البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

اللاّهوت الإقصائيّ نقد تجربة هيغل الدينيّة حيال الإسلام

الباحث :  محمود كيشانه
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  22
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 14 / 2021
عدد زيارات البحث :  82
تحميل  ( 365.365 KB )
تتناول هذه المقالة بالنقد والتحليل رؤية هيغل للإسلام انطلاقًا مما نسمّيه بتجربته اللاهوتيّة في مقاربة الآخر الدينيّ، ويمكن القول إنّنا لا نعدم وجود بعد لاهوتيّ واضح في تصوّر هيغل للإسلام وقراءته التي انتهى إليها، إنّه من الواضح فيما تركه لنا هيغل من بعض الصفحات في بعض كتبه عن الإسلام أنّه لم يقرأ الإسلام إلّا وفق تعصّبه للديانة المسيحيّة، إلى الحدّ الذي يمكن معه القول إنّ ثمّة بعدًا لاهوتيًّا صرفًا في موقف هيغل من الإسلام.

«المحرّر»

وعلى الرغم من أنّ هيغل كان إيجابيًّا حيال الإسلام في بعض مطارحاته الفلسفيّة، حيث اعتبره قوّة مضيئة في التاريخ، إلّا أنّه في مطارحاته اللاهوتيّة كان إقصائيًّا إلى درجة التعصّب والكراهية؛ إذ إنّنا نرى فرقًا كبيرًا بين هيغل الفيلسوف المتحرّر الذي ينظر للقضايا نظرة عقليّة، وبين هيجل اللاهوتيّ الذي ينظر للإسلام نظرة تعصبيّة صرفة، فيقيس الأمور، رفضًا وقبولًا، بمقياس الدين المسيحيّ الذي يؤمن به، ونحن نرى من جانبنا أن هيغل اللاهوتيّ كان الأكثر حضورًا من هيغل الفيلسوف عندما يتعلّق الأمر بالإسلام[2].

بداية لقاء هيغل بالإسلام:
يرى كثيرون أنّ اهتمام هيغل بالإسلام إنّما يرجع إلى مرحلة دراسته الثانويّة، وما كتبه من شذرات في بداية حياته الفكريّة، فقد كان الإسلام حاضرًا بقوّة في ذهنه منذ انطلاقاته الأولى، ويرى هذا الفريق أنّ هيغل استقى معلوماته عن الإسلام من كتاب جيبون: تاريخ انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة، خاصّة فيما يتعلّق بالفتوحات الإسلاميّة، وتطوّر العلوم عن العرب، ونقل كلّ ما يتعلّق بالمعارف الفلسفيّة والطبيّة إلى أوروبّا في العصور الوسيطة عن طريق مراكز ثقافيّة إسلاميّة في الأندلس مثل: طليطلة، فضلًا عن أماكن أخرى[3].

ويؤكّد أحد الباحثين على هذه البداية ويرى أنّ هيغل تعرّف على الإسلام أوّل ما تعرّف عليه خلال فترة السنوات الخمس بين 1788 و1793م، وذلك عندما كان طالبًا في المدرسة اللاهوتيّة اللوثريّة المسمّاة بـ«ستيفت توبنغن»، والتي تخرّج منها بنجاح، مرشّحة إيّاه ليصبح قسًّا بروتستانتيًّا، «ففي هذه المدرسة كانت العلاقة بين المسيحيّة والإسلام موضوعًا أساسيًّا من مواضيع مادة التاريخ، وبالطبع فإنّ هذه العلاقة تُطرح من وجهة نظر مسيحيّة شديدة العداء للإسلام آنذاك، ولمّا كنّا نعرف أنّ هيغل ظلّ طوال حياته الفكريّة شديد الانسجام الداخليّ مع العقيدة المسيحيّة، كما يؤكّد ذلك الكاتب الفرنسيّ ميشيل هولان في كتابه (هيغل والشرق)[4]  «وهذا يقوّي ما نذهب إليه من أنّ البعد اللاهوتيّ البروتستانيّ عند هيغل كان موجّهًا له في موقفه من الإسلام، وبما أنّ البروتساتنيّة التي كان هيغل يدين بها كانت تضمر العداء للإسلام، فإنّ هيغل قد تشرّب الاتجاه ذاته، فضمر العداء للإسلام من أوّل وهلة. ولكننا لا نقف عند حدود هذه المدرسة كعامل من العوامل التي حدّدت موقفه تجاه الإسلام، بل نرى أنّ الوضع أكبر من ذلك؛ لأنّ موقف هيغل هنا يعد إفرازًا لعوامل تاريخيّة، وعداء متأصّل منذ قرون، فالصراع كان على أشدّه بين الشرق والغرب، ربما منذ أوّل لقاء بينهما. هذا الصراع انتقل إلى مفكّري الغرب، حتى صار أغلبهم ـ إن لم يكن جلّهم ـ يظاهرون الإسلام العداء في كتاباتهم ونقاشاتهم وحواراتهم.

إنّنا لا نستطيع أن نغفل تلك المرحلة من حياة هيغل العلميّة؛ إذ لا يحسن بنا تغافلها، باعتبار أنّها كانت في مرحلة مبكرة من حياته، وما يُصبّ في العقول منذ الصغر لا يمكن الانفلات منه بسهولة، وهذا ما نراه في موقفه من الإسلام، خاصّة أنّ ثمّة العديد من الشواهد من نصوص هيغل ذاته على هذا الأمر. ولا نقف عن حدود المذهب البروتستانتيّ في ذلك، بل إنّنا نرى أنّ اللاهوت اللوثريّ كان أحد العوامل التي حدّدت موقفه من الإسلام؛ إذ من المعروف أنّ المذهب اللوثريّ نسبة إلى لوثر، كان ينظر للإسلام على أنّه نوع من التمرّد على الكنيسة، ومن ثمّ فهو خارج عنها، ويجب معاداته. 

فقد تربى هيجل على النظرة اللوثريّة والبروتستانيّة المتعصّبة، والتي كانت تنظر للإسلام نظرة تقليل واحتقار، بل إنّها لم تنظر إليه على أنّه دين سماويّ يضاهي المسيحيّة، بل لقد كان ينظر إليه نظرته إلى دين وضعيّ من صنع بشريّ، فالإسلام في نظر هؤلاء – حسب رأي أحد الباحثين – متّهم بثلاثة اتهامات[5]:

أولًا: اعتبار النبوّة المحمّديّة والديانة الإسلاميّة زائفتين، ومن صنع الشياطين، وموجّهتين ضد المسيح والمسيحيّة.
ثانيًا: اعتبار القرآن كمجموعة من النصوص المقتبسة بشكل مشوّه من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.
ثالثًا: اعتبار العرب شعبًا بدائيًّا يحبّ العنف وبسيط العقليّة، وبالتالي فهو عاجز عن أيّ تفكير منطقيّ أو إنتاج روحانيّ أو فلسفيّ جديدين.
ومن ثمّ فإنّ الحديث عن عدم تأثّر هيغل بتلك البيئة التي تصف الإسلام بذلك يعدّ حديثًا على غير أساس.

مصادره عن الإسلام:
ويمكننا القول إنّ هيغل حاول - خطأً – معرفة الفلسفة والفكر الإسلاميّ من غير مصادره المعتمدة أو المتعارف عليها، وهذا يقودنا إلى المصادر التي استقى منها هيغل نظرته عن الإسلام عقيدة وفكرًا، ويمكن أن نحدّد بعض هذه المصادر في الآتي:

كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون.
آراء المستشرقين المعاصرين له.
ترجمة ديوان حافظ الشيرازيّ بالألمانيّة.
الجانب الإيجابيّ في فهمه للإسلام:

ومع هذا لا نعدم شيئًا من الإنصاف عند هيغل في حديثه عن الإسلام، إذ يقرّر أنّ الميزة الأساسيّة للإسلام – الذي يسمّيه المحمّديّة - تتمثّل في كون الواقع لا يستقرّ على حال، وأنّ كلّ متحرّك حيّ يسير نحو لامتناهي العالم، بحيث تبقى عبادة الواحد هي الرابطة الوحيدة مع كلّ شيء. وفي هذا البعد وهذه القوّة يزول كلّ حاجز وكلّ تمييز قوميّ وصنفيّ، ولا فضل إذن لأيّ جنس على آخر، أو لأيّ حقّ سياسيّ بالولادة والملكيّة، فالإنسان المؤمن وحده له الفضل من حيث إنّه يعبد الواحد الأحد ويشهد بوجوده ويصوم ويتخلّص من شعوره الذاتيّ ويتزكّى، بمعنى أنّه ينفصل عن جزء من متاعه الخاصّ: وهذه كلّها هي أركان (الإسلام) السهلة، مع أنّ الفضل الأكبر هو في الجهاد في سبيل الحقّ، ومن مات كذلك فإنّ جزاءه الجنة[6].

ويصف هيجل هنا الإسلام وصفًا جيّدًا؛ لأنّه أدرك – حتّى وإن كان لم يفهم – مبدأ العالميّة في الإسلام، الذي يلغي كلّ الفواصل الجنسيّة والقوميّة والطبقيّة وغيرها، ليبقى المسلم – ليس على أساس تلك الفواصل الحاكمة -، بل على أساس الدين والعمل، أو التقوى والعمل الصالح. ورغم ذلك كان من المنتظر أن يضع هيغل الإسلام في تصنيف الأديان على طرق المطلق، باعتبار أنّه يحقّق له شيئًا مما كان ينادي به من الروح المطلق، إلّا أنّه لم يفعل، تحت إلحاحات عقديّة مسيحيّة لا أكثر.
كذلك من الجوانب الإيجابيّة عند هيغل في تناوله للإسلام أنّه أشاد بالحركة العلميّة في البلاد الإسلام، تلك الحركة التي كان لها فيما بعد تأثير كبير على أوروبا والحضارة الغربيّة، وقد أشاد بفترة حكم كلٍّ من المنصور جعفر، وهارون الرشيد، باعتبار أنّ فترة حكمهما من الفترات التي اهتم فيها المسلمون كثيرًا بالعلوم والفنون، كما أُنشأت العديد من المدن الكبرى في كلّ أطراف الدولة الإسلاميّة التي ازدهرت فيها التجارة والصناعة، وشُيدت القصور البديعة والمدارس العلميّة الراقيّة، وكان علماء البلاد يجتمعون في بلاط الخليفة، فأضحى هذا البلاط يشعّ ليس خارجيًّا فحسب بلمعان الأحجار الكريمة والأواني، وإنّما أيضًا وخصوصًا بفضل ازدهار الشعر وكلّ العلوم.

كذلك أيضًا وقوفه عند إلغاء الفوارق الطبقيّة والثقافيّة وغيرها في عصر صدر الإسلام، وقد راعه ما كان عليه الخليفة عمر بن الخطاب من إلغاء لكلّ فوارق الصنف والثقافة، إلى الحدّ الذي كان يسمح معه بأن يخاطبه العامّيّ والمرأة الصغيرة مخاطبة الندّ للندّ، بحيث إنّ كلّ فرد، من منطلق حرّيّة فكره، يسلك بإزاء الأمير كما يفعل مع ذويه وأشباهه.

ولا يخفي هيغل أثر الإسلام على الغرب والحضارة الأوروبيّة عامّة وعلى الجرمانيّين خاصّة، فقد كان يدرك أنّ العلوم، وخاصّة الفلسفة، إنّما أتت إلى الغرب من عند المسلمين، وقد كان لذلك دور مهمّ عند الجرمانيّين في احتكاكهم بالشرق. وهكذا توجه غوته أيضًا إلى آسيا وأعطى في ديوانه (الديوان الغربي-الشرقي) عِقد جواهر يفوق كلّ شيء في باب الرقة وسعادة الخيال[7].

الجانب السلبيّ:
أثر البروتستانتيّة في تشكيل صورته عن الإسلام:
وإذا كان هيغل يدرك جيّدًا أنّ العلوم والمعارف قد انتقلت من البلاد الإسلاميّة إلى الغرب، خاصّة وقد عايش ذلك في ألمانيا، فإنّه لا ينكر دور الإسلام في ذلك، «ويتحدث عن الإسلام كثورة الشرق، لكن دون أن يتلفّظ بكلمة إصلاح أو مقارنة صراحة بين الإسلام والإصلاح البروتستانتيّ؛ إذ كيف يطرحها، وهو يعلم أنّ أنصار الكنيسة التقليديّة قد اتهموا الإصلاح بالإسلام، وأنّ أنصار الإصلاح البروتستانتيّ ردّوا على خصومهم بالتّهمة نفسها»[8].

وهذا يعني أنّ ثمّة بعدًا لاهوتيًّا في الموضوع؛ إذ ليس البعد اللاهوتيّ مقصورًا على ربط قضاياي من الإسلام بموضوع عقديّ أؤمن به، بل قد يكون البعد العقديّ ظاهرًا في الخوف من إبداء رأي أراه؛ لأن أرباب المعتقد وأنصاره قد يلومون عليّ ذلك، ومن ثمّ فإنّ ظهور البعد اللاهوتيّ في موقف هيغل من الإسلام لا يمكن إخفاؤه، ولا الخجل من إبدائه؛ لأنه حقيقة ظاهرة، وسوف تؤكّدها السطور القادمة.

هذا فضلًا عن أنّ هيغل كان يفرّق بين أمرين فيما يتعلّق بالإسلام:
الأوّل: الإسلام التاريخيّ، وهو الإسلام الذي ينظر إليه كنظرة الفلاسفة العقليّة التي ترفض كلّ ما يتعلّق بالتاريخ ولو كان دينًا، ومن ثمّ فإنّه كان يعتقد - خطأ – أنّه انزوى من حلقة التاريخ.

الثاني: الإسلام كما مثّلته الإمبراطوريّة العثمانيّة بكلّ ما مرّت به من مراحل قوّة وضعف.
إلّا أنّه على كلّ حال كان لا يخفي اندهاشه وإعجابه بحركة التطوّر العلميّ الذي حازته البلاد الإسلاميّة، والتي انتقلت فيها العلوم الإسلاميّة من الشرق إلى الغرب، إلى الحدّ الذي جعل الشرق في صدارة الحضارة العالميّة آنذاك.

وتعدّ قضيّة تصوير الله في الإسلام من القضايا التي عملت على استحضار البعد اللاهوتيّ في ذهن هيجل، فالإسلام لا يقبل تصوير الله بأيّ حال من الأحوال، وهذه نقطة خلاف جوهريّة مع المسيحيّة، فإذا كان الإسلام يميل إلى تنزيه الذات الإلهيّة، فإنّ المسيحيّة على مختلف فرقها تميل إلى التجسيم؛ طبقًا لمعتقد حلول اللاهوت في الناسوت، إلا أنّه يمكن القول - فيما ينتهي إليه رأي هيغل – إنّه كان دائم المقارنة الذهنيّة بين موقف الإسلام هنا، وموقف الإصلاح البروتستانتيّ من جانب، وموقف الكاثوليك من جانب آخر.
وعلى الرغم من أنّ هيغل كان لا يضنّ بالاعتراف بفضل العرب على الغرب فيما يتعلّق بنقل المعارف والعلوم، خاصّة في مجالي: الفنّ والفلسفة، ونحن نعلم إلى أيّ حدّ كان هيغل مهتمًا بهذين الأمرين في ثلاثيّته الشهيرة: الفنّ والدين والفلسفة[9]، ومع هذا فقد ضنّ بالحديث عن أثر الدين الإسلاميّ في هذا الفضل، فهل هذا ناتج عن أبعاد منهجيّة؟ أم أنّه ناتج عن أبعاد لاهوتيّة تتعصّب للمذهب العقديّ، أو تخاف من مخالفته؟ يرى بعض الباحثين أنّ المطّلع على الظروف التاريخيّة التي كان يلقي فيها هيغل هذه المحاضرات في جامعة برلين الملكيّة في العقد الثالث من القرن التاسع عشر يدرك لماذا كان هيغل يكتفي بتلميحات هنا وهناك؛ فقد تغافل هيغل عن الاعتراف بأنّ الاحتكاك المباشر بالإسلام كان سببًا من الأسباب القريبة أو البعيدة للنهضة الأوروبّيّة أو الإصلاح الدينيّ في أوروبّا، وإن كان هذا البعض يرى أنّ هذا الافتراض يبدو ضروريًّا، على الأقلّ لإنقاذ صورة الثالوث المطلق: فنّ، دين، فلسفة، في تحقّق الروح المطلق في مسيرته الفكريّة[10].  

 وإذا كان هيغل يرى للفلسفة دورًا ثنائيًّا في كتاب: محاضرات في فلسفة الدين، الدور الأوّل، إزالة كلّ الحجب والفواصل بين الفلسفة والدين، والدور الثاني، تعطي الدين الإلهام الكافي للوصول إلى الحقيقة والحرّيّة في آنٍ واحد[11]، فإنّ ماهيّة الروح عنده هي الحرّيّة، وأكمل الدول لا تعدو أكثر من كونها قوّة خارجيّة، ومن ثمّ فإنّ الروح يصعد إلى ما هو أعلى من الدولة، وعندها يعمل على تحقيق ما يجده في نفسه من مثل عليا للجمال والله والحقيقة، فيولد عندها – في نظره – الفنّ والدين، ويصير الروح المطلق بالفعل، إذ يتحقّق على هذه الصورة في نفس الإنسان[12].

ليس هذا فحسب، بل إنّه يقدّم فكرته عن الروح المطلق على ما عداها من الأفكار، فالأديان – حسب ظنّه – تحدّدت بطبيعة الروح الذي اندفع في العالم من أجل إدراك وعيه لذاته[13].
ومن ثمّ يُفهم من الروح المطلق عند هيغل أنّ الأخير لا يقبل بظهور دين جديد، بصرف النظر عمّا إذا كان مقرونًا بوحي أم لا؛ إذ النتيجة بعد ظهور الدين المطلق واحدة، ومن ثَمّ فإنّ تلك الصورة التي رسمها هيغل لا مكان فيها للإسلام.

ومن المتعارف عليه عندنا نحن المسلمين أنّ اليهوديّة دين ذو خصوصيّة؛ حيث نزل على فئة معيّنة من البشر، وأنّ المسيحيّة دين ذو خصوصيّة واضحة أيضًا، بمعنى أنّه نزل على فئة معيّنة من البشر، أمّا الدين الذي لم يكن له خصوصيّة من حيث مَن نزل عليهم، فهو الدين الإسلاميّ، فهو ديانة عالميّة نزلت للناس كافّة دون استثناء، ومن ثم وجدنا هيغل يقارن بين الديانات الأخرى وبين الإسلام من حيث هذا الأمر، ومن ثم يشير في محاضراته في فلسفة التاريخ إلى أنّه لم يكن يهوه غير إله شعب واحد.. لم يعقد ميثاقه إلّا مع اليهود وحدهم، هذه الخصوصيّة ألغاها دين محمّد[14].

من الأمور التي نظر فيها هيغل إلى الإسلام بإيجابيّة – والتي سرعان ما سحبها منه - تلك المقارنة التي أجراها بين الإسلام والثورة الفرنسيّة، فإذا كانت الثورة الفرنسيّة ثورة تبعها التقدّم الأوروبّيّ على كافّة المستويات، وأحدثت تغييرًا جذريًّا في حياة الشعوب، فإنّ هيغل كان ينظر إلى الإسلام على أنّه ثورة الشرق[15]، بيد أنّه كان ينظر إلى حاملي هذه الثورة من المسلمين على أنّ مبدأهم الدين والعنف، مثل مبدأ روبسبير الحرّيّة والعنف. والحقّ أنّ اتهام الإسلام بالعنف ينبني – دون شكّ – على بعد تعصّبيّ واضح من جانب هيجل، وهي الدعوى التي تكرّرت كثيرًا.
ومما يلفت النظر أنّ هيغل لا يسمّي الإسلام باسمه، وإنّما يسمّيه بما سمّاه به المستشرقون، أي الديانة المحمّديّة، وهي لون من ألوان التعصّب الذي نجده عند هيجل، ولا يخفى علينا أسباب اختيار هذا الاسم من قبله أو من قبل المستشرقين، فهي محاولة لاتهام الإسلام بأنّه ليس دينًا سماويًّا من عند الله تعالى، وفي محاولة لإلباسه لباس الدين الوضعيّ البشريّ، فهذا الدين الإسلاميّ على ظنّهم الخاطئ من وضع محمّد صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت المسيحيّة نسبة إلى المسيح، فإنّ المحمّديّة عندهم نسبة إلى محمّد. ولسنا هنا في معرض الرد على تلك الفرية، إذ أفاضت الكتب الإسلاميّة المهتمّة بالشبه والأباطيل المثارة ضدّ الإسلام في الردّ على هذه القضيّة[16]. وهذا يقوّي الزعم لدينا بأنّ البعد اللاهوتيّ كان موجّهًا لهيجل في نظرته إلى الإسلام، ولم يكن العقل – الذي لطالما نادى بتمجيده – بمعزل عن الأفكار السابقة التي جاءت بها المسيحيّة البُولُسِيّة.

مكانة الإسلام في تصنيف هيغل للأديان:
إذ كان هيغل قد قسّم مجموعات أشكال الدين المثلّثة إلى ثلاث مجموعات تحت عناوين ذات دلالة على تطوّر الروح صعودًا نحو الوعي بذاته وبحرّيّته: فمن «الدين المباشر» على حرف البداية ممثّلًا بالسحر ننتقل إلى المجموعة الأولى بعنوان «انفصام الوعي في ذاته» ممثّلة بالدين الصينيّ (الاعتدال)، والدين الهنديّ (الخيال)، ودين اللامائيّة (الوجود الجوّانيّ)؛ ثم إلى المجموعة الثانية بعنوان الجواز نحو الذاتيّة ممثّلة بالدين الفارسيّ (دين الخير أو النور)، والدين السوريّ (دين الألم)، والدين المصريّ (دين الرمز)؛ ثمّ إلى المجموعة الأخيرة بعنوان أديان الفرديّة الروحانيّة ممثّلة بالدين العبريّ (دين الجلال أو الوحدة)، والدين اليونانيّ (دين الجمال أو الضرورة)، والدين الرومانيّ (دين الغائيّة أو العقل). لينتهي مسار الروح إلى حدّ الغاية ممثّلًا بالمسيحّية أو الدين المطلق والمتجلّي، وهكذا إذن فإنّ البنية العامّة لعرض أشكال الدين في التكوينيّة التي يقدّمها هيغل تتمثّل في ثلاث مجموعات دينيّة كلّ واحدة منها مؤلّفة من ثلاثة أديان.

أقول إذا كان قد قسّم الديانات هذا التقسيم، فإنّه تغافل هنا عن الإسلام كدين لا زال تأثيره قائمًا في الإنسانيّة بأسرها، ولا ندري كيف لهيجل العقلانيّ أن يدرج السحر في أوّل محطّاته ضمن تصنيف الدين، ولا يدرج الإسلام في تلك السلسلة؟ فهل الأمر مرتبط بالتعصّب؟! أم مرتبط بعدم العلم؟! أوّلًا يمكن أن ننحّي من البدء الفرضيّة الثانية، لا لشيء إلّا لأنّ الإسلام كان معروفًا لهيجل وغيره، خاصّة وقد امتدحه في بعض المواقف، ومن ثمّ فلا يتبقّى لنا إلّا الفرضيّة الأولى، وهي فرضيّة التعصّب، ونحن نؤمن بهذه الفرضيّة ونتمسّك بها، والأدلّة على ذلك كثيرة، وثمّة العديد من الأدلّة التي تثبت هذه الفرضيّة، أوّلها ما تكشف عنه المرحلة الأخيرة من تطوّر الوعي الإنسانيّ، فقد اختار هيغل المسيحيّة الغاية التي تنتهي عندها مسارات الروح الإنسانيّ، وجعلها ركيزة الدين المطلق أو المتجلّي، وثانيها أنّ الإسلام باعتباره دينًا خاتمًا، يمثّل المرحلة التي كان يبحث عنها هيغل لولا تعصّبه، خاصّة وأنّه قرأ في المصادر التي تحدّثت عن الإسلام، وهي مصادر متنوّعة ما بين الصحيح والزائف، فاختار أن يسير في جوار الزائف طارحًا العلم والمنهجيّة العلميّة التي نادى بها أرضًا. 

الإسلام والوعي الإنسانيّ - الروح المطلق:
يؤسّس هيغل فكرته عن الوعي الإنسانيّ هنا في علاقته بالروح المطلق على الركن الأساسيّ في المسيحيّة القائم على أساس أنّ المسيح ابن الله، بيد أنّه لا يطرحها بتلك الصياغة العقديّة الإيمانيّة، ولكنّه يصوغها على نحو فلسفيّ، فيجعل الإنسان كإنسان ابنًا لله في كينونته وجوهره، وهذا دليل قويّ على تدخّل فكرة المسيحيّة عن الله والإنسان في تصوّر هيغل للدين الإسلاميّ.

وإذا كان هيغل قد قسّم مراحل الوعي الإنسانيّ لعدّة مراحل: مرحلة ليل الوعي الإنسانيّ، أي مرحلة ما قبل الوعي الإنسانيّ، ويعطي مثالًا عليها بأفريقيا، ومرحلة طفولة الوعي الإنسانيّ، ويضرب لها مثالًا بديانات الشرق كالصين والهند وفارس القديمة وبابل ومصر القديمة، ومرحلة ريعان الوعي الإنسانيّ، ممثلًا لها بالحضارة الإغريقيّة، ثم مرحلة الفتوّة ويمثّل لها بالحضارة الرومانيّة، ثم مرحلة الكهولة، ونضج الوعي الإنسانيّ ممثلًا لها بالمسيحيّة، فقد «وضع المسيحيّة فيما بعد، أو أعاد وضعها فلسفيًّا على يديه، في مرتبة أعلى من الدين اليونانيّ»[17] – أقول إذا كان قد قام بهذا التقسيم، فإنّ هذا ينمّ عن تعصّب واضح للمسيحيّة التي جعلها في قمة هرم الوعي الإنسانيّ مقدِّمًا إيّاها على جميع المراحل السابقة، غاضًا الطرف عما تبعها من مراحل.

وقد بنى هيغل تفضيله للمسيحيّة كذروة تطوّر الوعي الإنسانيّ على مجموعة من الأمور حسب ظنّه[18]:   
أنّ المسيحية تنظر للإنسان على أنّه ابن الله.
تبنّيها المحبة كأساس لعلاقة الناس.
التوازن بين الفرد والمجموع، فاحترام الفرد يمثّل احترام المجموع.
الديمقراطيّة والانتخاب دليل على هذه الموازنة.

ولعلّ هذه الأسس دليل على تعصّب هيغل الواضح لديانته المسيحيّة؛ إذ بنظرة سريعة للإسلام نجد أنّه يتضمّن ما هو أفضل وأكثر قيمة من تلك الأسس، بحيث تدلّ على وعي إنسانيّ كان يبحث عنه هيجل، ولو أنّ هيغل قرأ الإسلام جيّدًا – ونحن نظنّ من جانبنا أنّ قراءاته عن الإسلام لم تتجاوز بعض المصادر التي تعاملت مع الإسلام بسطحيّة أو بعض المصادر التي تعاملت معه بتعصّب – لعلم أنّه المرحلة المهمّة التي كان يمكنه الانطلاق من خلالها لتأكيد فكرته هذه، إلا أنّه لم يفعل، بل فوّت على نفسه فرصة كانت سانحة لولا قلّة اطلاعه عن الإسلام من مصادره الرئيسة، وقد تساءل أحد الباحثين مستنكرًا عن الأسباب التي دعته إلى عدم إدراج الإسلام ضمن مراحله هذه قائلًا: «والحال أن ظهور الإسلام في الشرق بالذات جغرافيًّا وبعد المسيحيّة بالذات، يبدو كضربة قويّة لهذا المنظور التطوّريّ الجغرافيّ- التاريخي؛ لأنّنا لا نستطيع أن نفهم كيف يستطيع الشرق أن يلعب دورًا عالميًّا في تطوّر الوعي، في حين أنّ هذا التطوّر لا يمكن أن يحصل إلّا في الغرب من جهة، ومن جهة أخرى أنّ ظهور الإسلام بعد المسيحيّة تاريخيًّا لا بدّ أن يقود إلى الاستنتاج أنّ الإسلام كوعي روحانيّ هو بالضرورة أكثر تطوّرًا من الوعي الروحانيّ المسيحيّ، لا سيّما وأنّ هذا الاستنتاج يبدو بديهيًّا إذا احترمنا المنهج الهيغليّ نفسه. فإلى أيّ حدود التزم هيغل نفسه بهذا المنهج الذي أراد له أن يكون علميًّا وصارمًا، وإلى أيّ مدى استطاع الانحياز لـ«العلم الفلسفيّ» والتحرّر من انحيازه الطبيعيّ لثقافته الخاصّة؟»[19].

وعلى الرغم من ما قام به هيغل من ترتيب مراحل الوعي الإنسانيّ دون أن يعير الإسلام اهتمامًا أو ذكرًا، إلّا أن الحضور الإسلاميّ كان قويًّا في هذ المراحل، هذا ما أكّده بعض الباحثين بالقول: «وتتضمّن هذه البنية بعدًا آخر يلازمها من البداية إلى الغاية هو حضور الإسلام في كلّ هذه المراحل، لكنّه غائب بما هو واحد منها، الملفت خاصّة هو حضوره حضور الندّ المضادّ في غاية الكلام على الشكل الدينيّ الأتمّ، وهذا الحضور الممثّل للوجه السلبيّ من المسيحيّة التي يعتبرها الدين الخاتم يجعلنا نتساءل عن حقيقة هذا التقابل بين الإسلام والمسيحيّة ليس في فلسفة الدين وحدها، بل وكذلك في فلسفة التاريخ (المرحلة الرابعة أو المرحلة الجرمانيّة من تاريخ البشريّة، ولا شكّ أنّ لهاتين الصلتين بالفلسفتين علاقة واضحة بالتاريخ الفعليّ؛ لأنّ كلّ التاريخ الوسيط إلى بدايات التاريخ الحديث كان صراعًا بين الحضارتين العربيّة الإسلاميّة والجرمانيّة المسيحيّة (الجرمانيّة يعني الشعوب البدائيّة التي قضت على روما وورثت أرضها وتراثها)»[20]. ومن ثمّ فإنّنا نظنّ أنّ هيغل وهو بصدد هذه المراحل كان يستحضر الصراع التاريخيّ بين المسيحيّة والإسلام، أو بعبارة أدقّ بين الحضارة الغربيّة والحضارة الإسلاميّة. 

ونرى أنّ ثمّة إشكاليّة وقع فيها هيغل – كما وقع فيها غالبيّة المستشرقين الذين درسوا الإسلام – وهي الخلط الدائم بين الإسلام كدين وبين المسلمين بأفعالهم وتصرّفاتهم، فكلّ خطأ تاريخيّ وقع فيه بعض المسلمين - والذي من المفترض أن يحاسب الفرد عليه وحده ويحمل وزره وحده – يتمّ إلصاقه بالإسلام، وقد رفض الإمام محمد عبده من قَبل الاحتجاج بالمسلمين على الإسلام؛ لأنّ البون بينهما شاسع، بعدما أهمل المسلمون تعاليم دينهم[21].
بل إنّ هيغل قد يتحدّث عن أمور لم تحدث مطلقًا، رغبة في اتهام الإسلام والمسلمين، مع ما في ذلك من أخطاء منهجيّة لا تخفى على أحد، وقد وقع هيغل في هذه الأخطاء في موقفه من بعض القضايا، من نحو: اتهام الإسلام بالعدوان على العلم، واتهامه بقتل الرافضين في الدخول إلى الإسلام من أبناء البلاد التي فتحها المسلمون، وغيرهما من القضايا التي أثبت التاريخ زيفها، بل إنّ التاريخ الموثوق به يحدّثنا عن خلاف ما كان يميل إليه هيجل، وما ينطق به من دعاوى.

وفي الاتجاه نفسه يرى هيغل أنّ الشرق نفسه، بعد تدرّج الحماس نحو الزوال، سقط في اللاأخلاق الواسعة النطاق، بحيث سيطرت الأهواء البالغة الفحش في ظنّه، بل يدّعي أنّ الشهوة توجد سلفًا في المذهب المحمّديّ، ولو في شكل أوّليّ وتُعرض كجزاء في الجنّة، وإنّها حلّت من بعد محلّ الحماس. بل يذهب إلى أنّ الإسلام قد اختفى منذ زمن من ميدان التاريخ العالميّ، ودخل في فتور الشرق وهدوئه، وذلك بعد أن انحسر في آسيا وأفريقيا وبقي فقط في زاوية من أوروبّا، نظرًا لحسد  القوى المسيحيّة[22].

فهل سقط الإسلام في اللاأخلاقيّة الواسعة؟ وهل يقصد بالإسلام الإسلام ذاته أم المسلمين؟ نحن من جانبنا لا نشكّ لحظة في أنّ هيغل يتّهم الإسلام، ويحاول أن يؤيّد وجهة نظره الباطلة من خلال أفعال بعض المسلمين، ولكي يؤسّس وجهة نظره ويوهم القارئ الغربيّ بصحّتها يتهم الإسلام، ممَثّلًا في رسوله الكريم صلى الله عليه وسلّم بالشهوة، وهي فريَة لا نظنّ مشتشرقًا حمل على الإسلام، إلّا وقد بنى حملته المشّوهة على هذه الفرية الباطلة، وما المانع في أن يصوّر الجزاء في الجنة على أساس من المحسوس – التي يسمّيها هيغل شهوة – تقريبًا للأفهام؟! وتوضيحًا للأمر، ما دام شعار القاعدة الربّانيّة: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وهل سقط الإسلام أو المسلمون حقًّا في اللأخلاقيّة الواسعة؟ أما سقط فيها الغرب من قبل وإلى الآن؟ يمكن القول إنّ هيغل لم يستدلّ بدليل واحد على ما يذهب إليه هنا، ولو أراد هيغل أن يثبت وجهة نظره لاختار لنا دليلًا على ما يذهب إليه، فهل يقصد بالسقوط اللاأخلاقيّ لدى المسلمين تلك الفتوحات التي قامت بها الدولة العثمانيّة في أوروبّا؟ أم يقصد انتهاء عصر المسلمين العلميّ وانزوائهم ناحية الحياة بمادّيّتها؟ لعلّه هنا يقصد الأمر الثاني؛ حيث إنّ السياق يدلّ على ذلك؛ لأنّه يتّهم بالمسلمين بالتدهور عن السباق والتقدّم العالميّ.
لكننا هنا نتساءل: أنّه هل حقّق التقدّم العلميّ الغربيّ الأخلاق الواسعة للعالم أو حتى للغرب؟ الإجابة حتمًا بالنفي، ومن ثمّ فنحن لسنا مع ما يقوله أحد الباحثين: «إذن، من الواضح من كلّ ما تقدّم أنّ معلومات هيغل عن الإسلام والعرب والشرق الإسلاميّ كانت مهمّة جدًّا نسبيًّا، وواسعة ومتنوّعة بشكل مثير؛ ولهذا فهي ستسمح له في بلورة منظوره الفلسفيّ الخاصّ حول الضرورة التاريخيّة والطبيعة العميقة للإسلام كمكوّن أساسيّ في الحضارة وفي التاريخ الإنسانيّ، وهذا المنظور يبدو كاملًا وعميقًا في الواقع إذا تفحّصنا كتابات هيغل بدقّة، على الرغم من أنّ آراءه بهذا الصدد تكاد تكون خفيّة في كتاباته التي نشرها في حياته، ثمّ متفرّقة ومبعثرة جدًا في دروسه البرلينيّة التي تحوّلت بعد موته إلى مؤلّفات مهمّة مثل: دروس فلسفة التاريخ، ودروس فلسفة الدين، ودروس تاريخ الفلسفة، ودروس فلسفة الجمال»[23].

إذ على العكس من ذلك فإنّنا نجد أنّ الرجل لم تكن له أدنى دراسة بعقائد بالإسلام إلّا بـ صورة سطحيّة؛ لأنّه كان تحت سطوة أيديولوجيّته واتجاهه اللاهوتيّ، فهو لم يعرف الإسلام – أو القدر القليل الذي عرفه عنه – إلّا من خلال كتب خصومه، أعني المسيحيّة البروتساتنيّة وغيرها، ومن ثمّ فإنّ معلومات هيغل عن الإسلام لم تكن ذات أهمّيّة، إلا لتكريس التصوّر اللاهوتيّ عن الإسلام، فضلًا عن أنّها لم تكن بحال ما واسعة أو وافية، أو متنوّعة المصادر؛ إذ لو كان الأمر كذلك، لأتاح له تكوين فكرة صحيحة عن الإسلام، وبما أنّه لم يرجع إلى المصادر الأساسيّة في الإسلام – قرآنًا وسنّة – فإنّه لم يستطع أن يكون صورة صحيحة ومنصفة عنه، نعلم أنّه في بعض كتاباته ذكر القرآن وذكر السنة، ولكنّه ذكر عدم العلم، وعدم الفاهم بمضمونهما، فاكتفى بالمصادر اللاهوتيّة التي ترجمت بعض مضامين القرآن دون غيرها.

وقد نقد الأستاذ محمد البهي - في كتابه رسالة في الإسلام بين هيغل ومحمد عبده - هيغل هنا؛ حيث يرى أنّ هيغل حكم على الإسلام من خلال أعمال بعض المسلمين، وكان الأولى به أن يرجع إلى مصادر الإسلام، وهي: القرآن والحديث وما أجمع عليه الأئمة. وعاب على هيغل طريقته في البحث، وقال بأنه  لن يكون عادلًا في حكمه إذا ما نسب إلى الدين المسيحيّ عداءه للعلم ومحاربته لحرّيّة الفكر[24].

وقد استند الأستاذ البهي في ذلك إلى بعض الحوادث التي منها[25]:
(1) إعدام (حيباتيا) المصريّة، وكانت سيّدة من أفذاذ العلماء الرياضيّين عام 415 ميلاديّة، وذلك أثناء تعقّب النصارى للفلاسفة.
(2) إحراق 1220 شخصًا بالنار فيما بين سنة 1481 و1499م وهم أحياء تنفيذًا لأحكام الرقابة الموضوعة على الكتب وأصحابها.
(3) إحراق جيوردانو بروفو الذي قال بالوحدانيّة الربّانيّة.
(4) إحراق الكردينال زيمنس 8000 مجلّد من الكتب العلميّة في غراناطة.

إنّ كلّ هذه الأعمال لا تؤدّيها التعاليم الدينيّة المسيحيّة، وكلّ بحث يرتكز على مثل هذه الأشياء يكون خاطئًا. وهكذا كان هيغل في بحثه عن الإسلام.

نحن مع صاحب هذا الرأي في موقفه من هيغل هنا إذا كان ينظر للإسلام على أنّه ليس عقيدة فحسب، وإنّما علوم ومعارف وحضارة أنشأها أتباعه والمؤمنون به، خاصّة أنّنا ذكرنا سابقًا أنّ هيغل كغيره من المهتمّين بالفكر الإسلاميّ كان يتحدّث عن الإسلام ككيان يضمّ – فضلًا عن العقيدة – العلوم والمعارف والحضارة الإسلاميّة والتاريخ الإسلاميّ.
ونحن هنا نتساءل إذا لم يكن هيغل متأثّرًا بلاهوتيّته القديمة، فلماذا خلا كتابه: محاضرات في فلسفة الدين من أيّ فصل يتحدّث عن الديانة الإسلاميّة؟! ألم يتناول في هذا الكتاب الأديان البشريّة صغيرها وكبيرها؟! فلماذا غضّ الطرف عن الإسلام؟! هل ظلّ هيغل يحمل شيئًا من جاهليّته القديمة - أقصد بالطبع لاهوتيّته - وما كانت تحمله من حقد على الإسلام؟! وإذا كان هيغل قد تناول الإسلام في كتاباته - في فلسفة التاريخ، وفلسفة الجمال، وتاريخ الفلسفة - الإسلام في بعض الفصول وبعض السطور، فلماذا غلب على النصوص التي نقلها عنه التشرذم والتسرّع في إصدار الأحكام فيها؟! وكأنّه كان مجبرًا ومكرهًا على الحديث عنه؟!

إن الإجابة على هذه الأسئلة تكمن في شيء واحد وهو أنّ الإسلام – الذي اتّخذ منه هيغل موقفًا غير علميّ ولا أخلاقي – كان سينسف بالكامل نظريّة هيغل عن الوعي الإنسانيّ على طريق الروح المطلق، والتي جعل ركيزتها ثلاثة: الفنّ والدين والفلسفة، فهيجل بنى نظريّته على أساس مكانيّ وأساس زمانيّ، الأساس المكانيّ يتمثّل في كونه جعل تطوّر الوعي الإنسانيّ يبدأ من الشرق في أفريقيا، مرورًا بالصين والهند ومصر وانتهاء بالغرب، الذي له الأفضليّة باعتباره ممثلًا للديمقراطيّة البرلمانيّة الانتخابيّة، والأساس الزمانيّ يتمثّل في أنّ كلّ مرحلة زمانيّة كانت تأتي بالجديد والمزيد من الوعي الإنسانيّ، وقد عدّ هيغل المسيحيّة هي القاسم الذي ينتهي عنده الأساسان، فالغرب مسيحيّ والمسيحيّة زمانيًّا في رأيه هي مرحلة اكتمال الوعي الإنسانيّ.

ومن ثمّ فإنّ محاولة إدراج الإسلام ضمن هذا الإطار الذي رسمه لتطوّر الوعي الإنسانيّ سوف يهدم له نظريّته من الأساس ببعدها المكانيّ على الأقل لأنّه من الناحية المكانيّة كان ذلك سيجبره على جعل مرحلة اكتمال الوعي الإنسانيّ تعود إلى الشرق، باعتبار أنّ الإسلام من الناحية المكانيّة بدأ في الشرق الإسلاميّ، ثمّ جاب العالم كلّه بعد ذلك، وهذا ما كان ليقبله هيغل من الأساس؛ لأنّه بنى فكرته هنا على نظام فوقيّ جنسيّ وعَقَديّ، يتمثّل في الإعلاء من الغرب ممثّل العقيدة المسيحيّة في العالم، أما من الناحية الزمانيّة، فإنّ هيغل لو أدرج الإسلام في نظامه ونظريّته هنا لأكّد نظريّته، استنادًا إلى أنّ الإسلام زمانيًّا كانت تاليًا للمسيحيّة، بما يعني أنّه يحمل الجديد في مرحلة الوعي الإنسانيّ، ولو فعل ذلك لكان متوافقًا منهجيًّا – على الأقلّ – مع هذا النظام، إلّا أنّه ارتضى التناقض، ونسف نظريّته من الأساس في رأينا نتيجة أيديولوجيّة مقيتة. 

ألم يذهب هيغل إلى وصف الإسلام بأنّه ثورة الشرق الروحيّة؟! فلماذا لم يدرجه ضمن نظامه الفلسفيّ؟! وإذا كان الإسلام ثورة روحيّة في الشرق، فلماذا لا يدخل – فضلًا عن أن يعتلي – نظامًا هدفه الأساس الروح المطلق؟! لعله كان ينظر إليه على أنّه ثورة من نوع آخر، ثورة مضادّة ضدّ سيرورة انتقال بناء الوعي الإنسانيّ نحو الروح المطلق من الشرق إلى الغرب؟! ومن ثمّ فليس الأمر هنا أمر فشل هيغل في إدخال الإسلام في نظريّته الفلسفيّة أو في الإطار الفلسفيّ الذي تبنّاه، وإنّما تُصاغ القضيّة على وجه آخر مؤدّاه: أنّ هيغل لجأ عمدًا إلى ذلك من أجل اعتباراته الدينيّة والجنسيّة.
وعلى الرغم من أنّ هيغل ربما أدرك أنّ هذا الأمر سيجلب عليه كثيرًا من أوجه النقد، فلكي يتحاشى ذلك ذهب إلى أنّ المسيحيّة الحقّة التي جعلها في قمّة هرم الوعي الإنسانيّ ليست إلا مسيحيّة لوثر والبروتستانتيّة، بما يعني أنّ ما سبق المسيحيّة الحقّة كما يزعم ليس إلا ديانات مزعومة، ومن ثمّ فلا الكاثوليكيّة معبّرة عن المسيحيّة الحقّة ولا عن الروح المطلق، ولا المسيحيّة الشرقيّة كذلك، ولا الإسلام يعبّر عنه، لا لشيء في نظره؛ لأنّ المسيحيّة لن تُفهم حقًّا إلى على يد لوثر - أقول على الرغم من ذلك فإنّ التعصّب للمذهب اللاهوتيّ الذي أبداه هيغل في شكله البروتسانتيّ ليس في حاجة إلى بيان، والمتأمّل في كتاب تاريخ الفلسفة الغربيّة لبرتراند رسل يبيّن لنا كيف كان موقف هيغل البروتستانتيّ يمثّل اتجاهًا أيديولوجيًّا؛ لأنّه ينتهي – في التحليل الأخير – إلى أنّه في العصور التي تلت الإصلاح كان الضعف السياسيّ الألمانيّ موضع أسىً من الجميع؛ ومن ثمّ كان هناك ترحيب بالنهضة التدريجيّة لبروسيا، من حيث كونها تقود ألمانيا إلى مرحلة القوّة تحت الزعامة البروتستانتيّة، وليس تحت زعامة النمسا الكاثوليكيّة الضعيفة شيئًا ما[26].

وما كان هذا يُؤمل من رجل كان يملأ الدنيا – أو هكذا عُرف عنه – بأنّه علميّ عقلانيّ، «وبهذا يصفّي حساب البروتستانتيّة مع كلّ الديانات الأخرى التي يمكن أن تتّهمها بالهرطقة واللاشرعيّة، ومن الواضح أنّ انحياز هيغل لديانته البروتستانتيّة هنا صريح ومفجع بشكل يضرب في الصميم تأكيداته السابقة حول «العلميّة» في الفلسفة، مما يدعم الرأي السائد في بعض الأوساط الفلسفيّة الكاثوليكيّة، والقائل بأنّ الفلسفة الهيغليّة ما هي في الواقع سوى العقيدة الدينيّة اللوثريّة مصاغة بلغة الفلسفة، وأنّ كلّ مزاعم هيغل حول العلميّة والحياديّة والبحث العميق غير قادرة على طمس هذه الحقيقة الكبيرة»[27].

اتهام الإسلام بالتعصّب:
يتّهم هيغل الإسلام عمدًا – في ظنّنا – بالتعصّب، ولكن هل هذا التعصّب تعصّب محمود كتعصّب المدافع عن عقيدته؟ أم هو من التعصّب المذموم الذي يتنازل فيه المتعصّب عن عقله، ويكون كلّ هدفه التعصّب من أجل حبّ الانتصار على المخالف، وليس حبّ الوصول إلى الحقيقة؟  حقًّا يعدّ الإسلام في نظر أتباعه المؤمنين به أنّهم في أفعالهم يتّجهون إلى اللانهائيّ بكلّ قوّتهم، وأنّ عبادة الله وحده هي الرابطة الوحيدة التي تجمع بين المؤمنين، وفي سبيل ذلك تنمحي كلّ الفواصل والحواجز بينهم، فلا وجود للطبقيّة، ولا لغيرها من المظاهر، بل لا توجد أيّ امتيازات من ناحية الثروة أو السلطة أو المولد، أو العرق، بيد أنّ المسلم المؤمن يكتسب هذه القيمة وهذه الميزة بإيمانه، وهذه الميزة إنّما تتجلى من طاعته وعبادته لله وقيامه بفرائض الصلاة والصوم والتجرّد من الشهوات الجسديّة، أمّا الاستحقاق الأكبر لهذه الميزة، فهو الموت في سبيل الدين والإيمان؛ رغبة في الجنّة.

فهيغل الذي يورد كلّ هذا يتّخذ منه – في وجهة نظره الباطلة – دليلًا على التعصّب الإسلاميّ، مع أنّ واقع الأمر كان من المفترض، أن يقوده إلى أنّ هذه المعاني السامية جديرة بكلّ احترام؛ لأنّها تلغي الفواصل الطبقيّة أيًّا كان نوعها، رجاء رابطة واحدة هي رابطة الإيمان، إلا أنّه لم يفعل.
يذهب هيغل إلى أنّ من يستحقّ النظر إليه بالاعتبار في نظر الإسلام والنبيّ محمّد خاصّة إنّما هم المؤمنون وحدهم، واصفًا هذا الموقف بأنّه لا يقوم إلّا على نظرة ضيّقة، بل هي عنده بالأحرى نظرة تعصّب، مدعيًا بأنّ الرابطة العائليّة العشائريّة كالتي توجد في اليهوديّة من خلال إبراهيم وإسحق ويعقوب، وكذلك رابطة الانتماء إلى وطن من الأوطان أفضل من الرابطة التي أتى بها الإسلام، بزعم أنّها أفسح مجالًا وأوسع منه ([28])، ويؤسّس على تلك المقدّمة نتيجة مؤدّاها: أنّ الإسلام في جوهره وبنيته دين تعصّب، تعصّب هدفه الرئيس تعميم اعتناق الإسلام على العالم[29]. 

وهل المسيحيّة التي اعتنقها هيغل لم تكن على شيء من التعصّب؟! ألا تقيم رابطتها – وهذا ما نجده ظاهرًا بين الأفراد والدول والأمم الآن وقبلًا – على أساس من الرابطة المسيحيّة؟! وإذا لم تكن هذه الرابطة موجودة، فعلام اجتمعت دول مثل إنجلترا وفرنسا وغيرهما قديمًا في الحروب الصليبيّة، وحديثًا في الاحتلال؟! أتراهم اجتمعوا على الرابطة العائليّة أو الرابطة الي تجمع بين بلد محدّد؟! وإذا كان هيغل يرى ذلك، فما قوله فيما انتهجه من آراء تحت إلحاحاته البروتستانتيّة؟! ألم ينتمي لرابطته التي فضّلها على الكاثوليكيّة والمسيحيّة الشرقيّة وهما من المسيحيّة؟! أم تراه فعل ذلك تحت إلحاحات وطنيّة؟!

كان على هيغل قبل أن يُلصق التعصّب بالإسلام أن يبرّأ ساحته أوّلًا من التعصّب للمذهب البروتستانتيّ، وكان عليه ثانيًا أن لا يقع فيما حذّر منه، حتى لا يكون هناك فصل بين النظريّة والتطبيق، ثم إذا كان تعصّب الإسلام هدفه الرئيس تعميم اعتناق الإسلام على العالم، فماذا صنعت المسيحيّة، هل ظهرت بمظهر المتسامح، فلم تدع مطلقًا لتعميمها على العالم ومحاولتها اعتناقه لها؟!
والغريب أنّ هيغل فيما يتعلّق بالإسلام دائمًا ما كان يغلب أيديولوجيّته ومذهبه المسيحيّ، فهو يرى أنّ الخوف من الله هو الشعور المتحكّم في المسلم، فيدعوه إلى نشر الإسلام وتعميم استخدامه، لو باستخدام سلاح التدمير والعنف، وكأنّه لم يسمع شيئًا عن الحروب الصليبيّة التي تعدّ من أكبر الهجمات البربريّة على مرّ التاريخ، وما صاحبتها من محاولة إجبار الناس – في المدن الإسلاميّة التي أغاروا عليها - عنوة على اعتناق دين الغازي، ويا ليت هيغل شهد موجات الاحتلال في العصر الحديث، ومحاولة القضاء على كلّ ما هو إسلاميّ في البلدان الإسلاميّة المحتلّة، أو يا ليته شهد حملات التبشير التي جابت الأرض رغبة في نشر المسيحيّة، واعتناقها ومحاولة تعميمها على الناس، ليقول لنا ما رأيه، لعله وقتها كان سيدير وجهه وكأنّه لا يرى شيئًا، ثم يعيد الكرّة في الهجوم على الإسلام مرّة أخرى. 

ومن ثمّ فإنّنا نقول من دون مواربة إنّ هيغل لم يستطع أنّ يتخلّص من لاهوتيّته في موقفه من الإسلام؛ إذ ظلّ منحازًا ومتحاملًا بصورة لا نجد ما يبرّرها عند فيلسوف ملأ الدنيا بأنّه فيلسوف العقل، ولأنّه لم يكن على دراية عميقة بالإسلام – تلك الدراية التي تتطلّبها كلّ منهجيّة سليمة تبغي لنفسها محاولة الوصول إلى الصواب، وعدم الانجراف وراء التيّار المتعصّب –، فإنّ النتائج التي انتهى إليها لم تكن لتقنع أحدًا، إلّا أولئك النفر الذين صادف كلامه هوىً لديهم، وهذا يقودنا إلى نتيجة مؤدّاها: أنّ الفلسفة الهيجليّة ظهر عوارها الشديد في الأحكام غير المدروسة التي حكم بها على الإسلام.

هيجل وأركان الإسلام:
يرى بعض الباحثين أنّ هيغل تطرّق إلى موضوع أركان الإسلام بصورة سريعة توحي لنا بعدم إلمامه الواضح بقيمة هذه الشعائر، وذلك في الجزء الرابع الذي خصّصه عن العالم الجرمانيّ؛ حيث خصّص فصلًا في هذا الجزء – هو الفصل الثاني – عن المحمّديّة، والمقصود الإسلام.
فقد حصر هيغل فريضة الصيام في تخلّي المسلم عن الشعور بالوجود الذاتيّ والخاصّ، وحصر الزكاة أو الصدقات في التخلّي عن مبدأ التملّك الذاتيّ والخاصّ أيضًا[30].

«والسؤال هو أنّه هل فهم هيغل طبيعة الفروض الدينيّة الإسلاميّة إذا اعتمدنا على فهمه للصوم والصدقة عامّة والزكاة خاصّة، أم أنّ محاولة قراءة واجبات المسلم في ضوء نظريّته التي تعتبر الإسلام الرديف السالب لدور المسيحيّة الجرمانيّة هو الذي حال دونه والقراءة الصحيحة لمعاني الفروض الدينيّة في الإسلام؟ أليست هذه قراءة مسيحيّة لعلاقة المسلم بالقيم الدنيويّة ودلالتها الروحيّة، وهي قراءة أسقطها هيغل ليفهم الإسلام من منظور كان الإسلام ثورة عليه، وتلك هي منزلته في التاريخ الروحيّ للإنسانيّة، وهي منزلته التي جعلته يعتبر نفسه الدين الخاتم لكونه الدين الفاتح الذي حرّفته التجارب الدينيّة التي من بينها ما ينطلق منه هيغل؟” [31]

وهذا كلّه يقودنا إلى أنّ البعد اللاهوتيّ البروتستانتيّ خاصّة في موقف هيغل من كلّ ما هو إسلاميّ، وإذا كان هيغل ينتقد هذه الأركان، فهل نجد مثل هذا النقد لمعاني الصوم والصدقة في الديانة المسيحيّة؟ بالطبع لا، ولو أنّ هيغل تأمّل قليلًا، لعلم أنّ لهذه الأركان معانٍ سامية، لكنّه لا يستطيع أن يصل هو إليها بسبب تعصّبه لمسيحيّته الجرمانيّة.

إنّ هذه العبادات أو الأركان ليست مجرّد عبادة هدفها التجريد كما يزعم هيغل، بل إنّ لها قيمة أكبر وأشمل تقوم على أساس الربط بين القيم الدنيويّة ودلالتها الروحيّة، فهي عبادة تقوم على الوازع الإيمانيّ والروحيّ، ذلك الوازع الذي نفتقده في الحضارة الغربيّة الآن، حيث تحوّلت إلى مجرّد حضارة مادّيّة جوفاء، لا تراعي قيم الإنسانيّة ولا الأبعاد العقديّة والإيمانيّة، في حين نرى الإسلام بأركانه وعباداته كلّها يعمل على الربط بين ما هو دينيّ وما هو دنيويّ.

فالعبادات أو الفرائض الإسلاميّة ليست للآخرة كما فهم هيغل وغيره، وإنّما هي تجمع في أهدافها وغاياتها بين الدنيا والآخرة، ولننظر إلى قول الله تعالى: «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، وقول النبيّ الكريم صلّى الله تعالى عليه وسلم: «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل لأخرتك كأنّك تموت غدًّا». وهذه النصوص هي وغيرها دليل على خطأ ما ذهب إليه هيغل من آراء.

ومن ثمّ فإنّ الصوم الذي انتقده هيغل له معنى أسمى من تلك النظر الضيّقة التي نظر بها هذا الفيلسوف الغربيّ إليه، فهدفه أن يشعر الصائم بما يكون عليه الفقراء والمساكين من ضيق في العيش، ومن ثمّ يشعر بآلامهم، ويتصدّق عليهم، فالصوم إذن له بعد اجتماعيّ دنيويّ راقٍ، يتلخّص في التعاون والتعاطف والشعور بالمسؤوليّة تجاه المحتاجين. وكذلك لا يخفى البعد الاجتماعيّ القيميّ الذي تقوم به فريضة الزكاة.

المصادر والمراجع العربية
1. إبراهيم يوسف، رسالة في الإسلام بين هيغل ومحمد عبده للأستاذ محمد البهي، مجلّة الرسالة، العدد 105، 8/7/1935م.
2. أبو يعرب المرزوقي - منزلة الإسلام في تصنيف هيغل للإسلام- الموقع الإلكترونيّ الخاصّ بالكاتب (وورد برس) نشر بتاريخ 7 يوليو 2015م.
3. أسماء العويس- مجلة عيدان الخيل للثقافة والعلوم والآداب- 2014.
4. الإمام محمد عبده، الإسلام والنصرانيّة والعلم والمدنيّة، ط القاهرة، دار الحداثة، الثالثة، 1988م.
5.  برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربيّة، الكتاب الثالث: الفلسفة الحديثة، ترجمة: محمد فتحي الشنقيطيّ، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1997م.
6. بن سالم حميش، المحمّديّة: رؤية هيغل للإسلام- موقع الحوار اليوم - نشر بتاريخ 26 – 8 – 2013م
7. جيمس كولينز، الله والفلسفة الحديثة، ترجمة فؤاد كامل، القاهرة، ط دار قباء، 1998م.
8.حسين الهنداويّ، هيغل والإسلام لوثـريّة فـي ثوب فلسَفيّ- مجلةى نزوى- مؤسسة عمان للصحافة -والنشر- العدد 75- تموز 2013.
9. راتب حوراني، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، العدد 62-63، مارس- إبريل 1989، مركز الإنماء القوميّ، بيروت، باريس.
10.موسوعة بيان الإسلام، إشراف وتحرير محمد محمد داود، إعداد نخبة من كبار العلماء، ط القاهرة، دار نهضة مصر، الأولى، 2012م.
11. هيغل، العقل في التاريخ، المجلّد الأوّل من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة د. إمام عبد الفتاح، الطبعة الثالثة - بيروت، دار التنوير- 2007.
12.  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، القاهرة، ط دارالمعارف، 1986م.
13.  زكي نجيب محمود، قصّة الفلسفة الحديثة، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936م.

المصادر والمراجع الأجنبية
1.   Higel.leçons sur la philosophie de la religion. ed vrin.paris.1979. 4,  p 279

---------------------------------
[1]ـ   باحث في الفلسفة وأستاذ محاضر بجامعة القاهرة فرع الخرطوم.

[2]- هيغل، العقل في التاريخ، المجلّد الأوّل من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة د. إمام عبد الفتاح، الطبعة الثالثة - بيروت، دار التنوير- 2007- ص 194.

[3]- انظر أسماء العويس، هيغل والإسلام، على الرابط التالي
http://www.alkhaleej.ae
[4]- حسين الهنداويّ، دراسات هيغل والإسلام لوثـريّة فـي ثوب فلسَفيّ
1 يوليو,2013 على الرابط التالي: http://www.nizwa.com
[5]- حسين الهنداوي، مرجع سابق.
[6] - أبو يعرب المرزوقي - منزلة الإسلام في تصنيف هيغل للإسلام- الموقع الإلكترونيّ الخاصّ بالكاتب (وورد برس) نشر بتاريخ 7 يوليو 2015م.
[7]- راتب حوراني، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، العدد 62-63، مارس- إبريل 1989، مركز الإنماء القوميّ، بيروت، باريس.
[8]- انظر أسماء العويس، مرجع سابق.
[9]- انظر هذه الثلاثيّة هنس زندكولر، المثالية الألمانيّة، ترجمة أبو يعرب المرزوقي وآخرون، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت، الأولى، 2012م، ص 68.
[10]- انظر أسماء العويس، مرجع سابق.
[11]- Higel.leçons sur la philosophie de la religion. ed vrin.paris.1979. 4,  p 279
[12]- انظر يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، القاهرة، ط دارالمعارف، 1986م، ص 283. وانظر أيضًا، زكي نجيب محمود، قصّة الفلسفة الحديثة، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936م، ص 356، وما بعدها.
[13]- Higel.leçons sur la philosophie de la religion. ed vrin.paris.1979. 4, p 276
[14]- هيجل، العالم الشرقيّ، المجلد الثاني من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة د. إمام عبد الفتاح، طبعة بيروت، دار التنوير، الثالثة، 2007م، ص 181
[15]- هيجل، العقل في التاريخ، ص 194.
[16]- انظر على سبيل المثال موسوعة بيان الإسلام، إشراف وتحرير محمد محمد داود، إعداد نخبة من كبار العلماء، ط القاهرة، دار نهضة مصر، الأولى، 2012م.
[17]- جيمس كولينز، الله والفلسفة الحديثة، ترجمة فؤاد كامل، القاهرة، ط دار قباء، 1998م، ص 328.
[18]- انظر هيجل، العقل في التاريخ، ص 194، 195.
[19]- حسين الهنداوي، مرجع سابق.
[20]-المرزوقيّ - مصدر سبق ذكره.
[21]- انظر الإمام محمد عبده، الإسلام والنصرانيّة والعلم والمدنيّة، ط القاهرة، دا الحداثة، الثالثة، 1988م، ص 123.
[22]-انظر بن سالم حميش، المحمّديّة: رؤية هيغل للإسلام- موقع الحوار اليوم - نشر بتاريخ 26 – 8 – 2013م
[23]- حسين الهنداوي، مرجع سابق.
[24]- إبراهيم يوسف، رسالة في الإسلام بين هيغل ومحمد عبده للأستاذ محمد البهي، مجلّة الرسالة، العدد 105، 8/7/1935م.
[25]- المرجع ذاته.
[26]- انظر برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربيّة، الكتاب الثالث: الفلسفة الحديثة، ترجمة: محمد فتحي الشنقيطيّ، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1997م، ص 362، 363.
[27]- حسين الهنداوي، مرجع سابق.
[28]- Higel.leçons sur la philosophie de la religion. ed vrin.paris.1979. 4, p 83.
[29]- Higel.leçons sur la philosophie de la religion. ed vrin.paris.1979. 4, p 208.
[30]- أبو يعرب المرزوقي، تأويل هيغل لمعاني بعض أركان الإسلام- مصدر سبقت الإشارة إليه.
[31]- المصدر نفسه.