البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : محاولة تعريف بعد العلماني

الباحث : كريستينا شتوكل - Kristina Stoeckl

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 8

السنة : السنة الثالثة - صيف 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : August / 13 / 2017

عدد زيارات البحث : 67

حجم ملف البحث : 353.615 KB

 تحميل

تقترح هذه المقالة تعريفاً لمصطلح «بعد العلماني» Postsecular. إذ تقدّم فَهمين ممكنين: الأول أن "بعد العلماني" يعني إزالة العلمانية de-secularization، ويعني ما يلي العلمنة، أي يعني تغيّراً في النظام يعيد المجتمع إلى الدين. أما الثاني فيقوم على أن بعد العلماني هو شرط للعصرنة والتعايش بين العلماني والدين، وهذا ما يمكن فهمه في أبعاد ثلاثة: معياري، واجتماعي ـ سياسي ـ تاريخي، وفينومينولوجي. وأن لكل من هذه الأبعاد توتّره الخاص: التراث الكانطي مقابل التراث الهيغلي والنموذج مقابل الممارسة في "بعد  العلماني" الاجتماعي ـ السياسي ـ التاريخي؛ والفردي مقابل الجمعي في بعد العلماني الفينومينولوجي.

المحرر

غدا مصطلح «بعد العلماني» Postsecular أو «بعد العلمانية» Postsecularism  شعاراً في المناقشات السوسيولوجية والفلسفية الحديثة. ففي حقليْ – السياسة النظرية -والسوسيولوجيا، يستحدم مصطلح  «بعد العلماني» على نطاق واسع، ويمكن القول بشكل عام، من يستخدمه  هم طبقة من المفكرين العلمانيين الذين يريدون إظهار أنهم منفتحون على المسائل الدينية. هذا التعريف للمصطلح في غاية الغموض، إنه بالتاكيد تعريف مبهم.

تشكّل عبارة «بعد العلماني» جزءاً من اسم مركز الدراسات حيث أعمل  «مركز دراسة المؤسسات السياسية والأديان في المجتمعات بعد العلمانية» “Centre for the Study of Political Institutions and Religions in Postsecular Societies”؛ والمؤتمر الذي ننظّمه حالياً مع الأستاذ هوروزي Horuzhy أيضاً يُشير إلى مصطلح «بعد العلماني»: السياسة والثقافة والدين في العالم بعد العلماني Politics،  culture and religion in the postsecular world. عندما يندرج مصطلح «بعد العلماني» في عنوان هذه الأعمال الأكاديمية، فهذا يعني  التأكيد على أكثر من مجرّد أهمية الدين في عالمنا الراهن.

لذلك وكنوع من التقديم للعمل الذي سننجزه في المؤتمر، ومن أجل الإيضاح العام أسعى في هذه المقالة إلى تعريف مصطلح «بعد العلماني» postsecular.

إزالة العلمانية de-secularization

شاع خلال العشرين سنة الماضية، في العلوم الاجتماعية والسياسية، حديث حول «عودة الدين». مما يعني أن الدين يعلن عن دور وصوت في الفضاء العام الذي كان يفهمه الاتجاه السائد للنظرية السياسية والاجتماعية بأنه فضاء خال من الدين، محايد، ومستقل. يوافق أغلب علماء الاجتماع أن الدين كان في مكان مختلفاً تماماً، في الفضاء الخاص، في الوعي الفردي. تمّ ترسيخ هذا الفهم للدين والعمومية في سردية أوسع، سردية تحدثت عن قصة الحداثة بوصفها قصة الدمقرطة والفردانية والمفاضلة الوظيفية والعلمنة، إذ ساد اعتقاد أن الحداثة تقوم على هذه الأسس الأربعة، بحيث لو زال أحد هذه العوامل الأربعة، نشكّ في أن ما  نتحدث عنه هو الحداثة. لذلك كانت تفسّر «عودة الدين» في بادئ الأمر بأنها هجمة على الحداثة، وأنها رجوع إلى ما قبل الحداثة.

هذا هو بالتحديد معنى «إزالة العلمنة». استخدم المصطلح للمرة الأولى في بداية التسعينيات من قبل بيتر برغر Peter Berger الذي لم يكن فقط مدافعاً قوياً عن أطروحة العلمنة؛ بل كان أول من أقر بأنه كان مخطئاً: «ما زال العالم شديد التديّن كما كان في السابق»[2]. الدين الذي يتحدث عنه برغر في دراسته الحركات الدينية، دين أصولي أولاً وآخراً. إنه قلق من هجمة الأصوليين والدين على النظام الحديث، وعودة ما قبل الحداثة إلى عالمنا المعاصر. بهذا المعنى، يتحدّث برغر عن «إزالة العلمنة».

في المصطلح الهندسي، الـ «إزالة» “de”  تدل على حركة صاعدة ونازلة على محور عمودي، من غير أي حركة على المحور الأفقي. شيئ يصعد ثم يسقط. النظام العلماني الحديث صعد، ثم سقط، فالعالم تعلمن وهو الآن يزيل العلمنة، ويسلك طريقاً رجوعياً إلى الوضع الذي كان فيه سابقاً. وهو الآن معرّض للنموذج قبل الحداثي من الدين. أنا الآن أوافق أن هذا الكلام قد يكون نسخة مبالغاً فيها قليلاً لأطروحة برغر؛ لكنني أريد توضيح الفكرة قدر الإمكان: إزالة العلمنة تعني أن الدين والحداثة متناقضان. فإما أن يكون أحدهما أو الآخر. 

إزالة / بعد de- /post

اعتبر هذا الفهم لعودة الدين في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية محدوداً جداً. هل حقاً هناك تعارض بين الدين والحداثة؟ معظم الدراسات السوسيولوجية لا تقول ذلك مطلقاً[3].  إذاً كيف نفهم «عودة الدين»؟

في هذه النقطة يدخل مصطلح «بعد العلماني» في النقاش. السابقة «بعد»  post تدل على هندسة مختلفة كلياً عن «إزالة» de-تدل «بعد» على حركة على المحور الأفقي والعامودي معاً. إنها تصف حكاية رمزية: الدين في مجتمع بعد علماني ليس هو ذاته في مجتمع قبل علماني. وعودة الدين ليست رجوعاً إلى شيء كان من قبل. فحين نفكر في القبل كحكاية رمزية، نرى الدين الذي يفترض أنه «عائد» قد تغير كذلك.

لهذه الصورة تأثير في سردية الحداثة: فهي لم تعد تقترح أن الأساس الرابع للحداثة ـ العلماني ـ (إلى جانب التفاضل الوظيفي، والفردانية، والدمقرطة) يتحطّم، بل تقرّ أنه يغيّر شكله. فيمكن بعد ذلك أن يكون الدين والحداثة منسجمين.

من هنا، نستنتج الفرق بين «إزالة» و«بعد»: فالأولى تفهم الدين والحداثة كنقيضين، والثانية تفهمهما منسجمين. إن نجاح مصطلح «بعد العلماني» في الخطاب العام كما في الخطاب الأكاديمي يبدو مرتبطاً في هذا التمييز نفسه.

بعد ـ العلماني post - secular

لكن تعريفنا، لا يمكن أن يتوقف هنا. إذاً السؤال التالي الذي أريد أن أثيره هو: هل ينبغي كتابة «بعد - العلماني» أو «بعد العلماني»؟ فهل السابقة (بعد) مفصولة عن الكلمة بواصلة (-أو لا؟ وهل هناك فرق بين الأمرين؟

سأشرح لماذا اعتقد أن هذا السؤال مهم، وأنه ليس مجرّد مسألة شكلية. واقعاً ينبغي أن أضيف أنني أنا نفسي لم أفكر فيه كثيراً إلى أن لفتني زميلي مسيمو روزاتي وهو أيضاً عالم  اجتماع مشارك في مشروع مؤتمرنا، إلى الفرق. كنا نتحدث عن اسم مركز الدراسات حيث نعمل، قال: «كريستينا، علينا أن نقرر إذا كنا سنكتب ما بعد العلماني بواصلة أو لا». فما الفرق؟

أريد أن اقترح أن الواصلة تجعل فرقاً دلالياً semantic. فكلمة بعد - العلماني الموصولة بواصلة تشير إلى أن «بعد-تعني بالحقيقة «تالياً»، تالياً للعلماني، إنها تشير إلى نوع من التعاقب الزمني. كما لو أراد المرء قول: كان المجتمع فيما مضى علمانياً- والآن لم يعد علمانياً. الأمثلة التي ترد على الذهن هي تركيا – التي كانت فيما مضى علمانية أتاتوركية، تركيا الآن التي يحكمها حزب ديني عادت إلى المشهد ـ وكذلك روسيا ـ روسيا السوفيتية فعلت كل شيء لاستئصال الدين(قد تكون سمعت بكتاب صدر حديثاً لبول فرُوْز (Paul Froese) «المؤامرة لقتل الإله. نتائج من التجربة السوفيتية في العلمنة» (The Plot to kill God: Findings From the Sovietic Experiment in Secularization)، والآن، وبعد سقوط الشيوعية، عاد الدين ليتصدر المشهد هناك أيضاً. تشير هذه الأمثلة إلى تعاقب منظّم من العلماني إلى بعد – العلماني، قبل ـ بعد: بعد ـ العلماني كتغيير ـ نظام.

أشعر بإرباك هذا الفهم لـ «بعد-العلماني». وأشعر بأني مربك خصوصاً لأن لدي انطباعاً أن الناشطين الدينيين يسعدهم كثيراً تعريف بعد ـ العلماني بهذا المعنى تحديداً. يصبح تعبير بعد ـ العلماني، من وجهة نظرهم، نوعاً من حالة خلاص أو استرداد، ليس عودة الدين، بل العودة إلى الدين. سأشرح ما أعنيه بذلك:

كمراقب خارجي للكنيسة الأثوذوكسية الروسية، يحصل لي، عادة، انطباع أن الشخصيات الرائدة في الكنيسة، البطريرك كيريل Kirill بذاته أو المطران بالاريون Ilarion، يعرّفون مجتمع بعد-العلماني بهذا المعنى. ويفترضون أن الحداثة العلمانية الغربية اتخذت مجراها، واستنفذت نفسها، وفي الواقع صارت «بعد-الحداثة» و«بعد-العلماني»، وهي الآن جاهزة للعودة إلى الدين.

 لهذا النوع من تفسير التاريخ نهج قديم في روسيا. لقد سبق لـ فيدور دستوفسكي Fedor Dostoevsij وفلاديمير لولوف ايف  Vladimir Solov’ev أن توقّعا العودة إلى الدين في تحليلاتهم للتجربة الغربية الحديثة، عودة قد تقوم فيها المسيحية الأرثوذوكسية بدور «الحافز». بالنسبة لهذين المفكّرين، عملت «الإرسالية» الأرثوذوكسية الروسية بالتحديد لمساعدة الغرب في عودته إلى الجذور المسيحية بعد مرحلة العلمنة، عودة حرة. لقد كانت هذه اللحظة من الحرية تحديداً، لحظة الخيار الحر، هي التي جعلت الحداثة الغربية جذابة في مخيلة الفلاسفة الروس المتدينين، لأنها ألقت الضوء على مأزق الطبيعة الساقطة للإنسان وما فيها من قابليات.

عندما يقول المطران إيلاريون Ilarion إن الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية قاومت «الإلحاد النضالي» (الشيوعية) وهي الآن مستعدة لمقاومة «العلمانية المناضلة»، فهو يشير إلى هذه الموضوعات بالتحديد: الأرثوذوكسية الروسية لها مهمة مقاومة الأيديولاجيات التي تأتي من الغرب، والآن عندما يتحول الغرب إلى بعد - علماني، تبقى على عاتقه أيضاً مهمة إعادة حمل القيم الدينية إلى الغرب. والنشاطات السياسية الحديثة للكنيسة الأرثوذوكسية الروسية التي تخوض حواراً حول القيم التراثية مع مؤسسات حقوق الإنسان الدولية هي مثال جيد على هذا.

بعد العلماني postsecular

الآن، قلت إنني أشعر بالاضطراب من هذا الفهم لـ «بعد – العلماني»؛ أي إن فكرة بعد 
ـ العلمانية تعني تغيرـ النظام. واقعاً، أنا أعتقد أنه فهم خاطئ لما يحدث، وأنا أعتقد أيضاً أنه لا يساعد في جعلنا نثير الأسئلة المناسبة. لذلك أريد اقتراح إلغاء الواصلة من الكلمة، وجعل بعد-العلماني بعد العلماني، لنصل إلى تعريف مختلف ولمجموعة مختلفة من المعاني.

تعريف «بعد العلماني» الذي أريد اقتراحه هنا، يلغي صور التتالي (قبل - بعد، تغيير-النظام). ويعرّف بعد العلماني بوصفه حالة وعي معاصر/ تعايش الرؤى الكونية للدين مع الرؤى العلمانية. إن تعايش الرؤى الكونية الدينية والعلمانية، والتطلعات الدينية والعلمانية حول المجتمع والسياسة، وصِيَغ فهم الديني والعلمانية  لحياة الفرد يخلق توترات. فبعد العلماني حالة من التوتر المستمر. 

يشتمل تعريفي مصطلحَ بعد العلماني المفهوم بهذه الطريقة على ثلاثة موضوعات متمّمة:

بعد العلماني المعياري، بعد العلماني ـ السوسيولوجي ـ التاريخي ـ السياسي، وبعد العلماني الفينومينولوجي.

يتميّز كل واحد من هذه الموضوعات بتوتر داخلي يخصّه. الشيء الذي أريد الإشارة إليه هو أن معنى بعد العلماني يكمن في اختلاف المصطلح في هذه الأبعاد الثلاثة نفسه. لنستفض في الشرح. 

بعد العلماني المعياري: التراث الكانتي مقابل التراث الهيغلي:

ينبغي تسمية بعد العلماني المعياري «بعد العلماني»، لأنه يصف موقفاً فلسفياً معيارياً، هو موقف معياري يقرّ أن العلمانية ذاتها يمكن أن تكون أيديولوجيا. المؤلفون الأساسيون الذين يتبادرون إلى الذهن عند الحديث عن التحول السياسي من العلماني إلى بعد العلماني هم يورغن هابرماس Jurgen Habermas  وويليام كونولي William Connolly، وجون راولز John Rawls [4] 

ما يهمّنا الالتفات إليه بالنسبة للتيّار التفكيري بعد العلماني المعياري هو أنه أولاً، سياسي، وثانياً، من مصدر ليبرالي، ينتمي إذا أردت، إلى تراث كانطي في الفلسفة السياسية. لا يناقش هارماس وراولز المكان الشرعي للدين في الفضاء العام، لأنهم مقتنعون بتفوّق وجهة النظر الدينية، أو لأنهم هم أنفسهم متديّنون. فهم يقدمون حجة منطقية وديموقراطية بسيطة: إن الفضاء العام الذي يمِيز الخطاب العلماني من الخطاب الديني يجازف باستبعاد المواطنين المتدينين وهذا ليس ديموقراطياً.  

هذا تصوّر مختلف كلياً لموضوع الدين عمّا نجده في الفلسفة المحافظة أو  المجتمعية التي تميل للدفاع عن أهمية الدين على أسس أخلاقية.  من أجل التبسيط، يمكننا تسمية هذه المقاربة التراث الهيغلي. نجد في الفلسفة السياسية المعاصرة ممثلين لهذه الطريقة في فهم الدين والسياسة هم الفلاسفة السياسيون المجتمعيون مايكل ولتزر Michael Walzer، ومياكل ساندل Michael Sandel، وشارل  تايلور Charlrs Taylor [5].

يبيّن هؤلاء المؤلفون بالضبط كزملائهم الليبراليين، أن للدين صوتاً شرعياً في الفضاء العام. لكن، سبب موقفهم هذا ليس لأن الدين يجب ألا يستبعد عن الحوار الديمقراطي، بل لأنهم يعتبرون أن الدين مقوّم ضروري للخطاب العام. لكن من جهة أخرى يمكن أن يضاف شيء يحتمل ضياعه: الأخلاق.

بين هذين المسلكين من الفلسفة السياسية المعيارية توتّر غير محدد بشكل جيد في النقاشات المعاصرة. فلو نظرنا إلى بعد العلماني في بعده الليبرالي والكانطي فقط، يصير كامل المشروع الفلسفي  لفلسفة بعد العلماني إلى حد ما هزيلاً جداً، وإجرائياً. حتى هابرماس ذاته لم يتوقف عند هذا الحد، ففي إحدى النقاط يفترض أن الأصوات المتديّنة تحمل محتويات مهمة للحوارات العامة. يبدو أن التحدي الحقيقي أمام الفلسفة السياسية لبعد العلماني يكمن في النظر إلى بعد العلماني ببعده الهيغلي، لإعطائه وصفاً أكثر قوة، وللمجازفة في الانخراط في فلسفة الأخلاق.

باختصار، إن لتعريف «بعد العلماني» المعياري بعدين: بعداً كانتياً وبعداً هيغلياً، بينهما علاقة من التوتر. ولا يمكن اختصار بعد العلماني المعياري بأي منهما، لأنه يكمن في التوتر نفسه.

بعد العلماني السوسيولوجي ـ التاريخي ـ السياسي: النموذج مقابل الممارسة، التعددية:

يُعنَى بعد العلماني السوسيولوجي ـ التاريخي ـ السياسي بالفاعلين وبالمؤسسات. يدرس العلماء في هذه الحقول عودة الدين إلى المجتمع العلماني من خلال النظر إلى العوامل الدينية والعلاقات بين المؤسسات العلمانية والدينية، غالباً على نحو المقارنة[6].

أرى التوتر الأساسي في هذا الحقل بين نماذج العلمانية والممارسة. فسردية الحداثة - التي اعتبرت الاختلاف الوظيفي والفردانية والدمقرطة والعلمانية أسساً أربعة للحداثة- هي نفسها نموذج. فلو دققنا في هذا النموذج مقابل العالم الحقيقي، سوف نكتشف قريباً أن الأمور مازالت أكثر تعقيداً.

سأضرب مثلين فقط:

المثل الأول: أشار هوزيه كازانوفا Jose Casanova أحد السوسيولوجيين الذي يطيب له النماذج السوسيولوجية المقلقة من خلال المعطيات التجريبية إلى مثل: اتفاقية سلام وستفيليا التي أنهت الحروب الدينية التي استمرت لثلاثين عاماً في أوروبا، لم يكن سلاماً بين الأديان، ولا تسوية بين القوى الدينية والعلمانية، بل كان فصلاً محلياً بين القوى الدينية والعلمانية بعضها عن بعض - وهذا ما ترك التوتر بين الطوائف الدينية قائماً. فبالنسبة له، إن كل ما يُقال عن العلمانية بأنها تشكل رداً على العنف الديني، هو خرافة.

المثل الثاني: دقّق عدد كبير من علماء السياسة خلال السنوات الأخيرة في المشهد السياسي العلماني الأوروبي[7]. حيث إحدى القضايا المفضلة المتناقضة والتي تسرد بشكل متكرر هي فرنسا. فمن المفترض أن تكون فرنسا أكثر الدول علمانية على الإطلاق،  مع ذلك فهي تقدم دعماً للمدارس الكاثوليكية الخاصة وتساعد الكاتدرائيات الكاثوليكية. فهل النظام السياسي الفرنسي علماني حقا؟

ماذا نتعلّم من هذه الأمثلة؟ أولاً، إن الفصل بين الدين والدولة هو فصل مشوّش في جميع المسائل تقريباً. ثانياً، قد لا تكمن المشكلة الحقيقية لمجتمعات بعد العلماني في الفصل، بل في التعددية.

عندما نتحدّث عن مجتمعات بعد العلماني من منظور سوسيولوجي وتاريخي وسياسي، علينا أن نتذكّر أنه في عدد من القضايا التي نسمّيها «علمانية» لم تكن «علمانية حقاً»، وأن معظم الأنساق التي نسميها «علمانية» هي في الواقع تكييف للدين المسيحي. ما معنى الحديث عن «بعد العلماني»؟ - أعتقد أن الحديث عن بعد العلماني منطقي بقدر ما نأخذ في الحسبان موضوع التعددية، ووجود الأديان الأخرى - الإسلام والأرثوذوكسية، واليهودية وغيرها... بهذا المعنى، أوروبا اليوم تتغير فعلا، وبسبب الهجرة هنالك حضور كبير للإسلام، ومنذ سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية، صار أيضاً للمسيحية الأرثوذوكسية دور كبير. والبلدان الأوروبية تتحول إلى التعددية الدينية.

في مجتمع بعد علماني، العلاقة بين الدولة العلمانية والأديان تنحو نحواً تعددياً. يصبح لبعد العلماني في الاصطلاحات السوسيولوجية والسياسية معنى حين نفهمه بوصفه مفتاحاً يكشف عن الانحرافات الدينية المخفية ونفهم التعددية.

بعد العلماني الفينومينولوجي: التجربة الفردية مقابل التجربة الجماعية:

فيما يتصل بمصطلح «بعد العلماني الفينومينولوجي»، أريد الإشارة إلى موضوع «التجربة الدينية». شارل تايلور Charles Taylor هو أحد الكتاب الذين لفت انتباه الفلسفة السياسية إلى التجربة الدينية. ففي كتابه A Secular Age بيّن تايلور كيف، في بداية الحداثة في الغرب، أن البحث الإنساني عن التكامل تخلّى تدريجياً عن الإطار المرجعي الديني وصار بحثاً محايثاً. فهو يقول إن العيش في عصر علماني يعني العيش في مجتمع يُفهم فيه الإيمان بالله «كخيار  بين خيارات أخرى، ولا يكون عادة أسهلها اعتناقاً»[8]. غير أن العيش في إطار محايث لا يعني توقّف البشر عن البحث عن الكمال أو التمامية وفقاً لتعبير تايلور.

يعمل الدين راهناً بما في ذلك الكنائس الأرثوذكسية بشكل واسع في مجتمعات غدا فيها الإطار المحايث الإطار المرجعي المسيطر. ما علينا تقديره في حجة تايلور في كتاب A Secular Age هو أنه يقلب النقاش كله حول العلمانية ومجتمع بعد العلماني رأساً على عقب. فبدل الحديث عن «عودة الدين»، يوضح أن الدين ـ وقابلية الإنسان للتجارب الدينية المختلفة ـ لم يتركنا مطلقاً فالكنائس استمرت في شغل مساحة محددة في المجتمع. ما تغير هو أن عدداً كبيراً من البشر يبحثون عن تجربة الاكتمال خارج إطارهم المحايث أو عن طريق الأديان المنظمة.

يكمن التوتر الأول في بعد العلماني الفينومينولوجي في أن: الإطار المحايث لا يحتمل أكثر من وجه. فنحن نعيش في عصر علماني، والدين خيار بين خيارات تجربة فردية أخرى ممكنة في التكامل. من وجهة نظر دينية قد يأسف المرء لذلك أو يجده خطأ، لكنني أعتقد أنه علينا الإقرار بأن هذا واقع.

لكن هناك توتر آخر داخل بعد العلماني الفينومينولوجي، وهذا التوتر الثاني يرتبط بتعريف التجربة الدينية: التجارب الدينية كما وصفها تايلور فردية جداً وعفوية وشخصية: إنها أحداث معزولة وغير اجتماعية. في تركيزه أحادي النظرة على البعد الفردي يعبّر تايلور عن نصف الحقيقة فقط حول التجربة الدينية. ما هو ناقص في تفسير تايلور هو تفكير بالبعد العملي العام للتجربة المتعالية.

يمكن شرح اعتراضي بسهولة أكثر إذا قارنّا مثل تايلور عن التجربة الدينية بتفصيل التجربة والممارسة الدينية في اللاهوت الأرثوذوكسي الموجود في أعمال سرجيج هوروزي Sergej Horuzhy. من منظور دراسات الهسيكازم Hesychasm، التجربة والممارسة الدينية ليست ظواهر اعتباطية، بل هي راسخة في التراث وفي الكتلة الجمعية والكنيسة. إنها تجارب فردية، لكن تجارب فردية أصبحت ممكنة في سياق محدد ومن خلال منهج تحضير مقونن. [9] ليست المعرفة والتجارب المتعالية الذاتية الغنية معرفة فردية، إنها فعل التراث والاجتماع. وهكذا يكون التوتر في بعد العلماني الفينومينولوجي كامناً بين التجربة الدينية الفردية والجمعية.

أعتقد أن هناك بعض المجازفة في أن تراث التفكير الليبرالي بعد العلماني يرى التجربة الدينية بشكل ضيق من منظور الخيار الشخصي، ويهمل أهمية المجتمع والتراث.

خاتمة

ما حاولت فعله في هذه المقالة هو تقديم تعريف لـ «بعد العلماني». حددت أولاً ما هو، برأيي، بعد ـ العلماني وأنه ليس بالتحديد إزالة - العلمانية/ والارتداد إلى قبل ـ الحداثة، ولا إلى بعد ـ العلمانية/ تغييرـ النظام الذي يعيد المجتمع إلى الدين. واقترحت فهم بعد العلماني شرطاً للمعاصرة/ للتعايش بين العلماني والدين، الذي يمكن فهمه في أبعاد ثلاثة: معياري، اجتماعي-سياسي ـ تاريخي، وفينومينولوجي. وقد بيّنت أن كل واحد من هذه الأبعاد يتميّز بتوتّر: تراث كانطي مقابل تراث هيغلي في بعد العلماني المعياري؛ النموذج مقابل الممارسة في بعد العلماني الاجتماعي ـ السياسي ـ التاريخي؛ والفردي مقابل الجمعي في بعد العلماني الفينومينولوجي.

أرى أن مهمتنا بوصفنا باحثين مهتمين بـ «بعد العلماني» هو في استكشاف هذه التوترات. آمل أن المبادرات البحثية مثل المركز الذي أعمل فيه والمؤتمر الذي نحاول تنظيمه سوف توفّر مزيداً من المواد لمصطلح «بعد العلماني». وأعتقد أننا وصلنا إلى نقطة حيث لا نريد مزيداً من الروايات حول «عودة الدين» أو «إزالة ـ العلمانية» في «مجتمعات بعد العلمانية». نحن نحتاج إلى دراسات تدريجية للتوترات التي تحدّد عصر بعد العلماني الذي نعيش فيه.

 (Endnotes)

1 ـ  ولدت كريستينا شتوكل في سالزبرك في النمسا عام 1977. وهي أستاذ مساعد ومسؤولة عن مشروع نزاعات بعد العلماني في كلية علم الاجتماع، في جامعة إنسبروك.

---------------------------------

كريستينا شتوكل : باحث في علم اجتماع الدين.

العنوان الأصلي للمقال:Defining the Postsecular

ـ المصدر:

 http://synergia-isa.ru/wp-content/uploads/2012/02/stoeckl_en.pdf

ـ (قٌدّمت هذه المقالة كمشاركة في ندوة الأستاذ خوروزيج Khoruzhij  في أكاديمية العلوم بموسكو في شباط 2011).

ـ ترجمة: طارق عسيلي. مراجعة: ألبير شاهين.

[2]- Peter L. Berger،  ed. The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics (Washington،  D. C.،  Grand Rapids،  Mich.: Ethics and Public Policy Center؛ W. B. Eerdmans Pub. Co.،  1999).

[3]- José Casanova،  Public religions in the modern world (Chicago: University of Chicago Press،  1994).

[4]- William E. Connolly،  Why I am not a secularist (Minneapolis: University of Minnesota Press،  1999)؛ Jürgen Habermas،  “Religion in the Public Sphere، ” European Journal of Philosophy 14،  no. 1 (2006)؛ John Rawls،  “The Idea of Public Reason Revisited، ” The University of Chicago Law Review 64،  no. 3 (1997).

[5]- Michael J. Sandel،  Public Philosophy. Essays on Morality in Politics (Cambridge (MA): Harvard University Press،  2005)؛ Charles Taylor،  “Justice after virtue، ” in After MacIntyre. Critical perspectives on the work of Alasdair MacIntyre،  ed. John Horton and Susan Mendus(Cambridge،  Oxford: Polity Press،  1994)؛ Michael Walzer،  “Drawing the line. Religion and Politics، ” in Thinking Politically: Essays in Political Theory(New Haven: Yale University Press،  2007).

[6]- Larry Jay Diamond،  Marc F. Plattner،  and Philip J. Costopoulos،  eds.،  World religions and democracy (Baltimore،  Md.: Johns Hopkins University Press،  2005)؛ Alfred Stepan،  “The World’s Religious Systems and Democracy: Crafting the ‘Twin Tolerations’، ” in Arguing Comparative Politics(Oxford: Oxford University Press،  2001).

[7]- John T. S. Madeley and Zsolt Enyedi،  eds.،  Church and State in Contemporary Europe (London: Frank Cass، 2003).

[8]- Charles Taylor،  A Secular Age (Cambridge،  MA: Harvard University Press،  2007)، 3.

[9]- Сергей С. Хоружий،  Синергия: Проблемы аскетики и мистики православия (Москва: Ди-Дик،  1995)؛ Сергей С. Хоружий،  К феноменологии аскезы (Москва: Издательство Гуманитарной Литературы،  1998)؛ Сергей С. Хоружий،  Опыты из русской духовной традиции (Москва: Изд. Парад،  2005).