الباحث : د. عباس حمزة حمادي
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 38
السنة : ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث : 798
يقوم هذا البحث بشكل رئيس، على الرّبط بين مفهوم الثّقافة، وبين ما يؤول إليه بالضّرورة من نسبيّة للقيم في المجتمع الغربي بخاصّة. وإنّنا يمَّمنا شطر ذلك الرّبط بالاتّكاء – نقديًّا - على أصول الفكر، والفلسفة الإسلاميّة. كما أنّ هذه الاتّكاءة النّقديّة الّتي أحاطت بذلك الرّبط، إنّما بنيت على مداميك ثابتة، وأصيلة، ومستمدّة من معين السّيّد محمد باقر الصّدر بوصفها نموذجًا ساطعًا بارزًا. وما لجوؤنا إليه إلّا للاستكثار من مزيد عوارفه، والوقوف على دقائق أسراره المنهجيّة، ومعانيها الغنيّة الثرَّة. وأنّ الأمر متى تعلّق بالقضايا الفكريّة، والمقاربات العلميّة، تجد ذلك من اللَّيان بحيث يغدو طوع بنانه، إزاء الظّرف الرّاهن، والمستجد، مهما بدا ذلك متعذّرًا على غيره، أو متعسّرًا. وقد استبانت خواصّ السّيّد تلك، في كلّ ميدان ذي صلة، بكلّ سطوع، وحسن تناول.
هذا، وقد فتحنا باب الحديث عن الثّقافة في المفهوم الغربي، وما يستتبع ذلك من الإطلالة عليها تاريخيًّا، وإلقاء ضوء وهّاج على لوازمها. ومن ثمّ المرور بالقيم، وتحديد مرجعيّاتها، ومصادر تكوينها، إلى أن جاءت محطّة الوقوف عند نسبيّة تلك القيم، لأجل إسقاط ذلك على الثّقافة نفسها. وقبل الاستعانة بالسّيّد الصّدر في نقد الحضارة الغربيّة، رأينا لزامًا علينا إبراز نقد الغرب للغرب، ما يرقى إلى مقام الحجّة والدّليل..
الكلمات المفتاحيَّة: مفهوم الثّقافة، نسبيّة القيم، القراءة النّقديّة، أصول الفكر، مرجعيّة القيم، مصادر تكوين القيم، الأصالة النّقديّة: الأنا والآخر.
أوّلًا: الثّقافة في المفهوم الغربي
1. إطلالّة تاريخيّة
من المعروف بين الدّارسين، وعلى نطاق واسع ورحب، أنّ مفردة الثّقافة[2] يعود مصدرها إلى اللّغة اللّاتينيّة الكلاسيكيّة، أو ما قبل الكلاسيكيّة. وقد كانت في الأصل بمعنى الزّراعة، أو التّربية. ولا يزال هذا المعنى قائمًا، وموجودًا في مفردات الزّراعة[3]، والبستنة[4] بشكل مخصوص[5]. إذًا، وبناءً على ما تقدّم، يتّضح بجلاء أنّ تلك المفردة؛ أي الثّقافة، استُعملت فيما مضى من العصور، لتدلّ دلالة واضحة على الاهتمام بالزّراعة، وما يستتبع ذلك من العناية بالماشية بالضّرورة. أمّا في العهد الرّوماني القديم، فقد زيد على الدّلالة الّتي ذكرناها لتوّنا، دلالة أخرى، أو معنًى آخر ألا وهو فلاحة الأرض.
وفي القرن الثّالث عشر الميلادي، ارتبطت الثّقافة في فرنسا بالدّلالة اللّاتينيّة؛ أي الزّراعة، والماشية، إلى أن تحوّلت إلى دلالة الفعل (فلاحة الأرض) مع بداية القرن السّادس عشر. ومع انتصاف هذا القرن، تكوَّن المعنى المجازي لكلمة الثّقافة، بصفتها إشارة إلى تطوير الكفاءات وإنمائها. وهكذا، استمرّت كلمة الثّقافة في القرن السّابع عشر تختصّ بالزّراعة، وفلاحة الأرض، واستنباتها، متنقّلة من الثّقافة باعتبارها حالًا إلى الثّقافة باعتبارها فعلًا[6]. وما دام الأمر على هذه الشّاكلة من التدرّج الإيجابي الّذي يلحق بمفردة الثّقافة مع تعاقب الأزمنة، فلا ينبغي أن يقع من الباحث شكٌّ، أو ريب في أنّ هذا التدّرج سوف يحيلنا لاحقًا إلى دلالة أرفع، وأسمى لتلك المفردة؛ بمعنى أن يطال الأمر نماذج التّفكير، وبراديغمات المعرفة.
ومن ثمّ بدأت كلمة الثّقافة تفرض نفسها بمعناها المجازي في القرن الثّامن عشر. وبهذا المعنى تمّ إدراجها في قاموس الأكاديميّة الفرنسيّة[7]. وهي في أغلب الأحيان، متبوعة بمضاف يدلّ على موضوع الفعل. وهكذا كان يقال «ثقافة الفنون»، و«ثقافة الآداب»، و«ثقافة العلوم»، كما لو كان ضروريًّا أن يُحدَّد الشّيء المعتنى به تثقيفيًّا. وتدريجيًّا، تحرّرت الثّقافة من متمّماتها المضافة، وانتهت إلى استعمالها منفردة للتّدليل على «تكوين» الفكر، و«تربيته[8]».
2.الثّقافة اصطلاحًا
من الطّبيعي أن يقع الباحث على تعريفات للثّقافة، لا يحصيها عدٌّ ولا يحدُّها حدٌّ، ومن الطّبيعي أن نسمع من يثبت دعواه في شأنها هنا، وينفي ما يثبت غيره هناك. ولكن، وعلى أيّ حال، لا بدّ من عرض بعض التّعريفات الّتي نراها تنسجم مع ما ذكرناه:
1. تعريف تايلور[9]: الثّقافة هي ذلك الكلّ المركّب المشتمل على المعارف، والمعتقدات، والفنّ، والقانون، والأخلاق، والتّقاليد، وكلّ القابليّات، والعادات الأخرى، الّتي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع[10]. وتعريف تايلور هذا، من أقدم التّعريفات الّذي قدّمه سنة 1871 في كتابه «الثّقافة البدائيّة». وحسبه؛ أي التّعريف، أن ينقل مفردة الثّقافة إلى واقع اجتماعي يمكن رصد حركته أفقيًّا، وعاموديًّا بسهولة ويسر.
2. تعريف بيرستد[11]: الثّقافة هي ذلك الكلّ المركّب الّذي يتألّف من كلّ ما نفكّر فيه، أو نقوم بعمله، أو نتملّكه بصفتنا أعضاءً في مجتمع[12]. ويجمع هذا التّعريف بين الفكرة الموجودة في الذّهن، ونماذج تطبيقها على أرض الواقع، ما يوحي بتحقيق الذّات لدى الفرد، بما يحمله من قيم، وعادات مجتمعيّة.
3. تعريف روشيه[13]: الثّقافة هي مجموعة من العناصر لها علاقة بطرق التّفكير، والشّعور، والفعل. وهي طرق صيغت تقريبًا في قواعد واضحة التي اكتسبها، وتعلّمها، وشارك فيها جمع من الأشخاص- تستخدم بصورة موضوعيّة، ورمزيّة في آن معًا، من أجل تكوين هؤلاء الأشخاص في جماعة خاصّة، ومميّزة[14]. وثمّة من يعبّر عن الثّقافة بمقولة شائعة، ورائجة بأنّها «طريقة في الحياة»، وحتّى إذا ما قارنّا هذه المقولة بما أتى عليه روشيه، نجد أنّ تعريفه أثْبَت في الوصف، وأشمل في المعنى.
4. تعريف كروبير[15] وكلوكهون[16]: تتكوّن الثّقافة من نماذج ظاهرة، وكامنة في السّلوك المكتسب، والمنتقّل بواسطة الرّموز، والّتي تُكون الإنجاز المميّز للجماعات الإنسانيّة، والّذي يظهر في شكل مصنوعات ومنتجات. أمّا قلب الثّقافة فيتكوّن من الأفكار التّقليديّة (المتكوّنة والمنتقاة تاريخيًّا)، وبخاصّة ما كان متّصلًا منها بالقيم. ويمكن أن نعدّ الأنساق الثّقافيّة نتاجًا للفعل من ناحية، كما يمكن النّظر (إليها) بوصفها عوامل شرطيّة محدّدة لفعل مقبل[17].
ومن الدّليل على شموليّة هذا التّعريف، أنّه يجمع بين السّلوك المكتسب، والتّرجمة العمليّة له واقعيًّا، وما يتمخّض عن ذلك من نتاج اجتماعي، الأمر الّذي يحدّد النّسق الثّقافي المميّز لمجتمع عن آخر.
3. لوازم مفهوم الثّقافة
1. اللّغة: يرى أرسطو[18] أنّ اللّغة الّتي ينطق بها الإنسان، ما هي إلّا دلائل تشير إلى ما يعتمل بداخله من عواطف، وأفكار، وانفعالات نفسيّة. وهذه هي المولّدات الدّاخليّة للّغة – إن صحّ التّعبير – وهي نتاج داخليّ أيضًا، وكذلك هي تمثيل للمقدرة العقليّة لدى الإنسان[19].
وبناءً عليه، يمكن اعتبار اللّغة أحد الأعمدة الرّئيسة الّتي تحدّد الثّقافة فلسفيًّا. وبالتّالي، يمكن النّظر إليها بوصفها وسيلة تفكير يستخدمها الإنسان، لكي يعكس من خلالها فهمه للعالم من حوله. وهذا ما يحيلنا إلى ربط اللّغة بواقع الفرد المعاش – الثّقافي مثالًا – كون المعاني، والمفاهيم الّتي يحملها في ذهنه، لا بدّ تعتمد بالضّرورة على التّواصل اللّغوي الّذي يكتمل بنيانه بمعيّة الثّقافة.
2. الهويّة الثّقافيّة: تندرج الهويّة الثّقافيّة في قائمة أهمّ الموضوعات في الفلسفة الحديثة. وإذا أردنا التّحديد أكثر، وزيادته تركيزًا، ووضوحًا، أمكننا الحديث عن كيفيّة تشكّل تلك الهويّة في مجتمعاتنا المعاصرة. وليس غريبًا أن يتعلّق هذا المفهوم بنحو، أو بآخر، بأثر البيئة الثّقافيّة في الشّخصيّة الفرديّة، والجماعيّة على حدّ سواء.
وفي خضّم بحثنا الدّؤوب عن مندرجات هذا المفهوم، وجدنا أنّ فيبر[20]، وفي كتابه «الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرّأسماليّة»، راح يناقش موضوع الدّين المتمثّل بالكنيسة، وقدرة هذه الأخيرة على تشكيل الهويّة الثّقافيّة لأفراد المجتمع، والتّأثير تاليًا على قيم العمل، والسّلوك الاقتصادي.
فقد دلّ على ذلك بشكل غير مباشر بالتّالي: لا شكّ أنّ التّحرّر من الاتّجاه الاقتصادي التّقليدي، يبدو بمنزلة أحد العوامل الّتي ينبغي أن تعزّز الميل إلى التّشكيك أيضًا بالتّراث الدّيني، وإلى التّمرّد على السّلطات التّقليديّة! غير أنّ المهمّ أيضًا الإشارة إلى حقيقة منسيّة جدًّا، وهي أنّ الإصلاح الدّيني لا يعني بالتّأكيد إزالة سيطرة الكنيسة بشكل نهائيٍّ على شؤون الحياة، بل يعني بالأحرى إبراز القديمة منها بشكل جديد من السّيطرة؛ أي سلطة تخترق كلّ ميادين الحياة العامّة والخاصّة، فارضة تنظيمًا للسّلوك شديد الوطأة، والقساوة[21].
أمّا دوركايم[22]، فيعتبر أنّ الهوّيّة الثّقافيّة هي نتاج التّفاعل الاجتماعي الّذي يولّد بدوره معايير، ومفاهيم ثابتة في المجتمع، مثل الأنماط الاجتماعيّة، والممارسات الثّقافيّة. واعتقد أنّ الوعي الجماعي له تأثير قويٌّ جدًّا على النّاس في مجتمعات ما قبل الصّناعيّة. وهذه المجتمعات تميّزت بالتّضامن الآلي؛ فهم يشعرون بمعنى التّضامن؛ لأنّ كلّ فرد منهم يشبه الآخر..... واعتقد أيضًا أنّ الثّقافة المشتركة (الهوّيّة الثّقافيّة)، أو الوعي الجمعي ضروريّان، إذا أريد للمجتمع أن يواصل حياته بانتظام. وهذه الثّقافة المشتركة توجد وفق رغبات، وخيارات الأفراد وهي مقيّدة لسلوكهم[23].
ثانيًا: القيم
ليس يخلو الكلام عن القيم من أن يكون عامًّا شاملًا، يطال معظم الميادين المعرفيّة، والفكريّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسّياسيّة، وكذا الضّوابط المجتمعيّة الّتي تضبط سلوك الفرد، بالإضافة إلى العلاقات الإنسانيّة بين بني البشر.
وفرق جليّ بين أن يكون للقيمة دلالة معيّنة في بيئة مجتمعيّة ما، وبين أن لا يكون لها الدّلالة نفسها في بيئة مجتمعيّة أخرى. ولأنّ الأمر ليس سواءً بين البيئتين، ففي هذا كفاية للحديث عن «نسبيّة القيم»، وعن تباين أكيد في وجهات النّظر، فيما يتّصل بمقاربة القضايا الخاصّة والعامّة؛ أمّا إذا حدث أن تشابهت القيم بين جماعتين اجتماعين، أو أكثر، وجرت جميعها مجرى الاتّفاق، والانسجام، والاندماج، عندها تسقط فرضيّة «نسبيّة القيم»، ليحلّ محلّها التّطابق إلى حدّ بعيد في النّظر إلى الأشياء المحوريّة في حياة الفرد.
1.إطلالة تاريخيّة إلى مرجعيّة القيم في التّفكير الغربي
إنّ الإطلالة التّاريخيّة على مرجعيّة القيم في التّفكير الغربي، لن تكون قويّة القاعدة راسخة الجذور، ولن ينجز غرضنا منها وبها، إلّا إذا سيقت إليك وفق التّرسيمة التّالية:
1. مرجعيّة القيم في الفلسفة اليونانيّة: تعدّدت المذاهب الفكريّة الّتي تناولت موضوعة القيم في الفلسفة اليونانيّة؛ فتشظّت الآراء في كلّ اتّجاه، وتعدّدت الرّؤى الفلسفيّة، وتنوّعت أيّما تنوّع، إذ اختلطت الأمور على النّاس بين أسطورة تحكي لنا تعدّد الآلهة، وصراعاتها هنا، وبين فلسفة مثاليّة، أو واقعيّة هناك.
هذا، وقد اشتهر عن السّوفسطائيّين مثلًا، أنّهم لا يعيرون اهتمامًا، أو لا يؤمنون بوجود حقائق ثابتة، أو معايير مطلقة. وعليه، وبحسب زعمهم، فإنّ القيم قيم نسبيّة، وتختلف بالضّرورة من إنسان إلى آخر، وهي متغيّرة من بيئة اجتماعيّة إلى أخرى. وبالتّالي، يرجع الحكم تقويمًا للسّلوك، والأفعال، إلى الإنسان نفسه وفق معاييره الشّخصيّة، ورؤيته الذّاتيّة.
2. مرجعيّة القيم عند مكيافيللي[24]: لا يذكر مكيافيللي إلّا ويذكر معه مؤلّفه «كتاب الأمير»، ومقولته «الغاية تبرر الوسيلة». وهذه الأخيرة، تنبّىء تلميحًا، أو تصريحًا، عن أنّ قيمة الشّيء تتبدّل بتبدّل الغاية المنشودة. وإذا كان الأمر على هذا النّحو، تبطل المقولة الّتي تزعم أنّ قيمة الأشياء ثابتة، ولا يرقى إليها التّغيير بحال. وذلك أنّنا –بحسب ميكافيللي- إذا نظرنا إلأى الأمور نظرة صحيحة، لوجدنا أنّ بعض ما يبدو فضائل قد يهلكنا لو طبّقناه. والبعض الآخر الّذي يبدو من الرّذائل قد يسبّب سلامة الإنسان وسعادته[25].
وفي دعوته لإلباس الحقّ لبوس الباطل، والعكس صحيح على أيّ حال - إذ لا يرى الضّر في ذلك ما دام الأمر قائمًا في مصلحة الأمير- تجده يصرّح بأنّ الأمير مضطرٌّ أن يعلم جيّدًا كيف يتصرّف كالحيوان، فهو يقلّد الثّعلب، والأسد، لكن الأسد لا يستطيع أن يحمي نفسه من الفخاخ، والثّعلب غير قادر على مواجهة الذّئاب. وعلى المرء إذًا، أن يكون ثعلبًا ليواجه الفخاخ، ويكون أيضًا أسدًا ليخيف الذّئاب ... وعلى الأمير (أيضًا)، ألّا يحفظ عهدًا يكون الوفاء به ضدّ مصلحته، وألّا يستمرّ في الوفاء بوعد انتهت أسباب الارتباط به[26].
3. مرجعيّة القيم في القرون الوسطى (القرن الخامس-القرن الخامس عشر): تأثر كما هو شائع، العهد الجديد بالثّقافة اليونانيّة، والفلسفة الوثنيّة بشكل مخصوص. وهذا ما دفع الكنيسة آنذاك، إلى الاهتمام بأعمال أرسطو لأجل تفسير أسفارها المقدّسة. هذا، وتعود فكرة الجمع بين الفلسفة اليونانيّة، والعقيدة الكاثوليكيّة إلى توما الأكويني. ومن المعلوم، أنّ أهمّ أعمال أرسطو الّتي تبنّتها الكنيسة، هي كتب المنطق السّتّة المدرجة جميعها بين دفّتيّ كتاب الأورغانون[27] والّتي تعدّ بمنزلة القانون الّذي يضبط عمل العقل. والأورغانون لفظ يعني الأداة، أو المنطق نفسه، بوصفه أداة للتّفكير العلمي[28]. وليس غريبًا أن يحتاج التّفكير العلميّ إلى أداة تعينه في معارج تطوّره، ومراقي تقدّمه.
4. مرجعيّة القيم عند بيكون[29]: وإذا علمنا الآن أن لبيكون كتابًا عنوانه «الأورغانون الجديد»، عرفنا من فورنا أنّ لفظة الأورغانون ههنا، استخدمت من جانبه لتعارض اللّفظة نفسها الّتي جاء بها أرسطو من قبل. وفي هذا الأورغانون الجديد عكف بيكون على نمط جديد من الاستقراء العلميّ التّجريبي، جاعلًا التّجربة - ومعترفًا بفضلها – المدماك الأساس للازدهار العلميّ، والسّيطرة على الطّبيعة. وكثيرًا ما كرّر دعوته، للثّقة بالفلسفة الطّبيعيّة الّتي تقوم بالمبدأ، على التّجربة الحسّيّة، وضرورة إعلاء شأنها.
هذا، وقد تولّى بيكون شرح منهجه وفق التّالي: إنّ منهجي، على الرّغم من صعوبته في التّطبيق، سهل في الشّرح؛ منهجي هو أن نرسي درجات متزايدة من اليقين ... أن نستمرَّ في الأخذ بشهادة الحواس، ونساعدها، ونحصّنها بنوع من التّصويب. ولكن نرفض بصفة عامّة، العمليّة العقليّة الّتي تتلو الإحساس، لنفتح مسارًا جديدًا للعقل أكثر وثوقًا، يبدأ مباشرة من الإدراكات الحقيقيّة الأولى للحواس نفسها[30].
وهكذا، يبدو بجلاء أنّ مرجعيّة القيم عند بيكون مرجعيّة تجريبيّة، بعد أن كشف الأغطيّة، والأستار عن الحواسِّ، وأبرز دورها الأصيل – بحسب ما رأى - في إدراك الحقيقة، وأنّ العلم الصّحيح هو الّذي يأخذ بالملاحظة، والتّجربة، وغايته منفعة النّاس العمليّة. وعليه، نستطيع أن نقرّر باختصار، أنّ ثمّة عوامل ميدانيّة تدرك بالحواس، تُمنح لها اليد الطّولى في إنعاش قيمة هنا، والحكم بالموت على قيمة هناك.
5. مرجعيّة القيم عند ديكارت[31]: ديكارت منح العقل مرتبة الشّرف في إثبات الحاجة إلى الإيمان، والفضيلة، وما يتمخّض عنهما، من منظومات قيميّة تنحي الخطأ جانبًا، وتضع الشّيء الصّحيح مكانه الصّحيح.
وعقلانيّة ديكارت الجامحة ارتبطت أيّما ارتباط بالمنهج الّذي ألزم نفسه به، وهو مجموعة من القواعد العقليّة الّتي يكون سلوكها من دون خطأ، كافيًا للوصول إلى اليقين. والمنهج عنده يتكوّن من أربعة مبادىء، حيث ينص المبدأ الأوّل على التّالي: ألّا أقبل شيئًا ما على أنّه حقّ، ما لم أعرف يقينًا أنّه كذلك؛ بمعنى أن أتجنّب بعناية التّهوّر، والسّبق إلى الحكم قبل النّظر[32].
وعليه، من حقّنا أن نسأل:
هل أنّ المرجعيّة العقليّة بحسب ما يرى ديكارت، أمر ثابت لا يهتز بحال؟
أين دور التّجربة الّتي تغذّي العقل، وترفده بالمعطيات الخارجيّة؟
ماذا عن تحكّم المزاج، ودوره في خلخلة بنيان تلك المبادىء؟
كيف نحرّر أنفسنا من احتلال العواطف، والمشاعر مساحة رحبة، وواسعة من حياتنا الشّخصيّة؟
6. مرجعيّة القيم عند كونت[33]: يستبعد كونت في مقاربته لموضوعة القيم المجال الميتافيزيقي، وكذا التّفكير في أمور لا تدخل في دائرة الواقع المعاش. هذا، وقد عمد إلى تحليل الواقع المحسوس بأدوات البحث التّجريبي، حيث اعتبر أنّ القيم، والحقائق، والظّواهر الأخلاقيّة نسبيّة، وليست مطلقة؛ أي أنّها واقعيّة يتبنّاها إنسان موجود بالفعل.
ويضمّ إلى ما سبق، حقيقة أن كونت أطلق على فلسفته مفردة الوضعيّة، باعتبار أنّ ما يحتاج إليه الإنسان، هو العلم الوضعيّ الّذي يكشف لنا القوانين اللّازمة للسّيطرة على الطّبيعة. وللعلم، فإنّ العصر الّذي عاش فيه كونت اتّسم بالفوضى الفكريّة، والغوغائيّة المذهبيّة، حيث ظلّت الشّعوب الغربيّة تعيش حالًا من الكبت، والحجر على الحرّيّات لأكثر من ألف عام تقريبًا. وكانت تلك الشّعوب محصورة بين مطرقة رجال الكنيسة، وفسادهم، وبين سندان الإقطاع، والملوك الظلَمة ... كما فرضت الكنيسة على العقول ألّا تفكّر في أمور الكون المادّي، وأن تلتزم بالتّفسيرات الكنسيّة له. والعلماء الّذين يخرجون بعلمهم عن مقرّرات الكنيسة، فإنّ التّعذيب، والحرق بالنّار مآلهم[34].
إذًا، تعتبر الوضعيّة المنطقيّة بمنزلة المرجعيّة للقيم عند كونت، والقيم موجودة بالفعل في حياة الفرد الحسّيّة، ومرتبطة بالضّرورة بالزّمان والمكان، وهي لا محالة تتطوّر بحسب طبيعة تغيّر كلّ منهما. وبالتّالي، فإنّ أهمّيّة القيم لها ارتباط وثيق بوجود الإنسان، كونها شغله الشّاغل على مرّ العصور.
7. مرجعيّة القيم عند نيتشه[35]: ذهب نيتشه إلى أنّ موجة العدميّة الّتي أصابت الحداثة، ما هي إلّا أزمة قيم فقدت كلّ رونقها وجدتها، في ظلّ انحطاط الحضارة المادّيّة الواثقة بسذاجة كبيرة في التّقدّم العلميّ والتّقني[36].
وإنّ المتتبّع للمسار الّذي انتهجه نيتشه – مسار مناقض تمامًا للمسار العقلاني الدّيكارتي - في قراءته العميقة للانهيار القيمي في الغرب، لم يُرِدْ من خلاله إلقاء ضوء ساطع على الإشكاليّات المرتبطة بالقيم فقط، بل السّعي الدّؤوب لتمزيق الأغطية الّتي تتستّر، أو تختبىء تحتها القيمة الحقيقيّة للقيم. ومن تلك الإشكاليّات، أنّ الواقع في صيرورة دائمة - والصّيرورة هي جوهر الحقيقة، وجوهر الحياة برأي نيتشه – وبالتّالي، فإنّ أيّ تصوّر عقليّ يسعى لتثبيت الواقع، فإنّه لا يمكنه إماطة اللّثام عن حقيقته، وفي الغالب يشوّه صورته، بسبب تعارض الثّبات مع الصّيرورة!
وإذ أشرنا لتوّنا بأنّ مسار نيتشه ليس ديكارتيًّا، فإنّ ذلك لا يعني بالضّرورة أن يكون لاعقلانيًّا، بحيث يبدو نيتشه معه معادٍ للعقل والعقلانيّة بشكل مطلق، بل بالأحرى يجب القول إنّ مهاجمته لعقلانيّة الفلاسفة مبنيّة على كونها منافية للعقل؛ بمعنى أنّه يهاجم الطّريقة الّتي استعمل بها العقل في الفلسفة. وهي طريقة لم تستطع التّعرف إلى قدرات العقل، وإمكاناته الحقيقيّة، فظلّت تستعمله خارج نطاقه، وبدون مراعاة حدود صلاحيّته، وشروط تركيبه[37].
وفي قبالة ذلك، فهمنا من قراءة مركّزة لفلسفة نيتشه - وبخاصّة ما يتعلّق بسؤال القيم لديه – أنّه يرفع اللّاشعور مرتبة أعلى من مرتبة العقل، ذلك أنّ اللّاشعور أحقّ بعلوّ المرتبة من العقل، وهذا ترتيب لا يَعْتَوِرُهُ التباس، ولا يدانيه شكّ في المفهوم النّيتشوي. وعليه، فإنّ الحقيقة لا تكمن في العقل، هذا الطّاغية الّذي يدعو إلى التّحكّم في العواطف والغرائز، وإنّما تكمن في اللّاشعور، وذلك لأنّ الأحاسيس الّتي نعتبرها مشروطة بالعالم الخارجيّ، هي في الحقيقة مشروطة بالعالم الدّاخليّ. والفعل الحقيقيّ الّذي يقوم به العالم الخارجيّ، يتمّ دائمًا بطريقة لا شعوريّة[38].
ونحن، إذ ندور دورة قصيرة حول ما تقدّم من أفكار نيتشه، نعود محمّلين بجملة من الأسئلة. هذه أبرزها:
هل اللّاشعور عند نيتشه هو المعادل الموضوعي للعقل اللّاشعوريّ الّذي نادى به فرويد[39]، والّذي وجد صعوبة في إقناع الفلاسفة، والعلماء آنذاك، بوجود مثل هذا العقل؟
هل يرى نيتشه كما فرويد، بأنّ الحياة العقليّة تتكوّن أساسًا من اللّاشعور، الّذي يمثّل الجزء الأكبر من جبل الجليد، مقارنة بالشّعور؟
8. مرجعيّة القيم عند فيبر[40]: نرى عملًا طويلًا على التّنظير للفعل السّياسي، بضوابط مرجعيّة أخلاقيّة، ومحدّدات ملزمة لدى التّواصل مع المجتمع، ما يضمن الحقوق، والحرّيّات للفرد داخل الإطار العام، على هدي منارة من قناعات، والتزامات تساهم عن جدارة في بلورة ثقافة الحوار، والتّعايش، والتّلاقي. وهكذا، حمَّل فيبر الفعل السّياسيّ جملة من القيم، والمعايير الّتي تؤسّس فضاءً تفاعليًّا عامًّا؛ رؤًى وممارسات. إذًا، لا مجال لتحديد ملامح الفعل السّياسي عند فيبر، من دون العودة إلى العلاقة بين الفرد، والنّظام السّياسي الّذي يعيش في كنفه.
وهذه العلاقة تتجلى في فنّ رجال السّياسة في التّرويج لأفكارهم وإيديولوجيّتهم، ومدى قابليّة الأفراد على طاعة هذه النّخب الفاعلة سياسيًّا. والسّبب في ذلك، أنّ إطاعة أحدى الأنظمة السّياسيّة تفترض في نظر فيبر الإيمان بشرعيّة هذا النّظام، وأنّ الطّاعة ليست خضوعًا لإكراه، بل هي بالأحرى التزام[41].
وعلى نحو من التّأويل المقبول، نجد أنّ الفعل السّياسي يشكّل عند فيبر، أرضيّة صالحة لبلورة مجموعة من القيم، يلتزم بها الأفراد في حلهم، وترحالهم، بلا ضغوط خارجيّة، ولا أيّ نوع من التّهديد، أو الوعيد، أو الإقصاء. وهذا ما يؤدّي بالضّرورة إلى تأسيس مجال سياسيّ، يحتضن انسجامًا مجتمعيًّا يعبّر عن الاعتراف بالآخر.
2.مصادر تكوين القيم في المجتمع الغربي
لا شكّ بأنّ القيم الغربيّة لم تأتِ من فراغ، أو من مجهول من غير قرار واضح، بل ولدت، وأبصرت النّور من رحم جملة مصادر محدّدة بشكل صريح. نذكر بعضها:
1. الإنسان: الإنسان مصدر من مصادر ولادة القيم في المجتمع، وخروجها إلى العلن. وأنّه هو الّذي يُعلي من شأن هذه القيمة، ويُنقص من شأن أخرى؛ فتنتشر الأولى انتشار الشّائعة المحبوكة بدهاء، فيما تنطفىء الثّانية تدريجيًّا حتّى يخبو أوارها. وعليه، تتدخّل الرّغبة الذّاتيّة للفرد، وكذلك اللّذة، والألم، في اختيار قيمة من القيم، وتفضيلها على غيرها، ما يعني أنّ سمة التّغير سمة لازمة في هذا المقام.
وما القيم إذًا، إلّا ترجمة للمشاعر الفرديّة الشّخصيّة في كلّ فرد، والملكة الفرديّة في وسعها تصوّر الأمور، وإدراك المثل العليا. وبناءً على ذلك، فإنّ قيم الأشياء يتعلّق تقديرها بالمثل العليا المدركة من قبل الأفراد[42]. والحال هذه، فإنّ الذّات الفرديّة ههنا، هي الّتي تمنح الشّيء قيمة محدّدة، وتصدر بالتّالي بالأخذ بها، أو الامتناع عنها.
ب. المجتمع: لا جدال في أنّ للمجتمع كلمة مسموعة، في وضع المعايير، والضّوابط الّتي على أساسها يتمّ تصنيف المرغوب فيه، وغير المرغوب فيه من القيم، وذلك على المستويين الشّخصي والاجتماعيّ؛ لا فرق. ولإيضاح ما تقدّم، فإنّ ثمّة من يرى أنّ القيم هي صنيعة المجتمع؛ أي صنيعة الذّات الجمعيّة، وليس الذّات الفرديّة.
إذًا، يجد الأفراد أنفسهم إزاء جدول للقيم، على نحو مقرّر تمامًا وفق وضع خارجيّ بالنّسبة لهم، ولا يملكون إلّا أن يلائموا أحكامهم وفق هذا الجدول؛ فالرّأي العام – مثلًا- يميل إلى فرض نفسه على الحالات الفرديّة فرضًا، بما له من سلطة معنويّة مستمدّة من أصول جمعيّة[43].
ت. القانون الطّبيعيّ: يحسُن ذكر القانون الطّبيعي مصدرًا للقيم في هذا المقام، إذ إنّ القيم بطبيعة الحال موجودة في بيئة الفرد قبل أن يولد. وعليه، لا بدّ له أن يتمثّلها في دورة حياته اليوميّة؛ فهي من ضلوع وجذور تلك البيئة. أمّا الّذين ينادون بهذا الرّأي، فيرَوْن أنّ الأمر لا يناقض العقل، ويتّفق مع طبيعة الأشياء.
ث. الدّين: القيم في المجتمع الغربي لها تعلّقات بالدّين لا فكاك منها، ولا مهرب. وهذا وارد على نحو غالب في العديد من المقاربات الّتي تناولت مفهوم القيم، وذلك في ميادين بحثيّة مختلفة ومتنوّعة. وعليه، لا تكتب الحياة للقيم بمعزل عن دور الدّين في ولادتها، وتوجيهها وجهة معيّنة.
وفي استطراد غير مخلٍّ، يكفي أن نفسّر مقصودنا من خلال آية واحدة وردت في القرآن الكريم، فيما يتعلّق بالمكانة الّتي تحتلّها القيم في الدّيانات السّماويّة – مع أنّ حديثنا عن المجتمع الغربي – وهي الآية 161 من سورة الأنعام، وحرفيّتها «قل إنّني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملّة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين». وتقرأ القيم بالكسر فالفتح مخفّف القيام، وصف به الدّين للمبالغة في قيامه على مصالح العباد. وقيل: وصف بمعنى القيّم على الأمر[44].
ولا جرم الآن، أن نعود أدراجنا إلى المجتمع الغربي، لنسوق إليك ما خلص إليه كلّ من بارسونز[45]، وفيبر[46] على سبيل الإشارة؛ ليس إلّا. وفي حين رأى الأوّل أنّ الدّين هو مصدر القيم الأساس، أرجع الثّاني تطوّر الرّأسماليّة في البلدان الغربيّة إلى بعض القيم البروتستانتيّة. وأكّد أنّ القيم الدّينيّة تمارس نوعًا من التّأثير المستقلّ على مجرى التّغيير الاجتماعي. وأوضح أنّ كلّ نسق قيميّ للدّين، أو الأخلاق، لا يمكن أن يستمدّ أصوله، وجذوره من اعتبارات اقتصاديّة، أو سيكولوجيّة، وإنّما يستمدّ تلك (الأصول)، والجذور من مصادر دينيّة بحتة[47].
ثالثًا: النّسبيّة في الفكر الغربي
يعرف على نطاق واسع ورحب، أنّ النّسبيّة عامّة لها جذور أصيلة، وثابتة في الفلسفة السّفسطائيّة، وامتدّ بعض من تلك الجذور إلى اوقات لاحقة، الأمر الّذي ولَّد – مع تعاقب الأيّام وتوالي السنين – ثورة على المستوى المعرفي الغربي بشكل مخصوص، والعالمي في مدًى أوسع. إنّ ذلك التّمدّد حكم علاقة الغرب بالعالم من حوله ومهّد له – تاليًا – الطّريق أمام مسيرة متمايزة في الفكر، والعلم، والفلسفة. ومن ثمّ إنّ الرّكب الّذي انضمّ إلى تلك المسيرة، تحكّمت النّسبيّة بخطواته حتّى باتت هذه الأخيرة، أوّل القافلة.
1.تاريخ النّسبيّة في الفكر الغربي: الجذور
إذا رجعنا ودقّقنا في الجدل الدّائر حول القيم، ومدى نسبيّتها، واتّصافها بالثّبات حينًا، والتّغيّر حينًا آخر؛ نجد لا محالة أنّ جذورها ممتدّة بعيدًا إلى العصور السّالفة، حتّى يصل بك المسير إلى فلاسفة اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد. وإذا كان هذا هكذا، فإنّ النّسبيّة ولدت في حجر السّوفسطائيّين[48]، الّذين صاغوها في العبارة المشهورة «الإنسان معيار كلّ شيء»؛ بمعنى أنّه هو الّذي يحدّد الحقائق العلميّة، والقيم الخلقيّة، وبوسعه أن يعدّلها، أو يلغيها، أو يستبدلها، حيث عُرفوا بأنّهم الّذين قاموا بإثارة المسائل الأخلاقيّة، والقواعد القيميّة، وماهيّة الأخلاق، ولماذا يتوجّب وجودها!
والحال هذه، نجدهم قد قصدوا عن عمد، وتصميم مسبق إلى خلخلة قيم عصرهم، واعتبروها نسبيّة ذاتيّة. وهذا ما يؤكّد أنّ كفّة تغيّر القيم أكثر رجحانًا من كفّة ثباتها. وهذا موضع، أو منعطف مشكل بلا شكّ، ولا ريب، إذ يحيلنا إلى إشكاليّة جديرة بإلقاء الضّوء عليها، والّتي تطرح نفسها بقوّة، وتتلخّص بالسّؤال التّالي: هل يحقّ لأيّ جماعة فكريّة أن تقطع بحكم ما، بحيث يسري مفعوله على بقيّة الجماعات، كونها المرجعيّة المطلقة لذلك، ولا سبيل إلى جحد ما تدّعي أو إنكاره؟ وزد على ذلك، أنّ فلاسفة اليونان عامّة، وعلى نحو إجمالي، قد توزّعوا، وتفرّقوا على غير مذهب في ما يتعلّق بمرجعيّة القيم؛ بين المثاليّة المطلقة، والمثاليّة العمليّة، فامتزجت، واختلطت الهياكل الفلسفيّة، والاتّجاهات المعرفيّة، بمجموعة من الأساطير الّتي تتحدّث عن الآلهة، والصّراعات المصيريّة فيما بينها.
وفي العصر الرّوماني، تأرجحت السّيطرة على القيم بين الرّواقيّة [49]والأبيقوريّة[50]، حيث أشارت الأولى إلى أنّ ممارسة الفضيلة تكفي للحصول على السّعادة، والخير، والرّفاهيّة، والسّعادة تكمن في العيش بحسب معطيات الطّبيعة، والعقل، والسّلام الدّاخلي، من دون الأخذ بالاعتبار الظّروف المحيطة، ودون جعل المتعة أولويّة. أمّا الثّانية فتعتقد أنّ السّعادة لا تتحقّق إلّا بالسّعي وراء المتعة والملذّات؛ أي غياب الألم والقلق. إذًا، اللّذّة بحسب الأبيقوريّين هي الخير، والألم هو الشّر، والفضيلة تبقى من دون قيمة إذا لم تقترن بها اللّذّة. وبالمقابل، فإنّ اللّذّة ليست مطلقة بل نسبيّة، وتقاس دائمًا بالألم المقابل لها، وتخضع باستمرار لقانون التّباين[51].
وفي موازاة ما تمخض عن الرّواقيّة، والأبيقوريّة، فقد برزت أيضًا إلى العلن نزعة الشّكّ الّتي اعتقد أصحابها أنّ الاحتمال وارد لا محالة في كلّ شي، الأمر الّذي أدَّى بهم إلى إنكار الفلسفة، والعلم، والمعرفة. وهذا ما قادهم جنبًا إلى جنب مع الرّواقيّة، والأبيقوريّة إلى الشّكّ في الصّواب، والخطأ، واعتبار أنّ الأحكام القيميّة لا يمكن بحال البرهنة عليها بطريقة صحيحة. وحالهم هذه الحال، تراهم يشكّكون في كلّ القيم السّائدة، إذ لم يعد هناك نظام يقيني ثابت، يمكن للإنسان أن يطمئن إليه. وهكذا نجد أنّهم وضعوا الغاية الأخلاقيّة خارج القيم نفسها، وأنّ اللّذّة هي معيار القيم[52].
ومن المألوف والمعتاد، أن يتصدّى في حقبة زمنيّة معيّنة لموجات الشّكّ، وعدم اليقين في كلّ شيء، علَمٌ بارز من أعلام الفكر والفلسفة، يضع الأمور في نصابها الصّحيح حتّى ولو كانت تلك الموجات تذهب، وتجيء سهلة منقادة. وعليه، نقول بكلام قاطع أنّ سقراط[53] دافع عن موضوعيّة الحقيقة، واستقلالها عن إرادة الإنسان وشهواته.
وحتّى إذا جاءت فترة العصور الوسطى، والّتي امتدّت من القرن الخامس حتّى القرن الخامس عشر الميلادي، شهدت أيّامها، ولياليها صدامًا عنيفًا، ومن غير هوادة بين الدّين والعلم، سيّما بعد تفسير الظّواهر الطّبيعيّة والكونيّة بأدوات علميّة غير معهودة آنذاك، في مقابل احتكار الكنيسة تفسير تلك الظّواهر على هديٍ من تعاليم الإنجيل. وحدث أن تراجعت الكنيسة خطوات إلى الوراء وعلى مضض، إذ لم تستطع دحض الحقائق العلميّة الّتي يؤيّدها العقل، ويدعمها المنطق السّليم، حيث اهتزّت ثوابت الحقيقة لمصلحة نسبيّة الحقيقة.
وهكذا، فقد تغلغلت خَلَل المصادر الدّينيّة المسيحيّة أفكار وضعيّة، فألبستها لبوسًا جديدًا غير معهود، أو مألوف، حيكت خيوطه من لونين اثنين فقط؛ نسبيّة القيم، وقابليّتها للتّغيّر، والتبدّل. كما أنّ اللّبوس القديم للقيم المسيحيّة، حدث أن حيكت خيوطه هو الآخر من ألوان مختلفة ومتعدّدة؛ من إنكار حقوق الإنسان في أن يحيا حياة طبيعيّة، وفي تلبية حاجاته الّتي تبقيه حيًّا من دم، وروح، كما وإهمال نزعاته، ورغباته النّفسيّة، وبخاصة الفطريّة منها.
2.نسبيّة القيم والمذاهب الوضعيّة
لا نقاش في كون النّسبيّة هي الّتي تستحكم الاستحكام الشّديد، بمفاصل المذاهب الوضعيّة في العصر الحديث:
1. المذهب التّجريبي: يرى لوك[54] - أحد التّجريبيّين البارزين وأحد ممثّلي النّزعة التّجريبيّة الإنكليزيّة - أنّ الإنسان يولد صفحة بيضاء. وهذه المقولة تقع في صلب المذهب التّجريبي الّذي يؤكّد حقيقة أنّ الإنسان يولد، ولا يعرف شيئًا. والحقّ عند لوك أنّ النّفس في الأصل لوح مصقول لم يُنقش فيه شيء، وأنّ التّجربة هي الّتي تنقش فيه المعاني، والمبادىء جميعًا. والتّجربة نوعان: تجربة ظاهرة واقعة على الأشياء الخارجيّة؛ أي إحساس، وتجربة باطنة واقعة على أحوالنا النّفسيّة؛ أي تفكير[55].
إذًا، ينسب التّجريبيّون أفعال الإنسان الصّالحة، والقبيحة إلى التّجربة، لتصبح هذه الأخيرة بيوميّاتها، وتفاصيلها منبع القيم ومصدرها. وهذا ما يحتّم عليهم على نحو غالب، تنحية ما يتّصل بالفكر القبلي الميتافيزيقي الغيبي جانبًا، على أن تكون التّجربة اليوميّة عنصرًا لازمًا، وشرطًا ضروريًّا؛ شريطة التزام الموضوعيّة في أي بحث، أو دراسة، أو تحليل، أو لدى التّصدي للقوانين الكلّيّة.
2. المذهب الماركسي: إنّ ديدن المذهب الماركسي ما هو إلّا النّظام الاقتصادي، لذا، لا غرابة في أن نجد أنّ دأب هذا المذهب، وعلى نحو متكرّر، اعتبار النّظام الاقتصادي بكلّ مكوّناته، وعناصره مصدرًا للقيم.
ولا يخفى على الدّارس أنّ الإنتاج هو القيمة المطلقة، والحاكمة في المذهب الماركسي، وبناءً عليه، راح ماركس[56] يثبت نظريّته في القيم على قواعد، ومداميك اقتصاديّة. ولأنّ دأب الظّروف الاقتصاديّة، وديدنها الّذي لا محيد عنه هو التّغيّر، فإنّ القيم لا يمكن أن تكون مطلقة، وإنّما نسبيّة متغيّرة على أيّ حال.
3. المذهب الاجتماعي: يرى دوركايم[57] أنّه ليس هناك سوى قوّة أخلاقيّة واحدة تستطيع أن تضع القوانين للنّاس؛ هي المجتمع[58]. ومن الطّبيعي على نحو غالب، أن يلتزم كلّ مجتمع بقائمة أخلاقيّة تميّزه عن غيره، حتّى أنّه لا نقع على قائمة أخلاقيّة موحّدة في نفس المجتمع، ناهيك عن المجتمعات الّتي لا تشبه بعضها في شيء.
ومن ثمّ، فإنّ مقولة دوركايم عن القوّة الأخلاقيّة الواحدة، تحيلنا إلى الغرض الّذي أريد بها، ألا وهو مقولته الأخرى عن العقل الجمعي، وما يستتبعه من مقولة ثالثة، وهي القهر الاجتماعي. إذًا، وحالنا هذه الحال، نجد أنفسنا أمام ثلاث مقولات دوركايميّة لها المنبع نفسه، والمصبّ نفسه! أي: أنّ القيم عامّة، والقيم الأخلاقيّة بالخصوص، لا هي فرديّة، ولا حتّى فطريّة، وإنّما تنعكس على مرآة الفرد من لدن المجتمع الّذي يعيش فيه. وبالتّالي، يسمح للمجتمع بتجاوز إرادة الفرد، والتّحكّم بها، ذلك أنّ هذا الأخير يكتب يوميّاته بما يمليه عليه المجتمع، بعيدًا من التّصوّرات، والحالات الفرديّة الّتي يتصوّرها، ويشعر بها.
4. مذهب التّحليل النّفسي: ينتهي الرّأي ههنا، إلى اعتبار الغريزة الجنسيّة بمنزلة حجر الرّحى الّذي يدور حوله هذا المذهب، وبالتّالي فإنّها تمثّل الدّافع الحقيقي للقيم لدى الفرد. ولأنّ الأمر يبدو على هذه الشّاكلة، فإنّ مصدر القيم بحسب فرويد[59] - أحد روّاد مذهب التّحليل النّفسيّ - هو وجدان الفرد النّفسيّ، بما يختلج فيه من أحاسيس، ومشاعر، ورغبات مكبوتة.
وعليه، لا قيمة تذكر خارج إطار الرّغبة، واللّذة، والانفعال الّذي يفضي إلى إخراج تلك الأحاسيس، والمشاعر، والرّغبات المكبوتة إلى العلن عبر الإشباع بطريقة، أو بأخرى، بشكل مستقلٍّ عن الدّين، والضّوابط المجتمعيّة. وكأنّ القيمة لا تراد لنفسها، وإنّما تراد لتُجعل دليلًا على ذلك الإشباع! وأنّه لو عمد عامد إلى ممارسة قيمة محدّدة من دون أن تعود عليه باللّذة أوّلًا وأخيرًا، أو أن تراعي ما لديه من رغبة، فإنّ الأمر لا يعدو كونه عملًا لا طائل تحته.
5. مذهب الإرادة المطلقة: يرى شوبنهاور[60] أنّ ما يحكم هذا العالم ليس إلّا إرادة الحياة. والإرادة بالمعنى الّذي يريده (هو) ليست هي الإرادة المعروفة (الإرادة العاقلة) إلى يومنا هذا؛ أي الإرادة المصحوبة بالمعرفة، والّتي تحدّدها الدّوافع. ويؤكّد أنّ كلّ ما ينتمي إلى العقل عرض، حيث يجب إذًا أن نفصل الشّعور، والدّوافع عن الفعل الإرادي[61].
وهكذا، فإنّ هذه الإرادة غير العاقلة والعمياء، تصبح مصدرًا وحيدًا للقيم، ولأنّ الفرد قادر على إرجاع كلّ القوانين الّتي تحكم العالم، وأشياءه إلى الذّات الفرديّة[62]، أمكننا التّصريح، والتّأكيد على نسبيّة القيم، وتغيرها من فرد إلى آخر.
وبالمقابل نجد نيتشه[63] يجعل الإنسان، وإرادته للقوّة مصدر القيم، فهو الّذي يضفي القيمة، ومعانيها على الأشياء؛ حيث أنّ الوجود عنده هو الحياة، ولا تكون الحياة إلّا بالإرادة، ولا تعتبر أيّ إرادة إلذا إرادة القوّة[64]. وهكذا، نجد الإرادة المطلقة (إرادة القوّة) عند نيتشه تدعو إلى القسوة، والعنف، والتّجاوز. وهي في هذا كلّه مصدر القيم أيضًا[65].
نعم، يقع الاختلاف، والتّباين بين إنسان، وإرادته هنا، وآخر وإرادته هناك، إذ لا يُتصور أنّه يجدر بهما، ومن حيث هما، أن يتشاركا، أو يتطابقا في الإرادة. وهذا ما يدفعنا دفعًا للحكم على القيمة بأنّها نسبيّة بامتياز.
6. المذهب الحسّي: القيم ههنا غير ثابتة، ومتغيّرة على الدّوام، ذلك أنّ الإنسان يكتسبها عن طريق الحسّ. وليس كلّنا نحسّ بالأشياء على نحوٍ متساوٍ لا اعوجاج فيه، ولا تباين. وعليه، ثمّة من يتذوّق قصيدة ما، وينزلها منزلة الحُلي من الشّعر. أمّا متذوّق آخر، فنراه يعتبرها مجرّد كلمات، وحروف مكرّرة لا يرجى لها فائدة، ولا نفع.
7. المذهب الوجودي: نلمح في أفكار أساطين هذا المذهب من أمثال كيركجارد[66]، ومارسيل[67]، وسارتر[68]، وبدافع رفضهم إخضاع الفرد للحتميّة الاجتماعيّة، أو الموضوعيّة العلميّة، وتقديسهم للحرّيّة باعتبارها مصدر الإلزام، أنّهم أسقطوا جميع القيم من حساباتهم؛ فكانت فلسفتهم في الحقيقة ضربة قاصمة للقيم، والفضائل الخلقيّة. وقد تجاوزت معاول هدمهم هذا الحدّ، وهوت بالحياة الإنسانيّة إلى مشاعر القلق، والعبث، والغربة، والعدميّة، واليأس[69].
والقول فيما يحسُن، وفيما لا يحسُن في هذا المقام يطول ويتشعّب، ذلك أنّ مؤدَّى هذه الفلسفة برأينا، ليس أقلّ من إطلاق العنان للفرد من خلال منحه حرّيّة كاملة مطلقة، لفعل ما يريد، ومتى يريد، وجملة الأمر ههنا، أنّ هكذا حرّيّة تخرج الفرد من دائرة العقل، لتصبح طلبته، ومرامه تحريك قيمه كيف يشاء، جاعلًا لنفسه وجودًا ذاتيًّا، وكأنّه المفسّر الوحيد لمعنى القيمة، وما ينتج منها.
8. المذهب البراغماتي: يمكن اعتبار البراغماتيّة المعادل الموضوعي للنّفعيّة، أو الفلسفة العمليّة، الّتي ترى أنّ الأفكار صادقة بمقدار ما تنتج من ثمار، وما تحقّق من منافع.
وهذا جيمس[70] يرى أنّ الخير يقوم على إشباع مطالب الإنسان، وتحقيق رغباته[71]. ومن بعده جاء ديوي[72] الّذي اعتبر الأفكار، والمثل العليا، والمبادىء مجرّد وسائل، وذرائع يستعين بها الإنسان، فيتوجّه سلوكه إلى حيث تتحقّق مطالبه وغاياته[73].
إذًا، مطالب الحياة الواقعيّة، وما تقتضيه ظروفها من أفعال وأعمال، هي الّتي تحتّم علينا اعتناق هذا المبدأ، أو ذاك، من دون اعتبار لما يسوقه إلينا تفكيرنا النّظريّ المجرّد. وإذا كان الامر كذلك، فلا بدّ من الاعتراف بنسبيّة القيم، وتبدّلها من حال إلى حال، بحسب المنفعة الّتي يتحصّل عليها كلّ منا.
رابعًا: الثّقافة ونسبيّة القيم
أصبح من المسلم به غربيًا، أنّ القيم ليست ثابتة، بل هي وليدة المجتمع - بظروفه المتغيّرة على الدّوام- الّذي ينشأ فيه الفرد، بحيث تعتبر نتاج ثقافته بامتياز. وعليه، لا بدّ من أن تؤدِّي الثقّافة دورًا محوريًّا في نسبيّة القيم لدى المجتمع الغربي، ما يسمح بتصنيف القيم الثّقافيّة على نحو غالب، ضمن قائمة السّياقات الاجتماعيّة التّاريخيّة في الفكر الغربي.
وحتّى تؤدّي الثّقافة ذلك الدور المحوري، نحكم بوجود ما يلي:
1. التّرابط بين الثّقافة والقيم: تعتبر القيم في الغرب جزءًا لا يتجزّأ من التّراث الثّقافي المتشكّل بالضّرورة عبر التّاريخ، وسياقاته المتعدّدة. وعليه، ليس ثمّة من معيار ثابت للحكم على ما هو صواب، وما هو خطأ، ذلك عملًا بمفهوم النّسبيّة الثّقافيّة؛ فالقيم، والمفاهيم الأخلاقيّة ليس بالإمكان فرضها، وإسقاطها بوصفها إجراءاتٍ كونيةً على جميع النّاس. إذًا، تتشكّل القيم بالعودة، والاتّكاء على الظّروف الثّقافيّة، والاجتماعيّة السّائدة في هذا المجتمع، أو ذاك.
2. النّسبيّة الثّقافيّة وتنوّع القيم: إنّ القيم الّتي يحملها، ويعمل بها أفراد ينتمون إلى ثقافة معيّنة، لا يمكن بحال محاكمتها بالعودة إلى معايير ثقافة أخرى. وهذا هو جوهر النّسبيّة الثّقافيّة.
3. الهيمنة الثّقافيّة: إنّ المعادل الموضوعي للهيمنة الثّقافيّة، إنّما هو الطّريقة الّتي تفرض الثّقافات الغربيّة سطوتها المفاهيميّة، والقيميّة على الثّقافات الأخرى. وهذا يدفع دفعًا إلى الجدل حول نسبيّة القيم، والانتقادات الثّقافيّة من جانب مفكّرين كثر، جازمين بأنّه لا يمكن لأيّ قيمة أن تكون عالميّة، وهذا ما هم مصمّمون على جحده، وإنكاره.
خامسًا: نقد الغرب للغرب
ليس خافيًا أنّ ثمّة أصوات عالية في الغرب، تتحدّث عن الهيمنة الثّقافيّة الغربيّة، ونماذجها المفروضة عنوة في مختلف أرجاء المعمورة، كقيم عالميّة لا محيد عنها بحال، بخاصّة في الدّول الغربيّة نفسها! وهذا رولز[74] في كتابه «نظريّة في العدالة[75]»، يصرح بأنّه من الواجب أن يحصل كلّ شخص على حقّ متساوٍ، في المخطط الأكثر اتّساعًا من الحرّيّات الأساس المتساوية، المتوافق مع مخطّط مماثل من الحرّيّات[76].
هذا، وإن دعا تصريح رولز إلى شيء، فإنّه يدعو إلى تحديد المبادىء العادلة الّتي يمكن أن تكون عالميّة، مع الأخذ بالاعتبار التّنوّع – الثّقافي مثالًا - في مندرجاته المختلفة. وغالبًا ما يأتي النّقد من داخل البيت إذا جاز التّعبير تأتيًا لافتًا، وذا أثر فعّال، وصوت مسموع. ولهذا مدلول واسع يعوّل عليه لدى السّعي لإبراز حقيقة المجتمع الغربي.
1. نيتشه[77]: برز نيتشه ناقدًا بأشد عبارات النّقد الأخلاق المسيحيّة الغربيّة، في محاولة أولى للقضاء على الأخلاق التّقليديّة. والسّبب في هجومه آنذاك، والّذي لم يعرف الهوادة، ولا الرّفق، واللّين، هو اعتباره أنّ تلك الأخلاق هي أخلاق العدميّة، والانحطاط. وقد هاله في رحلته الفلسفيّة أن يقع على نوعين اثنين من الأخلاق. أمّا الأوّل فأخلاق السّادة الّتي تتميّز بالتّفوّق، والقوّة، والإرادة، والأنفة، والعزّة. وما الثّاني سوى أخلاق العبيد الّتي وسمت بالضّعف، والعجز، وقلّة الحيلة.
هذا، والفكرة تقتضينا استيفاءً للبحث والتّناول، إيراد الدّوافع الّتي رجع إليها نيتشه، وأعلن بموجبها عن أنواع الأخلاق، حيث يقول بأنّ تحديد القيم الأخلاقيّة قام به؛ إمّا جنس السّادة المسيطرين الشّاعرين شعورًا كاملًا، والفخورين بوجود مسافة طويلة تفصل بينهم، وبين الجنس المسود المغلوب، أو قام بهذا التّحديد جماعة الأتباع، والرّعيّة، والعبيد المنحطّين من كلّ الأنواع! فالأخلاق ترجع في مجموعها إذًا إلى طابعين أو صنفين رئيسين: أخلاق السّادة وأخلاق العبيد[78].
2. فروم[79]: فلسفة فروم كانت تدور حول المجتمع الصّناعي الغربي والأميركي بشكل مخصوص. وقد أدان الحضارة الغربيّة الحديثة بتهمة جعل الإنسان مهووسًا بتملّك الأشياء، وتكديس الأرباح أكوام نقود فوق أكوام. وهذا ما جعل الإنسان الغربيّ يعيش حالًا من الاغتراب، وكأنّه معتزل عن ذاته، ضنين بالاعتراف بها، والارتداد إليها.
ويبيّن فروم أنّ هذه الحاجة إلى الاستهلاك الاضطراري، إنّما تنبع من إحساس الإنسان بالفراغ، واليأس، والتّوتّر. وإنّه بهذا النّهم الاستهلاكي، إنّما يهرب من قلقه، ومن تزعزعه! يحاول أن يضفي معنًى على حياته، وأن يتوهّم أنّه موجود[80].
3. ماركوز[81]: إنّ المتجوّل بين صفحات كتاب ماركوز «الإنسان ذو البعد الواحد»، يجد من غير عناء أنّ المؤلّف يوجه نقدًا لافتًا للحضارة الغربيّة الحديثة، ذلك أنّها زعزعت تفكير الإنسان، وبشكل مقصود ومتعمّد، خاصّة في ظلّ المجتمع الرّأسمالي الصّناعي، وحوّلته إلى إنسان أحادي البعد، بحيث بات معزولًا عن حقيقته الإنسانيّة، بلا فائدة، وضائع الغاية، والهدف. وزد على ذلك، أنّ تلك الحضارة آخذة باحتلال الإنسان من خلال الهيمنة التّكنولوجيّة، الّتي استعين بها للتّلاعب بالرّغبات وإعادة تشكيلها بهيئة جديدة، لخدمة النّظام الاقتصادي؛ مثالًا لا حصرًا. إذًا، هذه التّكنولوجيا في مُكنتها إعادة تشكيل الواقع المعاش، ما يسمح بسهولة، ويسر إخضاع الإنسان بسوط الإنتاج، والاستهلاك. وعليه، تصبح التّكنولوجيا لا تكفل الغاية المتوخّاة، والمأمولة، ولا حتى شيئًا منها.
ولتأكيد ما ذهبنا إليه للتّو، يقول: «إنّ المجتمع الصّناعي المعاصر يميل، بحكم طريقة تنظيميّة لقاعدته التّكنولوجيّة، إلى النّزعة الكلّيّة الاستبداديّة. والنّزعة الكلّيّة الاستبداديّة ليست مجرّد تنميط سياسيّ إرهابيّ، بل هي تنميط اقتصاديّ - تقني غير إرهابيّ، يؤدّي دوره عن طريق تحكّمه بالحاجات باسم مصلحة عامّة زائفة. ولا يمكن في مثل هذه الشّروط قيام معارضة فعّالة للنّظام[82].»
4. غرامشي[83]: يصح مع ذكر غرامشي أن نعرّج على مفهوم «الهيمنة الثّقافيّة»، وكأنّ هذا المفهوم لا دلالة له إلّا إذا ذكر غرامشي معه. وعليه، فإنّ هذا الأخير يرى أنّ الهيمنة الرّأسماليّة لا تقوم فقط على القوّة، والمال، والسّلطة، بل أيضًا على ثقافة الطّبقة الحاكمة الّتي تحتلّ عقول النّاس. كما أنّ التّغيير الاجتماعيّ لا يمكن أن يبصر النّور، إلّا بإنتاج ثقافة بديلة بين أفراد المجتمع المهمّشين، تحمل بالضّرورة عناوين ثوريّة، استعدادًا لمقاومة الثّقافة الرّأسماليّة المهيمنة على المجتمع.
مشهد الهيمنة الثّقافية لدى غرامشي، بطله المثقّف التّقليدي الّذي يخدم السّلطة الحاكمة، والقادر على إلباس التّبعيّة الفكريّة الرّجعيّة لبوس الحسن، والفخامة، والزّركشة. وما يؤمن به كلّ مراقب ذواق، أن يطلّ علينا في مشهد آخر، ذلك المثقّف العضوي الّذي يولد بين النّاس، ويتنفّس نبضات شوارعهم، وأحيائهم، وآهاتهم، استعدادًا للمواجهة، ورفض إقصاء الآخر. إذًا، وممّا هو مثال ثابت عند غرامشي، أنّ الهيمنة الثّقافيّة ضروريّة من أجل نجاح أيّ سلطة. وهو يربط قدرة أيّ طبقة اجتماعيّة على السّيطرة على الحكم، بقدرتها على تكوين هيمنة ثقافيّة خاصّة بها، وأنّ تفوّق مجموعة اجتماعيّة معيّنة يظهر بطريقتين اثنتين؛ كسيطرة، وكقيادة فكريّة، ووجدانيّة ... وهكذا، يقدّم غرامشي أهمّيّة الهيمنة الفكريّة، والوجدانيّة في تثبيت وضمان السّلطة والقيادة[84].
سادسًا: الأصالة النّقديّة: الأنا والآخر
إنّ تحديد نقطة انطلاق لنقد الفكر الغربي، ليس بالأمر السّهل، أو اليسير، ذلك بسبب تعدّد الاتّجاهات النّظريّة، وتنوّعها في مقاربة هذه المهمّة الشّائكة. وعليه، تبرز إلى السّطح حزمة من الأسئلة لا يمكن القفز فوقها بحال. ومن هذه الأسئلة:
1. هل نقارب الفكر الغربي بصفته فكرًا غازيًا لمنطقتنا؟
2. هل نلتحق بالحضارة الغربيّة من غير تبصر أو تمحيص لما تحويه من مفاهيم؟
3. هل المفاهيم الغربيّة بمنزلة الملاذ الآمن الّذي يدفِىء الرّوح ويرهف الحسّ؟
4. هل من الحكمة أن نقبل بكلّ ما يقوله الغرب، متى وجدنا أنفسنا تلقاء أمر مُشكّل، ذلك من منطلق التّبعيّة له واضطراب هويتنا؟
5. هل لنا أن نجزِّئ ما يردنا، ويفد إلينا من الفكر الغربي، ومن ثمّ نعود، ونركّب صورة موزاييك من تلك الأجزاء، تتناسب مع مفاهيمنا الّتي نحمل؟
وحسبنا في هذه العجالة أن نتكِئ على مقولات السّيّد محمّد باقر الصّدر، لاختيار السَّمْت الواضح، والمؤدّي إلى تأسيس أصالة نقديّة، لا يشاغب عليها أحد هنا أو هناك. إنّ ههنا فروقًا خفيّة، وأخرى ظاهرة للعيان بوضوح وجلاء، بين الّذين تصدّوا للفكر الغربي، كلّ بحسب الاتّجاه النّظريّ الّذي ينطلق منه، ويعود إليه.
ثمّ إنّ القاعدة الّتي ينطلق منها السّيّد الصّدر في تعاطيه مع نتاج الغرب لا تتضمّن أزمة هوّيّة، وإنّما ينطلق من مسلّمة أنّ الإنتاج المعرفي الدّاخلي هو السّبيل الوحيد، والصّراط السّوي لتحقيق هوّيّتنا، وأنّ التّعاطي النّقدي، والحواري مع فكر الآخرين، هو الّذي يجتاز عقدة الشّعور بالدّونيّة أمامهم. وفي تشخيصه أنّ أزمة المعرفة في العالم الإسلامي، تكمن في غياب الإنتاج الدّاخلي الّذي يحقّق الذّات، فضلًا عن استيراد مناهج الآخرين، ورؤاهم المنتجة ضمن الإطار المناسب لمناخاتهم[85].
ولدى تجوالنا معرفيًّا بين دفّتيّ كتاب الصّدر الموسوم بـــ «فلسفتنا»، وجدنا من غير عناء، أو جهد لافت، أنّ الطّريقة العقليّة في التّفكير، وعلى هدي المنهج العقلي، من شأنها (الطّريقة) أن تحقّق الهويّة، وتخرج إلى العلن الأنا الفكري. وهكذا، يمكن التّحرّر من التّبعيّة للغرب على غير مستوى بالتّأكيد. وليس من بصير عارف بأهمّيّة العقل في مقاربة الأشياء على اختلافها، متفهّم بحساسيّة عالية لسر هذه المزية الممنوحة من الله تعالى، إلّا وتجده يُكْبِر شأن تلك العطيّة، ويبرز الفضل فيها على الدّوام.
وعليه، لم يتحرّج السّيّد الصّدر في رفع الصّوت عاليًا بنداء «إنّ منهج الإسلام العام، وطريقته في التّفكير هي الطّريقة العقليّة ... كما ولم يجد حرجًا في إعلان أنّ مفهوم حضارتنا عن العالم، والوجود مفهوم إلهي، على الرّغم من أن توجّهًا كبيرًا في الغرب، انتهى من تأليه الإنسان إلى مسألة موت الإله[86].»
وفي قبالة ما تقدّم، أبعد السّيّد الصّدر نفسه - لدى إبرازه الأنا، ونقده الآخر - عن كلّ ما يعكّر عليه الصّفو، ويبلبل تفكيره. ومن خصائصه الّتي تحسب له وحده في موضوعة النّقد، أنّه راح يحاسب ذلك الآخر على الصّريح، والواضح، والجلي من أفكاره، ومقارباته، ولم يُعِرْ أي اهتمام يذكر للمخبوء في ثنايا النّفس، والمتواري خلف جدران العقل. وهكذا، ترى في منهجه هذا كمًّا هائلًا من اللّطافة، والتّأدّب مع الآخر؛ أيًّا كان هذا الآخر.
1.دوافع النّقد عند السّيّد الصّدر
1. الدّافع الحضاري: امتلك السّيّد الصّدر وعيًا حضاريًّا جاذبًا، أمكنه أن يحيا حياته العامّة، والخاصّة ببركات رؤية مضبوطة للكون، والوجود على حدّ سواء، وهي بركات على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها العدّ والإحصاء. وهل شيء أبْيَن في الفائدة من الانتماء إلى حضارة إسلاميّة، رآها بأمّ العين ترتبط بخير ما قبلها، وتأتلف معه كما وتتّحد بخير ما بعدها، وتنتمي إليه، حتّى كأنّ القَبْل، والبَعْد قد أُفرغا فيها إفراغًا حسنًا، وسُبكا معها أحسن سبك؟
هذا، وإنّ من منحته الفرص وقتًا متّسعًا، وكافيًا لقراءة كتابه «فلسفتنا»، يجده يصرحّ بلوعة، وأسف التّصريح التّالي: غزا العالم الإسلامي منذ سقطت الدّولة الإسلاميّة صريعة بأيدي المستعمرين، سيل جارف من الثّقافات الغربيّة القائمة على أسسهم الحضاريّة، ومفاهيمهم عن الكون، والحياة، والمجتمع، فكانت تمدّ الاستعمار إمدادًا فكريًّا متواصلًا في معركته الّتي خاضها للإجهاز على كيان الأمّة، وسرّ أصالتها المتمثّل في الإسلام[87]. إذًا، لا شبهة على من اتّصف بالاعتدال في الرّأي، والصّواب في الحكم، إلّا ويؤيّد تلك المقولة، ويذكرها في حلّه، وترحاله، ويعتمدها في نقده للثّقافة الغربيّة.
ولا يخفى أنّ الثّقافة الغربيّة تدرجّت في تثبيت هيمنتها على حياتنا اليوميّة، حيث اتّخذت بادىء ذي بدء شكل الاستعمار المادّي، أو لك أنّ تسمّيه العسكري! ما منحها فرصة بسط سلطتها، وتوسيع سلطانها في غير قطر عربي.
إنّ هذا الشّكل من الاستعمار حمل معه سلّة مفاهيم بمذاق، ووصف جديدين، لم يعتد عليهما المواطن العربي المسلم، وغير المسلم؛ لا فرق، إلى أن شعر أنّ كلّ شيء من حوله قد تغيّر وتبدّل.
وإزاء هذا الأمر المضطرب والمحيّر، كان لا بدّ للإسلام أن يقول كلمته كاملة شاملة، للكون، والحياة، والإنسان، والمجتمع،+ والدّولة، والنّظام، ليتاح للأمّة أن تعلن كلمة (الله) في المعترك، وتنادي بها، وتدعو العالم إليها، كما فعلت في فجر تاريخها العظيم[88].
2. الدّافع الاجتماعي: لقد تأبّط المستعمر الأجنبي لدى قدومه إلى بلادنا، الكثير من النّظريّات، والاتّجاهات الفكريّة، الّتي أنتجت مجموعة من العادات، والممارسات الاجتماعيّة الّتي لا تنسجم مع طبيعة الفرد المسلم، وذهنيّته، حتّى أضنته، وأجهدته ليصبح فكره مشوّشًا مهزوزًا. وهل يجد المرء عند ذي الحضارة المختلفة عن حضارته كلّ جميل؟ ولسنا ننكر ههنا، أنّ فئة محدّدة في المجتمع قد راق لها بعض الأفكار المستوردة من الغرب، حتّى قالت قولها، وجرت مجراها. وهي تبنَّت ذلك، من غير إنعام النّظر في زواياها (الأفكار) الخفيّة، والتّغلغل في مكامنها المستورة، والمضمرة.
وفي الحال ومن فوره، أدرك السّيّد الصّدر خطورة ما يجري على الفرد، والمجتمع في آن، وأيقن أنّ الدّعوات الّتي تستورد أمثلتها، ومثلها العليا من تجارب عاشت، أو تعيش خارج نطاق العالم الإسلامي، وتاريخ المسلمين، تواجه صعوبة كبيرة في إعطاء رؤية واضحة للفرد المسلم عن مثلها الأعلى، ومثالها الّذي تحتذيه، وتدعو إلى تجسيده بين المسلمين، لأنّه غريب عنهم لا يملكون عنه إلّا رؤًى باهتة ومتهافتة[89]. إذًا، وجد السّيّد الشّهيد أنّ بعض ما يأتي من الغرب يدلّ على خلاف لم يزل قائمًا بين المستورد والمحلّي، وليس من سبيل إلى تقديم الثّاني على الأوّل، إلّا بقرار حكيم يرتفع معه الشّك، ويزول الرَّيْب.
وثمّة مؤشرات لا يمكن إغفالها بحال، ويشار إليها بالبنان، بحيث تدلّ على اهتمام السّيّد الصّدر بأحوال المجتمع الّذي يحيا بين جنباته، ذلك أنّه يجمعه مع المسلمين زمان واحد، وغاية واحدة، وهدف واحد في القول، والعمل. وعليه، راح يوجّه نقده لأولئك الّذين يشيحون بوجوههم عن مشاكل الإنسان الاجتماعيّة، ويضربون صفحًا عن الوقوف على حاجاته، ومتطلّباته الحياتيّة. وهم بذلك – على حدّ تعبيره - هاربون من الحياة الاجتماعيّة، المنعزلون عن النّاس زهدًا، وتعفّفًا (كما يدّعون)، هم في الحقيقة هاربون من المسؤوليّة[90].
3. الدّافع الدّيني: ليس غريبًا على السّيّد الصّدر أن يحرّكه الدّافع الدّيني لنقد الحضارة الغربيّة، ذلك أنّه بالدّرجة الأولى مرجع ديني بارز لا يشقّ له غبار. وهو إذ يعمد إلى الدّين ويلجأ إليه، مقلبًا صفحاته بروّيّة وصبر، لا لشيء بل لأنّه رسالة شاملة عامّة، تتحسّس وعي الفرد برفق وتعمل على صياغته من جديد وإنزاله في قالب وعي توحيديّ خالص من كلّ شائبة، أو عيب، ولكن على منهج سليم مستحسن، لا يعاب عليه، ولا يزرى به، إذا ما تمثّلت صورته في النّفس البشريّة على هيئة سليمة، ووقعت فيها موقعًا حسنًا.
إذًا، يبدو جليًّا أنّ السّيّد الصّدر حاول أن يقدّم المفاهيم الإسلاميّة بهيئة جديدة - لا تخدش روح الإسلام، ولا تمسّه بسوء من أيّ نوع – تتناغم مع مستجدّات العصر، مانحًا إيّاها أبعادًا عقليّة، وعلميّة لا تتناقض مع الدّين. وإذ هو كذلك، عالج أصول الدّين معالجة اجتماعيّة نهضويّة، تسعى لتقديم الدّين حلًّا للمشكلة الاجتماعيّة، والتّوحيد برنامجًا ثوريًّا ضدّ الظّلم، والجهل، والانحراف، والنّبوّة صلةً موضوعيّة بين الله والإنسان[91]. وهكذا، نجد أنّ قراءة السّيّد الصّدر مسائل العقيدة الإسلاميّة، قد تضمّنت منهجًا جديدًا حوَّل لوحة أصول الدّين إلى نظريّات متكاملة في الثّورة، والتّغيير الاجتماعيّ، والقيادة، والخلافة، والحياة[92].
وفي استشراف ما يرمي إليه السّيّد الشّهيد من وراء كلّ ما تقدّم، يمكن تثبيت القاعدة التّالية: إنّ مقارعة الوافد إلينا من الحضارة الغربيّة الّتي لا تشبهنا ولا تقول قولنا، لا ملجأ لنا حيالها ولا ملاذ، إلّا الدّين الإسلاميّ القادر على تقديم البدائل الاجتماعيّة، والتّربويّة، والفكريّة، والعقيديّة، والثّقافيّة، والسّياسيّة، وغيرها. أوليس في ديننا متّسع وافر من الاجتهادات، والاحتمالات الموثوق بصحّتها، والّتي تستحقّ الدّراسة، بغية قياسها بعناية، وحرص ومن ثمّ إلباسها ما يلائمها من أحوالنا الحياتيّة اليوميّة، بديلًا من تفضيلنا ثقافة مُجمعًا عليها أنّها لا تؤنسنا، ولا تنفخ الطّمأنينة في أرواحنا؟
4. الدّافع الفكري: لا يحتاج الباحث المجد إلى وفرة من الوقت، لكي يعثر على دوافع فكريّة أصيلة، أخذت بمجامع عقل السّيّد الشّهيد وقلبه، لدى تصدّيه لنقد الحضارة الغربيّة، وثقافتها. ويزيد الأمر بيانًا، ووضوحًا من غير لبس، أو تعمية، متى وجدته قد تخلَّى عن الذّاتيّة القاتلة، وتحكّم المزاج، وذهابه مسرعًا دونما إبطاء، نحو مقابلة النّظريّة بالنّظريّة، والحجّة بنظيرتها، والفكرة بأختها. وإذا كان هذا دأبه على الدّوام، فإنّ المتجوّل بين ثنايا كتابه «الأسس المنطقيّة للاستقراء» – مثالًا لا حصرًا- لا بدّ يعثر على إلماعات فكريّة ثرَّة، وملكة بحثيّة يسخّرها عن جدارة، واستحقاق لولادة تراكيب إبداعيّة جديدة.
ثمّ إن دافع النّقد للنّظريّات الغربيّة، إنّما هو دافع فكريّ بحت، لأنّها مسائل يمكن أن تكون بعيدة عن الحضارة، والمجتمع، والإسلام (الدّين)؛ فهو ينقدها لأنّها نظريّات علميّة، فيها من الأخطاء العلميّة ما يستحقّ أن يصحّح. وهذا بحد ذاته إثبات لشجاعة النّاقد الفكريّة، واقتداره العلمي[93].
وهنا، يصح الادّعاء بأنّ السّيّد الشّهيد، سبق غيره إلى نقد فكري أصيل لا مِرْية فيه، إذ قصد إلى فكفكة المباني الأساس للاتّجاهات الغربيّة، وتسنّى له النّفاذ إلى جزئيّاتها، ومكوّناتها الدّقيقة، بوعيٍ كافٍ، وقدرة ذهنيّة آسرة، منحا له القدرة على تشخيص المسألة، ومن ثمّ عرضها بطريقة في النّظم يخترعها، ما يسمح له تقديم خلاصته الفكريّة في تقرير على ترتيب بديع.
2.نقد السّيّد الصّدر للحضارة الغربيّة
اتّبع السّيّد الصّدر في مهمّته النّقديّة للغرب، منهجًا مضبوطًا على إيقاعات عدّة. وهذه أعلاها صوتًا، وأقواها نغمة:
الإيقاع الأوّل: إبراز الذّات والهويّة الفرديّة.
الإيقاع الثّاني: الاعتراف بالآخر وعدم رفض إنتاجه.
الإيقاع الثّالث: الاتّكاء على عقيدة دينيّة إسلاميّة عميقة.
وإذ هو كذلك، قارب موضوعاته مقاربة عقلانيّة، ساعيًا إلى تحقيق عدالة موصوفة تقوم بالضّرورة بين الرّوحي والمادّي. فهو لم يبرز سلبيّات الفلسفات الغربيّة على الإنسان والمجتمع، إلّا ليقدّم حلولًا وإجابات تنسجم مع واقع الحال. وهذا ما يدركه كلّ من له ذوق سليم، وطبع في الحياديّة مستقيم لا عوج فيه.
وانسجامًا مع ما تقدّم، نسوق إليك أبرز المحطّات الّتي استوقفت السّيّد الصّدر، في نقده المنهجي للحضارة الغربيّة:
1. المفاهيم الأخلاقيّة
يركّز السّيّد الصّدر في نقده للمفاهيم الأخلاقيّة الغربيّة على الأسس والمفاهيم، الّتي تتّكىء عليها، وتتبنّاها الأخلاق الغربيّة نفسها. ويرى أنّ تلك الأسس، والمفاهيم ينقصها الضّوابط الثّابتة، والمتينة الّتي توفّرها النّظرة الإسلاميّة.
إنّ النّظام الرّأسمالي الغربي بحسب السّيّد الصّدر، والّذي يتحكّم بمفاصل الحياة اليوميّة للمواطنين، مادّيّ بكلّ ما للكلمة من معنى. وكان من جرّاء هذه المادّيّة الّتي زخر النّظام بروحها، أن أُقصيت الأخلاق من الحساب، ولم يُلحظ لها وجود في ذلك النّظام! أو بالأحرى تبدّلت مفاهيمها، ومقاييسها، وأُعلنت المصلحة الشّخصيّة هدفًا أعلى، والحريات جميعًا وسيلة لتحقيق تلك المصلحة. وعليه، فقد نشأ عن ذلك ما ضجّ به العالم الحديث من محَن، وكوارث، ومآسٍ، ومصائب[94].
وعليه، فإنّ المدقّق الفاحص لكلام السّيّد الصّدر، فيما يتعلّق بالمفاهيم الأخلاقيّة الغربيّة، يرى في نقده إشارة إلى النّسبيّة الأخلاقيّة الغربيّة، الّتي لا ضابط لها يضبطها، ولا ناظم ينظمها، كون مفاهيمها، ومقاييسها تتبدّل باستمرار، إذ يصعب قول الفصل فيها. وبالتّالي ليس ثمة من معيار محدّد واضح، يرجع إليه الأفراد لتمييز الخطأ عن الصّواب.
2. الأنانيّة والفرديّة المطلقة
يروّج الفكر الغربي لمفهوميّ الأنانيّة والفرديّة المطلقة بوصفها مبادئ، وقيمًا أساسًا في الفلسفة الأخلاقيّة الغربيّة. وهكذا يتعزّز المفهوم المادّي للأخلاق، إذ لا بدّ من أن يسعى الفرد إلى تحقيق مصلحته الذّاتيّة بالدّرجة الأولى، وذلك على حساب المصلحة العامّة. وعلى الجملة، فإنّ الفرد، ومصالحه يتقدّمان ههنا، خطوة، أو خطوات إلى الأمام، ولكن على حساب المجتمع ومصالحه.
وقد يدافع أنصار الدّيمقراطيّة الرّأسماليّة عن وجهة نظرها في الفرد، ومصالحه الشّخصيّة؛ قائلين بأنّ الهدف الشّخصيّ بنفسه يحقّق المصلحة الاجتماعيّة. وأنّ النّتائج الّتي تحقّقها الأخلاق بقيمها الرّوحيّة تتحقّق في المجتمع الدّيمقراطي الرّأسمالي، لكن لا عن طريق الأخلاق، بل عن طريق الدّوافع الخاصّة وخدمتها[95]. وإذا كانت الدّولة توفّر للفرد حرّيّاته، وتقدّسه بغير تحفّظ، ولا تحديد، فما هو وضع العمل الاجتماعي من قاموس هؤلاء الأفراد؟ يسأل السّيّد الصّدر[96].
وفي الجهّة المقابلة، يعتقد السّيّد الصّدر أنّ الإنسان حين يقوم بخدمة اجتماعيّة يحقّق بذلك مصلحة شخصيّة أيضًا، باعتباره جزءًا من المجتمع الّذي سعى في سبيله. وحين ينقذ حياة شخص تعرّضت للخطر، فقد أفاد نفسه أيضًا، لأنّ حياة الشّخص سوف تقوم بخدمة للهيئة الاجتماعيّة، فيعود عليه نصيب منها. وإذًا، فالدّافع الشّخصي، والحسّ النّفعي يكفيان لتأمين المصالح الاجتماعيّة وضمانها، ما دامت ترجع بالتّحليل إلى مصالح خاصّة، ومنافع فرديّة[97].
هذا، ويتطلّب المقياس الفطريّ من الإنسان أن يقدّم مصالحه الذّاتيّة على مصالح المجتمع، ومقوّمات التّماسك فيه. والمقياس الّذي ينبغي أن يحكم، ويسود هو المقياس الّذي تتعادل في حسابه المصالح كلّها، وتتوازن في مفاهيمه القيم الفرديّة، والاجتماعيّة[98]. وزد على ذلك، أنّ مسألة المجتمع هي مسألة الفرد أيضًا، في مفاهيم الدّين عن الحياة وتفسيرها. ولا يمكن أن يحصل هذا الأسلوب من التّوفيق في ظلّ فهم مادّيّ للحياة؛ فإنّ الفهم المادّيّ للحياة يجعل الإنسان بطبيعته لا ينظر إلّا إلى ميدانه الحاضر، وحياته المحدودة، على عكس التّفسير الواقعي للحيّاة الّذي يقدّمه الإسلام[99].
3. تحكّم الأكثريّة بالأقليّة
يتبنّى الغرب في سياق نظامه الدّيمقراطي فكرة تحكّم الأكثريّة بالأقليّة، الأمر الّذي يهمل حقوق الأقليّات ويهمّش وجودهم. وهذا، أبدًا، شأن من يُنزل أفراد المجتمع في طبقات، تمهيدًا لتمييز واحدة عن أخرى.
وإذ يشير السّيّد الصّدر إلى الحلقات المتسلسلة من مآسي الرّأسماليّة، فإنّه يرى أنّ أول تلك الحلقات: تحكّم الأكثريّة في الأقليّة، ومصالحها، ومسائلها الحيويّة، وأنّ الحرّيّة السّياسيّة كانت تعني أنّ وضع النّظام، والقوانين، وتمشيتها من حقّ الأكثريّة. ولنتصوّر أنّ الفئة الّتي تمثّل الأكثريّة في الأمّة ملكت زمام الحكم والتّشريع، وهي تحمل العقليّة الدّيمقراطيّة الرّأسماليّة، وهي عقليّة مادّيّة خالصة في اتّجاهها، ونزعاتها، وأهدافها، وأهوائها، فماذا يكون مصير الفئة الأخرى؟ أو ماذا ترتقب للأقليّة من حياة في ظلّ قوانين تشرع لحساب الأكثريّة، ولحفظ مصالحها؟[100]
وهكذا، نجد أنّ الدّيمقراطية الغربيّة تتحوّل ساعتئذ إلى مجرّد آلة ميكانيكيّة، تعمل محرّكاتها فقط في سبيل تحقيق الفائدة والنّفع للأكثريّة، في تجاهل واضح لحقوق الأقلّيّات، ما يُغيّب بشكل مقصود الجانب الأخلاقيّ، وكذلك الإنساني في التّعامل مع المجموعات الصّغيرة في المجتمع.
ويستدرك السّيّد الصّدر ليقول بأنّه لا ينكر أنّ مبدأ الأكثريّة قد يكون بنفسه من المبادىء الّتي يتّفق عليها الجميع، فتحرص الأقليّة على تنفيذ رأي الأكثريّة باعتباره الرّأي الأكثر أنصارًا، وإن كانت في الوقت نفسه تؤمن بوجهة رأي أخرى، وتعمل لكسب الأكثريّة إلى جانبها. ولكن هذا الفرض لا يمكن الاعتراف بصحّته في المجتمعات كلِّها؛ فهناك أقلّيّات لا ترضى عن رأيها بديلًا، ولو تعارض ذلك مع رأي الأكثريّة[101].
4. الحرّيّة الاقتصاديّة وقيم الرّبح
يتّصف الاقتصاد الغربي بالرّبح الفرديّ، والتّنافس، حيث تثبت له الصّفتان معًا على الجملة، وأنّ مرجع ذلك يعود إلى انعدام المساواة، والعدالة الاجتماعيّة. وقد تبيّن أنّ أصل الفكرة ههنا، ما هو إلّا قياس كلّ شيء بما يعود على صاحبه بالرّبح. وليس ثمّة من حرج إذا ما اتّسعت الفوارق الاجتماعيّة بين عليّة القوم، والطّبقات الفقيرة. وهكذا، يعتمد الغرب في المعاملات الاقتصاديّة على الحرّيّة المطلقة، بحيث يمكن لمن يملك مفاتيح الاقتصاد؛ سواءً أكان المالك فردًا أم شركة، أن يتّخذ أيّ قرار اقتصاديّ بمعزل عمّا يترتّب جرّاء ذلك من تبعات مؤلمة في الوسط الاجتماعي-الاقتصادي.
والحرّيّة الاقتصاديّة ترتكز على الإيمان بالاقتصاد الحرّ، وتقرّر فتح جميع الأبواب، وتهيئة كلّ الميادين أمام المواطن في المجال الاقتصادي، فيباح التّملّك للاستهلاك، وللإنتاج معًا. وتباح هذه الملكيّة الإنتاجيّة الّتي يتكوّن منها رأس المال من غير حدّ وتقييد، وللجميع على حدٍّ سواء؛ فلكلِّ فرد مطلق الحرّيّة في إنتاج أيّ أسلوب، وسلوك أيّ طريق، لكسب الثّروة، وتضخيمها، ومضاعفتها، على ضوء مصالحه، ومنافعه الشّخصيّة[102].
إنّ الاقتصاد الغربي بحسب السّيّد الصّدر، يرى بأنّ الفائدة الشّخصيّة بمنزلة حجر الرّحى في كلّ الأنشطة الاقتصاديّة. ومعلوم أنّ كون تلك الفائدة تصبّ في خانة الرّبح الذّاتي، فإنّ خلخلة البناء الاجتماعي، أو جسور الجماعة تصبح أمرًا حتميّ الحصول؛ فالمصلحة الضّيّقة تنافي المصلحة العامّة، وتضادّها كما لا يخفى! إذًا، يُنزل الاقتصاد الغربيّ الفرد منزلة محمودة، ولكن على وجه لا ينصرف إلى سعادة المجتمع، ولا يصير إليها بحال.
وفي نقده لذلك، يؤكّد السّيّد الصّدر ضرورة أن يكون الرّبح، وسيلة، أو طريقًا ممهّدًا من غير عوج، لكي لا تتعثّر خطوات المجتمع، ويضطرب بنيانه. هذا، ويطلّ السّيّد في مشواره النّقديّ، على حقيقة أنّ التّوزيع غير العادل للثّروات، يقع في صميم النّظام الرّأسمالي الغربي، حتّى أنّك لتجد أنّ تعاسة الفقير تزيد في سعادة الغني. وهذا ما يؤثّر سلبًا على الفئات الضّعيفة، لتمتلئ خزائن الأغنياء بالمال الوفير، وتتكدّس الأرباح.
السّيّد الصّدر انتقد هذه الحرّيّة الاقتصاديّة الغربيّة، وذلك من منظور إسلامي، إذ اعتبر أنّ المفاهيم الاقتصاديّة الغربيّة، لا بدّ من أن تساهم في خلق تفاوتات اجتماعيّة، واقتصاديّة لأحجام كبيرة. وعليه، فإنّ الفئات الضّعيفة الّتي لا تملك من الأدوات الاقتصاديّة ما يتيح لها المنافسة العادلة والشّريفة، سوف يتمّ استغلالها أيّما استغلال.
وعلى ضوء ذلك، يشير السّيّد الصّدر إلى مبدأ الحرّيّة الاقتصاديّة في نطاق محدود، كركن بارز من أركان الاقتصاد الإسلامي، والّذي يشي بالسّماح للأفراد على الصّعيد الاقتصادي بحرّيّة محدودة، بحدود من القيم المعنويّة، والخلقيّة الّتي يؤمن بها الإسلام. وفي هذا الرّكن نجد أيضًا الاختلاف البارز بين الاقتصاد الإسلامي، والاقتصادين الرّأسمالي والاشتراكي؛ فبينما يمارس الأفراد حرّيّات غير محدودة في ظلّ الاقتصاد الرّأسمالي، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي حرّيّات الجميع .. يقف الإسلام موقفه الّذي يتّفق مع طبيعته العامّة، فيسمح للأفراد بممارسة حرّيّاتهم ضمن نطاق القيم والمثل، الّتي تهذّب الحرّيّة، وتصقلها، وتجعل منها أداة خير للإنسانيّة كلّها[103].
5. الحرّيّة السّياسيّة
إنّ الحرّيّة السّياسيّة الغربيّة غالبًا ما تركز على المصلحة الفرديّة، وذلك في غياب تامٍّ للمصلحة الجماعيّة، والعدالة الاجتماعيّة، وحقوق الإنسان.
فالمدلول الغربي للحرّيّة السّياسيّة يعبّر عن الفكرة الأساس في الحضارة الغربيّة القائلة: إنّ الإنسان يملك نفسه، وليس لأحد التّحكّم فيه؛ فإنّ الحرّيّة السّياسيّة كانت نتيجة لتطبيق تلك الفكرة الأساس على الحقل السّياسي ... وهكذا، تبدأ الحرّيّة السّياسيّة تتناقض مع الفكرة الأساس منذ تواجه واقع الحياة؛ لأنّ من طبيعة المجتمع أن تتعدّد فيه وجهات النّظر وتختلف، والأخذ بوجهة نظر البعض يعني سلب الآخرين حقّهم في امتلاك إرادتهم، والسّيطرة على مصيرهم[104].
وإذا كان الأمر على هذا النّحو، ليس من الغريب حينئذٍ أن تمتلك فئة من النّاس مقاليد السّلطة، وتبدأ بتوجيه النّاس وفق مصالحها، وضروراتها. وهي إذ تشرّع القوانين على ضوء رؤيتها الخاصّة، وتهمل الفئات الأخرى، وتتّجه إلى تحقيق رغباتها اتّجاهًا ضارًّا بحقوق الآخرين! فمن ذا الّذي يعيد لهؤلاء حقوقهم، ويدفع عنهم الظّلم المحيط بهم؟ وقد فات أصحاب السّيادة أنّ الزّمن له أثر عميق في التّغيير، حيث تنقلب معه الأمور تلقائيًّا على نحو مُلغز، ومُحيّر في أحايين كثيرة، والشّواهد كثيرة جمّة!
ولذلك نجد أنّ القرآن الكريم شجب حكم فرعون، والمجتمع الّذي كان يحكمه؛ لأنّه يمثّل سيطرة الفرد في الحكم، وسيطرة طبقة على سائر الطّبقات ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾[105]؛ فكلّ تركيب سياسيّ يسمح لفرد، أو طبقة باستضعاف الأفراد، أو الطّبقات الأخرى، والتّحكّم فيها لا يقرّه الإسلام؛ لأنّه ينافي المساواة بين أفراد المجتمع في تحمّل الأمانة على صعيد العبوديّة المخلصة لله تعالى[106].
وعليه، يمكن تصوّر الحرّيّة السّياسيّة الغربيّة على أنّها حقّ فرديّ مطلق، بحيث يُمنح الفرد حقًّا كاملًا لا مِرْية فيه، في اختيار، وتحديد مصيره السّياسيّ بحسب رغباته الشّخصيّة.
6. الحرّيّة الاجتماعيّة
الحرّيّة الاجتماعيّة الغربيّة تأزم العلاقة بين الحرّيّة الفرديّة، والمصلحة الاجتماعيّة، ذلك أنّها لا تحقّق العدالة الاجتماعيّة المنشودة على غير صعيد، ولا يمكن لها أن تنظّم العلاقات الاجتماعيّة بالتّالي. والسّبب الكامن في هذا النّمط من الحرّيّة هو احتلال الحرّيّة الفرديّة المرتبة الأولى، ما يفضي بالضّرورة إلى نوع من الفوضى الاجتماعيّة العامّة.
ترتكز الحرّيّة الاجتماعيّة على الحقّ الفردي في التّصرّف بحرّيّة تامّة؛ بمعنى أنّ الأفراد لهم الحقّ في عمل ما يريدون، من دون تجاوز ذلك إلى حدود الآخرين. وعليه، يرى السّيّد الصّدر أنّ الخطّ الفكري العريض للنّظام الغربي هو أنّ مصالح المجتمع بمصالح الأفراد؛ فالفرد هو القاعدة الّتي يجب أن يرتكز عليها النّظام الاجتماعي، والدّولة الصّالحة هي الجهاز الّذي يسخر لخدمة الفرد، وحسابه، والإدارة القويّة لحفظ مصالحه وحمايتها[107].
إذًا، يتمّ تقديس الاستقلال الشّخصي في الغرب، حيث يتصرّف الفرد وكأن لا مواثيق، ولا ارتباط يربطه بالمجتمع، أو الأسرة، أو الآخرين. وهذا، ما يؤدّي بالضّرورة إلى اهتزاز التّماسك الاجتماعيّ، وتدهور العلاقات الإنسانيّة، ورجحان كفّة العدالة لمصلحة الفرد لا المجتمع. وليس يخفى أنّك لو دقّقت في الأمر أكثر، فإنّك واجد لا محالة أنّ الاستقلال الشّخصي بهذا المعنى هو قيمة فرديّة مطلقة، تمنح الفرد الحقّ في اتّخاذ القرار بشكل مستقل، بمعزل عن أيّ رادع ديني، أو اجتماعي.
إنّ الخطّ العريض في النّظام الإسلاميّ هو اعتبار الفرد، والمجتمع معًا، وتأمين الحياة الفرديّة، والاجتماعيّة بشكل متوازن؛ فليس الفرد هو القاعدة المركزيّة في التّشريع والحكم، وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشّيء الوحيد الّذي تنظر إليه الدّولة، وتشرع لحسابه[108]. ولأجل التّوفيق بين الدّافع الذّاتي الفرديّ، والقيم الاجتماعيّة، أو المصلحة المجتمعيّة العامّة، لا بدّ أن يأنس الفرد بتربية أخلاقيّة ذات طابع خاصّ ومميّز، تعنى بتغذيته على المستوى الرّوحي! ما يؤدّي إلى ترويض عواطفه الإنسانيّة، ومشاعره الخلقيّة ترويضًا حسنًا من غير شائبة أو عيب.
7. الحرّيّة الدّينيّة
يتبنّى الغرب فكرة فصل الدّين عن الدّولة، إذ ليس مسوغًا أن يتدخّل الدّين في شؤون الأفراد السّياسيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة. وينظر إلى الدّين في المجتمعات الغربيّة باعتباره مسألة شخصيّة، غير مرحّب فيها في الحياة العامّة.
ليست الحرّّيّة الدّينيّة – في رأي الرّأسماليّة الّتي تنادي بها – إلّا تعبيرًا عن الحرّيّة الفكريّة في جانبها العقائدي، وعن الحرّيّة الشّخصيّة في الجانب العملي، الّذي يتّصل بالشّعائر والسّلوك[109]. والحال هذه، يعتبر السّيّد الصّدر أنّ الحرّيّة الدّينيّة في المجتمع الغربي، تعبّر عن مفهوم محدود ضيّق، وغير متوازن، ولا يضمن الحقوق الدّينيّة للفرد، ويسعى إلى تفكيك الرّوابط الرّوحيّة الخالصة في المجتمع، ما يؤدّي بالضّرورة إلى إضعاف القيم الدّينيّة، وإلغاء تأثيرها في السّلوك الاجتماعيّ والسّياسيّ.
وهذا النّوع من الحرّيّة يعرض الدّين إلى الكثير من الاهتزازات في السّياق المجتمعيّ العام. ولو شئت أن نذهب بالكلام بعيدًا في هذه الجزئيّة، لك أن تتخيّل أنّ ثمّة قيودًا يتمّ فرضها على الدّين، إذا ما تعارض هذا الأخير مع المصالح السّياسيّة، والاقتصاديّة للدّولة.
8. التّمييز العرقي
يتجاهل المنظور المادّي الغربي الأبعاد الرّوحيّة، والأخلاقيّة للإنسان، ما يجعله ينظر إليه من ناحية
العرق، أو الطّبقة الّتي ينتمي إليها. وهذا، ما يدفع دفعًا لتصنيف النّاس إلى مجموعات وفق مقاييس مجرّدة من الإنسانيّة.
إنّ الأنظمة الغربيّة، ورغم تبنّيها للدّيمقراطيّة! تسهم في هيمنة الأكثريّة على الأقليّة في أجواء تغيب عنها القيم الرّوحيّة خاصّة، ما يسمح بظهور أشكال من التّمييز، ومنها التّمييز العرقيّ، أو التّمييز على أساس اللّون، أو الأصل. وهذا ما ينعكس بجلاء داخل الطّبقات الاجتماعيّة، ومؤسّسات المجتمع المدني. وفي الأعمّ الأغلب، يتمّ تهميش الأقلّيّات، وسلب حقوقهم عن تصميم وقصد، ما يجعلهم يعانون في مجالات الحياة كافّة. وهذا – على ما نرى! - يقع في صلب النّظام الرّأسمالي الّذي يعمد إلى قطع جسور التّواصل بين الغنيّ والفقير. وما التّغنّي بالدّيمقراطيّة بمناسبة، وغير مناسبة، إلّا لفظ ممجوج، وصدى صوت.
وعليه، يرى السّيّد الصّدر[110]، أنّه يوجد بالفعل قوانين في المجتمع الغربي، تدعو إلى المساواة، والعدالة الاجتماعيّة. وقد تمنح الأقلّيّات العرقيّة بعض الحقوق دستوريًّا، ولكنّها تحرمهم من المشاركة الفعليّة في الميادين الحياتيّة اليوميّة المختلفة. وتأسّيًا بالنّموذج الإسلامي العادل، يدعو إلى المساواة الحقيقيّة الواقعيّة، انسجامًا مع قول الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ومصداقًا لقول رسوله الكريم «النّاس سواسية كأسنان المشط».
خاتمة
ومهما يكن، إنّ السّيّد الصّدر سبق إلى تقرير أنّ أكثر التّجاوزات في المجتمع الغربي، ناشئة عن حالات مرضيّة مصدرها الرّأسماليّة على وجه التّحديد. وحدث أنّ هذه الأخيرة، استغلّت براديغمات الثّقافة، وجعلت منها مطيّة لبث أفكارها المادّيّة، إفراغًا لحياة الفرد من محتواها الأسمى، وملئها بمحتوى بالٍ عقيم، وذلك بما يصبّ في منفعة من يستأثرون بالسّلطة والاقتصاد.
هذا من وجه، ومن وجه آخر، راحت هي نفسها من غير ما رقيب أو حسيب، تمعن في تصنيف القيم تصنيفًا مزاجيًّا، أو قلّ لعلل منعطفة على ما فعلت في جسم الثّقافة. وهذا ما استدعى من جانب السّيّد الصّدر، التّحرّك، وإعداد العدّة الفكريّة اللّازمة لأجل مداواة ذلك بروادع علاجيّة، تستند إلى العقيدة الإسلاميّة السّمحة، ما يقتادنا إلى لَمْس الحقيقة والصّواب. هذا، من غير أن يبخس النّاس أشياءهم، أو أن يعمد إلى تأثيمهم؛ بمعنى أنّه اعترف للغرب بما ينفع، وحضّ على إحلال الصّالح، والجيّد مكان الطّالح، والسّيء. وعلى الجملة، كان مطواعًا لتقبّل الرّأي الآخر، احترامًا للعقل المدرّب احترامًا خالصًا، وانسياقًا مع أصول الفكر الواضحة الجليّة. وهما؛ العقل، والأصول، سيَّان في الإفضاء إلى النّتيجة الواحدة، بدون لبس، ولا ريب.
المصادر
القرآن الكريم.
ابن علي، الأسعد، التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر، قم، إيران، مركز الأبحاث العقائدية، ط1، 1427ه.
الأسدي، عقيل زعلان صادق، نقد الفلسفة المعاصرة عند السيد محمد باقر الصدر- دراسة تحليلية، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، سلسلة الدراسات الغربية، العتبة العباسية المقدسة، ط1، 2017م.
أندلسي، محمد، نيتشه وسياسة الفلسفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2006م.
بدوي، عبد الرحمن، نيتشه، الكويت، وكالة المطبوعات، ط5، 1975م.
بومعيزة، السعيد، أثر وسائل الإعلام على القيم والسلوكيات لدى الشباب - دراسة استطلاعية بمنطقة البليدة، كلية العلوم السياسية والإعلام، قسم علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، الجزائر، 2005-2006م.
بيكون، فرانسيس، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة: عادل مصطفى، المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، 2018م.
بيومي، محمد أحمد، علم اجتماع القيم، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1981م.
حدادي، وليد، «القيم من المنظور الغربي والإسلامي»، مجلة النداء التربوي، العددان 23-24، السنة الثانية والعشرون، 2019م.
حلمي، مصطفى، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 2004م.
حماد، حسن، الإنسان المغترب عند إريك فروم، القاهرة، مكتبة دار الكلمة، 2005م.
ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، تر محمد محمد الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، وزارة الثقافة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، ط2، 1968م.
رزقي، الطيب، محاضرات في مادة فلسفة اللغة، كلية الآداب واللغات، ، قسنطينة، الجزائر، جامعة الأخوة منتوري، د. ت.
رشوان، محمد مهران، تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998م.
روشيه، غي، مقدمة إلى علم الاجتماع العام، ج2، تر مصطفى دندشلي، بيروت، مكتبة الفقيه، ط2، 2002م.
رولز، جون، نظرية في العدالة، تر ليلى الطويل، دمشق، وزارة الثقافة: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011م.
زكريا، فؤاد، آفاق الفلسفة، المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، 2019م.
شبايكي، الجمعي ومنى ابن عطية، أزمة القيم بين الدين والفلسفة الحديثة - قراءة في بناء مرجعية القيم، قسنطينة، الجزائر، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، 2019م.
شعيب، حناشي، المثقف والسلطة عند أنطونيو غرامشي، الجزائر، جامعة العربي التبسي- تبسة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم الفلسفة، 2022م.
الشمري، جميلة بنت عيادة، مفهوم الثقافة في الفكر العربي والفكر الغربي، ، المملكة العربية السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، د. ت.
الصدر، محمد باقر، إقتصادنا، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط20، 1987م.
___________، الأسس المنطقية للاستقراء، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط5، 1986م.
__________، الإسلام يقود الحياة، إعداد وتحقيق لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، قم، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، المطبعة شريعت، ط4، 1429ه.
___________، المجتمع الفرعوني، (مجموعة محاضرات)، إعداد: محمد علي أمين، النجف الأشرف، العراق، مطبعة صدر الخلائق، 1424ه.
___________، المدرسة الإسلامية، تقديم زكي الميلاد، القاهرة، دار الكتاب المصري، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 2011م.
__________، فلسفتنا، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط12، 1982م.
الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج7، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، د. ت.
عبد الحميد، محمد نجدي حامد، القيم بين النسبية والثبات - دراسة في المصادر والنتائج، حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية، المجلد الثالث، ع36، د. ت.
عماد، عبد الغني، سوسيولوجيا الثقافة - المفاهيم والإشكاليات... من الحداثة إلى العولمة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط3، 2016م.
العوا، عادل، العمدة في فلسفة القيم، دمشق، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط1، 1986م.
غراب، نجلاء مصطفى، «إشكالية القيم في فلسفة نيتشه»، جامعة أسيوط، المجلة العلمية لكلية الآداب، ع80، 2021م.
غريزي، وفيق، شوبنهاور وفلسفة التشاؤم، بيروت، دار الفارابي، ط1، 2008م.
غنيمة، هارون، «مكانة الأخلاق عبر تاريخ الفكر الغربي»، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، ع17، الجزائر، جامعة حسيبه بن بوعلي بالشلف، 2017م.
فلوري، لوران، ماكس فيبر، تر محمد علي مقلد، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2008م.
فيبر، ماكس، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة: محمد علي مقلد، مراجعة جورج أبي صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، د. ت.
كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، 2012م.
كوش، دنيس، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة: منير السعيداني، مراجعة الطاهر لبيب، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2007م.
ماركوز، هربرت، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، منشورات دار الآداب، ط3، 1988م.
مرعي، منال إسماعيل، «مفهوم الإرادة بين شوبنهاور ونيتشه»، مجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسانية، المجلد36، ع3، 2020م.
المطوري، مازن، مدخل إلى منهج لنقد الغرب - قراءة في دراسات الشهيد الصدر، الاستغراب، ع1، السنة الأولى، خريف2015م.
مكيافيللي، نيكولو، كتاب الأمير، ترجمة: أكرم مؤمن، القاهرة، مكتبة إبن سينا للطبع والنشر والتوزيع، 2004م.
نيتشه، فريدريك، إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم، تر وتقديم: محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2011م.
هارلمبس وهولبورن، سوشيولوجيا الثقافة والهوية، ترجمة: حامد حميد محسن، دمشق، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2010م.
الهلالي، عماد، «الثقافة بين المفهوم الغربي والإسلامي: الائتلاف والاختلاف»، مجلة المنهاج، ع67، السنة17، 2012م.
Bierstedt, Robert. The Social Order: An Introduction to Sociology, 2nd ed. New York: McGraw-Hill, 1963.
Tylor, Edward, B, Primitive Culture: Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Art and Custom, 2 vols. London: J. Murray, 1871.
Kroeber, A. L. & Clyde Kluckhohn, Culture: A Critical Review of Concepts and Definitions, with the assistance of Wayne Untereiner and appendices by Alfred G. Meyer. USA: Cambridge, Massachusetts, published by the museum, 1952.
Rawls, John. A Theory of Justice. Harvard University Press, 1971.
---------------------------------------------
[1]. دكتوراه في علم الاجتماع؛ أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية. الجنوب. لبنان
abbashh2007@hotmail.com
[2]. culture
[3]. agriculture
[4]. horticulture
[5]. الهلالي، «الثقافة بين المفهوم الغربي والإسلامي: الائتلاف والاختلاف»، 128.
[6]. الشّمري، مفهوم الثّقافة في الفكر العربي والفكر الغربي، 10.
[7]. Dictionnaire de l’académie française, éd.1718.
[8]. كوش، مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعيّة، 17-18.
[9]. Tylor (1832-1917)
[10]. Tylor, Primitive Culture: Researches into the Development of Mythodology, Philosophy, Religion, Art and Custom.
[11]. Bierstedt, (1913-1998)
[12]. Bierstedt, The Social Order; an Introduction to Sociology.
[13]. Rocher, (Born 1924)
[14]. عماد، سوسيولوجيا الثّقافة - المفاهيم والإشكاليّات... من الحداثة إلى العولمة، 29.
[15]. Kroeber (1876-1960)
[16]. Kluckhohn (1905-1960)
[17]. Kroeber & Kluckhohn, Culture; a Critical Review of Concepts and Definitions, 181.
[18]. Aristotle (384-322 BCE)
[19]. رزقي، محاضرات في مادّة فلسفة اللّغة، 3.
[20]. Weber (1864-1920)
[21]. فيبر، الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرّأسمالية، 17-16.
[22]. Durkheim (1858-1917)
[23]. هارلمبس وهولبورن، سوشيولوجيا الثّقافة والهويّة، 20-19.
[24]. Machiavelli (1469-1527)
[25]. مكيافيللي، كتاب الأمير، 81.
[26]. م. ن، 89-90.
[27]. Organon
[28]. زكريا، آفاق الفلسفة، 64.
[29]. Bacon (1561-1626)
[30]. بيكون، الأورحانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، 10.
[31]. Descartes (1596-1650)
[32]. ديكارت، مقال عن المنهج، 131.
[33]. Comte (1798-1857)
[34]. شبايكي وابن عطية، أزمة القيم بين الدّين والفلسفة الحديثة - قراءة في بناء مرجعيّة القيم، 3.
[35]. Nietzsche (1844-1900)
[36]. غراب، إشكاليّة القيم في فلسفة نيتشه، 891.
[37]. أندلسي، نيتشه وسياسة الفلسفة، 39.
[38]. نيتشه، إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم، 205.
[39]. Freud (1856-1939)
[40]. Weber (1864-1920)
[41]. فلوري، ماكس فيبر، 86.
[42]. حدادي، القيم من المنظور الغربي والإسلامي، 60.
[43]. بيومي، علم اجتماع القيم، 38-39.
[44]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 7: 393.
[45]. Parsons (1902-1979)
[46]. Weber (1864-1920)
[47]. بومعيزة، أثر وسائل الإعلام على القيم والسلوكيات لدى الشباب – دراسة استطلاعية بمنطقة البليدة، 143.
[48]. للتوسع ينظر: رشوان، تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، 49-51.
[49]. stoicism/stoïcisme
[50]. epicureanism/épicurisme
[51]. غنيمة، مكانة الأخلاق عبر تاريخ الفكر الغربي، 11.
[52]. م. ن، 12.
[53]. Socrates 470-399
[54]. Locke (1632-1704)
[55]. كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، 149.
[56]. Marx (1818-1883)
[57]. Durkheim (1858-1917)
[58]. عبد الحميد، القيم بين النسبية والثبات - دراسة في المصادر والنتائج، 366.
[59]. Freud (1856-1939)
[60]. Schopenhauer (1788-1860)
[61]. غريزي، شوبنهاور وفلسفة التشاؤم، 20.
[62]. مرعي، مفهوم الإرادة بين شوبنهاور ونيتشه، 250.
[63]. Nietzsche (1844-1900)
[64]. عبد الحميد، القيم بين النسبية والثبات، 376.
[65]. العوا، العمدة في فلسفة القيم، 603-604.
[66]. Kierkegaard (1813-1855)
[67]. Marcel (1889-1973)
[68]. Sartre (1905-1980)
[69]. غنيمة، مكانة الأخلاق عبر تاريخ الفكر الغربي، 19-20.
[70]. James (1842-1910)
[71]. حلمي، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام، 65.
[72]. Dewey (1859-1952)
[73]. م. ن، 66.
[74]. Rawls (1921-2002)
[75]. a theory of justice
[76]. رولز، نظرية في العدالة، 92.
[77]. Nietzsche (1844-1900)
[78]. بدوي، نيتشه، 172.
[79]. Fromm (1900-1980)
[80]. حماد، الإنسان المغترب عند إريك فروم، 199-200.
[81]. Marcuse (1898-1979)
[82]. ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، 39.
[83]. Gramsci (1891-1939)
[84]. شعيب، المثقف والسلطة عند أنطونيو غرامشي، 33.
[85]. المطوري، مدخل إلى منهج لنقد الغرب- قراءة في دراسات الشهيد الصدر، 124.
[86]. م. ن، 127.
[87]. الصدر، فلسفتنا، 6.
[88]. م. ن، 6.
[89]. الصدر، الإسلام يقود الحياة، 184.
[90]. الصدر، المجتمع الفرعوني، 96.
[91]. ابن علي، التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر، 75.
[92]. م. ن، 29.
[93]. الأسدي، نقد الفلسفة المعاصرة عند السيد محمد باقر الصدر- دراسة تحليلية، 38-39.
[94]. الصدر، فلسفتنا، 20.
[95]. م. ن، 20.
[96]. الصدر، المدرسة الإسلامية، 50.
[97]. الصدر، فلسفتنا، 20-21.
[98]. م. ن، 46.
[99]. م. ن، 47.
[100]. م. ن، 21-22.
[101]. الصدر، المدرسة الإسلامية، 122.
[102]. الصدر، فلسفتنا، 15.
[103]. الصدر، اقتصادنا، 282.
[104]. الصدر، المدرسة الإسلامية، 121.
[105]. القصص: 4.
[106]. م. ن، 124.
[107]. الصدر، فلسفتنا، 17.
[108]. م. ن، 49.
[109]. م. ن، 16-17.
[110]. للتوسع ينظر: الصدر، المدرسة الإسلامية.