البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الهرمنيوطيقا المبتورة

الباحث :  أحمد ماجد
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  19
السنة :  السنة الرابعة -ربيع 2020 م / 1441 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 14 / 2020
عدد زيارات البحث :  413
تحميل  ( 450.815 KB )
يعمل الباحث والأكاديمي اللبناني أحمد ماجد على استقراء تأويليّات المفكّر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، ويُبيِّن جملة من العثرات المنهجّية التي وقع فيها خلال متاخمته للنصّ التراثي عموماً والكلام الإلهي على وجه الخصوص. وقد خلص إلى استنتاجات تقيّم مشروع أبو زيد الفكري في منطقة معرفيّة تلفيقيّة بين التأويل الصوفي وما أنجزته الحداثة الغربية على هذا الصعيد. أمّا النتيجة التي توصّل إليها فهي عودة أبو زيد إلى تبنِّي الرؤية التاريخانيّة الماديّة في قراءة الوحي. الأمر الذي يضيف أعماله إلى طائفة الأعمال التي قدّمها رهطٌ من الباحثين العرب والمسلمين وتأثّرت تأثّراً بيِّناً بالقراءات العلمانية المستحدثة للنصّ الدّيني.

المحرر

----------------------------------
يَعتبر «نصر حامد أبو زيد» «الهرمنيوطيقا» قضيّةً قديمةً جديدةً، ساهمت في إعادة تشكيل الرؤية الغربية، ولها وجودها في التراث العربيّ من الممكن تثميره للوصول إلى حلّ لإشكالية النهضة، وهذا ما دفعه إلى تبنّي الحوار الجدليّ بين الثقافتين العربيّة والغربيّة؛ فهذا العلم كما أُنتِج في الثقافة الغربية ويبدو ـ كما يفترض أبو زيد ـ قادرًا على المساهمة في معالجة واقعنا الثقافي بجانبيه التاريخيّ والمعاصر، على أن يَرتِكز على حفظ خصوصيّة الذات وأصالتها وديناميّتها؛ فالحوار الجدليّ: «ليس صيغة تلفيقيّة تُحاول أن تتوسّط بين نقيضين، بل هي الأساس الفلسفيّ لأيّ معرفة، ومن ثمّ لأيّ وعي بصرف النظر عمَّا نرفعه من شعارات أو نتبنّاه من مقولات ومواقف. إنّ أيّ موقف يقوم على الاختيار، والاختيار عمليّة مستمرة من القبول والرفض، أيّ عملية مستمرّة من الحوار»[2]، بالتالي قد تكون «الهرمنيوطيقا» إذا تمّ تبنّيها نتيجة خيار حرّ قادرة على: «أن تضيء لنا بعض جوانب القصور في رؤيتنا»[3].
كما نلاحظ البدايات تشي بمضمرات، أخذت تختبىء خلف المصطلح لتوجد توهّمات لدى القارىء، فيتصوّر أنّ الكلام عن «الهرمنيوطيقا» كان سائدًا في التراث العربيّ – الإسلاميّ، كما قُدِم في الفضاء المعرفي الغربيّ، وهذا يحتاج إلى سبر غور التأسيسات للتأكّد من هذا الكلام، الذي لا يمكن أن يُأخذ باعتباره مسلمة، فإذا كان «أبو زيد» يقصد التقريب بين هذا المصطلح و»التأويل»، فهذا كلامٌ مردود لصاحبه، فالهرمنيوطيقا كما استعملت في الدراسات الفلسفية الحديثة والمعاصرة، لا تمتّ بصلة إلى المصطلح اليونانيّ القديم إلا من ناحية التسمية، فـهي هجرت المعنى التقليديّ، الذي يتمحور حول «هرمس» الذي كان يقوم بإبلاغ رسالة الإله للإنسان بكلّ أمانة وحرفية، وأخذ يتمحور حول المُفسِّر أو المُتلقي، فنحن أمام إعادة تعريف كامل، وإذا انتقلنا إلى التراث العربيّ- الإسلاميّ سيكون الموضوع أكثر تعقيدًا، فكيف يمكن الحديث عن وجود هذا المصطلح بكلّ محمولاته التي قطعت مع الإلهي، وأقامت نظرتها على أرضية محوريّة الإنسان والقطيعة مع الدينيّ والقيميّ؟ ولهذا كلام آخر سنعود إليه لاحقًا، ولكن دعونا نستكمل أسس هذا المشروع، الذي بعد أن ثبّت مفهوم «الهرمنيوطيقا» توجه باتّجاه النصّ. 

1 - مفهوم النّص
يؤكّد «أبو زيد» على وجود رؤية كونيّة مكوِّنة لنظرة الإنسان إلى العالم، فكلّ حضارة تنطلق من خصوصيّتها، وإذا صحّ لنا بكثير من التبسيط أن نختزل الحضارة في بعدٍ واحدٍ من أبعادها لصحّ لنا أن نقول إنّ الحضارة المصرية القديمة هي حضارة «ما بعد الموت»، وإنّ الحضارة اليونانيّة هي حضارة «العقل»، أمّا الحضارة الإسلاميّة فهي حضارة «النص»، وإذا كانت الحضارة العربيّة- الإسلاميّة نصّيّة فهذا يعني أنّها تأويلية؛ لأنّ النّص دون تأويل يفقِد وجوده الحقيقيّ وفعاليّته، فالتأويل هو الوجه الآخر للنّص ومنه يستمد حركته.
مرّة ثانية، يوقفنا «أبو زيد»، ويجعلنا نفكر ونسأل: الناظر إلى الحضارة الإسلامية، يلاحظ بشكل واضح محوريّة التوحيد، فلماذا ذهب باتّجاه النّص؟ هل هو سلوك باتّجاه المقصد والأساس، أم هو وسيلة يسهل استثمارها للوصول إلى نتائج مضمرة؟ هذا ما سيُفصح عنه في طيّات مشروعه، حين يبدأ العمل على تظهير الجانب اللّغوي للنّص، ويبدأ بالتعامل مع المسائل المطروحة انطلاقًا من بعدها التاريخيّ، وكأنّه يعيد إنتاج «طه حسين» من جديد وتشكيكه بالشعر الجاهلي، ولكن حتى لا نحكم عليه بشكلٍ مسبقٍ، لنستكمل تحليله.
يرادف «أبو زيد» بين النّصّ والقرآن والذكر والوحيّ، ولكنّه يعدّ مفهوم «الوحيّ» المفهوم المركزيّ للنّص عن ذاته، حيث يُشير القرآن الكريم إلى نفسه بهذا الاسم في كثير من المواضع، وهذا ما دفعه إلى دراسته لسانيًّا وسيميولوجيًّا وتاريخيًّا، فتوقّف في تحليلاته عند معنى «الوحيّ» قرآنيًّا، كما تفحّص كيفيّة استعماله في حقل التداول الشعري القديم مع الحرص على مطابقة دلالته مع مفردة «الإتصال» وصهرهما في قالب معجميّ واحد؛ وما ذلك إلا لتأكيد أطروحته التي تقول بالتعالق الماهويّ بين ظاهرتي «الوحي» و«الشعر والكهانة». ثم إنّ هذا المعنى متصلٌ بالواقع وعلاقته بالوحيّ، وهي الفكرة التي من خلالها جعل «أبو زيد» القرآن منتجًا ثقافيًّا، يقول في هذا الصدد: «إنّ النّصّ في حقيقته وجوهره منتج ثقافيّ. والمقصود بذلك أنّه تشكّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا»[4]؛ هنا نتلمّس بدايات تفكيك النّص عن أصوله الوحيانيّة عبر فصل بين ماهيّة الوحي المُنزل من الله، وتمثله خارجًا في «كتاب» يرتبط بالإنسان الذي يعيش ثقافة محدّدة وواقع خاص. والواقع هو عبارة عن حركة البشر الذي نزل النّصّ من أجلهم، ومنهم المتلقّي الأوّل وهو الرسول، وأما «الثقافة» فهي اللّغة التي نزل بها القرآن، وعلى ذلك لا يمكن أن نتحدّث عن لغة مفارقة للثقافة والواقع، ولا يمكن من ثّم أن نتحدّث عن نّصّ مفارق للثقافة والواقع أيضًا طالما أنّه نّصّ داخل إطار النظام اللغويّ للثقافة. وإن لجأ أبو زيد إلى تخفيف من حدّة كلامه عبر الحديث عن ألوهيّة مصدر النّصّ، إلا أنّه جعل منه مظهرًا مجسّدًا لا يمكن أن يُنفى عنه الواقع وارتباطه بثقافة البشر، وهذا يعني أنّ النص تشكّل في ظرف تاريخيّ محدّد، وهو يعبر عن ثقافة سائدة، ولا يمكن نقله إلى زمان آخر دون تأويله من جديد انطلاقًا من واقع الإنسان وثقافته المعاشة، وهو عند هذه النقطة لا يتعدّى كونه مرجعًا، يعود القارىء إليه لمراجعة اللغة قبل ارتحالها في الزمان.
إذاً، ينظر «أبو زيد» إلى النّص انطلاقًا من طبيعة اللغة، ولئن كان أعطاه صبغة الخصوصيّة عبر تصنيفه كنّص ممتاز، إلا أنّه أبقاه بين معادلتين هامتين: حركة الواقع وتغيّره. طبيعة النص وتاريخيّته. وعلى هذا الأساس، يرى أنّ: «الواقع هو الأصل ولا سبيل لإهداره، إذ من الواقع تكوّن النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفعالية البشر تتجدّد دلالته، فالواقع أولًا والواقع ثانيًا، والواقع أخيرًا»[5]، وبذلك يصبح النّص ظاهرة متولّدة أساسًا من التاريخ، لكنّها تُعيد إنتاج دلالات أكثر دوامًا، وتلك الدلالات هي التي انبنت عليها الظاهرة الإسلامية. والنظر إلى القرآن نظرة كليّة هو إسقاط أحدثته الظاهرة الإسلامية، هذه الظاهرة بدأت مع الأمويين  بطرح مفهوم الحاكمية: «[و] كلّ ما يشتمل عليه من دعوى فعالية النصوص في مجال الخصومة السياسية وخلافات المصالح، وذلك حين استجاب معاوية لنصيحة ابن العاص وأمر رجاله برفع المصاحف على أسنّة السيوف داعين إلى الاحتكام إلى كتاب الله»[6]. ثم جاءت النزعة الأصولية التي صاغت بنية العقل الإسلاميّ، وهنا يركِّز «أبو زيد» على ثلاثة رموز: «الشافعي» (150-204هـ) و«الأشعريّ» (ت: 330 هـ) و«الغزالي» (ت 505هـ) ودورهم في تأسيس الوسطية، التي تحمل في طيّاتها خصائص التجربة العربيّة الإسلاميّة في التاريخ، فالأوّل قد أسّسها في مجال الفقه والشريعة، والثاني في مجال العقيدة والغزالي في مجال الفلسفة والفكر، إلا أنّه اعتبر «الشافعي» في موقع الريادة بما أنّه الأسبق تاريخيًا، وهو المسؤول عن تقنين أصول الشريعة وفق اتجاه نقليّ، يقوم على تحويل السياقات اللاَّ نصيّة إلى المجال النصيّ؛ الأمر الذي ينتج تقييد الاجتهاد العقليّ وتضييقه بحصره بنّصّ مستحدث، انسياقًا وراء نوازع أيديولوجية. فإذا كان القرآن ـ كما يبيِّن أبو زيد ـ هو النصّ الأوّل والمركزيّ في الثقافة ـ لأنّه استوعب النصوص السابقة عليه كافة- فقد تولّد عنه نصّ «السنة» الذي تمّ تحويله- بفضل الإمام الشافعي ـ من نصّ شارح إلى نصّ مشرَّع، وعن النصّين معًا تولّد نصّ الإجماع ـ الذي صار نصاً مشرَّعاً أيضاً ـ ثم جاء القياس ليقنِّن عملية «توليد النصوص». وإذا أخذنا من مجال علم الفقه وحده شاهدًا على سيادة توليد النصوص في الثقافة العربية، فسنجد أنّ عصر سيادة التقليد فيه بدأ في منتصف القرن الرابع الهجري تقريبًا. ولم ينجُ من هذا المصير الفقه الحنفيّ ذاته على يدي تلميذي أبي حنيفة ـ أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيبانيّ ـ الّلذين حولاَّ المذهب من عقلانية الأستاذ إلى النصوص، وذلك بحكم ارتباطهم بالسلطة العباسية[7].

وهكذا، يمكن الحديث عن مصادرة النّص لصالح النصوص الثانوية، بالتالي توحّد نصوص التراث بالدين وتحولهما إلى عنصرين مقدسين. بمعنى تحوّل التراث إلى نصّ من الدرجة الأولى، وتقتصر مهمة العقل معه على التكرار والشرح والترديد، وهذا ما أدى إلى ركود ثقافيّ أنتج ركوداً اجتماعياً تعزز نتيجة عاملين:
- التباس مفهوم الدولة وعدم وجود آلية واضحة لحركة السلطة فيها، حيث لم يشهد التاريخ الإسلاميّ انتقالاً سلميًّا للسلطة فيه، فالدولة في الإسلام قد تحوّلت إلى قبيلة يترأسها شخص أعلى يربط نفسه دائمًا بالتاريخ والماضي لنيل المشروعية.
- التباس العلاقة بالآخر، فالمجتمعات العربية جعلت آحادية المرجعية المستندة إلى النصوص؛ الأصل الذي تعتمد عليه في حركتها والمنتج لكلّ معرفة وسلوك وممارسة، وعندما جاء الغربي عمَّم هذه الصورة وثبتَّها، فأصبح المسلم يستعيد ماضيه ليربطه بحاضره، فيقوم بعمليات تقريب بين التراث والواقع الحضاري، وهذا ما أدّى إلى عدم معالجة حقيقية للمشاكل التي يعاني منها المجتمع الإسلاميّ.
وهكذا لم تستطع النهضة بكلّ مفرداتها من زعزعة هذا الواقع، خاصة أنّ الخطاب النهضويّ بدلاً من سعيه إلى تحليل أسباب تقهقر الأمّة العربية- الإسلامية وتخلّفها، راح يستخدم لغة نفعيّة، فرّقت بين النهضة كواقع معاش والعناصر المعرفيّة المؤسّسة له، فأقرّت الأخذ بالجانب التقنيّ من الغرب وأبقت على العناصر التقليدية حيّة، وهذا ما أوجَد خللًا لم يسمح بحصول تقدّم حقيقيّ، فبقي كلّ شيء يعاني من خلل. فالدولة التي رفعت شعار التحديث وجدت نفسها في أزمة مَا أدّى بها للعودة إلى الخطاب الإسلاميّ لتبني مشروعيّتها عليه، وهذا ما جعلها تحرص في صياغة قوانينها على البعد الدينيّ والحصول على موافقة المؤسّسة الدينيّة، بل وتتبنّى في نظامها الاقتصادي مفاهيم «الاقتصاد الإسلاميّ»، الذي يحتلّ ركنًا خاصًا داخل كلّ البنوك. وصار هناك الزيّ الإسلامي، والشعار الإسلاميّ، والبرامج الإسلاميّة، في الإذاعة والتلفزيون، وصار بعض الناس يحملون لقب «المفكّر الإسلاميّ». الخطر هنا يكمن في أنّ هذه الأسلمة، لا هدف وراءها سوى سحب بساط احتكار الإسلام من تحت أقدام المعارضة. يمكن القول باختصار إنّ النظام السياسي يسجن نفسه في خندق المعارضة الإسلامية، وهو يظنّ أنّه يحاربها. فالإسلامويّة انتصرت بأسلمة المجتمع والدولة، من دون الوصول إلى السلطة[8]، وهذا ما يدعو إلى إعادة نظر جذريّة في المشروع النهضويّ، من خلال قراءة نقديّة حقيقية. هكذا بدأ المشروع يفصح عن نفسه، حيث نلاحظ أنّ «أبو زيد» عندما ركّز على البعد اللغوي للنّص، أراد أن يخرجه من طبيعته الوحيانيه، وجعله نصًّا أدبيًّا يخضع لآليات فهم النّصوص. وهو من خلال هذه المقاربة، جعله يرتبط بالجهد البشري وآليات تعامله مع النصوص، وكيفيّة توليد المعاني منها انطلاقًا من تجربته الخاصّة.

2ـ مُشكلة المنهج النقدي عند أبو زيد
يبدو واضحاً ممّا مرَّ معنا، أنّ الفهم الذي قدّمه «أبو زيد»، لا ينتمي إلى المرجعية الإسلامية. صحيح أنّه اقترب منها في سياق مشاغله النقدية، ولكنّه تعامل معها بشكل وظيفيّ، فإذا كان لا بدّ من كلّ مقاربة منهجية أن تدرس العلاقة بين الفكر والواقع، فهل كان بإمكان «أبو زيد» أن يُقارب النزعة الإعتزالية بهذا التبسيط؟ وهل بالإمكان أن ننظر إلى هذه الحركة بمعزل عن الحركة السياسيّة والاجتماعيّة التي رافقتها والحاملة في طيّاتِها تحوّلات انعكست على مقوّمات فكر السلطة والسياسة؟ والشاهد على هذا أنّ لحظة بروز المعتزلة، كانت تترافق بتحوّل المرجئة إلى خطاب للمعارضة السياسية في أطراف الدولة الإسلاميّة، وبالتالي لا يمكن عزل الخطاب عن الوقائع التاريخية الناظمة، وهذا ما يحيلنا إلى القول بأنّ كلام «أبو زيد» لا يتعدّى كونه شاهداً مقتطعاً من سياق عام. فكلامه بمثابة ترديد صدى لمقولات سائدة في الفكر الغربي. وما أورده حول «الشفاهيّ» و«الكتابيّ» يطابق ما ذهب إليه فيلسوف التفكيك الفرنسي «جاك دريدا Jaques Derrida»، الذي اعتبر الكتابة أصل اللغة حتّى من قبل أن تتحقّق في الخطاب الشفهي. وهو في سبيل ذلك انتقد من خلال هذه الدعوى منظور الفلاسفة التقليديين القائم على مركزية الصوت وأولوية الكلام على المكتوب، وجعل الكتابة، على خلاف مألوف التصوّر التقليديّ، ذات أولوية في كلّ عملية تأويلية أو قراءة أو تفكيك، وأمّا في موضوع الفعالية فإنّ أبا زيد يقترب من «جوليا كرستيفا Julia Kristeva» التي ربطت النّص بالإنتاجية، واقترحت صياغة صورية لعلاقات النّص دون اختزالها في شكله (formalization) بل بفتحها على قوانين نوع الإنتاجية، وبهذا يصبح علم النصّ تكثيفًا بالمفهوم التحليلي للكلمة وانفتاحًا على الممارسة التاريخيّة.
من هذا النحو لا ينطلق أبو زيد من قناعته بالمرجعية الإسلاميّة، بدليل أنّه يوظِّف النّص الاعتزاليّ لتثبيت سلطة القارئ أو المفسّر على النّص، بالتالي يعتبر أنّ فعل القراءة يبدأ من الواقع المحيط للقارئ (أفق القارئ) ثم ينتقل بعد ذلك للنص فهمًا وتأويلًا، وهذا هو منهج الهرمنيوطيقا الذي يوافقه ويصرّح به قائلًا: إنّ «الهرمنيوطيقا الجدلية عند «غادامر» بعد تعديلها من خلال منظور جدليّ ماديّ[9]، تشكّل نقطة بدء أصليّة للنظر إلى علاقة المفسّر بالنّصّ لا في النّصوص الأدبيّة، ونظريّة الأدب، فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الدينيّ حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن وذلك من أجل أن نرى ـ كما يضيف أبو زيد ـ كيف اختلفت الرؤى، ومدى تأثير رؤية كلّ عصر- من خلال ظروفه- للنّصّ القرآنيّ. ومن جانب آخر نستطيع أن نكشف عن موقف الاتجاهات المعاصرة من تفسير النّصّ القرآنيّ، ونرى دلالة تعدّد التفسيرات ـ في النّصّ الدينيّ والنّص الأدبيّ معًا ـ على موقف المفسّر من واقعه المعاصرـ أيّاً كان ادّعاء الموضوعية الذي يدّعيه هذا المفسّر أو ذاك»[10]. وإن ما تمّ ذكره يحيل إلى الاختلاف، الذي وإن تجلّى في خلاف بين المفسّرين إلا أنّه يحيل إلى «اختلاف» النّص ذاته: «إنّه اختلاف قد يرتدّ في جزء منه إلى طبيعة اللغة، فهو اختلاف طبيعيّ مردود إلى الطبيعة اللغوية للنّص، أو لنقل بلغة معاصرة: اختلاف مردود إلى آلية النّص في تحديد طبيعته الخاصة. وهذه الآلية الخاصّة كما سبقت الإشارة هي التي تجعل فعل القراءة ـ والتأويل من ثم ـ جزءًا من آليات النّصّ. ولقد عبّر القدماء عن هذا الترابط بين «آلية النّص»، وبين «فعل القراءة» حين أدركوا أنّ الاختلاف يرتدّ إلى طبيعة اللغة، وأنّ القراءة تتمّ من خلال «المعقول» الذي لا يصحّ أن يتعارض معه المنقول أو النّص»[11]، على هذا الأساس الاختلاف لا يحدِّد هويّته فقط، إنّما يميّزه عن غيره من النّصوص، ليجعل من نفسه محورًا في الثقافة عن طريق قابليته للتفسيرات والتأويلات المختلفة في الزمان والمكان. فالنّص القرآني ليس نّصًا عاديًا، فهو وإن احتوى لغة عادية محدّدة الدلالة ـ وهي نّصوص قليلة جدًا ـ لكنّه يحتوي لغته الخاصة المكثّفة الدلالة المبدعة.

3ـ مناصرة التأويل على التفسير
ينفتح النّصّ دائمًا على العديد من التأويلات، وكلّها مشروعة بدءًا بتأويلات المعتزلة وانتهاءً بتأويلات «ابن عربي»، وعلى هذا الأساس انحاز «أبو زيد» لصالح مفهوم التأويل على حساب التفسير، فالمؤوّلة كانوا أكثر حريّة بالتعامل مع النّصّ من حيث الفهم، وفتحوا باب الاجتهاد في معرفة المعنى على مصراعيه، في حين تَمسَّكَ المفسِّرة بالنقل؛ لأنّ التفسير يمثّل الموضوعية في حين يمثّل التأويل الذاتية، وهذا ما أوقعهم في تناقض كبير؛ لأنّهم سرعان ما وقعوا داخل دائرة التأويل نفسها، فإذا دقّقنا في عمل المفسِّر، سنرى أنّه ينطلق من موقف اختياريّ يعتمد على الترجيح بين الآراء. هذا الاختيار القائم على الترجيح يعكس بدوره موقفًا تأويليًا نابعًا من موقف المفسِّر وهموم عصره وإطاره الفكريّ والثقافيّ، وكلّها أمور لا يمكن لأيٍّ مفسرّ أن يتجنّبها مهما ادّعى الموضوعية والانعزال عن الواقع والحياة، هذا إلى جانب أنّ استبدال لفظة بلفظة للشرح والتوضيح، أو التعبير عن المعنى بعبارات أخرى، يتضمّن بالضرورة فهمًا خاصًا يرتبط بتطوّر دلالة اللغة في تطوّرها التاريخيّ. فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ الألفاظ التي يُظنّ أنّها مترادفة تعكس فروقًا دقيقة في دلالتها، أدركنا أنّ أيّ شرح لا بدّ أن يتضمّن نوعًا من أنواع التأويل، وهم في اللحظة التي مالوا فيها إلى الموضوعية ليصلوا إلى الحقيقة غادروها؛ لأنّهم لم يتنبّهوا إلى أنّ كلّ عملية «التفسير» تكون من خلال وسيط قد يكون نصًّا لغويًا، وقد يكون شيئًا دالًا، وفي كلتا الحالتين لا بدّ من وسيط يمثّل «علامة: من خلالها تتمّ عملية فهم الموضوع من جانب الذات، بالتالي لا يخلو التفسير من الذاتية التي جهدوا من أجل التخلّص منها.
على هذا الأساس، يدعو أبو زيد إلى إعادة موضعة وفهم التفسير والتأويل، فهما لا يمكن الفصل بينهما، إذ إنّ الكلام عن الأوّل، يأخذ باتّجاه: «الجوانب العامّة الخارجيّة للنص، مثل العلم بأسباب النزول والقصص والمكيّ والمدنيّ والناسخ والمنسوخ وهي كلّها علوم نقليّة تعتمد على الرواية عند القدماء، ولا مجال فيها للاجتهاد سوى الترجيح بين الروايات أو محاولة الجمع بينها [...] وعلى ذلك يكون «التفسير» جزءًا من عملية «التأويل»، وتكون العلاقة بينهما علاقة الخاص بالعام»[12]، فالتفسير هو القاعدة التي يُبنى عليها التأويل، وفي هذا: «يكمن بُعدٌ أصيلٌ من أبعاد عملية التأويل، وهو دور القارئ في مواجهة النّص والكشف عن دلالته. ولا يعتبر دور القارىء أو المؤوّل هنا دورًا مطلقًا يتحوّل بالتأويل إلى أن يكون إخضاعًا للنّص لأهواء الذات، بل لا بدّ أن يعتمد «التأويل» على معرفة ببعض العلوم الضرورية المتعلّقة بالنّص، والتي تندرج تحت مفهوم «التفسير». إنّ المؤوّل لا بدّ أن يكون على علم بالتفسير يُمكَّنه من «التأويل» المقبول للنّص، وهو التأويل الذي لا يُخضع النّص لأهواء الذات وميول المؤوِّل الشخصية والأيديولوجية وهو ما يعتبره القدماء تأويلاً محظورًا مخالفًا لمنطوق النّص ومفهومه»[13].
 وهنا نرى أبو زيد يحاول أن يُضفي على تحليله مسحةً إسلاميّةً، ولكنّه لم يوضح لنا الآليات المنهجية التي يجب أن تستخدم بالتعامل مع العناصر المرتبطة بالتفسير، وهذا ما يعيد ربط التأويل بشكل واضح بنظريات الهرمنيوطيقا الغربية، ولا سيما نظرية جورج غادامر الذي حاكم فكرة المنهج، وشكَّك بمكانتها: «فالمنهج عنده ليس هو الطريق إلى الحقيقة! بل من دأب الحقيقة، أن تفوت رجل «المنهج» وتروغ منه، وأما الفهم في تصوّره فهو ليس عمليةً ذاتية لإنسان بإزاء موضوع وقبالته، بل هو أسلوب وجود الإنسان نفسه، والهرمنيوطيقا ليست فرعًا مساعدًا للدراسات الإنسانية، إنّما هي نشاطٌ فلسفيّ يحاول تفسير الفهم على أنّه عمليةٌ أنطولوجية في الإنسان»[14]، فـ«أبو زيد» يقف على أرضية «هرمنيوطيقا غادامر» الجدلية القائمة على بنية الوجود كما فصّلها «مارتن هايدغر» في كتاباته المتأخّرة وعلى البنية المسبقة للفهم كما قدّمها في كتابه «الكينونة والزمان»، حيث حدّد هدف الجدل الفينومينولوجي بقوله: «إنّ جعل الشيء الذي نحن بصدده يُفصح عن نفسه ويُسّفِر عن وجهه، فإذا كان «المنهج» ينطوي على ضرب المساءلة تفتح جانبًا واحدًا من الشيء، فإنّ التأويل الجدليّ يفتح نفسه لأسئلة الشيء ويتقبّل أن يكون هو المسؤول لا السائل... بذلك يمكن للشيء الذي يلاقيه، أن يكشف عن نفسه وعن وجوده، يقول غادامر: إنّ ما يجعل ذلك أمرًا ممكنًا هو «لغوية» الفهم الإنسانيّ (الصبغة اللغوية للفهم) و«لغوية» الوجود نفسه في حقيقة الأمر»[15]، على هذا الأساس تقترب خصوبة المعرفة في العلوم الإنسانيّة من ملكة الحدس للفنان أكثر من الروح المنهجية للبحث العلمي، ونجد «نصر حامد أبو زيد» يؤكّد هذا التفريق فيقول: «إنّ الفارق بين القانون العلميّ ـ أو الحقيقة العلمية في العلوم الطبيعية ـ وبين الحقيقة في العلوم الإنسانية ليس فارقًا بين العلم والأيديولوجيا بل هو في الأساس فارق بين حقائق تجريبية يمكن التثبّت من صدقها أو كذبها، بصرف النظر عن المكان والزمان، وبين الحقيقة الثقافية التي تكون صادقة وصحيحة في سياق وضع اجتماعي إنسانيّ محدّد بسياق تاريخي مميّز»[16].
يُستنتج من هذا أنّنا أمام تأويلية، تتمركز حول دور القارئ في صناعة المعنى عبر سلسلة من الترسّبات المتعاقبة من حقبة زمنية إلى أخرى، بحيث يستوعب الفهم الأخير الأفهام السابقة ويزيد عليها في الحاضر، بالتالي لا وجود لفكرة موضوعية مطلقة، تتعالى على الزمان؛ لأنّ كلّ ادعاء من هذا النوع، يؤدِّي إلى عدم القدرة على: «انفتاح المعنى الدينيّ لاستيعاب متغيِّرات الزمان والمكان»[17]. وهذا الأمر لا يؤدّي إلى إنكار الحقيقة، ولكن يتمّ ربطها بالمعيش وكيفية إحساس الإنسان بها، ومن أجل إثبات هذه النظرة، ينقل «أبو زيد» عن «ابن عربي» في أكثر من موضع: «الحقيقة في ذاتها واحدة لا تتعدّد، ولكنّها تتشكّل وتتلوّن مثل الماء الذي يأخذ شكل الإناء الذي هو فيه ويتلوّن بلونه، هذا رغم أنّ الماء في حقيقته لا شكل له ولا لون»[18]، وهذا ما انعكس أيضًا في تبنّي نظريّة الموضوعيّة الذاتيّة، تأويلية «ابن عربي».

 4 - مناهج بحث «أبو زيد»
يرى أبو زيد أنّ التعامل مع النصوص، أو تأويلها، يجب أن ينطلق من زاويتين لا تُغني إحداهما عن الأخرى خاصَّة إذا كنا نتحدّث عن نصوص تراثية:

الأولى: زاوية التاريخ بالمعنى السوسيولوجي لوضع النصوص في سياقها من أجل اكتشاف دلالتها الأصلية، ويدخل في سياقها التاريخيّ، وبالطبع السياق اللغوي الخاص لتلك النصوص.
 الثانية: زاوية السياق الاجتماعي والثقافيّ الراهن الذي يمثّل دفع التوجّه إلى تأويل ـ أو بالأحرى ـ إعادة تأويل تلك النصوص من أجل التفرقة بين الدلالة الأصلية التاريخية وبين المغزى الذي يمكن استنباطه من تلك الدلالة»[19]، ولا شك بأنّنا إزاء مستويين تكامليين يتنقّل بينهما «أبو زيد» في تعامله مع ظاهر النص أحيانًا، وأحيانًا أخرى يجمع بينهما وفق منهج لا ينضبط كثيراً ضمن سياق منسجم. لذلك ينتقل «أبو زيد» في تعامله مع النّصّ الدينيّ بين المناهج الأدبية الحديثة، حيث يلجأ تارة إلى النقد الأدبيّ وطورًا إلى علم العلامات، وأحيانًا يجمع بينهما، فما هي هذه المناهج:

أولاً: منهج النقد الأدبي:
ينطلق «نصر حامد أبو زيد» من أنّ الله ليس موضوعًا للتحليل أو الدرس، وكلّ ما يستطيع الإنسان أن يعرفه عنه هو من خلال النّصّ، لذلك شاء [عزّ وجلّ] أن يكون كلامه إلى البشر بلغتهم؛ أي من خلال نظامهم الثقافيّ المركزيّ، فإنّ المتاح الوحيد أمام الدرس العلميّ هو درس الكلام الإلهي من خلال تحليل معطياته في إطار النظام الثقافي الذي تجلَّى من خلاله، ولذلك يكون منهج التحليل اللغوي هو المنهج الوحيد الإنساني لفهم الرسالة ولفهم الإسلام، ومن أجل ذلك استدعى «عبد القاهر الجرجاني» في حديثه عن القرآن وكيفية إنتاجه للدلالة والتي توصّل إليها عن طريق دراسته للشعر والبحث في قوانين تشكيله في ما أسماه بـ«النظم»، الذي يدرس العلاقة بين اللفظ والمعنى.
وفي هذا المقام، تصبح عملية الفهم، متعلّقة بدراسة منهجية، تعمل على دراسة السياقات، وحركة الألفاظ فيها، وهل هي تخدم الهدف التي جُعِلت لأجله، وكانت متّفقة ومرتّبة مع ما سبقها وما يلحقها وفائدتها في الكلام، وهذا يقتضي إجراءات تنظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارًا وأمرًا ونهيًا واستخبارًا وتعجّبًا وتؤدّي في الجملة معنىً من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضمِّ كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة، فهل يُتصوّر أن يكون بين اللفظين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدلّ على معناه الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به، فكلّ عملية فهم، يجب أن تعتمد برأيه على الصيغة التالية:
المعنى المعجمي + المعنى الوظيفي= المعنى الدلالي. وهذا عين ما ذهب إليه نصر حامد أبو زيد حين اعتبر أنّ الأصل ليس في الشكل الظاهري للغة، إنّما في السياقات التي وردت فيها، ولذلك، تحدّث عن سياقات متعدّدة للقرآن. ويبدأ «أبو نصر» بالحديث عنها، فالسياق الخارجي يُسمّى سياق التخاطب، ويمكن أن يُسمى سياق التنزيل باعتبار نزول القرآن المجزّأ خلال أكثر من عشرين عامًا، وهذه الأجزاء ارتبطت لحظة نزولها بأحداث ومواقف هي ما يسمّى «أسباب النزول»، ويتجلّى هذا السياق في بنية النّص، مستويات العلاقة بين القائل/ المرسل والمـُتلقّي/ المستقبل، وهي العلاقة التي تحدِّد بشكل حاسم نوعية النّص من جهة، وتحدّد مرجعيات التفسير والتأويل من جهة أخرى. وفي حالة النّص القرآنيّ يمكن القول بصفة عامة إنّ سياق التخاطب محورها أعلى/ أدنى، وعلى أساس هذا محور التركيز غالبًا هو المتلقّي (محور تعليمي)، ولكن مع كثير من التعقيد ناتج عن تعدّد المخاطبين يقول «أبو زيد»: «لا تقتصر مستويات السياق الخارجي على معطيات أسباب النزول والمكّي والمدني فقط بل تمتدّ في بنية الخطاب القرآني ذاته إلى مستويات أشد تركيبًا، فهناك على الأقل على سبيل المثال سياق المخاطب الأوّل، محمدn، وهو سياق متعدّد في ذاته بين التهدئة والتثبيت، تثبيت الفؤاد بحسب التعبير القرآني وبين اللوم والعتاب والتقريع والتهديد أحيانًا»[20].

أما على المستوى الداخلي فإنّ «أبو زيد» يرى أنّ النص القرآني بما أنّه متعدّد الأجزاء، فإنّ مستويات السياق تتعدّد فيه بسبب الزمن الذي استغرقه تكوّن النص القرآنيّ، وهذا الجانب يختلف فيه النص القرآني عن النص الشعري؛ كالمعلِّقات مثلاً التي صِيغَت وبُنيت في نفس وقت إبداعها، فالنّص الشعري يفترض تجانسًا بين وقت إبداعه وبين بنائه الداخلي، أما النصّ القرآني فإنّه يخالف ذاته سياقياً، فسياقه الخارجي لا يتماثل مع سياقه الداخلي، ربّما تكون هذه التعدّدية النصية بسبب السياق الثقافي المنتج للنص ـ وهذا مجرّد افتراض ـ [21].
أما على المستوى القول نفسه، فهو سياق متعدّد في ذاته، إذ إنّ هنالك فرقاً بين سياق الترغيب والترهيب، وبين سياق الوعد والوعيد، وبين سياقات أخرى كالوصف والسجال والتهديد والأوامر والنواهي، وغير ذلك.. وكلّ مستوى من مستويات سياق الخطاب يتجلّى في بنية لغوية خاصّة داخل إطار النظام اللغوي العام للنص، الأمر الذي يعني أنّ تعدّدية النص على مستوى سياقه الداخلي، بالإضافة إلى تعدّد مستويات سياق الخطاب يفرض تعدّدية في اللغات الثانوية للنص»[22].
يتناهى إلينا على  نحو واضح أنّ منهج «أبو زيد» يقوم على تكريس التعدّدية، وعلى أنّ الشرائع لم تسع لإلغاء التعدّدية، بل إنّ الخطاب الإلهيّ ينطوي على تعدّدية تجعل الخطاب مفتوحًا لآفاق التأويل والفهم... وبعبارة أخرى ليست الشرائع خطابًا موجّهًا للصفوة التي تمتلك حقّ احتكار الفهم والتأويل بل هي خطاب للناس جميعًا، تعدّدت مستوياته مراعاة لاختلاف مستويات المخاطبين، وهو في هذا المجال، يعود إلى «ابن رشد» وتعدّديته المعرفيّة، وتقسيمه للتأويل إلى ثلاثة أصناف حسب درجة الإدراك. فالشرائع بالنسبة إليه تحضّ على هذا التعدّد؛ لأنّها انطوت في بنية خطابها على تعدُّدية مماثلة تجعل الخطاب مفتوحًا لأفاق التأويل والفهم.

ثانيًا: منهج العلامات
دعا «أبو زيد» إلى استخدام المناهج الحديثة وأبرزها «السيميوطيقا» أي علم العلامات بالتعامل مع النصوص الأدبية، ومن أجل هذه الغاية ربط بين مفهوم العلامة ومفهوم الدلالة في التراث الإسلاميّ، ودعّم فكرته هذه بنظرة المسلمين للعالم بوصفه دلالة على وجود الخالق. يقول أبو زيد: «ولعلّ في كلّ ذلك ما يبرّر لنا القول بأنّ وضع اللغة بين أنواع الدلالات العقلية يشي بأنّ العقل العربي لم ينظر للغة بمعزل عن نظم الدلالات الأخرى.. هذه النظرة للغة بوصفها نظامًا من الدلالات نجدها عند كلّ المفكّرين المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ونحلهم، نجدها عند أهل السنة كما نجدها عند المعتزلة والأشاعرة ونجدها كذلك عند الفلاسفة والمتصوّفة»[23]، فهم اتفقوا على بعض الأمور المهمة:
الأوّل: اللغة تعتبر نظامًا دالاً في النسق المعرفيّ للوجود الإنسانيّ.
الثاني: اتّفاقهم على التسوية بين دلالة الأصوات والإشارات والحركات، شريطة سبق المواضعة فيها جميعًا.
الثالث: يتّفقون على أنّ «التحويل المجازي» من حقّ الجماعة، وينبغي أن يخضع للعرف وللمواضعة أيضًا[24].
وقد دقَّق «الجرجاني» بهذه النظرة، ونفى عن الألفاظ من حيث هي ألفاظ أي وصف من صفات القبح أو الحسن، واعتبرها ألفاظاً تجري مجرى العلامات والسمات: «ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جُعِلت العلامة دليلاً عليه وخلافه»[25]. فالعلاقة بين الدال والمدلول إذن علاقة اعتباطيّة اصطلاحيّة، والألفاظ من حيث هي علامات لا تغيّر من المدلول ولا تضيف إليه شيئًا، كما أنّ العلامات اللغويّة لا تنبىء بذاتها عن المعاني العقلية، بل تدلّ وتشير عليها المواضعة والاصطلاح؛ لأنّ: «المعاني [...] هي التي تُدرك أولًا، ثم توضع الأصوات، اتفاقًا للدلالة عليها، يستوي في هذا المعاني الذهنية المعقولة والمعاني اللغوية»[26]، وهذه النتيجة هي المهمّة عند «نصر حامد أبو زيد»؛ لأنّها تؤسّس لفكرة الانفلات من قيد اللّفظ.
ويذهب «أبو زيد» باتّجاه «حازم القرطاجني» والقضيّة التي أثارها وأقامها تحت عنوان: «صور الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان»، والتي تشير إلى أنّ العالم الحسيّ يتحوّل في الذهن إلى مجموعة متخيّلة من الصور والمفاهيم، ثم يتحوّل من هذا الوجود الذهني إلى دلالات صوتية ومن ثمّ إلى رموز كتابية يقول أبو زيد: «إنّ ما يطرحه حازم في هذا النص يقيم العلاقة بين الدلالات الصوتية والرموز الكتابية على أساس من الترابط الدلالي، حيث تقيم الرموز الخطية الكتابية هيئات الألفاظ ـ الصورة السمعية عند سوسير ـ في الأفهام. فإذا قامت هيئات الألفاظ في الأفهام استدعت ـ بطريقة الدلالة الإشارية ـ والصور الذهنية بدورها تشير إلى المُدرِك العيني الخارجيّ.  وهكذا نجد أنفسنا في علاقات دلالية قائمة على الترابط بين الطرفين»[27]، وهذه العلاقات الدلالية يمكن التعبير عنها على النحو التالي:

الرموز الكتابية (دال)                     الصور السمعية للألفاظ (مدلول)

الصورة السمعية للألفاظ               الصور الذهنية (مدلول)

الصور الذهنية (دال)                     الأعيان الـمُدركة (مدلول)

هذه العلامات كما يرى «أبو زيد» مبنية على تلك «التصوّرات» و«المفاهيم» الذهنيّة القارة التي تحملها في وعي الجماعة وفي لاوعيها: «فمعنى ذلك أنّننا مع اللغة في قلب «الثقافي». والثقافي وإن كان يتجلّى في أكثر من مظهر كالأعراف والتقاليد وأنماط والسلوك والاحتفالات الشعائرية والدينية والفنون»[28]. وهكذا تكون اللغة تمثّل النظام المركزي الذي يعبّر عن كلّ المظاهر الثقافية. ويدعم هذا الرأي بقول علماء السيميوطيقا: «الثقافة عبارة عن أنظمة متعدّدة مركبة من العلامات يقع في قلب المركز منها «نظام العلامات اللغوية» لأنّه هو «النظام» الذي تنحل إليه تعبيريًا باقي الأنظمة في مستوى الدرس والتحليل العلميين»[29].
وهكذا نكون بحسب «أبو زيد» أمام ثلاث مفاهيم متداخلة هي: العالم والثقافة واللغة، حيث تختلف النظرة إليها بحسب الناظر إليها: «فلو تبنّى الباحث المنظور الأنطولوجي، أي البدء بالوجود كمفهوم وليس كماهية، فإنّه يضع «العالم أولاً، ثم الثقافة ثم اللغة، ولو بدأ من منظور إبستمولوجي، أي معرفيّ، فإنّه يضع اللغة أولاً، ثم الثقافة ثم العالم. ولو نظر الباحث من منظور تركيبي فإنّ العلاقة لا بد أن تأخذ شكل الدائرة»[30].
هذا تحليل «أبو زيد» لمفهوم العلامة عند المتكلّمين والبلاغيين، أما عند المتصوّفة فالأمر أكثر وضوحًا؛ لأنّ تصوّر المتصوّفة للوجود يقوم على كونه تجلّيات ومظاهر لحقيقة واحدة باطنة، هي الحقيقة الإلهية. فهؤلاء يعمدون إلى إقامة موازنة بين حروف اللغة، وهذه الحروف في حقيقتها إنّما هي حروف اللغة الإلهية لا حروف اللغة البشرية الصوتية، التي هي مجرّد الظاهر لتلك الحروف الباطنة، وبالتالي فالكلام الإلهي مستويان: مستوى الكلام الوجودي الذي يتجلَّى في ظهور أعيان الممكنات، ومستوى الكلام اللغوي الذي يتجلَّى في النصّ القرآني»[31].
إنّ الفكر الصوفي يجعل الموجودات هي كلمات الله، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّـه ۗ إِنَّ اللّـه عَزِيزٌ حَكِيمٌ[32]، فالعالم كلّه في القرآن عبارة عن علامات وآيات تدلّ على وحدانية المولى جلّ وعلا، فالمتصوّفة بناءً على هذا الطرح ـ في نظر أبو زيد ـ ينطلقون من تصوّرهم اللغة من منظور سيميوطيقي يتناسب ومعتقدهم وفهمهم الدينيّ، فهم يحوّل الوجود كلّه إلى نصّ يشير إلى قائله ويدل عليه ويتجلَّى في كلّ المظاهر التي تعدّ اللغة إحداها، ويربطون عملية الفهم بالإنسان العارف بما هو متلقّي للدلالة، يقول أبو زيد: «إنّ الدلالة التي تجعل الدال هو المدلول بعينه وذاته تتعلّق بالكلمات الوجودية التي هي الممكنات. هذه الممكنات دالة بذاتها على معان ودلالات قائمة فيها لا تفارقها، فهي لا تدلّ على شيء خارجها. لكن دلالة هذه الممكنات لا تنكشف ولا تفصح عن نفسها إلا لقلب العارف الصوفي الذي يتحدّ بالوجود فيكتشف معناه ودلالة عناصره المختلفة ومكوناته المتعدّدة»[33].
يخلص «أبو زيد» من خلال هذه المقدّمات إلى نتيجة مفادها: إنّ الذي عناه المتقدّمون من ذلك وخصوصًا «عبد القاهر الجرجاني» هو الاستدلال العقلي الذي يجعل المتلقّي مشاركًا في صنع النّصّ عن طريق التأويل، وهكذا يكون عبر ربط الدلالة اللغوية بالدلالة العقليّة، وفي هذا الأخير يقول أبو زيد: «إنّ العلاقة بين الدال والمدلول ـ في العبارة المجازية ـ كما يفهمها «عبد القاهر» يمكن أن ترسم على النحو التالي: العبارة اللغوية (دال) «المعنى (المعنى الأول) مدلول المعنى الأول (دال)» المعنى الثاني (معنى المعنى) مدلول»[34].
وهذا الكلام الذي ينقله «أبو زيد» عن «عبد القاهر» هو في الواقع ضربٌ من تبنّيه للتطوير الحداثي الذي قام به «دي سوسير» حين تجنّب استخدام مصطلحي «اللفظ والمعنى» وأبدلهما بمصطلحي «الدّال والمدلول» باعتبارهما يحيلان إلى المفهوم الذهنيّ؛ لأنّهما يدلاّن على جانبي العلامة اللغوية التي لا تدلّ على شيء»[35]، فـ«دي سوسير» رأى في العلامة: «عبارة عن وحدة نفسية مزدوجة يترابط فيها العنصران المفهوم والصورة السمعية ارتباطًا وثيقًا بحيث يتطلّب وجود أحدهما وجود الثاني»[36]. ويستدلّ «أبو زيد» بهذا المعنى على أنّ هناك «تداخلًا دلاليًا» أو «سمطقة» في الدلالة اللغوية، ما يؤكّد ارتباط الدلالة اللغوية بغيرها من الدلالات الوجودية. ويؤكّد أبو زيد أخيرًا أنّ: «هذا التراث وإن تعدّدت مداخله وطرائق التفكير فيه يظلّ تراثًا ذا ملامح عامة على مستوى الفكر اللغوي والبلاغي، أو على مستوى النظر الفلسفي والكلاميّ، أو على مستوى التجربة الصوفية»[37].
يفترض «أبو زيد» في بحثه في علم «السيميوطيقا» أنّ نظام النّصّ القرآني لا يقف عند نقله لبعض الألفاظ من المواضعة اللغوية إلى الاصطلاح الشرعيّ، بل يكمن في أنّ حدود النظام اللغويّ للنّصّ يتجاوز ذلك إلى تشكيل نسق نحويّ ودلاليّ خاص. ويعزّز هذا القول بما يثيره دومًا في الاستفادة من تحليل نظرية النظم عند «عبد القاهر الجرجاني». هذا الافتراض الذي يطرحه هنا يفتح له افتراضًا آخر أو ربما منهجًا آخر يتعلّق بطبيعة اللغة الدينية ليس من حيث تشكّلها في بنية اللسان، ولكن من حيث تشكيلها لبنية اللغة الأم حتى أصبحت اللغة الأم فرعًا في بنية اللغة الدينية، وهذا لا يمكن أن يحدث بسبب عمليات التحويل الدلالي البسيطة أو الفردية مهما تعدّدت، ولكنّه يحدث عبر تحويل اللغة في مجملها من كونها نظاماً من العلاقات دالاً إلى أن تكون هي ذاتها «علامة» في النظام الدال للغة الدينية»[38]. يقول تيري ايجلتون: «إنّ قيمة النص، تتحدَّد بصيغة اندراجها المضاعفة في التشكّل الإيديولوجي، وفي النسل المتوافر من الخطاب الأدبيّ، بهذه الطريقة يدخل النّص في علاقة مع سلسلة محدودة دومًا من القيم والاهتمامات والحاجات والقوى والطاقات المحدّدة تاريخيًا والتي تحيط به: إنّه لا يعبر عن، ولا يُعيد إنتاج مثل هذه الأشياء – لأنّ النصّ مصنوع من الكلمات لا من الحاجات- بل إنّه يبني نفسه ويشكّلها داخليًا في علاقة العلامات الإيديولوجية التي يشكّل نظامها الرمزي»[39].

ولتوضيح عملية «السمطقة» التي يسعى «أبو زيد» لإثباتها واستعمالها في تحليل النصّ وفهمه، فإنّها عبارة عن عملية التحوّل الدلاليّ وذلك عن طريق تحويل «الدلالة الكليّة» التي نتجت أصلًا عن طريق علاقات التركيب في الأنماط البلاغية إلى «علامة كليّة» تحيل إلى دلالة أخرى، هي أشبه بالأيقونة ينتقل من خلالها من المعنى الظاهر إلى معنى آخر ينشأ من خلال المعنى الأوّل، وبالتالي تنتقل اللغة من مجال المواضعة إلى مجال الاستدلال العقلي الذي ليس له علاقة باللغة الأم، وهذا هو الفرق بين العلامات اللغوية والعلامات السميوطيقيىة، فالعلامات اللغوية تقوم دلالتها كما سبق على العرف والمواضعة، أما العلامات السميوطيقية فليس من الضروري أن تقوم على شيء من ذلك»[40].
يستشهد «أبو زيد» على هذا الفهم بتمثّل قارىء القرآن المسلّم لهذه العلامات/ الآيات، بما تدلّ عليه من «معقول» دون التوقّف عند العلامة ذاتها، فالدلالة التي يتمثّلها القارىء هي محور الاهتمام ونقطة التركيز[41]. وهذه العلامات كما يقول هي أكبر من الكون والتاريخ، ذلك بأنّها تعني كلّ ما يتعلّق بمفردات النص بما فيها الحدود والأحكام الشرعية الواردة في النصّ ويتمّ الدمج بين القراءة والتأمّل، والفهم، والتعبّد، وتنمحي الفروق بينها كما انمحت بين العالم والنص، وبين النصّ والأحكام. وهنا تحديدًا يصل نصر أبو زيد لمثل ما قالت به المتصوّفة وهو أن نرى «الوجود» كلامًا إلهيًا مستدلاًّ بقوله تعالى: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا[42].
إنّ اعتماد أبو زيد على السيميوطيقا البنيوية أوّل الأمر هو الذي جعله يتبنّى فكرة تعدُّد الدلالات، وإن كان سيجد في التفكيك لاحقًا المجال الأرحب لمنهجه التأويلي. فالنظرية البنيوية تلحّ على عدم وجود مرجعية لجميع اللغات يقصد بها فك مفارقة الداخل/ الخارج، وتخطيّ نظرية ازدواج الحقيقة أو المعرفة، وتفسير إبداعية اللغة من خلال الخصائص الشكلية لبنائها ذاته، وهذا يتجلَّى في تصوّر شتراوس للعلامة، فهو وإن كان بنى تصوّره على ما أسّسه دي سوسير حيث استخدم المعادلة نفسها عن العلاقة بين الدال والمدلول كوجهين للعلامة، وتبنّى مقولاته في استقلال النسق اللغوي عن المرجعية الخارجية. وأنّ المعنى لا وجود له إلا داخل النسق، لكنّه يختلف عن سوسير باهتمامه بشكل واضح بالمدلول ليخرج في نهاية الأمر بنتائج تباعده عن البنيويين وتقرّبه من المنهج التفكيكي الذي يؤمن بتعدُّد المعاني والدلالات. لقد: «كان موقف شتراوس المبدئي والذي شاركه فيه عدد من البنيويين الفرنسيين المعاصرين مثل بارت وفوكو، هو أنّ الدّال لا يمثّل مشكلة للتفسير، فسواء كان الدال وحدة لغوية أو نسقًا، أو وحدة بنائية، أو نسقًا أدبيًا، فهو ثابت يمكن التأكّد منه، لكن المدلول هو المشكلة بالنسبة للمفسّر البنيوي. فالدال الواحد قد يحمل مدلولات مختلفة لشخصين مختلفين، بل إنّه قد يحمل أكثر من مدلول للشخص نفسه في فترات أو أوقات مختلفة. على هذا الأساس فإنّ بنيوية شتراوس ترحّب بتعدّد التفسيرات، وترفض التفسير الواحد الموثوق. وهذا ما فعله شتراوس في تفسير الأساطيرـ فهي تفسيرات ممكنة فقط ولا تغلق الباب أمام أي تفسيرات ممكنة أخرى»[43].

خلاصة
إنّ ما يمكن أن نخلص إليه من استقرائنا لتأويليّة نصر حامد أبو زيد، هو أنّ مشروعه المعرفيّ ينبني على المخاتلة والتلفيق، إذ إنّه يحمل في طيّاته الكثير من المضمرات، فهو وقف على أرض الفكر الإسلاميّ، ولكنّه أعمل العدّة المعرفيّة الغربية مستفيدًا من السيميولوجيا والهرمنيوطيقا بالإضافة إلى الألسنية والأسلوبية، وهو وإن أعمل الحفر في المنظومة الفكرية والدينيّة للمجتمعات العربية والإسلاميّة بقي مسكونًا بالآخر، الذي يشكّل النموذج الذي يسعى للتماهي والحلول فيه. فهو تعامل مع التراث كما يتعامل الفنان مع صورة فنية، حيث يعيد تشكيل العالم المحيط انطلاقًا من مخياله، وهو في هذا الموضع، عمل على:
1 - إفراغ مفهوم النّصّ من محتواه وإعادة تأسيسه على أرضية التشكّل والتشظِّي، فأحاله نسيجًا، يرتبط فيما بينه، ولكنّه لا يحيل إلى وحدة، وهذا التصوّر سينسحب على صاحب النّصّ القرآني وهو الله جل جلاله، فتعريفه للنص القرآني بأنّه منتج ثقافي سيبعد عنه مصدره الإلهي على مستوى الدراسة، فهو يقصيه منها ويعلن موته شأنه شأن المنهج البنيوي. وهذا ما سيحيل الإنسان إلى كائن ماديّ تقرّر البنية التحتية فيه معالم البنية الفوقية، وهو ما سيعيدنا إلى القراءة الماركسية. وهو وإن تكلّم عن النّصّ باعتباره المرجعية التأسيسية، لكنّه رفع القداسة عنه، وحوّله إلى شاهد، يتمّ العودة إليه لمراجعته من ناحية تشكل المعنى قبل أن يغادره نتيجة الهجرات التي تمرّ بها اللغات.
2 - الإنتقائية في التعامل مع التراث القريب والبعيد، فهو يستخدم الشخصيات للتعبير عن المكنون بالذات، لذلك هو لم يقدّم مقاربة منهجية، إنّما مال باتجاه إيديولوجية الذات، وأخذ يستحضر من يريد إلى مسرحه، وهو لا يدخله إلى الخشبة إلا من أجل لعب دور محدَّد، حتى إذا ما انتهى منه قام بعزله، ليبقى هو هو المعبِّر عن الحقيقة، القادر على تقمُّص جميع الأدوار، لذلك نراه يستحضر المعتزلة الأوائل وكلامهم حول القرآن الكريم حتى إذا ما انتزع منهم هذا الموقف أخذ برجم المتأخّرين.
3 - أعاد «معننة» المفاهيم وعرَّفها من جديد، حتى أصبحت تحمل معنىً جديداً، يقطع مع الذات الحضارية.
نجدنا مع «أبو زيد» كما لو أنّنا أمام نزعة «أوديبية غير واعية» تقتل الأب، ولكنّها تحتفظ بصورته كتذكار، حتى لا يشعر القاتل بالذنب الناتج عن فعلته. لذلك يحفل نّصّه بميراث الفقيد كمخيال اصطنعه وتكلّم عنه، وحاول أن يقنع الآخرين به.

--------------------------------
[1]*ـ أكاديمي وباحث في معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية ـ لبنان.
[2]- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، الطبعة1، (بيروت/ الدار البيضاء، مؤمنون بلا حدود، 2014)، الصفحة 14.
[3]-  المصدر نفسه، المعطيات نفسها.
[4]- نصر حامد أبو زيد: مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، الطبعة1، بيروت/ الدار البيضاء، مؤمنون بلا حدود، 2014، الصفحة 24.
[5] - نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، الطبعة 2، القاهرة، سينا للنشر، 1994، الصفحة 130.
[6] - م ن، الصفحة 85.
[7]- نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، الطبعة 1، بيروت/ الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1995، الصفحة 19..
[8]- انظر: نصر حامد أبو زيد: الفزع من العلمانية: فصل الدين عن الدولة، جريدة الحياة، عدد الثلاثاء 6 تموز 2010.
[9] - إنّ النقد الذي يوجهه أبو زيد للهرمنيوطيقا عند غادامر يتعلق بكونه تابع أستاذه هيدجر في إقامة الوجود على أساس هرمنيوطيقي، وإقامة الهرمنيوطيقا على أساس وجودي. ولكن جادامر لكونه متأثرًا جدلية هيجل فقد أقام مشروعه التأويلي على أساس جدلي، وتعامل جادامر مع العمل الفنيّ باعتباره تجسيدًا لتجربة وجودية مما جعله يغفل تاريخية المبدع الزمانية والمكانية لذلك يقترح أبو زيد تعديلها من خلال المادي المرتبط بالواقع والجدلية بين النص والمفسر. نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 43.
[10]- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م. س، الصفحة 49.
[11]-  نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، م.س، الصفحتان 186 – 187.
[12]- نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مصدر سابق، الصفحة 233.
[13] - نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مصدر سابق، الصفحة 234.
[14] - مصطفى، عادل: فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى غادامر، لا ط، القاهرة، مؤسسة الهنداوي، 2018، الصفحة 187.
[15] - مصطفى، عادل، فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى غادامر، م.س، الصفحة 163.
[16] - نصر حامد أبو زيد: النص والسلطة والحقيقة، الطبعة 1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1995، الصفحة 54.
[17]-  م ن، الصفحة 193.
[18] - نصر حامد أبو زيد: هكذا تكلم ابن عربي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002، الصفحة 65.
[19] - نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، م.س، الصفحة 120.
[20] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، الصفحة 101.
[21] - المصدر نفسه، الصفحة 105.
[22] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، الصفحة 106.
[23] - نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 57.
[24]- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، 57
[25] - نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 76.
[26] - المصدر نفسه، الصفحة 79.
[27] - المصدر نفسه، الصفحة 80.
[28] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، الصفحة 80.
[29] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، ص81.
[30] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، الصفحة 82.
[31] - نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 83.
[32] - سورة لقمان، الآية 27.
[33] - نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 86.
[34] - نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 113.
[35] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، الصفحة 79.
[36] - م ن، الصفحة 79.
[37] - نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س، الصفحة 116.
[38] - المصدر نفسه، الصفحتان 215- 216.
[39] - ايجلتون، تيري: النقد والأيديولوجية، ترجمة فخري صالح، لا ط، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1992، الصفحة 219.
[40] - نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة، م.س، الصفحة 218.
[41] - م ن، الصفحة 219.
[42] - سورة الكهف، الآية 109.
[43] - حمودة، عبد العزيز: المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، العدد 232، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998، الصفحة 276.