البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حوار لاهوتيّ عقائديّ مع البروفسور محمّد لغنهاوزن؛ التعدّديّة الدينيّة أطروحة مسيحيّة غربيّة لا ينبغي تعميمها

الباحث :  إعداد وتعريب: سرمد الطائي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  25
السنة :  خريف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  111
تحميل  ( 396.119 KB )
من أهمّ الإشكاليّات المعرفيّة التي تثيرها فكرة التعدّديّة الدينيّة تحوّلها في الثقافة الغربيّة إلى حقيقة كلّيّة يُبنى عليها كلّ نقاش بين الأديان الكبرى. وذلك يعود على الأرجح إلى المنطق الذي يحكم عالم المفاهيم في الغرب، ولا سيما لجهة تعميمها على سائر الحضارات. هذا مع العلم أنّ ثمّة مشكلة فهم بسبب من هذا التعميم، وخصوصًا بين ما هو معروف في الفكر الإسلاميّ وما هو سائد في الغرب حول مفهوم التعدّديّة.
في الحوار التالي مع الباحث في الفكر الإسلاميّ البروفسور محمّد لغنهاوزن إضاءة على أبرز الإشكاليّات النظريّة التي تواجه أطروحة التعدّديّة الدينيّة.

«المحرِّر»
-----------------------------------------
يبدو من غير المكن أن ننسب التعدّديّة بمفهومها السائد في الغرب إلى الإسلام. هل يمكن أن تقدّم لنا مقارنة بين الأسس المعرفيّة للتعدديّة في الفكر الغربيّ، وبين التسامح وحقّ الاختلاف في وجهات النظر، طبقًا للحدود التي يمكن لنا كمسلمين أن نتقبّل فيها التعدّديّة؟
لغنهاوزن: تعلمون أنّ التعدّديّة تُستخدم في الغرب بمعاني مختلفة، فهي تدل في الأخلاق على لون من النسبيّة القيميّة، ورفض لجانب الثبات والإطلاق في معايير الأخلاق، أو أنها دخلت ضمن البحث حول إمكانيّة التوفيق بين القيم. ومن جهة أخرى يستخدم هذا المصطلح للدلالة على التعدّديّة السياسيّة التي هي من إفرازات الفكر الليبراليّ، وقد اختلفوا بالطبع في مقاربة هذا الجانب من الليبراليّة، فهل هي تقترح نمطًا محدّدًا من الحياة، أم أنّها لا تتولى سوى فسح المجال لسائر ألوان الميول والرغبات، فتتيح للمرء أن يفعل ما يحلو له. ونحن نعلم أنّ العديد من الليبراليّين يؤمنون بأنّ لليبراليّة قيمها الخاصّة الواضحة، وأنّها أيديولوجيا في حدّ ذاتها؛ ولذلك لا يمكن أن تتعايش مع المنهج الدينيّ في الحياة.
أمّا التعدّديّة الدينيّة، فقد شاعت في العالم المسيحيّ خلال العقود الأخيرة بفضل جهود جون هيغ، فالتعدّديّة هذه هي لون من الفهم في اللاهوت المسيحيّ، وليس في وسعنا استيعابها بشكل صحيح إلّا حين نتعرّف على اللاهوت المسيحيّ وطبيعة الخلاف بين المذاهب المسيحيّة.

أعتقد أن ثمة مشاكل تعانيها أحيانًا عمليّة نقل الأفكار التي تدور حول الموضوعات الدينيّة-الفلسفيّة في الغرب، إلى البلدان الإسلاميّة، ونواجه في إيران جانبًا من تلك المشاكل. تنشأ هذه المشاكل من أنّنا نريد أخذ الموضوعات ذات الطابع المسيحيّ الصارخ والذي يتّصل أحيانًا بالخلافات المذهبيّة في أوروبا، وإدخالها في أجواء الفكر الإسلاميّ. بينما لا يوجد مثل تلك الإشكاليّات في الفكر الإسلاميّ، ما يعني أن تلك المسائل لن تُستوعب بشكل صحيح، وهكذا بات الدمج بين معايير الإسلام والمسيحيّة سببًا في حصول جملة من الأخطاء وسوء الفهم.

لقد طُرحت التعدّديّة الدينيّة أخيرًا في العالم المسيحيّ من قبل جون هيغ، وهو قس من طائفة (بيرسبتيوري) في بريطانيا، كما أنه متقاعد ويقيم في أميركا التي مارس التدريس فيها أعوامًا طويلة، أضف إلى ذلك، أنّه كان ناشطًا للغاية في «برمنغهام» شرقيّ بريطانيا، وقد تعاون مع المسلمين والهندوس واليهود.
يعتقد هيك أنّ عددًا كبيرًا من غير المسيحيّين أصبحوا أشخاصًا أتقياء ومسالمين في ظلّ اعتناقهم لأديان أخرى، وفي ضوء ذلك، ما هو المبرِّر لتزمّت الكنيسة فيما يتّصل بغسل التعميد ودور الكنيسة في مصير العباد، ودخولهم إلى الجنّة أو النار؟! إذًا، علينا أن لا نقول إنّ المسيح هو الله، وإن بلوغ الفردوس لا يتيَّسر إلّا من خلاله.

دعنا نقارن ذلك بما يقوله الإسلام، إنّني أحيل الزملاء إلى كتاب العدل الإلهيّ للشهيد مطهّري، فيما يتّصل بالجوانب المعقّدة في موضوعات من قبيل الفلاح، والجنّة والنار، والتعدّديّة الدينيّة، فهو يتضمن بحثًا دقيقًا حول ذلك، ولا سيما في الفصل الأخير. ووفق أحد معاني التعدّديّة مما يتّصل بالعدل الإلهيّ وموضوع الآخرة، لا بد أنّ أقول إنّنا كمسلمين من أتباع التعدّديّة ـ ولا شك ـ؛ ذلك أنّنا نؤمن بأنّ غير المسلم في وسعه أن يدخل الجنّة ضمن ظروف خاصّة ومبرّرات معيّنة، فهو مشمول برحمة الله إذا كان يتوخّى الحقيقة بصدق، لكنه أخطأ وعجز عن بلوغها، فيمكن أن يعفو الله عنه ويدخله جنّته، غير أنّنا لا نستطيع البتّ في أكثر من ذلك. لا يمكننا طبقًا لتعاليم الإسلام أن نقول إنّ فلانًا من أهل الجحيم ـ دون شكّ ـ على أساس أنّه قد ارتكب الذنب الكذائيّ؛ أو أن نقطع بأنّ فلانًا من أهل الجنّة، باستثناء جملة من الموارد التي أخبرنا بها الكتاب الكريم أو السنة كالقول إنّ أبا لهب من أهل النّار. نجد في ضوء ذلك أنّ الإسلام ومنذ البداية لم يواجه تلك المشكلة التي عانتها المسيحيّة. وهكذا فإنّ الإسلام دين يؤمن بالتعدّديّة في معناها هذا دون شك، بل نلاحظ أساسًا أنّ ثمّة العديد من الأديان كانت موجودة في الجزيرة العربيّة حين جاء الإسلام، وقد تعايشت معًا في المدينة في إطار الحكومة الإسلاميّة وفي ظل الإسلام.

هل طُرِحَ هذا البحث في الدين المسيحيّ قبل جون هيغ؟
لغنهاوزن: اعتقد الكاثوليك في القرون الوسطى أنّ التعميد من قبل الكنيسة شرط حتميّ لدخول الجنّة؛  ولذلك فإنّ إبراهيم أو موسى(عليه السلام) ليسا من أهل الجنّة في اعتقادهم رغم أنّ الكنيسة تكنّ لهما الاحترام. قصارى ما هنالك أنّهم يؤمنون أيضًا بأنّ ثمّة مكانًا بين الجنّة والنار هو «ليمبو«()(Limbo)  ليس فيه ألم كما لا تتوفّر فيه اللذّة، وهو المكان الذي يبقى فيه موسى وسائر الأنبياء الذين لم يتمّ تعميدهم، شريطة أن لا يكونوا قد ارتكبوا الكبائر، حتى يأتي المسيح يوم القيامة ويأخذهم إلى الجنّة.
قالوا فيما بعد إنّه لا يُشترط في التعميد سكب الماء على الرأس، بل ثمّة أساليب أخرى تكفي في ذلك أيضًا، ثم جاء «كارل رونر» أحد رجال اللاهوت الكاثوليك في القرن العشرين وقال: إنّ علينا أن نعتبر العديد من غير المسيحيّين أشخاصًا وأديانًا، مسيحيّين في الواقع. فلو عاش المسلم حياةً اتسمت بالاستقامة والتقوى، لم يرتكب فيها ما يتنافى والمسيحيّة، فهو مسيحيّ عند الله ونحن أيضًا نعتبره كذلك.

غير أنّ جون هيغ رأى في ذلك الرأي خطوة أولى لا تكفي لتحقيق التعدّديّة؛ لأنّه يعود ثانية إلى جعل المسيحيّة معيارًا وحيدًا، الأمر الذي يعني أن تلك ليست تعدّديّة حقيقيّة، إذ يمكن للمرء أن يتقرّب إلى الله من خلال دينه الذي يؤمن به. إذًا، لا بد أن نحقّق الخطوة التالية نحو التعدّديّة، وفي ضوء هذا كانت القضيّة تدور حول تحديد أهل الجنّة وأهل الجحيم. وإنّ الأجوبة المقدمة على السؤال هذا في العالم المسيحيّ قد حملت طابعًا لاهوتيًّا تارة، ومعرفيًّا تارة أخرى وفي مستويات مختلفة.
ترى ألا تعتقد أنّ تعدّديّة جون هيغ إنّما تقوم على أساس معرفيّ محدّد؟ حيث ربما قيل: إنّ الحقيقة موجودة في أحد الأديان غير أنّ أتباع الديانات الأخرى يمكن أن تتوفّر لهم فرصة النجاة من النار، وهذا ما يمكن أن يتوافق مع الرأي الآخر في هذه الحدود، غير أنّ الاختلاف بين التيارين يبدأ من تحديد السرّ في حتميّة نجاة الآخرين من النار. ويمكن أن يقال هنا: إنّ من الممكن أن ينتهج أولئك دون قصد ذات النهج الذي يدعو إليه الإسلام مثلًا، غير أنّ هذا يستتبع في الواقع لونًا من النسبيّة والتشكيك المعرفيّ في موضوع (الحقيقة).
إلا أن جون هيغ يلغي فكرة (السبيل الصحيح) أو [الصراط المستقيم] التي يوصف بها منهج خاصّ في حدّ ذاته، فيقول: إن كلّ السبل والمناهج صحيحة، وليس ثمّة سبيل خاطئ أو باطل، ولا وجود لشيء اسمه الضلال، فالجميع مهتدون.

لغنهاوزن: أجل، إنّ هذا صحيح، لكن بعض الباحثين يأخذ عليه بأنّه ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه دون أيّ ضابطة أو معيار، رغم أنّه يقول: إنّني لا أؤيد جميع الأديان بشكل مطلق، فأنا لا أعتقد مثلًا بأنّ عبادة الشيطان منهج يأخذ بأتباعه نحو الهداية.
فما هو المعيار إذًا في تمييز الدين الحقّ من الدين الباطل؟
لغنهاوزن: يطرح هيك معيارين، أحدهما أخلاقيّ والآخر تجربيّ، فنحاول أن نرى أوّلًا من خلال التجربة هل أنّ الآخرين يؤيّدون الدين المعيّن ويؤمنون به؟ ففي المجتمعات الهنديّة ثمّة تجربة دينيّة مشتركة بين أفراد المجتمع.
ولكن هل تخضع (الحقّانيّة) للتجربة؟

لغنهاوزن: يقول هيك إنّ أولئك يدركون من خلال شعورهم القلبيّ بأنّ هذا سبيل حقّ، وهذا ما يرونه صحيحًا وهو في حدّ ذاته تجربة دينيّة.
هذا هو الإيمان ذاته، ولكن من المحتمل أنّ عبَدَةَ الشيطان يرون شعوريًّا أنّ دينهم حقّ، وحين يزعمون أنّ هذا يمثّل حصيلة تجربتهم الروحيّة، فما هو جواب هيك؟

لغنهاوزن: أجل، إنّه لا يمتلك إجابة واضحة على ذلك، فهو يلجأ عندئذ إلى المعيار الآخر، وهو الأساس الأخلاقيّ، بدلًا عن إيضاح تلك التجربة.
لننتقل إلى المعيار الأخلاقيّ إذًا، وأتساءل هنا: كيف يُتاح للكانطيّة المحدَثة أنّ تفسّر الأخلاق بمعزل عن الإيمان؟ فكما أنّ التجربة قد أخفقت هنا، يمكن للأخلاق أن تخفق أيضًا، طبقًا للضوابط التي يطرحها هؤلاء. حين يتحدّث العدليّة() من المسلمين عن المعيار الأخلاقيّ، فإنّ لذلك مبرّره، حيث نؤمن بالحُسن والقبح الذاتيَّين والعقليَّين، رغم أنّ الحسن والقبح الذاتيَّين لا يتطابقان ـ بشكل كامل ـ مع العقليَّين. ولكن في وسعنا أن نتحّدث عن معيار أخلاقيّ في تقويم دين معيّن (وذلك في حدود خاصّة وحسب)؛ لأنّنا نؤمن بوجود جملة من المبادئ التي تحدّد الحَسَن من القبيح، وهي مما يمكن إدراكها بالعقل، كما أنّنا نتحرّك نحو الكمال عبر الممارسة الأخلاقيّة، وفي الواقع ونفس الأمر، ولكن هل أنّ أمثال هيك، مع تلك الفلسفة الخاصّة في الأخلاق والمعرفة، يؤمنون بمعايير عقلانيّة مفروغ عنها؟ هل يمكن الدفاع عنها أخلاقيًّا، بحيث تقع في مرتبة ما قبل الدين وتُلاحَظ بمعزل عن الدين؟ أي هل أنّهم يؤمنون بمعايير للحسن والقبح تمتلك مصاديق واضحة؟ يبدو أنّ الأخلاق ـ ذاتهاـ ستتحوّل إلى منظومة لا يمكن الدفاع عنها، بل تسيطر عليها الشكوك وتغدو منظومة موهومة، وذلك حين لا يؤمن المرء بمبادئها العقلانيّة والفطريّة، وحين لا يؤمن بالوحي الإلهيّ.

ونجد لدى المسلمين فرزًا بين المكاشفات الرحمانيّة والمكاشفات الشيطانيّة؛ لأنّهم يعتقدون بمبادئ عقليّة للأخلاق كما يؤمنون بالوحي، ما يعني وجود معيارين لذلك، أحدهما: أن لا تتعارض المكاشفة أو التجربة الشخصيّة مع تجربة الأنبياء، ولا سيّما ما يتّصل بالوحي المنزل على
النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ أي القرآن الكريم؛ ولذلك فلا يمكن قبول أيّ لون من التجربة الدينيّة إذا كانت تتعارض مع الشريعة؛ أمّا المعيار الآخر، فهو أن لا تتعارض مع المسلّمات العقليّة. ولكن هل تتوفر مقاييس أخلاقيّة واضحة يمكن تقويم الإيمان على ضوئها، في اللاهوت البروتستانتيّ الذي يؤمن به جون هيغ؟
لغنهاوزن: تحدَّث هيك ـ طبعًا ـ عن المعايير الشهوديّة، فلنا أن نقول مثلًا إنّ عبادة الشيطان قبيحة إذ يقرر شهودنا أنّ حصيلة عبادة الشيطان ليست سوى القبح.

ولكن ما الذي يقرّره الشهود الذي يحصل لـ(عابد الشيطان) ذاته وفق زعمه هو؟ ومن هو المعيار في (الشهود)؟ فهل شهود جون هيغ هو المعيار؟ أضف إلى ذلك أنّ الشهود أساسًا لا يمتلك قاعدة معرفيّة واضحة في المنظومة (الليبراليّة-البروتستانتيّة).
لغنهاوزن: هذا سؤال جيّد أيضًا؛ ذلك أنّ ما يراه هو صحيحًا يراه الآخرون خاطئًا، فهو يقول مثلًا: إنّ على الدين اليهوديّ أن يتولّى إصلاح نفسه، وعلى اليهود أن لا يقولوا إنّهم شعب الله المختار؛ لأنّ ذلك غير صحيح، في ضوء الضوابط الأخلاقيّة. وهو يدعو المسلمين إلى عمليّة إصلاح مشابهة، حيث ينبغي الكفّ عن قطع يد السارق؛ لأنّ الشهود يقرّر أنّ ذلك يتنافى مع الأخلاق. غير أنّني أنا المسلم لا أشعر بذلك الشهود الذي يزعمه.
بل أعتقد على عكس ذلك، أنّ هذا أمر إلهيّ، وهو متناسب للغاية مع الأخلاق. وهكذا نجد أنّ جون هيغ أطلق اسم الشهود والأخلاق على المعايير التي تطرحها ثقافته الليبراليّة، وهو يتولى تقويم شهود الآخرين من خلالها. إن جون هيغ لا يحمل نوايا سيّئة غير أنّه يعمد إلى إطلاق تسمية الشهود على جوانب من الثقافة الليبراليّة تدخل في تكوين أفكاره دون وعي.

هل إنّ تقديم توصيات إلى الأديان الأخرى، وبهذا اللون من الخطاب، يمثّل خطاب التعدّديّة؟ لا يمكن لمن يمتلك إيمانًا راسخًا بالتعدّديّة أن يصدر الأوامر والتوصيات إلى الأديان الأخرى، بل ليس له أن يتولى تقويم أيّ دين أو اتّجاه، وإنّما لا بدّ أن يقول حسب القاعدة إنّكم جميعًا قد نظرتم إلى الحقيقة من زاوية معينة، وأنّكم تمتلكون نوايا حسنة، وهكذا، فإنّكم جميعًا قد توصّلتم إلى فهم صحيح، فعلى أيّ معايير تقوم تلك التوصيات والدعوات؟ أمّا لو قال إنّه يمتلك جملة من المعايير التي تخولّه ذلك، فهو في الحقيقة لن يكون مؤمنًا بلون خاصّ من التعدّديّة، بل إنّ التعدّديّة ـ ذاتها ـ ستنطوي على خطوط حمراء أيضًا، قصارى ما هنالك أنّه يحاول أن يتولّى تحديد تلك الخطوط بنفسه. فهو يستند إلى الشهود والأخلاق غير أنّه لا يقدّم لهما تعريفًا تتّفق الأديان حوله. والتعريف الذي يطرحه خاضع لتأثير الأفكار الليبراليّة والتفسير الخاصّ لمفهوم التجربة الدينيّة على حدّ تعبيركم. ونجد أنّ هذه تمثّل مجموعة المعايير النفسيّة التي يمتلكها جون هيغ شخصيًّا، إضافة إلى الأبحاث التي طُرحت منذ شلايرماخر فما بعد.
إذًا، لا يدور الخلاف بين طرف يدعو إلى تعدّديّة مطلقة وبين آخر يعارضها، بل إنّ الطرفين يؤمنان بلون من التعدّديّة ينطوي كلّ منهما على خطوط حمراء وقيود معّينة، بينما يكون الخلاف في تحديدها وترسيمها. ويتداعى إلى ذهني في مستوى التصوّر والفرض عدّة مفاهيم ممكنة للتعدّديّة، بمعنى أنّ في وسع المرء أن يبشّر بالتعدّديّة من عدّة جهات، غير أنّ اثنتين أو ثلاثًا منها هي المهمّة؛ إحداها أن يعمد المرء إلى إلغاء مفاهيم من قبيل السعادة والشقاء، والضلال والهداية، والحقّ والباطل، نافيًا عنها الواقعيّة، بأن يفترضها مجرّد مصطلحات نحتتها المذاهب والأديان بهدف خلق الدوافع الإيمانيّة في أتباعها؛ إذ إنّ الإنسان بالتالي يحبّ ذاته، ويبدي قلقًا خاصًّا حيال سعادتها وشقائها، فعمدت الديانات إلى توظيف ذلك القلق واستغلاله، وإلّا فليس ثمّة مضمون واضح لتلك المفاهيم. ويرفض الإسلام هذا اللون من التعدّديّة ولدينا لذلك مبرّرات نقليّة وعقليّة، كما أنّني أستبعد أن يكون جون هيغ مؤمنًا بهذا النمط من التعدّديّة.

لغنهاوزن: بلى، إنه لا يعتقد بذلك.
دعني أنتقل إلى خطوة أخرى، إذ السعادة والشقاء ونحوهما مفاهيم تتمتّع بالوضوح، وهي مما يمكن فهمه وإدراكه، كما أنّ لها مصاديق في الخارج، غير أنّه يقال مثلًا إنّ مصاديقها مجهولة لدينا، ولا يمكن الحكم عليها، فهل يؤمن جون هيغ بذلك، وبأنّنا عاجزون عن الحكم على تلك المفاهيم وحسب، وعاجزون عن النقاش فيها وإقناع الآخرين بما يؤدّي إلى السعادة والشقاء مثلًا؟
لغنهاوزن: ثمّة نقاش لجون هيغ هنا حول الإله، حيث يقول إنّ كلّ ما طرحته الأديان على اختلافها حول الله إنّما يمثّل أشياء ابتدعتها أذهان البشر واختلقتها كلماتهم في محاولة لتصوير حقيقة لا يمكن تصويرها أو مقاربتها. وهو يحرص دائمًا على طرح هذه الملاحظة، فتكتسب الفكرة التي تقرّر أنّ لله ماهية شخصيّة، أهمّيّة متزايدة، ولا سيّما في الدين المسيحيّ، بينما تعتقد بعض الأديان أنّ الله حقيقة مطلقة، أو حقيقة الوجود.

يقول جون هيغ: إن الحقيقة واحدة غير أنّها تبدو مختلفة في أذهان الناس. أعتقد شخصيًّا أنّه قد ارتكب خطًا فادحًا في حقّ الإسلام، كما أنّه أخفق في استيعاب ما يرمي إليه مولوي (جلال الدين الرومي) حين استعرض أمثلته، حيث يقول الرومي في المثنوي إنّ النور واحد رغم تعدّد المصابيح، فالنور ليس بمتعدّد.

نعم واستند هيك إلى قصّة الفيل والكوخ المظلم؟
لغنهاوزن: أجل، إنّه كثيرًا ما يقوم بتوظيفها، غير أنّني أعتقد أنّه لم يستوعب مولوي جيّدًا؛ إذ يقرّر القرآن الكريم أن ثمّة نورًا وهدى في التوراة والإنجيل، غير أنّ ذلك لا يبرّر أن نستنتج أنّ هذه أشياء اختلقها ذهن الإنسان، وأنّ الحقيقة لا يمكن إدراكها إطلاقًا، وأنّ الأديان قد أدركت الحقيقة بشكل متكافئ، أو من الأفضل أن نعبّر بأنّ أحدًا لم يستوعبها بنحو صحيح، بناء على ذلك. غير أنّ هيك يحاول التدليل على هذه النتيجة واعتمادها.

خطرت في ذهني ملاحظة وردت في كتاب «فيه ما فيه» لمولوي، فهو هناك يتحدّث إلى شخص نصرانيّ بما يشكّل نصًّا رائعًا. جاء النصرانيّ إلى مولوي وقال له: إنّ عددًا من الصوفيّة قد حضروا عنده وشربوا معه الخمر، وقالوا: إنّنا نتفق معكم في إيمانكم بأنّ المسيح هو الله، غير أنّنا لا نجهر بعقيدتنا هذه؛ لأنّ ذلك يجعلنا نواجه المخاطر بين قومنا.

أجاب مولوي بغضب، قائلًا: لقد كذب عليك أولئك المتصوّفة حين كانوا سكارى، فكيف يمكن القول إنّ المسيح هو الله، مع أنّه قد اضطر إلى الهرب من اليهود خشية أن يقتلوه؟ أين عقلك يا رجل؟
قال النصرانيّ: حسنًا، إن التراب هو تراب، والروح هي روح على أيّ حال.
فأجابه مولوي: إنّكم تزعمون أنّ جسد المسيح(عليه السلام) ليس هو الله، بل إنّ الله هو روحه. بينما تقولون أيضًا، إنّه مات مقتولًا، فأين ذهبت روحه إذن؟
لم يكن ثمّة جواب لدى النصرانيّ، غير أنّه قال للمولى الروميّ: هذه هي عقيدتنا وهي موروث الديانة المسيحيّة، ونحن نؤمن بذلك؛ لأنّه يمثل دين آبائنا.
غير أنّ مولوي لا يتركه وشأنه، بل يقول له: كان يوجد فتى يعمل والده إسكافيًّا، لكن الفتى تعلّم آداب البلاط وشغل موقعًا مهمًّا، فهو لم يطمح أن يكون إسكافيًّا مثل أبيه، بل قال: حتى الكلب يكفّ عن ارتياد القمامة كأبيه، بمجرّد أن يتقن الصيد، فلماذا تتبعون آباءكم وتعتنقون المسيحيّة، بينما قد ظهر دين جديد، أفضل من المسيحيّة بكثير، وهو يخلو من عيوبها.
تتمتّع هذه الحادثة بأهمّيّة كبيرة، وتدلّل على أنّ جلال الدين الرومي لا يؤمن بالتعدّديّة التي تصوّرها جون هيغ، بل يعارضها حين يؤمن بحقّانيّة الإسلام ويرى ما سواه باطلًا.

أجل إنّ مولوي يشير بوضوح وإصرار إلى نماذج عديدة من مصاديق الضلال، ويصرح بأنّ ثمّة اتجاهًا حقًّا وآخر باطلًا، كما أنّ عرفاءنا يميّزون بين البراءة والبلادة، ويصنّفون بني البشر إلى خبيث وطيّب. رغم أنّ هذا لا يتنافى مع التسامح على المستويين العمليّ والتربويّ، ولا شكّ أنّ هذا يختلف عن التعدّديّة؛ إذ لا يتطلّب التسامح حالة من الشكّ. يتصوّر بعض الباحثين أنّ التسامح لا يتيّسر دون أن يعترينا جميعًا شكّ بأنفسنا، وأن لا يؤمن المرء بأيّ شيء ولا يرى نفسه على حقّ بالضروروة (كي لا يعتقد أن غيره على باطل بالضرورة). بينما تتلقّى الحقيقة بذلك صدمة كبيرة؛ إذ لن يمكن حينئذ تحديد الحقيقة وفرزها عن غيرها.

لغنهاوزن: لو كان جون هيغ هنا، لقال بالتأكيد: إنّه لا يشكّ في المسيحيّة، وإنّه يؤمن بحقّانيّة دينه، غير أنّه يؤمن أيضًا بأنّ الأديان الأخرى على حقّ.

دعني أتساءل: ماذا يعني أن تكون سائر الأديان على حقّ؟ فهل يعبّر ذلك عن صحّة القضايا التي تطرحها الأديان بأسرها، ومطابقتها للواقع؟ علينا حينئذ أن نعالج مشكلة التناقض، حيث لا يمكن القول بصحّة قضيّتين متناقضتين، كالتوحيد والشرك، وعبادة الله وعبادة الشيطان.
لغنهاوزن: لقد أشرت إلى نقطة جيّدة، وبالمناسبة تمّ تناول الجانب هذا ذاته في المناظرة التي نُظّمت أخيرًا بين الدكتور حسين نصر وجون هيغ في إحدى الدوريّات، وقد اختلفا حول هذه النقطة. حاول جون هيغ خلالها معالجة التناقض القائم، وكان عليه لأجل ذلك أن يتولّى تصحيح العقائد المسيحيّة، بينما أخذ حسين نصر بالدفاع عن الإيمان بأنّ على التعدّديّة أن تحتوي هذا التناقض وتستوعبه.
هذا شيء والحقّانيّة شيء آخر، فذلك الاحتواء مما لا إشكال فيه على المستوى الاجتماعيّ، وهذا هو التسامح الذي أوصى به الإسلام، ولكن كيف يتسنّى لنا ذلك على المستوى النظريّ؟ فهل يعني ذلك الاحتواء أن نتقبّل التناقض؟

لغنهاوزن: نعم، هذه هي التعدّديّة، فهي أكثر من الاحتواء في المستوى العمليّ. يقولون: لا يمكن أساسًا تصوير الحقيقة ومقاربتها، الأمر الذي يؤدّي إلى حصول التناقض حين نمارس وصفها وبيانها؛ لأنّ أيًّا من تلك التوصيفات أو البيانات لا يتطابق مع الواقع. حين نلاحظ شيئًا من خلال قناتين، ووجهتي نظر مختلفتين، فإنّ الحقيقة لا تتجلّى لنا بشكل واحد، بل تتناقض الصورة التي حصلت لديك مع الأخرى التي تكوّنت لديّ. وهذه هي حصيلة الموضوع بإيجاز.

يعني ذلك أن واحدًا منّا على الأقلّ هو المخطئ، حتى على تقدير أنّنا لم نستطع تحديد من هو المصيب، وهكذا نتسامح مع بعضنا؛ لأنّنا لم نتمكّن من تحديد من هو المخطئ، وهذا تسامح على المستوى العمليّ. فالتعدّديّة الاجتماعيّة في مفهومها هذا تمتلك مبرّرًا إسلاميًّا.
غير أنّ التعدّديّة الدينيّة لا تجد بأسًا في ذلك التناقض، لا في المستوى العمليّ فحسب، بل وفي المستوى النظريّ أيضًا، فلك أن تقول: «إنّ، هنالك شجرتين» بينما أقول أنا: «إنّها ثلاث أشجار»، لا بأس فكلانا على حقّ. فكيف إذن يتولى السادة معالجة إشكاليّة التناقض العقليّ هذا؟

لغنهاوزن: يكرِّر جون هيغ الإجابة التي يقدّمها كانط، من أنّ مفاهيم من قبيل (العدد) تتكوّن أثناء عمليّة التفكير؛ أي أنّ التناقض إنّما يظهر في أفكارنا غير أنّه يتلاشى حين ننتقل إلى مستوى أعلى من ذلك.
لكن كانط يطرح موضوع قنوات الإدراك الذهنيّ والمقولات في موضوع الميتافيزيقيا، بينما لديه أفكار أخرى فيما يتّصل بدائرة المدركات الحسّيّة، كمثال الأشجار الذي طرحته، فهنا لا بدّ من تقبّل أنّ ثمّة مَن وقع في الخطأ. ولكن ألا تتصوّرون فيما يتصل بالموضوعات الميتافيزيقيّة والمثاليّة التي يتناولها جون هيغ، إنّ تمييز كانط بين الـ(Noumenon)  والـ(Phenomenon)() قد أوصد باب المعرفة والعلم، وفي ضوء هذه الفجوة المعرفيّة الجسيمة التي تؤدّي إلى تبرير الشكّ في مقولات ما فوق حسّيّة، هل في وسعنا أساسًا أن نزعم بوجود حقيقة واحدة، غايته أنّ ثمّة اختلافًا في الزوايا التي نلاحظها منها، أو التفسيرات التي نقدّمها حيالها؟ لا أعتقد أنّ المعرفة ستغدو ممكنة أساسًا. إذًا، تقوم التعدّديّة على إيماننا بعدم إمكانيّة المعرفة وإيصاد باب العلم بالواقع، وحينئذ، عن أيّ حقيقة نتكلّم وأيّ وحدة وتعدّد يا ترى؟!

لغنهاوزن: أجل، هذا رأي دقيق وملفت للنظر أيضًا؛ إذ إنّ هذه التعدّديّة تنتهي إلى لون من الشكّيّة والسفسطة، وبالمناسبة، فإنّ هذه النقطة طُرِحت كذلك في المناظرة التي أشرت إليها آنفًا والتي نُظّمت بين حسين نصر وجون هيغ، حيث يدعو الأوّل إلى استثناء ما يقوله الله عن نفسه؛ لأنّه كلام الله، أي أنّ الله في حقيقة الأمر لا يمكن أن يتمّ بيانه للناس، غير أنّ ثمّة ما يشذّ عن هذا وهو التصوير الذي يقدّمه الله نفسه عن ذاته أي (الوحي).

كيف يتسنّى لنا في ضوء المبدأ الذي تفضلتم به أن نميّز بين الوحي والمكاشفات أو حالات الشهود العاديّة؟ إنّ التعدّديّة التي بشّر بها هيك والتي تقوم على مبادئ كانط المعرفيّة، تقرّر عدم إمكانيّة اكتشاف الحقيقة؛ ولذلك حين نزعم بأنّ الجميع على حقّ فإنّ تعبيرنا هذا ينطوي على لون من التسامح في التعبير، إذ لا ينبغي في ضوء هذا أن نقول إنّ الجميع على حقّ. فكيف لنا أن نجزم بذلك؟ بل لو أردنا التعبير عن الموضوع بصدق وبكلمة أكثر واقعيّة، فعلينا الاعتراف بأنّنا نجهل الحقّ أساسًا، وبالتالي فنحن جميعًا متكافئون في جهلنا بالحقيقة، الأمر الذي يعني أنّنا نحصل على المشروعيّة بالتساوي، وننتزع اعترافًا باتجاهاتنا ومذاهبنا جميعها [في ضوء التساوي في الجهل]، لا أن نقول إنّ جميع المذاهب والأديان على حقّ.

لغنهاوزن: لا يؤمن جون هيغ بالمساواة بين الجميع، فهو لا يجعل القضيّة تدور بين إمّا فرض أن تكون لدينا معرفة وإحاطة كاملتان بالله، وإمّا أن نجهل بالحقيقة الإلهيّة تمامًا، بل ينفي تكامل معرفتنا المتوافرة.

هذا ما نؤمن به نحن أيضًا فيما يتّصل بالذات الإلهيّة، بمعنى استحالة العلم بكنه الربوبيّة؛ إذ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه يقول: «ما عرفتك حقّ معرفتك». غير أنّ نقاشنا يدور حول ذلك القدر الأدنى المتيقّن من المعرفة، فهل يؤمن جون هيغ حقًّا بوجود حدّ أدنى من المعرفة يمكن إخضاعه للتقويم؟ وعلى تقدير أن يؤمن بذلك، فلا ينبغي أن يؤدّي ذلك الحدّ الأدنى إلى الإيمان بالتعدّديّة، بل عليه أن يتبنّى فكرة احتكار الحقيقة أو على الأقلّ أن يعتمد النزعة الشموليّة، ونحن نتحدّث عن المعرفة الجزئيّة المحدودة.

لغنهاوزن: إنّه يقول إنّ «المعرفة الممكنة» نفسها تتجلّى بأشكال مختلفة.
لكن القول بأشكال مختلفة شيء، والحديث عن أشكال متناقضة شيء آخر. 
لغنهاوزن: إنّه يقول إن هذا نمط من المعرفة يفيد مثلًا بأنّني مسيحيّ أدرك ما هو الله وأدرك أنّ المسيح هو حقّ.
حسنًا، لكن عابد الشيطان في وسعه أن يقول ذلك أيضًا، بينما يرى جون هيغ بأنّ عبادة الشيطان ضلالة.
لغنهاوزن: أجل، غير أنّ هيك يضيف أنّ ثمّة معيارًا أخلاقيًّا لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار في تقويمنا هذا.

لقد ناقشنا آنفًا معياره الأخلاقيّ، وليتنا استطعنا تنظيم مناظرة مع جون هيغ نفسه، فقد لاحظنا أنّه لا يؤمن بأخلاق سابقة على الدين. ولكن ماذا في وسعه أن يفعل يا ترى إزاء إشكاليّة التمييز بين الشيء في ذاته (Noumenon) والشيء كما يظهر لنا  (Phenomenon)، فيما يتّصل بالحد الأدنى من المعرفة الذي يؤمن به؟

لغنهاوزن: لا بدّ أن نسأل هيك نفسه عن ذلك، أتصوّر أنّ الأمر معقّد في الواقع، وهو واحدة من المؤاخذات التي سجّلتها عليه سابقًا، ذلك أنّنا نعلم في تاريخ الفلسفة بأنّ ثمّة ردود أفعال شديدة ظهرت بعد كانط حيال فكرة التمييز بين الشيء في ذاته والشيء كما يبدو لنا، الأمر الذي أدّى إلى تعريض الأخلاق والفلسفة والدين إلى صدمات عنيفة. بل إنّ ذلك يدمّر الدين؛ لأنّ الأخير منوط بذلك الشيء الذي يسمّيه
(Noumenon)، بينما لا يمكننا التعامل مع (الحقيقة في نفسها) في ميتافيزيقيا كانط. لا يتوفّر لدى الكانطيّين، أو جون هيغ إجابة عن تساؤلاتكم هذه.

لنقل بعبارة أخرى إنّ هويّة الدين تتجسّد من خلال مصداقيّته وحقّانيّته، مما هو منوط في بعض المواطن على الأقل بسدّ الفجوة الكانطيّة بين الشيء في نفسه والشيء كما يبدو لنا. وبخلاف ذلك ماذا في وسع الدين أن يزعم؟ بل ما هي حاجتنا إلى الدين حينئذ؟ أعتقد أنّ جون هيغ كان يعتزم إسداء خدمة للدين، غير أنّ الدين يتعرض إلى أخطار جذريّة عبر توصياته تلك. فهو يتصوّر أنّ استئصال فكرة الحقّانيّة سيكون لصالح المؤمنين جميعًا، وسيكفل احترام الأديان كافّة، فهو بدلًا من محاولة إدخال الجميع في دائرة الحقّانيّة، نراه يُقدِم على ما يؤدّي إلى تغييب دائرة الحقّ، أو خرق تلك الدائرة أساسًا وإلغاء الحدود الفاصلة وتشويه شكل موضوع الحقّ والباطل أو الهداية والضلال.

وحين يبادر المرء إلى إلغاء تلك الحدود، فهو يقول في الواقع: إنّ تعبيرات الهداية والضلال لا تحمل المفهوم الذي كنتم حتى الآن تتصوّرونه لها، كما أنّ الهداية لا تعني أن نؤمن بحقائق خاصّة، وفي ضوء ذلك، يدعونا إلى عدم الخوض في حديث حول «العقائد الحقّة»؛ إذ إنّ العقائد متكافئة في قيمتها، والعقيدة هي عقيدة على أيّ حال. أفلا يعني ذلك في الواقع تشكيكًا في فلسفة «المعتقدات الدينيّة»؟ وحيث إنّ الأخلاق والتشريعات تقوم على أساس عقائد الدين، فإنّه لن يبقى ثمّة دين حين ننكر حقّانيّة المعتقد، أو حين نلزم الصمت حيال ذلك، ألّا تتصوّرون أنّ ذلك يمثّل إبعادًا للمشكلة بدل حلّها؟

لغنهاوزن: بلى، إنّ الموضوع الذي أتحسّس منه بشكل أكبر هو انعدام فرصة الحوار والنقاش الحقيقيَّين بين الأديان بالنسبة لجون هيغ. إذ بإمكانه أن يقول فقط: إنّنا جميعًا على حقّ وأنّنا نتوصل جميعًا إلى حقيقة تستعصي على البيان والتصوير، بينما لا يتوفر منهج لدى جون هيغ لممارسة نقد الأديان. فهو يقول إنّ المرء حين يكون يهوديًّا أو مسيحيًّا أو هندوسيًّا فهو من قبيل أن يكون إيرانيًّا، أو أميركيًّا، أو صينيًّا. ولكن هل الأمر على هذه الشاكلة حقًّا؟ لماذا اعتنقت الإسلام وأنا أمريكيّ؟ فهل كان والداي مسلمين؟ كلا بالطبع، فقد أجريت مقارنة بين اللاهوت المسيحيّ والكلام الإسلاميّ واخترت أحدهما، بينما لا يتوفّر لاختيارٍ كهذا مبرّرٌ لدى جون هيغ.
لقد كنت أبحث عن الحقيقة ومارست نقد الدين المسيحيّ، وليس الأمر بحثًا حول صلة معيّنة بمكان ما في المعمورة. أعتقد أنّ فلسفة جون هيغ لا تتيح فرصة لهذا اللون من البحث بين الأديان، فثمّة علل للأشياء على حدّ تعبيره بينما ليس لها مبرّرات.
لقد أشرتم إلى نقطة مهمّة، فما الذي يعنيه «تغيير المعتقد»؟ إنّ مفهوم الاختيار يواجه إشكاليّة هنا، فما هو المعيار في تفضيل دين على آخر؟

لغنهاوزن: إنّه يحيل وحسب إلى الأساس الأخلاقيّ، مما لا أجده كافيًا، بمعنى أنّه ليس واضحًا بالقدر المطلوب. ذلك أنّه خاضع لثقافته هو، ويمارس ترسيم معاييره في أجواء غربيّة (كما أنّها ليست أجواء مسيحيّة)، وحتّى هيك نفسه لا نجد لديه مبرّرًا مقنعًا لهذا الأساس الأخلاقيّ.

ما هي المؤاخذات التي تسجّلونها على الأخلاق التي يطرحها جون هيغ، بوصفها معيارًا في عمليّة التقويم، وهل في وسعنا أن نأخذها على محمل الجدّ؟
لغنهاوزن: لقد سررت كثيرًا حين وقع في يدي كتاب جون هيغ قبل بضعة أعوام، حيث وجدت أخيرًا قسًّا مسيحيًّا يحاول أن يفسح المجال للأديان الأخرى. وكنت أعتقد أنّ رؤيته هي الأقرب للإسلام؛ ذلك أنّ الصورة التي يقدّمها للسيّد المسيح تقترب كثيرًا مما يطرحه الإسلام حوله، وهو لون من نفي الألوهيّة عن المسيح. لقد استحسنت وجهة النظر تلك، غير أنّني وجدت أنّه لا يمتلك أيّ أسس محدّدة، حينما أخذت أبحث عن المعايير والضوابط التي يطرحها، فيما يتّصل مثلًا بآليّة التمييز بين عبادة الشيطان وسائر الاتجاهات الباطلة، وبين «التوحيد»، والمنهج في نقد الأديان الباطلة. رغم أنّه قد تحدّث عن التعدّديّة، فإنّه يمارس ما يشبه عمليّة منح الدرجات الامتحانيّة، أو العلميّة حيال الأديان، فيتحدّث عن أديان أفضل وأخرى أسوأ وهكذا. إلّا أنّ تلك العمليّة لم تكن تستند إلى ضوابط واضحة، بل كانت تقوم على ثقافة جون هيغ الغربيّة، والعرف الاجتماعيّ في الغرب.

إذًا، أصبح جون هيغ نفسه هو المعيار في عمليّة التفضيل بين الأديان، كما أنّ تعدّديّته تعبّر في الحقيقة عن لون من ذلك التفضيل والجدولة. غاية ما هنالك أنّها عمليّة تقوم على معاييره هو، وهي مرّة معايير مسيحيّة، وأخرى غربيّة، وثالثة ليبراليّة.

لغنهاوزن: لهذا السبب نفسه أعتقد أنّ أفكاره ليبراليّة للغاية، بمعنى أنّ الليبراليّين يدعون إلى التسامح والتعدّديّة، غير أنّنا حين نلاحظ الأمر سنجد أنّه لا يترك مكانًا لجملة من الأشياء. كما أنّه يتّخذ مواقف تتّسم بالحدّة والصرامة إزاء العديد من الحقائق. يحاول جون هيغ من جهة أخرى أن يقول إنّه يعترف بسائر الأديان، بيد أنّه يقول في الوقت نفسه إنّه لا ينبغي قطع يد السارق، وعلى الإسلام أن يتولّى إصلاح تعاليمه. ولكن وفق أيّ ضوابط تقوم عمليّة التصحيح هذه؟ هل تقوم على ثقافة بريطانيا في القرن العشرين؟ أتصوّر أنّ ذلك غير منطقيّ، كما أنّه ليس تعدّديّةً، بل هو تقرير للفكر الليبراليّ والدكتاتوريّة والأيديولوجيا، الأمر الذي كان يعارضه هو نفسه.

يبدو أنّ واحدًا من التبعات الأخرى لتلك الرؤية يتمثّل بفصل الشريعة عن الدين، فهل لديكم استنتاج مماثل؟ ربما أمكن القول من وجهة نظر جون هيغ: إنّ جوهر الدين لا صلة له بالشريعة التي جاء بها أبدًا؛ أي أنّ الوجوب والتحريم اللذين تحدّث عنهما الإسلام منتفيان.

لغنهاوزن: أجل، فيما يتّصل بذلك ثمّة كتاب لـC. Smith وهو يقترب كثيرًا من أفكار هيك، كما أنّه من أوائل دعاة التعدّديّة، وهو من المتخصّصين بما يعرف بالإسلاميّات. يقول سميث: إنّ الموروث (الإيمانيّ) هو المهمّ، ويمكن هنا أن نلاحظ بوضوح تأثير تعاليم (شلايرماخر) في البروتستانت. فهم يؤمنون أنّ الإيمان هو حقيقة سائر الديانات. وقد طالعت نقدًا جيّدًا لهذا الكتاب كتبه رئيس تحرير مجلّة التوحيد (الإنجليزيّة)، حيث أشار إلى ما تفضّلتم به؛ أي أنّ تلك النظريّة تتطلّب أن لا تمتلك الشريعة مكانة مهمّة في الدين. إنّ أشخاصًا مثل سميث وهيك، ممن يخضعون بالكامل لتأثير شلايرماخر وغيره، يهمّهم أن يدركوا ذلك الجانب المعنويّ والروحيّ فحسب، بينما يمكن التخلّي عن البعد الاجتماعيّ في الدين، أو الجانب التشريعيّ منه.

خلافًا لهؤلاء السادة أعتقد أنّ التساؤل المهم الذي يواجه المؤمنين هو: كيف عليهم أن يمارسوا حياتهم؟ هذا هو الأمر الأهمّ؛ إذ إنّ الإيمان بالله واليوم الآخر له استحقاقاته الحسّيّة، فهل في وسعنا أن نعيش بالطريقة التي نشاء؟ إذ تشكّل هذه المعتقدات بعدًا مهمًّا في حياتنا، فنحن بشر ولا يمكن لبني البشر أن يعيشوا دون عقيدة. غير أنّ سميث وهيك وأمثالهما لا يرون أهمّيّة للطريقة التي نفكّر بها نحن، أو النمط الحياتيّ الذي نعتمده أو ما الذي تقرّره الشريعة وتعاليم الدين. بينما نجد أنّ الشريعة والدين يعبّران معًا عن لون خاصّ من السلوك العمليّ الذي يتناسب مع الإيمان الإلهيّ الصحيح.

أعتقد أنّ الصلة بين الدين والمستوى العمليّ هي مما أغفله شلايرماخر نفسه؛ إذ إنّ نمط الحياة، وطبيعة البنية الاجتماعيّة، ولون القوانين، هي جميعًا أمور مؤثّرة في الإيمان الذي يؤثّر بدوره فيها أيضًا. فكيف يسع المرء حقًّا أن يمتلك الإيمان ويعيش حياته مؤمنًا، دون أن يتعرّف إلى الحقوق التي يمتلكها في الدنيا، وما الذي ينبغي له، وما هي الأعمال التي تتنافى مع الإيمان ولا يحسن به الإقدام عليها. وبمعزل عن نمط الحياة الذي عليه أن يتقيّد به، أو المواقف التي لا بدّ أن يتّخذها، عليه أن يعلم متى ينبغي له أن يتكلّم، ومتى عليه أن يلزم الصمت...إلخ، فقد ارتبطت هذه الأمور بما نمتلكه من إيمان.
لقد عمد اللاهوت الليبراليّ ـ البروتستانتيّ إلى قطع الصلة بين «المؤمن» و«العمل». وبالتالي، فقد انتهى دور الشريعة، ولا يحسن بنا الإصرار دينيًّا على هيكليّة قانونيّة خاصّة. كما أوصونا بعدم القلق حيال المعتقدات، إذ تمّ صرف النظر عن شيء اسمه «العقيدة الحقّة» في هذا الاتجاه...

إذًا، ما الذي يتبقّى من الدين حين يتجرّد عن العقائد الحقّة، وينفصل عن أحكام الفقه؟ وفي الوقت ذاته ليس هنالك وجود للأخلاق؛ لأنّ شلايرماخر بادر إلى فصل الإيمان عن الأخلاق، فضلًا عن الميتافيزيقيا، وأساسًا ماذا يعني الحسن والقبح؟ وبالتالي، فإنّ ما يتبقّى من الدين هو بقايا من التعدّديّة أو صبابة الإناء منها، فهو دين لا شريعة فيه، ولا عقائد حقّة، ولا أخلاق تعبّر عن مبادئ ثابتة وواضحة. بل هو مجرّد شعور رومانطيقيّ شخصيّ، وميل قلبي يتجرّد عن أيّ ضوابط للتقويم، كما أنّه لا مجال للنقد أو القبول والرفض.

أتساءل هنا: حين نواجه هذا اللون من الإيمان الذي انفصل عن الميتافيزيقيا والأخلاق والمستوى العمليّ من الدين، فكيف يكون في وسعنا أن نزعم أنّه يؤدّي إلى الفلاح؟ إذ ما علاقته حينئذ بالفلاح والسعادة؟ أم أنّ علينا أن نعيد النظر في مفهوم الفلاح هذا؟
لغنهاوزن: إنّك تؤكّد على البعد المعرفيّ، وأجد في الحقيقة أنّه محاط بإشكاليّات عديدة في نظريّة التعدّديّة كما تفضّلت، وأتصوّر أنّ مفهوم الفلاح والسعادة في رؤية جون هيغ يفقد مضمونه الحقيقيّ إلى حدّ كبير. أرى أن هاجس الفلاح (الذي يتملّك جون هيغ أيضًا) لا يجد حلًا له في التعدّديّة؛ حيث يمكننا الزعم بأنّ ثمّة تعدّديّة في الإسلام أكثر حدّة مما طرحه هيك، لكنها بالطبع وفق المفهوم الصحيح الذي لا يتخلّى عن جانب الحقيقة؛ ذلك أنّ تعدّديّة هيك تُقدِّم معايير مبهمة بينما يمتلك الإسلام ضوابطه وموازينه.

علينا أن نستوعب بشكل صحيح القصّة التي ينقلها مولوي حول الراعي وسيّدنا موسى، وأعتقد أنّها ممتعة للغاية، إضافة إلى أنّها تتولّى توضيح رؤية الإسلام للتعدّديّة، وهي لا تتطابق مع منهج هيك. لم يكن مولوي يرمي إلى القول بحقّانيّة أو بطلان كلّ من تصوّر الراعي حول الله تعالى والتصوّر الذي يحمله سيّدنا موسى(عليه السلام)، كما أنّه لم يكن في صدد الاعتراف بمشروعيّة العقيدة التي آمن بها الراعي، وأنّها وجهة نظر مقبولة بالنسبة إليه على أيّ حال، بل إنّ عقيدة الراعي كانت خاطئة، إلّا أنّ الله تعالى يعفو عن بعض المخطئين أيضًا، فيما إذا لم يكن في الأمر لجاج وتعنّت، فهو سبحانه يسامح الصادقين المعذورين في جهلهم، دون أن يعني ذلك إلغاء الفواصل القائمة بين العقائد الحقّة والباطلة.

أي أنّ مولانا يؤمن بخطأ الراعي هنا نظريًّا، إلّا أنّه مع ذلك يمكن أن يكون من أهل الفلاح والسعادة. وهذه نقطة مهمّة للغاية، فالهدى يختلف عن الضلال غير أنّ الضالين ليسوا جميعًا من أهل جهنّم أو من الخالدين فيها.

لغنهاوزن: أعتقد أنّ هذا أعمق بكثير مما يطرحه جون هيغ أو سميث، ذلك أنّ هؤلاء يحاولون أن يجمعوا بين مختلف الأديان ويتولّوا تصحيحها وفق ثقافتهم. غير أنّ الإسلام يقرّر أنّ الفلاح والسعادة بيد الله تعالى، وأنّ رحمة الله كثيرًا ما تشمل حَمَلة الأفكار الخاطئة. وهكذا لا ينبغي القول لمن يحمل أفكارًا خاطئة إنّ أفكارك تلك صحيحة. كلا، فالخطأ يتباين مع الصواب، لكن دعاة التعدّديّة لم ينتبهوا للفرق القائم بينهما.

إذن يمكننا على حدّ تعبيركم أن نتولّى تقويم المعتقدات من خلال ضوابط عقلانيّة وموازين قرّرها الوحي، ولا يلزمنا بالضرورة أن نكون مشكّكين. كما أنّ بطلان العقيدة لا يعني أنّ حاملها من أهل جهنّم مئة في المئة. فقد ورد في القرآن والسنة النهي عن أن نتصوّر أنّ عقائدنا حقّة بالكامل، أو نتخيّل أنّنا أدركنا كلّ شيء بنحو صحيح. إذ يجب على الجميع أن يسيئوا الظنّ بأفكارهم قليلًا، بنحو عقلانيّ ومتواضع. حتّى أنّ القرآن الكريم يقول إنّكم أيها المؤمنون غالبًا ما تكونون ملوّثين بشيء من الشرك(). ناهيك عن أنّ ذلك في القضايا النظريّة، فما بالنا بالمستوى العمليّ؟ فثمّة روايات أوردها الشيخ مطهّري في كتابه (العدل الإلهيّ)، وقد أيّدها العلّامة الطباطبائيّ، وهي روايات ممتازة. فقد جاء شخص مثلًا إلى الإمام وقال له: إن كان المائز بين الحقّ والباطل والكفر والإيمان دقيقًا بالنحو الذي تتحدثون عنه، فإنّ الناس جميعًا، أو السواد الأعظم منهم، هم من أهل النار. فقال له الإمام: كلّا، إن أكثر الناس من المستضعفين؛ أي أنّهم يعانون القصور لا التقصير.

ويقول العلّامة الطباطبائيّ في بعض كتبه بصراحة، إنّ تقسيم بني البشر إلى مؤمن وكافر كلاميًّا وحقيقيًّا (لا حقوقيًّا وقانونيًّا) إنّما هو تقسيم بعد الإبلاغ لا قبله. فالإيمان والكفر يعبّران عن ردّ الشيء أو قبوله بعد العلم به إجمالًا. حتى أنّ الترديد والشكّ إذا اعترى المرء بنحو عميق بسبب ضعفه الشخصيّ ومنعه عن الإيمان الكامل، يعتبر كفرًا غير أنّ ذلك لا يعني أنّه يؤدّي به إلى جهنّم بالتأكيد. ويتحدّث الشيخ مطهّري عن الكفر بمعنى الجحود؛ أي ذلك الذي ينطوي على العناد والإنكار والتعنّت، وهو الذي يؤدّي بصاحبه إلى النار. يمكننا في ضوء ذلك أن نرفض المبادئ المعرفيّة لهذا اللون من التعدّديّة بالكامل، وأن نؤمن في الوقت ذاته بأنّ غالبيّة بني البشر سيرزقون حسن العقبى والفلاح، حتى ولو أمضوا فترة مؤقّتة في جهنّم. إذًا، لا بدّ من امتلاك «هاجس الحقيقة» و«هاجس النجاة من النار» معًا.

لغنهاوزن: أجل، إنّ هذا صحيح تمامًا، فالإسلام يوصينا أن نصون حرمة الحقيقة وأن نحذّر من مساواتها بالضلال، ولكن وفي الوقت ذاته يمكن أن نعتقد بأنّ غالبيّة بني البشر سيُشملون برحمة الله في عاقبة الأمر.

كنّا حتى الآن نتحدّث حول أتباع الأنبياء، وحول طبيعة الرؤية التي يُلاحِظ من خلالها المسلم أو المسيحيّ أو اليهوديّ أتباع الأديان الأخرى. غير أنّ هنالك حديثًا مشابهًا لجون هيغ حول الأنبياء أنفسهم؛ إذ إنّ الأنبياء مختلفون فيما بينهم. ولا شكّ في أنّنا نؤمن بالمفاضلة بين الأنبياء، بيد أنّنا نرفض القول بأنّهم يختلفون ويتقاطعون مع بعضهم، إذ يقرّر القرآن الكريم أنّ كلّ نبيّ كان يصدّق الأنبياء الذين سبقوه.

يمكننا القول بوجود لون من الاختلاف في المرتبة بين الأنبياء، غير أنّ الشأن في أنّه هل يسعنا القول إنّ الأنبياء قد جاؤوا بشرائع متعدّدة؛ لأنّ كلًّا منهم قد نظر إلى «الحقيقة المطلقة» من زاوية خاصّة، بمعنى أنّ رؤيتهم للحقيقة لم تتطابق، مما يفسّر ذلك الاختلاف أو التقاطع القائم بينهم؟
وبكلمة أخرى، إنّ اختلاف الظروف الشخصيّة لكلّ نبيّ أو تقاطعها مع ظروف الآخر قد أدّى إلى اختلاف في الرؤى، أو التعارض في الآراء، ما أدّى بدوره إلى نشوء شرائع مختلفة وأتباع متفاوتين أو متقاطعين ربما.
أي أنّنا في الواقع نرجع النقص الذي تعانيه ملاحظة الحقيقة المطلقة إلى الأنبياء أنفسهم، كي نقول إنّهم مثل أولئك الذين أصابت يد كلٍّ منهم جزءًا من جسم الفيل في الظلام. ونجد أنّ أتباع التعدّديّة الدينيّة ومؤيّدي جون هيغ في إيران يعتقدون أنّ التجربة الدينيّة التي يمرّ بها الأنبياء «الوحي» لا تختلف كثيرًا عن التجارب التي يمرّ بها المتصوّفة وغيرهم. قصارى ما هنالك أنّه يوجد اختلاف في تفسير التجربة وما يُقدّم حيالها من بيان.

لغنهاوزن: يؤدّي هذا في الواقع إلى تشويه مفهوم النبوّة جذريًّا. إنما يوحى إلى الأنبياء على ضوء قرار إلهيّ بذلك، لا أنّ ذلك يعني بأنّ ثمّة رؤية تكوّنت لديهم نتيجة لملاحظتهم الحقيقة من زاوية معيّنة، ثمّ راحوا يتحدّثون عن تلك الرؤية. علينا الحذر من تغيير مفهوم الوحي، إذ إنّ ذلك التفسير سيلغي الفوارق القائمة بين الأنبياء وبين الآخرين كالمتصوّفة، وحتى من يدّعون النبوّة من المخادعين. كانت ثمّة اختلافات محدودة بين الجوانب العمليّة من شرائع الأنبياء، إلّا أنّ هنالك تفسيرًا آخر لذلك الاختلاف، وهو لا يقوم على اختلاف بين وجهات نظر الأنبياء أو زاوية الملاحظة لديهم.

أعتقد أنّ من المناسب أكثر لمفهوم النبوّة اعتبار أنّ مستويات الاختلاف تلك، ناشئة عن حكمة إلهيّة تلاحظ طبيعة المراحل التاريخيّة، والحقب التي مرّت على المجتمع الإنسانيّ، فهو تعالى يعلم ما هو المناسب من التعاليم للفترة الزمنيّة المعيّنة التي أُرسل فيها النبيّ الفلانيّ، ثمّ تأتي تعاليم تتناسب بشكل أكثر مع النبيّ التالي.

وبالمناسبة ليس من صالح التعدّديّة أن يُقْدِم السادة على تعميق الخلاف وتجذيره بين الأنبياء، بل إنّ ذلك يضرّ بمفهوم التعدّديّة كما طرحه جون هيغ؛ ذلك أنّ الأخير حاول أن يثبت أنّ جميع الأديان تنطوي على الحقيقة، فلا فرق بين أن يكون المرء مسيحيًّا أو بوذيًّا. غير أنّهم يقولون: إنّ الأنبياء مختلفون ويحملون وجهات نظر متعارضة. أمّا على ضوء ما نعتقد به فإنّ شرائع الأنبياء إنّما تناسب أزمانهم ومراحلهم التاريخيّة وحسب، باستثناء الشريعة الخاتمة التي تتناسب مع مختلف العصور، وتلاحظون طبعًا أنّ هذا لا ينسجم أيضًا مع تعدّديّة هيك.

إذًا، ليس الحديث عن تعدّد الرسالات، بل تتطابق مرادات الأنبياء ورسالاتهم مع بعضها، إلّا أنّ لكلّ حقبة تاريخيّة، أو نطاق اجتماعيّ ما يناسبه من لون الطرح... حتى جاءت الرسالة الخاتمة، فنسخت الشرائع السابقة. لقد تفضّلتم بأنّ التفسير الذي قدّمه التعدّديّون للوحي يؤدّي في الواقع إلى التلاعب في مفهوم النبوّة وتغييره.

وهنا يمثّل تحديد الفارق بين النبوّة والمكاشفات التي تحصل لمن يمرّون بتجربة باطنيّة سؤالًا مصيريًا، فثمّة فوارق أساسيّة بين النبيّ وبين الإنسان الباطنيّ، ولدينا في علم الكلام ضوابط تتكفّل فرز المكاشفات العاديّة عمّا ليس بمكاشفة بل هو اصطفاء إلهيّ لدور النبوّة والرسالة. إضافة إلى تساؤلنا حول مصدر الألفاظ والنصوص التي يأتي بها النبيّ، فهل هي منه، أم من الله تعالى.
لغنهاوزن: إن ذلك لا يمثّل إشكاليّة معقّدة، فأوّلًا ليس هنالك مثل القرآن في الأديان الأخرى. إنّ واحدًا من الأخطاء الشائعة هو تصوّرنا أنّ النصارى يؤمنون بالإنجيل بوصفه رسالة إلهيّة موحى بها إلى سيّدنا عيسى(عليه السلام)، لكن الأمر ليس على هذه الشاكلة، فلا يؤمن النصارى بعقيدة كهذه، فقد تمّ تدوين الأناجيل الأربعة هذه بعد المسيح بسبعة قرون تقريبًا، وهي غالبًا ما تتحدّث عن السيرة العمليّة للمسيح.

إذًا، لو كنّا نبحث عن الوحي، فعلينا أن نعلم أنّه لا وجود لدين سوى الإسلام يزعم بأنّه يمتلك نصًّا صحيحًا بالكامل مصدره الوحي، رغم أنّ ثمّة أحاديثَ وأخبارًا نبويّة وردت عنهم، ويعترف بذلك النصارى أيضًا، لكنّهم يقدّمون تبريرًا آخر؛ إذ يقولون إنّ السيّد المسيح هو في نفسه وحي الله [أو كلمته]، فليس من الضروريّ أن يأتي بكتاب سماويّ، وسيرته كافية في ذلك. إذًا، ليس ثمّة مبرّر للمقارنة بين القرآن والكتاب المقدّس. وما يقوله النصارى حول المسيح يختلف كثيرًا عن عقيدة المسلمين في الوحي والقرآن.

إن الرجوع إلى القرآن الكريم هو الذي يشكّل لدى المسلمين معيارًا للتمييز بين ما هو (وحي) وبين ما سوى ذلك، فحينئذ يتّضح لنا ما هو كلام الله وما هي الأنماط الأخرى مثل التجارب العاديّة للمتصوّفة والعرفاء، وحتى الإيحاء الشيطانيّ.

لغنهاوزن: لم أقدم ضابطة عامّة هنا، وقد أوضحتُ أنّ أهل الديانات الأخرى أنفسهم لا يزعمون أنّ في حوزتهم وحيًا خالصًا كالقرآن.
استمعت يومًا في تكساس إلى محاضرة ألقاها هانس كوك، وهو لاهوتيّ كاثوليكيّ، في الجامعة التي كنت أدرس فيها. وقد أشار ضمن حديثه هناك إلى أنّه يؤمن بأنّ محمّدًا(صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّ مرسل من قبل الله، فسارع جمع من المسلمين إلى التكبير والتهليل وحمدوا الله على إسلام السيّد المحاضر. لكنّه علق على ذلك قائلًا: لكنني لم أعتنق الإسلام، فقال المسلمون باستغراب: غير أنّك تؤمن بنبوّة محمّد، فأجاب قائلًا: أجل أؤمن بذلك، بيد أنّي أؤمن أيضًا أنّ المسيح هو الله نفسه.

سألتني عن الفرق بين القرآن وما يقوله العرفاء ونحوهم، ونجد أنّ ثمّة ما أنزل في الماضي على الأنبياء الآخرين، وحين نقارن برسالة سيّدنا إبراهيم(عليه السلام)، أو ما جاء به موسى وعيسى(عليه السلام) وغيرهم، سنلاحظ أنّ القرآن أكثر تكاملًا منها بالتأكيد في ضوء المعيار الذي لاحظنا به تلك الرسالات، وهذه النقطة هي أكثر أهمّيّة من مختلف مستويات الإعجاز. وهو ما يدركه بوضوح أولئك النصارى أو اليهود الذين يعتنقون الإسلام بعد مطالعتهم للقرآن الكريم، وفي وسعنا أن نحدّد ذلك عبر ملاحظة دقيقة وصادقة. سنلاحظ المنهج الذي يقترحه القرآن وندرك أنّه أكثر تكاملًا من الرسالات التي جاء بها إبراهيم وموسى وعيسى(عليه السلام).

وأحسب أنّ العقل الإنسانيّ مؤهّل لإدراك ذلك، ولا أعني بذلك العقل الأرسطيّ، بل العقل بمفهومه المتعارف بين الناس، وهكذا فإنّ ذلك العقل يدرك من خلال ملاحظة دقيقة أنّ الإسلام يتمتّع بتكامل أكبر مما في الأديان الأخرى، وأنّه لم يلغ إيجابيّاتها بل عمل على تكميلها وتصحيحها.

يتأكد ذلك لدى الأشخاص الذين يعيشون هاجس الهدى والحقيقة؛ أي أولئك الذين يبحثون عن شيء مفقود بالنسبة إليهم؛ حيث إنّ الأمر مختلف مع غيرهم؛ إذ يمكن حين نعرض عدّة كتب دينيّة على أولئك أن لا نجدهم يفرّقون بينها، بل سيعتبرونها جيّدة جميعًا. لكن من يعيش هاجس الحقيقة والهدى يجد فارقًا عظيمًا مع القرآن من خلال عقله وفطرته اللذين سيتولّيان عمليّة التقويم.

لا يعتقد المسلمون بأنّ الله هو مصدر دلالات القرآن ومضامينه وحسب، بل يؤمنون أنّه مصدر الألفاظ والعبارات أيضًا. لا أنّ شخصًا هو محمّد بن عبدالله أفاق من حيرة المكاشفة وحاول أن يعثر على ألفاظ ينقل من خلالها مضمون مكاشفته إلى الآخرين. غير أنّ واحدة من التبعات الأكيدة للتعدّديّة الدينيّة التي يبشّر بها التعدّديّون تفترض أنّ ألفاظ القرآن هي ألفاظ النبيّ نفسه...

لغنهاوزن: لقد قال فضّل الرحمن أشياء من هذا القبيل، فهل تعرفه؟
أجل لقد توفي منذ فترة وهو باكستانيّ تعرّض للتكفير والطرد بسبب أفكاره تلك، وقد تحدّث عن تعدّد الصراط المستقيم وبشريّة الوحي وألفاظ القرآن، كما اعتبر القرآنَ تفسيراتِ النبيّ الخاصّة لما مرّ به من تجارب روحيّة وحالات معيّنة.

لغنهاوزن: غير أنّ ذلك لا يقوم على أيّ أساس، بل هو إنكار صريح للنبوّة في الدائرتين العامّة والخاصّة؛ ذلك أنّه يعني أنّ النبيّ هو الذي اختلق هذه الألفاظ من عنده لتحقيق مآربه، ولماذا لا نقول إنّ الله تعالى هو الذي استهدف تقريب مضامين الرسالة عبر توظيف تلك الألفاظ الخاصّة ذات الصلة بالبيئة والظروف التي بُعث فيها النبيّ، فأمر تعالى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقول ذلك واستخدام هذه التعابير لإفهام الناس في الجزيرة العربيّة والعالم أجمع. لا أعتقد أنّ من الصعوبة استيعاب هذه القضيّة، ولو توخّينا الدقّة في ملاحظة مفهوم النبوّة لتوصّلنا إلى النتيجة ذاتها، بمعنى أنّ النبيّ هو شخص يحمل رسالة الله، لا أنّه مسؤول عن كتابة تلك الرسالات والشرائع وإعدادها، ومن الواضح أنّ الأخير يعبّر عن إلغاء النبوّة. لكن النبوّة تعبر عن الوعي بحقيقة معيّنة دون ابتداع شيءٍ ما.

ما هي الضوابط والموازين التي يمكن اعتمادها في تقويم التجارب الباطنيّة والروحيّة؟ وهل في وسعنا أساسًا أن نتحدّث عن صحّة تلك التجارب وخطئها، أم أنّها تجارب روحيّة على أيّ حال؟

لغنهاوزن: يعتقد المسلمون أنّ كلّ ما يتنافى مع الإسلام، فهو من الحالات النفسانيّة أو إيحاءات الشيطان، وقد كانت ثمّة رغبة شديدة تتملّكني في التعرّف على الدور الذي تلعبه المكاشفات بالنسبة للعرفان. ويتطرّق نجم الدين الرازي في مرصاد العباد إلى المكاشفات بنحو جيّد، فهو يقول: إنّ الشريعة هي المعيار في ذلك، ولا يمكن أن نتقبّل ما يتنافى معها. فما هي معطيات الكشف يا ترى؟ حين يتوجّه السالك إلى الغيب والمكاشفة ستتقلّص اهتماماته بشؤون الدنيا ويتضاءل جانب الأنا لديه، إضافة إلى أنّه سيتمكّن من إدراك ذاته بنحو أفضل، والأساس في ذلك هو الشريعة إلى جانب المسلّمات العقليّة. لقد كان مهمًّا لديّ أن أجد نجم الدين الرازي يتكلّم بهذه الطريقة رغم أنّ المكاشفات كانت مهمّة عنده وتتمتّع بمكانة مميّزة. وعلى الرغم من ذلك، فإنّه لا يمنحها حجم الأهمّيّة الذي نجده لدى البروتستانت الليبراليّين مثلًا حين يجعلون التجربة الروحيّة بمفردها جوهر الدين.

نعم، لم يرتكب العرفاء المسلمون أبدًا ما ينتمي إلى مستوى التطرّف الذي نلاحظه لدى شلايرماخر، حتى أنّ شخصًا مثل نجم الدين الرازي يتحدّث عن العقل والشريعة رغم أنّه من أهل الكشف والتصوّف.

لا يمكننا في الواقع أن نقارن التجربة الباطنّية للبروتستانت الليبراليّين مع مسلك عرفائنا، بل هما نمطان مختلفان. كما لا شكّ في أنّ ثمّة لونًا من التعدّديّة التراتبيّة في المكاشفات وطابعها الشخصيّ، في الفكر الإسلاميّ ضمن بعض الموارد.

لغنهاوزن: نعم، هو كذلك.
كما يمكن القول إنّه لا بدّ للمكاشفات تلك أن تتحرّك في إطار الشريعة والرسالة النبويّة رغم أنّ كلًّا منهما يمثّل طريقًا خاصًّا إلى الله؛ إذ لا يصح أن يتقاطع الكشف مع الوحي أو يؤدّي إلى إلغاء الشريعة أوّلًا، كما لا ينبغي أن يؤدّي إلى نقض المسلّمات العقليّة ثانيًا. ولدينا بالطبع أشخاص من المتطرّفين وغلاة الصوفيّة اعتقدوا أنّ السلوك العرفانيّ الشخصيّ منوط بالتخلّي عن الشريعة، معتقدين أنّ الأخيرة مجرّد وسيلة وأداة، وأنّها لم تأت للمتصوّفة. ونجد أنّ هذه الاتجاهات غالبًا ما ابتليت بالفساد الخلقيّ وبأشكال غريبة كما آمنت بترّهات بديهيّة البطلان.

لغنهاوزن: ليس كلّ من زعم أنّه صوفيّ، فهو كذلك حقًّا، فكُتُبُ العرفان التقليديّة التي تركها المسلمون تقول ببطلان تلك النماذج التي تتنافى مع الشرع والعقل. لكن ذلك ما ابتدعته بعض الفرق المنحرفة التي كانت على هامش العرفان والتصوّف، والتي كانت متأثّرة بجملة من المذاهب غير الإسلاميّة.

إنّك لا تعتبر ذلك من العرفان إذن، فالعرفان لا يمكنه أن يتقاطع مع الأخلاق أو الفطرة أو البديهيّات. يدور سؤالي التالي حول ما يبدو أنّ القرآن يتبنّاه مما يظهر كلونٍ من احتكار الحقّانيّة، كما في قوله تعالى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ ونحو ذلك.

لغنهاوزن: لا شكّ أنّ للإسلام مفهومًا عامًّا يكون سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى طبقًا له من المسلمين أيضًا. فبعض تلك القضايا التي تبدو محتكرة في القرآن إنّما تتصل بمفهوم الإسلام العامّ بما يعبّر عنه بالتسليم لله عمومًا. غير أنّ القرآن حين يتحدّث عن الإسلام فهو يعني أنّ ما سوى دين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يقبل من المرء في هذا العصر؛ أي أنّ الإسلام في معناه العام انحصر حاليًّا في الإسلام بمفهومه الخاصّ.

ذلك يعني أنّ للإسلام معناه الخاصّ، وهو الدين الحقّ منذ 1400 عام وحتى نهاية العالم، وهذا ما يبدو منه الاحتكار الذي لا يمكن التوفيق بينه وبين التعدّديّة.

لغنهاوزن: أجل، لا يمكن التوفيق بينهما، كما ليس من الضروري أن يكون في وسعنا ذلك. فالدين الذي يسمح الله باتّباعه حاليًّا هو دين واحد فقط، وهذا ما لا يمكن أن نوفّق بينه وبين التعدّديّة، ولكن لا شكّ في أنّ الحقيقة الإلهيّة كانت في العصور الأخرى موجودة في بعض هذه الأديان. فقد قال الله إنّ المسيحيّة تناسب عصرًا خاصًّا، لكن الفترة تلك قد انقضت، لا أنّ الدين المسيحيّ يخلو عن أيّ مستوى من الحقيقة. وإذا كانت التعدّديّة تعني تحديد أهل الجنّة وأهل الجحيم، فلا بدّ أن نقول: كثيرًا ما يدخل الآثمون الجنّة إنّما بفضل الله، وهذا ما يناط برحمة الله ولطفه ومنّته مما نأمل أن يشمل الكثيرين.

نجد في الواقع أن ما جاء به النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أقرب الطرق وأكثرها استقامة، وهو سبيل النجاة الوحيد أحيانًا، وإذا كان المرء يلاحق الحقيقة فإنّ أكثر جوانبها تكاملًا هو الشريعة والأخلاق اللذين نتحدث عنهما. وذلك لا يعني بالضرورة أن يُحرَم من الجنّة أولئك الذين لم يعملوا بقسم من شريعة الإسلام نتيجة لجهلهم وكونهم من المستضعفين (لا على أساس التعنّت والعناد)، رغم أنّ طريقهم نحو الحقيقة ستصبح أطول وأكثر صعوبة غير أنّهم سيصلون أخيرًا إلى غايتهم. ولكن ألا تعتقدون أنّ التعدّديّة تقضي على هاجس (البحث عن الحقّ) وملاحقة الحقيقة؟ إذ لا يجد المرء في ضوء مبادئهم تلك أنّ من الضروريّ المبادرة إلى ذلك ومحاولة تحديد الأفضل من بين الأديان.

لغنهاوزن: أجل إنّ تأثير التعدّديّة يشمل حقّ البحث، والحقّ في الاختيار أيضًا.
على صعيد آخر، لو عمدنا إلى تضييق دائرة المهتدين، وقلنا بضلال كثير من بني البشر أو أغلبهم، فإنّ البعض يتصوّر أنّ ذلك يتعارض مع كون الله سبحانه هاديًا.

لغنهاوزن: يتمتّع الإنسان بالحرّيّة، وأعتقد أنّ جوهر الإجابة على تساؤلك هو كون الإنسان مختارًا، ولقد حسب أولئك أنّ الإنسان هو مجرّد شيء. كما أتصوّر أنّ الله يمتلك المبرّرات الكافية لما يفعل، حتى لو عجزت أنا عن تفسير ذلك، لكن عليّ أنا أن أحدّد مسؤوليّتي بوصفي إنسانًا حرًّا أحتاج إلى انتقاء «الحقيقة». وقد فعل الله سبحانه ما كان عليه أن يفعل، وبقي ما أنا مسؤول عن فعله.

لا شكّ في أنّ الله يمتلك مبرّراته، ونجد إلى جانب ذلك أنّ لبعض العرفاء كلامًا في موضوع «إنّ الذات تبتهج بالذات»، كما يوجد في القرآن إشارات لوجه الحكمة في عمليّة الخلق. إنّني أتفق معك في عجزنا عن تحليل أفعال الله سبحانه بمقاييسنا نحن، إلا أنّ ثمّة ما يتوجّب علينا استيعابه، وقد أتاح لنا هو جلّ وعلا ذلك، عبر العقل والنقل، وهذه هي الهداية. كما أنّ عنصر الحرّيّة والاختيار الذي أشرت إليه يتمتّع بأهمّيّة كبيرة، ويمكن الإجابة بأنّ عملية الخلق لا تستهدف تحقيق الكمال الإجباريّ المفروض على الناس، بل الكمال الاختياريّ الحرّ. وعلى هذا الأساس فإنّ الله يحقّق ذلك الهدف، ولعلّ من الممكن القول إنّ الكثير ممن يخفقون في تحقيق الكمال في هذا العالم ولا يبلغون كمالاتهم بالتي هي أحسن، فإنّهم إذا مكثوا فترة في الجحيم سيستجيبون للهدى عندما تعرض عليهم بلحن شديد، كي نذهب إلى الجنّة جميعًا بعد ذلك.

لغنهاوزن: يتمتع مصير الإنسان وقدره في المفهوم الإسلاميّ، بالواقعيّة والتفاؤل في آنٍ واحد. ثمّة حقيقة لكلّ من الجحيم والجنّة، وهما حصيلة لجهودنا التي نبذلها عن وعي واختيار وبحرّيّة. إنّ رحمة الله تسبق غضبه دومًا كما أنّ الغضب الإلهيّ نفسه إنّما ينشأ عن رحمته بالإنسان.

الهوامش
محمّد لغنهاوزن عالم أميركيّ اعتنق الإسلام عام 1984م، وهو حاصل على بكالوريوس الفلسفة من جامعة نيويورك، ثمّ الدكتوراه في الفلسفة من جامعة رانيس بتكساس. يقيم في إيران منذ بضعة أعوام ويتولّى تدريس الفلسفة الغربيّة إلى جانب دراسته للفلسفة الإسلاميّة والفروع الإسلاميّة الأخرى. له دراسات متعدّدة نُشرت في مجلّة (معرفت) و(نقد ونظر) الفارسيّتين و(التوحيد) الصادرة باللغة الإنجليزيّة.

------------------------
[1](*)- باحث ومترجم من العراق.