البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

معالم الإحياء الحضاريّ الإسلاميّ المشروع الإصلاحيّ في فكر السيّد جمال الدين الحسينيّ الأفغانيّ مثالًا

الباحث :  السيد هاشم الميلاني
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  27
السنة :  ربيع - صيف 2022م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 12 / 2022
عدد زيارات البحث :  71
تحميل  ( 508.659 KB )
تتوخّى هذه الدراسة الوقوف على أبرز معالم المشروع الإصلاحيّ الإسلاميّ من خلال ما قدَّمه أحد كبار روَّاد الفكر والإحياء الدينيّ الحضاريّ في أواخر القرن التاسع عشر الميلاديّ، وهو السيّد جمال الدين الحسينيّ الأفغانيّ (1838- 1897). ولقد اعتمدنا في تظهيرنا لهذه الدراسة على العمل الموسوعيّ الكبير المعروف بـ«العروة الوثقى»، والذي يتضمّن الآثار الكاملة للسيّد جمال الدين في ميادين الفكر والعقيدة والإصلاح السياسيّ والنهوض الحضاريّ.

أمّا الجانب الأهمّ الذي يعنينا في هذه الدراسة، فقد تركّز على بيان مرتكزات مشروعه الإصلاحيّ خلال حقبة استثنائيّة من أدقّ الحقبات التاريخيّة التي مرّت بها المجتمعات الإسلاميّة في مواجهة الهيمنة الاستعماريّة على الصعد الثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وسننطلق هنا من تعيين معالم الدور الإصلاحيّ الذي قام به التيّار الإسلاميّ الإصلاحيّ الذي ينتمي إلى مدرسة أهل البيت، وذلك لكي نستظهر ما امتاز به منهجيًّا ومعرفيًّا حيال مختلف التيّارات الفكريّة الإسلاميّة. لا سيما لجهة ما يختزنه هذا التيار الإصلاحيّ من مساهمات جادّة في إصلاح الفكر الدينيّ والاجتماعيّ، وفي مقام العودة إلى الإسلام وبناء الحضارة الإسلاميّة الجديدة؛ لذا سنسعى إلى تسليط الضوء على أبرز المحطّات والمشاريع التي شكلت المنظومة الِإجماليّة للمشروع الحضاريّ عند السيّد جمال الدين، وخصوصًا تلك الآيلة لإصلاح العالم الإسلاميّ والوقوف على أهمّ أسباب تأخّره التاريخيّ، لعلّ ذلك يفضي إلى الانتفاع من منجزاته الفكريّة في حلّ أزماتنا المعاصرة، وبالتالي تكون منطلقًا لإعادة بناء الحضارة الإسلاميّة، تمهيدًا لظهور دولة العدل والحقّ.

*    *    *

كلمات مفتاحية: المشروع الإصلاحيّ- دولة الحقّ- التأخُّر الحضاريّ- التغريب- المذهب الإماميّ- مناهضة الاستعمار.

تمهيد:
لم تكن حركة النهضة في العالم الإسلاميّ استجابة لضرورات داخليّة افترضها الحكم الاستبداديّ وحسب، بل هي ناجمة عن تحدّيات جوهريّة أيضًا، وذلك بفعل المطامح الاستعماريّة الغربيّة للسيطرة على البلاد الإسلاميّة مع بداية انهيار السلطنة العثمانيّة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن البيِّن أنّ مواجهة العالم الإسلاميّ للغرب وتعرّفه على مسالكه مرَّت عبر سلسلة مترابطة من المحطّات: التبادل التجاريّ ثمّ العسكريّ الثقافيّ، وبالتالي الاستعمار المباشر.

وجرّاء هذا التعرّف والاحتكاك المستمرّ، تولّد سؤال النهضة (لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم الغرب)، وطفق العلماء يبحثون عن الجواب، كلّ يدلو بدلوه ليقف على السبب الحقيقيّ، ومن هنا تولّدت النهضة والبحث عن سبيل الإصلاح والابتعاد عن التخلّف. فالإصلاح كان لا بدّ منه في تلك المرحلة الزمنيّة، فالعالم الإسلاميّ كان يعيش تخلّفًا مشهودًا على جميع الأصعدة الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وكان الغرب هو المسيطر والمهيمن والمستعمر بفضل علومه وتقنيّته؛ ومن هنا انبرى العلماء لحركة تجديديّة إصلاحيّة بهدف استنهاض الهمم والعقول، واسترجاع المجد والحضارة التي كان يتمتّع بها العالم الإسلاميّ في الماضي. ورغم أنّ كثيرًا من المجادلات قد انتهت اليوم والأولويّات قد تغيّرت، حيث لا داعي إلى ذكر محاسن الجرائد والصحف مثلًا، أو لزوم وجود القانون والدستور وغيرها من المباحث الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، ولكن مع هذا فنحن بحاجة مستمرّة إلى رجال إصلاحيّين يعرفون الزمان والمكان وملابساتهما، وكذلك يكون لهم قدم صدق في التراث الإسلاميّ، ليأخذوا بزمام الأمّة الإسلاميّة نحو الهداية والرشاد من دون أن تنزلق في هاوية باقي التيّارات والأحزاب المناوئة والمستغربة.

جمال الدين كرائد نهضويّ

يعدّ السيّد جمال الدين الحسينيّ الأسترآبادي المعروف بالأفغانيّ (1988-1897م) أحد أبرز روّاد النهضة والإصلاح في العالم الإسلاميّ، ورغم انتمائه إلى المذهب الإماميّ، ورغم كونه من السادة الأشراف، غير أنّه أخفى مذهبه رعاية لمصالح الأمة الإسلاميّة ولزوم توحّدها ونبذ الخلافات العقديّة التي كانت بحسب رأيه وسيلة لتمزّق الأمّة ونافذة لدخول الأعداء والغرب لبثّ الخلاف والحيلولة دون نهوضها.

وُلد السيّد جمال في قرية أسد آباد من توابع همدان في إيران عام 1254هـ، وتتلمذ على يد كبار العلماء في إيران والعراق، وأدرك محضر العالم والعارف الكبير ملّا حسين قلي الهمدانيّ.

كان يحمل بين جنبيه روحًا وهّاجة لم يتمكّن من الاستقرار في مكان واحد، سافر إلى أفغانستان والهند ومصر وتركيا وأوروبا إمّا باختياره وإمّا منفيًّا إليها من قبل السلطات التي توجّست منه خيفة، وقد زادته هذه الأسفار خبرة بالشعوب والنفوس، وتعرّف على الكثير من النخب ورجال السياسة والأدب والثقافة، وحاول استثمار كلّ هذه العلاقات في هدف واحد ما فتئ أن يفكّر فيه ويتكّلم حوله طول حياته وحتّى آخر أيّامه، كان يقول: «ليس لي من غاية في هذا العالم سواء في الشرق أو في الغرب سوى إصلاح دنيا المسلمين وآخرتهم، وآخر أمنيتي أن يُراق دمي في هذا الطريق كالشهداء الصالحين[2]».

سوف نقارب مشروع السيّد جمال الدين على محورين: محور التخلّف ومحور الإصلاح؛ ولأجل هذا الهدف سيكون لنا أن نستقرئ آثاره وأعماله لنستخرج منها ما يناسب مع هذين المحورين، لتكون النتيجة التعرّف على أسباب تخلّف العالم الإسلاميّ والتعرّف على آليّات وسبل الإصلاح للخلاص من هذا التخلّف بغية الرقيّ والكمال.

أسباب التخلّف:
كان السيّد جمال الدين واسع الإطلاع على الجوامع الإسلاميّة بفضل تردّده على أكثرها ومكوثه فيها؛ لذا سيكتسب خبرة عميقة بأسباب التخلّف التي أحاطت بالمجتمع الإسلاميّ. وهنا نشير إلى أهمّ تلك الأسباب:

أوّلًا: التفسير الخاطئ للدين:
يؤكّد السيّد في موضوع الإصلاح مكانة الدين ودوره في تعالي الفرد والمجتمع، فالتخلّف الحاصل إنّما هو ناشئ من سوء تفسير الدّين وجهل المسلمين بحقائقه، يقول السيّد: «وما تراه اليوم في المسلمين من التقهقر ليس من حقيقة دين الإسلام، بل من جهل المسلمين حقيقة الدين[3]».

وفي موضع آخر يرى أنّ الدّين جاء للدعوة إلى الحقّ والحثّ على الفضائل وفعل الخير والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف: «ولكنّا إذا نظرنا إلى الكثير من الذين اتّبعوهم [أي اتبعوا الأديان] فإنّا نراهم قد استعملوا تلك الشرائع للشقاق والنفاق، واتّخذوها وسائط لإضرام الفتن ووسائل لإلقاء المِحَن[4]».

فالمسلمون -كما يبيِّن جمال الدين- من بعد أن تقدّموا بفضل الدين على كافّة الأمم «ظهر فيهم أقوام بلباس الدين وأبدعوا فيه، وخلطوا بأصوله ما ليس منها، فانتشرت بينهم قواعد الجبر، وضربت في الأذهان حتّى اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتّى أمسكت بعنانها عن الأعمال، هذا إلى ما أدخله الزنادقة فيما بين القرن الثالث والرابع، وما أحدثه السوفسطائيّون الذين أنكروا مظاهر الوجود وعدّوها خيالات تبدو للنظر ولا تثبتها الحقائق، وما وضعه كَذَبَةُ النقل من الأحاديث ينسبونها إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وآله ويثبتونها في الكتب، وفيها السمّ القاتل لروح الغيرة، وإنّ ما يلصق منها بالعقول يوجب ضعفًا في الهمم وفتورًا في العزائم، وتحقيق أهل الحقّ وقيامهم ببيان الصحيح والباطل. من كل ذلك لم يرفع تأثيره عن العامّة خصوصًا بعد حصول النقص في التعليم، والتقصير في إرشاد الكافّة إلى أصول دينهم الحقّة ومبانيه الثابتة التي دعا إليها النبيّ وأصحابه. لقد كانت دراسة الدين على طريقها القويم منحصرة في دوائر مخصوصة وبين فئة ضعيفة، ولعلّ هذا هو العلّة في وقوفهم، بل الموجب لتقهقرهم، وهو الذي نعاني من عنائه اليوم، وهو ما نسأل الله السلامة منه[5]». إلى ذلك فإنّ من جملة الأمور التي يؤدّي تفسيرها الخاطئ إلى التخلّف مسألة القضاء والقدر، وقد أولاها السيّد جمال الدين أهميّة خاصّة وأفرد لها بحثًا خاصًّا في مجلّته العروة الوثقى[6].

يتطرَّق  السيّد جمال الدين إلى تصوّر (الإفرنج) لمسألة القضاء والقدر، ويبيِّن زعمهم أنّ هذه المسألة ما تمكّنت من نفوس قوم إلّا وسلبتهم الهمّة والقوّة، وحكمت فيهم الضعف والضِعة، ورموا المسلمين بصفات ونسبوا إليهم أطوارًا، ثمّ حصروا علّتها في الاعتقاد بالقدر، ثمّ ينقل عنهم قولهم: إنّ المسلمين في فقر وفاقة وتأخّر في القوّة الحربيّة والسياسيّة على سائر الأمم، وقد فشا فيهم فساد الأخلاق، فكثر الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض، وتفرّقت كلمتهم وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة، وغفلوا عمّا يضرّهم وما ينفعهم، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضرّ أخاه لا يقصّر في إلحاق الضرر به، فجعلوا بأسهم بينهم والأمم من ورائهم تبتلعهم لقمة بعد أخرى، رضوا بكلّ عارض، واستعدّوا لقبول كلّ حادث، وركنوا إلى السكون في كسور بيوتهم، يسرحون في مرعاهم، ثمّ يعودون إلى مأواهم، الأمراء فيهم يقطعون أزمنتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات، وعليهم فروض وواجبات تستغرق في أدائها أعمارهم ولا يؤدّون منها شيئًا. يصرفون أموالهم فيما يقطعون به زمانهم إسرافًا وتبذيرًا، نفقاتهم واسعة، ولكن لا يدخل في حسابها شيء يعود على ملّتهم بالمنفعة، يتخاذلون ويتنافرون، وينوطون المصالح العموميّة بمصالحهم الخصوصيّة، فربّ تنافرٍ بين أميرين يضيّع أمّة كاملة، كلّ منهما يخذل صاحبه، ويستعدي عليه جاره، فيجد الأجنبيّ فيهما قوّة فانية وضعفًا قاتلًا، فينال من بلادهما ما لا يكلّفه عددًا ولا عدّة، شملهم الخوف وعمّهم الجبن والخور يشرعون من الهمس، ويألمون من اللمس، قعدوا عن الحركة إلى ما يلحقون به الأمم في العزّة والشوكة، وخالفوا في ذلك أوامر دينهم، مع رؤيتهم لجيرانهم، بل الذين تحت سلطتهم، يتقدّمون عليهم ويباهونهم بما يكسبون، وإذا أصاب قومًا من إخوانهم مصيبة أو عَدَت عليهم عادية لا يسعون في تخفيف مصابهم، ولا ينبعثون لمناصرتهم، ولا توجد فيهم جمعيّات ملّيّة كبيرة لا جهريّة ولا سريّة، يكون من مقاصدها إحياء الغيرة، وتنبيه الحميّة، ومساعدة الضعفاء، وحفظ الحقّ من بغي الأقوياء وتسلّط الغرباء.

هكذا نسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وتلك الأطوار، وزعموا أن لا منشأ لها إلّا اعتقادهم بالقضاء والقدر وتحويل جميع مهمّاتهم على القدرة الإلهيّة، ثم حكموا بأنّ المسلمين لو داموا على هذه العقيدة فلن تقوم لهم قائمة، ولن ينالوا عزًّا ولن يعيدوا مجدًا، ولا يأخذون بحقّ، ولا يدفعون تعدّيًا، ولا ينهضون بتقوية سلطان أو تأييد ملك. ولا يزال بهم الضعف يفعل في نفوسهم، ويركس من طباعهم، حتّى يؤدّي بهم إلى الفناء والزوال (والعياذ بالله) يفني بعضهم بعضًا بالمنازعات الخاصّة، وما يسلم من أيدي بعضهم يحصده الأجانب. ويستطرد السيد جمال الدين في شرحه لمزاعم علماء الغرب ومستشرقيهم، فيرى أنّ هؤلاء توهَّموا بعدم وجود فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر والاعتقاد بمذهب الجبريّة القائلين بأنّ الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله، وأنّ المسلمين الآخذين بعقيدة القضاء يرون أنفسهم كالريشة المعلّقة في الهواء تقلبها الرياح كيفما تميل، ومتى رسخ في نفوس قوم أنّه لا خيار لهم في قول ولا عمل، ولا حركة ولا سكون، وإنّما جميع ذلك بقوّة جابرة، وقدرة قاسرة، فلا ريب تتعطّل قواهم، ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب، وأجدر بهم بعد ذلك أن يتحوّلوا من عالم الوجود إلى عالم العدم[7].
بعدما ينقل السيّد هذا المعتقد من الغربيّين ومن تبعهم من «المتغربنة» في الشرق، ينبري إلى الدفاع وبيان الرأي الصحيح في مسألة القضاء والقدر، وأنّها لا تعني الجبر المطلق والاستسلام «وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر، ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد ما ظنّه أولئك الواهمون[8]».

ثمّ يشرع السيّد بشرح مسألة القضاء والقدر، وأنّ الحوادث في نظام الكون تخضع لقانون الأسباب والمسبّبات، وأنّ إرادة الإنسان هي من تلك الأسباب، وبهذه الإرادة افتتح المسلمون البلاد وقاوموا الشرك: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[9]، وهذا الاعتقاد هو الذي خلق في المسلمين روح الشجاعة والبسالة، وطبع النفوس على الثبات.

«الذي يعتقد أنّ الأجل محدود، والرزق مكفول، والأشياء بيد الله يصرفها كما يشاء، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقّه وإعلاء كلمة أُمّته أو مكثه، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك؟ وكيف يخشى الفقر ممّا ينفق من ماله في تعزيز الحقّ وتشييد المجد على حسب الأوامر الإلهيّة وأصول الاجتماعات البشريّة[10]».

ثمّ إنّ ثمّة عاملًا آخر إلى جانب التفسير الخاطئ للدين، أدّى إلى تخلّف العالم الإسلاميّ عنينا به التّساهل في أمر الدين، وعدم الالتزام بالشريعة، ففي هذا المورد يقول السيّد: «إنّ من ينسب الضعف للإسلام بنسبة مأخذه فقد أخطأ، لأنّ الكتاب والسنّة سار بهما الإسلام وعلا شأنه في التمدّن والتقدّم مبلغًا عظيمًا من القرون. ولمّا أن هجر العلم وحاد المسلمون عن اتّباع شريعتهم أخذت دولتهم في الانحطاط[11]». ثم يتوجه بخطابه إلى الآباء والأجداد مشتكيًا ممّا جناه الأبناء والأحفاد، الذين: «انحرفوا عن سنّتكم، وحادوا عن طريقتكم، فضلّوا عن سبيلكم، استبدلوا كلّ فضيلة برذيلة، وأتوا على كلّ أمر لله بعكسه، نبذوا حكمة الدين واتّباع شرع سيّد المرسلين، وتفرّقوا فرقًا وأشياعًا[12]». «فالسبب الأعظم والفاعل الأكبر في السقوط – كما يضيف- هو إهمال ما كان سببًا في النهوض والمجد وعزّة الملك، وهو ترك حكمة الدين والعمل بها، وهي التي جمعت الأهواء المختلفة، والكلمة المتفرّقة، وكانت للملك أقوى من عصبية الجنس وقوّته. نعم، لما فشى الجهل في الخلفاء، وبعدوا عن العلم بحقيقة الدين وحكمته، وهن وضعف أساس الملك، وتزلزل أقوى دعامة له[13]».

1. الخمول والتواني وترك الإقدام والعمل:
يرى جمال الدين أنّ من أسباب تخلّف العالم الإسلاميّ -حسب أطروحات جمال الدين-  تغيير أعمالهم بتغيير عقائدهم، إذ إنّه يعتقد بوجود حركة ديالكتيكيّة بين الأعمال والعقائد، من حيث تأثير كلّ واحد منهما على الآخر، ثم يبيِّن أن الأفكار العقليّة والعقائد الدينيّة، وسائر المعلومات والمدركات والوجدانات النفسيّة، وإن كانت هي الباعثة على الأعمال وعن حكمها تصدر، ولكن الأعمال هي التي تثبتها وتقوّيها وتطبعها في الأنفس، وتطبع النفس عليها حتّى يصير ما يعبّر عنه بالملكة والخُلق، وتترتّب عليه الآثار التي تلائمها... ولا ينقطع الانفعال بين الأعمال والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد[14]». أمّا العلّة في تباطؤ المسلمين عن نصرة إخوانهم، وهم أثبت الناس في عقائدهم، هي أنّه لم يبق من جامعة بين المسلمين في الأغلب إلّا العقيدة الدينيّة مجرّدة عمّا يتبعها من الأعمال التي من آثارها جلب المنافع ودفع المضار، وما يستلزم ذلك من تعارف وتواصل وتبادل بالشعور والتحسّس[15]». وهذه القاعدة من سنن الله تعالى في الكون، وأنّ الأمم ما بادت وتقهقرت إلّا بعد نكوبها عن تلك السنن، إذ إنّ الله تعالى لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، والمسلمون تخلّفوا بعدما تنازعوا وحادوا عن تلك السنن، «نرى الأجانب عنّا يغتصبون ديارنا، ويستنزلون أهلنا، ويسفكون دماء الأبرياء من إخواننا، ولا نرى في أحد منّا حراكًا[16]».

2. ترك الفضائل والعمل بالرذائل:
وهذه من العلل الأشد خطرًا على الأمّة لجهة اتصالها بالجانب العقائديّ، فالله تعالى جعل «بقاء الأمم ونماءها في التحلّي بالفضائل، وجعل هلاكها ودمارها في التخلّي عنها[17]». وهذه الفضائل كان أشار إليها السيّد في طيّات كتبه ورسائله ومحاضراته، وأشار في هذا الصدد إلى مجموعة فضائل من قبيل: التعقّل، التروّي، انطلاق الفكر من قيود الأوهام، العفّة، السخاء، القناعة والدماثة، الوقار، التواضع، عظم الهمّة، الصبر، الحلم، الشجاعة، الإيثار، النجدة، السماحة، الصدق، الوفاء، الأمانة، سلامة الصدر من الحقد والحسد، العفو، الرفق، المروءة، الحميّة، حبّ العدالة وغيرها من الفضائل، ثمّ يقول: «ألا ترى لو عمّت هذه الصفات الجليلة أمّة من الأمم، أو غلبت في أفرادها، أيكون سوى الاتّحاد والالتئام التامّ؟.. أما والله، لو نفخت نسمة من أرواح هذه الفضائل على أرض قوم وكانت مواتًا لأحيتها، أو قفرًا لأنبتتها، أو جدبًا لأمطرتها من غيث الرحمة من ما يسبغ نعمة الله عليها، ولأقامت لها من الوحدة سياجًا لا يُغرق، وحرزًا منيعًا لا يُهتك[18]». أمّا الرذائل فهي كما ورد في مؤلَّفاته الأخلاقيّة: قلّة الحياء، البذاء، السفه، البله، الطيش، التهوّر، الجبن، الدناءة، الجزع، الحقد، الحسد، الكبرياء، العجب، اللجاج، السخرية، الغدر، الخيانة، الكذب، النفاق، ويقول: «أمّا الرذائل فهي كيفيّات خبيثة تعرض للأنفس، ومن طبيعتها التحليل والتفريق بين النفوس المتكيّفة... هذه الرذائل إذا فشت في أمّة نقضت بناءها ونثرت أعضاءها، وبدّدتها شذر مذر. وهذه صفات إذا رسخت في نفوس قوم صار بأسهم بينهم شديدًا، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّی، تراهم أعزّة بعضهم على بعض، أذلّة للأجنبي عنهم، يدعون أعداءهم للسيادة عليهم، ويفتخرون بالانتماء إليهم، يمهدون السبل للغالبين إلى النكاية بهم، ويمكّنون مخالب المغتالين من أحشائهم، ويرون كلّ حسن من أبناء جنسهم قبيحًا، وكلّ جليل منهم حقيرًا، إذا نطق أجنبيّ بما يدور على ألسنة صبيانهم عدّوه من جوامع الكلم ونفائس الحكم، وإذا غاص أحدهم بحر الوجود واستخرج لهم درر الحقائق وكشف لهم دقائق الأسرار عدّوه من سقط المتاع وقالوا بلسان حالهم أو مقالهم: ليس في الإمكان أن يكون منّا عارف، ومن المحال أن يوجد بيننا خبير. ويغلب عليهم حبّ الفخفخة والفخر الكاذب، ويتنافسون في سفاسف الأمور ودنيّاتها،  يرتابون في نصح الناصحين، وإن قامت على صدقهم أقطع البراهين، يسخرون بالواعظين، وإن كانوا في طلب خيرهم من أخلص المخلصين، يبذلون جهدهم لخيبة من يسعى لإعلاء شأنهم، وجمع كلمتهم، ويقعدون له بكلّ سبيل، يقيمون في طريقه العقبات، ويهيئون له أسباب العثار، تراهم بتضارب أخلاقهم وتعاكس أطوارهم كالبدن المصاب بالفالج ولا تنتظم لأعضائه حركة، ولا يمكن تحريك عضو منه على وجه مخصوص لمقصد معلوم، فتنفلت أعمالهم عن حدّ الضبط، وتخرج عن قواعد الربط. فساد طباعهم بهذه الأخلاق يجعلهم منبعًا ومبعثًا للضرّ، يصير الواحد منهم كالكلب، أوّل ما يبدأ بعضّ صاحبه قبل الأجنبيّ، بل كالمبتلى بجنون مطبق، أوّل ما يفتك بمربّيه ومهذّبه ثم يثنّي بطبيبه ومن يعالج داءه، تكون الآحاد منهم كالأمراض الأكّالة من نحو الجذام والآكلة، يمزّقون الأمّة قطعًا وجذاذات بعدما يشوّهون وجهها ويشوّشون هيئتها، أولئك قوم يسامون في مراعي الدنايا والخسائس لتغلب النذالة على سائر أوصافهم، فينتفخون على أبناء جلدتهم، ويذلّون لقزم الأجانب فضلًا عن عليتهم، وبهذا يمكنون الذلّة في نفوسهم، من دونهم، ويطبعونها على الخضوع للغرباء، بل الأعداء الألداء من طبقة إلى طبقة حتى تضمحلّ الأمة وتنسخ هيئتها وتفنى في أمّة أو ملّة أخرى، سنّة الله في تبدّل الدول وفناء الأمم (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[19]، أعاذنا الله من هذه العاقبة، وحرس أمّتنا وملّتنا من المصير إلى هذه النهاية[20].

وقد أفرد السيّد جمال الدين لبعض هذه الرذائل بحثًا مستقلًّا أقامه تحت اليأس، والوهم والجبن والخلاف والفرقة. أربعة عناوين هي:

أ. اليأس:
بعدما يشرح فضيلة الأمل، وما يترتّب عليها من المآثر والمحاسن، يعرّج السيد جمال الدين على اليأس والقنوط، ويذكر ما يعتري القانط من الانحطاط والعجز ممّا يكون مدعاة لتعاطي الرذائل وعدم النفور من الإهانة والتحقير، وسلب جميع أنواع الإحساسات والوجدانيّات الإنسانيّة[21]. ثمّ يشير إلى عامل رئيسيّ في وصول الإنسان إلى اليأس والقنوط، وهو اعتماد الإنسان على نفسه بمعزل عن الله تعالى، فيظنّ أنّ جميع أعماله إنّما تصدر عن قدرته وإرادته بالاستقلال، وليس فوق يده يد تمدّه بالمعونة، فإذا صادفته الموانع وقطعت عليه سبيل الوصول لمطلبه لزمه اليأس والقنوط لاعتقاده بعدم وجود قوّة أخرى تعينه وترفع له الموانع، أمّا لو أيقن بأنّ لهذا الكون مدبّرًا عظيم الشأن تخضع كلّ قوّة لعظمته، وأنّ بيده مقاليد الأمور، لما أصابه اليأس والقنوط؛ إذ إنّه يركن إلى الله تعالى، وكلّما اشتدّت عليه المحن زادت همّته وإرادته، كما قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)[22] وقوله: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)[23].

ب. الوهم:
يعرّف السيّد الوهم بوصفه حجاب الحقيقة، وغشاء عين البصيرة، يرى الضعيف قويًّا والقريب بعيدًا. والوهم هذا إذا تسلّط على قوم خفيت فيهم الحقائق وتسلّطت الأوهام على الإرادات، فتقود الواهمين إلى بيداء الضلالة[24]. بعد ذلك يعرّج السيّد على ما يتوهّمه الشرقيّون أمام دولة الإنكليز، فيحسبونها قوّة عظمى لا يمكن مكافحتها، وهكذا «يمثّل الوهم لكلّ شرقيّ أنّ الإنجليز على ما كانوا عليه في ماضي زمانهم، فمثل الشرقيّين الإنجليز كمثل مارّ في مفازة يرى بها جثّة أسد مطروحة على طريقه فاقدة الحياة عديمة الحراك، فيتوهّمها سبعًا ضاريًا ومفترسًا قويًّا، فينكبّ عن الطريق وهمًا وريبة بدون تحقيق لما تخوّف منه، يرتعد ويسقط ويموت خوفًا أو يضلّ بعد ذلك عن الجادّة وتختلط عليه مسالك الوصول إلى غايته، وربّما صادف مهلكة في ضلاله ومتلفة في غيّه[25]».

في المقابل، كان الوهم متسلّطًا على الغربيّين أيضًا، حيث كانوا يهابون جانب الإنجليز، غير أنّهم بدّدوا هذا الوهم ونهضوا لردع الإنجليز، يقول السيّد: «ليس في الأمر شيء سوى الوهم، هذا الوهم تمزّقت حجبه عن بصائر الغربيّين، فعلموا من هم الإنجليز، ضعيف يسطو على حقوق الأقوياء، صوت عال وشبح بال، قامت الدول على معارضتهم لعلمها أنّ الإنجليز صاروا للأمم كالدودة الوحيدة على ضعفها تفسد الصحّة وتدمّر البنية. لكن بقي أن يزول هذا الوهم عن الشرقيّين حتّى يستفيدوا من هذه الحركات، ويستقلّوا بأمورهم ولا ينتقلوا من عبوديّة إلى أُخرى[26]».

ت. الجبن:
يخصّص السيّد جمال الدين لموضوع الجبن مبحثًا خاصًّا في مجلّة العروة الوثقى، ويرى أنّه السبب في إحجام النفوس عن العمل والوقوع في الزلل، ويعرِّفه بأنه: «انخذال في النفس عن مقاومة كلّ عارض لا يلائم حالها، وهو مرض من الأمراض الروحيّة، يذهب بالقوّة الحافظة للوجود التي جعلها الله ركنًا من أركان الحياة الطبيعيّة[27]». ومن الصفات السيّئة التي يورثها الجبن: أنّه يقطع روابط الأمم، يوهن عزائم الملوك، يضعف قلوب العاملين، يغلق أبواب الخير، يطمس معالم الهداية، يسهّل على النفوس احتمال الذلّة، يهوّن عليها العبوديّة وتلقّي الإهانة والتذليل، وغيرها من الصفات الذميمة[28] وعليه «ينبغي أن يكون أبناء الملّة الإسلاميّة بمقتضى أصول دينهم أبعد الناس عن هذه الصفة الرديئة، فإنّها أشدّ الموانع عن أداء ما يرضي الله[29]».

ث. الخلاف والفرقة:
وهذه من الرذائل التي تشكل أحد أبرز عوامل التخلّف؛ بسببها ينقطع التواصل والتعارف بين المسلمين ويهجر بعضهم بعضًا هجرًا غير جميل[30]، «فالعلماء في شتّى أقطار العالم الإسلاميّ غير متواصلين، وكذلك الملوك والحكّام، وسرى هذا الداء بين عامّة المسلمين أيضًا، حتّى صحّ أن يقال لا علاقة بين قوم منهم وقوم، وبلد وبلد»[31]. «لا يحنّ أخ لأخيه، ولا يهتمّ جار بشأن جاره، ولا يرقب أحدنا في الآخر إلًّا ولا ذمّة»[32]. وأمّا العلاج كما يراه السيّد جمال الدين إنّما هو الوحدة والتواصل والتعارف بين المسلمين، ليكونوا حلقات في سلسلة واحدة من حيث التعاضد والتكاتف، ينصر بعضهم بعضًا.

3. الاستبداد وضعف السلطة السياسيّة:
لا شكّ في أنّ عامل الاستبداد السياسيّ هو من العوامل الأساسيّة التي أطاحت بالعالم الإسلاميّ، وحالت دون تقدّمه وازدهاره، حيث نرى الحكّام والملوك إمّا مستبدين وإمّا ضعفاء لا يقدرون على رعاية مصالح العباد أمام الأطماع الداخليّة والاستعمار الخارجيّ، مضافًا إلى ما ظهر منهم من المفاسد واللهو واللعب.

يقول في هذا الصدد: «كان حكّامهم وأمراؤهم من جراثيم الفساد في أخلاقهم وطباعهم، وكانوا مجلبة لشقائهم وبلائهم، فتمكّن الضعف في نفوسهم، وقصرت أنظار الكثير منهم على ملاحظة الجزئيّات التي لا تتجاوز لذّته الآنيّة، وأخذ كلّ منهم بناصية الآخر يطلب له الضرر ويلتمس له السوء من كلّ باب[33]». وممّا يدلّ على هذا الضعف والهوان أنّ أمراء الشرق «سلّموا أمورهم، ووكّلوا أعمالهم من كتابة وإدارة وحماية للأجانب عنهم، بل زادوا في موالاة الغرباء والثقة بهم، حتّى ولّوهم خدمتهم الخاصّة بهم في بطون بيوتهم، بل كادوا يتنازلون لهم عن ملكتهم في ممالكهم[34]». والعامل المهمّ الآخر إنّما هو استبداد الحاكم، يقول السيّد: «إذا سبرنا الموجودات سبرًا فلسفيًّا، فلا نجد لتأخّرنا غير سببين أصليّين: وهما التعصّب والاستبداد[35]» ويعرّف الاستبداد بأنّه: «أن تكون أمّة من الأمم مقيّدة بسلسلة رأي واحد من الناس لا تتحرّك إلّا بإرادته ولا تفعل إلّا برضاه[36]».

وهذا الداء يصرف عقول الناس وإرادتهم لطاعة شخص واحد، ربّما لا يتمكّن من جلب السعادة والنفع لنفسه فكيف لغيره ولأمّة بأكملها، وعليه فإنّ «الأمّة التي ليس لها في شؤونها حلّ ولا عقد، ولا تُستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العموميّة، وإنّما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون، ومشيئة نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فتلك أمّة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير[37]».

ولأجل الخروج من تخلّف الاستبداد يدعو السيّد إلى حكومة شورويّة كما سيأتي.

4. مناهضة مركزيّة الغرب:
لقد اتّخذ السيّد جمال الدين موقفًا صارمًا حيال تعدّيات الغرب، ولا سيّما بريطانيا على العالم الإسلاميّ، كان يقول في مقام الدفاع عن نفسه أمام من ينتقد صرامته في ذلك: «أمّا القول في نفرتي من الإنجليز أو بغضي لهم وتعريضي بسوء أعمالهم، فلا يفوتنّك العلم أنّني ما تناولت الإنجليز وحكومتهم إلّا من وجهة استعمارهم وتدخّلهم في الممالك الشرقيّة، كالهند ومصر، وسومهم أهلها سوء التصرّف، ومنتهى العسف والجور[38]». ربّما أمكن القول إنّ هجوم الغرب على العالم الإسلاميّ يعود إلى سببين كلّيّين: الأوّل دينيّ والثاني اقتصاديّ. أمّا السبب الدينيّ فيعود إلى سقوط بعض دول الغرب وتسخيرها من قبل المسلمين، كفتح القسطنطيّة وأسبانيا وما شاكل، حيث أجّج نار الحقد الطائفيّ والدينيّ وأثار حفيظة المسيحيّين ملوكًا وعلماء[39]، ودعاهم إلى ما دعاهم من حروب صليبيّة والتخطيط للسيطرة على العالم الإسلاميّ. أمّا العامل الثاني فجاء بعد الثورة الصناعيّة الغربيّة، وتوجّه الغرب نحو الشرق الغنيّ بحثًا عن أسواق للتصدير واستهلاك ما تمّ صناعته في الغرب، وكذلك العثور على المواد الطبيعيّة في مقام الإنتاج والصناعة.

لقد حاول السيّد جمال الدين أن يكشف ما أحاط بالمسلمين من التخلّف جراء تسلّط الاستعمار على البلدان الإسلاميّة، وكذلك كشف مخطّطاتهم لإحكام هذه السيطرة بشتّى الوسائل والادعاءات البرّاقة حول التنوير وحقوق الإنسان التي يطلقها الغرب – بريطانيا كقوّة عالميّة آنذاك، لا تنطلي على أحد فإنّها لا تتعدّى الأقاويل الفارغة، وإن كان لها مصداقيّة ما، فإنّها لا تتجاوز الإنسان الغربيّ، يقول السيّد: «الإنجليز كأمّة ليس من ينكر أنّها من أرقى الأمم، تعرف معاني العدل وتعمل بها، ولكن في بلادها ومع الإنكليز أنفسهم، وتنصف المظلوم إذا كان من الإنجليز، تعلم أنّ للإنسان حقًّا في الحياة، وهذا الإنسان في عرفهم هو الإنجليزيّ، وغيره من البشر ليس بإنسان[40]».

وعليه عندما نستقرئ مواقف السيّد جمال الدين حول أسباب تأخّر العالم الإسلاميّ، نرى أنّ الغرب لعب دورًا بارزًا فيه، وذلك من خلال الأدوار التالية:

أ. الاستعمار:
يعدّ السيّد جمال الدين الاستعمار من أهمّ أسباب انحطاط المسلمين[41] فالاستعمار بمعناه الصحيح ومبناه الصريح، -كما يقول- هو تسلّط دول وشعوب أقوياء علماء، على شعوب ضعيفة جهلاء[42]» وبعد الاستعمار مباشرة تحصل الدهشة لدى الشعوب المستعمرَة، فيذعنون بالطاعة والانقياد، ثمّ تسلّط المستعمِر على خيرات البلاد جرّاء ذلك الخضوع وتلك الاستكانة، ثمّ يُثقّل كاهله بالضرائب وأنواع الاضطهادات[43].

وطبقًا لمنظومة الأسباب والمسبّبات التي تحكم العالم، يرى السيّد جمال الدين أنّ الاستعمار سينتهي يومًا ما بحسب السنن الكونيّة، شريطة أن ينهض المسلمون لتفعيل تلك السنن والأسباب: «انقضاء أجل الاستعمار إنّما يتمّ بزوال الأسباب التي مكّنت أهله من التسلّط، وأكرهت الشعوب على الخضوع لهم. نعم، متى ضعف ما كان سببًا في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، ومتى زال ما كان سببًا في السقوط يحصل الصعود، دور للحاكم والمحكوم، وقاعدة هي بحكم اللازم والملزوم[44]».

ب. الطعن في الدين وإفساد العقائد:
من البيِّن أنّ الغرب أدرك أنّ العامل الوحيد الذي يقف حائلًا دون الهيمنة على العالم الإسلاميّ إنّما هو دين الإسلام. مع ما له من دور للفرد والمجتمع في الدعوة إلى التآخي وتوحيد الكلمة ونفي الذلّ والهوان، والدعوة إلى العصبيّة الدينيّة؛ لذا قاموا بمحاربة الدين.

يرى السيّد أنّ «الحكومة الإنجليزيّة تضمر للمسلمين عداء شديدًا... كأنّ لها لذّة في نكاية أهل الدين، وكأنّها تبتغي السعادة في تذليلهم، ومحو ما يكون من ملكهم، وكمال بهجتها في أن تراهم أذلّاء عبيدًا لا يملكون من أمرهم شيئًا[45]». كما أنّهم «أحسّوا أنّ المسلمين ما داموا على دينهم، وما دام القرآن يُتلى بينهم، فمحال أن يخلصوا في الخضوع لسلطة أجنبيّ عنهم[46]»؛ لذا قاموا بشتّى أنواع الحيل لتفتيت هذا الأمر، وإيجاد التفرقة وبثّ العقائد الفاسدة والمادّيّة وشتم المعتقدات والمقدّسات[47] وذمّ التعصّب الدينيّ[48] مع أنّهم من أشدّ الناس عصبيّة في دينهم[49].

ت. خطط الغرب في التسلّط على العالم الإسلاميّ:
حين نستقرئ المدوّنات الفكريّة والثقافيّة للغرب نجد أنّ الانطباع الموجود عند الغربيّ عن العالم الإسلاميّ أنّه خامل جاهل متعصّب، ولديه أراض خصبة، معادن كثيرة، مشاريع كبيرة، هواء معتدل، ولكن نحن أولى بالتمتّع بكلّ هذا»[50].

لذا وضع خطّة للاستيلاء على هذه البلاد عبر طرق شتى:

1. إقصاء كلّ وطنيّ حرّ يمكنه الجهر بمطالب وطنيّة.
2. تقريب الأسقطِ همّةً والأبعد عن المناقشة والمطالبة بالحقّ.
3. الدخول على البلاد بتفريقها طوائف وشيعًا، فتؤثْر طائفة على الأخرى ولو بأمور طفيفة تافهة، حتّى تستحكم النفرة من بعضهم، فيضعون بأسهم بينهم... بل يجعلون أبناء بيت واحد ينازع بعضهم بعضًا»[51].

ثمّ يذكر السيّد بعض المبرّرات التي يتمسّك بها الغربيّ للنفوذ والاستيلاء على العالم الإسلاميّ، منها: حفظ حقوق السلطان، إخماد فتنة قامت على الأمير، حريّة الشعب، تعليم أصول الاستقلال، حماية الأقلّيّات الدينيّة أو المذهبيّة، إغناء الشعب الفقير وغيرها من الخدع والمبرّرات الواهية، وعلى الرغم من تظاهره بالرحمة والشفقة ومحاولة مساعدة الدول الإسلاميّة للوصول إلى الاستقلال الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ، إلّا «أنّ الغرب في الحقيقة ليس من مصلحته إصلاح سير ولا إصلاح سيرة المسرف المبذّر لترجع إليه حقوقه، بل من أقصى أمانيه أن يتمادى الشرقيّ في غيّه وإسرافه لكي يطول عهد الحجر... فما لبث الشرقيّون في السفه والسرف يلبث حكم تلك الوصاية[52]». «فالغربيّون ولا ريب يمانعون بطرق خفيّة ترقية الشرقيّين لأنفسهم على طريقة وطنيّة خاصّة بهم، ويعرقلون مساعيهم بأشكال نصح غريبة، ولا يسهلون وسائل تهذيب أخلاق مجموعهم، بل يعملون على العكس... بأساليب غاية في المكر والمغالطة والسفسطة والاستعانة ببعض أهل البلاد على ذلك[53]».

د. مكر بريطانيا وخداعها:
كان السيد جمال الدين وإنطلاقًا من فكره النهضويّ الإصلاحيّ على دراية عميقة بجدليّة التأخّر والهيمنة الاستعماريّة؛ وهذا ما دعاه إلى كشف ما ينطوي عليه السلوك الاستعماريّ لبريطانيا في ذلك الوقت. وقد كان ذلك واضحًا في مطالعاته حين رأى أنّ بريطانيا تمثّل الروح الاستعماريّة الغربيّة. ثمّ راح يكشف للمسلمين خططها الماكرة في أكثر من مكان ومقال، ويقول: «هذه دولة الإنجليز كمرض الآكلة يظهر أثره ضعيفًا لا يحسّ به عند بدئه، ثمّ يذهب في البدن، فيفسده ويبليه من دون أن يشعر المصاب بالألم. وهكذا شأن الإنكليز في لينهم وتلطّفهم، وحلاوة وعودهم وتملّقهم وخضوعهم[54]». فلقد هيمن الإنجليز على نحو ثلث العالم بلا سفك دماء غزيرة، ولا صرف أموال وافرة، وإنّما ملكوا ما ملكوا بسلاح الحيلة[55]».

وفي سياق رؤيته للسلوك الاستعماريّ يسجل أنّ بريطانيا أوّل ما اتّجهت للنفوذ في الهند، بذريعة تخليص الشعب الهنديّ من ظلم فرنسا وهولندا والبرتغال وإيصالهم إلى التحرّر والاستقلال[56]، ثمّ بعد هذا ذهبت بريطانيا مذهب «اللين واللطف وخفض جناح الذل والظهور في ألبسة الخضوع والخشوع[57]»، وبهذا تمكّنت من النفوذ من جهة، ونقض أساس السلطنة التيموريّة من جهة ثانية[58]، كما أنّ بعض الإنجليز كان يتظاهر بالدخول في الإسلام حتّى يستميل قلوب المسلمين، ويتجسّس عليهم ويستكشف ما يحملونه من عداء وخطط ضدّ الإنجليز[59]. أمّا في مصر فكانوا يثيرون الفتن ثمّ يأتون لإخمادها[60]، وأعطوا الوعود وزخرفوا الأماني لبعض النخب المصريّة كي تعينهم على الوصول إلى بعض المآرب، ثمّ قلبوا لهم ظهر المجنّ تحت أستار الحجج والتعلّلات[61]، ولّما رأوا أنّ المصريّين لو كانت لهم ماليّة وعسكريّة قويّة ما أمكنهم إحكام القبضة على مصر، «فضيّقوا على الماليّة في تلك الأوقات، وألجأوا الحكومة لتمزيق قوّتها العسكريّة ليحصل الضعف في القوّتين الماليّة والجنديّة، فتمدّ لهم طريق ما طمحوا إليه[62]»، وفي الأزمة الماليّة التي أطاحت بمصر جرّاء سياساتها قامت بريطانيا بتنقيص فائدة الدَّيْن المصريّ الذي أعطته لها، بحيث سبّبت اعتراض باقي الدول الأوروبيّة، ولم يكن عملها هذا رحمة وشفقة لمصر وأهلها، وإنّما لكي تسود على مصر، وتستعبد أهلها وترى أنّ بقاء الحالة الماليّة على أصولها السابقة يرجع بالمنفعة على الدائنين من الأمم المختلفة، فلا يكون حظّ الخزينة الإنجليزيّة الخاصّة من ثروة مصر وافرًا؛ ولهذا بادرت قبل إعلان الحماية أو السيادة أو الاستملاك بالسعي في تخفيض فائدة الدين، لتستأثر فيما بعد بما تزعم التفضّل به الآن على المصريّين، فهي تسعى لفائدتها الخاصّة ليس إلّا[63]». ولقد ظهر من خداعهم أيضًا التشويش على الحاكم أو الأمير الذي لا يتوافق معهم، «فإمّا أن يفسدوا عليه قلوب رعيّته، ويثيروا عليه أحقادها، أو يغروا أحد أعضاء العائلة المالكة بالعصيان وطلب الملك ليجدوا في ذلك وسيلة للدخول في الأسر، أو يتّفقوا مع الوزراء على خلع صاحب السلطة، ثمّ ينصبون بدله إمّا ضعيفًا أحمق، وإمّا صبيًّا لم يبلغ الرشد، ليتمكّنوا من بلوغ مقاصدهم[64]». ويشرح السيّد جمال الدين كيف نافقت بريطانيا في نقض أسس السلطنة التيموريّة في الهند، من خلال تأجيج الخلاف بين الأمراء والراجوات، وإلقاء الفتن وضرب هذا بذاك[65]. واتّخذت السياسة نفسها في مصر أيضًا، وأعادت هذه المسرحيّة «فتارة إلى جانب الخديوي توفيق، وطورًا إلى جانب الحزب الوطنيّ المصريّ، حيث لم تعد تعرف أيًّا من الاثنين هو تحت حمايتها نهائيًّا[66]».

وأخيرًا يهيب بالشعب المصريّ ويقول لهم: «إنّ الإنجليز لو ثبتت أقدامهم في الديار لحاسبوا الناس على هواجس أنفسهم، وخطرات قلوبهم، بل على استعداد عقولهم ولما عساه يخطر ببالهم... إنّ الإنكليز يؤاخذون الأبناء بذنوب الآباء، والأحفاد بجرائم الأجداد، ويطلبون الدراري بدفائن أسلافهم، وإن لم يكن للخلف علم بما ترك السلف[67]».

5. المتغربنون:
العامل الأخير للتخلّف في العالم الإسلاميّ والذي نذكره هنا، إنّما هو خطر المتغربنين الذين تعلّموا في الغرب ويريدون تطبيق ما توصّل إليه الغرب في العالم الإسلاميّ من دون رعاية الخلفيّات والمستلزمات والفوارق الشاسعة، في هذا المجال يرى جمال الدين: «إنّ أشد وطأة على الشرق، وأدعى إلى تهجّم أولي المطامع من الغربيّين، وتذليل الصعاب لهم، وتثبيت أقدامهم، هم أولئك الناشئة الذين بمجرّد تعلّمهم لغة القوم والتأدّب بأسفل آدابهم، يعتقدون أنّ كلّ الكمال إنّما هو فيما تعلّمونه من اللسان على بسائطه، وفيما رأوه من بهرج مظاهر الحالات، وقراءة سير ومسير من قطع مراحل من الغربيّين في سبيل الأخذ في ترقية أمّته بدون أن يسبروا من ذلك غورًا أو يفهموا لتدرجهم معنى، ويعتقد الناشئ الشرقيّ أنّ كلّ الرذائل ودواعي الحطّة ومقاومات التقدّم إنّما هي في قومه، فيجري مع تيّار غريب من امتهان كلّ عادة شرقيّة، ومن كلّ مشروع وطنيّ يتصدّى له فئة من قومه أو أهل بلده، ويأنف من الاشتراك في أيّ عمل لم يشارك فيه الأجنبيّ ولو اسمًا، ويسارع لتقديس وتصويب خطأ يأتيه الغريب، ويسهل له كلّ صعب في مطلبه، ويطلعه على هنات قومه وزللهم وموقع الضعف منهم[68]». ثمّ إنّ هؤلاء المتأثّرين بالغرب لم يكتفوا بهذا، بل قاموا بإفساد عقائد المسلمين وبث الزندقة والمادّيّة فيهم، وحاربوا روح التعصّب الدينيّ وهوّنوه[69].

بل أكثر من هذا، إذ إنهم قاموا بضرب اللغة والتاريخ، فذهبوا بإيعاز من أربابهم الغربيّين «بأن ليس في لسانهم العربيّ أو الفارسيّ أو الأوردو الهنديّ آدابًا تؤثّر، ولا في تاريخهم مجدًا يذكر. وإنّ المجد كلّ المجد لذلك الشرقيّ الخامل أن ينفر من سماع لغته، وأن يتباهى بأنّه لا يحسن التعبير بها، وإنّ ما تعلّمه من الرطانة الأعجميّة هي منتهى ما يمكن الوصول إليه من المدركات البشريّة[70]».

ثانيًا - الإصلاح:
لا شكّ في أنّ عوامل تخلّف العالم الإسلاميّ التي مرّت الإشارة إليها، هي أهمّ ما تمّ تقييده وأرشفته من كلام السيّد جمال الدين في كتبه ورسائله، وطبع ضمن مجموعة مؤلّفاته، وإلّا فإنّ عوامل التخلّف كثيرة ولا تنحصر بما مرّ. من ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى ما ورد عن السيّد جمال الدين حول سبل الإصلاح وأسباب التقدّم والخروج من التخلّف، وهي كثيرة ويمكننا إيرادها وفقًا للعناوين التالية:

1. الدين:
الدين هو المحور الأساسيّ في حركة السيّد جمال الدين الإصلاحيّة، وعلى ضوء موقفه من الدين تمّ تصنيفه ضمن التيّار الإسلاميّ الإصلاحيّ، يرى السيّد جمال الدين «أنّ الدين وضع إلهيّ ومعلّمه والداعي إليه البشر... وهو عند جميع الأمم أوّل ما يمتزج بالقلب، ويرسخ في الأفئدة، وتصبغ النفوس بعقائده وما يتبعها من الملكات والعادات، وتتمرّن الأبدان على ما ينشأ عنه من الأعمال عظيمها وحقيرها، فله السلطة الأولى على الأفكار وما يطاوعها من العزائم والإرادات، فهو سلطان الروح ومرشدها إلى ما تدبّر به بدنها، وكأنّما الإنسان في نشأته لوح صقيل، وأوّل ما يخطّ فيه رسم الدين، ثمّ ينبعث إلى سائر الأعمال بدعوته وإرشاده[71]». وعليه، يعدّ الدين في تفكير الإصلاحيّ أوّل معلّم، وأرشد أستاذ، وأهدى قائد للأنفس إلى اكتساب العلوم والتوسّع في المعارف، وأرحم مؤدّب، وأبصر مروّض بطبع الأرواح على الآداب الحسنة، والخلائق الكريمة، ويقيمها على جادّة العدل، وينبّه فيها حاسّة الشفقة والرحمة، خصوصًا دين الإسلام، فهو الذي رفع أمّة كانت من أعرق الأمم في التوحّش والقسوة والخشونة، وسما بها إلى أرقى مراقي الحكمة والمدنيّة في أقرب مدّة[72]».

ثمّ إنّ السيّد جمال الدين يرى أنّ الدين أكسب عقول البشر ثلاث عقائد تعدّ من أركان وجود الأمم وازدهارها وبناء هيئتها الاجتماعيّة، وأساس محكم لمدنيّتها تدعو الشعوب إلى التقدّم والكمال ورقي السعادة:

العقيدة الأولى: التصديق بأنّ الإنسان ملك أرضيّ وهو أشرف المخلوقات، فإذا كان كذلك فإنّه سوف يترفّع عن الصفات البهيميّة، ويرقى بروحه إلى العالم العقليّ، وكلّما سما عقله أوفى على المدنيّة، وهي ترفع التقاطع بين بني البشر.
العقيدة الثانية: يقين كلّ ذي دين بأنّ أمّته أشرف الأمم، وكلّ مخالف له فعلى ضلال وباطل. وجرّاء ذلك ينهض أحاد الأمّة لمكاثرة الأمم في مفاخرها ومسابقتها في الفضائل، والتقدّم عليها في المزايا الإنسانيّة عقليّة كانت أم نفسيّة، وهو عندما يرى الفخر والشرف في أمّة أخرى، يسعى جاهدًا لينقلها إلى أمّته؛ إذ يرى أبناء قومه أليق وأجدر بكل ما يعدّ شرفًا إنسانيًّا، فهذه العقيدة أقوى دافع للأمم إلى التسابق لغايات المدنيّة.
العقيدة الثالثة: جزمه بأنّ الإنسان إنّما ورد في هذه الدنيا، لاستحصال الكمال والتهيّؤ للعروج إلى عالم أرفع من العالم الدنيويّ، ومن أُشربت هذه العقيدة قلبه ينساق لإضاءة عقله بالعلوم الحقّة والمعارف الصافية، كما أنّه ينفق ساعاته في تهذيب نفسه وتطهيرها من الرذائل[73]. ثم إنّه يرى أنّ الإسلام يحقّق السعادة البشريّة، وذلك أنّ سعادة البشر مرهونة بعدّة أمور والإسلام حقّقها بنحو أفضل وإليك بيانه:

1. صفاء العقول من الخرافات والأوهام، إذ إنّها تحول بين الإنسان وبين الواقع والحقيقة وتسبّب توقّف الحركة الفكريّة والتعقّل والرضى بالظنون والأوهام، أمّا الإسلام فإنّ ركنه الأوّل صقل العقول بصقال التوحيد وتطهيرها من لوث الأوهام، وإنّ الله تعالى بيده أزمة الأمور.
2. أن تكون الأمّة طامحة لبلوغ الشرف والكمال، وحينئذٍ يتسابق الأفراد لنيل الكمال والشرف، أمّا لو اعتقدوا بأنّ نصيبهم من الفطرة والخلقة نقص الاستعداد وخسّة المنزلة ولا سبيل لهم إلى الكمال، فلا ريب أن تسقط هممهم، أمّا الإسلام فقد فتح أبواب الشرف في وجوه الأنفس، وقرّر التفاضل على قاعدة الكمال العقليّ والفضائل المكتسبة.
3. ابتناء العقائد على البراهين القويّة والأدلّة الصحيحة دون التقليد، والإسلام ربّما يكون متفرّدًا بين باقي الأديان في توبيخ اتّباع الظنّ وتقليد الآباء والأجداد، بل يأخذ عليهم بالبحث والبرهان.

4. اختصاص طائفة من الأمم بتعليم الناس وتنوير عقولهم وتهذيب نفوسهم، وقد تبنّى الإسلام ذلك، ففي القرآن (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[74]، وكذلك قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[75].

لقد كثر الكلام بين المفكّرين حول أنّ الدين هل جاء لبناء الآخرة فقط، أم أنّه ينفع لسعادة الدنيا أيضًا، ومن هذه الفكرة المحوريّة تشعّبت الاتّجاهات والتيّارات، أمّا السيّد جمال الدين، فإنّه كغيره من المصلحين على مدى التاريخ، يرى أنّ الدين الإسلاميّ جاء لسعادة الدنيا والآخرة، إنّه يقول: «الدين الإسلاميّ لم تكن وجهته كوجهة سائر الأديان إلى الآخرة فقط، ولكن مع ذلك أتى بما فيه مصلحة العباد في دنياهم وما يكسبهم السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة، وهذا المعبّر عنه في الاصطلاح الشرعي بسعادة الدارين[76]». «فالدين هو السائق إلى السعادة في الدنيا كما يسوق إليها في الآخرة[77]» «ولو أمكن للناس أن يعملوا بها [أي تعاليم الدين] لتوفّرت لديهم السعادة وأنواع الخير، ولخفّ عنهم كثير من الويل والشرّ[78]».

في مقال نشره جمال الدين في مجلّته العروة الوثقى، يبحث عن أنجع السبل وأفضلها لإصلاح الأمم، حيث يرى بعض الناس أنّ أمراض الأمم تعالج بنشر الجرائد، وأنّها تتكفّل إنهاض الأمم وتنبيه الأفكار وتقويم الأخلاق، غير أنّ السيّد لم يرتض هذا الرأي، إذ لا يوجد قارئ للصحف والجرائد، ولو وُجد فقلّما نجد الفاهم، والفاهم قد يحمل ما يجده على غير المراد، على أنّ الأمّة الخاوية التي لا همّة لها كيف يمكن إنهاضها لتقرأ الجرائد وتستوعبها. وهناك فريق آخر زعم أنّ الخلاص من التخلّف يتمّ من خلال إنشاء مدارس عموميّة في كلّ بقعة ومكان، بشرط أن تكون على الطراز الأوروبيّ، حتّى تعمّ المعارف بين جميع أفراد الأمّة، وعند تعميم المعارف تكمل الأخلاق وتجتمع القوّة وتتّحد الكلمة. وهذا الرأي والظنّ غير مقبول عند السيّد أيضًا، ويسهب في نقده وبيان نواقصه، فهذا الأمر بحاجة إلى قوّة قاهرة ومال كثير يدعم المشروع، وهذان الأمران مفقودان، وإلّا لما سقطت الأمّة، وثانيًا هب لو تعلّم بعض الناس ذلك، فإنّ هذا لا ينفع الأمّة للبعد عن أسباب نشأة تلك العلوم، والوقوف على بيئتها وغاياتها، فحينئذٍ يكون هؤلاء القوم في الأمّة «كخلط غريب لا يزيد طبائعها إلّا فسادًا».

وثالثًا يذكر السيّد بعض الأمثلة لتشييد هكذا مدارس في مصر والدولة العثمانيّة، ويتساءل هل حلّت هذه المدارس مشاكل البلاد؟! نعم، تغيّرت بعض المظاهر في المآكل والملبس والمسكن، غير أنّها لم تكن إصلاحات حقيقيّة بل ظواهر ونقل حرفيّ وتقليد للغرب، «وما كان هذا إلّا لأنّ تلك العلوم وُضعت فيهم على غير أساسها، وفاجأتهم قبل أوانها، علّمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأنّ المقلّدين من كلّ أمّة المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ وكوى لتطرّق الأعداء إليها... بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلّدوهم، واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤمًا على أبناء أمّتهم، يذلّونهم ويحتقرون أمرهم ويستهينون بجميع أعمالهم وإن جلّت.. ويصير أولئك المقلّدون طلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهّدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب[79]».

ثمّ بعد هذا يرى السيّد أنّ السبيل الوحيد إنّما هو «دين قويم الأصول، محكم القواعد، شامل لأنواع الحكم، باعث على الألفة، داع إلى المحبّة، مزكٍّ للنفوس، مطهّر للقلوب من أدران الخسائس، منوّر للعقول بإشراق الحقّ من مطالع قضاياه، كافل لكلّ ما يحتاج إليه الإنسان من مباني في الاجتماعات البشريّة، وحافظ وجودها وينادي بمعتقده إلى جميع فروع المدنيّة»[80].

وأمّا دليل السيّد على مدّعاه، فهو أنّ الإسلام أنّ هذا الدين قد أوصل العرب إلى العلوّ والتقدّم على باقي الأمم، وتقهقر المسلمون بعدما تركوا تعاليمه، وليس لهم سبيل إلى الإصلاح إلّا بعد الرجوع إلى تلك التعاليم، «فعلاجها الناجع إنّما يكون برجوعها إلى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته... ومن طلب إصلاح أمّة -شأنها ما ذكرناه- بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططًا... ولا يزيد الأمّة إلّا نكسًا ولا يكسبها إلّا تعسًا»[81]. وفي مبحث آخر يعدّد السيّد جمال الدين أسباب صيانة حقوق الأمّة، وسوقها نحو الكمال والتقدّم، فيحصرها في أربعة أمور:

1- أن يدافع كلّ ذي حقّ عن حقّه بالسيف ليل نهار 2- الاعتماد على شرافة النفس وكرامتها 3- وجود حكومة قويّة 4- الدين ثمّ بعد هذا يقيس مدى صلاحيّة كلّ واحد منهما لإصلاح الأمّة، ثم يبيِّن أنّ لكلّ من هذه الأمور المذكورة وجهًا تطبيقيًّا يورده على النحو التالي:

الوجه الأوّل: مآلُه الفوضى، وسيلان الدماء في الشوارع، وتعدّي القوّي على الضعيف.

الوجه الثاني: وهو ما لا يمكن تحديده بالضبط عند الأمم المختلفة، فهناك بعض الأمور تعدّ دنيئة عند بعض الأمم وعند بعضها الآخر شريفة وكذا العكس، كما أنّ الطبقات العليا ربّما ترى الشرافة بما يناسبها ويخدمها في تأمين حقوقها؛ لذا تقوم بالتعدّي والإجحاف على الضعفاء، وهي ربّما تنفع أيضًا في تعديل الأمور ظاهريًّا، غير أنّها لا تمنع التعدّيات الباطنيّة والخيانات المخفيّة؛ لأنّها توافق الأهواء والشهوات، ومن جهة ثانية حصول تزلّف الضعفاء أمام الأقوياء، وكثرة النفاق والرياء.

الوجه الثالث: فإنّ الحكومة تتمكّن من إصلاح الظاهر، أمّا الأمور الخفية والباطنيّة والدسائس والأهواء والشهوات فلا سبيل للحكومة القويّة إلى إصلاحها، مضافًا إلى أنّ الحاكم وطبقته ربّما يغرقون هم أنفسهم في الشهوات فيكونوا أساس الداء.

أمّا الوجه الرابع، فهو الدين أي «الإيمان بأنّ للعالم صانعًا عليمًا قديرًا، والاعتقاد بأنّ للخير والشر جزاء في عالم آخر، وهذان الاعتقادان هما من أفضل الطرق لكبح الشهوات ورفع التعدّيات الظاهريّة والباطنيّة، وأقوى ركن لدحض الحيل والتدليس والتزوير، وأفضل ركن لإحقاق الحقوق وتحقيق الأمان والرفاهيّة التامّة، ومن دونهما لا تتحقّق الهيئة الاجتماعيّة، وتلبس المدنيّة لباس الوجود، ولا تستقيم المعاملات والمعاشرات[82]».

ومن المعلوم أنّ السيّد جمال الدين هو من دعاة الرابطة الدينيّة والعصبيّة الدينيّة والعقديّة، وعليه نراه يدحض التعصّب الدينيّ الذي يعيق كلّ مسعى نهضويّ وإصلاحيّ في الأمّة، حيث التقدّم والإصلاح حول التعصّب الدينيّ ويقول: «التعصّب يراد منه النعرة على الجنس، التي مرجعها رابطة النسب والاجتماع في منبت واحد، وقد توسّع أهل العرف فيه، فأطلقوا على قيام الملتحمين بصلة الدين لمناصرة بعضهم بعضًا[83]».

والتعصّب الدينيّ حسب السيّد جمال الدين من مفاعيله أنّه «يطمس رسوم الاختلاف بين أشخاص وآحاد متعدّدة، ويصل فيما بينهم في المقاصد والعزائم والأعمال، وكذلك يمحو أثر المنابذة والمنافرة بين القبائل والعشائر، بل الأجناس المتخالفة في المنابت واللغات والعادات، بل المتباعدة في الصور والأشكال، ويحوّل أهواءها المتضاربة إلى قصد واحد، وهو تأصيل المجد والشرف، وتخليد الذكر تحت الاسم الجامع لها[84]». ربّما يحصل غلوّ في التعصّب الدينيّ، فتؤول الأمور الى الظلم والتعدّي على باقي الأديان، غير أنّ هذا عند السيّد جمال الدين غير أصيل، ويلزم أن ترجع الأمور إلى نصابها؛ لأنّه يخالف أصول الدين[85]. ونظرًا إلى خطورة التعصّب الدينيّ في عمليّة الإصلاح، بات منفورًا لدى الغرب، لأنّ لهم مطامع في العالم الإسلاميّ لا يصلون إليها إلّا بتمزيق العالم الإسلاميّ شيعًا وأحزابًا، وبإماتة روح العصبيّة الدينيّة[86]. وقد تأثّر المتغربنون بهم وقاموا بمحاربة العصبيّة الدينيّة تقليدًا للغرب[87]. ويبدي السيد استغرابه من أنّ بعضًا من سذّج المسلمين... يسفكون الكلام في ذمّ التعصّب الدينيّ، ويهجرون في رمي المتعصّبين بالخشونة والبعد عن معدّات المدنيّة الحاضرة، ولا يعلم أولئك المسلمون أنّهم بهذا يشقّون عصاهم، ويفسدون شأنهم، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المارقين، يطلبون محو التعصّب المعتدل، وفي محوه محو الملّة ودفعها إلى أيدي الأجانب[88]». والأدهى من كلّ ذلك في المقابل أنّ من النخب الغربيّة من يمقت التعصّب الإسلاميّ في حين أنّ «الإفرنج أشدّ النّاس في هذا النوع من التعصّب، وأحرصهم على القيام بدواعيه، ومن القواعد الأساسيّة في حكوماتهم السياسيّة الدفاع عن دعاة الدين والقائمين بنشره، ومساعدتهم على نجاح أعمالهم... وتراهم على اختلافهم في الأجناس، وتباغضهم وتحاقدهم وتنابذهم في السياسات، وترقّب كلّ دولة منهم لعثرة الأخرى حتّى توقع بها السوء، يتقاربون ويتآلفون ويتّحدون في توجيه قواهم الحربيّة والسياسيّة لحماية من يشاكلهم في الدين، وإن كان في أقصى قاصية من الأرض، ولو تقطّعت بينه وبينهم الأنساب الجنسيّة[89]».

بعد هذا نرى أنّ السيّد جمال الدين يدعو إلى التمسّك بالقرآن: «ألا يا أهل القرآن لستم على شيء حتّى تقيموا القرآن، وتعملوا بها فيه من الأوامر والنواهي، وتتخذوه إمامًا لكم في جميع أعمالكم[90]». وعند تطبيق القرآن وتلاوته حقّ تلاوته يمكن أن ترجع الأمّة من تخلّفها وتحيي مجدها السابق [91]،كما يرى أنّ القرآن هو القانون الصحيح الموجود بين ظهراني الأمّة[92]. وفي سياق مساجلاته مع الفكر الاشتراكيّ الغربيّ يدعو إلى ما يسميه «الاشتراكيّة الإسلاميّة في مقابل الاشتراكيّة الغربيّة التي هي محض الضرر[93]. «أمّا الاشتراكيّة في الإسلام، فهي خير كافل لجعلها نافعة مفيدة، ممكن الأخذ بها، لأنّ الكتاب الدينيّ وهو القرآن أشار إليها بأدلّة كثيرة»[94]. ويذكر من تلك الأدلّة إشراك غير المحاربين في الغنائم، الإيثار للغير ولو كان بهم خصاصة، عقد الأخوة الإيمائيّة بين المهاجرين والأنصار، وكذلك الحثّ على التصدّق ومواساة الآخرين، ثمّ يقول: «هذا مختصر ما عمل به الدين الإسلاميّ من الاشتراكيّة المعقولة النافعة للمجموع الإنسانيّ، وكلّ اشتراكيّة تخالف في روحها وأساساتها اشتراكيّة الإسلام، فلا تكون بنتيجتها إلّا ملحمة كبرى وسيل الدماء... أكرّر القول إنّ اشتراكيّة الإسلام عين الحقّ، والحقّ أحقّ أن يُتّبَع»[95].

ويظهر من طيّات كلمات السيّد، وبعض خطبه أنّه من دعاة التجديد في الاجتهاد والفهم الدينيّ، ولم يبيّن معالم هذا التجديد بشكل واضح كي نحكم عليه ونصنّفه ضمن التيّارات المختلفة في تعاملها مع الدين والشريعة، وعلى سبيل المثال نراه يقول: «بلى، نحتاج إلى عمل جديد نربّي به جيلًا جديدًا بعلم صحيح وفهم جديد لحقيقة معنى السلطان الأوّل على الأجساد والأرواح وهو الدين[96]». أمّا في مقام الاعتراض على انسداد باب الاجتهاد والاكتفاء بتقليد السلف والدعوة إلى الاجتهاد. فسنجده يسعى جاهدًا إلى توسيع آفاق فهم[القرآن والحديث] والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصريّة وشروط الزمان وأحكامه، وبما لا ينافي جوهر النصّ»[97].

وفي نصّ آخر ينتصر فيه للتأويل مشيرًا إلى أنّ مبدأ انحطاط الإسلام بدأت وقائعه منذ عهد السلطان سليمان القانونيّ، وخصوصًا لجهة تصميمه على عدم تأويل السنّة بما يوافق مواقع الإسلام حوال في أوقاتها، مع أنّه سئل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): فيما نقول في المستقبل، أنتّبع نصّ القرآن أم نتّبع ما فسّر به القرآن والأحاديث؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): شهادة الرجل خير من شهادة عشرة من الأموات. فيفهم من ذلك أنّ شريعة الإسلام كالثوب المرن تقبل التمدّد والتشكّل بأشكال التمدّن والتقدّم، بخلاف دين النصرانيّة لتحكّم النفس وتشديدهم، وعدم الإباحة في التأويل، فبقيت غير منتجة»[98].

وهذه الكلمات كما نرى هي ذات حدّين؛ إذ لا يمكن أن نحكم على قائلها بأنّه من أنصار علمنة الدين والشريعة، كما يذهب إليه اليوم علمانيّو العالم الإسلاميّ، من خلال دعوى مواكبة الدين مع التقدّم والحداثة، وذلك أنّ هذه المباحث لم تتبلور بشكل جيّد آنذاك، والدعوة إلى التجدّد حينذاك تختلف عنها في عصرنا الراهن، إذ المصلحون في عصر النهضة الأولى كانوا يعانون من حركات سلفيّة قويّة، ومن سدّ باب الاجتهاد والتوقّف على ما قاله الأئمّة الأربعة في الفقه السنّي؛ لذا نرى أنّ السيّد يكسر هذا الحاجز عن طريق التمسّك بالقياس الحنفيّ تارة، وبفتح باب الاجتهاد أخرى، وبالتأويل للتخلّص من بعض الفتاوى الجامدة التي حكمت بحرمة كثير من مظاهر العصر الراهن بتبرير أنّها لم تكن في صدر الإسلام تارة ثالثة، غير أنّ الاجتهاد الحقيقيّ ينفي حكم الحرمة ويقول بالإباحة.

2. الفقهاء:

يولي السيّد جمال الدين أهمّيّة كبرى للعلماء والفقهاء باعتبارهم خَزنَة الدين وحماتُه وحرّاسه، وكان يحاول جهد إمكانه استنهاض العلماء للقيام بواجبهم تجاه إصلاح شأن الأمّة، كما كان ينصب اهتمامه في البعد السياسيّ وتدخّل العلماء لإصلاح شأن السلطة، وسوف نشير إليه. ولأهمّيّة دورهم النهضويّ والإحيائيّ يصف العلماء بأنّهم: «حملة القرآن، وحفَظَة الإيمان، ظهراء الدين المتين، ونصراء الشرع المبين، جنود الله الغالبة في العالم، وحججه الدامغة لضلال الأمم[99]». وأنّهم: «أنتم نصراء الله في الأرض، ...أنتم جميعًا يد واحدة يذود بها الله عن صياصي دينه الحصينة، ويذبّ بقوّتها القاهرة جنود الشرك وأعوان الزندقة[100]». «وحماة الدين، وقادة المؤمنين، حزب الله في العالم، وجنوده الغالبة على الأمم، نصر الله بهم الإسلام، وخذل بعزائمهم أعداءه الطغام[101]». فالعالم عند السيّد جمال الدين نائب الإمام المعصوم، وقد كتب في رسالة إلى الميرزا الشيرازيّ: «إنّ الله اختصك بنيابة إمام الزمان، واختارك من بين الطائفة الشيعيّة، وأوكل إليك زمام الأمّة وحفظ حقوقها عن طريق الرئاسة الدينيّة»[102]، ثمّ إنّ وظيفة العلماء الحائزين لهذه الأوصاف، القيام بأمر الإرشاد والوعظ كي يستقرّ الدين في نفوس الناس: «لن يتمّ أثر الدين في نفوس الآخذين به، فيصيبوا حظًّا وافرًا ممّا يرشد إليه، فيتمتّعوا بحياة طيّبة وعيشة راضية، إلّا إذا قام رؤساء الدين وحملته وحفظته بأداء وظائفهم من تبيين أوامره ونواهيه، وتثبيتها في العقول، ودعوة الناس إلى العمل بها، وتنبيه الغافلين عن رعايتها، وتذكير الساهين عن هديها[103]». أمّا إذا لم يعمل العلماء بوظائفهم، فسوف تتغيّر الأمور ويتفشّى الجهل والفساد وتحكم الأهواء والشهوات، وهي أمور تدعو كلّها إلى خراب الأمم.

ومن وجهٍ آخر يرى أنّ العلماء إذا قصّروا في أداء مهامهم، وضعفت سلطتهم الدينيّة والروحيّة، لتمكّن الغرب من النفوذ والتسلّط على مقدرات البلاد، إذ كلّما ضعفت قوّة العلماء في دولة من الدول الإسلاميّة، وثبت عليها طائفة من الإفرنج، ومحت اسمها وطمست رسمها[104]». ثمّ يستشهد بحال الهند، حيث ركنت تحت حكم الاستعمار بعدما أذلّ أمراء الهند العلماء، أمّا الأفغانيّون فإنّهم صانوا بلادهم ببركة متابعة العلماء وقوّتهم في تلك الديار، وفي إيران يحاول الغرب بمعونة الشاه تضعيف العلماء للسيطرة على البلاد[105]؛ لذا كان جمال الدين يحاول استنهاض علماء إيران لخلع الشاه، إذ إنّهم حفظة الدين ولهم الحقّ في خلعه، وإنّ النّاس سوف تتابعهم وتذعن إلى أحكامهم، وقد جُبل في نفوسهم «إنّ الراد على العلماء راد على الله[106]». وقد أكّد السيّد في كثير من مراسلاته للعلماء على خلع شاه إيران، كما أكّد لهم أيضًا ضرورة عدم حصول فوضى في البلاد؛ لأنّ الناس كبيرهم وصغيرهم يذعنون لحكم العلماء، وبإمكانهم تولية شخص أمين للقيام بأعباء الأمّة[107].

3. الوحدة:

لقد قضى السيّد جمال الدين عمره داعيًا لتحقيق وحدة العالم الإسلاميّ، وبثّ روح الإخاء بين أبناء المجتمع الواحد أو الدين الواحد للوقوف أمام المخاطر ومطامع الأعداء، وكان يرى أنّ «الإلهام الإلهيّ، والإحساس النظريّ، والتعليم الشرعيّ[108]». يدعو إلى التئام الأفراد والتحام الآحاد، حتّى «إنّ العقلاء في كثير من أصقاعه يتفكّرون في جعل القوى المتفرّقة قوّة واحدة يمكن لها القيام بحقوق الكلّ[109]». وكان يرى «أنّ الاتّفاق والتضافر على تعزيز الولاية الإسلاميّة من أشدّ أركان الديانة المحمّديّة، والاعتقاد به من أوّليّات العقائد عند المسلمين[110]».

«وإذا أحسست من أمّة ميلًا إلى الوحدة، فبشرها بما أعدّ الله لها في مكنون غيبه من السيادة العليا، والسلطة على متفرّقة الأمم، إذا تصفّنا تاريخ كلّ جنس واستقرأنا أحوال الشعوب في وجودها وفناها، وجدنا سنّة الله في الجمعيّات البشريّة، حظّها من الوجود على مقدار حظّها من الوحدة... وما أهْلَكَ الله قبيلًا إلّا بعدما رزئوا بالافتراق، وابتلوا بالشقاق، فأورثهم ذلًّا طويلًا وعذابًا وبيلًا، ثمّ فناء سرمديًّا[111]».

ومن طريفِ ما يذكره السيّد جمال الدين أنّه يصف حاله في مقام التعّرف على داء الشرق ويصرِّح بأنّه خصّصت جهاز دماغه لتشخيص دائه، وتحرّي دوائه، «فوجدت أقتل أدواءه وما يعترض في سبيل توحيد الكلمة فيه، داء انقسام أهليه وتشتّت آرائهم، واختلافهم على الاتّحاد واتّحادهم على الاختلاف، فقد اتّفقوا على أن لا يتّفقوا، ولا تقوم على هذا القوم قائمة[112]».

والدعوة إلى الاتّحاد ونبذ الافتراق لم تكن دعوة شخصيّة أطلقها السيّد لتحسين حال المجتمع الإسلاميّ، بل هي دعوة تضرب بجذورها في عمق الدين؛ لذا يخصّص السيّد مبحثًا في العروة الوثقى للبحث عن الأدلّة القرآنيّة والروائيّة الداعمة للاتّحاد، كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[113]، وكقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)[114]، وكقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا»، وكقوله أيضًا: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا[115]»؛ ذلك بأن «كلّ هذه الرزايا التي حطّت بأقطارنا، ووضعت من أقدارنا، ما كان قاذفنا ببلائها، ورامينا بسهامها إلّا افتراقُنا وتدابرُنا[116]». ومضافًا إلى الوحدة الاجتماعيّة، كان السيّد جمال الدين يدعو إلى التقريب بين المذاهب، فتكلّم عن الفرقة بين السنّة والشيعة، ودور بعض السلاطين لإلقاء الخلاف بين المسلمين وإراقة الدماء، وندّد بذلك ونهى عنه[117].

كما أنّه كان يدعو أرباب الأديان السماويّة الثلاثة: الموسويّة والعيسويّة والمحمّدية إلى الاتّحاد، ويرى أنّهم «على تمام الاتّفاق في المبدأ والغاية، وإذا نقص في الواحدة شيء من أوامر الخير المطلق استكملته الثانية[118]».

فبعد الدعوة الاجتماعيّة والدينيّة والمذهبيّة للاتّحاد، يتّجه السيّد جمال الدين للدعوة نحو الاتّحاد السياسيّ، فيدعو زعماء الدول للاتّحاد ونبذ الخلاف، وقد خصّص بحثًا في مجلّة العروة الوثقى وعنونه بـ «دعوة الفرس إلى الاتّحاد مع الأفغان» وبيّن فيه محاسن هذا الاتّحاد، وحاول ترغيب كلّ واحد منهما ليبادر إلى الإقدام، فيذكر دور ايران في الإسلام ودور علمائها في الفقه والحديث والتاريخ، كما يشيد بالأفغان، وأخيرًا يستشهد بالغرب ويذكر حالة الألمان وما آل إليها من الضعف بسبب اختلاف ديانتها مع باقي الدول الغربيّة، ثمّ لما رجعت وامتدت معهم قوي أمرها وذاع صيتها»[119].

4. الإصلاح السياسيّ:

لقد خاض السيّد جمال الدين غمار السياسة إلى أبعد حدودها وآفاقها، فدخل سلك الوزراء والمستشارين الكبار في مختلف الدول الإسلاميّة، وعرف نقاط الضعف والخلل، لذا كان يولي اهتمامًا بالغًا بإصلاح الشأن السياسيّ.

كان يرى أنّ الوضع السياسيّ تشوبه عدّة أمور أهمّها ما يلي:

أوّلًا: الحاكم المستبدّ: وقد أشار إلى موضوع الاستبداد في كثير من كتبه ورسائله، ذكر في مجلّة العروة الوثقى تحت عنوان: الأمّة وسلطة الحاكم المستبدّ «إنّ الأمّة التي ليس لها في شؤونها حلّ ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العموميّة، وإنّما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فتلك أمّة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير، فتعتورها السعادة والشقاء، ويتداولها العلم والجهل... وكلّ ما يعرض عليها من هذه الأحوال خيرها وشرّها، فهو تابع لحال الحاكم...»[120].

ثانيًا: دور الأجانب في خراب البلاد: وقد حارب السيّد جمال الدين هذا الأمر كثيرًا أيضًا، وأشار إلى ما يتركه تدخّل الأجنبيّ في مقدّرات البلاد من الخراب، وعلى سبيل المثال يذكر ما قام به المترجمون الأجانب في البلاط العثمانيّ من تحكّم وخراب[121]، وهكذا فإنّه يصف دور الأجانب في البلاد بأنّهم أولئك الذين لا يتّصلون بصحاب الملك في جنس ولا في دين تقوم رابطته مقام الجنس، فمثلهم في الدولة كمثل الأجير في بناء بيت لا يهمّه إلّا استيفاء أجرته، ثمّ لا يبالي أسلم البيت أو جرفه السيل أو دكّته الزلازل»[122]. يضيف: إنّ الدول ما كانت مصونة إلّا برجال منها، وأنّها «ما انخفض مكانها، ولا سقطت في هوّة الانحطاط إلّا عند دخول العنصر الأجنبيّ فيها، وارتقاء الغرباء إلى الوظائف السامية في أعمالها، فإنّ ذلك كان في كلّ دولة آية الخراب والدمار»[123]. والسبب في ذلك أنّ هؤلاء وإن صدقوا وراعوا الأمانة، غير أنّهم يخدمون مقاصد دولهم ويمهّدون لها طرق الولاية والسيادة[124].

أمّا بخصوص نظام الحكم، فيدعو السيّد إلى الحكومة الشورويّة، كما صرّح بذلك في خطبةٍ خطبها بالإسكندريّة[125]، وذلك عندما طلبه شاه إيران ليستفيد منه في أمر إصلاح البلاد، فقام جمال الدين بسنّ (حكومة ملكيّة شورويّة) وإن رفض الشاه ذلك المخطّط لتحديد قدرته[126]. وكان يرى جمال الدين أنّ الإسلام أوّل من عمل بالحكم الشورويّ كما ورد في القرآن: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)[127].

ثمّ إنّ السيّد ينفي الحكومة المطلقة[128] ويرى أنّ أسهل طريقة للعالم الإسلاميّ إنّما هي تغيير شكل الحكم المطلق بالشكل النيابيّ الشورويّ، فيحفظ حقّ الملك وحقّ الشعب في الاستشارة والمشاركة في الحكومة، «فيكون للمُلك الدستوريّ عظمة التملّك[129]».

وفي سياق بيان موقفه السلبيّ من الحكومات المطلقة يبيِّن محاسن الحكومة الجمهوريّة، ويتحسّر أنّ الشرقيّ لا يتمكّن من تبيين حقيقتها ومزاياها وسعادة ذويها الفائزين بها، وإنّ المسوسين بها أعلى شأنًا وأرفع مكانة من سائر أفراد الإنسان، بل هم الذين يليق بهم أن يدخلوا تحت هذا الاسم دون من عداهم، فإنّ الإنسان الحقيقيّ هو الذي لا يحكم عليه إلّا القانون الحقّ المؤسّس على دعائم العدل[130]. ومع هذا فإنّه يدعو إلى حكومة رحيمة عالمة متنطّسة أي خبيرة تعتمد على النخب، وهذه الحكومة وإن لم تخرج عن نطاق الاستبداد بزعم جمال الدين، غير أنّها تعتمد على الخبراء وتستفيد من آرائهم، بيان ذلك:

لقد قسّم جمال الدين الحكومة الاستبداديّة باعتبار عناصرها الذاتيّة وأقانيمها الحقيقيّة (أي السلطان والوزراء والكادر الإداريّ) إلى ثلاثة أقسام:

ـ القسم الأوّل: الحكومة القاسية التي تشبه قطّاع الطريق، تنزع من الناس كلّ ما لديهم.

ـ القسم الثاني: الحكومة الظالمة التي تجعل الناس كالعبيد لها تسومهم أنواع العذاب والبلاء.

ـ القسم الثالث: الحكومة الرحيمة، وهي تنقسم إلى حكومة رحيمة جاهلة، وحالها حال الأب الرحيم الجاهل، وإلى حكومة رحيمة عالمة، والعالمة هذه تنقسم أيضًا إلى قسمين حكومة رحيمة عالمة أفينة وهي كالأب العالم المأفون وناقص العقل، وإلى حكومة رحيمة عالمة متنطسّة، يكون أساطينها الحكماء، تضارع الأب المتدبر المتبصّر[131]، ثمّ يقول بعد هذا السرد والوصف: «فهاك يا أيّها الإنسان الشرقيّ صاحب الأمر والنهي حكومة رحيمة حكيمة، وعليك بها والقيام بشأنها وحفظ واجباتها»[132].

5. العلم:

يُعدّ العلم من الأركان الأساسيّة في تقدّم الأمم، وقد حثّ الإسلام أيضًا على طلب العلم كثيرًا؛ ولذا نرى أنّ السيّد جمال الدين يهتمّ بهذا الجانب أيضًا في مشروعه الإصلاحيّ، ويجعل العلم هو الطريق للخلاص من التخلّف والظلم والاضطهاد[133] ويقول: «لا يوجد أيّ عمل من أعمال الإنسان أشرف وأقوى من إعمال الفكر في طرق السعادة، واستعمال النظر في دقائق العلوم الحقّة والمعارف الصادقة»[134]. كما أنّ «جميع الترقيات الحاصلة في أوروبا إنّما كانت بسبب العلم»[135].

إنّ الدول الإسلاميّة فيما مضى غلبت الحكومات النصرانيّة بالعلم، أمّا اليوم فإنّهم يغلبوننا بالعلم[136] وهذا في حين أنّ الدول الإسلاميّة هي التي كانت رائدة في العلم وملهمة للغرب[137]. ويتأسّف جمال الدين ويتمنّى أنّ المبالغ التي تصرفها الحكومات الإسلاميّة لشراء السلاح والعتاد تُصرف لطلب العلم[138]، كما أنّه ينتقد بعض مسلمي الهند الذين دعاهم التعصّب الدينيّ لترك اقتباس العلوم الغربيّة بشكل مطلق[139].

صحيح أنّ السيّد جمال الدين من دعاة العلم، غير أنّه يرى ما أنتجه العلم في الغرب من تقدّم وازدهار من جهة، ومن دمار وحروب من جهة ثانية؛ لذا يقوم بتأسيس أساس يحاكم على ضوئه العلم ويقيّده به، فليس العلم بمفرده حسن إلّا إذا اقترن بشيء، يقول السيّد بهذا الصدد: «لا تقدّر المكتسبات العلميّة إلّا بنسبة ما ترتب على ذلك من الفائدة[140]».

والفائدة التي يبحث عنها ليست الفائدة الماديّة الصرفة، بل «إنّ العلم الصحيح الذي للآدميّ أن يصل إليه، هو العلم الذي به ينتهي الإنسان عن الفساد في الأرض وسفك الدماء[141]». أمّا ما وصل إليه الغرب من «الرقيّ والعلم والتمدّن على ذلك النحو وفي تلك النتيجة، إنْ هو إلّا جهل محض وهمجيّة صرفة وغاية التوحّش. وعندي أنّ الإنسان اليوم هو أحطّ درجة من إنسان عصر الجاهليّة حتّى، ومن الحيوان الناهق، ... لعدم استفادته من حقيقة العلم أو العلم الحقيقيّ... إذن فالإنسان في مدنيّته الحاضرة وفي مكتسباته العلميّة والأدبيّة والعمليّة، وفي بذل ثمرات سعيه في سبيل الحروب، أو استثمار ثروته منها وفي مرضاة موقدها... أحطّ منها [أي من الحيوانات] وليس ثمّة مدنيّة ولا علم، بل جهل وتوحّش»[142].

ويوجد أمر آخر في غاية الأهمّيّة يشير إليه السيّد، وهو الاكتفاء بنقل العلوم الغربيّة من دون وجود أرضيّة لها، فحينئذٍ لمّا دخلت هذه العلوم تغيّرت ظواهر الحياة وشكل المدن والمأكل والملبس، وتضرّرت الصناعة المحلّيّة ، وعادات الأمّة وتقاليدها في الوقت نفسه[143]، والسبب في ذلك أنّ «تلك العلوم وضعت فيهم على غير أساسها، وفاجأتهم قبل أوانها[144]» فأصبحوا بذلك (نقلة وحملة)[145] وأبوابًا لتدخّل الأجنبي من خلالهم[146].

6. اكتساب الفضائل:
العامل الأخير الذي نشير إليه هنا من عوامل الإصلاح في العالم الإسلاميّ، هو موضوع اكتساب الفضائل، فالأمّة التي تبحث عن الفضائل وتتحلّى بها لا يمكن أن تبقى متخلّفة ومنحطّة، ويشير السيّد جمال الدين إلى هذا الأمر ويقول: «الفضائل سجايا للنفس من مقتضاها التأليف والتوفيق بين المتّصفين بها[147]» ويقول بعدما يشير إلى مجموعة من الفضائل كالتعقّل والتروّي والعفّة والسخاء والقناعة والتواضع وغيرها: «ألا ترى لو عمّت هذه الصفات الجليلة أمّة من الأمم، أو غلبت في أفرادها، أيكون بينها سوى الاتّحاد والالتئام التامّ؟ هل يوجد مثار للخلاف والتنافر بين عاقلين حرّين صادقين وفيّين كريمين شجاعين رفيقين صابرين حليمين متواضعين وقورين عفيفين رحيمين؟ أمّا والله، لو نفخت نسمة من أرواح هذه الفضائل على أرض قوم وكانت مواتًا لأحيتها... وإنّ أولى الأمم بأن تبلغ الكمال في هذه السجايا الشريفة أمّة قال نبيّهم: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق[148]».

*     *    *

وبهذا المقدار ننهي رحلتنا مع مشروع السيّد جمال الدين الحسينيّ الإصلاحيّ، ومشروعه هذا وإن لم يؤت ثماره في وقته؛ ربّما لأسباب ذاتيّة، أو لعدم تهيئة الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة آنذاك. ومهما يكن من أمر فقد استطاع أن يشكل مناخًا ثقافيًّا ومعرفيًّا محوريًّا في الكفاح ضدّ المستعمر وفي تفعيل الفكر الإصلاحيّ والدعوة إليه وإعادة روح الدين لتتفاعل بين نخب ومفكّري العالم الإسلاميّ.

--------------------------------------------------
[1]- باحث في الفكر الإسلاميّ ـ العراق.
مرجع الدراسة: كتاب: «العروة الوثقى».
المؤلّف: السيّد جمال الدين الحسينيّ الأفغانيّ والشيخ الإمام محمّد عبده.
إعداد وتقديم: سيد هادي خسروشاهي.
مكتبة الشروق الدوليّة- الطبعة الأولى- القاهرة. – تاريخ النشر» 1423 هـ - 2002م.
[2]- مجموعة الآثار 8: 51.
[3]- 6: 180.
[4]- مجموعة الآثار: 3: 101.
[5]- 1: 121.
[6]- 1: 140-147.
[7]-مجموعة الآثار: 1: 140-142.
[8]-م.ن، 1: 142.
[9]- سورة آل عمران، الآية 173.
[10]- مجموعة الآثار: 1: 144.
[11]- م.ن، 3: 51.
[12]- مجموعة الآثار: 6: 249.
[13]-م.ن، 6: 207.
[14]- م.ن، 6: 251-252.
[15]- م.ن، 6: 253.
[16]- م.ن، 6: 241.
[17]- مجموعة الآثار: 6: 241.
[18]-م.ن، 1: 151-152.
[19]-  مجموعة الآثار: سورة هود، الآية 102.
[20]- 1: 152-153.
[21]- 1: 172.
[22]- سورة يوسف، الآية 87.
[23]- سورة الحجر، الآية 56، 1: 172-174.
[24]- مجموعة الآثار: 1: 217.
[25]- 1: 218.
[26]- 1: 222.
[27]- مجموعة الآثار: 1: 224.
[28]- م.ن، 1: 224-225.
[29]- م.ن، 1: 225.
[30]- م.ن،  1: 124.
[31]- 1: 125.
[32]- 6: 242.
[33]- م.ن، 1: 147.
[34]- م.ن، 1: 179.
[35]- م.ن، 3: 101.
[36]- م.ن، 3: 102.
[37]- م.ن، 1: 191.
[38]- م.ن، 6: 343.
[39]-مجموعة الآثار، 6: 184
[40]- م.ن، 6: 343-344.
[41]- م.ن، 1: 147.
[42]- م.ن، 6: 244.
[43]- م.ن، 6: 245.
[44]- مجموعة الآثار: 6: 244.
[45]- م.ن، 1: 390.
[46]- م.ن، 1: 431.
[47]- م.ن، 1: 431-432.
[48]- م.ن، 1: 136-137.
[49]- م.ن، 1: 138.
[50]- م.ن، 6: 118.
[51]- مجموعة الآثار: 6: 118.
[52]- م.ن، 6: 117.
[53]- م.ن، 6: 123-124.
[54]-مجموعة الآثار: 1: 393.
[55]- م.ن، 1: 423.
[56]- م.ن، 1: 219.
[57]- م.ن، 1: 293.
[58]- م.ن، 1: 293.
[59]- م.ن، 1: 407.
[60]- م.ن، 1: 317.
[61]- م.ن، 1: 315.
[62]- م.ن، 1: 329.
[63]- مجموعة الآثار: 1: 463-464.
[64]- م.ن، 1: 423.
[65]- م.ن، 1: 293، 329؛ 5: 197-198.
[66]- م.ن، 3: 70.
[67]- م.ن،: 1: 296.
[68]- م.ن، 6: 256-257.
[69]- م.ن، 1: 137، 432.
[70]- م.ن، 6: 121.
[71]- مجموعة الآثار: 1: 117.
[72]- م.ن، 1: 134.
[73]-م.ن، 2: 146-150.
[74]- سورة آل عمران، الآية 104.
[75]- سورة التوبة، الآية 122، 2: 190-196.
[76]- مجموعة الآثار: 1: 106.
[77]- م.ن، 1: 154.
[78]- م.ن، 6: 137.
[79]- مجموعة الآثار: 1: 112-113.
[80]- مجموعة الآثار: 1: 109-114؛ 6: 260 فما بعد.
[81]- م.ن، 1: 114-115.
[82]- مجموعة الآثار: 9: 95-99.
[83]- م.ن، 1: 133.
[84]- م.ن، 1: 134.
[85]- م.ن، 1: 135.
[86]- م.ن،  1: 136.
[87]- م.ن، 1: 133.
[88]- م.ن، 1: 137-138؛ وأيضًا 1: 131.
[89]- مجموعة الآثار: 1: 138.
[90]- م.ن، 1: 215.
[91]- م.ن، 1: 121.
[92]- م.ن، 5: 104.
[93]- م.ن، 6: 160.
[94]- م.ن، 6: 162.
[95]- م.ن، 6: 169.
[96]- 6 مجموعة الآثار: 120.
[97]- م.ن، 6: 151.
[98]-م.ن، 3: 51.
[99]- مجموعة الآثار: 4: 103.
[100]- م.ن، 4: 105.
[101]- م.ن، 4: 190.
[102]- م.ن، 8: 61.
[103]- م.ن، 1: 154.
[104]- م.ن، 4: 104.
[105]- م.ن، 4: 104.
[106]- م.ن، 4: 106.
[107]- مجموعة الآثار: 4: 193.
[108]- م.ن، 1: 96.
[109]- م.ن، 1: 97.
[110]- م.ن، 1: 160.
[111]- م.ن، 1: 163؛ ونحوه 3: 141.
[112]- م.ن، 6: 77.
[113]- سورة الحجرات، الآية 10.
[114]- سورة آل عمران، الآية 105.
[115]- مجموعة الآثار: 1: 163-168.
[116]- م.ن، 1: 166.
[117]- م.ن، 6: 152-153.
[118]- م.ن، 6: 76.
[119]- م.ن، 1: 191-196.
[120]- مجموعة الآثار: 1: 191.
[121]-م.ن، 6: 204.
[122]-م.ن، 1: 178.
[123]- م.ن، 1: 179.
[124]- م.ن، 1: 178.
[125]-م.ن، 3: 103.
[126]- م.ن، 6: 55.
[127]- سورة الشورى، الآية 38،  6: 59.
[128]- مجموعة الآثار: 8: 153.
[129]-م.ن، 6: 83.
[130]-م.ن، 3: 57-58.
[131]- م.ن، 3: 58-62.
[132]-م.ن، 3: 65.
[133]- مجموعة الآثار: 8: 103، 9: 125.
[134]-م.ن، 9: 123.
[135]- م.ن، 8: 99.
[136]- م.ن، 6: 185.
[137]- م.ن، 1: 158، 5: 104، 6: 143.
[138]-م.ن، 3: 52.
[139]- م.ن، 9: 151.
[140]- م.ن، 6: 129.
[141]-م.ن، 6: 132.
[142]- مجموعة الآثار: 6: 130-131.
[143]- م.ن، 1: 110-113.
[144]- م.ن، 1: 112.
[145]- م.ن، 1: 111.
[146]- م.ن، 1: 113.
[147]- م.ن، 1: 149.
[148]- مجموعة الآثار: 1: 151-152.