البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظريّة التنوّع الدينيّ؛ بحث في قابليّة الإختراق المعرفيّ للإدراك الدينيّ

الباحث :  حميد وحيد
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  25
السنة :  خريف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  61
تحميل  ( 432.372 KB )
تتراوحُ الردود الفلسفيّة على التنوّع الدينيّ من الرفض التامّ للحقيقة الإلهيّة إلى دعاوى التعدُّدية الدينيّة. في هذا البحث مساجلة تلك الردود التي تنظرُ إلى مُشكلة التنوّع الدينيّ كمجرّد مثالٍ عن المشكلة العامّة المتمثِّلة بالاختلاف. ولبيان ما يقصده اتخذ الباحث من معالجات ويليام آلستون للمعضلات التي تثيرها أطروحات التنوّع الدينيّ  حول الطابع المنطقيّ للمعتقدات الإلهيّة. أمّا الهدف الرئيس من البحث فهو إبراز قابليّة الاختراق المعرفيّ للتجربة الدينيّة كمصدرٍ رئيس لهذه المشاكل.

«المحرِّر»
-------------------------------
مسعى هذا البحث هو تناول مُعضلة تمّ إهمالها وتتعلّقُ بالطابع المنطقيّ للإيمان الدينيّ، وهي: قابليّة الاختراق المعرفيّ للتجربة الدينيّة. تتمثّلُ فكرتي الرئيسة في أنّ النقاشات الجديدة حول الطابع المنطقيّ للإيمان الدينيّ ركّزت بشكلٍ مُكثّف على نتائج تشكُّل الإيمان الدينيّ –أي الآثار الإبستمولوجيّة للتنوُّع الدينيّ- مع تجاهُل مُدخلاتها، مثلًا: التجارب التي يتشكّل الإيمان الدينيّ بناءً عليها. إذا تبيّن أنّه يُمكنُ اختراقُ التجربة الدينيّة معرفيًّا، فإنّ هذا له تداعياتٌ جدّيّة على الأهمّيّة الإبستمولوجيّة للتنوُّع الدينيّ[2].

تنصُّ نظريّة قابليّة الاختراق المعرفيّ على التالي: كما أنّ التجارب الإدراكيّة تؤثِّرُ على مُعتقداتنا ورغباتنا، يُمكنُ أن تؤثِّر حالاتنا المعرفيّة أيضًا على تجاربنا الإدراكيّة من خلال التأثير عليها سببيًّا بشكلٍ داخليّ. وعليه، فإنّ الحالات الخلفيّة للفاعل قد تؤثِّر على مُحتوى تجاربه الإدراكيّة. هذا يعني أنّه يُمكن أن تمتلكَ التجارب أسبابًا قابلة للتقويم العقليّ تُقلِّل في بعض الظروف من قوّتها الإبستمولوجيّة. تنطبقُ نظريّة قابليّة الاختراق المعرفيّ بالتساوي على التجارب الدينيّة، وبالتالي فالطرح هو: بالإضافة إلى الطُرُق المعياريّة حيث يُقالُ إنّ التنوّع الدينيّ يُهدِّدُ الطابع المنطقيّ للإيمان الدينيّ، يجب أن ينظرَ الإنسان أيضًا إلى ظاهرة الاختراق المعرفيّ كمصدرٍ آخر مهمّ لذلك التهديد.

   ينقسِمُ البحث كالتالي: بعد ذكر بعض الملاحظات التمهيديّة في القسم الأوّل، أُقدِّمُ تفصيلًا حول صلة تمييز المدخلات/المنتجات بمسألة الأهمّيّة الإبستمولوجيّة للتنوُّع الدينيّ، متبوعًا ببعض الملاحظات العامّة حول ظاهرة الاختراق المعرفيّ وصِلتها بتلك المسألة. لكي أؤكّد هذه النقطة وأصنع رابطًا مع المؤلَّفات حول التنوّع الدينيّ، سوف أتناولُ في القسم الثاني بعضَ نقاط الضعف التي تعتري ردَّ ويليام آلستون على مسألة التنوّع الدينيّ، وفي الوقت نفسه سوف أُلقي الضوء على اعترافه بالصلة الإبستمولوجيّة لجانب المدخلات نسبة إلى الإيمان الدينيّ، أي التجربة الدينيّة نسبةً إلى طابعها المنطقيّ. سوف أشرحُ في القسم الثالث كيف يُمكن أن تُعتبَر ظاهرة الاختراق المعرفيّ مصدرًا مهمًّا للتهديد الذي يُواجهُ الطابع المنطقيّ للإيمان الدينيّ والذي يُمثّله التنوّع الدينيّ، وسوف أختتمُ بدراسة نتائج الاختراق المعرفيّ على موثوقيّة الممارسة التوحيديّة الاعتقاديّة.

1) التنوّع الدينيّ ونتائجه الإبستمولوجيّة المحتملة
وفقًا لبعض التفسيرات الشهيرة حول إبستمولوجيا الإيمان الدينيّ، فإنّه كما نتحدّث عن تبرير المعتقدات الإدراكيّة على ضوء موثوقيّة العمليّات التي يتمُّ من خلالها تشكيل المعتقدات على قاعدة التجربة الحسّيّة، يُمكننا أن نتحدّث أيضًا عن الطابع المنطقيّ للمعتقدات التي تنتجُ عن عمليّات تشكيل الإيمان والتي تتضمّنُ التجربة الدينيّة أو «الباطنيّة»[3]. وعليه، فإنّ مسألة كون المعتقدات التي تُنتجها التجربة الباطنيّة مُبرّرة ترجِعُ –ولو بشكلٍ جزئيٍّ على الأقلّ- إلى السؤال التالي: هل التجربة الباطنيّة موثوقة؟

رُغم التشابهات الأوّليّة بينهما، إلّا أنّ التجربة الحسّيّة تمتلكُ خصائصَ غير موجودة في التجربة الباطنيّة. مع أنّ هذه الخصائص تفشلُ في إثبات موثوقيّة التجربة الحسّيّة، إلا أنّها علاماتٌ على أنّ التجربة الحسّيّة هي عمليةٌ موثوقة. توجدُ على وجه الخصوص ميزةٌ في التجربة الحسّيّة، ويبدو أنّ فقدانها يُثيرُ مشكلةً جدّيّةً بشأن الادّعاء حول الطابع المنطقيّ للانخراط في التجربة الباطنيّة. تتعلّقُ هذه الميزة بالحقيقة الآتية: بغضّ النظر عن الثقافة التي ينتمي إليها الناس، إلّا أنّهم يستفيدون من المخطّطات المفهوميّة نفسها لتشييء مُحتوى تجربتهم الحسّيّة. ولكن حينما يتعلّقُ الأمر بالتجربة الباطنيّة، نجدُ أنفسَنا أمام تعدُّديّةٍ من الممارسات الباطنيّة الاعتقاديّة المتعارِضة التي كثيرًا ما تُولِّدُ مُنتجاتٍ اعتقاديّة مُتعارِضة بسبب الاعتماد على مُخططاتٍ مفهوميّة مُختلفة.

بالطبع، هذا مثالٌ عن مشكلة التنوّع الدينيّ الشهيرة، ويبدو أنّه يُقوِّضُ موثوقيّة التجربة الباطنيّة. خُذ على سبيل المثال الأساليب المختلفة التي يقومُ من خلالها البوذيّون والمسلمون والمسيحيّون بالتعبير عن تجربة لقائهم بالله، أو الكائن الأسمى، في حياتهم. وعليه، يجب أن نعترف بوجود ممارساتٍ باطنيّة اعتقاديّة بعدد المخطّطات المفهوميّة المختلفة. تتألّفُ الردود الموجودة على مشكلة التنوّع الدينيّ من مجموعةٍ من التفسيرات التي تُحاولُ أن تشرح سببَ شيوع التنوّع والتي تتراوحُ بين التشكيكيّة، المضادّة للواقعيّة، الواقعيّة، والصديقة للدّين. هناك ردٌ تشكيكيٌ للغاية يذكرُ أنّ التفسير الأفضل للتنوُّع هو عدم وجود حقيقةٍ موضوعيّة يسعى الناس إلى الاتّصال بها. يوجدُ أسلوبٌ تشكيكيّ أخفّ لتقديم إجابةٍ على المشكلة، يتمثّلُ في النظر إلى التنوّع الدينيّ على أنّه ليس ناشئًا عن غياب أيّ حقيقةٍ موضوعيّة، بل عن عدم موثوقيّة التجربة الباطنيّة. ولكنّ النتيجة النهائيّة هي نفسها: المعتقدات الدينيّة غير مُبرَّرة إبستمولوجيًّا.

انبثقَ تيّاران رئيسان من الردود الواقعيّة والصديقة للدين، وهما تيّارا الإقصائيّة والتعدُّدية الدينيّة. الفرد الإقصائيّ هو من يعتقدُ أنّ الرؤية الدينيّة التابعة لمنظومةٍ إلهيّة أساسيّة واحدة تُمثِّلُ الحقيقة أو هي أقرب إلى الحقيقة من جميع مُنافسيها[4]. أمّا مُناصِر التعدُّدية الدينيّة، فإنّه يُنكرُ امتلاك أيّ منظومةٍ إلهيّة لمكانةٍ مُتميِّزة في مقابل الحقيقة، ولكنّه يقترحُ أيضًا تفسيرًا إيجابيًّا لتوضيح التنوّع الدينيّ. على سبيل المثال، وبإلهامٍ من التمييز الكانطيّ بين البُعدَين الحسّيّ والحدسيّ، اقترح جون هيغ (John Hick) التمييزَ بين الحقّ (أو الكائن الأسمى) وبين الأساليب المختلفة التي يُستشعَر عبرها والتي يستجيبُ الناس لها ضمن المنظومات الثقافيّة المتنوّعة[5]. كما أنّ العالم الحدسيّ يتواجدُ بشكلٍ مُستقلٍ عن مفاهيمنا حوله وفقًا لكانط، فإنّ الحقّ هو أيضًا كائنٌ موجودٌ على نحو الاستقلال يظهرُ بشكلٍ مُختلف استنادًا إلى المخطّط المفهوميّ أو التراث الثقافيّ الذي يُوظِّفه الإنسان لكي يُدركه. ولكن كما أشارَ عددٌ من الفلاسفة، ليس من الواضح على الإطلاق إذا كان بإمكان هيك أن يدّعي بثباتٍ إمكانيّة استشعار الحقّ عبر مفاهيمنا الدينيّة والتأكيد في الوقت نفسه أنّ ذلك هو «القاعدة غير القابلة للتجربة لتلك المملكة (التجربة البشريّة)»[6]. نجح بعدها هيك في التقليل من أثر التنوّع الدينيّ على الطابع المنطقيّ للمعتقدات الدينيّة، ولكن فقط على حساب إعادة هيكلة مُحتوياتها بشكلٍ راديكاليّ.

يُمكن أن يتحدّى التنوّع الدينيّ الطابعَ المنطقيّ للإيمان الدينيّ عبر عدّة طرق؛ بعض هذه التحدّيات إبستمولوجيٌّ، بينما يتضمّنُ بعضها الآخر اعتباراتٍ غير إبستمولوجيّة. يُمكن أن نذكر في المجموعة الأولى التحدّي الناشئ عن الاختلاف الدينيّ (سوف نناقشه لاحقًا). يوجد أيضًا تحدٍّ احتماليّ ناشئ عن التعدّديّة الدينيّة ينصّ أنّه، على سبيل المثال، إذا اعتقد مسيحيٌ أنّ إيمانه بالثالوث هو أشدّ احتمالًا من جميع البدائل في الأديان الأخرى، فإنّ مجموع احتمال هذه البدائل ما زال راجحًا على احتمال الإيمان الذي يعتقدُ به[7]. يتعلّقُ تحدٍّ آخر بالتفكير الشائع الذي يُفيدُ أنّ المعتقدات الدينيّة هي عرضيّة للغاية بناءً على عدّة عوامل (مثلًا: من هم والدينا؟ بِمن التقينا في الحياة؟ في أيّ ثقافةٍ ترعرعنا؟ وما إلى ذلك) وغير باعثة على الحقيقة. وعليه، كان يُمكنُ أن ينتهي بنا المطافُ بسهولةٍ إلى امتلاك مُعتقداتٍ دينية مُختلفة[8]. يوجد أيضًا تحدٍ «تفسيريّ» غير إبستمولوجيّ يهتمُّ بشكلٍ أكبر بأصول التنوّع. الفكرة هي كما يلي: حينما يُفترض بأنّ نظرةً دينيّة مُحدّدة هي مُحقّة، وأنّ الله يُريدُ من الجميع أن يؤمنوا بها، فإنّنا نواجه السؤال الآتي: لماذا يُوجد هذا العدد الكبير من الأديان المتنافِسة في العالم؟[9]

كلُّ هذه التفسيرات حول التحدّي الذي يُشكِّله التنوّع الدينيّ بحقّ الطابع المنطقيّ للإيمان الدينيّ تملكُ قاسمًا مُشتركًا: تركيزها المكثّف على مُنتجات عمليّة تشكُّل الإيمان الدينيّ: أي المعتقدات، ولكن يبدو أنّها تُهملُ المدخلات. خُذ بعين الاعتبار نوعًا بارزًا من المدخلات: التجربة الدينيّة، من أجل التوضيح، تذكّر أنّ الممارسة الباطنيّة الإدراكيّة قد عُبِّر عنها بأنّها عمليّة تشكيل المعتقدات المنتَجَة حول الكائن الأسمى استجابةً للمدخلات في العمليّة التي تتألّف من الوعي الخبراتيّ بالكائن الأسمى، اعتمادًا على مكان التركيز، سواء أكان على جانب المنتجات أم المدخلات، فإنّ مُشكلة التنوّع الدينيّ تتّخذُ أنواعًا مُختلفة من الأهمّيّة. إذا ركّزنا فقط على الجانب الإنتاجيّ للأشكال المتنوّعة من التجربة الباطنيّة وأبرزنا تعارضها الاعتقاديّ، فمن الأفضل النظر إلى التنوّع الدينيّ على أنّه مثالٌ عن المشكلة العامّة المتمثّلة بالاختلاف، ولكن إذا ركّزنا على جانب المدخلات –أي التجربة الدينيّة- فإنّ المشكلة تتّخذُ بُعدًا جديدًا للغاية. يبدو أنّ المدخلات هي التي تُميِّزُ التجربة الباطنيّة عن التجربة الحسّيّة. في النهاية، الاختلاف مُنتشرٌ أيضًا في التجربة الحسّيّة.

يُلاحِظُ آلستون هذه النقطة أيضًا، فحينما يُبرزُ كيفيّةَ اختلاف التجربة الباطنيّة عن التجربة الحسّيّة فإنّه يُشيرُ إلى أنّه «بينما تُقدِّمُ التجربة الحسّيّة تقريبًا صورةً مُطابِقة من هذه النواحي (الموضوع، المخطّط المفهوميّ، والمنظومة ذات الأولويّة القصوى) على امتداد الثقافات، ولكن هذا ليس هو الحال مُطلقًا مع التجربة الباطنيّة»[10]. يُفرِدُ آلستون على وجه الخصوص دورَ المخطّطات المفهوميّة في تشييء مُحتوى التجربة الإدراكيّة الباطنيّة، بينما الناس المنتمون إلى خلفياتٍ ثقافيّة مُختلفة يصنعون في الأغلب المفاهيم المتعلّقة ببيئتنا المدرَكَة بالطريقة نفسها، إلّا أنّ المنتمين إلى تقاليد دينية مُتنوّعة يختلفون بشكلٍ هائل في تصوُّراتهم حول الحقيقة الأسمى.

إذا تبيّن أنّ المعتقدات الدينيّة (والعواطف وما إلى ذلك) التي يحملها الإنسان بشكلٍ مُسبَق يُمكن أن تخترق تجاربه الدينيّة، قد يؤثِّر هذا على المكانة الإبستمولوجيّة للمعتقدات الناشئة (التي يُمكن أن تكون مُعتقدات جديدة أو خاضعة للتحديث). حينما تتأثّر التجارب على هذا النحو، يُقال بأنّها مُخترَقة معرفيًّا. تلقّتْ ظاهرةُ الاختراق المعرفيّ كثيرًا من الاهتمام في الإبستمولوجيا الحديثة. يُمكن مُلاحظة أهمّيّتها بأفضل شكلٍ في سياق البيانات التأسيسيّة حول بُنية التبرير الإدراكيّ وتصنيفها إلى المعتقدات الأساسيّة وغير الأساسيّة، حيث تكتسبُ الأولى مكانتها المبرَّرة بشكلٍ مباشر من التجربة. رُغم أنّ التمييز بين المعتقدات الأساسيّة وغير الأساسيّة يُساعدُ في إنهاء مسار تقهقُر التبرير، إلّا أنّه يُشدِّدُ أيضًا على مسألة كيفيّة اكتساب المعتقدات الأساسيّة لتبريرها من حالاتٍ غير اعتقاديّة كالتجربة الإدراكيّة.

يوجد رأيٌ شهير وجديد حول شروط التبرير الإدراكيّ يُعرَفُ بالدوغماتيّة ويؤكِّدُ أنّ شروط تبرير المعتقدات الإدراكيّة تتضمّن فقط تجاربَ مع المحتوى نفسه[11]. تعرّض الرأي الدوغماتيّ للانتقادات بسبب الحالات (المزعومة) من الاختراق المعرفيّ للتجربة الإدراكيّة[12]. تنصُّ نظريّة قابليّة الاختراق المعرفيّ على التالي: كما أنّ التجارب الإدراكيّة تُؤثِّرُ على مُعتقداتنا ورغباتنا، يُمكن أن تؤثِّر حالاتنا المعرفيّة أيضًا على تجاربنا الإدراكيّة من خلال التأثير عليها سببيًّا بنحوٍ داخليّ (أي بمعنى تضمّنها كلّيًّا داخل الفاعل). يُدّعى أيضًا أنّ الاختراق المعرفيّ يخفِض المكانة الإبستمولوجيّة للتجربة الإدراكيّة وبالتالي يُقلِّل من قوّتها التبريريّة.

   قد يُضيءُ التركيز على ظاهرة الاختراق المعرفيّ زاويةً مهمّة تتعلّقُ بالأهمّيّة الإبستمولوجيّة للتنوُّع الدينيّ التي تجاهلتها التفسيرات المذكورة آنفًا. من أجل إثارة صلة ظاهرة الاختراق المعرفيّ بهذه الجدليّة، سوف أدرسُ ردَّ آلستون على تحدّي التنوّع الدينيّ وأُظهرُ سببَ قصوره. هذا الطريق الجانبيّ مُفيدٌ علميًّا؛ لأنّه بينما يعترفُ آلستون بوضوحٍ بالأهمّيّة التي يلعبها جانب المدخلات في عمليّة تشكُّل الإيمان الدينيّ بحقّ بمسألة الشأن الإبستمولوجيّ للتنوُّع الدينيّ، إلّا إنّه يختارُ في بيانه أن يُركِّز عوضًا عن ذلك على المعتقدات المنتَجة، وبالتالي يفشلُ في إظهار الدلالات الإبستمولوجيّة لرؤيته.

2) ردُّ آلستون على مُشكلة التنوّع الدينيّ: أهمّيّة المدخلات
ينصُّ ادّعاءُ آلستون الرئيسيّ على أنّه من المنطقيّ الانخراط في التجربة الباطنيّة مع الاعتراف بأنّنا لا نمتلكُ أُسسًا غير مصادِرة على المطلوب لتحديد أيّ نوعٍ من التجربة الباطنيّة هو موثوق. مع ذلك، يُشيرُ آلستون أنّه، رُغم وجود عمليةٍ شائعة للاختيار بين البدائل المتنافِسة في العمليّات الداخليّة ضمن التجربة الحسّيّة –مثل التنبّؤ بالطقس- لا يُوجد هكذا إجراء في العمليّات البينيّة في التجربة الباطنيّة، حيث لا تختلفُ الممارسات الإدراكيّة الاعتقاديّة المتباينة فقط من ناحية مُخططاتها المفهوميّة، بل من حيث مُنتجاتها الاعتقاديّة أيضًا. يُظهِرُ هذا الانعدام في التناغُم في العمليّات الداخليّة والعمليّات البينيّة أنّه لا يوجد سببٌ كي يفقد شخصٌ مسيحيٌّ -على سبيل المثال- تبريرَه لمعتقداته الدينيّة في مقابل التعارض الذي لم يخضع للحلّ. ولكن يؤكِّدُ آلستون أنّ ما يُشكّل قاعدة تبرير هذه المعتقدات ليس مجرّد حقيقة أنّ الأشكال المختلفة من التجربة الباطنيّة لم يتمّ إظهار عدم كونها موثوقة.

لكي يُوضِّح ذلك، يذكرُ آلستون أنّه كما أنّ مُمارسي التجربة الحسّيّة –التي أثبتت نفسَها عبر «ثمارها»، أي تمكين المدركين من التعامل بكفاءة مع بيئتهم- لديهم المبرِّر للاستمرار في تشكيل المعتقدات الإدراكيّة بمقتضى ذلك حتى لو افتقدوا الأسس غير المصادِرة على المطلوب لإظهار دقّتها- كذلك فإنّ مُمارسي التجربة الباطنيّة مُبرّرون حينما يُشكِّلون مُعتقداتهم المناسبة. خُذ على سبيل المثال من يُوظِّفُ الممارسات المسيحيّة المتمثِّلة بتأسيس المعتقدات على التجارب الباطنيّة كي يُشكّل معتقداته المسيحيّة الباطنيّة. من المنطقيّ أن يفعل ذلك إذا -كما يتّضح- تلقّت التجربة الباطنيّة المسيحيّة أشكالًا مهمّة من الدعم الذاتيّ فيما يتعلّقُ بتحقيق الوعود الإلهيّة ضمن تلك الممارسة، مثل تنامي القداسة والسلام والحبّ وغيرها من «ثمار الروح».

ولكن يبدو مشكوكًا فيه أن يُساعد تعريفُ آلستون لعامل الدعم الذاتيّ –الذي يُفهَم على ضوء المردودات العمليّة للمعتقدات الدينيّة- هذه المعتقدات في الحفاظ على مكانةٍ منطقيّة إبستمولوجيًّا. في أفضل الأحوال، تُضفي المردودات الناتجة عن هذه الممارسات الطابعَ المنطقيّ العمليّ أو التبرير على مُنتجاتها الاعتقاديّة. بالفعل، وكما وردَ في موضعٍ مُتقدّم من كتابه، يؤكِّدُ آلستون أنّه يقومُ شخصيًّا «باتّخاذ الدعم الذاتيّ الكبير على أنّه يعملُ كوسيلةٍ لتقوية الادّعاء المفترض مبدئيًّا بامتلاك ممارسة اعتقاديّة ما لنوعٍ من العقلانيّة العمليّة، عوضًا عن شيءٍ يُضفي الاحتماليّة على ادّعاءٍ بالموثوقيّة»[13]. وعليه، فإنّه من المحيِّر أنّه في الفصل حول التنوّع الدينيّ، يبدو أنّه يظنّ أنّه قد أثبت الطابع المنطقيّ الإبستمولوجيّ للمعتقدات الدينيّة:

«نظرًا إلى (مردودات) الحياة المسيحيّة من النوع الذي ذكرناه للتوّ، يُمكن أن يستمرّ الإنسان بالاعتقاد بشكلٍ منطقيٍّ تمامًا بأنّ التجربة الباطنيّة المسيحيّة تُمثِّلُ وصولًا معرفيًّا أصيلًا إلى الكائن الأسمى، ومُرشدًا موثوقًا إلى علاقة تلك الحقيقة بأنفسنا، حتى ولو لم يستطع الإنسان أن يرى كيفيّة حلّ مُشكلة التعدُّديّة الدينيّة.»[14].

ما يُحيِّرُ أكثر هو أنّه –باعتراف آلستون- فإنّ نوعًا واحدًا فقط من التجربة الباطنيّة هو موثوقٌ حقًّا. لو كان الأمر كذلك، من غير الواضح كيف يُمكن أن يدّعي آلستون أنّه من الممكن الانخراط منطقيًّا في جميع هذه الممارسات بالمعنى الإبستمولوجيّ لتلك الكلمة. أين حصل الخطأ؟

  أول شيءٍ نُلاحظه هو أنّه، رُغم الاعتراف بالدور الهام للمخطّطات المفهومية في تشكيل مُحتوى التجربة الباطنيّة وإضفاء الموضوعية عليها، يختارُ آلستون في تفسيره الرسميّ حول الأهمية الإبستمولوجية للتنوُّع الدينيّ أن يُركِّز على المعتقدات المنتَجة و«دعْمها الداخليّ». ولكن إذا كان ينبغي التأكيد على ذلك الموضع، يبدو أنّ هنالك طريقًا أقصر لتثبيت نتيجة آلستون المرغوبة، أي النظر إلى المشكلة التي يُسبّبها التنوّع الدينيّ كحالةٍ خاصّة من المشكلة الأعم المتمثِّلة بالاختلاف. بالفعل، هناك مقاطع في الفصل الذي أورده آلستون في كتابه حول التنوّع الدينيّ حيث يبدو أنّه يرى أنّ المشكلة هي مشكلة الاختلاف (الدينيّ). على سبيل المثال، يذكرُ آلستون أنّ «أيّ اتّصالٍ معرفيّ أصيلٍ بالحقيقة سوف يُنتِجُ التوافق، ويُمكن أن نقيس موثوقيته من خلال مدى التوافق»[15]. أو، بشكلٍ واضحٍ للغاية، من أجل أن يُظهر كيف يُمكن أن يُقلِّل التنوّع الدينيّ من الطابع المنطقيّ للانخراط في التجربة الباطنيّة المسيحيّة، يذكرُ آلستون مثالًا، حيث يُقدّم أشخاصٌ مُختلفون تقارير حسّيّة-إدراكيّة مُتناقضة حول وقوع حادث سيارة، ولا تُوجد قاعدة حياديّة يتمّ على أساسها تحديد أيّ رواية هي الصحيحة، بعدها، يذكرُ آلستون ما يلي:

«(شاهد العيان) الذي يُواجه رواياتٍ مُتعدّدة تختلفُ عن روايته يجب أن يخفض ثقته بروايته بشكلٍ هائل. يبدو من الواضح هنا أنّ وجودَ هذه البدائل المتناقضة غير المنبوذة يُبطل أيَّ تبريرٍ كان (شاهد العيان) ليمتلكه في ظرفٍ مُختلف للاعتقاد بأنّ الحادث هو كما افترضه.»[16]

بالفعل، يُمكن النظر إلى دفاع آلستون عن الطابع المنطقيّ للانخراط في التجربة الباطنيّة المسيحيّة على أنّه مُوازٍ لاحتجاجٍ مُحدّد لصالح موقفٍ مُماثل في جدليّة الاختلاف.

تتألّفُ الأسئلة الأساسيّة في الجدال حول الخلاف ممّا يلي: هل يُمكننا أن نُحافظ منطقيًّا على مُعتقداتنا بعد الاطّلاع بشكلٍ كاملٍ على آراء بعضنا بعضًا؟ بل أكثر من ذلك، هل يُمكن أن يكون ثمّة خلافٌ مُعترَف به بشكلٍ مُتبادَل؟[17] شكّلت عمومًا الردود الحاليّة على هذه الأسئلة طيفًا، حيث يقعُ على الجانب الأوّل ما يُسمّى بالآراء «التصالحيّة» وفي الجانب الثاني الآراء «الثابتة»[18]. بينما تتطلّب منّا الآراء التصالحيّة أن نُحقِّق التصالح الاعتقاديّ حينما نُواجه نظيرًا إبستمولوجيًّا يحملُ موقفًا مُختلفًا حول موضوعٍ مُحدّد، إلّا أنّ الآراء الثابتة تُتيحُ لنا الحفاظ على ثقتنا بمعتقداتنا المهمّة. يُمكن أن يُحتجّ بأنّ التواضع الفكريّ يقتضي امتلاكَ الآراء الثابتة للموارد التي تُتيحُ الإجابة على السؤال الثاني من السؤالين المذكورَين آنفًا بالإيجاب.

وفقًا لذلك، يُمكن أن نرى آلستون كمدافعٍ عن إحدى صِيغ الرأي الثابت حيث يُمكن لممارسي الأديان العالميّة أن يتمسّكوا منطقيًّا بآرائهم. في الواقع، تُشبه جدليّة استدلاله بشكلٍ وثيق حُجّةً طرحها بيتر فان إنواغن (Peter van Inwagen) ذات مرّة دعمًا لصيغته حول الرأي الثابت[19]. اقترح فان إنواغن أنّه من المنطقيّ له أن يتمسّك بآرائه حول الإرادة الحرّة بعد أن يتمّ إخباره هو وديفيد لويس (David Lewis) (الذي يحملُ رأيًا مُختلفًا) بشكلٍ تامّ بأسبابهما وحججهما؛ لأنّه يملكُ «بصيرةً يُتعذّر التعبير عنها» أو حدسًا يفتقرُ إليه لويس رُغم فِطنته.

يُمكن أن نُلاحظ أنّ آلستون يسيرُ على طريقٍ مُماثل. فلنتذكّر استعانة آلستون بفكرة «الدعم الداخليّ» للممارسات الباطنيّة الاعتقاديّة وادّعائه بأنّ تمييز الثمار الروحيّة لممارسةٍ اعتقاديّة ما هو مُتاحٌ فقط لأولئك الذين يُشاركون في تلك الممارسة. يُمكننا أن نرى الآن بأنّ «الثمار الروحيّة» بالنسبة لآلستون تلعبُ دورًا مُماثلًا مثل «البصيرة التي يُتعذّر التعبير عنها» بالنسبة لفان إنواغن. ولكنّ آلستون يختلفُ عن فان إنواغن من جهة. على خلاف الأخير، يعترفُ آلستون بأنّ الممارسات الباطنيّة الاعتقاديّة الأخرى تتمتّعُ أيضًا دعمٍ داخليّ كهذا. للتعبير عن الموضوع بشكلٍ مُختلف -مع أنّ آلستون يُقرّ بإمكانيّة وجود الاختلاف المنطقيّ المعترَف به بشكلٍ مُتبادَل، فضلًا عن الاختلاف المنطقيّ المحض- يعترفُ فان إنواغن بالأخير فقط[20]. ولكن إن كان ينبغي النظر إلى مُشكلة التنوّع الدينيّ فقط كمثالٍ عن جدليّة الاختلاف، يوجد طريقٌ أسهل بكثير للوصول إلى رأيٍ ثابت على طراز آلستون. من أجل مناهضة الضغوط التصالحيّة التي يُمارسها الاختلاف، يُمكن للإنسان ببساطة أن يُعارِض الادّعاء بأنّ أطرافَ النزاع هم نظراء إبستمولوجيّون إمّا من خلال إنكار إمكانيّة أن يقوم الإنسان بتحديد المؤهّلات الإبستمولوجيّة للنظراء المزعومين أو من خلال إنكار اشتراكهم بمجموعة الأدلّة نفسها[21].

يُمكن أن تُوفّر الاعتبارات السابقة الأساسَ لرأيٍ ثابتٍ في وجه التنوّع الدينيّ على طول الخطوط التي دافعَ عنها آلستون، وذلك من دون إرباك الوضع بقضايا تخصُّ الطابعَ المنطقيّ العمليّ[22]. ولكن هل مُشكلة التنوّع الدينيّ هي فقط مثالٌ عن مُشكلة الاختلاف، أي الاختلاف الدينيّ؟ لو كان الأمر كذلك، لا يعود بالإمكان أن يُفرِد آلستون –كما رأينا- مشكلة التنوّع الدينيّ كمشكلةٍ تخصُّ التجربة الباطنيّة فقط؛ لأنّ الاختلاف هو أيضًا مُتفشٍ في التجربة الحسّيّة. إحدى الطرق الممكنة للدفاع عن ادّعاء آلستون حول خصوصيّة الاختلاف الدينيّ هو النظر إلى مصادره ليس في سياق النقاشات الفلسفيّة بل في سياق الممارسة البَينيّة للتجربة الباطنيّة والمخطّطات المفهوميّة المتنوِّعة المتعلّقة بها. بالفعل، ثمّة مقاطع في كتاب آلستون، حيث يبدو أنّه يفعلُ ذلك بالضبط. بما أنّني سوف أدافعُ عن مُقاربةٍ مُماثلة، يجدرُ أن أسردَ بإيجاز ما يقوله لكي أربط نتائجَ هذا الجزء من البحث بالرأي الإيجابيّ الذي سوف يتمُّ تطويره فيما بعد.

كما لاحظنا، فإنّ آلستون مُدركٌ تمامًا لحقيقة أنّه بينما يقومُ الأشخاص المنتمون إلى خلفيّاتٍ ثقافيّة مُختلفة بصناعة المفاهيم حول بيئاتهم المدرَكَة المشترَكة بنفس الطريقة تقريبًا، فإنّ مُمارسي التقاليد الدينيّة المختلفة يتصوّرون الكائن الأسمى بأساليب مُختلفة جذريًّا. هذه الاختلافات موجودة حتى بين الأديان الإلهيّة و«تأكيداتها المتناقضة على عدالة الله أو حبّه (و)رواياتها المختلفة تمامًا حول ما يتوقّعه الله ويريده منّا، وما هي خططه لنا، وأفعاله في التاريخ»[23]. بعدها، يطرحُ آلستون السؤال التالي: حتى لو افترضنا، مثلًا، أنّ التجربة الباطنيّة المسيحيّة هي ممارسة اعتقاديّة أصيلة، هل تسمحُ لنا أن نُشكِّل معتقداتٍ جديدة بناءً على مُدخلها التجريبيّ؟ يقولُ آلستون: «يُمكن أن يُشتبَه بأنّ ما تعنيه الممارسة هو مُجرّد قراءة المعتقدات الدينيّة السابقة للإنسان إلى داخل مصفوفةٍ تجريبيّة مُختلفة معرفيًّا بدلًا من تشكيل معتقدات جديدة على قاعدة التجربة»[24].

لكي يُجيب عن هذا السؤال، يفصلُ آلستون بين همَّين مُتعلِّقَين بدور الأطر المفهوميّة: 1) يتغلغل المخطّط المفهوميّ الذي يحمله الإنسان بشكلٍ سابق في تجربته ؛ و2) بالتالي، يفشلُ الإنسان في اكتساب مُعتقداتٍ جديدة. فيما يتعلّقُ بالادّعاء الأوّل، يقولُ آلستون إنّه عديم الضرر تمامًا. عادةً ما نستفيد من مفاهيمنا الحسّيّة المألوفة مثل «البيوت» أو «الشجر» وما إلى ذلك لدى تصوُّر بيئتنا. تتساوى التجربة الحسّيّة والتجربة الباطنيّة فيما يتعلّق بتدخُّل مُعتقداتنا الأساسّية في تجاربنا. أمّا فيما يتعلّق بالادّعاء الثاني، يُلاحِظُ آلستون أنّ المعتقدات الدينيّة كثيرًا ما تتّصلُ بعلاقة الله بالمدرِك، مثلًا أنّ الله يؤنّبه أو يغفر له وما إلى ذلك، ويُمكن أن يكون الإنسان قد افتقر إلى هذه المعلومات قبل الدخول في الاتّصال الإدراكيّ بالله. أحيانًا، يتمكّن الإنسان فقط من أن يُعيد التأكيد على اعتقاده الذي حمله مُسبقًا من خلال تجربته مع إلهٍ مُحبّ، ولكنّ هذا النوع من التحديث موجودٌ أيضًا في التجربة الحسّيّة وإحدى آثاره هو تقوية تبرير الإنسان للمعتقَد موضعَ السؤال. يقتربُ آلستون كثيرًا في المقاطع المقتبَسة أعلاه من التعبير عن إحدى الأفكار المحوريّة وراء ظاهرة الاختراق المعرفيّ، إلا أنّه يفشلُ في إظهار تداعياتها الإبستمولوجيّة.

3) التنوّع الدينيّ ومُشكلة الاختراق المعرفيّ
كما ذكرتُ سابقًا، الفكرة التي تقفُ وراء نظريّة الاختراق المعرفيّ هي أنّ المنظومة الاعتقاديّة للإنسان أو حالاته الذهنيّة السابقة يُمكن أن تُؤثِّر على القوّة الإبستمولوجيّة لتجربة الإنسان، وبالتالي تُقوِّض التبرير الذي تمنحه للمعتقَد الذي تُنتجه. إذا كان ذلك صحيحًا، فإنّ هذا يُقوِّضُ التفسيرات حول التبرير الإدراكيّ (مثل الدوغماتيّة) التي تتّخذُ فينومينولوجيا الإدراك لضمان طاقتها التبريريّة. من أجل التوضيح، ثمّة حقيقة مألوفة تُفيدُ أنّ ما نختبره ونُدركه يؤثِّرُ على مُعتقداتنا ورغباتنا وما إلى ذلك. ما هو مُثيرٌ للجدل هو: هل التأثير يذهبُ في الاتّجاه المعاكس، أي هل الحالات المعرفيّة (الاعتقاديّة أو غير الاعتقاديّة) تؤثِّر على مُحتويات حالاتنا الإدراكيّة؟ تؤكِّدُ نظريّة الاختراق المعرفيّ للإدراك أنّ الحالات المعرفيّة تؤثِّرُ على مُحتويات الحالات الإدراكيّة، أي بنحوٍ يكونُ مُمكنًا نومولوجيًّا لفاعلَين (أو لفاعلٍ واحدٍ في أوقاتٍ مُختلفة) أن يمرّا بتجارب بصريّة ذات مُحتوياتٍ مُختلفة بسبب مُعتقداتهما أو رغباتهما أو حالاتهما المعرفيّة الأخرى، بينما تكونُ مُدخلاتهما الحسّيّة، وحالة أعضائهما الحسّيّة، وتوجُّه تركيزهما كلّها ثابتة[25].

بالطبع، ليس كلُّ نوعٍ من التأثير على تجاربنا يُعدّ حالةً من الاختراق المعرفيّ. حينما أُديرُ رأسي باتّجاه صوتٍ ما وأكتسبُ مجموعةً جديدةً من التجارب، هذا ليس اختراقًا معرفيًّا. بالأحرى، تحصلُ الحالات المهمّة إبستمولوجيًّا من الاختراق المعرفيّ للتجربة حينما تكونُ بعضُ العوامل المهمّة -مثل ظروف الأعضاء الحسّيّة وتوجُّه تركيز الإنسان- ثابتة. من الممكن في هذه الظروف أن ينتهي المطاف بفاعلَين يملكان حالاتٍ معرفيّة سابقة مُختلفة إلى المرور بتجارب ذات محتويات مُختلفة[26]. لعلّ أكثر حالات الاختراق المعرفيّ شيوعًا هي تلك الحالات، حيث تؤثِّر رغباتُ الإنسان على تجاربه من خلال النفوذ عليها سببيًّا.

خُذ على سبيل المثال السيناريو التالي (سوف أُطلِقُ عليه عنوان «المنقّبان»)، حيث يقومُ مُنقّبان –وهما غاس وفيرجل- بالتعدين عن الذهب. غاس خبيرٌ، بينما فيرجل ما زال مُبتدئًا. حينما ينظران إلى حصاة برّاقة تضربُ إلى اللون الأصفر في وعائهما، تبدو لهما معًا كالذهب. انطلاقًا من معرفته بالعلامات الفارقة للذهب تظهرُ الكتلة وكأنّها ذهبٌ في نظر غاس، ولكنّ رغبة فيرجل بالحصول على الثراء قد أحدثت هذا التخيُّل[27]. من الواضح أنّ حالة فيرجل تنمُّ عن التفكير الرغبويّ؛ لأنّ تخيّلاته وليدة رغباته (بالطبع هو لا يعلمُ أنّه مُنخرطٌ في التفكير الرغبويّ). فيما يلي بعض الحالات الإضافيّة عن الاختراق المعرفيّ:
جاك الذي يبدو غاضبًا: تظنُ جيل (بشكلٍ خاطئ ومن دون أي سبب) أنّ جاك غاضبٌ منها. اعتقادها يجعلها تتوقّع أنّ يظهر جاك بمظهر الغاضب. وعليه، حينما ترى جاك، فإنّ اعتقادها يجعله يبدو غاضبًا في نظرها. لو كان بالإمكان إقناعُ جيل بخطأ اعتقادها السابق، فإنّها سوف تُلاحظ أنّ موقف جاك لا يُعبِّر عن الغضب.[28]
الغروب: في المساء، أرى شمسًا ضاربة إلى الحمرة فوق نهر، يبدو المشهد لي وكأنّه غروبٌ جميل، لو لم أعلم بأنّه المساء أو الصباح، لم يكن ليبدو لي كأنّه الغروب.[29]

الأفعى: يجعلني خوفي من الأفاعي أكثر حذرًا في الكشف عن الأفاعي التي قد تعترضُ طريقي. من ناحيةٍ أخرى، إذا كان خوفي قويًّا، فإنّ حذري المرتفع قد يجعلني أرى الأفاعي في كلِّ مكانٍ تقريبًا[30].

السؤال الرئيسيّ الذي تطرحه هذه الأمثلة هو التالي: ما هو نوع التأثير الإبستمولوجيّ الذي يُمكن أن تُمارسه السوابق النفسيّة للتجربة الإدراكيّة للفرد (كالمعتقدات والرغبات وما إلى ذلك) على تلك التجربة؟ لا شكّ أنّه في بعض حالات الاختراق المعرفيّ (أي الحالات «السيّئة» منه)، يوجد شيءٌ مُختلّ إبستمولوجيًّا يتعلّقُ بالمعتقدات التي تتشكّلُ على أساس التجارب المخترَقَة معرفيًّا. على سبيل المثال، في حالة جاك الغاضب، فإنّ اعتقاد جيل الخاطئ وغير المبرَّر بأنّ جاك غاضبٌ منها يؤدِّي بها إلى أن تستشعر تلك التجربة المحدّدة حينما ترى جاك. لو لم تملك ذلك الاعتقاد، لم يكن جاك ليبدو غاضبًا بالنسبة إليها. تجربةُ جيل هي بمثابة انعكاسٍ لاعتقادها السابق غير المبرَّر، أكثر من كونه تمثيلٌ صحيحٌ عن واقع الأمور. لهذا السبب ننصرفُ عن اعتبار اعتقادها حول موقف جاك تجاهها –والذي تمّ تشكيله (أو تحديثه) بعد رؤيته- مُبرّرًا. بشكلٍ بديهي، حينما يؤثِّر اعتقادُ جيل السابق على تجربتها، ليس من المنطقيّ أن نتوقّع بأنّ التجربة تُوفِّرُ الدعمَ لذاك الاعتقاد بالذات.

أو خُذ على سبيل المثال حالة عازفٍ مغرور، يدفعه غروره إلى الاعتقاد بأنّ الوجوه (المحايِدة) التي يراها في الجمهور تُعبِّرُ جميعها عن الرضى بأدائه. بما أنّ تجاربه مع تلك الوجوه قد تأثّرت بغروره، ليس منطقيًا أن يعتبر بأنّ تجاربه هي تبريرٌ لنظرته تجاه نفسه. الحالة الواردة في هذه الأمثلة تُشبه دائرة الثرثرة، حيث يقومُ الفاعل (1) بإخبار الفاعل (2) بخبرٍ يُصدّقه الفاعل (2)، ولكن سُرعان ما ينسى من أين جاء مصدره. افترِض بعدها أنّ الفاعل (2) نقل إلى الفاعل (1) ذاك الخبر. في هذه الظروف، يكون من الغريب أن يأخذ الفاعل (1) شهادةَ الفاعل (2) كدليلٍ إضافيٍ للخبر يُضَمّ إلى أيّ دليلٍ بدأ به[31]. تُشيرُ الحالات التي وصفناها آنفًا إلى أنّ علم الأسباب يضعُ قيودًا على الوقت الذي يُمكن أن تُنتِج فيه التجربة التبريرَ للاعتقاد الذي تُنشئه. وعليه، يُمكن أن يُعيق الاختراق المعرفيّ إنتاجَ التبرير عبر التجربة. لهذا السبب بالذات، يتعارضُ هذا الرأي مع النظريّات الدوغماتيّة حول التبرير الإدراكيّ التي تدّعي بأنّ التجارب الإدراكيّة تُوفِّرُ التبرير الظاهريّ للمعتقدات التي تُنشئها.

ليست كلّ هذه الحالات ضارّة إبستمولوجيًّا. في بعض الحالات (الجيّدة) (كما في حالة غاس في المثال السابق عن المنقبَّين)، تُصبح التجارب الناتجة أكثر ثراءً من خلال تلقّي المزيد من المعلومات. فلنتناول مثالًا آخر: ينظرُ شخصان إلى شجرة صنوبر، أحدهما لديه خبرة بأشجار الصنوبر والآخر مُبتدئ، من المنطقيّ أن نظن بأنّ اعتقادَ الخبير بهويّة شجرة الصنوبر هو أشدّ تبريرًا من اعتقاد المبتدئ، لأنّ المعرفة الأساسيّة للخبير تصبُّ مزيدًا من المعلومات في تجربته.

لن يكون من عدم المنطقيّ إلقاء اللوم على أسباب التجربة في الحالات السيّئة على أنّها مسؤولة عن تخفيض قوّتها التبريريّة. نقتفي أثر سيغل (Siegel)[32] ونُطلق على النظريّة التي تُفيدُ بأنّ أسباب التجارب المخترَقَة معرفيًّا يُمكن أن تُزيل بعضًا من قوّتها التبريريّة ب«مبدأ الانخفاض». هذا الادّعاء مُقنعٌ على وجه الخصوص في الحالات حيث يكونُ الوضع الاختراقيّ هو رغبةٌ ما؛ لأنّ الجميع يعترفُ بأنّ المعتقدات التي تَنتجُ عن التفكير الرغبويّ هي أمثلة واضحة عن المعتقدات غير المبرَّرة. الفكرة هي، كما أنّه -مثلًا- يُمكن للتفكير الرغبويّ والتفكير النابع عن الخوف والتحيُّز أن يُنشِئا معتقداتٍ غير مُبرَّرة، كذلك يُمكن للرؤية الرغبويّة والرؤية النابعة عن خوف والرؤية المتحيِّزة أن تُنشئ تجارب منخفضة إبستمولوجيًّا تفتقدُ لبعض القوّة الإبستمولوجيّة التي كانت لتحظى بها لو لم تكن متأثّرة بالرغبة والخوف والتحيُّز[33].

قبل أن أنتقل إلى كيفية اتّصال نظريّة الاختراق المعرفيّ بمشكلة التنوّع الدينيّ والمكانة الإبستمولوجيّة للمعتقدات الدينيّة، من المناسب التطرُّق إلى بعض النقاط المهمّة. أوّل ما نُلاحظه هو أنّ الفاعل في الحالات الاعتياديّة من الاختراق المعرفيّ هو غير مُدركٍ لأسباب تجاربه أو المكانة الإبستمولوجيّة لحالاته الاختراقيّة وأدوارها السببيّة. تنخفضُ تجاربه إذا كانت متأثِّرة بحالاته المعرفيّة مثل المعتقدات والمخاوف والرغبات وما إلى ذلك، بالطريقة التي تمّ وصفها، حتى ولو لم يكن مُدركًا لذلك التأثير، ولولا ذلك، لما كانت الحالات السيّئة من الاختراق المعرفيّ مُختلفة أبدًا عن الحالات العاديّة من تشكُّل المعتقدات التي تتضمّن القاهرين. مثلًا، فيما يتعلّقُ بجاك الذي يبدو غاضبًا، لا تعلمُ جيل إذا كانت في حالةٍ جيّدة أو سيّئة، بل لا تحتاجُ حتّى للقدرة على تحديد حالتها، وإلّا لما كان هناك لغزٌ ينبغي حلُّه. تتقدّم الجدليّة المنبثقة من الاختراق المعرفيّ على مسار الافتراض القائل بأنّ الفاعلين غير مُدركين لتأثير حالاتهم المعرفيّة على تجاربهم. مع ذلك، يُمكن للأسباب وراء تجاربهم أن تُؤثِّر على قوّة تبريرهم فتفشل التجارب في التقوية المنطقيّة للمعتقدات السابقة للفاعلين ومخاوفهم وما إلى ذلك.

إضافة إلى ما سبق، وكما أشرنا من قبل، فإنّ القوة الدافعة وراء الفكرة التي تقولُ بأنّه يُمكن للمكانة الإبستمولوجيّة للتجارب أن تتأثّر بشكلٍ عكسيٍّ بكيفيّة تشكُّل هذه التجارب التي تتضمّنُ نوعًا من الدائريّة التي تُصيبُ انتقالَ الفاعل من حالاته السابقة (المعتقدات، المخاوف، وما إلى ذلك) إلى تجاربه، ومن ثمّ رجوعًا إلى تلك الحالات مُجدّدًا. إذا كان بالإمكان أن تُؤثِّر المعتقدات السابقة للإنسان على تجاربه، فإنّه من الغريب أن نعتبر أنّ تلك التجارب تُوفِّر الدعمَ للمعتقدات موضعَ السؤال. وعليه، لا يهمُّ إذا كانت الحالات السابقة للفرد مبنيّة على أُسسٍ جيّدة أم لا، فما دامت تكشفُ تجاربنا المختَرَقة معرفيًّا عن هذا النمط الدائريّ المذكور آنفًا، فإنّها سوف تتعرّض للانخفاض. لكي نُعطي مثالًا عن هذا النوع من التجربة المخترَقة معرفيًّا، افترض على أساس تجاربك الحياتيّة أنّك قد شكّلتَ الاعتقاد المؤكَّد بشكلٍ جيّدٍ أنّ الموز لونه أصفر. افترض أنّك صادفتَ بعدها موزةً رماديّة، تبدو لك وكأنّها صفراء. هنا، يبدو من غير المنطقيّ أن تعتبر أنّ تجربتك المكتسَبة حديثًا تُوفِّرُ دعمًا إضافيًّا لاعتقادك بالتعميم الذي يُفيدُ أنّ الموز لونه أصفر. التجربة الناتجة هي حتمًا ليست على مستوىً إبستمولوجيّ مُتساوٍ مع تجاربك السابقة التي أظهرت بشكلٍ صحيحٍ لون الموز الذي رأيتَه. السببُ واضح. لقد تمّ تخفيض تجربتك إبستمولوجيًّا؛ لأنّه من خلال التأثير على تجربتك مع الموز فإنّ اعتقادك السابق (المبنيّ على أُسسٍ جيّدة) يمنعك من رؤية لونها الحقيقيّ[34].

لنرَ الآن كيف يُمكن أن تُوضِّح الملاحظات السابقة مسألةَ الأهمّيّة الإبستمولوجيّة للتنوُّع الدينيّ. بهدف الدقّة وسهولة الإدارة، سوف أحصر نطاقَ التنوّع الدينيّ في الممارسات التوحيديّة الباطنيّة. يتمثّلُ ادّعائي الأساسيّ في أنّه يُمكن لنا أن نعتبر أنّ التعارُض الاعتقاديّ المنبثق من الممارسات الباطنيّة اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة يكمنُ أصلُه في ظاهرة الاختراق المعرفيّ؛ وكون هذا التعارض إشارة إلى عدم موثوقيّة الممارسة التوحيديّة الباطنيّة أم لا يعتمدُ على مدى الانتشار الواسع الذي ننسبه إلى التعارض الاعتقاديّ. بالطبع، ومع أخذ الملاحظات السابقة بعين الاعتبار، فإنّ الحالات السيّئة فقط من الاختراق المعرفيّ للتنوُّع الدينيّ تُشكِّلُ تهديدًا للاعتقاد الدينيّ[35]. لكي نُوضِّح ذلك، فلنبدأ بتناول هيئة الحالات الجيّدة والسيّئة من الاختراق المعرفيّ في الممارسات التوحيديّة والباطنيّة.

الإله الغاضب/الغفور: كما يُلاحظ آلستون، يجدُ الإنسان تأكيداتٍ مُتناقضة في الأديان المختلفة حول صفات الله كالعدل أو الحبّ. افترض وجودَ الفاعل المسلم (1) (الذي ينتمي إلى طائفة صارمة للغاية في الإسلام) ويعتقدُ أنّ الله حازمٌ وعديم التسامح للغاية. افترض أنّ هذا الفاعل قد ارتكبَ ذنبًا في ظروفٍ لا يتحكّمُ كثيرًا بها، بعد ذلك صادف أن أصابه إدراكٌ خبراتيّ بالله، حيث بدا أنّ الله غاضبٌ جدًّا منه.
افترض الآن أنّ الفاعل (2) هو مُسلمٌ مُتحرِّرٌ للغاية يعتبرُ أنّ الله مُتسامح جدًا، وقد ارتكبَ هذا الفاعل ذنبًا كان يُمكن أن يتفاداه لو أنّه كان أشدّ مثابرةً، بعد ذلك صادف أن أصابه وعيٌ بالله، حيث بدا الله مُحبًّا للغاية وراضيًا عن عمله. في كلتا الحالتين، فإنّ المعتقدات السابقة للفاعل (1) و(2) تخترقُ تجربتهما الباطنيّة وتجعلُ اعتقاداتهما حول المواقف الإلهيّة منهما غير مُبرّرة. لو كان الفاعلان مُقتنعَين في كلتا الحالتين ببطلان اعتقاداتهما السابقة، لم يكونا ليُدركا الله بتلك الطريقة.

الله مُتجسِّدًا. كما في التجربة الحسّيّة حيث يُمكن لخبرة الإنسان وخلفيّته المعرفيّة أن تُثري تجربته -وبالتالي تُعزِّزُ قوّتها التبريريّة- يُمكن أيضًا لخبرة الإنسان في ميدان الدِّين أن تُحقِّق نتيجةً مُماثلة. افترض أنّ فاعلَين ينتميان إلى دينَين مُختلفَين –فلنقل المسيحيّة والإسلام- قد عاشا تجربة مع الله بعد اتّباعهما لتقنياتٍ تأمُّليّة مُماثلة كالصيام والصلاة والامتناع عن الشهوات الدنيويّة وما إلى ذلك. بعد مرور فترةٍ كافية من الزمن، توصّل الفاعلان إلى تصوّراتٍ حول الله. ينقلُ الفاعل (1) أنّه «شاهد‘ كيف أنّ الله يكمنُ في ثلاثة أشخاص، أو كيف أنّ الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة للمسيح قد توحّدتا»[36]. هذا (القول) ينقله آلستون بالفعل عن القدّيسة تيريزا تعبيرًا عن شهودها في إحدى تجاربها الباطنيّة. أمّا المسلم، فإنّه يذكرُ كيف أنّه شاهد أحديّة الله، وهلمّ جرًّا.

يُمكن اعتبار السيناريو الأوّل حالةً سيّئة من الاختراق المعرفيّ، حيث خفّضت حالاتٌ ذهنيّة سابقة تلك التجارب الباطنيّة المتّصلة ممّا أنتجَ اعتقاداتٍ غير مُبرّرة. أمّا المثال الثاني عن التجسُّد الإلهيّ، فإنّ كونه جيّدًا أم سيئًا يرجعُ إلى ما إذا كانت المنظومة الاعتقاديّة الأساسيّة التابعة للفاعل المسيحيّ أو المسلم هي التي تُمثِّل الخصائص الإلهيّة بشكلٍ صحيح. أيًّا ما كان الصحيح منهما، فإنّ الفاعل المنتمي إلى ذلك الدِّين سوف يكونُ في نفس موقع ذاك الخبير حينما كان ينظرُ إلى شجرة الصنوبر[37]. معرفته الأساسية بالله تُثري تجربته بالله وبالتالي تُعزِّزُ قوّتها التبريريّة. أمّا في الأوقات التي تُحدث الحالات الذهنيّة السابقة للفرد تحوُّلًا في التركيز والاهتمام، وبالتالي تُجهِّز الإدراك الحسّيّ للإنسان أثناء التحرُّك في بيئته، يُمكن أن يرجع الإنسان إلى التقنيات الروحيّة ضمن الأديان المختلفة (كتلاوة الصلوات وما إلى ذلك من التقنيات المنسوجة مع مُعتقداتها الرئيسيّة). الهدفُ من هذه الصلوات والدعوات هو تجهيز المؤمن لمهمّته الروحيّة من خلال تجهيز إدراكه الباطنيّ للكشف بشكلٍ أكثر فاعليّة عن العلامات التي يُرسلها الله إليه.

إذا نظرتَ الآن إلى الأشكال المتنوّعة من الممارسة التوحيديّة الباطنيّة –الممارسات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة- من منظار نظريّة الاختراق المعرفيّ، سوف نحصلُ على نتائج مُختلفة راديكاليًّا حول التأثير الإبستمولوجيّ للتنوُّع الدينيّ ممّا إذا أُخذ الأخير فقط كمثالٍ عن مشكلة الاختلاف، أي الاختلاف الدينيّ. لكي نتبيّن هذا الأمر، افترض وجودَ فاعلَين يؤدّيان ممارساتٍ باطنيّة مُختلفة وينسبان صفتَين مُتناقِضتَين إلى الله استجابةً إلى تجاربهما الباطنيّة الخاصّة التي تخترقها معتقداتٌ أساسيّة مختلفة. فلنفترض أيضًا أنّ إحدى مجموعتيْ هذه المعتقدات الأساسيّة هي باطلة وغير مُبرّرة ممّا يؤدّي إلى تخفيض التجربة المتّصلة، بينما المجموعة الأخرى تُثري فعلًا مُحتوى التجربة الباطنيّة للفاعل. تمّ إطلاعُ الفاعل (1) والفاعل (2) فيما بعد على الاختلافات بينهما. السؤال هو: كيف ينبغي أن نُقوِّم المكانة الإبستمولوجيّة لمعتقداتهما؟

في البداية، ومع شرح الاختلاف حول التنوّع الدينيّ، الوضع هو كالتالي: الفاعل (1) والفاعل (2) مُبرّران في تطبيق ممارساتهما أو التمسُّك بمعتقداتهما المتعارضة، قبل أن يتمّ إطلاعهما على اختلافاتهما، طالما أنّ تلك المعتقدات هي ردودٌ مُناسِبة على تجاربهما الدينيّة الخاصّة. السؤال هو: هل إنّ الفاعل (1) والفاعل (2) ما زالا معذورين في التمسُّك بمعتقداتهما بعد أن يُدركا واقع التنوّع الدينيّ؟ وفقًا لتفسير آلستون، فإنّهما معذوران (ولكن بدرجةٍ أقلّ ممّا إذا لم يكن ذلك التنوّع موجودًا) في التمسُّك بمعتقداتهما. ولكن وفقًا لتفسيري، فإنّ واحدًا على الأقل من الفاعلَين هو غير معذورٍ في اعتقاده (حتّى قبل الكشف) لأنّه –وفق الفرضيّة- تجربته مُختَرَقة من قِبل مجموعةٍ من المعتقدات الباطلة وغير المبرّرة ممّا ينقصُ من موثوقيّة القدرات التي أنتجتْ اعتقاده. حالته هي حالةٌ من الاختراق المعرفيّ حيث تفشلُ تجربته الباطنيّة (المنخفضة نتيجةً لتعرّضها للاختراق من قِبل حالاته الذهنيّة السابقة) في تبرير مُعتقده. بالطبع، فإنّ الدوغماتيِّين أو المحافظين الظواهريِّين يعتبرون أنّ الفاعل (1) والفاعل (2) معذوران في معتقداتهما بناءً على الظواهر التي يُلاحظونها. ولكن إذا كان «مبدأ الانخفاض» صحيحًا، فإنّ واحدًا على الأقل من الظواهر قد تعرّض للانخفاض؛ لأنّه يُشكِّل حالةً سيّئةً من الاختراق المعرفيّ.

إضافة إلى ذلك، يُمكن أن نتذكّر بأنّ آلستون قد صاغ المشكلة التي يُمثّلها التنوّع الدينيّ بشأن الطابع المنطقيّ للاعتقاد الدينيّ، وذلك من ناحية هل أنّ التنوّع الدينيّ يُقوِّضُ موثوقيّة التجربة الباطنيّة أو الممارسة التوحيديّة الباطنيّة أم لا. وفقًا لتفسيري، فإنّ هذه الصلة ليست ضرورية بأي نحوٍ من الأنحاء. مع أنّ الاختراق المعرفيّ يحصلُ أيضًا في الممارسة الحسّيّة الإدراكيّة، فإنّ هذا لا يُقوّضُ موثوقيّة التجربة الحسّيّة. كذلك، لا يوجد سببٌ كي نأخذ ظاهرةَ التنوّع الدينيّ –التي تُفهَم على ضوء الاختراق المعرفيّ- على أنّها تُقوِّضُ موثوقيّةَ التجربة الباطنيّة. ما ينبغي الاعتراف به هو أنّه إذا كانت ظاهرةُ الاختراق المعرفيّ واسعة الانتشار في الممارسات الحسّيّة التي تتضمّنُ حالاتٍ سيّئة في الغالب، فإنّ ذلك سوف يجعلُ الإدراك الحسّيّ غير موثوق. تُنتجُ الممارسة الحسّيّة في هذه الظروف مُعتقداتٍ باطلة في الغالب. بكلمةٍ أخرى، إذا تبيّن أنّ أغلب حالات التشكُّل الإدراكيّ للمعتقد هي حالاتٌ سيئة من الاختراق المعرفيّ، فإنّ هذا سوف يُمثِّلُ حُجةً قويّة ضدّ موثوقيّة الإدراك.

ربما قد يُظن بأنّ التجربة الباطنيّة تحتلفُ عن التجربة الحسّيّة من هذه الناحية. التعارض الاعتقاديّ مُنتشرٌ للغاية في الممارسات الاعتقاديّة الباطنيّة. أميلُ إلى الموافقة على هذا الادّعاء ولكنّني سبق وحصرتُ نطاقَ التنوّع بالأديان التوحيديّة، وليس من الواضح مُطلقًا أنّ التنوّع يتفوّقُ على الاختلاف ضمن هذا النطاق. اعترفَ آلستون نفسُه بوجود مقدارٍ كبير من التداخُل الاعتقاديّ بين الأديان الإلهيّة هنا. إنّني أميلُ إلى الاعتقاد بأنّ التنوّع ضمن الممارسات التوحيدية الباطنيّة –على الأقل فيما يتعلّقُ بالمعتقدات الجوهريّة- هو مُبالَغ فيه بعضَ الشيء، ولكنّني سوف أختتمُ نقاشي بدعوى مشروطة. إذا لم يكن التنوّع الدينيّ ضمن الممارسات التوحيديّة الباطنيّة واسعَ الانتشار كما يتمُّ إظهاره، فإنّه مع شرح الاختراق المعرفيّ لهذا التنوّع يُمكن اعتبار الممارسات التوحيديّة الباطنيّة موثوقة كما أنّ الإدراك الحسّيّ يُعتبر ممارسةً موثوقة رُغم ظاهرة الاختراق المعرفيّ[38]. بالطبع، تبقى المشكلة المتمثِّلة فيمَ ينبغي أن يفعله ممارسو الأديان في وجه الاختلاف ولكنّ تلك مشكلةٌ عامّة تتضمّنُ جميع أنواع ممارسات تشكيل المعتقَد، سواء أكانت حسّيّة أم غير حسّيّة، دينيّة أم غير دينيّة[39].

المصادر والمراجع
المصادر بالعربية
1.   وردت هذه المقالة في دوريّة "الإيمان والفلسفة: دوريّة مجتمع الفلاسفة المسيحيّين". تاريخ النشر الإلكترونيّ: 23 آذار، 2018.

المصادر الأجنبية
2.   William P. Alston, Perceiving God.
3.   Bogardus, “The Problem of Contingency” .
4.   Christensen, “Epistemology of Disagreement” and Elga, “Reflection and Disagreement.”.
5.   Feldman, “Epistemological Puzzles about Disagreement.”.
6.   Hick, An Interpretation of Religion.
7.   Lyons, “Circularity, Reliability, and the Cognitive Penetrability.”
8.   Macpherson, “Cognitive Penetration.”
9.   Markie, “Epistemically Appropriate Perceptual Belief.”
10. Marsh and Marsh, “The Explanatory Challenge of Religious Diversity.”
11. McGrath, “Phenomenal Conservatism and Cognitive Penetration.”
12. Pryor, “The Skeptic and the Dogmatist” and Huemer, “Compassionate Phenomenal Conservatism”.
13. Schellenberg, “Pluralism and Probability.”
14. Siegel, “Cognitive Penetrability and Perceptual Justification”, “The Epistemic Impact..
15. Van Inwagen, “It is Wrong, Everywhere, Always, and for Anyone.”
16. RELIGIOUS DIVERSITY: THE COGNITIVE PENETRABILITY OF RELIGIOUS PERCEPTION.

-----------------------------
[1]*ـ  رئيس معهد الفلسفة التحليلية ـ طهران..
[2]- وردت هذه المقالة في دوريّة «الإيمان والفلسفة: دوريّة مجتمع الفلاسفة المسيحيّين». تاريخ النشر الإلكترونيّ: 23 آذار، 2018.
العنوان الأصليّ للبحث:
RELIGIOUS DIVERSITY: THE COGNITIVE PENETRABILITY OF RELIGIOUS PERCEPTION
ـ تعريب: هبة ناصر.
[3]- راجع على سبيل المثال: Alston, Perceiving God.
[4]-  لقد ادُعي على سبيل المثال أنّه يُمكن للمسيحيّ أن يتجاهل على نحوٍ معقول ادّعاءات الأديان الأخرى، إلّا إذا كان يُمكن الإثبات موضوعيًّا أنّ مؤيِّدي هذه الادّعاءات يقفون على قدم المساواة الإبستمولوجيّة، أي أنّهم نُظراؤه الإبستمولوجيّون (Plantinga, Warranted Christian Belief). ردًّا على ذلك، اعتُرض أنّه يُمكن للإنسان أن يتحرّك أيضًا في الاتجاه المعاكس من خلال نقل عبء الإثبات إلى الفرد الإقصائيّ والادّعاء بأنّ مُمارسي الأديان الأخرى هم نظراء إبستمولوجيّون إلّا إذا كان بإمكان الإقصائيّ أن يُبيِّن موضوعيًّا أنّ هذا ليس هو الحال.
[5]- Hick, An Interpretation of Religion.
[6]- المصدر نفسه، ص242.
[7]- Schellenberg, “Pluralism and Probability.”
للاطّلاع على إحدى الردود، راجع:Plantinga, Warranted Christian Belief .
[8]- راجع مثلًا:Bogardus, “The Problem of Contingency” .
[9]- Marsh and Marsh, “The Explanatory Challenge of Religious Diversity.”
[10]- Alston, Perceiving God, 188.
[11]- راجع مثلًا: Pryor, “The Skeptic and the Dogmatist” and Huemer, “Compassionate Phenomenal Conservatism”.
[12]- راجع مثلًا: Siegel, “Cognitive Penetrability and Perceptual Justification”, “The Epistemic Impact..
[13]- Alston, Perceiving God, 174.
[14]- المصدر نفسه، ص276. لاحظ أنّ حيازة «الوصول المعرفيّ الأصيل إلى الكائن الأسمى» يُشكِّلُ سياقًا إبستمولوجيًّا.
[15]- م.ن، ص267.
[16]- م.ن، ص271.
[17]- راجع مثلًا: Feldman, “Epistemological Puzzles about Disagreement.”.
[18]- راجع مثلًا: Christensen, “Epistemology of Disagreement” and Elga, “Reflection and Disagreement.”.
[19]- Van Inwagen, “It is Wrong, Everywhere, Always, and for Anyone.”
[20]- يختلفُ احتجاج آلستون عن احتجاج فان إنواغن. نوع الدعم الداخليّ الذي يتلقّاه فان إنواغن من «بصيرته التي يُتعذّر التعبير عنها» هو إبستمولوجي، إلا أنّ نوع الدعم الذي يتلقّاه آلستون من «ثماره الروحية» هو –كما رأينا سابقًا- براغماتي. ولكن نوع الطابع المنطقيّ الموجود على المحك في جدلية الاختلاف هو إبستولوجي بوضوح. وعليه، مرة أخرى، من غير الواضح إذا كان آلستون يُحقّق هدفَه حتى حينما يُفسَّر احتجاجه على ضوء الجدال حول الاختلاف.
[21]- يملكُ الخيار الأوّل مصدرَين. أوّلًا، يُمكن أن يحتجّ الفرد بعدم وجود نزاعات –أساليب مستقلّة لتقويم المؤهّلات الإبستمولوجيّة لاولئك المنخرطين في الاختلافات الدينيّة. فضلًا عن ذلك، يُمكن أن يُنكر الفرد أنّ المؤهّلات التي كثيرًا ما تؤكّد عليها التقاليد الدينيّة يسهلُ عمومًا التعرّف عليها. أمّا بالنسبة للخيار الثاني، يُمكن أن يحتجّ الفرد أنّه –على خلاف التجارب الحسّيّة للإنسان- لا يُمكن التعبير عن محتوى التجارب الدينيّة بواسطة الشهادة اللفظية؛ لأنّه، وفق الفرضية، يتمّ الاستجابة للحقيقة الأسمى ضمن الممارسات الدينيّة الاعتقاديّة المختلفة عبر المخطّطات المفهوميّة والتفسيريّة الخاصّة بالإنسان. إضافة إلى ذلك، حتى في تلك الحالات حيث الإخبار عن التجارب الباطنيّة يتداخل بشكلٍ أكثر أو أقلّ، قد يفشل الإخبار اللفظيّ في أن يعكس شدّة أو صدق تلك التجارب التي تتناسبُ بشكلٍ مباشر مع قوّتها الإثباتيّة.
[22]- إنّني أقترحُ فقط الآتي: بما أنّ آلستون يُركّزُ على المعتقدات المنتَجة، يمكنه أن يُساعد نفسَه بموارد الرأي الثابت لكي يصل إلى استنتاجه المبتغى. طالما أنّ التجربة الباطنيّة المسيحيّة يُمكنها أن تُوفّر «الدعم الداخليّ» المطلوب، فمن حقّ المسيحيّ أن يتمسّك بآرائه. بالطبع، ثمّة سؤال إضافيّ حول إذا ما كان الرأي الثابت مُحكمًا في النهاية، لا سيما إذا أرادَ أيضًا الإقرار بإمكانيّة الاختلاف المعقول الذي يحظى بالاعتراف المتبادَل.
[23]- Alston, Perceiving God, 191.
[24]- المصدر نفسه، ص205، (وضعتُ التأكيد).
[25]- Macpherson, “Cognitive Penetration.”
لا يُغطّي هذا التعريف التعليم الإدراكيّ الذي هو ظاهرةٌ مُختلفة.
[26]-  لقد أنتج هذا مفاهيم أوسع وأضيق حول الاختراق المعرفيّ. سوف أتناولُ المفهومين في هذا البحث.
[27]- Markie, “Epistemically Appropriate Perceptual Belief.”
[28]- Siegel, “Cognitive Penetrability and Perceptual Justification.”
[29]- McGrath, “Phenomenal Conservatism and Cognitive Penetration.”
[30]- Lyons, “Circularity, Reliability, and the Cognitive Penetrability.”
[31]- Siegel, “Cognitive Penetrability and Perceptual Justification.”
[32]- Siegel, “The Epistemic Impact.”
لقد رأينا كيف تُهدِّد نظريّة الاختراق المعرفيّ الرأيَ الدوغماتيّ. يبدو أنّ هذا يُشيرُ إلى أنّه ربما الطابع الداخليّانيّ للتبرير (المدعوم من الدوغماتيّة) –الذي يتطلّبُ من المبرّرات أن تكون مُتاحة بعمقٍ للفاعل- هو الذي يجعلُ الدوغماتيّة ضعيفة أمام المعضلة التي تُشكّلها الحالات السيئة من الاختراق المعرفيّ. مثلًا، في المثال عن جاك الذي يبدو غاضبًا، تفتقدُ جيل للتوصُّل الواعي إلى الدور السببيّ لمعتقدها (السابق). ولكن من المهم أن نذكر أنّه لا تتأثّر سلبًا جميع نماذج الداخليّانيّة. على سبيل المثال، هناك نموذجٌ ميتافيزيقيّ عن الداخليّانية («المذهب العقلانيّ» mentalism) حيث الحالات الداخليّة وحدها للفاعل في وقتٍ مُعيّن هي التي تُحدّد فيما إذا كانت مُعتقداته مُبرّرة (راجع مثلًا: Conee and Feldman, “Internalism Defended”). بما أنّ المذهب العقلانيّ يبقى حياديًّا تجاه مسألة ضرورة أن تكون هذه الحالات الذهنيّة مُتاحة للفاعل، فإنّ أسباب التجربة يُمكن أن تكون صانعة إبستمولوجيّة للفارق. وفقًا لذلك، إذا صادف أنّ شخصين يشتركان في نوع التجربة نفسها، ولكن مع أسباب مختلفة، لا يُمكن أن يكونا مُتطابقَين إبستمولوجيًّا؛ لأنّهما يمتلكان مجموع حالاتٍ ذهنيّة مُختلفة.
[33]- لأهداف هذا البحث، سوف أفترضُ «مبدأ الانخفاض». بالطبع، وكما غيرها من النظريّات الفلسفيّة المهمّة، فإنّ «مبدأ الانخفاض» مثيرٌ للجدل، ولكن هناك عددٌ من الاحتجاجات الداعمة له. تُركِّزُ إحدى هذه الاحتجاجات (Vance, “Emotion and the New Epistemic Challenge”) على العواطف لأنّها تتشابه كثيرًا مع التجارب (من ناحية امتلاك الطابع الفينومينولوجيّ). من ناحيةٍ أخرى، من المنطقيّ فعلًا تصوّر أنّ الاعتقادات وغيرها من المواقف يُمكن أن تخترق التجارب العاطفيّة معرفيًّا. إضافة إلى ذلك، يُعتقد بشكلٍ واسعٍ أنّه من الممكن أن تكون العواطف منطقيّة، أو مُبرّرة، أو غير مُبرّرة. وفقًا لذلك، حينما يخترقُ معتقدٌ غير منطقيّ تجربةً عاطفيّة، يبدو من المنطقيّ فعلًا تصوُّر أنّ هذه العاطفة ليست منطقيّة بما فيه الكفاية لكي تُبرّر الاعتقاد الذي أنتجته لأنّه –بمقتضى أسبابه- العاطفة نفسها هي غير منطقيّة. وعليه، فإنّ المقارنة مع العواطف تُوفّرُ دعمًا قويًّا لمبدأ الانخفاض. هناك مقاربة أخرى (Lyons, “Circularity, Reliability, and the Cognitive Penetrability of Perception”) تُناشدُ موثوقيّة العمليّات التي تتضمّنُ تجارب مختَرَقة معرفيًّا بهدف الاحتجاج لصالح المبدأ. ختامًا، احتجّ سيغل (The Rationality of Perception) بشكلٍ مُطوّل على أنّ التجارب الإدراكيّة نفسها يُمكنها أن تُظهر مكانةً إبستمولوجيّة، أي أن تكون منطقيّة أو غير منطقيّة بالطريقة نفسها كما المعتقدات. تجدرُ الإشارة أيضًا إلى أنّ قدرة «مبدأ الانخفاض» على توضيح بعض الخلافات الفلسفيّة -مثل الجدال حول الليبراليّة/المذهب المحافظ و(إذا كانت أطروحة هذا البحث صحيحة) مشكلة التنوّع الدينيّ- تزيدُ من معقوليّته.
[34]- للاطّلاع على مزيدٍ من الاحتجاجات راجع: Siegel, The Rationality of Perception.
[35]- أحذو في هذا البحث حذو فلاسفة من أمثال آلستون، وبالفعل كامل تراث الإبستمولوجيا المصحّحة، الذين يؤكّدون على التشابهات (المهمّة) بين الإدراك والتجربة الدينيّة. إذا تمّ الاعتراف بأنّ كُلًّا من الإدراك والتجربة الدينيّة يُمكنهما إضفاء التبرير على المعتقدات التي يُنشآنها، لا يوجد سبب بديهيّ لإنكار لماذا أنّ القدرة المانحة للتبرير التابعة للتجربة الدينيّة لا يُمكن تقويضها من قِبل أسبابها بالطريقة التي تحصل مع قدرة الإدراك.
[36]- ورد الاقتباس في: Alston, Perceiving God, 207.
[37]- حينما ينظرُ شخصٌ خبيرٌ بالشجر وشخص غير مُتخصِّص إلى شجرة الصنوبر نفسها، فإنّ الخبير يُحرز تبريرًا أكبر للاعتقاد بأنّ الشجرة هي شجرة صنوبر، وذلك لأنّ تجربة الخبير (المختلفة بشكلٍ هائل) تملكُ المحتوى التالي: x هي شجرة صنوبر. طريقاهما إلى تجاربهما مُختلفين. راجع: Siegel, The Rationality of Perception, 132.
[38]-  قد يُعترض بأنّ التنوّع –حتى ضمن الدِّين الواحد- هو شائع. قد يملكُ الناس معتقداتٍ مُختلفة حول قوّة الله وطبيعته الأخلاقيّة وما إلى ذلك، ولهذا السبب نواجه حالاتٍ سيّئة أكثر من الحالات الجيّدة. يُمكن أن نذكر عدّة أمور كردٍّ على هذا. بادئ الأمر، كوّنتُ استنتاجي على نحو الشرط. إذا تبيّن فعلًا وجود المزيد من الحالات السيّئة، ينبغي إذًا أن نقرّ بأنّ القدرة الدينيّة على تشكيل المعتقد هي غير موثوقة. ثانيًا، رغم التنوّع، يوجد أيضًا مقدارٌ كبيرٌ من الاتّساق. وفقًا لبعض دراسات العلم المعرفيّ الأخيرة حول الاعتقاد الدينيّ، يبدو أنّنا نميلُ بشكلٍ طبيعيٍّ إلى الاعتقاد بعليمٍ عظيم هو المصدر الثقة للأخلاق ويُمارسُ التدبير الأخلاقيّ (يُعاقب الأشرار ويثيبُ الأخيار) (راجع: Norenzayan, Big Gods). ختامًا، تبدو الاختلافات المذكورة في الاعتراض بشكلٍ أكبر كالاختلافات الفلسفيّة التي تنشأ غالبًا كنتيجة للاستدلال وإقامة الحجّة. فضلًا على ذلك، اولئك الذين يودّون التأكيد على أهمّيّة هذه الاختلافات الفلسفيّة الدقيقة في المعتقدات ضمن التجربة الباطنيّة يجب أن يكونوا مستعدّين أيضًا لتقبُّل أهمّيّة الاختلافات المماثلة في المعتقدات ضمن التجربة الحسّيّة، إذ توجد أيضًا آراء فلسفيّة ضمن التجربة الحسّيّة تعتبرُ أنّ الأشياء هي مجموعاتٌ من المعلومات الحسّيّة، أو تعتبرُ السببيّة مجرد دمجٍ مستمر للأحداث، أو تُنكر حقيقة الخصائص الثانويّة كاللون، أو تُنكر حقيقة البعد الذهنيّ وما إلى ذلك. من غير الواضح كيف يُمكن أن تخترق هذه المعتقدات التجارب الحسّيّة للفرد، ولكن إن فعلت ذلك ينبغي أيضًا اعتبارُ التجربة الحسّيّة غير موثوقة.
[39]-  أودّ أن أشكر عدّة مُقيِّمين غير مُسمّين ورئيس تحرير هذه المجلة لانتقاداتهم وملاحظاتهم المفيدة. أشكر أيضًا محمد لغنهاوسن على تعليقاته ونقاشه القيّمَين. أدينُ على وجه الخصوص إلى كيلي كلارك لتشجيعها واقتراحاتها القيّمة لتحسين هذا البحث.