الباحث : د. عبير أحمد
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 38
السنة : ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث : 719
الملخّص
يُعدّ مفهوم الثقافة من أكثر المفاهيم إشكالية في العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا، نتيجة لتعدد التعريفات وتضارب المناهج النظرية في تفسيره. يتناول هذا البحث مسار تطور مفهوم الثقافة تاريخيًا، بدءًا من نشأته في السياق الفرنسي خلال عصر الأنوار، حيث ارتبط بالتقدم العقلي والإنساني، إلى السياق الألماني الذي طوّره باتجاه قومي روحاني يرفض النزعة الكونية الفرنسية، ما أدى إلى بروز ثنائيات مثل "ثقافة/حضارة" و"ثقافة/ثقافات".
ينتقل البحث إلى تحليل مفهوم الثقافة في إطار المقاربات الكلاسيكية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. يبرز دوركهايم الثقافة كقوة اجتماعية جمعية تضبط السلوك وتحفظ الانسجام المجتمعي، بينما يركز مالينوفسكي على بعدها الوظيفي المرتبط بإشباع الحاجات. أما بارسونز، فاعتبرها نسقًا بنيويًا ينظم الفعل الاجتماعي، في حين شبّهها ليفي-شتراوس بالنسق الرمزي المماثل للغة، يسهم في بناء الإدراك والعلاقات الاجتماعية. يضيف فيبر بعدًا تأويليًا، يرى فيه الثقافة كمجموعة من المعاني التي يُسقطها الأفراد على أفعالهم وسياقاتهم الاجتماعية، مما يؤدي إلى تحولات اقتصادية واجتماعية.
في القسم الأخير، يقدّم البحث نقدًا للمنظورات الغربية من خلال استدعاء الفلسفة الإسلامية، وخصوصًا الحكمة العملية عند الفارابي، التي تُعرّف الثقافة باعتبارها نظامًا معياريًا لا مجرد نظام وصفي. يميز الفارابي بين الثقافة «الصحيّة» التي تقود إلى الكمال الإنساني، وتلك «المريضة» التي تؤدي إلى الانحراف، مشددًا على مركزية الحقيقة والغائية في البناء الثقافي.
الـكَـلِـمَـات المفتاحية: الثقافة، الأنثروبولوجيا، الفلسفة الإسلامية، البنيوية، الوظيفة الاجتماعية.
المقدّمة:
إنّ الخوض في مسألة مفهوم الثّقافة يعتبر من المسائل الشّائكة، وذلك لكثرة التّعريفات، ولما يكتنف هذا المفهوم، وتعريفاته من التباس، وغموض، وحتّى من تناقض في كثير من المواضع. لو ألقينا نظرة على التّراث المعرفيّ للعلوم الاجتماعيّة لوجدنا أنّ مفهوم الثّقافة قد عرف الكثير من التّطوّرات المتناقضة والمتضاربة. يمكن أن نجمل التّعريفات الّتي أعطيت لمفهوم الثّقافة في سياقين: البعض يرى في الثّقافة بأنّها تشمل كلّ ما يتعلّق بأفكار الفنّ والأدب، والبعض الآخر يرى فيها نمطًا وأسلوب حياة. هذا الانقسام، والاختلاف في تحديد مفهوم الثّقافة يعتبر نقطة الخلاف في العلوم الاجتماعيّة المشتغلة في هذا المجال. فإشكاليّة المفهوم لا تقف عند حدود الاختلاف، والالتباس بين العلوم كالأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع موضوع بحثنا هنا، بل أنّ تلك الإشكاليّة تتجاوز ذلك الحدّ، ونجدها ضمن الحقل البحثيّ الواحد ففي الأنثروبولوجيا نجد من يحدّدها بالمفرد أي «ثقافة»، ومن يحدّدها بالجمع أي «ثقافات»، ولا يختلف الأمر عنه كثيرًا في علم الاجتماع. هذا الوضع الضّبابي لمفهوم الثّقافة يحيلنا إلى جملة من التّساؤلات: هل هذا الالتباس والغموض يعود لنشأة المفهوم؟ أم أنّ ذلك يعود إلى تطور موضوعات اهتماماته، وتوسّع مجالاته بما ينسجم والتّطورات التّاريخيّة والاجتماعيّة؟ أم أنّ الأمر متعلّق بآليّة، وكيفيّة التّحليل والتّفسير؟
للإجابة على هذه التّساؤلات، سنتناول في المبحث الأوّل الصّيرورة التّاريخيّة، والاجتماعيّة لنشأة مفهوم الثّقافة، مركّزين بشكل رئيس على النّشأة الألمانيّة والفرنسيّة. وفي المبحث الثّاني سوف نخصّصه لعرض المداخل النّظريّة، والمنهجية، كالمدخل البنيويّ الّذي نظر إلى الثّقافة على إنّها «بنية»، متطرّقين بشكل أساسٍ إلى أهمّ المشتغلين في هذا السّياق البنيويّ سواء في علم الاجتماع أم في الأنثروبولوجيا: وظيفية وبنيوية دوركهايم وبارسونز مقابل بنيوية ووظيفة مالينوفسكي وشتراوس؛ ومن ثمّ المدخل الفردي الّذي يولي أهمّيّة للمعاني الكامنة وراء الأفعال أهمّيّة كبرى، كما هو الحال عند فيبر، وكذلك من يولي أهمّيّة لأنماط الشّخصيّة سواء عند بنديكت أو ميد. والمبحث الثّالث والأخير سيتمّ تخصيصه لمراجعة مفهوم الثّقافة من وجهات نظر مختلفة لفلاسفة الفكر الإسلامي كالفارابي وابن سينا، ومحاولة مقاربة وجهات نظهرهم، وأفكارهم الفلسفيّة حول المجتمع، والحياة الاجتماعيّة، والقيم، وغيرها مع ما جاء به مفكرو الغرب، ونقد ما يمكن نقده في ضوء تلك الفلسفة الإسلاميّة.
المبحث الأوّل: الصّيرورة التّاريخيّة، والاجتماعية لنشأة مفهوم الثّقافة
إنّ أيّ مفهوم أو مصطلح لا يوجد من العدم، وإنّما يكون مرتبطًا بالسّياقات الفكريّة واللّغويّة، الّتي يتمّ التّأطير النّظري ضمنها. ويندرج هذا على مفهوم الثّقافة، الّذي عرفت نشأته العديد من التّحوّلات التّاريخيّة والاجتماعيّة. الأمر الّذي يضعنا أمام مفترق طرق لنشأة فرنسيّة حملت في طيّاتها الكثير من الثّنائيّات كثنائيّة (الحالة-الفعل)، وثنائيّة (الثّقافة-الحضارة)، ونشأة ألمانيّة لم تخل كذلك من الثّنائيّات (ثقافة ألمانيّة-حضارة فرنسيّة)، وثنائيّة (ثقافة-ثقافات).
تاريخيًّا، يمكننا إرجاع الجذور الأولى لمفهوم «الثّقافة» إلى عصر الأنوار بفرنسا، حيث عرف انتشارًا لمفهوم «ثقافة» بمعناها المجازي الحديث، وذلك قبل انتشاره في كلّ من ألمانيا وانكلترا اللّتان استعارتا المفهوم من فرنسا كما سنرى لاحقًا. سبق هذا الانتشار إرهاصات أوّليّة، تمثّلت في استخدام الفرنسيّين لكلمة cutlura اليونانية في القرن الثّالث عشر،[2] والّتي كانت تصف الاهتمام بالأمور الحقليّة من زراعة، وتربية ماشية، وغير ذلك. في دلالة على وصف حال الحراثة. استمر العمل بهذا المدلول إلى منتصف القرن السّادس عشر حيث أخذ المفهوم مدلولًا آخر يدلّ على القيام بفعل ما، وإتقانه، والعمل على تطويره، وإنمائه. بمعنى تثقيف الملَكة[3]. ولكن استخدامه بقي في نطاق ضيّق جدًّا. ليعرف المفهوم حالًا من الرّكود في القرن السّابع عشر، وإذ لم يطرأ عليه أيّ تغير، وبقي على حاله. إنّ ما نلاحظه في هذه الفترة كان الدّور البارز لحركة اللّسانيّات من دون أيّ تأثير لحركة الأفكار في دلالة الكلمة. وهنا ظهرت أوّل ثنائيّة لمفهوم الثّقافة متمثّلة بـالانتقال من مدلول بوصف حال إلى القيام بفعل.
إنّ المنعطف الأكثر أهمّيّة في صيرورة مفهوم الثّقافة، كان في القرن الثّامن عشر، عندما بدأ يأخذ مدلولًا جديدًا متأثّرًا هذه المرّة بحركة الأفكار التّنويريّة لا بحركة اللّسانيّات. إذ شهد المفهوم اعترافًا من قبل الأكاديميّة الفرنسيّة بدخوله، ولأوّل في قاموسها مُحدّدًا بلاحقة له[4]. حيث كانت كلمة ثقافة تُتبع دائمًا، أو تضاف إليها كلمة أخرى لتبيان، وإيضاح الشّيء، أو المجال الّذي يتثقّف به الشّخص. فانتشرت نتيجة لذلك مصطلحات مثل ثقافة الآداب، وثقافة العلوم في تلك الفترة.
تدريجيًّا، وتحت تأثير الأفكار الكلّيّة لفلاسفة، ومفكّري عصر الأنوار بدأ مفهوم «ثقافة» يتحرّر تباعًا من تبعاته، وإضافاته. وهكذا ارتدّ المفهوم إلى مدلوله الأوّل، والمرتبط بوصف «حال»، وليس إتقان «فعل». ومرّة أخرى، تمّ إدراج مفهوم الثّقافة في قاموس الأكاديميّة الفرنسيّة، ولكن هذه المرّة بوصفه حال العقل المثقّف، تمييزًا له عن حال العقل الطّبيعيّة. ونُظر بذلك إلى الثّقافة على أنّها ميزة تميّز النّوع البشري، والّتي يتمّ تراكمها عبر التّاريخ. وفي هذه الفترة، وبهذا المدلول تمّ استخدام مفهوم الثّقافة بالمفرد بوصفها دليلًا على وحدة النّوع البشريّ، والنّزعة الإنسانيّة لدى مفكريّ عصر الأنوار، وبأنّ الثّقافة ميزة خاصّة بالإنسان بشكل عامّ من دون التّمييز بين الشّعوب.[5]
يحلينا هذا المدلول للثّقافة، إلى الحديث عن مفهوم «الحضارة»، وذلك لاقتراب، وتشابه المفهومين لدى المفكّرين الفرنسيّين. فالثّقافة الّتي ارتبطت بالتّقدّم، وبتربية العقل، والتّطوّر، كان مقاربًا إلى حدّ كبير لمفهوم «الحضارة» الّذي ارتبط بالكلّ المعقّد، والشّامل لكافة الأمور السّياسة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، وغيرها من جوانب الحياة الاجتماعيّة. [6] ولكن اللّافت للنّظر هنا، إنّه على الرّغم من هذا التّقارب، إلّا أنّ مفهوم «الحضارة» لاقى رواجًا أكثر من مفهوم الثّقافة في تلك الفترة، كما أنّ كلا المفهومين اختلفا في المعنى الدّلالي، فالأوّل أي الثّقافة ارتبط بالتّقدّم، والتّطوّر الفردي، في حين دلّ الثّاني على التّقدّم الجماعي المرتبط بالتّقدّم التّقني، ورفض التّحليل اللّاعقلاني.[7]
بعد أن ترسّخ النّموذج الفرنسي على هذه الشّاكلة، امتدّ مفهوم الثّقافة بصيغته الفرنسيّة إلى الجارة ألمانيا. إذ شابه المفهوم الألماني للثّقافة المفهوم الفرنسي للحضارة، ولكن سرعان ما اتّخذ المفهوم الألماني خطًا مغايرًا خاصًا به قائمًا على معنى كلمة البناء[8].[9] كان للواقع الاجتماعي، والسّياسي في ألمانيا دورًا في هذا الاختلاف والتّمايز. فإذا ما قرأنا الواقع الاجتماعي، والسّياسي الألماني في تلك الفترة، نجده ينمّ عن حال من عدم الانسجام بين الطّبقة الأرستقراطيّة الألمانيّة، وطبقة المفكّرين والأكاديميّين، والّتي وصلت حدّ العداء أحيانًا. ممّا جعل من طبقة الأكاديميّين ينظرون إلى مفهوم الثّقافة الفرنسيّ على أنّه دخيل على الأمّة الألمانيّة، ولا يعبّر عن روح الشّعب الألمانيّ، وإنّ ما تقوم به الطّبقة الأرستقراطيّة الألمانيّة من تقليد، ومحاكاة لعادات الطّبقة الأرستقراطيّة الفرنسيّة، ما هو إلّا تركيز على النّواحي المادّيّة، وإهمال للنّواحي الرّوحيّة والفكريّة. هذا التّماهي من قبل الطّبقة الأرستقراطيّة الألمانيّة ساهم في انتشار لمفهوم «الحضارة» الفرنسيّة في البلاط الألماني، بينما ساد مفهوم الثّقافة[10] بين الأوساط الأكاديميّة، وخاصّة مع تنامي صعود طبقة الأكاديميّين الألمان عقب الثّورة الفرنسيّة.
مع هذا التّباعد والجفاء الاجتماعي بين الطّبقتين الأرستقراطيّة والأكاديميّة الألمانيّة، أخذ مفهوم الثّقافة منحى آخر مرتبطًا بالقوميّة الألمانيّة. تجلّى ذلك في تركيز الأكاديميّون الألمان نشاطهم على الجانب الرّوحي الدّاخليّ للثّقافة من فنّ، وآداب، وفلسفة، وغير ذلك، واحتقارهم بالمقابل الممارسات السّطحيّة لأبناء الطّبقة الأرستقراطيّة الّتي تنمّ عن تقليدهم لنظائرهم الفرنسيّين. أفضى هذا الواقع عن نشوء مفهوم بشقّين: شقّ يدلّ على الأمور الأخلاقيّة الأصيلة، والمتمثّلة بالثّقافة، وشقّ آخر يتّصل بالأمور المادّيّة، والّذي كان قريبًا من مفهوم الحضارة. فكانت ثنائيّة (الحضارة والثّقافة) حاضرة بقوّة.
ومع صعود تنامي النّزعة القوميّة الألمانيّة، في بدايات القرن التّاسع عشر، بدأ الميل إلى الاستعمال المفرد لمفهوم الثّقافة، الّذي ركّز-كما ذكرنا آنفًا- على الرّوح الأصليّة للأمّة الألمانيّة بخصوصيّتها وتمايزها. الأمر الّذي اعتبر شكلًا من أشكال التّحرّر من النّموذج الفرنسي المتأثر بفلسفة الأنوار، والنّظرة الكونيّة الكلّيّة، والّتي تنادي بمفهوم الثّقافة الكونيّة. فبرزت النّسبيّة الثّقافيّة أمام الثّقافة الشّموليّة، وتعود جذور هذه النّسبيّة إلى جوهان هيردر[11] عندما قال بأنّ كلّ شعب يعبّر عن ثقافته الإنسانيّة بطريقته، وبذلك يكون لدينا ثقافات متباينة.
وبذلك يكون المفهوم الألماني الجديد للثّقافة يعني بأنّ لكلّ شعب من الشّعوب الخصوصيّة بمكان تجعله قادرًا على إنتاج ثقافته الّتي تميّزه عن غيره. فالنّموذج الألماني نزع إلى التّداخل مع الهوّيّة الوطنية بل وذهب أبعد من ذلك في اعتبار الثّقافة أمرًا شخصيًا، وليس فقط وطنيًّا. إنّ سعي هذا إلى ترسيم الحدود الثّقافية لشعب معين، فهي انعكاس للوعي الذّاتي لأمّة. وبذلك انتشر مفهوم الثّقافي بالمعنى التّعدّدي، أي أصبح لدينا ثقافات[12] وليس ثقافة[13].
بالعودة إلى المفهوم الفرنسي، نجد أنّه قد اختلف في القرن التّاسع عشر عما كان عليه سابقًا، نتيجة تأثّره بالنّموذج الألماني الّذي مجّد الفنون، والآداب وغير ذلك. على الرّغم من الافتتان بالمفهوم الألماني إلّا أنّ النّموذج الفرنسي بقي محافظًا على بعده الإنسانيّ الشّموليّ، والنّظر إلى الثّقافة على أنّها «ثقافة بشريّة» قبل أيّ شيء، ومن دون التّمييز بين الشّعوب. تجدّد الجدل حول المفهوم بين الأمّتين الفرنسيّة، والألمانيّة مطلع القرن العشرين إبان الحرب العالميّة الأولى، واشتدّ النّقاش، والصّراع الأيديولوجي.
المبحث الثّاني: الثّقافة في المقاربات الكلاسيكيّة الأنثروبولوجيّة والسّوسيولوجيّة
إنّ النّشأة والجدل الحاصلان، يقودانا إلى ضرورة تتبّع المفهوم في المداخل، والمقاربات النّظريّة الكلاسيكيّة في كلٍّ من علم الاجتماع والأنثروبولوجية، وذلك لأنّنا نرى أنّه أي تناول لقضايا الثّقافة المعاصرة هو امتداد، أو تطوير لما جاء به الرّواد الأوائل في كلا الميدانين، وبخاصّة أنّه شكّلت مسألة الثّقافة في كلا المجالين محورًا أساسًا في محاولة فهم وتفسير المجتمع.
أ. الثّقافة بوصفها أمرًا اجتماعيًّا خارجيًّا وحاجة داخليّة
إنّ طرح الثّقافة بوصفها أمرًا اجتماعيًّا خارجيًّا، إنّما يندرج ضمن إطار المدخل الوظيفيّ للمقاربة السّوسيولوجيّة لمفهوم الثّقافة، وعلى وجه التّحديد، والتّخصيص مقاربة دوركهايم. تلك المقاربة الّتي تأثّرت في مراحلها الأولى بأفكار عصر التّنوير. إذ فضل دوركهايم استخدام مفهوم «الحضارة» على مفهوم «الثّقافة»، ففي مقاله دوركهايم مع موس[14] ، والمعنون بـ «ملاحظة حول مفهوم الحضارة[15]» قدّموا فيه تصوّرًا موضوعيًّا لا معياريًّا للحضارة[16]، وحدّدوا الحضارة على أنّها مجموعة من الظّواهر الاجتماعيّة. كما أنّ دوركهايم لم يتناول مسألة الثّقافة بالشّكل الواضح، والصّريح، وإنّما كان تناولًا ضمنيًّا، يمكن التماسه في كافّة أعماله بدءًا من الأشكال الأوليّة للحياة الدّينيّة، وانتهاءً بالانتحار، ومفاهيمه العلميّة الاجتماعيّة خير دليل. فإذ ما حلّلنا مفهوم الوعي الجمعي[17]، والتّمثيلات الجمعيّة[18] نجد الثّقافة حاضرة وبقوّة. فالتّمثيلات الجمعيّة ما هي إلّا أنماط ثقافيّة تنتجها أنماط اجتماعيّة معيّنة، وذلك من خلال نسج الجماعة بتجمّعها تمثيلاتها الجمعيّة، والّتي تكمن وظيفتها في جعل الأفراد يفهمون مجتمعهم، وما يجري من حولهم. فمثلًا مفهوم «الوقت» هو تمثيل جمعي يعبّر عن نمط اجتماعيّ يحدّد لأفراد المجتمع سلوكيّاتهم، وأفعالهم وفقًا له. وفي تحليله للنّظم الاجتماعيّة يعرض كيف أنّ المجتمع ينتج الثّقافة، وبأنّها تصبح ممكنة عندما يبدأ الأفراد في عمليّة تصنيف، وفرز الأشياء. وهذا ما أوضحه في عمله المشترك أيضًا مع موس بعض أشكال التّصنيف البدائي[19]. كذلك أوضح إنّه لا بدّ من إنشاء نظام لعمليّة الفرز تلك لكي تأخذ الثّقافة شكلًا في المجتمع، وهنا يبرز دور لعمليّة التّنشئة الاجتماعيّة في تشريب الأفراد تلك التّمثيلات الجمعيّة، الّتي تهدف إلى تكوين وإنتاج فرد حقيقيّ مندمج بالمجتمع، وذلك بامتثاله لتلك الأنماط الثّقافيّة، أو التّمثيلات الجمعيّة.
كذلك في تناوله لظاهرة «الدّين» تظهر مسألة الثّقافة لديه. ففي عمله أيضًا مع موس، والموسوم بالأشكال الأوليّة للحياة الدّينيّة[20]، والّذي درس فيه القبائل الأوّليّة، والسّكّان الأصليّين في أسترالية، يُظهر دوركهايم كيف أنّ الدّين يُسهم في تشكيل التّمثيلات الجمعيّة لسكان تلك القبائل من خلالها تقسيم العمل وفق ما هو مدنّس، وما هو مقدّس، ليس وفق طبيعة الأشياء، وإنّما وفقًا للعلاقات الاجتماعيّة الّتي يُشكّلها. وبذلك يكون الدّين تمثيلًا أخلاقيًّا جمعيًّا ينضبط الأفراد داخله فلا يقتربون من المدنّس يعاقبون، ويتودّدون من المقدّس فيجزَون. يحقّق الدّين وظيفته من خلال جعل الأفراد ينتمون إلى مجتمعهم، وينصاعون لأوامره الأخلاقيّة الّتي حدّدتها التّمثيلات الجمعيّة الدّينيّة. فكلّ معتقد ينتج أنماطًا ثقافيّة، أو تمثيلات خاصة فيه تؤطر الأفراد ضمن قوالب فكريّة واجتماعيّة. ويؤكّد دوركهايم هذه الفكرة في كتابه تقسيم العمل الاجتماعي[21]، في أنّ البنية الاجتماعيّة هي من تفرض شكل، ونمط الثّقافة الّتي يجب أن تسود في المجتمع. حيث يعرض أنّه في المجمعات ما قبل الصّناعيّة، والتي يكون فيها التّرابط قويّ فهم متشابهون بدرجة كبيرة، الأمر الّذي يفضي إلى التّضامن الآلي، وسرعان ما يتحوّل هذا التّضامن من آلي إلى عضوي، عندما يبدأ الأفراد بالتّمايز، والاختلاف، والتّخصّص. عندما يبدؤون يفقدون شيئًا فشيئًا الوعي الجمعي، وهو ما عبّر عنه دوركهايم «الأنوميا[22]» أي تفكّك المجتمع.
وعلى خلاف وظيفة الثّقافة في المقاربة السوسيولوجيّة، والّتي حدّدها دوركهايم بالحفاظ على أواصر، وتماسك المجتمع من خلال الانصياع لتمثيلات الجمعيّة، نجد أنّ وظيفة الثّقافة في المقاربة الأنثروبولوجيّة تكمن في إشباع حاجات، ورغبات الأفراد وفق ما جاء به مالينوفسكي. استندت مقاربة مالينوفسكي إلى التّحليل الوظيفي للثّقافة وفق معطيات الحاضر، كردٍّ على المنهج الانتشاري الّذي كان سائدًا قبل ذلك الوقت، وبخاصّة مع بواس[23].
يُعطي مالينوفسكي في تفسيره للثّقافة الأفراد حرّيّة أكثر في إشباع رغباتهم، وحاجاتهم، وهو بذلك يقف على نقيض دوركهايم الّذي رأى بأنّ للنّظم الاجتماعيّة صفة إلزاميّة، وإجباريّة تقيّد عمليّة الإشباع تلك. وبالتّالي لا ينظر مالينوفسكي إلى الأفراد على أنّهم أدواتٌ ميكانيكيّة يتمّ برمجتهم وفقًا لمقتضيات المجتمع، إنّما يتمتّعون بقدر من الحرّيّة، وبقدرة على التّمرّد، والمناورة، وعلى ترتيبهم لبيئتهم بغية إدراكهم حاجاتهم[24]. وبذلك يرتبط نشوء الثّقافة، وتطوّرها في أيّ مجتمع عند مالينوفسكي، بمدى تلبيتها للرّغبات، ولإشباع الحاجات المختلفة سواء أكانت بيولوجيّة أم نفسيّة اجتماعيّة، أم أي نوع آخر من الحاجات. ينطلق مالينوفسكي من افتراض قائم على أنّ إشباع الحاجات يخلق سلوكيّات جديدة، أو إلى تمرّد معيّن يؤدّي إلى خلق ثقافات جديدة، وفق تعبير مالينوفسكي «إنّ إشباع تلك الحاجات يرتبط ارتباطًا قوّيًّا باشتقاق أنماط ثقافيّة جديدة، وإنّ إشباع هذه الحاجات لا يتمّ إلّا ضمن بيئة جديدة، وهي الثّقافة لا أكثر، ولا أقل.[25]» ولكي تستمرّ الثّقافة في تأدية وظيفتها، لا بدّ من أن تفرض هذه البيئة الجديدة سلوكيّات تتناسب، وتتماشى مع مستوى الحياة الجديدة، الأمر الّذي يتطلّب التّعاون، والتّشارك من قبل أفراد المجتمع مع بعضهم البعض لتأمين هذه الحاجات الجديدة، الأمر الّذي يؤدّي إلى استمرار العمليّة التّطوريّة. ويطلق مالينوفسكي على تلك العمليّة اسم «بالنّظام الاجتماعي». والنّظام الاجتماعي ينطبق، ويوجد في كلّ المجتمعات بغرض تلبية الحاجات الفرديّة. فهو يدعم فرضية، أو فكرة أنّ «الأفراد يُنشئوا لأنفسهم ثقافة خاصّة، أو أسلوبًا معيّنًا للحياة، يضمن لهم تأمين إشباع حاجاتهم البيولوجيّة الأساس[26].»
إنّ مفهوم الوظيفة عند مالينوفسكي تعني مدى الإسهام، والدّور الّذي يقوم به كلّ نظام اجتماعي في حياة المجتمع ككل، لذلك وفق مالينوفسكي لا يمكننا فهم وظيفة أيّ نظام اجتماعيّ بعزله عن وظائف النّظم الاجتماعيّة الأخرى. وفي هذا الطّرح، يُخالف مالينوفسكي رؤية، ومنهجيّة بواس الانتشاريّة في دراسة الثّقافة، ووظيفة الثّقافة، ويقترب من رؤية رادكليف في النّظر إلى الثّقافة على أنّها نسقُ كلّيّ، ولا يمكن عزلها. فهما يتّفقان على أنّ «الفصل أو التّجزئة في التّعامل مع النّزعات الثّقافية أمر عقيم...لأنّ دلالة الثّقافة تتشكّل من العلاقة بين مكوّناتها[27].» لذلك يرى في كتابة ديناميات التّغّير الثّقافي، أنّه لدراسة التّغيّر الثّقافي يجب تحديد فترة زمنيّة لدراسة ثقافة محدّدة بعينها، بحيث تُشكّل هذه الفترة الزّمنيّة نقطة فاصلة بين فترتين زمنيّتين لكلٍّ منها ثقافته الخاصّة الّتي قد تصل حدّ التّمييز، والاختلاف. وبذلك يتمّ الحفاظ على كلّيّتها من دون العمل على تجزئتها إلى عناصر ومكوّنات.
ب. الثّقافة بوصفها نسقًا لبنية الفعل الاجتماعيّ
نبقى هنا ضمن الرّؤية الكلّيّة الّتي تناولت مسألة الثّقافة، ولكن هذه المرّة من المنظور البنيوي الوظيفي. ومن أبرزهم بارسونز، إذ احتلّت الثّقافة مكانة بارزة في نموذجه التّحليلي، فهي تمثّل جزءًا من بنية النّظام الاجتماعيّ. وفي هذا الصّدد يقول: «لا يمكننا الحديث عن بناء النّسق الاجتماعي من دون الحديث عن تأسيس الأنماط الثّقافيّة، وعلى وجه الخصوص أنماط التّوجيه القيمي[28].» لذلك يكون النّسق الثّقافي من أهمّ الأنساق العضويّة الأربعة الّتي ارتكز عليها النّموذج التّحليلي لدى بارسونز في فهم المجتمع. ينظر بارسونز إلى الثّقافة على أنّها تُشكّل رصيدًا اجتماعيًّا كبيرًا من المعارف، والرّموز، والأفكار، والأدوات والمعدّات الّتي يمكن من خلالها المحافظة على وحدة النّمط[29]. من خلال تشرّب الأفراد لقيم، ومعايير المجتمع عن طريق عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة. والحياة الاجتماعيّة لا تُفهم بعيدًا من أفكار الأفراد، وقيمهم، ومعاييرهم. يظهر الفهم البنيوي بأنّ الثّقافة بأنّها محصّلة لتفاعلات بين مكوّنات، وأجزاء المجتمع يكون فيها الفعل الاجتماعيّ نقطة البدء الأساس.
يبرز دور النّسق الثّقافي في بينة الفعل الاجتماعيّ كما يوضّح في كتابه الّذي يحمل العنوان ذاته «بنية الفعل الاجتماعي» ضمن نطاق وحدتين: وحدة الفعل الصّغرى، ووحدة الفعل الكبرى. ففي الوحدة الصّغرى يملك الفاعلون قدر من الحرّيّة في اختيار ما يريدون، وكذلك لديهم إمكانيّة الاختيار بين الأهداف، والوسائل المُتاحة، والممكنة لبلوغ أهدافهم، وغاياتهم. ويؤكّد أنّ عمليّة الاختيار تلك تحدث ضمن وسط، وبيئة مادّيّة، واجتماعيّة معيّنة، تّحدّد للفاعل الخيارات الممكنة، والمتاحة له[30]. بينما تكون حرّيّة الأفراد في وحدة الفعل الكبرى مضبوطة، ومحدّدة من خلال القيم، والمعايير، فتكون اختياراتهم ضمن النّطاق المعياريّ، والأخلاقي الّذي تفرضه هذه البيئة. وهكذا ينتقل بارسونز للحديث عن مفهوم النّسق الكلّيّ للفعل، الّذي يتكوّن من العلاقات، والتّفاعلات القائمة بين الأفراد، وبين الجماعات. يعمل النّسق الثّقافي على تحقيق الاستقرار والتّوازن، من خلال تنظيم سلوك، وأفعال الأفراد ضمن سلوكيّات متوقّعة، ومتوافقة مع القيم المشتركة. فإذا وصل الأفراد في تواصلهم إلى تحقيق غاياتهم، وإشباعها؛ فإنّهم سوف يكرّرون الفعل، بخاصة وإن قُبل ذلك بقبول اجتماعي. تكرار هذه الأنماط السّلوكيّة يُطلق عليها بارسونز مصطلح الأنماط الثّقافيّة. وهنا وعن طريق هذه الأنماط الثّقافيّة الضّامنة لتكرار تلك الأفعال، وفق نطاق ما هو متوقّع تؤدّي الثّقافة دور الرّقابة الاجتماعيّة في الاستجابة لنمط الحياة الاجتماعيّة السّائد في المجتمع. يكون لكلّ من الدّين، والقيم دورًا بارزًا في صياغة الرّوابط الاجتماعيّة، وبالتّالي صياغة نمط الحياة الاجتماعيّة ضمن قوالب العادات، والتّقاليد، والدّين الّتي ترسم مسار سلوك الأفراد. هذه العادات، والتّقاليد، والمعايير الاجتماعيّة الّتي يتشرّبها الفرد منذ الصّغر من خلال عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة بغاية ضمان تكيفيّه مع الأخرين، وعدم انحيازه عن النّمط الاجتماعيّ السّائد. وهكذا، يكون النّسق الثّقافي الحاضر القويّ، والضّامن لحفاظ، وتماسك المجتمع من خلال عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة، والّتي تعتبر الأسرة، والتّعليم، والدّين أهمّ المؤسّسات النّاقلة للقيم، والمعايير، والمرشدة لسلوك الأفراد.
ومع ستراوس[31] شابهت البنيويّة الأنثروبولوجيّة بنيوية بارسونز. فالبنيويّة لديه تتكون من مجموعة من المكونات، والعناصر الّتي إن طرأ تغيُّر في إحداها تبعه تغيُّر في باقي المكونات، وهي بذلك أقرب إلى النّسق أو النّظام.
وبما أنّ ستراوس يرى بأنّ الظّواهر تُظهر عكس ما تُبطن، فأنّ هدف البنيويّة لديه يتمحور حول دراسة الظّواهر هو الوصول إلى العلاقات القائمة في ما بينها، من أجل الكشف عن النّظام الّذي يحكم الفوضى، وبالتّالي الوصول إلى «البينة» الّتي تتحكّم في جوهر «العلاقات الباطنيّة للأشياء»[32] تجلّت هذه الفكرة لديه، بدراسته للثّقافة الّتي ربطها، بل ماثل بينها، وبين اللّغة. فكما اللّغة لها دلالات، ورموز مخفيّة كذلك الثّقافة. شكّلت اللّغة المحور الأساس، والمركزي في دراسة ستراوس للثّقافة، ومحاولة تفسيره للاختلاف بين الثّقافات. فالثّقافة وفق تعريفه ما هي إلّا «مجموعة من المنظومات الرّمزيّة الّتي تحتلّ المرتبة الأولى فيها اللّغة، وقواعد الزّواج، والعلاقات الاقتصاديّة، والفنّ، والدّين، والعلم، وهذه المنظومات كلّها تهدف إلى التّعبير عن بعض أوجه الواقع المادّي، والواقع الاجتماعي، وكذلك العلاقات الّتي يقيمها هذين النّمطين مع بعضهما البعض، وتلك الّتي تقوم بين المنظومات الرّمزيّة[33].» وفق هذا التّعريف نجد أنّ اللّغة بغضّ النّظر عن تركيبها اللّغوي، تُعتبر أساس الثّقافات، فالعمليّات العقليّة، والإدراكيّة تتكوّن لدى الإنسان من خلال اللّغة منذ صغره. وهذا ما أطلق عليه ستراوس «الأبنية العقليّة».
أضف إلى ذلك، فإنّ اللّغة تؤدّي وظيفة التّواصل بين الأفراد. وبهذا الخصوص، يعرض ستراوس في كتابه البنية الأساس القرابة[34] ثلاثة نماذج للاتّصال بين الجماعات، تكون اللّغة أوّلها، وتبادل المصالح الاقتصاديّة ثانيها، والجنس متمثّلًا بالزّواج ثالثها. فالزّواج إنّما هو عمليّة تبادل تشبه عمليّة التّبادل الّتي تقوم باللّغة، ويشكّل هذا التّبادل سواء كان مباشرًا أم غير مباشر، أم رمزيًّا الأساس الّذي يقوم عليه نظام القرابة. تظهر اللّغة على أنّها «الحقيقة الثّقافيّة الّتي تميّز الإنسان عن الحيوان، والّتي من خلالها تتشكّل جميع أشكال الحياة الاجتماعيّة. فهي الخطّ الفاصل بين الطّبيعة والثّقافة».[35] كما أنّ هذا نظام يمثّل عمليّة الانتقال من المرحلة الطّبيعيّة إلى مرحلة الثّقافة، وذلك بتحديد، وتأطير الزّواج بعدد، وبعلاقات محدّدة بين الأقارب. ويبرهن ستراوس على ذلك، بأنّ كلّ ما هو كلّيّ، وجمعي إنّما يعود إلى الطّبيعة، في حين كلّ ما هو خاضع لقواعد، وأعراف هو نتاج المجتمع أي الثّقافة. وهنا لا يقرّ ستراوس بالقطيعة بين ما هو طبيعي، وما هو ثقافي، إذ يقول بأنّ ظاهرة تحريم الزّواج من الأقارب هي ظاهرة قديمة قبل ظهور الثّقافة، فهي بالتّالي ليست طبيعيّة خالصة، وليست ثقافيّة خالصة. وظيفتها تنظيم العلاقات، والنّظم بين الجماعات، وهو يماثل بذلك نظام الزّواج، أو القربة باللّغة.
يُمكننا القول بأنّ بنيويّة ستراوس تقوم على المقارنة بين ما هو طبيعيّ، وما هو ثقافيّ، وعلى تفسير آليّة الانتقال من الطّبيعي إلى الثّقافي. وتعني البنية عند ستراوس إلّا استخلاص القوانين، والضّوابط الّتي تضبط سلوكيّات الأفراد من خلال البنى العقليّة، والإدراكيّة لدى الأفراد، بغية الكشف عن العلاقات القائمة الاجتماعيّة في البناء الثّقافي، أو في إطار المجتمع عامّة. فما تقليل ستراوس من أهمّيّة الأصل، والتّاريخ والوظيفة، وكذلك رفضه القول بأسبقيّة الجانب الاجتماعي على الجانب العقليّ، إنّما يكشف عن أوّل الأسس البنائيّة لديه. فما العادات، والتّقاليد ما هي إلّا مظاهر، وممارسات خارجيّة لما هو مستتر[36].
ج. الثّقافة بوصفها معنى للفعل وللأنماط الشّخصيّة
هنا وبالنّظر إلى الثّقافة من خلال المعنى الكامن وراء أفعال الفاعلين الاجتماعيّين نكون قد انتقلنا إلى مدخل نظري يركّز على الفرد، وعلى فهم لأفعال الّتي يقومون بها، وفهم معاني تلك الأفعال. وبذلك يكون مدخلًا مغايرًا للمدخل السّابق الّذي يرى، ويفهم المجتمع بناء على ملامح الوظيفة، والبنية الاجتماعيّة.
يعتبر فيبر من أبرز المقاربات السّوسيولوجيّة الكلاسيكيّة الّتي اعتمدت المنهجيّة الفرديّة، وعلى دور الفاعل بالدّرجة الأولى في فهم الثّقافة. فعلم الاجتماع لديه يقوم على فهم، وتفسير الفعل الاجتماعيّ وتأويله، هذا ما نجده في مقاربته للثّقافة. إذ ركّز على فهم مغزى الثّقافة، والفعل الثّقافيّ بذاته، وكيف يمكن للمعاني الثّقافيّة أن تحفّز، وتثير الفعل الاجتماعي للعمل بطريقة معيّنة. فالثّقافة في رأيه ما هي إلّا «إسباغ المعنى، والأهمّيّة من وجهة نظر البشر على جزء محدود من الأحداث اللّامتناهية، وغير ذات المعنى في العالم»[37] إنّ فهمه للفعل الاجتماعي يشمل على فهم السّياقات الثّقافيّة الّتي يحدث فيها، وإعادة بناء تلك السّياقات الّتي تكون مُشبعة بالمعاني. فالظّواهر الاجتماعيّة عند فيبر، بما فيها الثّقافيّة لا توجد خارج سياق نشوئها، ولا خارج المعنى الّذي نضفيه عليها[38]، وبهذا يكون الفعل الاجتماعيّ بمعنى هو سلوك الفرد سواء كان هذا السّلوك خارجيًّا، أو داخليًّا تخليًّا، أو قبولًا[39]. وهكذا شكّل الفرد بإرادته الواعية جوهر الحياة الاجتماعيّة عند فيبر، الّذي رفض الفصل بين القيم، والحياة الاجتماعيّة، والعلاقات الاجتماعيّة.
برز الفعل الثّقافي لدى فيبر في سياق تأكيده على أهمّيّة الآراء، والقيم الثّقافيّة في عمليّة التّغيّر الاجتماعيّ، والاقتصاديّة، وفي دراسته للأديان، والمقارنة بينها، وفي إظهاره كيف يمكن للأديان أن تكون فاعلة في خلق نمط ثقافي جديد، أو في الحفاظ على نمط معيّن. ففي دراسته للدّيانات الشّرقيّة، وتحديدًا الكونفوشيّة منها، يعرض كيف ساهمت تعاليم هذا الدّين في الحفاظ على الأفعال الاجتماعيّة التّقليديّة، كون هذه التّعاليم تشجّع، وتميل إلى الحفاظ على الموروث الاجتماعيّ، على خلاف الدّيانة المسيحيّة المتمثّلة بالبروتستانتيّة الّتي ساهمت في نشوء الرّأسماليّة الغربيّة، وتحديد روحها: أي ثقافتها، وكذلك في عقلنة السّلوك.
إنّ التزام طبقة المقاولين الجدد بالتّعاليم الدّينيّة البروتستانتيّة، وبخاصّة الكلفانيّة منها، فرضت عليهم قيم أخلاقيّة معيّنة، وبالتّالي رسمت لهم سلوكًا معيّنًا أفضى في نهاية الأمر إلى اتّباع نمط حياة جديد خاصّ بهم، ترافق بنمط ثقافة محدّد. ومن أبرز سمات النّمط الجديد هو الاستعداد النّفسي لمقاطعة الأخلاقيّات السّابقة، والعمل على نكران الذّات، وتحمّل العمل الشّاقّ، والزّهد الدّنيوي. فالرّأسماليّة لا تتحقّق في جوٍّ تسوده قيم الرّفاهيّة، والرّاحة، وإنّما تطلب وجود أفراد يتمتّعون بسمات نفسيّة معيّنة، والسّلوك المنظّم، وبيئة اجتماعيّة محدّدة. وبذلك تكون الثّقافة عند فيبر محدِّدة للنّمط الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
كذلك كانت السّلوكيات الشّخصيّة، وأنماط الشّخصيّة حاضرة في المقاربة الأنثروبولوجيّة للثّقافة، وبشكل خاصّ عند بنديكت، وميد اللّتان تعتبران رائدتان هذه المدرسة. فالأولى أي بنديكت اهتمّت بالعلاقة بين الثّقافة، والشّخصية الفرديّة متأثّرة بالأبحاث السّيكولوجيّة لفرويد بشكل خاص، فاتّخذت نتيجة لذلك لنفسها منهجًا جديدًا، مغايرًا لحدٍ ما منهج بواس مُعلمها. والثّانية أي ميد تجلي اهتمامها بالعلاقة بين الثّقافة، والطّبيعة البشريّة.
ترى بنديكت في الثّقافة أمرًا معقّدًا للغاية يقوم على التّجارب المكتسبة خلال التّاريخ، وكذلك على التّجربة النّفسيّة السّيكولوجيّة. وبذلك فإنّ أي سمة من سمات الثّقافة تحمل في طيّاتها جانبًا من النّشاط التّاريخيّ، وجانبًا من النّشاط السّيكولوجي. بدا تأثّر بنديكت بعلم النّفس جليًّا في دراستها «أنماط الثّقافة[40]». فقد وصلت بنديكت من خلال دراستها لمجتمعات بدائيّة، إلى أنّه يجب النّظر على الثّقافة من إطارها الكلّيّ الإجماليّ، فلكلّ ثقافة من الثّقافات تقوم على محور رئيس يضفي عليها طابعًا خاصًّا، يميّزها عن باقي الثّقافات الأخرى، كما أنّ هذا الطّابع يسم الأفراد ضمنه بسمات خاصّة، فتظهر لدينا أنماط ثقافيّة مختلفة. «الصّيغة الثّقافيّة العامّة، ومظاهر الشّخصيّة كما تنعكس لدى الأفراد في تلك المجتمعات.[41]»
عندما تحدّثت بنديكت عن الأنماط الثّقافيّة، إنّما هي تحدّثت عن القوس الثّقافي بحيث يظهر الاختلاف بين الثّقافات على شكل نمط. وهذه الأنماط يمكن تحديدها، وتصنيفها. فالثّقافة لدى بنديكت تعني الكلّ المتجانس، والمنسجم مع الأهداف المرتبطة بجملة من الخيارات الثّقافيّة الممكنة، والّتي يمكن تحقيقها من خلال المؤسّسات، وفي مقدّمتهم المؤسّسة التّربويّة الّتي تكوّن، وتشكّل السّلوكيّات بما يتّفق والقيم ضمن هذه المؤسّسة. تحدَّد الثّقافة من خلال مكوّنات ثقافيّة خاصّة بها، وليس من خلال قياس غياب، أو حضور صفة معيّنة بذاتها. لقد أوضحت بنديكت منهجها عندما أجرت مقارنة بين النّموذج الثّقافي لدى قبائل الهنود بويبلو المكسيكيّة، والنّموذج الثّقافي لدى قبائل الهنود القاطنين للسّهول. وفي الحقيقة أنّ هذين النّموذجين متناقضين تمامًا: فالأوّل يميل سكانهم إلى السّلم، والثّاني يميلون إلى العنف. وأوضحت من خلال ذلك أنّه يجب تحليل «الشّكل الثّقافي».
ومن جهّتنا ميد ركّزت دراستها على الآثار المترتّبة على طريقة، والآليّة تلقّي الفرد للثّقافة. فشكّلت عمليّة النّقل تلك، والشّخصيّة، وإخضاعهم لضوابط المجتمع محور اهتمامها وأبحاثها. حيث أظهرت دراساتها بأنّ النّماذج الثّقافيّة، أو التّربويّة الخاصّة بكلّ مجتمع تعمل على إنتاج أفراد يتناسبون وتلك الثّقافة. نلاحظ ذلك بشكلِ جلّيّ، وواضح في دراستها لثلاث قبائل لكلّ قبيلة نمطها، ونموذجها في تربية الأطفال، وبناءً على تلك الأنماط، نحصل على ثلاثة أنماط للشّخصيّة بما يتناسب مع نمط الثّقافة المهيمن في المجتمع حدّد بعينه. وهنا تؤكد ميد أنّ مسألة الثقّافة لا تتعلّق بالنّاحية البيولوجيّة أي: ذكر وأنثى، بقدر ما ترتبط بالنّموذج الثّقافي المهيمن والّذي يتشرّبه الفرد منذ ولادته بواسطة التّربية بشكل صريح، وعلنيّ، أو بشكل سرّي. ومن يحيد عن ذلك النّمط المهمين يوسم بالشّاذ.
المبحث الثّالث: الثّقافة في فضاء الحكمة العمليّة
كما وجدنا في المباحث السّابقة فإنّ المقاربات الّتي طرحت في الفضاء الأكاديمي الغربيّ تنوّعت ضمن نظرّيّات الوظيفيّة، والبنيويّة، والتّأويليّة، وغيرها، ولكن إذا أردنا أن نطرح إطارًا نقديًّا لهذه المقاربات انطلاقًا من الحكمة العمليّة في الفكر الدّينيّ الإسلاميّ، والفلسفة الإسلاميّة، فيمكننا طرح القضايا التّالية:
أوّلًا: حقيقة الثّقافة ونحو وجودها
ما هو نحو وجود الثّقافة؟
كثيرة هي الأفكار الّتي طرحت في هذا المجال في النّظريّات الّتي سبق أن طرحناها في المبحثين السّابقين، ولكن كلّها تتنازع أمرًا واحدًا وهو «نصيب الثّقافة من الحقيقة والواقعيّة»، فهل الثّقافة هي أمرٌ واقعيّ؟ أم هي أمر اعتباريّ لا يعدو كونه أمرًا ذهنيًّا عند أتباعها؟ نجد أنّ دركهايم على سبيل المثال حاول أن يتعامل مع الثّقافة على أنّها «شيء من الأشياء» بينما ذهب آخرون إلى أنّها عبارة عن نظام رمزيّ معنويّ يحمله أتباع الثّقافة، ويصبغون واقعهم بها من خلال الشّعور، والتّقديس، وغير ذلك.
نقطة الانطلاق في الفكر الدّيني الإسلامي هو «الحقّ»، ويقصد بالحقّ، والحقيقة الواقع الثّابت الّذي لا يمكن إنكاره، فقبل الدّخول في تفاصيل أيّ قضيّة، لا بدّ من معرفة أنّ هناك حقًا واقعًا، وعدم الوقوع في غائلة السّفسطة والعدميّة، ومن ثمّ إحصاء أهمّ الحقائق الّتي منها تتفرّع سائر الحقائق، وبعد ذلك العلاقة بين الحقّ، والنّفس الإنسانيّة، فهل النّفس بمعزل عن الحقّ، والحقيقة أم أنّها لا بدّ من أن تبني رؤيتها، وسلوكها، ونظامها القيميّ وفقه؟
أمّا بالنّسبة للحقائق، فالفكر الدّيني عمومًا، والإسلامي خصوصًا ينطلق من «التّوحيد» بوصفه حقيقةً ثابتةً والّتي منها تتفرّع سائر الحقائق الوجوديّة، والتّوحيد يعني وجود قطب، ومركز، ومبدأ لهذا العالم، بحيث يكون النّظام القيمي، والنّظام التّشريعي تحت ظلّه.
وحيث إن الإنسان يتفاعل مع هذه الحقيقة، سواء على مستواه الفرديّ أم الأسريّ أم الاجتماعيّ، فإنّ مقولات من قبيل الثّقافة تصبح مقولات معياريّة لا مقولات، وصفيّة فقط، وبعبارة أخرى، ينتقل السّؤال من وصف الثّقافات، ورصدها إمبريقيًّا كما هو شأن العلوم الإنسانيّة إلى التّمييز بين ما ينبغي أن يكون، وما ينبغي أن لا يكون.
الثّقافة عمومًا – ولا ينبغي أن نقف كثيرًا على حدود التّعريفات- هي نظام مركّب من أبعاد معرفيّة، ومعنويّة، وأبعاد سلوكيّة، فالأبعاد المعرفيّة، والمعنويّة تتمثّل في الأفكار الّتي تشكّل عند الفاعل الاجتماعيّ تصورّه للعالم، والأحداث، والمعاني الّتي بها يفسّر العالم، وأمّا الأبعاد السّلوكيّة فتتمثّل في العادات، والأعراف، والتّقاليد، والعلاقات الاجتماعيّة، الّتي قد تتشكّل وفق قانون دينيّ، أو عرفيّ، أو مدنيّ.
وإذا كان الأمر كذلك، فنحو وجود الثّقافة تابع لما يقتضيه كلّ بعد من هذين البعدين، فأمّا البعد المعرفي فنحو وجوده عبارة الهوّيّة المعرفيّة الاجتماعيّة، والّتي قد تكون هوّيّة معرفيّة قائمة على التّوحيد، والمعارف الدّينيّة كما في الثّقافة الإسلاميّة، وقد يكون غير ذلك، وأمّا الأبعاد السّلوكيّة فتتمثّل في تشكيل البنية الاجتماعيّة، والّتي تظهر في الرّوابط بين المؤسّسات، والكتل البشريّة على اختلاف أصنافها.
فمن هنا يأتي بحث «الهوّيّة»، وبحيث «نحو تشكّل المجتمع» كبحث محوريّ لأجل تحديد نحو وجود الثّقافة، وما نجده في تراث المفكّرين الإسلاميّين لا سيّما المتأخّرين منهم، أنّ نشوء المجتمع، وبالتّالي بروز الهوّيّة الجامعة الاجتماعيّة، وتمثّل الثّقافات في المجتمع نشأت من قضيّة «التّماثل بين التّكوين والاجتماع» بحيث يسعى الإنسان إلى بناء نظم اجتماعيّ يشابه من خلاله ما استفاده من النّظم الطّبيعي، فالهرميّة على سبيل المثال في المجتمعات تنشأ من لحاظ الهرميّة في الواقع الخارجيّ كالهرميّة القائمة على قانون العلّيّة، وهذا البحث هو الّذي يسمّى بالاعتبار، ومن هنا تختلف الأنظمة الثّقافيّة بين بعضها باختلاف رؤيتها للواقع، والتّكوين، وبعبارة أخرى: «المسير الحياتي الواقعي للإنسان الّذي يؤمّن له السّعادة الحقيقيّة، هو الطّريق الّذي تهدي إليه (تدلّ عليه) الطّبيعة، والفطرة، والقائم على أساس المصالح، والمنافع الواقعيّة المطابقة لمقتضيات وجود الإنسان، والكون، سواء اتّفقت مع عواطفه، وأحاسيسه، أم لم تتّفق. نقول ذلك، لانّه ينبغي للعواطف، والأحاسيس أن تكون محكومة في متطلباتها لما تدلّ عليه الطّبيعة، والفطرة، لا أن تكون الأخيرتان ضحيّة المتطلّبات العاطفيّة الجامحة، فالمجتمع البشريّ يقيم دعائم حياته على أسس الواقعيّة، وليس على قاعدة واهية متمثّلة في عبادة الخرافة، والانصياع الى ما ترسمه العواطف من أمنيّات خادعة.
و هذا بالضّبط الفارق بين الأنظمة الأسلاميّة، وبين الأنظمة المدنيّة الأخرى؛ فالأنظمة (والقوانين) الاجتماعيّة السّائدة تكون تبعًا لإرادة أكثريّة المجتمع (أي: النّصف+ 1)، أمّا الأنظمة (القوانين) الإسلاميّة فتكون تبعًا لما تهدي إليه الطّبيعة، والفطرة اللّتان تعكسان إرادة اللّه (سبحانه).[42]»
ثانيًا: الأبعاد المادّيّة للثّقافة في الفكر الإسلامي
نقصد بالأبعاد المادّيّة للثّقافة التّمثّلات الظّاهريّة للمعاني في الواقع المعاش المادّي، فليست الثّقافة عبارة فقط عن أفكار تختزنها الأذهان، بل لها امتدادات في الواقع الخارجيّ، وهذا ما يمكن أن نشهده في عناصر متعدّدة، من قبيل التّنظيم الاجتماعيّ للعلاقات بين الأفراد على مستوى المعاملات، أو العلاقات الأسريّة، أو على مستوى العلاقة بين الرّعيّة، والحاكم، أو ما يمكن أن نطلق عليه «نمط الحياة» عمومًا، وكذا قد نجد بعض التّمثّلات المادّيّة في الهندسة المعماريّة لدور العبادة، والمساجد، وغير ذلك.
وقد اهتمّ الفكر الدّيني الإسلاميّ بإرجاع هذه التّمثّلات، والمظاهر إلى خدمة الهدف النّهائيّ للحياة الإنسانيّة، وبعبارة أخرى إنّ الإنسان كائن هادف، وبالتّالي فإنّ المنطلق الأساس لبناء الصّروح المادّيّة، وشبكات العلاقات في مختلف طبقاتها قائمة على تحقيق الغاية، ومن هنا فإنّ أحد أسباب تنوّع الأنظمة الثّقافيّة في تمثّلاتها العلائقيّة الاجتماعيّة ترجع إلى اختلاف الغايات وفق نظر الثّقافات المختلفة.
ثالثًا: الحكمة العمليّة نموذج للبناء الثّقافي
قسّم فلاسفة الإسلام الحكمة إلى حكمة نظريّة، بحثوا فيها أحكام الموجودات كما هي في الواقع، وحكمة عمليّة أي النّظام الفرديّ، والاجتماعيّ كما ينبغي أن يكون، ويمكن اعتبار محاولتهم في بناء نموذج الحكمة العمليّة نوع من بناء نموذج للثّقافة في المجتمع المثالي، وإذا أردنا أن نأخذ الفارابي، وما ذكره في الكتاب المنسوب إليه، وهو كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة نجد أنّه تعرّض لمسائل مهمّة متعلّقة بثقافات المجتمعات، حيث قام أوّل الأمر بتقسيم المجتمعات، فذكر أنّها إمّا كاملة، أو غير كاملة، «والكاملة ثلاث: عظمى، ووسطى، وصغرى.
فالعظمى، اجتماعات الجماعة كلّها في المعمورة؛ والوسطى، اجتماع أمّة في جزء من المعمورة؛ والصّغرى، اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمّة.
وغير الكاملة: اجتماع أهل القرية، واجتماع أهل المحلّة، ثمّ اجتماع في سكّة، ثمّ اجتماع في منزل. وأصغرها المنزل. والمحلّة، والقرية هما جميعًا لأهل المدينة؛ إلّا أنّ القرية للمدينة على أنّها خادمة للمدينة؛ والمحلّة للمدينة على أنّها جزؤها. والسّكّة جزء المحلّة؛ والمنزل جزء السّكّة؛ والمدينة جزء مسكن أمّة، والأمّة جزء جملة أهل المعمورة[43].»
ثمّ يشرع الفارابي ببيان أنّ نظام المدينة ينبغي أن يتشكّل وفق نظام البدن، فكما أنّ للبدن أجزاء، وقوى، ورئيس للقوى، وقوى تكون خادمة، كذلك المجتمع، وبالتّالي فإنّ للثّقافة الّتي تنتشر في المجتمع تقسيمان:
ثقافة صحيّة
ثقافة غير صحيّة
وهذا الأمر من الأمور الّتي يتفاوت فيها الفكر الفلسفيّ الإسلاميّ عن الفكر الغربي في العلوم الإنسانيّة، حيث يقدّم قراءة معياريّة للثّقافة، ولا يقتصر على بيانها بشكل وصفيّ من دون الحكم على ما هو الصّحيح، وما هو السّقيم، «المدينة الفاضلة تشبه البدن التّامّ الصّحيح، الّذي تتعاون أعضاؤه كلّها على تتميم حياة الحيوان، وعلى حفظها عليه. وكما أنّ البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة، والقوى، وفيها عضو واحد رئيس وهو القلب، وأعضاؤه تقرّب مراتبها من ذلك الرّئيس، وكلّ واحد منها جعلت فيه بالطّبع قوّة يفعل بها فعله، ابتغاء لما هو بالطّبع غرض ذلك العضو الرّئيس، وأعضاء أخر فيها قوى تفعل أفعالها على حسب أغراض هذه الّتي ليس بينها، وبين الرّئيس واسطة - فهذه في الرّتبة الثّانية - وأعضاء أخر تفعل الأفعال على حسب غرض هؤلاء الّذين في هذه المرتبة الثّانية، ثمّ هكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاء تخدم، ولا ترؤّس أصلًا. وكذلك المدينة، أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات. وفيها إنسان هو رئيس، وآخر يقرّب مراتبها من الرّئيس. وفي كلّ واحد منها هيئة، وملكة يفعل بها فعلًا يقتضي به ما هو مقصود ذلك الرّئيس. وهؤلاء هم أولو المراتب الأوّلى. ومن دون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، وهؤلاء هم في الرّتبة الثّانية.[44]»
الخاتمة
تُعدّ مسألة الثّقافة من أكثر الإشكاليّات تعقيدًا في الحقول المعرفيّة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، نظرًا إلى تعدّد التّعريفات، والتّأويلات المرتبطة بها عبر التّاريخ، وتباين مناهج تحليلها. ولقد حاولنا في هذه الدّراسة فهم الصّيرورة التّاريخيّة لمفهوم الثّقافة، وموقعه ضمن المقاربات الكلاسيكيّة في الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، لننتهي بطرح نقدي مستمدّ من الفلسفة الإسلاميّة.
بدأت الدّراسة باستعراض التّطوّر التّاريخي للمفهوم، وبيّنت أنّ منشأه الحديث يعود إلى فرنسا خلال عصر الأنوار، حيث ارتبط بمفاهيم التّقدّم، والعقل، والإنسانيّة. لاحقًا، انتقل المفهوم إلى ألمانيا، لكنّه اكتسب هناك دلالة مغايرة؛ إذ ارتبط بالهويّة القوميّة، والبعد الرّوحي للأمّة، في مقابل الحضارة الّتي كانت تشير إلى البعد المادّي. هذا التّباين أدّى إلى تشكّل ثنائيّة ثقافة/حضارة، وثنائيّة المفرد/الجمع، حيث تبنّت فرنسا رؤية كونيّة إنسانيّة للثّقافة، بينما دافعت ألمانيا عن الخصوصيّة الثّقافيّة، والنّسبيّة.
أمّا في المقاربات النّظريّة، فقد عرضت الدّراسة الرّؤية الوظيفيّة الّتي مثلها دوركهايم، حيث اعتُبرت الثّقافة بمنزلة تمثيلات جمعيّة تُسهم في ضبط سلوك الأفراد، وتحقيق الانسجام الاجتماعيّ. وفي المقابل، قدّم مالينوفسكي طرحًا أنثروبولوجيًّا، وظيفيًّا يرى أنّ الثّقافة تنشأ من الحاجة إلى إشباع الرّغبات البيولوجيّة، والاجتماعيّة للأفراد. وقدّم بارسونز منظورًا بنيويًّا-وظيفيًّا رأى في الثّقافة نسقًا يُنظّم الفعل الاجتماعيّ، بينما عدّها ليفي-شتراوس نسقًا رمزيًّا يُماثل اللّغة، يحكم البنى العقليّة، والاجتماعيّة. أمّا ماكس فيبر، فركّز على البعد التّأويلي للفعل الثّقافي، معتبرًا أنّ الثّقافة هي نتاج للمعاني الّتي يضفيها الأفراد على أفعالهم، وتُسهم في تشكيل مسارات اقتصاديّة، واجتماعيّة جديدة.
في القسم الأخير، قدّمنا موقفًا نقديًّا يستند إلى الفكر الإسلاميّ، خصوصًا في رؤية الثّقافة بوصفها نظامًا معياريًّا مرتبطًا بالحقيقة والحقّ، لا مجرّد تمثيل رمزيّ. وتُبرز الفلسفة الإسلاميّة، خصوصًا في نموذج الفارابي، تصوّرًا للثّقافة باعتبارها بنية متكاملة تسعى لتحقيق الغاية القصوى للحياة الإنسانيّة، وتنقسم إلى ثقافة «صحّيّة» تقود للفلاح، وأخرى «مريضة» تؤدّي إلى الانحراف.
المصادر:
إبراهيم، زكريا، مشكلة البنية (أضواء على البنيوية)، القاهرة، مكتبة مصر، 1976.
جعفر، عبد الوهاب، البنيوية في الأنثروبولوجيا وموقف سارتر منها، القاهرة، دار المعارف، 1989.
صيام، شحاتة، النظرية الاجتماعية من المرحلة الكلاسيكية إلى ما بعد الحداثة. مصر، 2009.
الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1352 هـ.
___________، مقالات تأسيسية، مؤسسة أم القرى، قم- إيران، 1418.
عارف، محمد، المجتمع بنظرة وظيفية، القاهرة، مكتبة الأنجلو، 1981.
عماد، عبد الغني، سوسيولوجيا الثقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.
غامري، محمد حسن، المدخل الثقافي في دراسة الشخصية، الإسكندرية، مصر، 1989.
فارابی، محمد بن محمد، آراء أهل المدینة الفاضلة و مضاداتها، دار و مکتبة الهلال، بیروت - لبنان، 1995 م.
فهيم، حسين، قصة الأنثروبولوجيا، الكويت، عالم المعرفة، عدد 98، فبراير 1986.
كريب، إيان، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد غلوم، الكويت، عالم المعرفة، عدد 244، 1999.
كوبر، آدم، الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي، ترجمة تراجي فتحي، الكويت، عالم المعرفة، عدد 349، مارس 2008.
كوش، دنیس، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2007.
كوليو-تيلين، كاترين، «ماكس فيبر والتاريخ»، ترجمة جورج كتورة، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1994.
مجموعة من الكتّاب، نظرية المعرفة، ترجمة علي سيد الصاوي، الكويت، عالم المعرفة، عدد 223، يوليو 1997.
نهلة، إبراهيم، الثقافة في مواجهة العصر، قضايا سوسيولوجية معاصرة في علم الاجتماع الثقافي، القاهرة، 2008.
وبر، ماكس، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة صالح هلال، القاهرة، 2011.
Chalifoux, Jean-Jacques, Culture une notion polémique?, Service Social, Volume 42, numéro 1, 1993, p. 11–23.
Marc-Lipiansky, Mireille, Le structuralisme de Lévi-Strauss, Paris, Payot, 1973.
-------------------------------
[1]. دكتوراه في علم الاجتماع- سوريا.
[2]. كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، 15.
[3]. Culture d›une faculté
[4]. م. ن، 18.
[5]. نهلة، الثقافة في مواجهة العصر: قضايا سوسيولوجية معاصرة في علم الاجتماع الثقافي، 65-66.
[6]. كوبر، الثقافة التفسير الأنثروبولوجي، 44.
[7]. كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، 19.
[8]. Building
[9]. Chalifoux, “Culture en notion polémique?”
[10]. Kultur
[11]. Johan Herder
[12]. cultures
[13]. كوبر، الثقافة التفسير الأنثروبولوجي، 42-44.
[14]. Mauss
[15]. Note sur la notion de la civilisation
[16]. كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، 44.
[17]. La conscience collective
[18]. Les représentations collectives
[19]. De quelques formes de primitives de la classification
[20]. les formes élémentaires de la vie religieuse
[21]. du la division du travail social
[22]. anomie
[23]. Boas
[24]. مجموعة من الكتاب، نظرية المعرفة، 267.
[25]. عماد، سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة، 71.
[26]. فهيم، قصة الأنثروبولوجية، 129.
[27]. مجموعة من الكتاب، نظرية المعرفة، 266.
[28]. عارف، المجتمع بنظرة وظيفية، 226-228.
[29]. صيام، النظرية الاجتماعية من المرحلة الكلاسيكية إلى ما بعد الحداثة، 66.
[30]. كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، 65.
[31]. Claude Lévi-Strauss
[32]. إبراهيم، مشكلة البنية (أضواء على البنيوية).
[33]. Marc-Lipiansky, Le structuralisme de Lévi-Strauss, 26-28.
[34]. Lévi-Strauss, Les structures élémentaire de la parenté.
[35]. Ibid, 30.
[36]. جعفر، البنيوية في الأنثروبولوجية وموقف سارتر منها، دار المعارف، 41.
[37]. كوبر، الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي، 49.
[38]. كوليو-تيلين، «ماكس فيبر والتاريخ»، 19.
[39]. وبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، 28.
[40]. patterns of culture
[41]. غامري، لمدخل الثقافي في دراسة الشخصية، 95-96.
[42]. الطباطبائي، مقالات تأسيسية، 83.
[43]. فارابی، آراء أهل المدینة الفاضلة و مضاداتها، ۱۱۲.
[44]. فارابی، آراء أهل المدینة الفاضلة و مضاداتها، 114.