الباحث : أسماء أحمد محمود
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 38
السنة : ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث : 776
الملخّص
يُعدّ ألفن توفلر عالِم في مجال دراسات المستقبل[2]، وأحد صانعي القرار الأمريكيّ. رغم صعوبة التّنبّؤات في مجال العلوم الإنسانيّة فقد شهدت تنبّؤاته تحقّقًا في أرض الواقع؛ حيث تنبّأ بدخول العالم في الثّورة التّقنيّة الّتي تجسّدت في ثورة الاتّصالات، والإنترنت، والثّورة الرّقميّة، ومدى تأثير التّكنولوجيا على المجتمع، وعلى منظومة القيم الأخلاقيّة، والثّقافيّة للغرب. قدّم توفلر رؤية جديدة للعصور التّاريخيّة حيث شبّه حركة التّاريخ بموجات تغيير، وقسّم التّاريخ إلى ثلاث مراحل كبرى، أو ثلاث موجات حضاريّة. أطلق على الأولى: الموجة الزّراعيّة، والثّانية: الموجة الصّناعيّة، أمّا الموجة الأخيرة حضارة الموجة الثّالثة فتمثّلت في عصر المعلومات. ومن خلال النّظريّة الموجيّة للصّراع أرجع توفلر أسباب الحروب، والصّراعات في العالم إلى تصادم الموجات الحضاريّة. وقد كشفت نزعته المستقبليّة، وتفسيره للصّراع الموجي للحضارات بوضوح عن رؤيته لأدلجة الثّقافة، وتسييسها، وأليّات تحوّل المنتج الفكري إلى سلعة تطرح في السّوق الثّقافي غطاءً لاستراتيجيّات النّظام العالمي الجديد. وتمثّلت الأبعاد النّظريّة للثّقافة عند توفلر في أثر ثقافة المجتمع الغربي على قيم أعضائه، وكيف ارتبطت هذه القيم بالسّلوك.
الكلمات المفتاحية: علم دراسات المستقبل، الموجات الحضاريّة، حضارة الموجة الثّالثة،صدام الموجات، أدجلة الثّقافة، الأبعاد النّظريّة للثّقافة.
مُقدّمة
ألفن توفلر[3] هو كاتب، ومفكّر أمريكي، وعالم في دراسات المستقبل، عمل محاضرًا لمجموعة المستقبليّين[4] في الكونغرس والإدارة، وتتلمذ على يديه نخبة صانعي القرار في دورات، ومحاضرات شهريّة، كان من بينهم بعض رؤساء الدّول مثل؛ غورباتشوف رئيس الاتّحاد السّوفيتي، ورئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمّد. وكان لزوجته هايدي توفلر مساهمة رئيسة في أعماله، حيث شاركته في تأليف بعض الكتب. تنبّأ توفلر بالعديد من التّغييرات المستقبليّة، وتأثير التّكنولوجيا على المجتمع، وعلى منظومة القيم الأخلاقيّة، والثّقافة الغربيّة بوجه عامّ، وقد شهدت تنبّؤاته تحقّقًا في أرض الواقع منها؛ دخول العالم في الثّورة التّقنيّة الّتي تجسّدت في ثورة الاتّصالات، الإنترنت، والثّورة الرّقميّة، وتطوّر علم الاستنساخ، والحاسوب الشّخصي . كما توقّع أن تسود في المستقبل ما بعد الصّناعي شركات مجزّأة أصغر حجمًا لا تعتمد على الجهد العضليّ الجمعيّ في خطوط التّجميع، بل على سرعة التّفكير لأفراد، ومجموعات صغيرة.
قسّم توفلر التّاريخ إلى ثلاث موجات حضاريّة، ويعدّ التّغيير هو الفكرة الرّئيسة الّتي ارتكز عليها في تقسيم التّاريخ. ونتيجة لسرعة التّغييرات داخل الموجات سيحدث تصادم موجيّ، وعندما تتصادم الموجات ، فإنّ الحضارات بأسرها ستتصادم. رصد توفلر الأزمات الّتي يتعرّض لها المجتمع الأمريكيّ، والّتي أثّرت تأثيرًا بالغًا على الحياة الثّقافيّة، والاجتماعيّة، كان من أبزرها الأزمة الأسريّة، والأزمة الأخلاقيّة، وأزمة التّعليم. ويرجع أسبابها إلى التّغييرات الّتي خلّفتها حضارة الموجة الصّناعيّة، ونظرًا لكون أكثر تلك التّغييرات تمسّ ثقافة المجتمع الأمريكي فقد أطلق عليها تعبير «الصّدمة الثّقافيّة».
يسعى البحث للإجابة عن عدّة تساؤلات من أبرزها ما المقصود بالصّدمة الثّقافيّة، وكيف أثّرت التّغييرات على قيم المجتمع؟ ما المقصود بالعولمة الثّقافيّة عند توفلر؟ ما طبيعة الصّدام الحضاريّ عند توفلر؟ ويهدف البحث إلى معرفة الأبعاد الثّقافيّة في حضارة الموجة الثّالثة . وأثر ثقافة المجتمع الغربي لا سيّما الأمريكي على قيم أعضائه. كما يهدف إلى الكشف عن الأطر الثّقافيّة، والدّوافع الفكريّة الّتي تفسّر نزعته المستقبليّة. أمّا عن المنهج فسوف يعتمد البحث على عدّة مناهج: المنهج التّاريخيّ، والمنهج التّحليليّ، والمنهج النّقدي.
وينقسم البحث إلى أربعة محاور جاءت على النّحو التّالي:
المحور الأوّل: النّموذج الموجيّ للحضارات
المحور الثّاني: فكرة التّغيير وصدام الموجات الحضاريّة
المحور الثّالث: مفهوم الصّدمة الثّقافية وأبعادها
المحور الرّابع: العولمة الثّقافيّة ونظريّة المعرفة
المحور الأوّل: النّموذج الموجيّ للحضارات
تعدّ الحضارة عند توفلر هي الوحدة الأساس في دراسة حركة التّاريخ مثله في ذلك مثل أرنولد توينبي. وإذا كانت الحضارة عند توينبي تشمل كلّ ما يميّز مجتمعًا عن مجتمع آخر، من حيث القيم، والمعتقدات، والعادات، والتّقاليد، والدّين، وهي بذلك تمثّل الجانب المعنويّ، فإنّ مفهوم الحضارة عند توفلر كان أكثر شمولًا.
رأى توفلر أنّ الحضارة كلمة طنّانة، أو ذات رنين عالٍ، بخاصّة على الأذن الأمريكيّة، فهي تشمل: التّكنولوجيا، والحياة الأسريّة، والدّين، والثّقافة، والسّياسة، والأعمال، والتّراتيب، والقيادة، والنّظرة الأخلاقيّة للجنس، ونظريّة المعرفة. وقد حدثت تغيرات جذريّة في كلّ من هذه الأبعاد في المجتمع، وحين تتغيّر عناصر اجتماعيّة، وتكنولوجيّة، وثقافيّة في الوقت نفسه، فإنّ النّاتج ليس مجرّد انتقال مجتمع، لكنّه تحوّل حضارة جديدة [5]. إذًا الحضارة كما تصوّرها توفلر كيان شامل يحمل بداخله الجانب المادّيّ «المدنيّة»، والجانب المعنويّ «الثّقافة». وحين يحدث تغيّرات جذريّة في كلّ هذه الأبعاد تنشأ حضارة جديدة، تكون مغايرة للحضارة السّابقة عليها.
والجدير بالذّكر، إنّ اهتمام توفلر في دراسة التّاريخ كان منصبًّا حول التّحليل الاجتماعيّ. وعمليّة الاتّصال بين الحاضر، والماضي، إنّما تأتي نتيجةً للتّحليل الاجتماعي «تقدّم الموجة[6]» وليس التّنبّؤ، والّذي يعدّ وسيلة بحث متميّزة استطاع توفلر من خلالها أن يحدّد سير أحداث المجتمع. وقد كشف له التّحليل الاجتماعيّ أن التّغيّر هو العامل الأساس الّذي تنتظم أحداث التّاريخ جميعها وفقًا له [7].
شبّه توفلر حركة التّاريخ بموجات تغيّر، وقسّم من خلالها التّاريخ إلى ثلاث موجات حضاريّة. يقول: «اجتاز التّاريخ البشريّ موجتيّ تغيّر عظميين طمست كلّ واحدة منهما، إلى حدّ كبير، ما سبقتها من حضارات، وثقافات لتجيء بأساليب حياتيّة جديدة لم تخطر على بال السّابقين. موجة التّغيّر الأولى ـ هي الثّورة الزّراعيّة ـ كان يلزمها آلاف السّنين لتكتمل. والموجة الثّانيةـ صعود الحضارة الصّناعيّة ـ لزمها ثلاثمائة عام فحسب. أمّا اليوم (يتحدّث هنا عن العقد الأخير من القرن العشرين فمن الأرجح أن تندفع الموجة الثّالثة عبر التّاريخ لتكتمل في بضع عشرات من السّنين[8].» إنّ التّغيير عند توفلر هو نقطة البداية الّتي انطلق من خلالها لدراسة التّاريخ.
لم يكن توفلر أوّل من وضع تصوّر لمراحل التّاريخ البشري فقد سبقه عدد من فلاسفة التّاريخ، ولعلّ من أبرز تلك النّظريّات الّتي تركت أثرًا بارزًا على فلسفات التّاريخ في القرن العشرين، وأثارت نقاشات عديدة؛ فلسفة هيجل التّاريخيّة، أو المخطّط الهيجلي الّذي قسّم التّاريخ إلى ثلاث مراحل بدأت المرحلة الأولى في العالم الشّرقيّ المتمثّل في حضارتيّ الصّين، والهند القديمتين، والّتي وصفهما بالجمود؛ أي أنّهما مجتمعات وصلت إلى نقطة معيّنة من التّطوّر. المرحلة الثّانية: تمثّلت في العالم اليوناني الّذي تحرّكه فكرة الحرّيّة، لكن تلك الحرّيّة لم تتطوّر قطّ؛ لأنّ الحرّيّة عند اليونانيّين تسمح بوجود العبوديّة كما ذهب هيجل. المرحلة الثّالثة والأخيرة تمثّلت في العالم الجرماني «الدّولة البروسيّة»، وهي مرحلة اكتمال الحرّيّة، ووصولها إلى الوعي.
أمّا كارل ماركس فقال بخمس مراحل تاريخيّة بدأت بالمشاعيّة البدائيّة، والعبوديّة، والإقطاع، والرّأسماليّة، وانتهاءً بالشّيوعيّة. وإذا كانت الدّولة البروسيّة هي المرحلة النّهائيّة، الّتي تعدّ نهاية التّاريخ عند هيجل، فإنّ الشّيوعيّة هي المرحلة الأخيرة عند ماركس الّتي ستسود العالم. وقد تأثّر توفلر برؤيتيّ هيجل، وماركس الخطيّتين للتّاريخ القائلتين بوصول التّاريخ لمرحلة قصوى من التّطوّر، تكون الأكثر تقدّمًا، واكتمالًا. إذ جعل حضارة الموجة الثّالثة الّتي ستتحقّق في أمريكا، ودول أوروبا، واليابان هي الحضارة الأسمى، وتعدّ حضارة الموجة الثّالثة عند توفلر أوّل حضارة بشريّة حقيقيّة في التّاريخ.
إنّ كلّ موجة من الموجات الحضاريّة لها طبيعتها، وسماتها الخاصّة الّتي تميّزها عن غيرها، ولها أيضًا دورها الّذي تؤدِّيه في العمليّة التّاريخيّة، وهذا ما جعل هناك تفاوتًا كبيرًا بين كلّ حضارة من الحضارات الثّلاث كما تصوّرها توفلر.
الموجة الأولى «الزّراعيّة»: بدأ عصر الموجة الأولى في عام 8000 ق.م تقريبًا، ويطلق عليها توفلر «الثّورة الزّراعيّة» الّتي انتشرت فيها القرى بعدما كانت الحياة قائمة على التّرحال. في هذه الموجة أصبحت الأراضي الزّراعيّة هي نشاطها الممارس، بعدما كان النّشاط قائمًا على جمع الثّمار، والرّعي، وصيد الأسماك. لقد سادت الثّورة الزّراعيّة العالم بدون منازع إلى وقت ما بين 1650إلى 1750م، أي أنّه حتّى نهاية القرن السّابع عشر لم تكن موجة التّغيير الأولى قد استنفدت ما لديها. ولكن مع النّصف الثّاني من القرن الثّامن عشر عندما اندلعت الثّورة الصّناعيّة في أوروبا، وأطلقت موجة التّغيير الكوكبيّة الثّانية الكبرى بدأت الموجة الثّانية الصّناعيّة تتحرّك بسرعة أكثر من الموجة الزّراعيّة السّابقة. وفي ذلك الحين فقدت الموجة الزّراعيّة قوّتها الدّافعة [9]. وإذا كانت الموجة الأولى مرتبطة بصورة لا مفرّ منها بالأرض، فإنّ الكثيرين ما زالوا يعيشون، ويموتون في المجتمعات الزّراعيّة، وفي التّربة الخشنة غير المنتجة تمامًا كما كان يعيش أسلافهم. أمّا أٌسس مدنيّة الموجة الثّانية الصّناعيّة فكانت محلّ جدلٍ. فبعض المؤرّخين يقولون إنّ جذورها ترجع إلى عصر النّهضة، أو حتّى قبل ذلك، لكن التّغيّر الجذريّ لعدد كبير من النّاس يعود إلى ثلاثمائة عام مضت، كان ذلك مع ظهور نظريّات العالم نيوتن، وعندما بدأت الآلة البخاريّة تستخدم لأوّل مرّة بصورة اقتصاديّة، وبدأت المصانع الأولى تتكاثر في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبدأ الفلّاحون يتحرّكون إلى المدن. وبدأت أفكار جريئة جديدة تنتشر منها: فكرة التّقدّم، وحقوق الفرد، وأنّ القادة يجب اختيارهم بإرادة شعبيّة، وليس بالحقّ الإلهي؛ أي فصل الدّين عن الدّولة [10].
وقد سادت الحضارة الصّناعيّة الّتي هي نتاج الموجة الثّانية الكوكب بدورها إلى أن وصلت هي الأخرى إلى الذّروة، وحدثت نقطة التّحوّل التّاريخيّة الأخيرة عام 1955م، وهو العقد الّذي شهد لأوّل مرّة انتشار استخدام الكمبيوتر، والطّيران التّجاريّ النّفّاث، وحبوب منع الحمل، وهو العقد الّذي بدأت فيه الموجة الثّالثة تستجمع قوّتها في الولايات المتّحدة. وجاءت الموجة الثّالثة بأسلوب حياة جديد تمامًا، تأسّس على مصادر طاقة متنوّعة، ومتجدّدة، وأساليب إنتاج تجعل خطوط الإنتاج في المصانع أشياء عتيقة انتهى زمانها، ومؤسّسة من نوع جديد يمكن أن نسمّيه «الكوخ الإلكتروني»، وعلى مدارس، وشركات، ونقابات مختلفة. وسوف تخطّ الموجة الثّالثة قواعد جديدة للسّلوك.. وسوف يتلاشى اعتماد دول الموجة الثّالثة على شركائهم في دول الموجتين الأولى، والثّانية، ما عدا الأسواق. وتزداد بصورة تصاعديّة تعاقداتهم التّجاريّة مع بعضهم البعض داخل نطاق موجتهم. وفي النّهاية تكون تكنولوجيا دول الموجة الثّالثة المموّلة على مستوى مرتفع، والّتي قامت على أساس المعرفة، قادرة على القيام بأعباء كثيرة بنفسها بدلًا من أن يؤدّيها بلدان العمالة الرّخيصة, وتصبح دول الموجة الثّالثة قادرة على الإنتاج بصورة أفضل، وأسرع، وأرخص [11].
وإيجازًا لرؤية توفلر الموجيّة للحضارات، وجدنا أنّه قسّم التّاريخ إلى ثلاث موجات حضاريّة تعدّ الموجة الأولى الزّراعيّة أوّل نقطة تحوّل في التّطوّر البشريّ، والّتي قضت على شكل الحياة البدائيّة، وعملت على الاستقرار، وظهور القرى، وبذلك تعدّ أولى الحضارات الإنسانيّة. أمّا الموجة الثّانية، والّتي عرفت بالثّورة الصّناعيّة، وهي تمثّل ثاني التّغييرات الكبرى. ولم يكن هذين التّحوّلين حدثًا منفصلًا وقع في لحظة زمنيّة، وإنّما موجة تغيير تتدفّق بسرعة معيّنة. وكانت الموجة الثّانية تتحرّك بسرعة أكبر من الزّراعيّة، ثمّ تأتي الموجة الثّالثة لتكون الموجة الأسرع، والأفضل، والّتي تمثّلت عند توفلر في أمريكا، وأوروبا، واليابان.
ثمّة انتقادات وُجِهّت إلى نظريّة توفلر منها؛ إنّها ليست عمليّة تغيير ينتج عنها بالضّرورة صدام حضاريّ، كما سنرى في المحور التّالي، بل هي عمليّة تطوّر طبيعي للعقل البشريّ. ولو أنّ توفلر أقرّ بالتّكامل بين مرحلة الزّراعة، والصّناعة، والتّقدّم التّكنولوجي الّذي يعتمد على ذهن الإنسان، لكان موقفه أشدّ تماسكًا ، وأحكم منطقًا. كما أنّ فكرة التّغيّر الّتي اعتمد عليها في تفسير التّاريخ ، وتقسيمه إلى ثلاث موجات حضاريّة، أم توضّح صراحة أنّ هناك ثورة زراعيّة تسمّى الموجة الأولى، وثورة صناعيّة تسمّى بالموجة الثّانية، وأخرى لم تكتمل بعد لديه سمّاها الموجة الثّالثة. وقد ذكر توفلر أنّ كلّ موجة تأتي تمحو سابقتها؛ أي أنّ الثّورة الزّراعيّة تختفي بظهور الموجة الصّناعيّة، ولاستطاعت الموجة الثّالثة أن تمحو الموجتين السّابقتين. لكن في الواقع لا تزال الموجات الثّلاث قائمة إلى الآن، بل حتّى الرّعي، والصّيد أحد أشكال الحياة البدائيّة الّتي كانت قبل الثّورة الزّراعيّة ما زال موجودًا لدى بعض الشّعوب والدّول. إذًا فالزّراعة، والصّناعة، والتّكنولوجيا المتقدّمة لا تزال جميعها قائمة إلى الآن، ولا يمكن محوها، أو الاستغناء عن أيّ حضارة من الحضارات الثّلاث، ومن ثمّ فإنّ التّغير لا يمكنه أن يمحو، أو يقضي على حضارة من الحضارات، لكن ربّما يجعل لأحدهما الغلبة [12].
المحور الثّاني: فكرة التّغيير وصدام الموجات الحضاريّة
إنّ التّغيير هو الفكرة الرّئيسة الّتي ارتكز عليها توفلر عند دراسة التّاريخ، والفكرة ذاتها الّتي ارتكز عليها الصّراع بين الموجات الحضاريّة. يقول: «لأنّ التّغييرات الجسيمة في المجتمع لا يمكن أن تحدث بدون صراع، فإنّ تشبيه التّاريخ بموجات تغيير ـ في اعتقادنا ـ أكثر تعبيرًا عن ديناميكيّته، وأنسب من الحديث عن الانتقال إلى ما بعد الحداثة . فالموجة حركة، وعند اصطدام الموجة بالأخرى تتولّد تيّارات قوّيّة متلاطمة، وعند تصادم موجات التّاريخ، فإنّ حضارات بأسرها تتصادم. ويلقي هذا الضّوء على كثير ممّا يبدو في عالم اليوم عشوائيًّا، أو بلا معنى.[13]» ويقول أيضًا:«عندما نفهم نظريّة الموجة في الصّراع يصبح واضحًا أنّ التّحوّل الأكبر في القوّة تظهر على هذا الكوكب، هو الانقسام القادم في العالم إلى ثلاث حضارات مختلفة، ومتصادمة بشكل ملحوظ.[14]»
والجدير بالذّكر، أنّ توفلر لم يكن أوّل من توصّل إلى فكرة التّغيير، وقال بها كعامل أساس للصّراع، فقد سبقه عدد من فلاسفة التّاريخ قالوا بالتّغيير، لكن مع اختلاف شكل الصّراع.
كان ابن خلدون (1332 ـ 1406) من أبرز القائلين بفكرة التّغيير والّتي اعتبرها سنّة من سنن الله في الكون. يقول في مقدّمته: «ومن الغلط الخفيّ في التّاريخ الذّهول عن تبدّل الأحوال في الأمم، والأجيال بتبدّل الأعصار، ومرور الأيّام، وهو داء دويّ شديد الخفاء، إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطّن له الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أنّ أحوال العالم، والأمم، وعوائدهم، ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقرّ، إنّما هو اختلاف على الأيّام، والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال[15].» أرجع ابن خلدون السّبب في التّغيير، أو تبدّل الأحوال، والعوائد إلى أنّ كلّ جيل يتبع عوائد سلطانه، وحاكمه. وتحدّث ابن خلدون عن الصّراع فالحياة تقوم عند ابن خلدون على الصّراع بين البداوة، والحضارة أي بين سكان البدو والحضر، ويرجع سبب الصّراع إلى رغبة سكّان البدو في الوصول إلى الحكم، وأهمّ ما يميّز البدو عند ابن خلدون هو العصبيّة، وهي تعني الجماعة الّتي تربطها عناصر مشتركة، وروابط قوّيّة، وتتمثّل في القبيلة، لكن سرعان ما يفقد سكان البدو عصبيّتهم حين يتولّوا الحكم، ويألفوا حياة الحضر.
أمّا الصّراع عند هيجل فهو صراع جدليّ يقوم على الأفكار، وفكرة التّطوّر الّتي تحدّد مسار التّاريخ، وتتمثّل لديه في صراع الحرّيّة، وتطوّرها حتّى تصل إلى مرحلة الوعي بذاتها، ومن ثمّ تتوقّف حركة الجدل، ويعلن هيجل نهاية التّاريخ الّذي تحقّق في العالم الجرماني، أو الدّولة البروسيّة. والجدير بالذّكر أنّ فكرة الصّراع، والتّطوّر في مراحل التّاريخ عند هيجل كانت تخدم أيديولوجيّته الغربيّة الألمانيّة الّتي جعلها أعلى مراحل التّطوّر البشريّ، وكتب للتّاريخ نهايته؛ نهاية التّطوّر، وليس نهاية الأحداث التّاريخيّة.
وعلى الرّغم من الشّوط الّذي قطعه هيجل في بيان العمليّات الجدليّة، وما تتضمّنه من صراع، وألم، وحتّى العذاب الدّائم، فإنّه انتهى إلى اللّامتناهي مفترضًا أنّ النّهاية المباشرة قد بلغت منتهاها في دولة بروسيا في عصره. ويقول في هذا السّياق: «لقد وصلنا إلى المرحلة الثّالثة للعالم الجرماني، وهكذا نكون قد وصلنا إلى فترة وعي الرّوح بحرّيّتها؛ لأنّها تريد الحقيقة، والأبديّة، أي تكون كلّيّة في ذاتها ولذاتها.» فهدف هيجل إذًا هو جعل شيخوخة التّاريخ تتحقّق في العالم الجرماني، والمقصود بشيخوخة التّاريخ وفق قوّته لا ضعفه، وازدهاره لا انحداره. وتحت عنوان: تصنيف المعطيات التّاريخيّة، استهل هيجل حديثه بالثّناء على أوروبا، وتقدير عظمتها، وفي هذا تعبير عن نزعته العنصريّة، وانحيازه للأمم الجرمانيّة، والمبالغة في تاريخها، وبخس لدور الأمم الأخرى، وحقّها في التّاريخ، وكانت تلك الصّورة الّتي رسمها معبّرة عن تلك النّزعة القوميّة[16]. تتّضح أيضًا العنصريّة الأوروبيّة عند هيجل في قوله: «إنّ القدر المحتوم للإمبراطوريّات الآسيويّة أن تخضع للحضارة الأوروبيّة، وسوف تضطّر الصّين في يوم من الأيّام أن تستسلم لهذا المصير. [17]»
وتمثّل الصّراع عند كارل ماركس في الصّراع الطّبقي الّذي يعدّ المحرّك الرّئيس للتّاريخ، وسوف يؤدّي هذا الصّراع إلى تغييرات جذريّة، ناتجة عن ثورة البروليتاريا للقضاء على النّظام الرّأسمالي. وسينتهي هذا الصّراع بوصول المجتمع إلى المرحلة الشّيوعيّة.
اعتقد ماركس أنّ علاقات الإنتاج تشكّل المجموع لكلّ مجتمع، ولا يختفي أيّ نظام اجتماعي قبل تطوير كلّ القوى المنتجة، ولا تظهر علاقات إنتاج أعلى قبل تحسّن الظّروف داخل المجتمع القديم، وتفترض أطروحته تماسكًا، وطابعًا داخليًّا للعلاقة بين قوى الإنتاج داخل المجتمع. ورغم تأكيده على وجود الصّراع داخل المجتمع، فإنّ تحليله لتراكم الضّغوط الّتي ادخلتها قوى إنتاجيّة جديدة تتعارض مع علاقات الإنتاج السّابقة [18]، وترجع جذور الصّراع الطّبقي إلى حقيقة الظّلم الّذي يتعرّض له العمال، فعلى الرّغم من أنّهم القوّة المنتجة الوحيدة، إلّا أنّهم حصلوا على الحدّ الأدنى من المكافآت، ولم يكن لهم مكانًا في المجتمع الرّأسمالي، إذ أدّى إنتاجهم إلى ثراء الرّأسماليّين الّذين تراكمت في أيديهم كمّيّات كبيرة من رأس المال، يواجهون بها البروليتاريا الطّبقة الفقيرة. لكن سرعان ما تؤسّس الاشتراكيّة إمّا من خلال انتقال سلمي، أو من خلال ثورة عنيفة. وأوضح ماركس أنّ المجتمع الجديد سيحقّق الاستيلاء على وسائل الإنتاج، وخضوعها للطّبقة العاملة، ومن ثمّ إلغاء العمل المأجور، ورأس المال، واعتقد ماركس أنّ إعادة تنظيم العلاقات الإنتاجيّة ستؤدّي إلى نظام جديد خالٍ من الصّراع، والتّناقضات الدّاخليّة [19].
اختلفت طبيعة الصّراع الحضاري عند توفلر عن غيرها من نظريّات الصّراع السّابقة عليها، كما عرضنا ابن خلدون، وهيجل، وماركس، أو نظريّات الصّراع الّتي تزامنت مع ظهور نظريّته. فيقول :«إنّ النّظريّة الموجيّة للصّراع تنبّئنا بأنّ الصّراع الأساس ليس بين الإسلام والغرب، أو الآخرين ضدّ الغرب كما قال صامويل هنتنجتون، وليس أنّ أمريكا في حال تدهور كما أعلن بول كنيدي، ولا نحن، على حدّ قول فرانسيس فوكوياما، نواجه نهاية التّاريخ. إنّما التّغيّر الاقتصاديّ، والاستراتيجيّ الأكثر عمقًا من كلّ شيء هو انقسام العالم القادم إلى ثلاث حضارات مختلفة متمايزة، الصّدام بينهما وارد.[20]» يمكن القول إنّ الفارق في اختلاف طبيعة الصّراع بين توفلر وغيره من المفكّرين الأمريكيّين، هو أنّ رؤية توفلر كانت أكثر تفاؤلًا، فالصّراع الموجيّ للحضارات ينتج حضارة جديدة تختلف عن سابقتها، وتكون أكثر تقدّمًا.
وفيما يتعلّق بصراع الحضارات عند صمويل هنتنجتون[21] رأى أنّه في العالم الجديد لن تكون الصّراعات المهمّة بين الطّبقات الاجتماعيّة، أو بين جماعات أخرى محدّدة اقتصاديًا، وإنّما ستكون الصّراعات بين شعوب تنتمي إلى كيانات ثقافيّة مختلفة. والحروب القبليّة، والصّراعات العرقيّة سوف تحدث داخل الحضارات، إلّا أنّ العنف بين الدّول، والجماعات الّتي تنتمي إلى حضارات مختلفة يحمل معه إمكانيّة التّصعيد، فتهبّ دول، وجماعات من تلك الحضارات، وتتجمّع لدعم دول قُربى. فالصّراع عند هنتنجتون لن يكون صراعًا أيديولوجيًّا، أو اقتصاديًّا، بل سيكون الانقسام بين البشر ثقافيًّا.
في العالم النّاشئ بعد الحرب الباردة، توقّع هنتنجتون أنّ العلاقات بين الدّول، والجماعات الّتي تنتمي إلى حضارات مختلفة لن تكون علاقات وثيقة، بل ستكون عدائيّة. هناك علاقات ستكون أكثر عُرضه للصّراع من غيرها، وأشدّ خطوط التّقسيم الحضاري عنفَا هي تلك الموجودة بين الإسلام، وجيرانه الأرثوذوكس، والهندوس، والأفارقة، والمسيحيّين الغربيّين هذا على المستوى الأصغر. أمّا على المستوى على المستوى الأكبر، فإنّ التّقسيم السّائد هو بين الغرب، والآخرين مع أشدّ الصّراعات القائمة بين المجتمعات الإسلاميّة، وبعضها من جهّة، والمجتمعات الإسلاميّة، والغرب من جهّة أخرى. ومن هذا المنطلق يرجّح هنتنجتون شكل العلاقة بين الحضارات في المستقبل أن تكون علاقات الغرب بالإسلام، والصّين متوتّرة على نحو ثابت، وعدائيّة جدًّا في معظم الأحوال. وعلاقات الغرب مع أمريكا اللّاتينيّة، وأفريقيا، وهما حضارتان أضعف، ومعتمدتان إلى حدّ ما على الغرب، سوف تتضمّن مستويات أقلّ من الصّراع. بينما علاقات روسيا، واليابان، والهند بالغرب من المرجّح أن تكون وسطًا بين العلاقات؛ إذ تتضمّن عوامل تعاون وصراع، حيث تقف أحيانًا إلى جانب حضارات التّحدّي، وأحيانًا إلى جانب الغرب [22]. هنا تتّضح رؤية هنتنجتون من تقسيم الحضارات؛ والّتي جعل فيها الإسلام العدوّ الأكبر للحضارة الغربيّة، وسيكون الصّراع معه هو الأشدّ عنفًا. وفي تصوّره علاقة الإسلام، والغرب بوجه عام؛ رأى هنتنجتون أنّ العلاقة بين الإسلام، والمسيحيّة الغربيّة كانت عاصفة غالبًا. فكلاهما كان الآخر بالنّسبة للآخر، وهي فترة امتدّت أربعة عشر قرنًا. إنّ صراع القرن العشرين بين الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة، والماركسيّة اللّينينيّة ليس سوى ظاهرة سطحيّة، وزائلة، إذا ما قورن بعلاقة الصّراع المستمرّ، والعميق بين الإسلام، والمسيحيّة. أحيانًا كان يسود التّعايش السّلمي، لكن غالبًا كانت العلاقة علاقة تنافس واسع مع درجات مختلفة من الحرب. ونتيجة لفتوحات الإسلام في العصور الوسطى ثمّ الحملات الصّليبيّة، وظهور الدّولة العثمانيّة، ظهرت فترة حروب بين الإسلام والغرب. وهنا يقول هنتنجتون :«إنّ الإسلام هو الحضارة الوحيدة الّتي جعلت بقاء الغرب موضع شكّ [23].»
لقد قدّم هنتنجتون نفسه باعتباره شاهدًا على واقع يفرض نفسه، وهو واقع الصّدام بين الحضارات، وليس له من دور سوى توضيح حقيقة هذا الصّدام بنظرة العالم الموضوعيّ، لكن سرعان ما يتخلّى عن قناع العالم الموضوعي، إذ يذهب إلى أنّ المسلمين هم الأكثر تورّطًا في مزيد من العنف بين الجماعات من شعوب الحضارات الأخرى، وأنّ الإسلام كان دينًا للسّيف منذ البداية، وأنّه يمجّد فضائله القتاليّة؛ فالإسلام نشأ بين قبائل بدويّة رُحّل متناحرة، وهذه النّشأة العنيفة مطبوعة في أساس الإسلام. ويمضي هنتنجتون في موقفه العدائيّ للإسلام؛ إذ يصفه بأنّه عقيدة استبداديّة، ويرفض كلّ ادّعاء بأنّ المسلمين هم ضحايا الاستعمار الغربيّ، باعتبار أنّ هذا الزّعم في رأيه لا يفسّر الصّراعات بين الأغلبيّة المسلمة، والأقليّات غير المسلمة في دول مثل السّودان، ومصر، وإندونيسيا. كلّ تلك الافتراءات الّتي صاغها هنتنجتون، وغيرها ضدّ الإسلام تكشف حرصه على خلق عدو جديد للحضارة الغربيّة، ولا شكّ أنّ مثل هذه الدّعوة قد وجدت صداها في المجتمع الغربيّ لا سيّما بعد أحداث 11 سبتمبر، فقد توالت الهجمات على الإسلام، والثّقافة الإسلاميّة، والدّول العربيّة الّتي استعان فيها الغرب بإثارة الفتن الطّائفية، وتعضيد الجماعات الدّينيّة المتشدّدة كما حدث في مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا؛ بغية الإطاحة بالهوّيّة، والتّاريخ، وتمزيق وحدة الدّول العربيّة، وتفتيت كيانها [24].
لقد سعى هنتنجتون، وكرّس كلّ جهده لدعوته بوقوع صدامًا ثقافيًّا بين الحضارات؛ جاعلًا من الإسلام العدو الأكبر الّذي يهدّد أمن أمريكا خاصّة، والغرب عامّة، ويمضي قدمًا في ادّعاءه المضلّل بأنّ الإسلام هو من يحمل بذور الشّر، والعداء للغرب، لا سيّما أمريكا . فضلًا عن وجود الإسلام بصفته عدوًّا سيعمل على ترسيخ، وتحديد الهوّيّة الثّقافيّة للأمريكيّين، في حين يتجاهل أنّ تاريخ الحضارة الإسلاميّة يفوق تاريخ الولايات المتّحدة بقرون، وأنّ الهوّيّة الثّقافيّة لبلده ترجع إلى الهنود الحمر، والشعّوب الأصليّة، الّتي قامت على أنقاضها أمريكا الحديثة بعد أن قام الآباء المؤسّسين لأمريكا ـ الدّيمقراطيّة ـ بإبادة الشّعب الأصليّ، والقضاء على هوّيّته.
نعود إلى الصّراع عند توفلر فقد ظهر أوّل شكل من أشكال الصّراع الحضاريّ بين جماعات الموجة الثّانية «لصناعيّة التّجاريّة» من جانب، وملاك أراضي الموجة الأولى في تحالف الكنيسة الّتي هي (من أكبر ملاك الأراضي الزّراعيّة) من جانب آخر، ودفعت الفلّاحين إلى ترك الأراضي لتوريد العمال إلى المصانع. وأطلق توفلر على الصّدام بين مصالح الموجتين الأولى، والثّانية «أمّ الصّراعات». وقد ربط بين تصوّره للصّراع الحضاريّ، والمشكلات العالميّة، والحروب الّتي شهدها العالم، حيث شهدت تلك المرحلة من الصّراع: ظهور التّمرّدات، والعصيان المدني، ونزاعات الحدود، وفي أمريكا نشبت الحرب الأهليّة بين الشّمال، والجنوب، وتبعتها بسنوات قليلة ثورة الميجي[25] في اليابان. ومرّة أخرى انتصر عصريّو الموجة الثّانية على تقليديّي الموجة الأولى. وتسبّب انتشار حضارة الموجة الثّانية في زعزعة استقرار العلاقات بين الدّول. ومع تصنيع الدّول الأطلنطيّة، ازدادت حاجتها إلى الأسواق، والموادّ الخام الرّخيصة الموجودة في مناطق نائية، والّذي نتج عنه أن شنّت الدّول الصّناعيّة حروبها الاستعماريّة، وأخضعت دول الموجة الأولى في أفريقيا وآسيا [26].
كانت أمّ الصّراعات على مستوى النّطاق العالمي هي الأساس في تحديد شكل العالم حتّى النّصف الأوّل من القرن العشرين، كما أنّه وضعت الإطار الّذي دارت فيه رحى معظم الحروب. لكن أكبر الحروب، وأكثرها إحداثًا للدّمار في العصر الصّناعي، كانت تلك الّتي نشبت بين الدّول الصّناعيّة، وبعضها البعض، حيث دفعت بعض الدّول للحرب والقتال؛ بهدف السّيطرة العالميّة، بينما ظلّت دول الموجة الأولى تابعة للدّول الصّناعيّة [27].
مع النّصف الثّاني من القرن العشرين اصطفّ العالم اصطفافًا حضاريًّا مختلفًا، إذ أصبح العالم غير منقسم إلى قسمين فحسب، وإنّما انقسم العالم انقسامًا حادًّا إلى ثلاثة أقسام متنافسة، وفي ظلّ هذا الانقسام الحادّ حدّد توفلر الدّور الّذي تقدّمه كلّ حضارة. الأولى ما زال يرمز لها بالفأس، والثّانية بالمصنع، والثّالثة بالكمبيوتر. في هذا العالم الثّلاثي سيقوم قطّاع الموجة الأولى بتقديم الموارد الزّراعيّة، والمعدنيّة، ويقدّم قطّاع الموجة الثّانية عمالة رخيصة، والإنتاج الكبير، ويقوم قطاع الموجة الثّالثة بالسّيطرة على الوسائل الجديدة الّتي تستخدم المعلومات. وسوف تبيع دول الموجة الثّالثة، وتصدّر الثّقافة، والتّكنولوجيا المتقدّمة، وبرامج الحاسبات، والتّعليم، والعناية الصّحيّة، والتّمويل، وغير ذلك من الخدمات إلى العالم، ويضيف توفلر أنّه قد تتحوّل إحدى هذه الخدمات إلى الحماية العسكريّة [28].
إنّ النّزعة البراجماتيّة عند توفلر اتّضحت جلّيًّا في تصوّره لشكل الصّراع القائم، وتجسّدت في ربط فكره بالواقع؛ حيث بنى نظرته المستقبليّة لحضارة الموجة الثّالثة على ما يحدث حوله من تغييرات، ونظرًا لإعجابه الشّديد بالتّقدّم التّكنولوجي، جعل حضارة الموجة الثّالثة هي الحضارة الأكثر تقدّمًا في شتّى المجالات، وبدورها ستقضي على الموجتين السّابقتين في الصّراع الأخير. وبعد انتصارها على الموجتين السّابقتين ستصبح الحضارة الأقوى، والأفضل، والأكثر تقدّمًا، وتمثّلت تلك الحضارة في مجتمعه الأمريكي، ودول أوروبا، واليابان، ومن ثمّ بات دورها القيام بتصدير ثقافتها، وإنتاجها الفكريّ، والتّقني إلى بلاد العالم. لكن ما أثار الجدل لدى الكثيرين حين أعلن توفلر عن تصدير دول الموجة الثّالثة للقوّة العسكريّة، والّتي تتمثّل في التّكنولوجيّات العسكريّة، وما تحمله من مخاطر، ودمار شامل يهدّد حياة الشّعوب.
رأى توفلر أنّ البلاد الغنيّة لا تستطيع الحفاظ على بقائها إذا شنّ الفقراء حربًا بيئيّة ضدّهم؛ للتّحكّم في مسبّبات تلوّث بيئاتهم بشتّى الطّرق المؤذية، ولهذه الأسباب سوف تتوتّر العلاقات بين حضارة الموجة الثّالثة، وحضارتيّ الموجتين السّابقتين، وسوف تستمر حدة التّوتر الأمر الّذي يدفع دول الموجة الثّالثة إلى شنّ الحرب لتفرض سيطرتها على نطاق عالمي [29] يبرر توفلر الحروب المعاصر النّاتجة من الصّدام الحضاري بين الموجة الثّالثة، والموجتين السّابقتين؛ مٌدّعيًا أنّها السّبيل الوحيد لحفاظ دول الموجة الثّالثة على بقائها من تهديدات دول الموجتين السّابقتين الفقيرة. ويؤكّد أنّ فهمنا لمفهوم الصّراع سيعمل على سهولة تفسير الظّواهر، والتّغييرات المتضاربة، والمختلفة.
وإذا تساءلنا عن تداعيات الصّراع بين الموجتين الثّانية، والثّالثة، ونتائجه المستقبليّة على المجتمعات لا سيّما أمريكا، والمجتمعات الغربيّة،؛ فيجيب توفلر أنّه حين تتدفّق موجتا تغيير هائلتان، وتدهم مجتمعًا في الوقت نفسه، من دون أن يكون لأيّهما الغلبة، فإنّ صورة المستقبل تكون ممزّقة، ويصعب إدراك التّغييرات، والصّراعات النّاشئة. أمّا عن شكل الصّراع في الولايات المتّحدة بين الموجتين الثّانية والثّالثة، فسوف يولد أشكالًا من التّوتر الاجتماعيّ، والصّراعات الخطرة، وصدور موجات سياسيّة جديدة . هذا التّصادم بين الموجتين يجعل أيضًا قاموس المصطلحات السّياسيّة التّقليديّة رمادًا؛ إذ يصعب التّمييز بين التّقدميّين، والرّجعيّين، أو الأصدقاء، والأعداء، ومن ثمّ فإنّ تحلّل شخصيّة الفرد ليس إلّا انعكاسًا لعدم تماسك الحياة السّياسيّة [30]. لقد أكّد توفلر في أكثر من موضع في مؤلّفاته أنّ الصّراع القائم بين دول الموجة الموجتين الثّانية، والثالثة هو موضوع التّوتر الّذي يمزّق المجتمع. وانقسم المفكّرون أيضًا إلى قسمين هناك من يدافع عن النّظام الصّناعيّ، وهناك من يرفض النّظام الصّناعي حاليًّا لأنّه يعجز عن حلّ مشكلات عالم اليوم، والتّعامل معها، وهذا نتج منه انقسام المفكّرين، وتعدّد نظريّاتهم.
وإذا تساءلنا متى ينتهي هذا التّوتر، ويسود الاستقرار في المجتمعات وتقل حدّة الحروب؟ يجيب توفلر أنّ نتائج تلك الحروب الّتي نشبت بين الموجتين الثّانية، والثّالثة سيؤدّي في النّهاية إلى التّفوّق، والنّصر الحاسم لدول الموجة الثّالثة، بفضل تطوّر أسلحتها التّكنولوجيّة، وامتلاكها المعرفة. وسوف تسود حضارة الموجة الثّالثة بأسلوب جديد مقام على أسس من مصادر الطّاقة المتنوّعة، والقابلة للتّجديد، ومدارس ذات بنية مختلفة جذريًّا. وسوف تحلّ المشكلات الّتي عانى منها مجتمع الموجة الثّانية، وسوف تطيح هذه الحضارة الجديدة في تحدّيها للحضارة القديمة بتقليص دور الدّولة القوميّة، وستساعد على نشوء نظم اقتصاديّة شبه مستقلّ، وستتطلّب حكومات أبسط، وأكثر فاعليّة، وديمقراطيّة. ونظرًا لما تمتلكه حضارة الموجة الثّالثة من أدوات تقدّم تكنولوجيّة، وأفكار جديدة تساعد في تخطّي توتّرات، وأزمات الموجة الثّانية، فإنّ توفلر اعتبر هذه الحضارة أوّل حضارة بشريّة حقيقيّة في سجلّات التّاريخ.[31].
بعد الانتهاء من عرض الصّدام الموجيّ للحضارات، يتّضح أنّ توفلر لم يقدّم دليلًا يؤكّد من خلاله أنّ الحروب الّتي اندلعت في القرن التّاسع عشر، والحروب الأهليّة هي نتيجة لصراع الموجتين الزّراعيّة، والصّناعيّة. أيضًا لم يقدّم تفسيرًا مؤكّدًا الصّراع الأكبر في القرن العشرين بين الموجة الصّناعيّة، وحضارة الموجة الثّالثة. إنّ قراءة توفلر للتّاريخ كانت قراءة سريعة، وربّما عابرة، وهذا ما يظهر جليًّا في نظريّة الموجة الحضاريّة، ربّما كان السّبب في ذلك هو اهتمامه بدراسة المستقبل، وما دراسته للتّاريخ إلّا لتدعيم فرضيّته، وتحقيقًا لهدفه المنشود.
المحور الثّالث: مفهوم الصّدمة الثّقافيّة وأبعادها
إنّ الثّقافة بما تشمله من الآداب، والفنون، والقيم، والعادات، واللّغة، والدّين هو ما يشكّل هويّتها، وخصوصيّتها. وهذه المكونات الثّقافيّة تكون متداخلة، وشديدة الارتباط،؛ هذا يعني أنّ أيّ خلل، أو تراجع في أحد مكوّنات الثّقافة يؤثّر سلبًا على باقي العناصر. وتمثّل الثّقافة عند توفلر أحد المكوّنات الرّئيسة للحضارة، والّتي ستؤدِّي دورًا في حضارة الموجة الثّالثة الّتي ستسود المستقبل، لكن مع موجات التّغيير تتعرّض العوامل الثّقافيّة لتغييرات جسيمة لا تستطيع التّصدّي لها، ممّا ينعكس على قيم المجتمع، والحياة الاجتماعيّة، والثّقافيّة الّتي تسودها حالات الفوضى والانحلال. وهذه الإشكاليّة الرّئيسة الّتي يناقشها في كتابه «صدمة المستقبل»، ومدى تأثير التّغيير على الأفراد، والمؤسّسات، والمنظّمات.
رصد توفلر معالم موجات التّغيير الّتي تكتسح المجتمعات المتقدّمة صناعيًّا بعنف متفاقم، وسرعة متزايدة، وهي تحمل في براثنها كلّ أنواع البيئات الغربيّة المستحدثة من كنائس السّيكودويليك، والجامعات الحرّة، إلى المدن العلميّة. لقد استولدت تلك الموجات من التّغيير شخصيّات شاذّة مثل: أطفالًا في الثّانية عشرة لا يبدون كأطفال، ورجال أثرياء يجسّدون متعتهم في انتحال صفة الفقر، ومبرمجو عقول إلكترونيّة يتعاطون عقار الهلوسة، وهناك كهنة متزوّجون، وقساوسة ملحدون، ويهود بوذيّون، هناك أغاني البوت، ونوادي البلاي بوي، ودور سينما للشّواذ، بالإضافة لاستخدام المهدّئات، وانتشار الغضب، والنّسيان. ويتساءل توفلر عن هذا المجتمع الغريب الّذي انبثق في الغرب، هل من سبيل إلى فهمه، أو إلى صياغة تطوّره، وهل يمكن التّوافق معه ؟ وتكمن خطورة تلك التّغييرات المتسارعة وفقًا لتوفلر أنّها لا تقرع أبواب الصّناعات، والشّعوب فحسب، لكنّها تتغلغل في حياة الأفراد الشّخصيّة، الّتي تجعلهم يواجهون أخطار مرض نفسي جديد يكون عنيف ومدمّر، وهذا المرض يطلق عليه توفلر «صدمة المستقبل.[32]»
إنّ كلّ تلك الأمراض الّتي اجتاحت المجتمع الأمريكيّ، والغربيّ هي أمراض تمسّ في جوهرها ثقافة تلك المجتمعات، فهي أمراض ثقافيّة بحته، من هنا جاء تعبيره «صدمة الثّقافة».
يعرّف توفلر الصّدمة الثّقافيّة: هي ذلك التّأثير الّذي يحدث للغريب عندما يجد نفسه فجأة، وبلا استعداد سابق، وسط ثقافة غريبة عليه. وإلى ظاهرة الصّدمة الثّقافيّة يرجع الكثير من الحيرة، والجمود، والعجز عن التّكيّف الّذي يصاب به الأمريكيّون في تعاملهم مع المجتمعات الأخرى، فهي تسبّب القطيعة، والإدراك الخاطئ للواقع، وعدم القدرة على المواجهة. ويصف توفلر حال الاغتراب الّتي يعيشها عندما تحدّث التّغييرات هزّات عنيفة تسبّب خللًا في قيم المجتمع الأخلاقيّة، وعاداته. فيقول: «إنّ انتزاع فردًا من بيئته الثّقافيّة، والإلقاء به فجأة في إلى بيئة حادّة الاختلاف عن بيئته، وبمجموعة مختلفة من المحرّكات النّفسيّة ليتعامل بها، ومفهومات مختلفة عن الزّمان، والمكان ، والعمل ، والحبّ، والدّين. والقضاء على أيّ أمل لديه في العودة إلى بيئة تشابه بيئته المعتادة. سيشكّل ذلك كمًّا من المعاناة، والتّمزّق ، لا سيّما إذا كان لا يملك إلّا القليل من الإرشادات عن السّلوكيّات المنضبطة.» [33]. تكمن خطورة تلك التّغييرات أنّها لا تؤثّر على حياة الأفراد فحسب، وإنّما تهدّد المجتمع، والأمّة بأسرها الّتي ستكون في حال من العجز عن دفع تلك التّغييرات الّتي جعلت المجتمع يعيش في حال من الاغتراب.
ذكرنا أنّ الصّدمة الثّقافيّة حالًا من التّغييرات تؤثّر على كلّ العناصر الثّقافيّة، وتهدّد كلّ قيم المجتمع الأخلاقيّة، والدّينيّة. هنا نعرض بعض جوانب الصّدمة الثّقافيّة، وتأثيرها في الحياة الثّقافيّة، والاجتماعيّة.
الصّدمة الثّقافيّة والحياة الأسريّة
إنّ الصّدمة الثّقافيّة حدثت نتيجة تغييرات الموجة الثّانية، أو ما خلّفته الموجة الثّانية . يقول توفلر: «إنّ تضارب الموجة الأولى مع الموجة الثّانية في الولايات المتّحدة، وفي عدّة بلدان خلق توتذرات اجتماعيّة، وصراعات خطيرة، حيث ظهر في عدّة بلدان حركات رجعيّة تناهض تحقيق حقوق المرأة، ودستور الأسرة ، والهجرة . في الوقت نفسه هناك بعض السّياسيّين يتّخذون مواقف محافظة في الاقتصاد، ومواقف ليبراليّة اتّجاه الفنّ، والأخلاقيّة الجنسيّة، وحقوق المرأة، والضّوابط البيئيّة. ويقول توفلر هنا (.[34])» لا عجب، إذًا في هذه الحالة أن يرتبك النّاس، ويتركون فهم عالمهم لأحد غيرهم.
كانت حياة الأسرة قبل الثّورة الصّناعيّة مكوّنة من أسرة كبيرة العدد، وكانت الحياة تدور حول البيت؛ إذ كان البيت مكانًا للعمل، والمكان الّذي يعالج فيه المرضى، ويربّى النّشَّأ، ومركزًا للتّرويح العائليّ، والمأوى الّذي تتمّ فيه رعاية كبار السّنّ. في مجتمعات الموجة الأولى كانت الأسرة الكبيرة هي مركز العالم الاجتماعيّ للإنسان. ويذهب توفلر إلى أنّ الأسرة لم تبدأ في التّدهور إلّا عندما جرّدت الثّورة الصّناعيّة الأسرة من معظم الوظائف، فانتقل العمل إلى المصنع، أو المكتب، وذهب المرضى إلى المستشفيات، والنّشَّأ إلى المدارس، والمسنّون إلى دار الرّعاية. وبعد أن خرجت كلّ تلك المهمّات من البيت لم تبق سوى «الأسرة النّوويّة» الّتي لم تعد تربطها أعمال، أو وظائف يقوم بها أعضاؤها معًا وحدةً واحدة. ولكنّها تربطها روابط سيكولوجيّة هشّة ما أسهل أن تنفصم [35]. يتّضح هنا تأثير الصّدمة الثّقافيّة على الأسرة حيث عملت على تفكّك الأسرة، وتجزئتها حتّى وصلت إلى الأسرة النّوويّة، هذه التّغييرات أثّرت على كلّ أفراد الأسرة سواء الأطفال، أو الأبّ، والأمّ، وحتّى المسنّين فغيّرت مهامها، وإذا كانت الأسرة تمثّل النّواة الأساس، والمعلم الأوّل المربّي في المجتمع، فإنّ العمل على تفكّك الأسرة، وروابطها سينعكس على القيم الأخلاقيّة، والعلاقات الاجتماعيّة داخل المجتمع.
ويرى توفلر أنّ حضارة الموجة الثّالثة جاءت لتعيد للأسرة، والمنزل دورها، حيث يقدّر عدد الأمريكيّين الّذين يقومون بجزء من عملهم في المنزل بثلاثين مليونًا، من بينهم مستخدمو الحواسيب المنزليّة، أو الفاكسات، أو غيرها من تكنولوجيا الموجة الثّالثة. وتنوّع البناء الأسريّ هو انعكاس للتّنوّع الّذي تشهده الولايات المتّحدة في الاقتصاد والثّقافة، مع تفكّك كتل الموجة الثّانية [36]. وفقًا لتوفلر كان من أهمّ إنجازات الموجة الثّالثة أنّها عملت على تفكيك الكتل ( الجماعات الكبيرة) في ميادين الثّقافة، والقيم، والأخلاق. ووسائل الإعلام الّتي يجري تفكيكها تحمل رسائل مختلفة، ومتنافسة في المجال الثّقافي، ويقصد هنا قيم الموجة الصّناعيّة، وثقافتها. وقد استحدثت الموجة الثّالثة أنواعًا جديدة من العمل، وأشكالًا جديدة لشغل أوقات الفراغ في المجتمع الأمريكي قد تكون لغويّة، واجتماعيّة، وثقافيّة.
التّغيير وتأثيره على القيم الأخلاقيّة
إنّ سرعة التّغيير سوف تؤثّر مستقبلًا على القيم الأخلاقيّة لسلوك النّاس، وفيما يتعلّق بعلاقة الفرد، والآخرين فيرى توفلر إنّنا نمارس أقلّ قدر من الارتباط في علاقتنا مع من حولنا من النّاس شعوريًّا، أو لا شعوريًّا. فعلاقتنا بالنّاس تكون محصورة في نطاق العمل، لكن العلاقات خارج العمل تكون ضعيفة[37].
إنّ التّغييرات الّتي يعاني منها المجتمع انعكست على بشكل متزايد على ثقافة المجتمع، وفلسفته، وموقف النّاس إزاء الحقائق، وغياب العقل، كلّ تلك التّغييرات أثّرت على القيم الأخلاقيّة، والّتي تظهر في سلوكيّات مثل الاهتمام بعقارات الهلوسة الّتي ينجم منها ممارسات غير أخلاقيّة، وجرائم، فضلًا عن تأثيرها على العقل، وتسبّبها في مشكلات عقليّة مع كثرة تعاطي هذه العقارات.
من السّلوكيات الّتي أثّرت على ثقافة المجتمع، وقيمه اللّجوء للتّنجيم، والسّحر، والهجوم على العلم ، والاتّجاه إلى أقصى حدود الذّاتيّة. كلّ هذا يعكس تجربة الحياة اليوميّة لملايين من النّاس العاديّين ممّن وجدوا أنفسهم عاجزين عن التّكيّف مع التّغيير. يقول توفلر: «إنّ الولايات المتّحدة على الرّغم من كلّ إنجازاتها الكبرى في الفنّ، والعلم، والفكر، والسّياسة، هي أمّة يهرب عشرات الألوف من شبابها من الواقع بإدمان المخدّرات، ويتراجع ملايين من آبائهم إلى ضبابيّة الكحول. أمّة يعيش عشرات الألوف من أبنائها المسنّين في خمول، ويموتون وحيدين، وأصبح الهروب من الأسرة، والمسؤوليّات المدنيّة نوعًا من الهجرة الجماعيّة [38].»
أيضًا تركت الثّورة التّكنولوجيّة تأثيرًا بالغًا على القيم الأخلاقيّة يرى توفلر أنّ تأثير التّكنولوجيا على قيم المجتمع يتأتّى من الإفراط في استخدامها، والغباء في تطبيقها، ففي التّسارع إلى احتلاب التّكنولوجيا من أجل الرّبح الاقتصادي العاجل، تحوّلت البيئة إلى خليط مادّيّ، واجتماعيّ سريع الالتهاب. كذلك فإنّ سرعة الانتشار، وطبيعة الدّعم الذّاتي الّتي يتميّز به التّقدّم التّكنولوجي، تخلق نوعًا من التّلّوث السّيكولوجيّ النّاتج من العلاقة الوثيقة بين التّكنولوجيا، والتّرتيبات الاجتماعيّة. ومع تزايد القوى التّكنولوجيّة، فإنّ التّأثيرات الجانبيّة الضّارة، واحتمالات الخطر تتصاعد أيضًا. ومن أشكال الخطر التّكنولوجي سوء استخدام المواقع، والتّطبيقات، ففي عصر العولمة تفتّح الثّقافات لم يتوقّف خطر الثّورة التّكنولوجيّة على المجتمع الأمريكي بمفرده، بل انتشار التّطبيقات التّكنولوجيّة، والبرامج، والفيديوهات، والأفلام الغربيّة، وما تصدّره للثّقافات الأخرى يكون بمنزلة الخطر الأكبر. إنّ من أهمّ سلبيات التّكنولوجيا أنّها لا تخاطب ثقافة معيّنة، أو مرحلة عمريّة معيّنة، بل تخترق البيوت بلا أيّ قيود، أو شروط.
رأى توفلر أنّ التّغييرات الهائلة الّتي اجتاحت المجتمع الأمريكي لا يمكن تفسيرها من النّاحية السّياسيّة فقط، لأنّ تلك التّغييرات هزّت الحياة الأسريّة، والثّقافيّة، ومنظومة القيم الأخلاقيّة. فهذه التّغييرات السّريعة، والصّراعات القائمة تتطلّب فهمًا متكاملًا لتسارع الأحداث، والتّغييرات المستقبليّة. ويصف توفلر الأزمات الّتي تواجه المجتمع الأمريكي، أنّها أزمات لم يسبق لها مثيل منذ قيام أمريكا سواء أزمة النّظام الأسري، ونظام الرّعاية الصّحيّة، ونظام القيم، ويعدّ نظامها السّياسيّ أشدّها تأزّمًا. تلك الأزمات ليست نابعة من إخفاق المجتمع، بل العكس، فهي نابعة من نجاحات أمريكا المبكرة [39].
«ذا كان توفلر أرجع تلك التّغييرات الّتي أصابت المجتمع الأمريكيّ»، وأحدثت سلوكيّات مخالفة لقيم المجتمع. فإنّ القيم نفسها الّتي رصدها توفلر أصبحت قيمًا تشكّل أساس الثّقافة في المجتمع الأمريكيّ، دون أيّ شعور بأنّها قيم مخالفة، فقد باتت قيمًا مألوفة، وتمارس من قبل معظم أفراد المجتمع. أصبح شرب الكحوليّات، وتناول عقاقير الهلوسة، والفنّ الهابط المبتذل. ومنذ وقت قريب شهد العالم اعتراف الغرب بالشّذوذ الجنسي، وهو الّذي يخالف كلّ القيم الأخلاقيّة، والأعراف الدّينيّة، وأصبح من يعترض على قبول المثليّين، والاعتراف بهم ينال العقاب، والتّوبيخ، إنّ القيم الأخلاقيّة، وكلّ الأمراض الّتي عرضها توفلر أصبحت اليوم تشكّل الثّقافة الغربيّة الأمريكيّة، بل وامتدّت أخطار تلك الثّقافات الّتي انتشرت عبر وسائل الاتّصال، والتّكنولوجيا، وباتت تهدّد مجتمعاتنا العربيّة، والإسلاميّة.
الصّدمة الثّقافيّة وأزمة التّعليم
سادت أزمة التّعليم في المجتمع الأمريكي في سبعينيّات القرن الماضي، رأى توفلر أنّ التّعليم مصاب بأعطال خطيرة، ورغم أنّ مستقبل الفرد يكون متوقّفًا على التّعليم، إلّا أنّ المدارس في الولايات المتّحدة كانت في تراجع يشبه الاحتضار. يقول: «إنّ ما نسمّيه اليوم تعليمًا ، حتّى في أفضل مدارسنا، وكلّيّاتنا، ليس إلّا مفارقة تاريخيّة ميئوسًا منها. إنّ مدارسنا تتراجع في اتّجاه نظام يحتضر أكثر من اتّجاهها نحو المجتمع الجديد الّذي ينبثق.» وتكمن أسباب الأزمة التّعليميّة في أنّ التّعليم لا يزال تحت سيطرة الموجة الصّناعيّة. وفي عصر الآلة كانت جماعيّة التّعليم هي الأداة الّتي أوجدها التّصنيع من أجل أن تنتج له طراز البالغين الّذي يحتاج إليه، وكانت المشكلة كيف يتمّ إعداد الأطفال وفق حاجات التّصنيع؛ فالتّعليم في تلك الموجة كان عبارة عن عالم من العمل التّكراريّ داخل أربعة جدران. إنّ عالم التّصنيع الّذي أحدث هزّة في القيم هو عالم تحكمه صفّارة المصنع وساعته [40].
ويطرح توفلر حلًا لمشكلة التّعليم يتمثّل في ضرورة وجود نظام يحاكي في بنائه عالم الموجة الثّالثة. ويخلص التّلاميذ من تعليم عصر الآلة. فالتّلميذ بالمدرسة لم يكن يتعلّم مجموعة من الحقائق الّتي يستخدمها فيما بعد، بل كان يعيش، ويتعلّم أسلوبًا للحياة صنع على منوال أسلوب الحياة الّذي ينبغي له أن ينتهجه في المستقبل. لذلك غرست المدارس في تلاميذها الانحياز الزّمنيّ الّذي فرض التّصنيع ضرورته؛ أي أنّ التّعليم كان متّجهًا صوب الماضي، وليس الحاضر. وقد أشاد توفلر بجهود جون ديوي، ونضاله من أجل إدخال معايير تقدّميّة على التّعليم الأمريكي كان بمنزلة محاولة مستميتة؛ لتعديل الانحياز الزّمني القديم، فقد كافح ديوي ضدّ صبغ التّعليم بصبغة الماضي؛ محاولًا شدّ اتّجاه التّعليم نحو الحاضر؛ معلنًا أنّ الأساليب البالية للنّظم التّعليميّة الّتي تجعل من الماضي غاية في حدّ ذاته [41].
إنّ الأزمة الّتي أصابت التّعليم، ومن قبلها أزمة الحياة الأسريّة، والأزمة الأخلاقيّة، تعود أسبابها جميعًا إلى حضارة عصر التّصنيع المادّيّة البالية وفقًا لتوفلر، والحلّ لتلك الأزمات الّتي يعاني منها المجتمع هو ضرورة محاكاة عصر الموجة الجديدة عالية التّقنيّة، عصر ثورة المعرفة. لقد سعى توفلر بكلّ ما أوتي من قوّة، وحيلة إلى إلحاق كلّ ما هو سلبيّ، ويضرّ بالمجتمع الأمريكيّ، ومصلحته إلى الموجة الصّناعيّة. وما يؤكّد بطلان زعمه وادّعائه أنّ تلك الأزمات ما زالت قائمة حتّى الآن في عصر الثّورة التّكنولوجيّة، أو كما يعتقد توفلر في عصر الموجة الثّالثة. لكن لأنّه عمل على أدلجة الثّقافة، وتسيسها فقد رفض الاعتراف بأنّ تلك الأزمات هي مشكلات طبيعيّة يعاني منها المجتمع الأمريكيّ، وليس للموجة الثّانية أيّ يد فيما يعانيه المجتمع الأمريكي من انحلال في القيم، وتدنّي للثّقافة.
المحور الرّابع: العولمة الثّقافيّة وعامل المعرفة
إنّ الثّقافة في أبسط تعريفاتها هي مجمل القيم، والمعتقدات، ومن ثمّ السّلوكيّات، والعلاقات المبنيّة على هذه المعتقدات الّتي توجد في أمّة ما. وتمثّل الثّقافة الجانب المعنويّ في مكوّنات الحضارة حيث تشمل: العادات، والتّقاليد، والقيم، واللّغة، والدّين، والإنتاج الفكريّ، والمعرفة، وتكون جميعها متأصّلة داخل الفرد، والجماعة، وكلّ أمّة، أو حضارة لها هوّيّتها الثّقافيّة، أو خصوصيّتها الّتي تميّزها عن غيرها من الثّقافات الأخرى.
كانت الثّقافة، ولا تزال أحد المجالات المصاحبة للصّراع بين الأمم والحضارات. وقد اقتصرت في الماضي على التّأثير، والتّأثّر المتبادل عبر التّجاور الجغرافيّ، والسّفر، والتّجارة، ومن ثمّ عبر الحروب الّتي تفرض في نتيجتها ثقافة الغالب، وطرائقه في العيش عبر آليّة التّقليد، والمحاكاة الّتي أجاد العلّامة ابن خلدون تفسيرها؛ فالمغلوب «مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره، وزيّه، ونحلته، وسائر أحواله، وعوائده.» لقد كانت العوامل العسكريّة، والاقتصاديّة القائمة على استعمال القوّة المادّيّة هي الحاسمة في إخضاع الآخرين، وفرض شروط المنتصرين عليهم، لكنّنا اليوم نشهد تحوّلًا جذريًّا في أدوات، وتقنيّات إدارة الصّراع، سببه التّطوّر الّذي نشهده في ميدان إنتاج المعارف، والأفكار، والرّموز، والقيم، أي أنّ ميدان الثّقافة انتقل من كونه عاملًا مساعدًا ليصبح من أبرز حقول الصّراع المعاصرة [42].
ونظرًا لما تشكّله الثّقافة من تأثير على المجتمعات، والحضارات، فقد سعى الغرب إلى تعميم نموذجه الثّقافي على المجتمعات غير الغربيّة، معتمدًا في ذلك على تقدّمه التّكنولوجي، وثورة الاتّصالات الّتي أدّت دورًا أساسًا، وبارزًا في تصدير السّلوكيّات، والقيم الغربيّة، والتّرويج لها من خلال شبكات الإنترنت، ووسائل التّواصل المتعدّدة، والعولمة الثّقافيّة هي: قدرة الثّقافات الأقوى تكنولوجيًّا على السّيطرة على الثّقافات الأضعف تكنولوجيًّا، وتعميم نموذجها الثّقافي. ومن هذا المنطلق تهدف العولمة الثّقافيّة إلى هيمنة ثقافيّة قادرة على زرع، وإعادة صياغة القيم، والأخلاق، والعادات الّتي تنتجها الثّقافة ذات النّفوذ الأقوى. ونظرًا إاى الخطورة الّتي تشكّلها العولمة الثّقافيّة على الشّعوب الأخرى، فقد نظر لها البعض على أنّها أحد أوجه الاستعمار؛ لما تحويه من توجّه استعماريّ يعمل على احتلال عقليّة، وإرادة الشّعوب وفق أهداف المستعمر. لذا تعدّ العولمة الثّقافيّة أشدّ ألوان العولمة خطرًا.
وإذا تتبّعنا جذور تاريخ العولمة الثّقافيّة فثمّة بعض العمليّات الأوّليّة، أو التّحوّلات الّتي ينظر إليها باعتبارها تجلّيّات للعولمة وتتضمّن:
الهجرات الإنسانيّة المبكرة، وظهور الأديان العالميّة، والأنظمة الإمبرياليّة، وتطوّر شبكات التّجارة بين المناطق المختلفة. والملمح العام لهذه الأنشطة الإنسانيّة هو أنّها أمَّنت المواجهات الثّقافيّة، لكي يتمّ تبادل، واستيعاب الأفكار، والمعتقدات، والتّطوّرات التّكنولوجيّة، وبالتّالي تعتبر جزءًا من تقصّي تاريخ العولمة الثّقافيّة.
لقد بات التّحالف بين الثّقافة، والتّقنيّة يمثّل ذروة القدرات الّتي تقدّمها العولمة في الحقل الثّقافي، فقد تمكّنت فعليًّا من اختراق الحدود الثّقافيّة انطلاقًا من مراكز صناعة، وترويج النّماذج الثّقافيّة ذات الطّابع الغربي والأمريكي. وقد وجدت الثّقافات الخاصّة بالأمم، والشّعوب نفسها مكشوفة أمام تدفّق الرّسائل، والمعلومات، والمفاهيم، والقيم الجديدة الّتي تجوب العالم على مدار السّاعة. من هنا أصبحت العولمة الثّقافيّة ظاهرة تقدّم نموذجًا ثقافيًّا متميّزًا ينتشر في جميع أنحاء العالم، ويخترق الهوّيّات الثّقافيّة للمجتمعات، ويساهم في إضعاف سلطتها على التّحكّم فيما يقدّم لشعوبها من منتجات، وأفكار، وسلع فكريّة، وثقافيّة. والفضل في ذلك يعود إلى التّوظيف المكثّف للإعلام، ووسائل الاتّصال الّتي تتعاظم قدرتها، وكفاءاتها باستمرار على اختراق الحواجز القائمة على خطوط التّماس الثّقافيّة، والسّياسيّة، والأيديولوجيّة [43].
لقد ارتبط مفهوم العولمة بالاقتصاد الأمريكيّ، والرّأسماليّة، أو ما يطلق عليه البعض «الأمركة»، فنجد أنّ بعض المفكّرين الأمريكيّين وظّفوا فكرهم، ونظريّاتهم الّتي تروّج للعولمة الثّقافيّة. في هذا المناخ، صدرت مقالة فوكوياما، تبعتها أطروحة هنتنجتون صدام الحضارات، وتزامن معها أطروحة ألفن توفلر، وهي اصدارات أثارت عاصفة من النّقاشات تكشف بوضوح كيفيّة إمكان أدجلة الثّقافة، وتسييسها، وأليّات تحوّل المنتج الفكريّ إلى سلعة تطرح في السّوق الثّقافي بوصفه غطاء لاستراتيجيّات النّظام العالمي الجديد. وقد لمعت أسماء هؤلاء المفكّرين أكثر من غيرهم في الأوساط الثّقافيّة، والسّياسيّة، حيث رفعتهم وسائل الإعلام الرّأسماليّة إلى مستوى عظماء المفكّرين.[44]
ربط توفلر بين الثّقافة، والاقتصاد إذ تعدّ الثّقافة بما تحمله من إنتاج فكريّ، وتقني هي المورد المركزيّ للاقتصاد الّذي يعتمد على التّقدّم التّكنولوجي، وثورة المعلومات. حيث إنّ الأغلبيّة السّاحقة في المجتمع الأمريكي اليوم ليسوا فلّاحين، ولا عمّال مصانع، وإنّما يشتغلون في شكل، أو بآخر من أشكال العمل المعرفيّ، والّذي يتمثّل في أهمّ صناعات أمريكا، وأسرعها نموًّا، ويطلق توفلر عليها «الصّناعات الكثيفة المعرفة[45]»، ولا يقتصر قطاع الموجة الثّالثة على شركات الإلكترونيّات، والكمبيوتر، وإنّما يشمل أيضًا المشروعات البادئة في مجال التّكنولوجيا البيولوجيّة، والقطاعات المتقدّمة الّتي تحرّكها الأجهزة المعلوماتيّة، وتشمل كلّ ما هو مشبّع تكنولوجيًّا بالبيانات المبرمجة في الخدمات والميديا، والاتّصالات المتقدّمة، والرّعاية الصّحّيّة، والتّعليم. والمشتغلون في هذا القطاع سيكونون الجماعة المسيطرة في السّياسة الأمريكيّة[46].
وتتمثّل العولمة الثّقافيّة عند توفلر في:
1. إنها أساس ومعقل الثّورة التّقنيّة والاتّصالات
2. إنّها المهيمنة على وسائل الاتّصال العالميّة
3. إنّها المتحكمّة والمصدّرة للتّعليم التّكنولوجي الفائق
4. إنّها المهيمنة على الثّورة التّقنيّة لصناعة الأسلحة
إنّ العولمة الثّقافيّة عند توفلر لم تتوقّف على تعميم القيم وهيمنة اللّغة فحسب، بل تمثّلت في «ثورة المعرفة»، وما تشمله من ثورة تكنولوجيّة، وشبكات الاتّصالات، والمعلومات، وهي تمثّل الإنتاج الفكريّ للثّقافة الأمريكيّة، والّتي من خلالها تستطيع بثّ نموذجها الثّقافي، والتّحكّم في عقول الشّعوب الأخرى، وأفكارهم. ونظرًا إلى أهمّيّة الثّورة التّقنيّة، والدّور الّذي تؤدّيه فقد جعلها توفلر هي رمز الموجة الثّالثة، فإذا كان الفأس هو رمز الموجة الزّراعيّة، وخط الإنتاج، أو المصنع يرمز للثّورة الصّناعيّة، فإنّ الكمبيوتر هو رمز الموجة الثّالثة. وذكر توفلر أنّ دول الموجة الثّالثة، لا سيّما أمريكا، سوف تبيع دول العالم المعلومات، والإعلام، والثّقافة، والتّكنولوجيا المتقدّمة، والتّعليم، والرّعاية الطّبّيّة. وهذه النّهضة التّكنولوجيّة الهائلة في حضارة الموجة جعلت أمريكا هي أساس تلك الحضارة.
لقد وظّف توفلر نظريّته الموجيّة لخدمة أيديولوجيّته الخاصّة المتمثّلة في المصلحة الأمريكيّة، يقول في مقدّمة كتابه بناء حضارة جديدة: «آن الأوان أن تخطو السّياسة الأمريكيّة خطوة نوعيّة هائلة إلى الأمام. ولا توجد ثمّة مهام سوى المنافسة العالميّة». ويشير توفلر في أكثر من موضع أنّ الموجة الثّالثة لا تقتصر على التّكنولوجيا، والاقتصاد فقط، لكنّها تشتمل أيضًا على الأخلاق، والثّقافة، والأفكار. إنّها تتضمن، باختصار، تغييرًا حقيقيًّا في كلّ ما يتعلّق بشؤون البشر. وكما قضت الثّورة الصّناعيّة على كثير من الأبنية السّياسيّة الّتي سبقتها، فإنّ ثورة المعرفة، والموجة الثّالثة للتّغيير ستكون لها نتائج مشابهة على أمريكا، ولن يقدر على البقاء، وصياغة المستقبل سوى الأحزاب، والحركات السّياسيّة الّتي تعترف بهذه الحقيقة التّاريخيّة، وتتفهّمها، أمّا أولئك الّذين سيفشلون، فستدور بهم دوّامة التّاريخ.[47] وفي هذا السّياق يتّضح بكلّ تأكيد أنّ توفلر أدلج الثّقافة ؛ أي أنّ الثّورة التّقنيّة، والثّقافة، وثورة الاتّصال (ثورة المعرفة) كانت أداة فعّالة لتوفلر وظّفتها أيديولوجيّته لتحقيق المصالح الأمريكيّة، لذلك؛ ليس بغريب أن جعل الولايات المتّحدة المهيمنة على العالم في كافّة المجالات في حضارة الموجة الثّالثة.
عامل المعرفة
إنّ الابتكارات الأهمّ في نظام الموجة الثّالثة لخلق الثّروة لا يعتمد على العضلات، وإنّما على الذّكاء، لذلك فإنّ استبدال الجهد العضليّ بالمعلومات، أو بالمعرفة هو السّبب الحقيقيّ لانطلاق اليابان. حيث توصّل أصحاب القرار في اليابان إلى أنّ المعرفة هي مفتاح النّموّ الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين، ومن ثمّ، فلا عجب أن تصبح اليابان أوّل من عرف كيف يحلّ تكنولوجيّات الموجة الثّالثة المبنيّة على المعرفة محلّ تكنولوجيّات الموجة الثّانية، والنّظام البالي للقوّة. رغم أنّ اليابان أدخلت الحاسوب بعد الولايات المتّحدة [48]. حين بدأت الموجة الثّالثة في بداية الخمسينيّات من القرن الماضي في الولايات المتّحدة، تحدّدت هوّيّة البرنامج الوراثي، واختراع أدوات ذكيّة لا تقي أهمّيّة عما كانت عليه الكتابة، ولم يكن هذا التّقدّم محصورًا على المعرفة العلميّة، أو التّكنولوجيّة، ففي كلّ المجالات حدث انقلاب في قاعدة المعرفة؛ ابتداءً بنظريّة التّنظيمات، وحتّى الموسيقى، ومن الدّراسات اللّغويّة إلى نظريّة التّدريب. في هذا الانقلاب يعثر العاملون في مجالات مثل الشّبكات العصبيّة، والذّكاء الاصطناعي على وسيلة لتوفير معرفة جديدة [49].
في النّظام العالمي الجديد الّذي يعيش في خضمّ التّحوّلات الّتي تفرضها الموجة الحضاريّة الثّالثة، صارت المعرفة[50] تحتلّ مركز المحور في ثالوث القوّة الّذي يتكوّن من المعرفة، والعنف، والثّروة، وهو يقسّم الأمم، والتّحالفات إلى ثلاثة أنواع: تلك الّتي تقوم قوّتها في الغالب على واحد من هذا الثّالوث، وتلك الّتي تستند قوّتها على اثنين منه، وتلك الّتي تتوزّع سطوتها الدّوليّة توزيعًا متوازيًا على هذه المصادر الرّئيسة للسّلطة. ويرى توفلر أنّ الولايات المتّحدة حافظت طوال الحرب الباردة على توزيع قوّتها بشكل متوازن، فعملت على الاحتفاظ بقوّة التّوازن، وعلى النّقيض كانت قوّة الاتّحاد السّوفياتي غير متوازنة، وذات ساق واحدة. ويؤكّد أنّ الصّراع في المرحلة المقبلة سيكون على امتلاك المعرفة، وحرمان الآخرين منها [51].
ونظرًا إلى انتشار التّكنولوجيا المعتمدة على المعرفة، والتّداول الحرّ، نسبيًا، للأفكار، فقد تمكّنت الولايات المتّحدة، واليابان، وأوروبا من أن تسبق على الصّعيد الاقتصادي الدّول الاشتراكيّة بمسافات شاسعة. ولقد أتاحت هذه التّكنولوجيا تحقيق قفزة عملاقة في مجال القوّة العسكريّة. حيث إنّ الطّائرة المقاتلة تكافئ حاليًّا جهاز كمبيوتر مجنّح، إذ تكاد فاعليّتها تعتمد كلّيّة على المعرفة المختزنة في أجهزتها الإلكترونيّة الخاصّة بالطّيران، وكذلك المعرفة المختزنة في مخّ الطّيار. ويقارن توفلر بين الأسلحة الإلكترونيّة الّتي استخدمها السّوريون ذات الصّناعة الرّوسيّة، وبين الأسلحة الّتي استخدمتها إسرائيل عام 1982 الأمريكيّة الصّنع يقول:«من المرجّح أن يكون المبرمجون العسكريّون قد عانوا من آلام القرحة عندما دمّر الطيّارون الإسرائيليّون عام 1982م طائرة ميج يقودها طيارون سوريّون، بينما لم يفقد الإسرائيليّون طائرة واحدة، كذلك لم يكن أداء الدّبابات الرّوسيّة أفضل في مواجهة المدرّعات الإسرائيليّة. وارجع توفلر السّبب في هزيمة السّوفيت ليس إلى السّلاح، ولا إلى الاقتصاد، لكن إلى عامل المعرفة، هذه المعرفة الجديدة الّتي تعتمد عليها بشكل متزايد القوّة العسكريّة، والقدرة الاقتصاديّة [52].»
إنّ موقف توفلر من التّسلّح العسكريّ، وامتلاك التّكنولوجيا العسكريّة، واستخدامها يثير الدّهشة، ويطرح تساؤلات عديدة تتعلّق بموقفه من تحقيق السّلام العالمي، إنّ ولع توفلر بالتّقدّم التّكنولوجي جعله يدعو لتصدير كلّ أشكال التّكنولوجيا الّتي تمتلكها القوى الكبرى من دول الموجة الثّالثة، لا سيّما الولايات المتّحدة بما فيها التّكنولوجيّات العسكريّة من دون مراعاة لأيّ معايير، أو قيم أخلاقيّة، وإنسانيّة. وهذا التّرحيب بالتّكنولوجيا العسكريّة نابعًا من أنّها أحد أشكال تفوّق حضارة الموجة الثّالثة، أو تفوّق سلاح الدّول الرّأسماليّة على سلاح الدّول الاشتراكيّة. وهو بذلك يعدّ من أنصار النّزعة الاستعماريّة، أو ذو توجّه استعماريّ، وكان من الأحرى له الدّعوة إلى ضرورة الاستخدام السّلميّ، والآمن للتّكنولوجيا. وأن يستبعد استخدام أسلحة تكنولوجيّة متطوّرة لما تشكّله من تهديد، وخطورة على حياة الشّعوب، ومستقبل الأمم.
«إنّ المعرفة سلطة» استعار توفلر هذا التّعبير من فرانسيس بيكون ليؤكّد مدى أهمّيّة الدّور الّذي تقوم به المعرفة لهيمنة سلطة معيّنة، ولكي تنتصر ينبغي للمعرفة التّحالف مع العنف، والثّروة، ويعدّ توفلر تلك العوامل الأقانيم الثّلاثة للسّلطة، وتتّحد تلك العوامل في نظام متفاعل؛ أي أنّ كلا منهم يؤثّر في الآخر، ويمكن استخدام العوامل الثّلاث على جميع مستويات الوجود الاجتماعيّ. ويقارن توفلر بين أشكال السّلطة الثّلاثة: العنف، والثّروة، والمعرفة. أوّلًا العنف ينطوي على أضرار حقيقيّة وخطيرة؛ إنّه يحثّ على حمل ما ندفع به الشّر. ويؤدّي إلى دفع السّباق من أجل التّسليح الّذي يضاعف الأخطار بالنّسبة للفرد، والجماعة. وعندما ينجح العنف يولد المقاومة. وتعدّ نقطة الضّعف الرّئيسة للعنف هي انعدام مرونته المطلقة؛ فهو لا يستخدم إلّا للعقاب. أمّا الثّروة؛ فهي أداة أفضل من العنف حيث تتمتّع بمرونة أكبر؛ فهي لا تقتصر على التّهديد بالعقاب، أو إيقاعه؛ إنّما يمكنها تقديم مكافآت متدرّجة بمهارة وذكاء. أمّا أعلى أشكال السّلطة فهي المعرفة؛ الّتي تقوم بدور المضاعف للثّروة، والقوّة؛ إذ يمكن استخدامها لزيادة الموارد، أو لخفض الإنفاق بلوغًا لهدف معين.[53] من بين عوامل السّلطة الثّلاثة يعدّ عامل المعرفة هو المحور المركزيّ للاقتصاد فهو يملك الأدوات الّتي يستطيع من خلالها التّحكّم في بقية عوامل السّلطة. وبصورة أكثر عمقًا، فإنّه من بين جميع الموارد اللّازمة لخلق الثّروة، تتميّز المعرفة بأنّها متعدّدة الجوانب، والاستعمالات أكثر من أيّ عامل آخر.
وفي ظلّ النّظام العالميّ سعى توفلر لتثبيت أركان، ودعائم الدّيمقراطيّة الأمريكيّة الّتي تعدّ أحد سمات حضارة الموجة الثّالثة، والّتي تفوّقت على نظام الدّول الاشتراكيّة، أوضح توفلر أنّ هناك بعض المخاطر الّتي تهدّد ديمقراطيّة القرن الحادي والعشرين؛ وهي الأديان، والأيديولوجيا حيث رأى أنّها لا تتوافق مع الدّيمقراطية لا سيّما حين تجمع بين الاستبداديّة، والشّموليّة. يتأتّى خوف توفلر من الدّين لقدرته على التّحكّم في حياة النّاس، وعقولهم. وهو يذكر فترة العصور الوسطى، والنّفوذ، والقوّة الّتي تمتّعت بها سلطة الكنيسة في تلك العصور.
لقد سعى توفلر كغيره من الفلاسفة الأمريكان، والمفكّرين الّذين خرجوا بعد نهاية الحرب الباردة بنظريّات تخدم السّياسة، والمصالح الأمريكيّة مثل فوكوياما، ونموذج الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة، وهنتنجتون الّذي جاء بصدام الحضارات، أو صدام الثّقافات. لم تختلف دوافع توفلر عن سابقيه فقد حملت نظريّته في طيّاتها دوافع أيديولوجيّة تؤسّس من خلالها لجعل الولايات المتّحدة النموذج الأمثل، وهذا ما تمثّل لديه في حضارة الموجة الثّالثة الّتي تمثّلها أمريكا، وأوروبا، واليابان، وفي تلك الحضارة جعل النّموذج الأمريكي هو النّموذج الأكثر تقدّمًا لما يمتلكه من ثورة تكنولوجيّة، ووسائل اتّصال، وإعلام . إنّ الدّور الّذي ستلعبه أمريكا هي أن تقوم بتصدير ثقافتها، وإنتاجها الفكريّ، والتّقني، وحتّى العسكري إلى باقي أنحاء العالم. وأمريكا كما يذكر هي البلد الّتي عادة ما يأتيه المستقبل قبل غيره، ورغم ما تعانيه من انهيار بعض المؤسّسات القديمة، إلّا أنّها تظلّ رائدة الحضارة الجديدة. والّتي يمكن اختصارها في أنّ الهيمنة الثّقافيّة عند توفلر حيث كانت مُدعّمة بمزيج من التّكنولوجيا الصّريحة، والأيديولوجيا المضمرة، وقد حملت أطروحته رؤية تشوبها العنصريّة الثّقافيّة.
الخاتمة
حاول توفلر تفسير التّاريخ بما يتناسب، ويخدم فرضيّته الّتي سعى لتحقيقها. وقد كشف النّموذج الموجي للحضارات عن نزعته العنصريّة الّتي جعلت حضارة الموجة الثّالثة هي الحضارة الأكثر تقدّمًا، رمز توفلر للحضارة الزّراعيّة بالفأس، وجعل المصنع رمزًا للحضارة الصّناعيّة، والكمبيوتر رمزًا لحضارة الموجة الثّالثة، لكن في تفسيره للنّموذج الموجيّ للحضارات لم يقدّم دليلًا يؤكّد صدق تحقّق فرضيّته. أعلن توفلر أنّ أمريكا، وأوروبا، واليابان هم رواد الحضارة الجديدة، رمز توفلر لحضارة الموجة الثّالثة بالكمبيوتر ومن ثمّ فإنّ ثورة المعرفة المتمثّلة في ثورة التّكنولوجيا، والمعلومات، ووسائل الاتّصال باتت المورد المركزيّ لاقتصاد الموجة الثّالثة. إنّ الثّورة التّكنولوجيّة الهائلة في الموجة الثّالثة جعلت الولايات المتّحدة هي أساس تلك الحضارة، وأصبح دورها هو تصدير الثّقافة، والمعرفة، والقيم، والأجهزة المعلوماتيّة. وهنا تكون قد تحقّقت فرضيّة توفلر في وضع أمريكا على قمّة الصّدارة، والمنافسة العالميّة.
أرجع توفلر الأزمة الثّقافيّة الّتي تغلغلت في المجتمع الأمريكيّ إلى التّغييرات النّاتجة من مخلّفات الحضارة الصّناعيّة، ورصد السّلوكيّات، والمظاهر الّتي عمّت المجتمع، وأثّرت في الحياة الثّقافيّة، والاجتماعيّة، وأطلق عليها «الصّدمة الثّقافيّة» لكن من الغريب أنّ السّلوكيّات الّتي رفض توفلر وجودها في المجتمع الأمريكي باتت تمثّل أحد أشكال الثّقافة لديهم، وما كان مرفوضًا، ومنبوذًا بالأمس بات يمارس من قبل الأغلبيّة العظمى من المجتمع الأمريكي بشكل طبيعي. لكن ما يشكّل الخطورة هنا هو سرعة انتشار تلك القيم، وغزوها للثّقافات الأخرى غير الغربيّة.
المصادر
ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول ، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دمشق، دار يعرب، 2004.
توفلر، ألفن، بناء حضارة جديدة، ترجمة: سعد زهران، القاهرة، مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر، 1996.
___________، تحول السلطة، الجزء الأول، ترجمة: لبنى الريدي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995.
___________، تحول السلطة، الجزء الثاني، ترجمة: لبنى الريدي ، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996.
___________، حضارة الموجة الثالثة، ترجمة: عصام الشيخ قاسم، بنغازي، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، 1990.
___________، صدمة المستقبل (المتغيرات في عالم الغد)، ترجمة: محمد على ناصف، القاهرة، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، ط2، 1990.
توفلر، ألفين وهايدي توفلر، الحرب وضد الحرب، ترجمة: المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، القاهرة، دار المعارف، 2000.
الجزيري، مجدي، كلود ليفي شتراوس «عنصرية النظام العالمي»، الجزء الثاني، الإسكندرية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، 2020م.
عماد، عبد الغني، سوسيولوجيا الثقافة «المفاهيم والإشكاليات.. من الحداثة إلى العولمة، بيروت، مركز درتاسات الوحدة العربية، ط3، 2016.
نبيه شعبان، فتحي محمد، تاريخ فلسفة التاريخ، 2015.
___________، فلسفة الحضارة «الحضارة الكونية»، 2016.
هنتنجتون، صامويل، صدام الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة، سطور، 1999.
هوبر، بول، نحو فهم للعولمة الثقافية، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2004.
هيجل، جورج ويلهلم فريدريش، العالم الشرقي.. محاضرات في فلسفة التاريخ، المجلد الثاني ، ترجمة وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، ط3، 2007.
Breisach, Ernst, Historiography: Ancient, Medieval and Modern, University of Chicago, Second edition, 1994.
Mandelbaum, Maurice, History Man, and Reason (A Study in 19th Century Thought), Baltimore, The Johns Hopkins press, 1974.
-----------------------------------------------
[1]. باحثة دكتوراه في فلسفة التاريخ والحضارة، كلية الآداب جامعة سوهاج، مصر.
[2]. futurology
[3]. Alvin Toffler (1928 ـ 2016)
[4]. Futurists
[5]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 30.
[6]. “Wave Front”
[7]. فتحي محمد نبيه شعبان، فلسفة الحضارة «الحضارة الكونية»، 164.
[8]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 17.
[9]. م. ن، 20.
[10]. ألفين وهايدي توفلر، الحرب وضد الحرب، 50.
[11]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 18 و20.
[12]. فتحي محمد نبيه شعبان، فلسفة الحضارة، 169.
[13]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 29.
[14]. ألفين وهايدي توفلر، الحرب وضد الحرب، 49.
[15]. ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، 1: 116.
[16]. فتحي محمد نبيه شعبان، تاريخ فلسفة التاريخ، 108.
[17]. هيجل، العالم الشرقي.. محاضرات في فلسفة التاريخ، 2: 51.
[18]. Mandelbaum, History Man and Reason (A Study in 19th Century Thought), 191.
[19]. Breisach, Historiography: Ancient, Medieval and Modern, 295.
[20]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 29.
[21]. Samuel Huntington, (1927ـ 2008).
[22]. هنتنجتون، صدام الحضارات .. إعادة صنع النظام العالمي، 293، 295.
[23]. م. ن، 338.
[24]. الجزيري: كلود ليفي شتراوس «عنصرية النظام العالمي»، 2: 132، 134.
[25]. The Meiji Revolution
[26]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 31.
[27]. م. ن، 32.
[28]. ألفين وهايدي توفلر، الحرب وضد الحرب، 54، 57.
[29]. م. ن، 57.
[30]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 23.
[31]. توفلر، حضارة الموجة الثالثة، 18.
[32]. توفلر، صدمة المستقبل (المتغيرات في عالم الغد)، 9.
[33]. م. ن، 11.
[34]. توفلر، حضارة الموجة الثالثة، 24.
[35]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 110.
[36]. م. ن، 111.
[37]. توفلر، صدمة المستقبل، 37.
[38]. م. ن، 384.
[39]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 1.
[40]. توفلر، صدمة المستقبل، 419.
[41]. م. ن، 421.
[42]. عماد، سوسيولوجيا الثقافة «المفاهيم والإشكاليات.. من الحداثة إلى العولمة»، 244.
[43]. م. ن، 246.
[44]. م. ن، 214.
[45]. knowledge intensive
[46]. توفلر، بناء حضارة جديدة، 98.
[47]. م. ن، 6.
[48]. توفلر، تحول السلطة، 1: 24.
[49]. م. ن، 2: 193.
[50]. knowledge
[51]. عماد، سوسيولوجيا الثقافة «المفاهيم والإشكاليات.. من الحداثة إلى العولمة«، 218.
[52]. توفلر، تحول السلطة، 2: 194.
[53]. م. ن، 29 ـ32.