الباحث : سامر توفيق عجمي
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 35
السنة : صيف 2024م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : October / 21 / 2024
عدد زيارات البحث : 5177
الملخّص
التربية، من المفردات التي يكرِّر الإنسان استخدامها في معجمه اللغويّ اليوميّ، دون أن يلتفت إلى التساؤل: ما هي التربية؟ لعلّ ذلك ظنًّا منه أنّ مفهومها واضح في الذهن، فلا تحتاج إلى تعريف، إلّا أنّه عند التفتيش، نلاحظ أنّ مفردة "التربية" ليست بتلك المنزلة من الوضوح والجلاء بنحو تستغني فيه عن التحديد والترسيم، وخير شاهد على ذلك، أنّ تحليل مفهومها يقارب عشرات التعريفات.
هذه المقالة ستركّز جهدها في تحليل مفهوم التربية في الفكر الغربيّ تحديدًا، وستكشف عن أنّ تعدّد تعريف التربية يرجع إلى تنوّع الاتجاهات الفلسفية والتيارات الفكريّة التي ينتمي إليها هذا المفكِّر أو ذاك، فلا شكّ في اختلاف تحليل مفهوم التربية عند كارل ماركس في كتابه: "نقد التربية والتعليم" عن فهم جون ديوي لها في كتابه:" الديموقراطيّة والتربية"، وكذلك يتمايز فهمهما عن قراءة دوركايم في كتابه: "التربية والمجتمع"، أو عن تحليل برتراند رسل في كتابه: "في التربية"، وهكذا.. مما يكشف عن أنّ تحديد المفاهيم ليس عمليّة مُحايدة، بل متحيّزة إلى جهة.
وهناك تعريفات عديدة للتربية في الفكر الغربي، يصعب عرض جميعها وتحليلها ومناقشتها، ولذا توقّفنا عند بعض النماذج: كتعريف كانط، ديوي، دوركايم، رونيه، لالاند، جود، وميد، ثمّ قمنا بتسجيل بعض الملاحظات عليها، من أنّها تفتقد تشخيص الهدف بعبارة واضحة ومحدّدة ودقيقة، وقد رمّمنا هذه الثغرة بتحليل مفاهيم: "الكمال" و"الخير" و"السعادة" المأخوذة في تعريف التربية عندهم، لنربطها في المحصّلة بالكمال المطلق والخير المحض أي الله تعالى، وبالتالي يكون هدف التربية هو إيصال المتربّي إلى معرفة الله وعبادته، وبذلك تكون سعادته.
ومن الملاحظات الأساسيّة على تعريف التربية عند مفكّري الغرب هي القراءة الاجتماعية والمقاربة السوسيولوجيّة للعملية التربوية، والتي دفعتهم إلى الخلط بين التربية والتنشئة الاجتماعية والتكيّف الاجتماعي، فقصروا مهمّة التربية على إعداد الفرد المتكيّف اجتماعيًّا مع ما يريده المجتمع الذي يحيا فيه، وبذلك غفلوا عن أنّ وظيفة التربية الحقّة ليست التطبيع مع الواقع القائم بالفعل، بل المشاركة في إحداث التغيير في الوضعيّات المطلوبة في بيئة المتربّين لبناء مجتمع أفضل.
كما أنّ بعض التعريفات جعلت مُتعلَّق التربية هو " الصغير" أو "الطِّفل" أو "الوليد الجديد"، في حين أنّ التربية عمليّة مستدامة، لا تنحصر بمرحلة عمريّة خاصّة كالطفولة، فالجامعات ومؤسسات التعليم العالي، والأحزاب السياسيّة، ومنظّمات المجتمع المدني، والهيئات الأهليّة.. لها وظيفة تربويّة، بل إنّ أيّ مؤسسة تُخضِع المديرين والعاملين لديها لدورات تأهيل لتطوير معارفهم وتنمية مهاراتهم وإكسابهم سلوكات جديدة أو تعديل سلوكات يمارسونها، هي في الحقيقة تقوم بعمليات تربويّة. كما يظهر من بعض تعريفات التربية حصر موضوع التربية بـ"الغير"، مع أنّ التربية ليست منحصرة في إيصال الآخر إلى كماله، بل تشمل التربية الذاتية، أي تربية الإنسان ذاتَه، والتي هي المحور الأهم في التربية.
كلمات مفتاحية: مفهوم تربية، التعريفات، كانط، ديوي
تمهيد
تمكّن المفكّرون الغربيّون من وضع مفردة «التربية» تحت المجهر في المختبرات البحثيّة، وجعلها على طاولة التشريح العلميّ، فخضعت للدراسة الدقيقة والتحليل، وتحوّلت إلى موضوعٍ لتخصّصات معرفيّة عدّة، ممّا أنتج مجموعة حقول خاصّة بها، مثل: علم التربية، فلسفة التربية، علم النفس التربوي، علم الاجتماع التربوي، الأنثروبولوجية التربويّة، الإدارة التربويّة، اقتصاديّات التربية.. إلخ.
ولعلّ من أهمّ أسباب اختلاف الاجتهادات في تحليل مفهوم التربية في الفكر الغربي، اتّساع رقعة تعدّد التيارات الفلسفيّة وتنوّع الاتجاهات الفكريّة في فهم الكون والحياة والمجتمع الإنسانيّ والطبيعة البشريّة، إذ ينطلق كلُّ فيلسوف أو مُفكِّر في تعريفها من نظرته المبنائيّة إلى تلك القضايا. إنّ هويّة المباني المعرفيّة، والفلسفيّة، والقيميّة، والإنسانيّة وماهيّة النظرة إلى الله، والكون، والمجتمع، والطبيعة البشريّة، والدِّين، كلّ ذلك يعكس نفسه على تحديد مفهوم التربية، فمن يعتقد بوجود الله تعالى وحقانيّة مضمون دين معيّن، سيُعرِّف التربية بكيفيّة تختلف عن تعريف الملحد المنكر لوجود الله والمناهض للأديان، ومن ينظر إلى الطبيعة البشريّة باعتبار أنّها شريرة بأصل الخلقة -أو محايدة-، لن يتّفق في تعريف التربية مع من ينظر إلى الطبيعة البشريّة على أنّها خيّرة بالفطرة، ومن يقرأ المجتمع البشريّ في ضوء منهجيّة خاصّة في التفكير والمقاربة السوسيولوجيّة ستختلف نظرته إلى التربية عن غيره من المفكّرين الّذين ينطلقون من خلفيات أخرى، فالمقاربة الدوركايميّة للتربية ستختلف عن المقاربة الماركسيّة.
من الخطأ الاعتقاد أنّ تعريف المصطلحات وتحديد المفاهيم عمليّة مُحايدة، بل هي دائمًا متحيّزة إلى الاتّجاه المعرفيّ والفلسفيّ والقيميّ الذي ينتمي إليه هذا المفكِّر أو ذاك، بل منبثقة منه ومتولِّدة عنه. نعم، الاختلاف في تحديد مفهوم التربية لا يعني إلغاء نقاط التقاطع وتشابك المساحات وتداخلها بين الباحثين عنها.
هذا التعدّد في تشريح مفهوم التربية، قد يوقعنا في فخّ مغالطة المشترك اللفظيّ عند الحديث عنها، بحيث يكون المتحدِّث عن التربية أو الكاتب عنها يريد معنىً معيِّنًا منها، فنفهم معنى آخر مأنوسًا في أذهاننا، ونحاكمه بناء على فهمنا لخطابه كما يبدو لنا في متن أذهاننا ظهورًا لا في ضوء مراده الجدّي كما هو في واقعه، ولذا يُعتبر البحث عن تحديد مفهوم التربية أمرًا بالغ الأهميّة من ناحية بناء رؤية واضحة ومحدّدة عنها ترسم خطوط التمايز بين مدرسة وأخرى واتّجاه وآخر.
أولًا: تأثير الرؤية الفلسفيّة في تحديد مفهوم التربية:
التربية بأيِّ تعريف صوّرت به –كما سيأتي-[2]، تتقاطع عند نقطة، وهي أنّها من حيث النتيجة تندرج في المعارف العمليّة، التربية فعل وممارسة، وكلّ علم ناظر إلى ميدان العمل، تكون قضاياه معياريّة وإنشائيّة، تتمحور حول تشخيص «ما ينبغي» و «ما لا ينبغي»، أي وظيفتها بَعْث الإنسان نحو هذا الفعل هنا، أو زَجْره عن ذاك الفعل هناك، والقضايا الإنشائيّة[3] –المرتبطة بالأمر والنهي- من مُدركات العقل العمليّ، الذي مهمّته العلم من أجل العمل، والمعرفة بهدف الفعل، أي القضايا التي من شأنها أن تُعلَم ليُعمَل بها في الواقع، فهي قضايا إيجاديّة أي تهدف إلى تحريك الإنسان نحو الواقع لإيجاده بالفعل الاختياريّ.
في مقابل العقل النظريّ، الذي يُدرِك «ما هو كائن في الواقع» و «ما ليس بكائن في الواقع»، ممّا هو خارج إرادة الإنسان وأفعاله الاختياريّة، فهي قضايا وجوديّة تهدف إلى الكشف عن واقع موجود لا إيجاد واقع مفقود بلحاظ الأفعال الاختياريّة للإنسان، فتُعلَم لا يُعمَل بها مباشرة، كالقضايا الفلسفيّة الميتافيزيقيّة، والمسائل الرياضيّة، والطبيعيّة.
وفي ضوء اعتقادنا بقانون السببيّة العام الحاكم على لوح الواقع أعمّ من الخارجيّ والذهني، لا يمكن لعمليّة الإدراك أن تكون اتّفاقيّة ومزاجيّة وعشوائيّة، بل هي قضايا لميّة معلّلة بالأغراض، أي تقف خلفها علّة محدّدة وسببًا معيَّنًا، فإذا توجّه السؤال بـ: «لِمَ»؟ يكون الجواب: لأجل هذه العلة أو تلك. والعلل أمور واقعيّة نفس أمريّة، وليست اعتباريّة تخضع للرفع والوضع العقلائيّ حسب التواطؤ والاتّفاق، ووظيفة إدراك تلك اللميّات والعلل على عهدة العقل النظريّ -كما تقدّم-، ولو عرضنا على سبيل المثال قضية: «العدل حسن»[4] أو «الظلم قبيح»، وسألنا: لِمَ العدل حَسَنٌ؟ فنحن أمام جوابين: الأوّل: أنّ هذا الحكم صدفة واعتباط، وليس له سبب خاصّ. والثاني: أنّ العقل النظريّ يُدرِك أنّ ممارسة العدل يمنح النفس البشريّة حالًا من الكمال تسمو معه فتصير متعالية وتصبح جميلة، والظلم صفة نقصٍ للنفس البشريّة تتسافل بالإنسان إلى المستوى المنخفض من الوجود.
ومنهج الاستنباط العقلي لهذه القضية، يقوم على تكوين قياس منطقيّ من الشّكل الأوّل بالصورة التالية:
الصغرى: العدل كمال للنفس البشريّة (مُدرَكة بالعقل النظري)
الكبرى: كلُّ كمال هو حسن- أي ينبغي فعله (مُدرَكة بالعقل العمليّ)
النتيجة: العدل حسن ينبغي فعله.
أمّا الكبرى، فهي قضية تحليليّة بديهيّة يستبطن فيها الموضوع معنى المحمول، ولذا عُرِّف الكمال بأنّه: «حصول ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي»، وهي من بديهيّات العقل العمليّ، فكما أنّ للعقل النظريّ بديهيّات، كذلك العقل العمليّ له بديهيّات أوّليّة –وهذه نقطة يطول البحث عنها ليست موضع دراستنا-.
والخلاصة، إنّ كلّ قضية عملية تستند في سببيّتها إلى قضية نظرية أسبق منها تأخذ محمولها منها، وبما أنّ التربية تتضمّن جملة من القضايا المعياريّة، فهي تنبثق من مجموعة قضايا فلسفيّة، وهكذا تختلف هويّة التربية باختلاف طبيعة الفلسفة التي تنبثق منها.
وإذا كانت العلاقة بين التربية والفلسفة انبثاقيّة، فكلّما كانت الرؤية الفلسفيّة صحيحة، كان تحديد مفهوم التربية المنبثق منها أقرب إلى تحقيق الهدف المطلوب، وهنا نستعير عبارة هربرت سبنسر: «إنّ التربية الحقّة لا تكون عملية إلّا عن طريق الفلسفة الحقّة»[5]، فمن يعتقد فلسفيًّا أنّ عالم الوجود منحصر بالمادة، سينظر إلى الطبيعة البشريّة من منظار حسيّ- ماديّ بحت، لأنّه ليس وراء المادة أيّ كيان آخر، وبالتالي: إنّ موضوع التربية عنده سيكون هو الإنسان المُختزَل في القالب الماديّ والمضغوط في هذا الوعاء الحسيّ، وسيتناسب تعريفه للتربية مع هذه الرؤية الكونيّة لموضوعها -أي الإنسان[6]-. ومن يعتقد فلسفيًّا أنّ لوح الواقع أوسع من عالم المادة، ويشمل المجرّدات عن الزمان والمكان والتغيّر وغيرها، وأنّ الإنسان كائن مركّب من العالَمَيْن، سيرى الطبيعة البشريّة من هذا المنظار الثنائيّ، وسيُعرِّف التربية بما يتلاءم مع هذه الرؤية، لأنّ كمال الإنسان لا يُختزَل في تغذية البعد الماديّ من شخصيته، بل يتعداه إلى بناء الجانب الروحي من الهوية الإنسانيّة.
وبهذا يتبيّن أنّ عمليّة الفصل بين الفلسفة والتربية تعبِّر عن أقصى درجات اللامسؤولية الفكرية على حدِّ تعبير وليام فرانكنا[7].
نعم، هذا التداخل الانبثاقي والتوليدي بين الفلسفة والتربية، لا يعني صحّة وجهة نظر جون ديوي من أنّ «التربية هي المختبر الذي تقاس فيه الأفكار الفلسفية، وأنّ أيّ نظرية فلسفية لا تؤدِّي إلى تحسين العمل التربوي، تُعدُّ مصطنعة، وعليه تكون الفلسفة في أدقّ معانيها هي النظرية العامة للتربية»[8]، لأنّ هذا أوّلًا يريد إلغاء الفلسفة بمعنى علم الوجود العام، وسجنها في دائرة أن تكون النظرية العامة للتربية، أي حصرها في الإنسان. وثانيًا: وهي النقطة الأهم، أنّ هذه الرؤية تنطلق من براجماتيّة المعرفة، التي تعتقد أنّ معيار صدق النظريّة في مقدار نفعها وقدرتها على إيصال الإنسان إلى نتائج عملية أفضل[9]، بينما نعتقد أنّ ملاك صدق القضايا الفلسفيّة يكمن في مطابقة نفس الأمر ولوح الواقع التكويني بغض النظر عن نفعها العمليّ، فقد تكون القضية نافعة للإنسان ولكنها غير صادقة، وقد يحصل العكس، فالصدق والكذب في القضايا لا يدور مدار النفع وعدمه، بل مدار مطابقة الواقع وعدمه.
وعلى كلّ حال، إنّ هذه النقطة هي التي دفعت إلى تأسيس ميدان بحثيّ خاصّ اصطلح عليه اسم: «فلسفة التربية»، والتي يعرفها نيللر بأنّها: «تطبيق الفلسفة النظرية على مجال التربية»[10].
ويقول فيليب فينكس: «إن فلسفة التربية هي تطبيق الطريقة والنظرة الفلسفية في ميدان الخبرة المسمى التربية»[11].
ونحن نعتقد أنّ فلسفة التربية هي الميدان الذي يستفيد من النظريّات الفلسفيّة في ميدان العمل التربويّ، كتحليل مفهوم التربية، وتشريح موضوع التربية، وتحديد الأهداف التربويّة، والأساليب التربويّة، وآليات تقويم العمليّة التربويّة.. إلخ. فتحديد مفهوم التربية لا يمكن أن ينفكّ عن الرؤية الفلسفيّة التي تعتمد عليها، فإذا اعتقدنا برؤية فلسفيّة خاصّة للطبيعة البشرية التي هي موضوع التربية، فإنّ الأهداف التربويّة ستتناسب مع هذا الموضوع، فمثلًا إذا قلنا إنّ الطبيعة البشرية تنقسم إلى بعدين: ماديّ ومجرّد، وأن حقيقة الإنسان بروحه المجرّدة التي تتركّب من قوّتين: عالِمة (مُدرِكة) وعامِلة (محرِّكة)، وأن العالمة تنقسم إلى: عقل نظريّ، وعقل عمليّ، وأن المحرّكة والباعثة تنقسم إلى: قوة شهويّة تجذب اللّذة، وقوة غضبيّة تدفع الألم، فإنّ الأهداف التربوية ستنقسم بما يتناسب مع تقسيم الطبيعة البشريّة، وبالتالي إنّ تعريف التربية بلحاظ الموضوع أو الغرض سيتناسب مع هذه الرؤية الفلسفيّة الإنسانيّة للطبيعة البشرّية. وإذا اعتقدنا فلسفيًّا بأنّ الإنسان مخلوق لله تعالى ومملوك له عزّ وجلّ، وأنّ هذه المخلوقية توجِب عقلًا على الإنسان أن يكون خاضعًا لإرادة الخالق ومشيئته التشريعيّة، فهو وإن كان يتمتّع بحرية الإرادة التكوينيّة - إن شاء فعل وإن شاء ترك حسب اختياره- إلّا أنّه ليس من حقّه فلسفيًّا أن يكون خياره مستقلًا عن الإرادة الإلهية وبمعزل عمّا يختاره الخالق المالك له، وبالتالي إنّ هذه الرؤية الفلسفية ستنعكس في تحديد مفهوم التربية من حيث المنهج وهو الدّين والوحيّ، ومن حيث الغاية وهي معرفة الله وعبادته، بمعنى أن يكون الهدف الأعلى للتربية في ضوء هذه الرؤية الفلسفية هي صناعة الإنسان العابد لله تعالى والخاضع لإرادته، فيتحدّد المنهج التربوي في صناعة الإنسان في ضوء الإرادة الإلهيّة الواصلة عبر الوحي والدين الحقّ.
وهكذا تلعب الرؤية الفلسفية دورًا في تحديد مفهوم التربية من حيث طبيعة موضوعها، وأهدافها وغايتها، ومناهجها وأساليبها، لأنّ تعريف أيّ حقل معرفيّ إنّما يكون بلحاظ الموضوع أو الغرض أو المنهج.
ثانيًا: نماذج من تعريفات التربية عند فلاسفة الغرب ومفكّريه:
هناك تعريفات عديدة طرحها الفلاسفة والمفكِّرون الغربيّون عن التربية، لا نستطيع أن نستعرضها كلّها، لذا نتوقّف عند بعض النماذج منها:
عمانوئيل كانط:
يقول كانط في بيان مفهوم التربية: «الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته، ونقصد فعلاً بالتربية: الرّعاية (التغذية، التعهّد) والانضباط والتعليم المقترن بالتَّكوين.. والمقصود بالرعاية: الاحتياطات التي يتخذها الوالدان ليَحُوْلا بين أطفالهما وبين استعمال قواهم استعمالًا مُضرًّا .. (و) يَحُوْل الانضباط دون أن ينصرف الإنسان عن غايته _ وهي غاية الإنسانيّة _ بفعل نوازعه الحيوانيّة (فالانضباط يعني: السعي إلى الحيلولة دون أن تؤدي الحيوانية إلى فقدان الإنسانية «ترويض التوحش»)، .. فالانضباط سالب لا غير، إنّه الفعل الذي يجرّد به الإنسان من حيوانيته، بينما التعليم هو في المقابل الجانب الإيجابي من التربية .. إذ يكمن في صلب التربية السرّ الكبير لكمال الطبيعة البشريّة، .. نرى أنّ الطبيعة البشرية تنمّى دائمًا بالتربية تنمية أفضل ..»[12].
وباختصار: يعتبر كانط أن التربية هي: فن تنمية الاستعدادات الطبيعية في الإنسان خطوة خطوة بشكل هادف ومتوازن من أجل أن يبلغ الغاية من وجوده التي هي الكمال والخير[13].
جون ديوي:
يُعرِّف التربية بأنّها: «عملية صوغ وتكوين لفعالية الأفراد، ثم صبٌّ لها في قوالب معينة أي تحويلها إلى عمل اجتماعي مقبول لدى الجماعة»[14].
إميل دوركايم:
يعرّف دوركايم التربية بقوله: «هي الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال الصغيرة التي لم تصبح بعد ذلك ناضجة للحياة الاجتماعية، وموضوعها إثارة وتنمية عدد من الاستعدادات الجسدية والفكرية والأخلاقية عند الطفل، والتي تطلبها المجتمع السياسي في مجمله والوسط الخاص الذي يوجه إليه»[15].
والتربية عند دوركايم هي تكوين الفرد وإعداده إعدادًا متكاملًا من أجل الاندماج في المجتمع[16].
ويقول دوركايم: «الإنسان الذي يجب أن تحققه التربية فينا، ليس هو الإنسان كما خلقته الطبيعة، ولكن كما يريد المجتمع أن يكونه، ويريده كما تقتضي ذلك نيته الداخلية».
أوبير رونيه:
«عملية تضم الأفعال والتأثيرات التي تستهدف نمو الفرد من كل جهاته نمواً يسير به نحو كمال وظائفه من حيث التكيّف مع ما يحيط به، ومن حيث ما تحتاجه هذه الوظائف من أنماط سلوك وقدرات »[17].
موسوعة لالاند الفلسفية :
« Education : تربية، تهذيب، تأديب: مسار يقوم على تطوير وظيفة أو عدة وظائف، تطوراً تدريجياً بالدُّربة، وعلى تجويدها واتقانها .. (و) التربية باختصار: سلسلة عملية إجرائية يدرّبُ فيها الراشدون ( الأهل عموماً) الصغار من جنسهم، ويشجعون لديهم نمو بعض النزعات وبعض العادات»[18].
جود Good :
عرَّف التربية في معجمه التربوي بتعريفات عدة، منها: « مجموعة العمليات التي من خلالها يقوم الفرد بتنمية قدراته واتجاهاته وصور أخرى من السلوك ذات القيمة الإيجابية في المجتمع الذي يحيا فيه »[19].
مارغريت ميد Margaret Mead
تعرّف التربية بأنّها: «العملية الثقافية والطريقة التي يصبح بها الوليد الإنساني الجديد عضواً كاملاً في مجتمع إنساني معين»[20].
اليونسكو:
عرَّفت التربية في مؤتمرها الـ18 الذي عقد في باريس عام 1974م، على الشّكل التالي: «التربية مجموع عملية الحياة الاجتماعية التي عن طريقها يتعلم الأفراد والجماعات داخل مجتمعاتهم الوطنية والدولية لصالحها وأن ينموا وبوعي منهم كافة قدراتهم الشخصية واتجاهاتهم واستعداداتهم ومعارفهم وهذه العملية لا تقتصر على أنشطة بعينها ..»[21].
ثالثًا: قراءة في مفهوم التربية عند كانط:
النقطة الأولى الجديرة بالذكر فيما يتعلّق بتعريف كانط، أنّ زبدة مضمونه ليست من إبداعاته، بل هو التعريف التقليديّ الّذي ركّز عليه العلماء المسلمون، ننقل بعضًا من كلماتهم للإضاءة على هذه الفكرة.
قال الشيخ الطوسي ( 385 – 460ه ): « التربية، وهي: تنشئة الشيء حالاً بعد حال حتى يصير إلى الكمال»[22].
وقال الراغب الأصفهاني ( ت 502ه): « التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام»[23].
وقال الشهيد الأول ( 734-786ه): « .. التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً «[24].
وقال محمد صالح المازندراني (1086ه ): « التربية: وهي تبليغ الشيء من حد النقص إلى حد الكمال على سبيل التدريج »[25].
وقال محمود شهاب الدين أبو الثناء الآلوسي ( 1217-1270ه): « التربية: وهي تبليغ الشيء إلى كماله بحسب استعداده الأزلي شيئاً فشيئاً »[26].
وقال السيد حسين البروجردي : «التربية، وهو: تبليغ الشيء إلى كماله أو حالٍ أحسن من حاله، وبالجملة إلى كماله الحقيقي أو الإضافي شيئاً فشيئاً »[27].
والخلاصة: أنه باستقراء مجموع آراء المفسرين وعلماء الكلام والفقهاء المسلمين يُلاحظ أن المعنى الجامع للتربية عندهم هو: الانتقال بالإنسان من حدّ النقص إلى حدّ الكمال الطبيعيّ المستعدّ له بأصل الفطرة بشكل تدريجيّ شيئًا فشيئًا. وهنا يتقاطع كانط مع هذا التراث الإسلاميّ في تعريف التربية.
وهذا التعريف الكانطيّ، من أفضل تعاريف التربية في الفكر الغربيّ، خصوصًا في تركيزه على ترويض التوحّش والنوازع الحيوانيّة داخل النفس البشريّة بهدف بلوغ الإنسان الغاية من وجوده التي هي الكمال والخير[28]، وأيضًا يتقاطع في هذه النقطة مع فلاسفة الأخلاق المسلمين كالغزالي والفيض الكاشاني والمحقق النراقي[29]، إلّا أنّ هذا التعريف يواجه ثغرة مهمّة -حتى عند العلماء المسلمين-، وهي أنّه أشار إلى هدف التربية بعبارة مبهمة تحتاج إلى تفسير وتحليل، وهي: «الكمال» أو «الخير»، وهما مفهومان واسعان جدًّا، في حين أنّه من خصوصيّات الهدف أن يكون واضحًا ومحدَّدا تحديدًا دقيقًا، فأخذ هدف التربية في تعريفها لا بدّ من أن يكون بدرجة من الوضوح والدّقة لا يحتاج معها إلى إعمال الاجتهاد والتفسير والتأويل. وهذه النقطة تحتاج إلى شيء من الشرح والبيان.
الهدف أو الغرض هو أقصى الشيء ومنتهاه[30]. وبعبارة أدقّ، هو «مراد الفاعل من الفعل إذا انتهى إليه»[31]، أو ما لأجله ذلك الشيء[32]، أي ما يفعل الفاعل فعله لأجله[33]. وقد عرّف الهدف التربوي في العلوم المعاصرة بما ينسجم مع هذا الفهم الفلسفيّ لتحديد الهدف، بأنه : «الغاية أو النتيجة التي يصار إلى تحقيقها بعد القيام بمجهود معيّن»[34]. أو «المتغير المطلوب الذي تسعى العملية التربوية أو الجهد التربوي إلى تحقيقه»[35]. وإذا كان الهدف هو المقصود الذاتيّ لا يُعقَل أن يكون بهذا النحو من الغموض والإبهام، بل لا بد من تحديده وتشخيصه بشكل واضح في التعريف، وهو ما يفتقده تعريف كانط. وكذلك تحديد ستيوارت ميل حيث يُعرِّف التربية بأنّها «كل ما نفعله نحن من أجل أنفسنا وكلّ ما يفعله الآخرون من أجلنا حين تكون الغاية تقريب أنفسنا من كمال طبيعتنا»[36]. فإنّ هذه التعريفات كلّه تفتقد إلى تحديد الكمال وتشخيصه بشكل واضح.
وقد تقدّم الحكيم علي بن جمشيد النوري خطوة في تجاوز هذه الثغرة عندما قال: « التربية هي إخراج الموجود الناقص _ الطالب فطرة لنيل كماله وإدراك تمامه _ شيئاً فشيئاً من القوة إلى الفعليّة، ومن النقص إلى تمامه، وتمام الشيء الذي هو غايته، هو بعينه علته، وهي مبدؤه ومعاده ومرجعه - كل يرجع إلى أصله الذي جاء منه – »[37]. فقد حدّد أنّ الكمال المقصود هنا هو علّة الشيء من حيث الفاعليّة والغائيّة، أي الله تعالى.
نعم، تعريف العلماء المسلمين للتربية بالتحليل يقود إلى هذه النقطة بالفهم الموضوعيّ لكلماتهم، لأنّ الكمال هو عبارة عن تَمام الشيءِ، وَتتمة كلّ شيء: ما يكون تمام غايته[38] .. والكَمالُ: الانتهاء إلى غاية ليس وراءها مزيد من كلّ وجه»[39].
يقول الراغب الأصفهاني: « كَمالُ الشَّيْءِ حُصولُ ما فِيه الغَرَضُ مِنْه، فإذا قيل : كَمُلَ فَمَعْناهُ حَصَلَ ما هُوَ الغَرَض مِنْه »[40].
ويتقاطع هذا التعريف مع التعريف الفلسفيّ والعرفانيّ للكمال[41].
وهنا تجدر الإشارة إلى التقاطع بين الكمال والسعادة، يقول محمد مهدي النراقي: «إن الغاية في تهذيب النفس عن الرذائل وتكميلها بالفضائل هو الوصول إلى الخير والسعادة.. والسعادة: هي وصول كل شخص بحركته الإرادية النفسانية إلى كماله الكامن في جبلته»[42].
فالسعادة الإنسانية تتحقق بوصول الإنسان إلى كماله[43]. فهدف التربية « إيصال الإنسان إلى كماله اللائق به»، وبذلك تتحقق سعادته، ولكن ليس أي كمال، بل الكمال الواقعيّ الحقيقي، حيث ينقسم الكمال إلى: الحقيقي أو الواقعي: وهو الكمال الذي يكون له وجود في عالم الواقع بغض النظر عن إدراك الإنسان واعتباره، كما في المصلحة الواقعية، بنحو تترتب عليه الآثار الواقعية الحقيقية في العالم الخارجي، ولا يخضع للاعتبارات الشخصية والإحساسات الداخلية والرغبات الذاتية للإنسان .
والكمال الوهمي: هو الكمال الذي ليس له واقع وراء الاعتبار الذهني للإنسان ووهمه، وبعبارة أخرى هو الكمال الذي يتخيله الإنسان ويلتبس عليه أنه كمال له في حين أنه ليس كذلك[44].
كذلك، يتقاطع «الخير» مع «الكمال» و «السعادة»، فالخير هو: الكمال الخاص الذي يقصده الشيء بحسب استعداده الأول الفطري، لا بحسب الاستعداد الطارئ[45]. وفي المقابل أحد معاني الشر: « نقصان كل شيء عن كماله، وفقدانه ما من شأنه أن يكون له _ حسب استعداده الفطري الأولي _ »[46].
ونحن نعتقد أنّ الخير الواقعي والكمال الحقيقي للإنسان يتمحوران حول ارتباطه بالموجود الحاوي ذاتيًّا على جميع مراتب الخير والكمال[47]، والذي هو «وجود صرف لا يشذ عنه كمال من الكمالات الوجودية»[48]، وهو الله تعالى، فكل ما عدا الله تعالى عين النقص، ولا يستطيع أن يرفع نقصه وفقره من تلقاء ذاته، لأن فاقد الشيء لا يكون معطيًا له، فحتى يخرج من حال النقص إلى الكمال يحتاج إلى من يمنحه الكمال من الخارج، وهذا المعطي للكمال إما أن نفرضه ممكن الوجود فيعود الكلام هو الكلام في نقصه وحاجته وفقره إلى من يفيض عليه الكمال، وهكذا يتسلسل إلى أن تقف السلسلة عند موجود واجد لكل الكمالات بالفعل ذاتاً من دون أن يحتاج في كمالاته إلى أحد غيره، لأن كل ما بالعرض لا بد من أن ينتهي إلى ما بالذات، وهو الله تعالى. فكل الكمالات الحاصلة في عالم الكون والطبيعة مستندة إلى الله تعالى مفيض الكمال، لأن الموجودات بدونه تعالى أعدام محضة لا تشم رائحة الوجود أبداً[49].
وبهذا يتضح أن الله تعالى هو غاية الغايات وهدف الأهداف، لأن الكمال والغاية متحدان مصداقاً .
يقول العلامة الطباطبائي في هذا السياق: «.. الإمعان في البحث يعطي أنه (تعالى) غاية الغايات.. (و) الطلب والقصد والإرادة والتوجه وأمثالها لا تتحقق بمعناها إلا بالانتهاء إلى مطلوب لنفسه ومقصود لنفسه ومراد لنفسه ومتوجه إليه لنفسه. وإذ كان (تعالى) هو العلة الأولى التي إليها ينتهي وجود ما سواه، فهو استقلال كل مستقل وعماد كل معتمد، فلا يطلب طالب ولا يريد مريد إلا إياه، ولا يتوجه متوجه إلا إليه بلا واسطة أو معها، فهو (تعالى) غاية كل ذي غاية »[50].
وهذه الفكرة ينبغي أن تدخل في تعريف التربية مباشرة، فلا يُقتصر في تعريفها على أخذ الكمال في مفهومها، بل تشخيص ما هو الكمال واقعًا، أي الله تعالى، ولذا نلاحظ أنّ فلاسفة التربية المسلمين أدخلوا هذه النقطة في تعريف التربية، فقد عرّف خسرو باقري التربية بأنها: «معرفة الله بصفته الربّ الأوحد للعالم والإنسان، واختياره ربّاً لنا، والتسليم والخضوع لربوبيته، والابتعاد عن ربوبية غيره»[51]، وبغضّ النظر عن الملاحظات التي يمكن تسجيلها على هذا التعريف ككون التربية ليست هي معرفة الله نفسه بل العمليات التي تقود إلى هذا الهدف، إلّا أنّه تميّز بجعل محوريّة التربية الحقيقيّة قائمة على أساس معرفة الله وعبادته.
رابعًا: طبيعة هدف التربية من وجهة نظر جون ديوي:
في هذا السياق، نعرض وجهة نظر ديوي في هدف التربية لأهميته، حيث يقول جون ديوي: «إن عملية التربية ليس لها هدف فوقها، فهي هدف بنفسها»[52]. وهذا الرأي من جون ديوي يعتمد على فلسفته التربوية المتعلقة برؤيته إلى الحياة، حيث يعتبر ديوي أن الحياة هي النمو، والنمو هو الحياة، وهدف التربية أيضاً النمو Growth، ومن خصائص النمو أنه ازديادي، بمعنى أنه ليس له حد يقف عنده، فالنمو يتجه نحو الكمال دائماً ليقترب منه شيئاً فشيئاً دون أن يحققه، وبناء عليه: يكون هدف التربية هو النمو والمزيد من النمو، فلا يكون لها هدف نهائي، وهكذا تكون «التربية –عند ديوي- صارت تعني النمو، وإنّ هذا النمو هو هدف في حد ذاته»[53]، لذا يحذّر ديوي من الوقوع في هذا الزعم، حيث يقول: « ينبغي للمربين أن يحذروا من الأهداف التي يزعم أنها عامة أو نهائية «[54]، وبهذا يكون ديوي منسجماً مع نفسه، لأن تحديد العملية التربوية بهدف نهائي يتجه إليه النمو وينتهي عنده يجعلها تناقض نفسها، لأن معنى النمو هو عدم الوقوف عند حد ومع فرض الحد يكون خلاف المفروض، ولهذا السبب لا تحدد العملية التربوية أي هدف معين ونهائي يتجه إليه النمو حتى لا يصبح هذا الهدف نهاية يقف النمو عندها عند تحقيقها[55].
وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما تقدّم في المبحث السابق، أنّ القرب من الله تعالى هدفاً للعملية التربوية مع اعتباره شيئاً خارجاً عن مجموع الأفعال التي يقوم بها المتربي بشكل مطلق، ويراد من خلال مجموع هذه الأفعال الوصول إليه، فإننا سنقع في هذه المشكلة، من ناحية أن مقدار الناس الذين يصلون إلى القرب الإلهي بالمعنى المقامي لا يتجاوز عدد أصابع اليد، لأن معنى القرب المقامي أن يصبح الإنسان كاملاً بالمعنى الاصطلاحي.
لذا فإن مقولة القرب من الله تعالى تشكيكية لها مراتب، وبهذا يكون هدف التربية هو السير في مراتب القرب من الله تعالى، وليس الوصول إلى مرتبة القرب من الله تعالى، لأن الوصول إلى القرب من الله تعالى من دون مزيد من النمو منحصر ببعض أفراد البشر، كالنبي الأكرم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي وصل إلى قاب قوسين أو أدنى، إلى مرتبة ليس باستطاعة كل أحد الوصول إليها، لذا هدف التربية في الحقيقة هو السير التكاملي للإنسان في مراتب القرب من الله تعالى، لأن الطبيعة الإنسانية ذات مادة وهيولى تحمل استعداداً متجدداً للنمو المستمر والحركة الجوهرية الدائمة التي تلبس صورة بعد صورة من دون أن تقف عند حد، وبهذا يمكن معالجة وجود هدف نهائي للعملية التربوية مع الحفاظ على النمو المستمر، لأن النمو المستمر واقع داخل دائرة الهدف، وبهذا تكون العمليات التربوية صالحة لأن تكون بنفسها من مصاديق الهدف وليست فقط موصلة إلى الهدف.
خامسًا: التربية والتنشئة الاجتماعيّة وعمليات التكيّف الاجتماعيّ:
يمكن تسجيل جملة ملاحظات على التعريفات المتقدِّمة للتربية، من أهمّها المناقشة في وجهة النظر السائدة عند كثير من فلاسفة الغرب المشتغلين في حقل التربية، القائمة على أساس محوريّة المقبوليّة الاجتماعيّة والتكيّف مع المحيط، كما في تعريف ديوي للتربية بأنّها تكوين فعاليّة الأفراد في عمل اجتماعيّ مقبول لدى الجماعة.
وكذلك المقاربة السيسيولوجيّة لدوركايم التي تحصر وظيفة التربية في إعداد الإنسان للاندماج الاجتماعيّ في ضوء ما يريد المجتمع السياسيّ أن يكون عليه ذلك الإنسان.
ونلاحظ هذه القضية حاضرة عند أوبير رونيه، حيث تتمحور عنده التربية حول التكيّف مع ما يحيط بالفرد المتربّي. وكذلك لدى جود، الذي يعتبر التربية تبني السلوك ذات القيمة الإيجابية في المجتمع الذي يحيا فيه المتربّي.
إنّ القراءة الاجتماعية والمقاربة السوسيولوجيّة للعملية التربوية أمرٌ مهمّ، ولكن لا ينبغي أن تؤدّي إلى حصر التربية ومفهومها وأهدافها في هذا الميدان تحديدًا، لأنّ هذه القضية هي عنصر من جملة عناصر التربية بالمعنى الأعم، فقد وقع الخلط من قبل بعض المفكّرين بين مصطلحي «التربية» و «التنشئة الاجتماعية»، وتأثّر بهما بعض التربويّين في المناخ العربيّ في تعريفهم لمصطلح التربية[56]، لذا نرى من الضروري أن نميّز بين التربية والتنشئة الاجتماعية. يمكن تعريف التنشئة الاجتماعية بأنها عبارة عن إكساب المتربّي صفات خاصة يستطيع من خلالها أن يكون له عقلية اجتماعية ويكون عضواً نافعاً ومتوافقاً مع الهيئة الاجتماعية العامة التي يعيش فيها، فيتحول من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي[57].
وبعبارة أخرى: التنشئة الاجتماعية هي جعل المتربّي قادراً على التكيّف مع البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها من حيث العادات والتقاليد والسلوكيات والاتجاهات والقيم المقبولة في المجتمع الذي يعيش فيه ويحيا في محيطه.
وبهذا تتضح عدة فروقات بين التربية والتنشئة الاجتماعية، منها: أعميّة التربية على التنشئة، حيث إن التنشئة ناظرة إلى البعد الاجتماعي من أبعاد هوية الإنسان، فتكون جزءاً من العمليات التربوية التي تهدف إلى تكامل المتربّي في مختلف جوانب شخصيته ومنها البعد الاجتماعي.
وثانياً: التنشئة الاجتماعية انعكاس لثقافة المجتمع، والتربية لا تقوم دائماً على جعل المتربّي متكيفاً مع البيئة التي يعيش فيها بمعنى إكسابه قيمها وأنماطها السلوكية، بل تختلف المسألة من مجتمع إلى آخر، فلو كان المجتمع يلتزم بالقيم الإنسانية الفاضلة تكون التربية قائمة على التوافق والتطبيع الاجتماعي للمتربّي مع بيئته، أما لو كان المتربّي يعيش في مجتمع لا يلتزم بالقيم الإنسانية، فهنا لا يكون المطلوب جعل المتربّي متطبعاً بالقيم والأنماط السلوكية لذلك المجتمع، بل أقصى حدّ جعله قادراً على المواءمة بين المنظومة القيمية الإنسانيّة التي ينبغي أن ينتمي إليها وبين المجتمع الذي يعيش فيه، أي التوفيق الذكي بين «ما ينبغي أن يكون» وبين «ما هو كائن في الواقع». وباختصار: وظيفة التربية الحقّة ليس التطبيع مع الواقع القائم، بل المشاركة في إحداث التغيير في الوضعيّات المطلوبة في المجتمع لبناء مجتمع أفضل حتى لو لم يكن ذلك يحظى بالمقبوليّة الاجتماعيّة، وإلّا لم يكن ليحدث أي تغيير في المجتمعات.
فإن كان المقصود أن يكون الإنسان كائناً اجتماعياً قادراً على التفاعل الإيجابي والتأثير في المجتمع الذي يعيش فيه من دون أن يكون منفعلاً ومتأثراً بسلبيات المجتمع، فهو معنى نوافق عليه، أما كان إن المقصود بالإضافة إلى ذلك جعل الفرد عضواً متطبعاً بالعادات والتقاليد والقيم والأنماط السلوكية للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، فإن التربية الحقّة تخالفه، لأنها تهدف إلى جعل المتربّي متكيفاً مع محيطه الاجتماعي بنحو يتلاءم مع القيم الإنسانيّة وانطلاقاً من الرؤية التربوية التي تحدّد أي مجتمع نريد وما هو المجتمع المطلوب إيجاده، لا على أساس ما هو المجتمع الموجود والقائم. وقد تنبه إمانويل كانط إلى هذه النقطة، حيث يقول: «ها هو ذا مبدأ في فن التربية، ينبغي خاصة على الناس الذين يعدّون مخططات في التربية أن يضعوه نصب أعينهم: يجب أن لا يربّى الأطفال فقط بحسب حالة النوع البشري الراهنة، بل بحسب الحالة الممكنة التي تكون أفضل منها في المستقبل، أي وفق فكرة الإنسانية وغايتها الكاملة. وهذا المبدأ على قدر كبير من الأهمية، فعادة ما يربّي الأولياء الأطفال بهدف تكييفهم وفقاً للعالم الراهن فحسب»[58].
وهذه نقطة مهمة، لأن التربية لا بد من أن يراعى فيها الغاية التي يمكن أن يصل إليها الإنسان بحسب استعداداته وفق المجتمع المطلوب إيجاده، لا في ضوء المجتمعُ الموجود.
سادسًا: التربية عملية مستدامة لا تنحصر بمرحلة الطفولة
بعض التعريفات اقتصرت على جعل مُتعلَّق التربية هو « الصغير» أو «الطِّفل» أو «الوليد الجديد»، كما في تحليل دوركايم للتربية بأنّها: «هي الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال الصغيرة التي لم تصبح بعد ذلك ناضجة للحياة الاجتماعية، وموضوعها إثارة وتنمية عدد من الاستعدادات الجسدية والفكرية والأخلاقية عند الطفل..». وكذلك في موسوعة لالاند الفلسفية : « التربية باختصار: سلسلة عملية إجرائية يدرّبُ فيها الراشدون (الأهل عموماً) الصغار من جنسهم».
وتعريف مارغريت ميد للتربية بأنّها «العملية الثقافية والطريقة التي يصبح بها الوليد الإنساني الجديد عضواً كاملاً في مجتمع إنساني معين».
هذا، في حين أن العملية التربوية مستدامة لا تنحصر بسنّ معيّن، وإن كان الإنسان في مرحلة عمريّة محدّدة كالطفولة يحتاج إلى التربية بشكل مكثّف أكثر لصياغة شخصيته التي لم تتبلور بعد، إلّا أنّ تربية الإنسان وتنميته لا تقف عند حدّ، لأن نمو الإنسان وإحداث التغيير المطلوب فيه لا يقف عند حد، ولذا هي عملية تبدأ من المهد وتستمر إلى اللحد، فهي غير مختصة بالطفل أو الصغير فقط، بل تشمل تربية البالغين والكبار أيضاً . وقد تنبّه علي القائمي إلى هذه الملاحظة، حيث يقول: «لا تقتصر مدة التربية على دور الطفولة، بل يجب أن تستمر وتتواصل مع دور الصبا حتى آخر العمر»[59].
وعطفًا عليه، ما قد يظهر من البعض أيضًا بحصر التربية بـ«التربية الوالدية»، كما في عبارة كانط: «الاحتياطات التي يتخذها الوالدان ليَحُوْلا بين أطفالهما وبين استعمال قواهم استعمالًا مُضرًّا ». وكذلك ما ورد في موسوعة لالاند: « الراشدون (الأهل عموماً)».
فالجامعات لها وظيفة تربوية، والأحزاب السياسيّة لها وظيفة تربويّة، والأندية الرياضيّة لها وظيفة تربويّة، وهذه كلّها مؤسسات غير مختصة بالأطفال، بل حتى المؤسسات التي قد يغلب عليها طابع الطفولة تشمل فئة البالغين والراشدين كالجمعيات الكشفيّة، فضلًا عن أنّ أي مؤسسة تخضع المديرين والعاملين عندها لدورات تأهيلية لتنمية معارفهم ومهاراتهم وإكسابهم سلوك جديد وتغيير سلوكات قديمة هي تقوم بعمليات تربويّة.
سابعًا: تربية الذّات وتربية الآخر
يظهر من بعض تعريفات التربية حصر مُتعلَّق التربية بـ«الغير» أو «الآخر» فقط، في حين أن التربية ليست منحصرة في التربية الغيرية أي انطلاقاً من الذات تجاه الآخر فقط، بل تشمل التربية الذاتية، أي تربية الإنسان نفسَه، وهذه نقطة تم إغفالها من قبل العديدين من فلاسفة التربية. وقد تنبه الماوردي لهذه النقطة حيث قال: « التأديب يلزم من وجهين: أحدهما: ما لزم الوالد للولد في صغره. والثاني: ما لزم الإنسان في نفسه عند كبره، فالأول يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها وينشأ عليها فيسهل عليه قبولها عند الكبر»[60].
إنّ تربية الإنسان نفسه هي أساس التربية للآخرين، لأن المربّي لا بد من أن يبدأ بنفسه قبل غيره، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام): «من نصب نفسه للناس إماماً، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليمه غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومُعلِّم نفسه ومؤدِّبها أحقُّ بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم»[61].
وعنه (عليه السلام): «أفضل الأدب ما بدأت به نفسك»[62].
وعنه (عليه السلام): «تولّوا من أنفسكم تأديبها»[63].
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أصلح المسيء بحُسن فعالك»[64].
أهم أسلوب تربوي هو التربية العملية بالنموذج السلوكي، أي أن يكون المربّي قدوة يتأسى بها المتربون، وما لم يكن مربيّاً نفسه لن يستطيع أن يكون مربيّاً غيره.
يقول السيد محمد حسين الطباطبائي: «من شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلّم المربي نفسُه مُتَّصفاً بما يصفه للمتعلم متلبساً بما يريد أن يلبسه، فمن المحال العادي أن يربّى المربى الجبانُ شجاعاً باسلاً، أو يتخرج عالم حرّ في آرائه وأنظاره من مدرسة التعصب واللجاج وهكذا.. فالتربية المستعقبة للأثر الصالح هي ما كان المعلم المربى فيها ذا إيمان بما يلقيه إلى تلامذته مشفوعاً بالعمل الصالح الموافق لعلمه، وأما غير المؤمن بما يقوله أو غير العامل على طبق علمه فلا يرجى منه خير. ولهذه الحقيقة مصاديق كثيرة وأمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيين والإسلاميين خاصة في التعليم والتربية في معاهدنا الرسمية وغير الرسمية فلا يكاد تدبير ينفع ولا سعي ينجح»[65].
وهذه نقطة فارقة في تحليل مفهوم التربية في ضوء الرؤية الإسلاميّة خصوصًا في مدرسة القرآن وعلي بن أبي طالب (عليه السّلام).
قال تعالى: (أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم)[66]. فهذه الآية في مقام توبيخ من يتصف بهذه الصفة، فهناك مربٍّ أو معلّم أو أب أو أمّ، يتعب نفسه في البحث عن عيوب الآخرين ويغفل عن عيوب نفسه، وعندما يرى عيباً في غيره يبادر إلى أمره بالبرّ والخير والصلاح ويغفل عن نفسه وأنه غير متصف بالصفة التي يأمر غيره بها، فعلى المربّين إذا أرادوا أن يأمروا المتربّي بالبرّ والخير والصلاح وينهونه عن فعل القبيح والسلوك السيئ، أن يكونوا في أنفسهم غير متلبّسين به، مع الإشارة إلى أنّ عدم تحليّهم بفعل حسن ما لا يعني قعودهم عن مسؤولياتهم التربويّة والتخلي عنها وعدم أمر المتربّي به، فهذان موضوعان مستقلان لكلِّ واحد منهما حكمه الخاص، لأنّه على المربّي المشاهد لسلوك غير مرغوب فيه من المتربّي أمران: تركه من جهته، والأمر به فيما يتعلّق بالمتربّي، وقعوده عن تأدية الأول لا يلازمه عدم نهوضه بالثاني.
وكذلك المسألة في جانب النهي، قال الله تعالى حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[67].
كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كفى بالمرء جهلاً أن ينكر على الناس ما يأتي مثله»[68].
ليس من شيم المربّين أن ينهوا المتربّي عن شيء ويخالفون مقتضى النهي، بل عليهم فعل ما يأمرون به.
وقد لخّص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام الموقف في كلمتين: « كن آخذ الناس بما تأمر به، وأكف الناس عما تنهى عنه»[69].
وعنه (عليه السلام): «كفى بالمرء غواية أن يأمر الناس بما لا يأتمر به، وينهاهم عما لا ينتهي عنه»[70].
ونختم بما قاله أبو الأسود الدؤليّ شعراً:
أَيُّـهَا الرَّجُـلُ المُـعَـلِّمُ غَـيْرَهُ هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّـعْلِيمُ
تَصِـفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّـقَامِ كَيْـمَا يَصِـحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِـيمُ
وَأَرَاكَ تُصْلِحُ بِالرَّشَادِ عُقُولَنَا أَبَـدًا وَأَنْتَ مِنَ الرَّشَـادِ عَقِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَـأْتِيَ مِثْـلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِـيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى بالعِلْمِ مِنْـكَ وَيَنْفَعُ التَّـعْلِيمُ
المراجع والمصادر
إبراهيم، مجدي عزيز، موسوعة المعارف التربوية، الحرف التاء، القاهرة، عالم الكتب، ط1، 2007م.
الحنفي، ابن أبي العز شرح العقيدة الطحاوية، بيروت، المكتب الإسلامي، ط4، 1391ه.
ابن تركة، علي بن محمد، شرح فصوص الحكم، تحقيق وتعليق محسن بيدارفر، قم، إنتشارات بيدار، ط1، 1420ه.
ابن سيده، علي بن إسماعيل، المخصص، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
ابن سينا، الحسين بن عبد الله، الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي وقطب الدين الرازي، قم، نشر البلاغة، ط1، 1375 ه.ش.
ــــــــــــــــــ، الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا، بيروت، مؤسسة النعمان، ط2، 1413هـ_1993م.
ـــــــــــــــــ، الشفاء الإلهيات، تقديم إبراهيم مدكور، تحقيق قنواتي وسعيد زايد.
ابن زكريا، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 ه.
ابن عربي، محمد بن علي، الفتوحات المكية، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404ه.
ابن الفناري، محمد بن حمزة، مصباح الأنس بين المعقول والمشهود، تصحيح محمد خواجوي، مع تعليقات هاشم الأشكوري والإمام الخميني وسيد محمد القمي ومحمد رضا قمشئي وحسن زادة آملي وفتح المفتاح، ط1، 1416ه.
ابن منظور، محمد بن مكرَّم، لسان العرب، تصحيح: أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، بيروت، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، ط2، 1417 ه_1997 م.
إخوان الصفا، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، بيروت، دار صادر، 1975م.
أبو السعود، محمد بن محمد، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ( المعروف بـ: تفسير أبي السعود )، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
الألوسي، محمود بن عبد الله، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (تفسير الآلوسي)، تحقيق علي عبد الباري عطية، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1415ه.
أوبير، رونيه، التربية العامة، ترجمة عبد الله عبد الدايم، يروت، دار العلم للملايين، 1972م.
باقري، خسرو، فلسفة التربية والتعليم الإسلامية، ترجمة ونشر مركز الأبحاث والدراسات التربوية، بيروت، دار البلاغة، ط1، 1435ه-2014م.
ــــــــــــــــــ، نظرة متجددة في التربية الإسلامية، ترجمة ونشر مركز الأبحاث والدراسات التربوية، بيروت، دار البلاغة، ط1، 1436ه-2015م.
البروجردي، حسين، تفسير الصراط المستقيم، تحقيق غلام رضا علي أكبر البروجردي، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، ط1، 1423ه.
البهائي، محمد بن الحسين، مفتاح الفلاح، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، ط1، 1429ه-2008م.
الحطاب الرعيني، محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ضبط زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1416ه-1995م.
الحلي، الحسن بن يوسف، الأسرار الخفية في العلوم العقلية، قم، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، ط1، 1421ه.
ــــــــــــــــــ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تعليق حسن حسن زادة آملي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط5، 1415ه.
ديوي، جون، الديموقراطية والتربية، ترجمة متى عقراوي وزكريا مخائيل، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1954م.
ــــــــــــــــــ، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمة محمد لبيب النجيحي، القاهرة، مؤسسة الخانجي، 1963م.
الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت، الأميرة للطباعة والنشر، ط1، 1431ه – 2010م .
الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، شرح محمد عبده، تخريج المصادر حسين الأعلمي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1413ه-1993م.
السبحاني، جعفر، في ظلال التوحيد،معاونية شؤون التعليم والبحوث الإسلامية في الحج، 1412ه.
السبزواري، هادي، شرح الأسماء، تحقيق نجفقلي حبيبي، طهران، دانشكاه تهران، 1996 م.
ــــــــــــــــــ، شرح المنظومة، تعليق حسن زاده آملي، تحقيق مسعود طالبي، طهران، نشر ناب، ط1، 1413ه-1992م.
الشيباني، عمر محمد التومي، تطور النظريات والأفكار التربوية، بيروت، دار الثقافة، ط2، 1975م.
ــــــــــــــــــ، فلسفة التربية الإسلامية، طرابلس، المنشأة العامة للنشر، 1983م.
الشيرازي، محمد بن ابراهيم(صدر المتألهين)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط3، 1981ه.
الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1406ه-1986م.
ــــــــــــــــــ، فلسفتنا، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط10، 1400ه-1980م.
الطباطبائي، محمد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، تقديم وتعليق مرتضى مطهري، ترجمة عمار أبو رغيف، بيروت، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، ط1، 1421ه.
ــــــــــــــــــ، الميزان في تفسير القرآن، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1372ه.
ــــــــــــــــــ، نهاية الحكمة، تصحيح وتعليق: عباس علي الزراعي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ط14، 1417ه.
الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، دار المعرفة، ط1، 1406ه – 1986م.
الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ط1، 1409ه.
ــــــــــــــــــ، أخلاق ناصري، ترجمة وتقديم محمد صادق فضل الله، بيروت، دار الهادي، ط1، 2008م.
العاملي، محمد بن مكي، المعروف بالشهيد الأول، القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية، تحقيق عبد الهادي الحكيم، قم، مكتبة المفيد.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، إيران، مؤسسة دار الهجرة، ط2، 1409ه.
فينكس، فيليب، فلسفة التربية، ترجمة محمد لبيب النجيحي، القاهرة، دار النهضة العربية، 1982م
القائمي، علي، الأسرة والطفل المشاكس، بيروت، دار النبلاء، ط1، 1416ه-1996م.
الكاشاني، عبد الرزاق، اصطلاحات الصوفية، تحقيق وتقديم وتعليق عبد العال شاهين، القاهرة، دار المنار، ط1، 1413ه-1992م.
كانط، إمانويل، ثلاثة نصوص (تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟)، تعريب وتعليق محمود بن جماعة، تونس، دار محمد علي للنشر، ط1، 2005م.
لالاند، أندريه، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، بيروت– باريس، منشورات عويدات، ط2، 2001.
المدني، علي خان، رياض السالكين في شرح صحفية سيد الساجدين، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، تحقيق محسن الحسيني الأميني، ط4، 1415ه.
مطهري، مرتضى، محاضرات في الفلسفة الإسلامية، ترجمة عبد الجبار الرفاعي، دار الكتاب الإسلامي، ط1، 1415ه.
النجيحي، محمد لبيب، التربية أصولها الفلسفية والنظرية، مكتبة الانجلو المصرية، 1984م.
ــــــــــــــــــ، التربية وأصولها الثقافية والاجتماعية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1984م.
ــــــــــــــــــ، مقدمة في فلسفة التربية، بيروت، دار النهضة العربية، ط3، 1981م.
وين، رالف، قاموس جون ديوي للتربية مختارات من مؤلفاته، ترجمة وتقديم: محمد علي العريان، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1964م.
يالجن، مقداد، التربية الأخلاقية الإسلامية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1977م.
مصباح اليزدي، محمد تقي، تعليقة على نهاية الحكمة، بيروت، دار الكتاب الإسلامي.
ــــــــــــــــــ، المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، ترجمة: عبد المنعم الخاقاني، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط1، 1990م.
--------------------------
[1]* مؤلف وباحث في فلسفة التربية.
[2]. حول التعريفات المتعددة للتربية يراجع: إبراهيم، موسوعة المعارف التربوية، 939.
[3]. هناك رأيان فيما يتعلَّق بالقضايا التي يُدركها العقل العمليّ، الأوّل: أنّها قضايا إنشائيّة، أي مركّب تامٌّ لا يصحّ وصفه بالصّدق أو الكذب بلحاظ ذاتها وإنّما يصحّ ذلك بلحاظ مصدر جعلها واعتبارها، فيقال مثلًا: العدل حسن في الإسلام، فهي بهذا اللحاظ تتّصف بالصدق أو الكذب. والثاني: أنّها قضايا خبريّة حقيقة وإنشائيّة صوريًّا، وتندرج تحت القضايا المشهورات بالمعنى الأخصّ في عرف المنطق الأرسطيّ، وبالتالي تكون مركّبًا تامًّا خبريًّا يصحّ وصفه بالصدق أو الكذب. ويترتّب على هذا التمييز أمورٌ عدّة، تعرّضنا لها في بحثنا المنشور بعنوان: الوضعية- دراسة مفهومهما ومنزلتها في علم المعرفة المعاصر، ضمن كتاب: مجموعة باحثين، جوهر الغرب دراسة نقديّة في المباني التأسيسيّة لحضارة الحداثة، 163-222).
[4]. الحسن بمعنى: ما يحكم العقل العمليّ بوجوب فعله أو انبغاء فعله بنحو يستحقّ فاعله المدح من العقلاء بم هم عقلاء. والقبح بمعنى: ما يحكم العقل العمليّ بوجوب تركه أو عدم انبغاء فعله، بنحو يستحق فاعله الذمّ واللوم من العقلاء.
[5]. القرشي، النظام التربوي في الإسلام، 56.
[6]. يقول مجدي عزيز إبراهيم: «إنّ موضوع التربية هو الإنسان -كلّ الإنسان- بعقله ووجدانه وجسمه وقيمه واتجاهاته وما لديه من مهارات وأفكار». إبراهيم، موسوعة المعارف التربوية، الحرف التاء، 941.
ويقول محمد منير مرسي: «إنّ موضوع التربية الإسلامية شأنها شأن غيرها من أنواع التربية، هو الإنسان بكل مقوماته الجسمية والعقلية والنفسية والوجدانية». أصول التربية، 117-118.
[7]. علي، و فرج، فلسفة التربية رؤية تحليلية ومنظور إسلامي، 25.
[8]. ديوي، الديموقراطية والتربية، 328.
[9]. كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، 417 وما بعد.
[10]. نقلاً عن: اليماني، فلسفة التربية، 40.
[11]. فينكس، فلسفة التربية، 39.
[12]. كانط، ثلاثة نصوص، 11 وما بعد.
[13]. م. ن، 17.
[14]. للتفصيل حول مفهوم التربية عند جون ديوي يراجع: وين، قاموس جون ديوي للتربية مختارات من مؤلفاته.
[15]. دوركايم، التربية والمجتمع، 41.
[16]. محمد، علم الاجتماع التربوي، 56.
[17]. أوبير، التربية العامة، 27.
[18]. لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، 1: 322.
[19]. نقلاً عن: مرسي، أصول التربية، 9.
[20]. نقلاً عن النجيحي، 45. والمصدر:
Mead, "our Educational Emplasisimprimitiveperspective".
[21]. يراجع: www.dfc.edunet.tn/Arab
[22]. الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، 4: 337. وعرض التعريف نفسه، الطبرسي، مجمع البيان، 4: 208.
[23]. الراغب الأصفهاني، مفردات غريب القرآن، 184.
[24]. العاملي، القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية، 2: 174.
[25]. المازندراني، شرح الكافي الجامع (المعروف بشرح أصول الكافي)، 10: 312.
[26]. الألوسيّ، تفسير الآلوسي، 1: 77.
[27]. البروجرديّ، تفسير الصراط المستقيم، 3: 352.
[28]. م. ن، 17.
[29]. يراجع: الغزالي، إحياء علوم الدين، 8: 110- وص101. الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، 5: 108. النراقي، جامع السعادات، 1: 49.
[30]. الفراهيدي، كتاب العين، 4: 8. الجوهري، الصحاح، 4: 1442. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 6: 39. الراغب الأصفهانيّ، المفردات في غريب القرآن، 359.
[31]. المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، 2: 278.
[32]. ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 1: 8، حاشية الرازي رقم: 1.
[33]. مصباح اليزدي، تعليقة على نهاية الحكمة، 2: 59.
[34]. الزغول، مقدمة في علم النفس التربوي، 42.
[35]. الشيباني، تطور النظريات والأفكار التربوية، 282. وباقري، نظرة متجددة في التربية الإسلامية، 85. والعجمي، الإدارة والتخطيط التربوي النظرية والتطبيق، 368.
[36]. الرشدان، علم اجتماع التربية، 25.
[37]. ابن تركة، علي بن محمد، شرح فصوص الحكم، 1: 272، تعليقة رقم (1).
[38]. يراجع: الفراهيدي، كتاب العين، 8: 111. والجوهري، الصحاح، 5: 1813. وابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 5: 139. وللقراءة الفلسفيّة: يراجع: الطباطبائي، ومطهري، أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، 2: 66-67.
[39]. الزبيدي، تاج العروس، 16: 76.
[40]. الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 441.
[41]. ابن سينا، الإشارات والتنبيهات (مع شرح الطوسي)، 3: 340. الشيرازي، المبدأ والمعاد، 338. ابن الفناري، مصباح الأنس بين المعقول والمشهود، 225.
[42]. النراقي، جامع السعادات، 1: 57.
[43]. اخوان الصفا، رسائل إخوان الصفا، 1: 317. و3: 516. والشيرازي، الحكمة المتعالية، 5: 121.
[44]. يراجع: الطباطبائي، نهاية الحكمة، الفصل 11. وابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 3: 338.
[45]. ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 3: 340.
[46]. ابن سينا، الشفاء، 2: 419.
[47]. الصدر، فلسفتنا، 357-358-359.
[48]. الطباطبائي، نهاية الحكمة، 52.
[49]. الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، 415.
[50]. الطباطبائي، نهاية الحكمة، 236–237.
[51]. باقري، فلسفة التربية والتعليم الإسلامية، 157-158. وباقري، نظرة متجددة في التربية الإسلامية، 73.
[52]. ديوي، الديموقراطية والتربية، 52.
[53]. أهداف التربية الإسلامية دارسة مقارنة بين أهداف التربية الإسلامية والأهداف التربوية المعاصرة، 24.
[54]. م. ن، 113.
[55]. النجيحي، التربية وأصولها، 154.
[56]. النجيحي، التربية وأصولها الثقافية والاجتماعية، 12. فهمي، محاضرات في أصول التربية، 17.
[57]. يراجع: وطفة، علي أسعد، و الشهاب، علي جاسم، علم الاجتماع المدرسي بنيوية الظاهرة ووظيفتها الاجتماعية، 235.
[58]. كانط، ثلاثة نصوص (تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟)، 19.
[59]. القائمي، الأسرة والطفل المشاكس، 36.
[60]. يراجع: المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، 3: 522.
[61]. نهج البلاغة، 640-641، ح73.
[62]. الريشهري، ميزان الحكمة، 1: 54.
[63]. نهج البلاغة، ح359.
[64]. الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، 82.
[65]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 6: 259-260.
[66]. البقرة: 44.
[67]. هود: 88.
[68]. الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، 7062.
[69]. الصدوق، من لا يحضره الفقيه، 4: 384، ح5834.
[70]. النوري، مستدرك الوسائل، 12: 207، ح13895.