفكر العربي، ولذا، أكد الجابري ضرورة استبعاد مصطلح «العلمانية» من قاموس الفكر العربي، لأنه لا يُعبِّر عن «الحاجات العربية الموضوعية»، ويرى الاستعاضة عنه بشعاري الديمقراطية والعقلانية، لأنهما يُعبِّران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي، والديمقراطية لديه تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية، وليس عن الهوى والتعصُّب وتقلُّبات المزاج، ويؤكد الجابري أن هذه المفاهيم تتصالح مع الإسلام.. «فالديمقراطية والعقلانية لا تعنيان بصورة من الصور استبعاد الإسلام»! واستراتيجية الجابري هذه هي في واقع الأمر دعوة للوفاق القومي مع محاولة للإصلاح، تؤكد مُثُل الديمقراطية والعقلانية، دون تفكيك لنسيج المجتمع العربي.

ولا تختلف استراتيجية فهمي هويدي للحفاظ على الحيز الإنساني، حيز الدُوية والخصوصية والثوابت والقيم الأخلاقية، عن استراتيجية الجابري، فهو يجعل نقطة انطلاقه ما سماه «المشروع الوطني العام»، وكل من يعمل على إنجاحه، علمانياً كان أم إيماناً، «فهو منا»، أما من يقوِّضه ويفكِّكه فهو خارج الصف، فالمعيار هنا ليس العلمانية أو الإيمانية، وإنما الانتماء إلى الوطن.

ويميِّز فهمي هويدي تيارين علمانيين يسميهما المتطرفين والمعتدلين (وهما يقابلان إلى حدٍّ ما العلمانيين الشاملين والجزئيين في مصطلحنا)، ويعرِّف المتطرفين بأنهم ليسوا ضد الشريعة وحسب، بل ضد العقيدة أيضاً، ولذا، فهم يعتبرون الإسلام «مشكلة» يجب حلها بالانتهاء منها وتجفيف ينابيعها لاستئصالها، أما المعتدلون، فليست لديهم مشكلة مع العقيدة، فهم يعتبرون أن الدين والإسلاميين «حالة» يمكن التعايش معها، إذا ما أقيم حاجز بين الدين والسياسة، للحيلولة دون ما يتصوّرونه «سلطة دينية».

ويرى فهمي هويدي ضرورة قبول شرعية التيار العلماني المعتدل المتصالح مع الدين، وهو التيار الذي يتحفظ على تطبيق الشريعة لا لأنه ضدها، ولكن لأن المنتمين إلى هذا التيار يحسبون أن ذلك التطبيق قد يهدد قيماً معينة يدافعون عنها، مثل الحرية والديمقراطية والمساواة وما إلى ذلك، وهو موقف شريف يتعين فهمه واحترامه، وعلى الإسلاميين ـ والكلام لفهمي هويدي ـ أن يتعاملوا معهم على قاعدة الإعذار أولاً، ثم الحوار ثانياً، لإقناعهم بأن المشروع الإسلامي لا يهدد تلك القيم التي يدافعون عنها، فالدعوة إلى التعامل مع التيار العلماني المعتدل لا يعني بأية حال قبول مشروعه، ولكنها تعبِّر عن حرص على توفير حق التعبير والمشاركة لأصحاب الرأي الآخر، دفاعاً عن صحة المجتمع وسعياً إلى إنجاح المشروع الوطني العام، الذي هو ملك للأمة بمختلف قواها وتياراتها، وليس ملكاً لفصيل سياسي دون آخر.

«إن الإسلام ترك للإنسان حق الاختيار بين الإيمان والكفر (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29). ومن ثمَّ، فلكل واحد أن يعتقد ما يشاء، وحسابه على الله يوم الدين، ولكن ليس لأحد أن يدعو إلى هدم عقيدة الأمة، التي هي رابطتها الجامعة، ومحورُ النظام العام فيها، وإذا كان لكل نظام أن يصون أساسه الذي ارتضته الأمة وأثبتته في دستورها، فمن حق النظام أن يمنع هدم ذلك الأساس، ويحول دون تمكين الساعين إلى ذلك، وهذا ما تفعله النظم الملكية والجمهورية والبرلمانية، والأمر كذلك، فإننا نذهب إلى أن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة ويتلزم بنصوص الدستور المعبِّرة عن ذلك، يصبح من حقه أن يكتسب الشرعية، وأن يكون شريكاً في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي، ينسحب ذلك على مختلف فصائل العلمانيين المعتدلين، سواء كانوا «ليبراليين»، أو قوميين، أو ناصريين، أو ماركسيين، أما أهل التطرّف العلماني، المخاصمون للدين، فلا مكان لهم في إطار الشرعية. إذ إنهم لا يهددون عقيدة المسلمين وحدهم، ولكنهم يهدِّدون الإيمان نفسه، إسلامياً كان أو مسيحياً أو يهودياً»، إن الحوار بين فصائل الأمة المختلفة ممكن في إطار التعريفات الجزئية، أما التعريفات المادية الشاملة فإنها تسقط كل المرجعيات، ولا تخلِّف لنا سوى الصراع في الداخل والتبعية لقوى العولمة في الخارج.

ولعلّ الذين قرؤوا مقال الأستاذ فهمي هويدي لاحظوا أن مطالبة الإسلاميين بتأكيدهم قبولَ التعدُّدية التي تشمل التيار العلماني، كانت موقفاً التقى عليه رأيُ آخرين من أهل الفقه والنظر، في مقدمتهم الدكاترة يوسف القرضاوي وأحمد العسَّال ومحمد سليم العوَّا وعبد الغفار عزيز وسيف الدين عبد الفتاح وأبو العلا ماضي وعادل حسين، ومما يجدر ذكره أن فهمي هويدي ليس وحيداً في موقفه هذا، بل يمكن القول إن هذا الرأي هو الرأي الممثل للتيار الإسلامي الأساسي.

ويمكن أن نضيف إلى الأسماء التي أوردها الأستاذ فهمي هويدي في مقاله الأسماء التالية: راشد الغنوشي (تونس)، بارفيز منظور (باكستان)، عزام التميمي (فلسطين)، أحمد داوود أوغلو (تركيا)، طه جابر العلواني (العراق)، عبد الحميد أبو سليمان (السعودية)، ومجموعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي.. وغيرهم عشرات.

ولعل هذا الموقف المتفتح هو الذي أدّى إلى التقارب بين الإسلاميين والقوميين العلمانيين، وبخاصة بعد أن أدرك القوميون أهمية البُعد الحضاري الإسلامي في المنظومة الحضارية العربية، وأهمية المنظومة الأخلاقية الإسلامية، وقد وضَّح الأستاذ عادل حسين، المفكِّر القومي / الإسلامي، هذا التطوّر في مقال له في جريدة الشعب (1 فبرايل 2000) جاء فه:

«إن الخلافات بين التيارين [القومي والإسلامي] لم تعد واسعة على النحو الذي كان في الخمسينيات وحتى أوائل التسعينيات، فالقوميون المحتفظون بأصالتهم وصلابتهم بهتت عندهم الآن آثار العلمانية والماركسية، التي أبعدتهم إلى حد كبير عن تفهُّم الإسلام على نحو صحيح، وعن الانتماء العميق له باعتباره عقيدةَ الغالبية، وباعتباره التراث الحضاري لأبناء الأمة العربية كافة (مسلمين وغير مسلمين).. وبالنسبة للإسلاميين، فإن القسم الأعظم منهم انخرط في اجتهاد معاصر، ووصلوا من ذلك إلى برامج تحدد الأعداء والأهداف والأولويات، فلم يعد الإسلام عندهم مجرد تذكير بالأصول والأسس العامة، فالاجتهاد المعاصر أصبح معنياً بتنزيل هذه الأسس العامة على المكان والزمان اللذين نعيش فيهما الآن.

«حين حدث هذا التطوّر في أهل التيارين، أصبح القوميون الأُصلاء على أرض الإسلام مسلحين بتجاربهم السابقة، حيث شكّلوا وقادوا دولاً تقارع الحلْفَ الصهيوني الأميركي، وتكافح ضد التخلف التكنولوجي والاقتصادي ومن أجل العدالة الاجتماعية.. وفي المقابل ظهر لدى الإسلاميين المجددين، مع تحديدهم القاطع للأعداء، ومع تحديدهم للأهداف والأولويات أنهم أيضاً أصحاب موقف واضح ضد التخلّف (مثل القوميين) ومن أجل العدالة (وإن تباينت التفاصيل في المناهج)، ويدرك أصحاب التيارين أن سعيهم المشترك لتأسيس حضارة بازغة أصيلة لا يقوم على مسلمي المنطقة وحدهم، فالحضارة الإسلامية إرث لأبناء المنطقة العربية مسلمين ومسيحيين، وبعث هذه الحضارة (بتدينها وقيمها) لا يتحقق ولا يثبت إلا بمشاركة الجميع كمواطنين متكافئين.

«وغني عن البيان أن مفهوم الوحدة العربية أصبح واحداً لدى الفريقين، وأصبح حاكماً لحركة الكل، فلا القوميون (وبخاصة في المشرق) يرون الآن أن الدعوة لوحدة العرب منفصلة عن السعي للتعاون الوثيق مع الدائرة الإسلامية الأوسع، ولا حديث الإسلاميين عن الأمة الإسلامية أصبح يتعارض عندهم مع أولوية الدائرة العربية.. وبهذا الالتقاء في المقصد، فإن فكر التيارين أصبح مناطَ الأمل لتجاوز المتمرّس الحالي حول الدولة القُطرية، التي أصبح التعصب لها عائقاً ثقيلاً في وجه إقامة الدولة العربية الواحدة».

في هذا الإطار تشكَّل المؤتمر القومي الإسلامي، الذي يلخص البيان الختامي لمؤتمره الثالث (عُقد في بيروت في يناير 2000) منطلقاته الأساسية، يتحدث البيان عن «الأمن العربي ـ الإسلامي» وعن «صيغة التفاعل بين قيم الأمة الروحية والحضارة الأصيلة وبين منجزات العصر وثمار تقدُّمه العلمي والتقني، فيما فقد العديد توازنه فضاع بين انغلاق وتقوقع يُسدَّان آفاق المستقبل فيُدخلان الأمة في ظلمات وفتن، وبين التحاق وتبعية يقطعان الاتصال بالجذور». وقد لاحظ المؤتمر تطوُّر العلاقة بين التيارين القومي والإسلامي (وتطوّر هذه العلاقة هو إدراك من جانب القوميين العرب أن القومية التي لا تكملها منظومة قيمية تنكفئ على نفسها، وتصبح مرجعية نفسها، ولا تقبل أية معايير إنسانية أو أخلاقية خارجية، أي إنها تتحول إلى فاشية، كما أدرك الإسلاميون بدورهم أن الأممية الإسلامية لا تجحُبُّ بالضرورة الانتماءات القومية المختلفة).

ويمكن القول إن كثيراً من التيارات المسيحية في الغرب التي تقبل المجتمع الغربي في أساسياته وتعيش فيه وتتفاعل معه، ولكنها تحتج على الاتجاهات العدمية والإباحية فيه، وتحاول التصدي لها ـ قامت في واقع الأمر، وربما بشكل غير واعٍ، بمراجعة مفهوم «العلمانية».. فقد رفضت العلمانية الشاملة، وقامت بتقليص نطاقها حتى تصبح جزئية (الدائرة الصغيرة)، وتفسح الطريق، بحيث يمكن إدخال منظومة قيمية تشكل المرجعية النهائية للمجتمع.

--------------------------------------

عبد الوهاب المسيري : مفكر ومؤرخ عربي راحل ـ جمهورية مصر العربية.



--------------------------------------

 عبد الوهاب المسيري 

سيرة ذاتية علمية فلسفية

• مفكر عربي من مواليد مدينة دمنهور، مصر، في أكتوبر عام 1938م.

• تخرج في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية عام 1959.

• حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية عام 1964

• دكتوراه في الأدب الإنجليزي والأميركي والمقارن، من جامعة رتجرز بنيوجيرزي بالولايات المتحدة الأميركية عام 1969.

• يعتبر واحداً من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيوينة، صدرت له عشرات الدراسات والمقالات عن إسرائيل والحركة الصهيونية. وهو مؤلف موسوعة «اليهود واليهودية والصهيونية»، أحد أهم الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين.

• ترجمت كتبه إلى العديد من اللغات؛ منها: الإنجليزية، الفرنسية، الفارسية، البرتغالية، التركية

• رئيس وحدة الفكر الصهيوني وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام (1970-1975).

• المستشار الثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975-1979).

• أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة عين شمس (1979-1983)، وجامعة الملك سعود (1983-1988)، وجامعة الكويت (1988-1989). وعمل أستاذاً غير متفرغ بجامعة عين شمس (1988-حتى وفاته). كما عمل أستاذاً زائراً بجامعة ماليزيا الإسلامية في كوالا لامبور وبأكاديمية ناصر العسكرية.

• المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن منذ عام 1992.

• عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في ليسبرج في فيرچينيا بالولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1993

• عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية، واشنطن منذ عام 1997

• مستشار تحرير عددٍ من الحَوْليات التي تصدر في مصر وماليزيا وإيران وأمريكا وإنجلترا وفرنسا.

• في يناير 2007 تولى منصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)

• توفى في القاهرة يوم الخميس 3 يوليو (تموز) 2008 عن عمر يناهز السبعين عاما.

• الأعمال المنشورة بالعربية:

- نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني. مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة 1972

- موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية. مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة 1975

- العنصرية الصهيونية: سلسلة الموسوعة الصغيرة، بغداد 1975

- اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1975

- مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي: النصوص الأساسية وبعض الدراسات التاريخية والنقدية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979

- الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأميركية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979

- الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة «جزءان»: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، الكويت 1981

- الغرب والعالم «ترجمة بالاشتراك»: تأليف كيفين رايلي. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، الكويت 1985

- الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية: دراسة في الإدراك والكرامة. منظمة التحرير الفلسطينية، تونس 1987- الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2000

- افتتاحيات الهادئ «ترجمة بالاشتراك»: تأليف ستيفن سوندايم وجون ويدمان. وزارة الإعلام، سلسلة المسرح العالمي، الكويت 1988

- الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية: دراسات في بعض المفاهيم الصهيونية والممارسات الإسرائيلية. مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1990

- هجرة اليهود السوفييت: منهج في الرصد وتحليل المعلومات. دار الهلال، كتاب الهلال، القاهرة 1990

- الأميرة والشاعر: قصة للأطفال. الفتى العربي، القاهرة 1993

- الجمعيات السرية في العالم: دار الهلال، كتاب الهلال، القاهرة 1993

- إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة 1993

- أسرار العقل الصهيوني: دار الحسام، القاهرة 1996

- الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة. دار الشروق، القاهرة 1997

- من هو اليهودي؟: دار الشروق، القاهرة 1997

- موسوعة تاريخ الصهيونية: دار الحسام، القاهرة 1997

- اليهود في عقل هؤلاء: دار المعارف، سلسلة اقرأ، القاهرة 1998

- اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية، الهدامة والسرية. دار الشروق، القاهرة 1998 - الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2000

اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد «ثمانية مجلدات». دار الشروق، القاهرة 1999

- فكر حركة الاستنارة وتناقضاته: دار نهضة مصر، القاهرة 1999

- قضية المرأة بين التحرر والتمركز حول الأنثى: دار نهضة مصر، القاهرة 1999

- نور والذئب الشهير بالمكار: قصة للأطفال. دار الشروق، القاهرة 1999

- سندريلا وزينب هانم خاتون: قصة للأطفال دار الشروق، القاهرة 1999

- رحلة إلى جزيرة الدويشة: قصة للأطفال دار الشروق، القاهرة 2000

- معركة كبيرة صغيرة: قصة للأطفال. دار الشروق، القاهرة 2000

- سر اختفاء الذئب الشهير بالمحتار: قصة للأطفال. دار الشروق، القاهرة 2000

- العلمانية تحت المجهر «بالاشتراك مع الدكتور عزيز العظمة»: دار الفكر، دمشق 2000

- رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية. الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2001.

- الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى: دار المعارف، سلسلة اقرأ، القاهرة 2001

- الصهيونية والعنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى: دار الشروق، القاهرة 2001

- فلسطينيةً كانت ولم تَزَلِ: الموضوعات الكامنة المتواترة في شعر المقاومة الفلسطيني. نشر خاص، القاهرة 2001.

- قصة خيالية جداً: قصة للأطفال. دار الشروق، القاهرة 2001

- العالم من منظور غربي: دار الهلال، كتاب الهلال، القاهرة 2001

- الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيري جديد. دار الشروق، القاهرة 2001

- ما هي النهاية؟: قصة للأطفال «بالاشتراك مع الدكتورة جيهان فاروق». دار الشروق، القاهرة 2001

- قصص سريعة جداً: قصة للأطفال. دار الشروق، القاهرة 2001

- من الانتفاضة إلي حرب التحرير الفلسطينية: أثر الانتفاضة على الكيان الإسرائيلي. عدة طبعات: القاهرة، دمشق، برلين، نيويورك، نشر إلكتروني، 2002م

- أغنيات إلى الأشياء الجميلة: ديوان شعر للأطفال. دار الشروق، القاهرة 2002

- انهيار إسرائيل من الداخل: دار المعارف، القاهرة 2002

- الإنسان والحضارة والنماذج المركبة: دراسات نظرية وتطبيقية. دار الهلال، كتاب الهلال، القاهرة 2002

- مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي: جذوره ومساره ومستقبله. دار الفكر، دمشق 2002

- الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان: دار الفكر، دمشق 2002

- اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود. دار الشروق، القاهرة 2002

- العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة: جزءان، دار الشروق، القاهرة 2002

- أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية، شبه ذاتية شبه موضوعية. دار الشروق، القاهرة 2003

- الحداثة وما بعد الحداثة: «بالاشتراك مع الدكتور فتحي التريكي». دار الفكر، دمشق 2003

- البروتوكولات واليهودية والصهيونية: دار الشروق، القاهرة 2003

- الموسوعة الموجزة: دار الشروق، القاهرة 2003

• الأعمال المنشورة باللغة الإنجليزية:

- A Lover from Palestine and Other Poems:Palestine Information Office, Washington D.C., 1972

- Israel and South Africa: The Progression of a Relationship:North American, New Brunswick, N.J., 1976;

Second Edition 1977; Third Edition, 1980; Arabic Translation, 1980).

- The Land of Promise: A Critique of Political Zionism:North American, New Brunswick, N.J., 1977.

- Three Studies in English Literature: North American, New Brunswick, N.J., 1979

The Palestinian Wedding: A Bilingual Anthology of Contemporary Palestinian Resistance Poetry (Three Continents Press, Washington D.C., 1983).

-A Land of Stone and Thyme: Palestinian Short Stories (Co-editor) (Quartet, London, 1996).