الباحث : رضا ماحوزي
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 38
السنة : ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث : 427
الملخّص:
يمكن أن نأخذ للثّقافة ـ بالمعنى الفلسفي، والخاص للكلمة ـ منشأ غير بشري، كما يمكن أن نأخذ لها منشأ بشريًّا أيضًا. بمعنى أنّ هناك نوعًا من الثّقافة مع عناصرها المكوّنة لها هي في ذاتها غير بشريّة، وعلى هذا الأساس فإنّها تكون هبة من الحقّ تعالى، أو هي من كلام الوجود، وهناك سنخ آخر منه هو من تجلّيّات التّفكير البشري. وعلى الرّغم من أنّ الكلام في النّوع الثّاني حول الإدارة، والبرمجة الثّقافيّة أمر مقبول؛ بيد أنّ الكلام في المورد الأوّل ينطوي على شيء من التّعقيد، ويكون مثارًا للجدل. وإنّ هذا التّعقيد يكمن في أصل الادّعاء إلى حدّ كبير؛ أي في القول بغير بشريّة هذا النّوع من الثّقافة. وفي هذه المقالة بعد الفصل، والتّفكيك بين هذين النّوعين من الثّقافة، وبيان البرمجة الثّقافيّة للثّقافات الّتي هي من صنع البشر، خلافًا لبعض الأفهام يتمّ بيان إمكان البرمجة للثّقافات الّتي لها منشأ غير بشري أيضًا. وعلى هذا الأساس يمكن القول: على الرّغم من أنّ الحكمة، والثّقافة لها بداية غير بشريّة، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار دور الإنسان، وإسهامه في الدّفاع عن التّراث، ونشره عبر مختلف الأمكنة، وعلى مرّ العصور.
الكلمات المفتاحية: الثّقافة، التّخطيط الثّقافي، السّنّة، الله تعالى، الإنسان.
المقدّمة
بمعزل عن الدّعاوى الّتي يطلقها المعارضون للجوهرانيّة[3] بشأن حذف، وإلغاء الطّبقة، أو الطّبقات الدّاخليّة للثّقافة، والعمل نتيجة لذلك على تقديم تحليل للظّاهراتيّة، وغير الجوهرانيّة من المستويات الخارجيّة، والسّلوكيّة لها[4]، هناك من ذهب ـ بعد قبوله بالطّبقة الذّاتيّة، والدّاخلية من الثّقافة ـ إلى الاعتقاد بأنّ هذه الطّبقة الأعمق لا يمكن تغييرها، أو العمل على التّخطيط، والبرمجة من أجل تغييرها.
«لا يمكن تغيير الثّقافة من خلال البرمجة، والتّخطيط؛ وذلك لأنّ التّخطيط، والبرمجة لا يتعلّقان بالدّاخل، والباطن. وإنّما أقصى ما يمكن القيام به من خلال البرمجة، والتّخطيط هو تغيير الظّاهر، وحيث إنّ الآداب، والتّقاليد هي من الأمور الظّاهريّة، فقد يذهب بعض الأشخاص إلى التّفكير، والتّخطيط من أجل تغييرها».[5]
إنّ الافتراضين الجوهريّين في المدّعى أعلاه، هما أوّلًا: إنّ الثّقافة تحتوي على طبقات متعدّدة، وعلى هذا الأساس إنّما يمكن تغيير الطّبقات الخارجيّة، والسّلوكيّة للثّقافة، وليس الطّبقات الأصليّة، والدّاخليّة منها. وثانيًا: بناء على الماهيّة الكميّة للبرمجة، والتّخطيط، الّذي يستلزم المحاسبة، والقدرة على بسط السّيطرة، تكون المستويات الخارجيّة للثّقافة في متناول الإنسان، ويمكن السّيطرة عليها، وأمّا المستويات الدّاخليّة منها فهي خارج متناوله بالكامل[6]. إنّ هذا الكلام يعني أنّ السّاسة، والمخطّطون الثّقافيّون على الرّغم من قدرتهم على التّخطيط بشأن تغيير العادات السّلوكيّة للمواطنين، بيد أنّهم في خصوص الآداب، والتّقاليد الثّقافيّة المتجذّرة ـ الّتي تمثّل أصل السّلوكيّات الظّاهريّة للأفراد ـ لا يمكنهم القيام بأيّ شيء أبدًا:
«لا يمكن تغيير العادات، والتّقاليد من خلال القوانين، والدّساتير السّياسيّة. ولو وقعت السّياسات في شراك هذا النّوع من التّخطيط والبرمجة، فإنّها لن تخفق في رفع الموانع من طريق التّنمية فحسب، بل وسوف تضيف موانع، وعقبات أكبر من العقبات السّابقة أيضًا ... ويعود السّبب في ذلك إلى أنّ الآداب، والتّقاليد، والمعتقدات، إمّا هي مقيّدة بموضع بعينه، أو أنّها مجرّد تراث وصل إلينا من الأسلاف؛ فإن كانت مقيّدة بوضع محدّد، فحتّى لو افترضنا زوال آثارها، إلّا أنّها سوف تظهر على نحو آخر، أو أنّها سوف تظهر على صورتها الّتي كانت عليها، وإذا كانت مجرّد تكرار لتقاليد الأسلاف، فلماذا يجب التّصرّف فيها، والعمل على تغييرها؟ ... إذا كانت الآداب، والتّقاليد، والمعتقدات متجذّرة، فما الّذي يمكن فعله اتّجاهها؟[7].»
إنّ الثّقافة ـ طبقًا للاتّجاه أعلاه ـ في مفهومها الخاصّ النّاظر إلى الطّبقات الدّاخليّة للمنظومة الفكريّة للإنسان لها منشأ غير بشري، وعلى هذا الأساس لا يمكن للإنسان أن يخطّط من أجل تغييرها. وفي الواقع فإنّ التّفكير الأوّلي في هذه النّظريّة، والّذي يكون هو المنشأ للثّقافة، يتمّ تقديمه إلى الإنسان من مختلف الطّرق، ومن بينها الوحي، والكشف، والإلهام، وما إلى ذلك، وإنّ الإنسان في مقام المظهر، وبوصفه لسانًا كاشفًا عن هذه الحقيقة الأنطولوجيّة، يصبّ هذه الظّاهرة الوجوديّة في بوتقة الأوامر، والمضامين العامّة، والملموسة للثّقافة، في معناها العامّ، والخارجي النّاظر إلى القواعد، والتّعاليم السّلوكيّة[8].
من أجل الفهم، والتّقييم النّاقد لهذا الادّعاء القائل بأنّ للثّقافة في مفهومها الخاصّ منشأ غير بشري، وعليه فلأنها غير بشريّة لا يمكن التّخطيط، والبرمجة من أجل تغييرها، يجب العمل أوّلًا على دراسة هذا الموضوع القائل: ما هو مكمن اختلاف الثّقافة في معناها الخاصّ عن الثّقافة في معناها العامّ؟ ليتمّ العمل بعد ذلك على إيضاح هذه المسألة وهي: كم هو عدد مناشئ الثّقافة في معناها الخاصّ؟ وبالتّالي هل يمكن الاعتقاد بالمنشأ غير البشري للثّقافة، وعقد الأمل في الوقت نفسه على إحيائها، أو تغييرها أم لا؟
ماهيّة الثّقافة بوصفها منشأ للسّلوك
إنّ الثّقافة ـ في الاتّجاه الأنثروبولوجي للثّقافة ـ في المعنى العامّ، عبارة عن: «كلّ معقّد يشمل المعارف، والعقائد، والفنّ، والأخلاق، والحقوق، والآداب، والتّقاليد، والقدرات الأخرى، أو العادات الّتي يتمّ اكتسابها بواسطة الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع[9].»
وبعبارة أخرى: «يمكن اعتبار الثّقافة أمرًا كلّيًّا مشتملًا على خصائص مادّيّة، ومعنويّة، وفكريّة، وشعوريّة خاصّة تمثّل الشّاخص البارز لمجتمع، أو مجموعة من النّاس. إنّ الثّقافة لا تقتصر على الفنون، والآثار المكتوبة للمجتمع فقط، بل وتشمل حتّى شؤون الحياة، والحقوق الأصلية للأفراد، والأنظمة القيَميّة، والسنن، والعقائد السّائدة في ذلك المجتمع. وإنّ الثّقافة هي الّتي تمكّن الإنسان من اتّخاذ ردّة فعل اتّجاه نفسه، وتفتح وعينا، وبصيرتنا لندرك ما عليه واقع حياتنا البشريّة، وتمنحنا الحياة العقلانيّة، والحكم النّاقد، والشّعور بالمسؤوليّة الأخلاقيّة. ومن طريق الثّقافة يتمكّن الإنسان من تعريف نفسه، ويصل إلى إدراك ذاته، والإذعان بنقاط ضعفه، ويسأل عن فرص نجاحه، ويحصل على وسائل، وأدوات حديثة، ويخلق آثارًا جديدة، ويعمل بواسطتها على رفع العقبات الّتي تقيّده[10].»
وقد تمّ بيان هذا المضمون ـ في تعريف آخر ورد ذكره في البيان الختامي للاجتماع الرّابع عشر للمعاونين التّدريسيّين / الثّقافيّين، والمدراء الثّقافيّين للجامعات في كافّة أنحاء القطر في تبريز (1980 م) ـ على النّحو الآتي:
«إنّ الثّقافة مجموعة من العقائد، والآداب، والتّقاليد، وسائر الجهّات الّتي تهتمّ في الغالب بالأبعاد، والجهّات المعنويّة، والمعرفيّة لوجود الإنسان[11].»
إنّ الثّقافة ـ في ضوء التّعاريف أعلاه ـ تحتوي على مساحة واسعة من العادات السّلوكيّة، والفكريّة للأفراد، والشّعوب. وعلى هذا الأساس فإنّ لكل قوم آدابهم، وتقاليدهم، ونتيجة لذلك تكون لهم ثقافة. وطبقًا لما يدّعيه أتباع النّظريّة التّكامليّة للثّقافة، لا وجود للأفضليّة بين الثّقافات[12].
إنّ الثّقافة بالإضافة إلى الفهم العام، والواسع أعلاه، هي في معناها الخاصّ والفلسفي، عبارة عن نظرة خاصّة إلى ماهيّة الإنسان في نسبته إلى الله تعالى، وإلى العالم، حيث يقوم الإنسان في ضوء هذه الرّؤية بتنظيم، وتنسيق أفكاره (تصوّراته)، وأقواله، وأفعاله[13]. وبهذا المعنى فإنّ الثّقافة في أعمق طبقاتها الدّاخليّة، تمثل أساسًا لأحكامنا، ونظامنا المعياري، والقيَميّ في المستويات، والطّبقات الخارجيّة. إنّ هذا المفهوم الخاصّ، والدّاخليّ من الثّقافة، يكون من أجل وصول الإنسان إلى السّعادة، والعقلانيّة البحتة القائمة على فكرة سيطرة العقل على الطّبيعة الموجودة في خارج وداخل (الجسم). وبهذا المعنى يكون نزاع عليّة الإرادة، والعقل مع عليّة آليّة طبيعة الدّاخل (الجسم)، وطبيعة الخارج، والسّعي الواعي للإنسان من أجل حلّ هذا النّزاع في سياق الوصول إلى السّعادة، والعقلانيّة البحتة، والكاملة، هي الرّكن الأصلي للمعنى الفلسفي للثّقافة[14].
في إطار هذا الفهم فإنّ الإنسان ـ من خلال تعريفه لذاته في الارتباط مع الله، والعالم، واستخدام، وتوظيف دلالات من الطّبيعة الدّالّة على التّماهي مع المطالب العقلانيّة، والأخلاقيّة للإنسان من أجل الحصول على مقام الإنسانيّة الحقيقيّة، والّذي هو ذات الحصول على مقام العقل والقداسة ـ يعمل على تقديم نظام من المضامين الفكريّة المعقّدة، والمترابطة ببعضها، حيث يُطلق على كلّيّة هذا النّظام غير المحسوس، وغير الملموس عنوان «الثّقافة[15]».
وعلى هذا الأساس فإنّ الثّقافة عبارة عن: «طاقة فاعلة، ومدبّرة وجالبة للصّلاح لجميع الأخلاقيّات البشريّة. إنّ التّعرّف إلى الفضائل الأخلاقيّة، وتمييزها من الرّذائل، يتمّ من خلال قوّة تسمّى بالقوّة الثّقافيّة. [وبهذا المعنى] فإنّ الشّخص الّذي يُعرف بامتلاكه للثّقافة، أو الّذي يبحث عن الثّقافة، هو الشّخص الّذي يقيم جميع أفعاله، وأقواله، وتصوّراته، وأفكاره على أساس من الشّرف، والكرامة، والتّقوى، والصّلاح، والعقل، وبعد ذلك لا يكون له أفضليّة على الآخرين إلّا إذا قام بأعماله على أساس الثّقافة، والعقل، والمعرفة، وأن يتمكّن من الابتعاد عن جميع الخصال القبيحة».[16]
وعلى هذا الأساس يمكن الحديث عن أفضليّة الأفراد، والشّعوب المثقّفة على الأفراد، والشّعوب متدنيّة الثّقافة، أو عديمة الثّقافة. وفي هذا السّياق ذهب سيسرو إلى وصف الفلسفة بأنّها «روح الثّقافة[17]»، وقد وصفها رينيه ديكارت بأنّها «معيار الثّقافة[18]». كما ذهب الدّكتور أعواني بدوره إلى ربط قيمة، واعتبار الثّقافة لكلّ شعب بـ «انتشار الفلسفة بين أفراد ذلك الشّعب» أيضًا[19].
بالنّظر إلى هذه التّعاريف المختلفة عن الثّقافة، فإنّه لو أخذ المعنى العام، والواسع للثّقافة عند الأنثروبولوجيّين الثّقافيّين، وعلماء البيئة الثّقافيّة، والبنيويّين وحتّى أتباع النّظريّة التّكامليّة للثّقافة، وما إلى ذلك من المذاهب الأخرى ـ الّتي تعتبر تبلور الثّقافة ظاهرة بشريّة، وعلى هذا الأساس تكون قابلة للبسط والتّغيير ـ منفصلة عن معناها الخاصّ والفلسفيّ، عندها يمكن من خلال المزيد من التّدقيق دراسة إمكان التّغيير، والتّخطيط لكلّ واحد منها. طبقًا للمعنى العامّ للثّقافة ـ كما هو مذكور في النّظريّات العلميّة ـ يمكن لنا أن نأخذ نقطة بداية، ومسارًا لبسط، وتكميل للثّقافة. وعلى هذا الأساس فإنّ الثّقافة وإن كانت في بداية الخطوات الأولى من حياتها فاقدة للفحوى الفلسفي، بيد أنّها قد تمكّنت في خطواتها اللّاحقة من الوصول إلى التّفكير الانتزاعي، والفلسفي، والأخلاقي. إنّ هذا المدّعى يعني أنّ المحتوى الفلسفي، والخاصّ بالثّقافة متأخّر عن المحتوى العامّ، والملموس، والمحسوس لها. وعليه فإنّه طبقًا لهذا الاتّجاه لا تكون الثّقافة بحيث يكون لها منشأ فلسفيًا منذ البداية، ثمّ يتمّ بعد ذلك بيان المستويات المبسّطة عن ذلك المستوى الأوّلي في إطار القرارات والتّعاليم، والقوانين المكتوبة، وغير المكتوبة في حياة الأفراد والمجتمعات، بل إنّ الثّقافة منذ بدايتها قد سلكت المسار التّكاملي والأوّلي، وبعد مضيّ قرون زاخرة بالمنعطفات، قد وصلت إلى هذا المستوى العقلاني، والمتقدّم. ومن خلال هذه الملاحظة فإنّ الاتّجاه العلمي ـ خلافًا للاتّجاهات البديلة الّتي تعتقد بالمنشأ غير البشريّ للثّقافة ـ يخالف المنشأ غير البشري للثّقافة من جهّة، وبداية الثّقافة بالمحتوى الفلسفي من جهّة أخرى.
منشأ الثّقافة في النّظريّات العلميّة
إنّ الثّقافة ـ في ضوء النّظريّات العلميّة ـ في كلا مفهوميها العام والخاص، لها منشأ بشري. بمعنى أنّ الثّقافة قد تمّ تأسيسها، والعمل على تكميلها في سياق رفع الاحتياجات الأوّليّة، وتلبية الاحتياجات الثّانويّة، وقد تأثّرت بالعديد من العوامل، ومن بينها العوامل الجغرافيّة، والتّاريخيّة، والسّياسيّة، وما إلى ذلك[20]. وعلى هذا الأساس كما أنّ كلّ ثقافة قد تمّ التّأسيس لها، وتبلورت، وتكاملت على طول الزّمن، يمكن العمل على إدارة هذه الثّقافات، أو تغييرها سواء في جانبها السّلوكي، أو في جانبها الدّاخلي، والفلسفي، وذلك لأن نضج، وقوام هذا النّوع من الثّقافات كان متأثّرًا بعوامل متعدّدة، لا يخرج أيّ واحد منها من حدود القوانين الطّبيعيّة، والميكانيكيّة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الإنسان في بداية نشاطه كان يهتمّ أوّلًا بالحفاظ على حياته، ثمّ صار إلى التّفكير في بسط سيطرته على الطّبيعة الخارجيّة، ثمّ السّيطرة على الطّبيعة الدّاخليّة، وبغية تسهيل هذا الأمر سلك سبيل التّعايش ضمن بيئة اجتماعيّة، وتبعًا لذلك عمل على إقامة منظومة من القيَم، والقوانين، وبنى بعض المؤسّسات من أجل ضمان تطبيق تلك القوانين، وبذلك فقد انتقل من العيش في البيئة الطّبيعيّة إلى العيش في البيئة الثّقافيّة[21]. وعلى هذا الأساس فقد تمّ تعريف الثّقافة بأنّها نتاج إرادة الإنسان، وجهوده على مرّ التّاريخ. وبهذا الاعتبار يمكن القول إنّ التّاريخ هو الثّقافة، وبعبارة أخرى: إنّ التّاريخ هو بسط الثّقافة.
وقد ذهب مالينوفسكي بدوره ـ في اتّجاه مشابه ـ إلى القول بأنّ الثّقافة إنّما هي نتاج نشاط الإنسان، ووسيلة للوصول إلى غاياته. وقد ذهب إلى الاعتقاد قائلًا: «إنّ الثّقافة وسيلة تمنح الإنسان إمكانيّة مواصلة الحياة، وامتلاك الرّفاه، والسّعادة، والأمان. كما أنّ الثّقافة تزوّد الإنسان بالقدرة على إنتاج البضائع، وإبداع القيَم، الّتي تسمو به من ساحة موروثه الطّبيعي، وسجيّته الحيوانيّة. وعلى هذا الأساس فإنّه من خلال جميع هذه الأمور عمد إلى طرح الثّقافة بوصفها وسيلة تنسجم، وتتناسب مع غاية، وعلى هذا الأساس يجب اعتبارها ذات بعد آلي وعملي[22].» طبقًا لهذه الرّؤية لا يكون منشأ الثّقافة أمورًا غير مادّيّة، من قبيل كلام الله، أو هباته، أو حتّى الفطرة المودعة في وجود النّاس، بل هي رفع الاحتياجات المعيشيّة، والأوّليّة الّتي قام النّظام الثّقافي من أجل العمل على تلبيتها.
«في المرحلة الأولى يجب القول بأنّ إشباع الحاجات الأوّليّة، أو الطّبيعيّة للإنسان والعرق، يحتاج في الحدّ الأدنى إلى تفعيل الحالات الّتي تكون الثّقافة تابعة لها، بمعنى أنّه يجب العمل قبل كلّ شيء على حلّ المشاكل النّاجمة عن الحاجة إلى الطّعام، والإنتاج، والصّحّة بالنّسبة إلى الإنسان. وإنّ تلبية هذه الاحتياجات يستلزم العمل على تأسيس بيئة حديثة، أو صناعية. إنّ البيئة الحديثة الّتي هي في الواقع ليست سوى الثّقافة، يجب العمل على تحديثها، ومراقبتها، وإدارتها بشكل دائم[23].»
في الرّؤية العلميّة للثّقافة، يُعدّ الإنسان ـ بشكل عامّ ـ كائنًا ثقافيًا؛ حيث تمكّن على مدى خمسة عشر مليون سنة من تجاوز مرحلة تطابقه الجيني مع البيئة الطّبيعيّة، ورفع مستواه ليصل إلى التّطابق الثّقافي. «في سياق هذا التّحوّل الّذي أدّى إلى ظهور الإنسان المفكر، أو الإنسان الأوّل، حدثت انتكاسة عجيبة في الغرائز، وأخذت الغرائز شيئًا فشيئًا تتنازل عن مساحتها لصالح الثّقافة؛ أي رضخ لتطابق الإبداع المسيطر عليه، والّذي كان يبدو أكثر نجاعة من التّطابق الجيني[24].»
في «النّظريات العلميّة»، تتمّ الأبحاث من البداية إلى النّهاية على أساس المشاهدة. كما كان أسلوبها استقرائي، وبالتّالي فإنّ الموارد الّتي يتمّ بحثها في هذه النّظريّات تقبل المناقشة، والاختبار العلمي. وكذلك فإنّ الموارد المذكورة ـ في ضوء مباني الخصلتين السّابقتين ـ تقبل التّكرار، ومن هنا يمكن الحديث بشأن التّكهّن بالنّسبة إلى الموارد الآتية[25].
إنّ الأساس الأصلي لهذه النّظريات يقوم على أساس الإعراض عن قصّة الخلق في النّصوص المقدّسة، والتّعاليم التّقليديّة، وبشكل عامّ عن جميع أنواع التّفكير الميتافيزيقي، وما وراء الطّبيعة، وتستند إلى حدّ كبير على النّظريّات الأحيائيّة في القرنين الأخيرين. طبقًا لهذا الاتّجاه يكون تعقيد التّفكير البشري في قالب المضامين الفنّيّة، أو الأنظمة الفلسفيّة، وما بعد الطّبيعيّة، ونظائر ذلك، نتيجة لاحتياجات أكثر تعقيدًا، وسعيًا أعمق لتبليتها، والعمل على رفعها. وعلى هذا الأساس فإنّ الطّبقات الدّاخليّة، والفلسفيّة للثّقافة، تمثّل استمرارًا لتلبية الاحتياجات الأوّليّة، والثّانويّة للنّاس طوال التّاريخ، وعليه لا يوجد انفصال في هذا المسار التّاريخي.
وعلى الرّغم من أنّ الجدل حول صوابيّة، أو عدم صوابيّة النّظريّة الأحيائيّة التّكامليّة، أو سائر النّظريّات المنافسة الأخرى الّتي تمّ وضعها، وتنظيمها في ذات هذا الإطار، لا يزال محتدمًا، والحكم بشأنها خارج نطاق هذه المقالة، ولكن لا شكّ في أنّ بعض الآداب، والتّقاليد الفكريّة، والسّلوكيّة للأمم، والمجتمعات البدائيّة، وحتّى المتطوّرة، قد تمّ إيجادها من أجل رفع احتياجتهم الأوّليّة، والثّانويّة؛ كما يقوم النّاس حاليًّا بوضع آداب، وقوانين خاصّة، أو يعملون على التّرويج لها من أجل رفع مشاكلهم، أو تسهيل المهام، والأعمال في الأمور المقبولة. وبالإضافة إلى وضع هذا النّوع من الآداب، والتّقاليد الّتي تندرج ضمن المعنى العامّ والكلّيّ للثّقافة، فإنّ تجربيات هذه الألفيّات تثبت أنّ الإنسان يستطيع وضع ثقافة مختلفة عن الثّقافة القائمة، والتّعريف بها عند الإمكان بوصفها هي الثّقافة الغالبة. وإنّ ظهور الحضارات المتعدّدة ذات المواصفات الخاصّة بها، أو ما نشهده حاليًا بوصفه من العولمة الّتي تنتشر على نطاق واسع، وبسرعة مذهلة، يعدّ من النّماذج، والأمثلة الواضحة على هذه المسألة.
وفي هذا المعنى من الثّقافة، تقوم حتّى المستويات الخارجيّة، والسّلوكيّة من الثّقافة ـ الّتي تختصّ بالسّلوكيّات الخاصّة، والعامّة للأفراد ـ على المستويات الأعمق من الثّقافة؛ كما أن تغيير هذه المستويات ـ ولهذا الأمر بدوره منشأ بشريّ أيضًا ـ يترك تأثيره على جميع الطّبقات، والمستويات الثّقافيّة أيضًا، وعلى هذا الأساس تكون حاكمة عليها. إنّ هذه الطّبقة الدّاخليّة المصنوعة من قبل الإنسان، سواء أكانت فلسفية أم غير فلسفية (كأن تكون علميّة على سبيل المثال)، قد تمّ إيجادها بسبب بعض المقتضيات والضّرورات، ويمكن لها أن تتحوّل؛ على الرّغم من أنّ التّحوّل في الطّبقات الدّاخليّة، والأصليّة للثّقافة بطيء جدًّا، ويحتاج إلى مدّة طويلة، وإلى الكثير من النّفقات.
المنشأ غير البشريّ للثّقافة
في التّحليلات والحوارات الفلسفيّة الموجودة، هناك نظريّتان تحظيان بالاهتمام بشكل أكبر من النّظريّات الأخرى بشأن الثّقافة. النّظريّة الأولى لمارتن هيدغر، والنّظريّة الأخرى تعود إلى الموروث الفكري لحكماء ما قبل العصر الحديث، والتّقليديّين بشكل عامّ. إنّ النّظريّة الأولى ترى أنّ بداية، ونهاية الثّقافات، والمراحل الثّقافيّة، والحضاريّة البارزة طوال التّاريخ، هي بشكل عام خارجة عن إرادة النّاس، وعلى هذا الأساس فإنّ هذه النّظريّة ترى استحالة أيّ نوع من أنواع التّخطيط الثّقافي في معنى إمكان تغيير أسس الثّقافة، وتعدّه أمرًا عبثيًا.
في حين أنّ النّظريّة الثّانية ترى أنّ بداية الحكمة، والثّقافة حقيقة غير بشريّة، ولكنّها في الوقت نفسه تعمل على تعيين دور، ومساهمة الإنسان في الدّفاع عن هذا التّراث، والتّرويج له أيضًا، وهي خلافًا للفهم الأوّل قد أكّدت الحقيقة الواحدة، والأزليّة لهذا التّراث في جميع الأمصار والعصور. ومن هنا يذهب صاحب السّطور إلى الاعتقاد بأنّ هذا النّوع الثّاني من الاعتقاد مقبول، ويمكن الدّفاع عنه.
الفهم الهيدغري للمنشأ غير البشري للثّقافة
لقد قدّم مارتن هيدغر نظريّة سرعان ما حظيت بالاهتمام، والتّحليل في المحافل الفلسفيّة الأوروبيّة، ولم يمض كثير وقت حتّى انتشرت في عموم العالم. إنّ هذه النّظريّة قد تأثّرت بفكر هيجل، وبشكل عامّ بتفكير العصر الحديث بشأن المراحل التّاريخيّة المتعدّدة، وقد تأثّرت من ناحية أخرى بفكر نيتشة حول بداية الأخطاء الفلسفيّة منذ عصر سقراط وأفلاطون، وبسط هذا الاتّجاه إلى العصر الرّاهن، وبالتّالي ضرورة العودة إلى أفكار ما قبل السّقراطيّين الإغريقيّين، وقد تأثّرت إلى حدّ ما بالحقل الفكري للوجوديّة في نقد العقل الحديث.
يذهب مارتن هيدغر إلى الاعتقاد بأنّ الوجود ـ الّذي هو حقيقة مختلفة عن الله ـ له وجهان ظاهر ومضمر، وإنّ الوجه الظّاهر له هو الّذي يعمل في كلّ مرحلة تاريخيّة، على إرساء الأسس الفكريّة، والثّقافيّة لكلّ شعب رأى مفكروه هذا الوضوع، أو على حدّ تعبيره قد سمعوا نداء الوجود. وفي الواقع فإنّ الوجود هو الّذي يؤسّس الثّقافات المختلفة على مختلف المراحل. ومن هنا فإنّ الإنسان قبل أن يكون هو المؤسّس للثّقافة، يكون حاملًا، ومظهرًا لنداء الوجود:
«إنّ التّفكير ... سواء تمّ إعطاؤه للإنسان، أو دعي الإنسان إليه، ليس مجرّد نتاج جهود بشريّة بحتة فقط. إنّ الإنسان من خلال التّفكير يرتبط بحقيقة الوجود، وبذلك ينكشف له الوجود، أو يتكلّم معه، ويعرض نفسه عليه. وبطبيعة الحال حيث يكون الوجود محيطًا بالإنسان، فإنّ الإنسان المفكّر يواجه جانبًا من الوجود، لا أنّه يحيط به[26].»
«إنّ الفلسفة في الأساس حصيلة ما يفهمه الفيلسوف من الوجود. وإنّ الوجود يدعو المفكّر إليه، ويهمس في أذنه، ويظهر نفسه له، ثمّ يقوم الفيلسوف بعرض معطياته عن الوجود إلينا، ويسوق الأدلّة على إثبات ذلك[27].»
يذهب مارتن هيدغر إلى الاعتقاد بأنّ هذا الظّهور للوجود، ظاهرة تاريخيّة، بحيث أنّه في كلّ مرحلة تاريخيّة تبدأ من خلال تجلّي الوجود مرحلة من الثّقافة، والحضارة، وبمساعدة المفكّرين من كلّ قوم من الّذين حصلوا على هذا النّداء، والظّهور، وسمعوه، يسود إدراك جديد للمفاهيم والأمور. وإنّ المفكّرين في كلّ قوم يعملون بدورهم على استعراض ظهور الوجود، ويقومون ـ من خلال بسط خطاب، ومضمون هذه الظّاهرة الوجوديّة ـ بإيصال هذه المرحلة التّاريخيّة إلى ذروتها. وعلى هذا الأساس فإنّه من خلال القبول بنداء الوجود من قبل المفكّرين، وظهوره بشكل أكبر، تحدث إحالة تاريخيّة تبدأ في ضوئها مرحلة تاريخيّة، وتواصل حياتها، وبعد بداية إحالة أخرى، ونداء مختلف من الوجود بوصفه أمرًا غير مستتر[28]، تنتهي المرحلة التّاريخيّة السّابقة، وتبدأ مرحلة جديدة[29].
يذهب مارتن هيدغر إلى الاعتقاد بأنّه على الرّغم من أنّ المفكّرين ـ الأعمّ من الفلاسفة، والشّعراء، وغيرهم ـ في كلّ مرحلة تاريخيّة، إنّما يفكّرون، وينشطون على هامش إحالتهم التّاريخيّة، ولكن يمكن من خلال إدراك هذه الإحالة توقع مستقبل، ونداء آخر من الوجود، والتّحرّر نتيجة لذلك من هذه الإحالة اللّاواعية بالمعنى الخاصّ:
«إنّ النّاس الّذين أعرضوا عن التّفكير، واستسلموا لعاداتهم التّاريخيّة الّتي أطلقوا عليها عنوان الثّقافة، لا يتذكّرون الماضي، ولا يعتبرون بدروس التّاريخ، ولا يعرفون الإمكانات الحاليّة، والّتي ترد في المستقبل. إنّ هؤلاء يعانون من الإحالة التّاريخيّة، وإذا كانوا يدّعون شيئًا من المعرفة، والتّدبير، فإنّ وضعهم يشبه ذلك الشّخص الّذي يجلس على غصن شجرة، ويعمل على قطع الغصن من جهّة الجذع. وفي هذه الحالة تصل غلبة الإحالة التّاريخيّة إلى منتهاها، بمعنى أنّه حيث يكون النّاس في غفلة من إمكاناتهم، وقدراتهم، ومع ذلك يرون أنفسهم قادرين، ولا يقيّدون قدرتهم، واختيارهم بأي شرط، أو قيد، كيف يمكن الحديث عن الحرّيّة؟ وكيف يمكن للشّخص المنفصل عن الماضي، ولا يعلم شيئًا عن حاضره، ولا يدري إلى أين يجب أن يتّجه في مستقبله، وللهروب من هذه الأمور، يشغل نفسه بأنواع النّزاعات اللّفظيّة، أن يهتدي إلى الطّريق والغاية؟[30].»
في ضوء الإشارات أعلاه، يمكن القول بأنّ التّفكير، والثّقافة في هذه النّظريّة لهما منشأ غير بشريّ، وإنّ تجلّي هذه الحقيقة غير البشريّة في كلّ مرحلة تاريخيّة يكون سبببًا في ظهور خطاب، وثقافة تعدّ من خصائص تلك المرحلة، وكما أنّها لم تكن موجودة في الأزمنة السّابقة، فإنّها لن تتكرّر في الأزمنة اللّاحقة أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّ ثقافة كلّ شعب، وكلّ مرحلة تاريخيّة إنّما هي إحالة ذلك الشّعب، وذلك التّاريخ، ولا يمكن أن تكون على نحو آخر. وعلى هذا الأساس، أوّلًا: لا يمكن أن نعقد الأمل بعد ذلك على إحياء السّنن الفكريّة، والثّقافيّة لشعب من الشّعوب، ونقلها إلى العصور، والمراحل التّاريخيّة اللّاحقة؛ وذلك لأنّ إحياء، وانطلاق التّفكير يقع خارج حدود السّعي، والنّشاط بشكل كامل: «إنّ إحياء تراث ابن سينا بمعنى من المعاني لا يكون ممكنًا إلّا في عالم ابن سينا؛ ولكن هل يمكن لنا أن نعود إلى عالم ابن سينا، أو العمل على إحيائه ثانية؟![31].»
وثانيًا: لا يمكن العمل من خلال التّخطيط تغيير حتّى الطّبقات الأكثر أصالة في الثّقافة، ونعنى بذلك أساس، وهيكل التّفكير المعاصر. إنّ تغيير الوضع الثّقافي الأخير لن يكون ممكنًا إلّا في ضوء تأسيس مؤسّسة على يد مفكّر مؤسّس، وهذا في حدّ ذاته رهن بتجلٍّ آخر عن وجود، وبداية مرحلة تاريخيّة أخرى. وفي هذا الاتّجاه يكون المفكّر مجرّد مؤسّس للغة الوجود.
«إنّ المفكّر هو فيض الوجود. وإنّ الوجود هو الّذي يُظهر نفسه للمؤلّف، ويدعوه إلى ذاته ... إنّ الوجود إنّما يظهر للمفكّر حيث لا يكون تفكيره منشغلًا بالرّوتين اليوميّ، والشّؤون العاديّة في الحياة؛ ولكنّه في ذات هذا الوقت يتمّ وضع أسس حياة، ومعيشة النّفس. إنّ تاريخ كلّ مرحلة عبارة عن عمليّة بسط كان يمتلكها المفكّرون في تلك المرحلة من الوجود[32].»
من خلال قراءة أفكار مارتن هيدغر، يتمّ طرح بعض الأسئلة، ومن بينها الأسئلة الآتية: لماذا يجري في مرحلة تاريخيّة واحدة تفكير حديث في ساحة، وتفكير تقليدي بالكامل في ساحة أخرى بوصفه هو الثّقافة الغالبة؟ وما هو مدى وجاهة نسبة الخطاب، والنّهج التّاريخي الغالب إلى المنشأ الميتافيزيقي؟[33] وبمعزل عن هذه المشاكل المتوجّهة إلى أفكار مارتن هيدغر، يبدو أنّ هذا الادّعاء القائل بأنّ الإنطلاق الثّقافي الخاصّ، فيض الوجود، أو هو الكلام، أو تجلّي الحقّ تعالى[34]، وليس هناك أيّ دور للإنسان في هذا الخصوص، إنّما هو ادّعاء خاطئ؛ إذ يمكن للإنسان بحسب التّجربة، أو العقل الجمعي، أو العقد الاجتماعي، وما إلى ذلك من الأشكال الأخرى لتحقيق التّوافق، أن تكون هي المؤسّس الخاصّ للمسار الثّقافيّ.
وكذلك فإنّ الكثير من الثّقافات قد ظهرت في ضوء مقتضيات، وشرائط العصر، وقد تركت العوامل البيئيّة، والجغرافيّة تأثيرها في قبضها وبسطها. يضاف إلى ذلك أنّ هناك الكثير من الحكومات الّتي بذلت طوال التّاريخ جهودًا كبيرة من أجل إحياء، وإشاعة ثقافة المراحل، والحكومات السّابقة عليها، وقد حقّقت الكثير من النّجاحات في هذا الشّأن. وفي الحدود الجغرافيّة لإيران، يُعد إحياء الثّقافة الزّردشتية من قبل السّاسانيين بعد خمسة قرون من سيطرة الثّقافة الميترائيّة في العصور السّابقة عليها، أو إحياء ثقافة الحكمة الشّيعيّة السّائدة في عصر السّاسانيّين، والبويهيّين من قبل الدّولة الصّفويّة، من النّماذج البارزة لهذه العودة، والإحياء الثّقافي، وإن كان لكلّ مرحلة خصائصها، وصفاتها الخاصّة فيما يتعلّق بالظّرائف، والأمور الدّقيقة.
النّقطة الأخرى هي أنّه لا يوجد هناك ما يمنع الإنسان من أن يؤدّي دورًا في نشر الثّقافة، أو تغييرها، على الرّغم من الجذور غير البشريّة لها. وحيث إنّ اتّجاه مارتن هيدغر قد أغلق الطّريق أمام الإرادة البشريّة، وأداء الإنسان لدوره في إحداث، أو إحياء النّظام الثّقافي، يكون قد تمّ في الأساس افتراض استحالة أيّ نوع من التّغيير في أكثر طبقات الثّقافة أصالة، وليست طبقاته الخارجيّة، والسّطحيّة فحسب. في حين أنّه يمكن بيان هذه المسألة بشكل مختلف بحيث يكون منشأ الثّقافة حقيقة غير بشريّة، وكذلك يمكن للإنسان أن يعمل على التّرويج لهذه الثّقافة الموروثة، أو يعمل على إحيائها، أو أن يعمل ـ من خلال تظهير بعض زوايا، أو إبراز بعض أبعاد هذه الثّقافة غير البشريّة ـ على تجسيد نوع من تدخله، ونشاطه في هذا الشّأن.
الفهم الحكيم للمنشأ غير البشريّ للثّقافة
إنّ المطالب المبحوثة، لم يتمّ بيانها في التّعاليم الحكميّة، وفلسفة ما قبل الحداثويّة، والتّقليديّة بشكل صحيح. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ أفلاطون في رسالة الجمهوريّة قام أوّلًا بتقديم نموذج للمدينة العقليّة، والمناسبة لحكم الرّجل العاقل، أو الفيلسوف الملك، لا بقصد تحقيقها في الأرض، بل بقصد التّعريف بنموذج من تجسيد حكومة الدّاخل (النّفس)، وتقليدها في الحكومات الممكنة.
«ربّما كانت هذه الدّولة نموذجًا إلهيًّا سبق أن تمّت إقامته في السّماء، لكي يتطلّع إليه من كان له عين بصيرة، وأن يعمل من خلال التّبعيّة لقوانينها على بناء دولة داخله؛ ولكن لا يختلف الأمر عنده بين ما إذا كان مثل هذا البلد موجودًا على وجه الأرض، أو سيوجد، أو لن يوجد أبدًا، بل سيتبع مجرّد الأصول، والقوانين الجارية فيها، ولا يتبع القوانين السّائدة في بلد آخر[35].»
وقام بعد ذلك في رسالتيه: الرّجل السّياسي، والقوانين، بتصوير الحكومات النّاقصة التي تقبل التّحقّق في هذا العالم؛ ليثبت بذلك كيف يجب على هذه المدن الأخيرة أن تقتدي بالمدينة الكاملة، والمثاليّة للفيلسوف[36].
في ضوء هذا الأصل، كما يجب على كلّ شخص أن يكون له نموذج، ومثال يقتدي به، ويصبو إليه، فإنّ حكومة الحكيم، أو حكومة الشّخص العاقل (فرونسيس) بدورها يجب أن تكون مقلِّدة للحكومة العقليّة، والمثاليّة للفيلسوف الملك، حتّى وإن لم تتمكّن أبدًا من الوصول إلى مقام تلك الحكومة، وأن تعمل على تطبيق قوانينها بشكل كامل. إنّ هذا العجز، وعدم القدرة تنشأ إلى حدّ ما من عدم استفادة الحاكم من عقل، وحكمة الفيلسوف بوصفه فردًا واعيًا بالحقائق، والأفكار المعقولة، كما تنشأ إلى حدّ ما من حكومة الحاكم على النّاس البعيدين بشكل رئيس عن مقام الفلسفة والعقل، والّتي تلعب فيها الرّغبات، والتّوجّهات غير العقلانيّة للجسد، بالإضافة إلى الإرادة الحرّة، والمعقولة للنّفس دور العلّيّة. ومن هنا يجب على قوانين دولة الحاكم ـ خلافًا لقوانين دولة الفيلسوف النّاظرة فقط إلى الرّوح بوصفها من أسمى أجزاء النّفس ـ أن تأخذ التّعايش بين الجسد، والإرادة إلى جوار بعضهما ـ بنظر الاعتبار، وأن يأخذ بنظر الاعتبار تناغم هاتين الجهتين في الوصول إلى الجمال الدّاخليّ بوصفه هدفًا أصليًّا له.
وقد عمد أفلاطون في كتاب الإنسان السّياسيّ بغية بيان هذه النّسبة بلغة رمزيّة[37]، إلى الفصل بين مرحلتين تاريخيّتين، وهما: مرحلة كرونوس الّتي كان الله فيها يتولّى إدارة جميع الأمور، ومرحلة زيوس الّتي ترك فيها مصير الإنسان لنفسه، واكتفت الآلهات بتعليم الفنون للنّاس، وتفويض أمورهم، وشؤونهم البشريّة إليهم.
وقد أكّد من خلال هذا الفصل والتّقسيم أوّلًا أنّ الحاكم السّياسي، أو رئيس الدّولة يحكم في عصر لا يكون فيه كلّ شيء إلهيًّا، وعقليًّا، ومقدّسًا، وعلى هذا الأساس ينبغي على الإنسان في بعض الموارد ـ بالإضافة إلى القوانين الإلهيّة، والمعقولة الموروثة من عصر كرونوس ـ الاستفادة من درايته، وتجربته (فرونسيس) أيضًا.
وثانيًا: إنّ الحاكم بسبب هذه الغربة، وهذا الابتعاد الأنطولوجيّ لن يكون ـ مثل الله ـ هو الحاكم المطلق، وعلى هذا الأساس لن يكون هو الرّاعي الحقيقي للنّاس.
«حيث تخلّت أنصاف الآلهة عن رعاية الإنسان، والمحافظة عليه، بقي النّاس من دون راع، ولم يتمكّنوا من الدّفاع عن أنفسهم من خطر الحيوانات المفترسة. يضاف إلى ذلك أنّ الطّعام، ومعدّات الحياة لم تكن متوفّرة كما كان عليه الوضع في المراحل السّابقة، الأمر الّذي اضطرّ النّاس معه إلى توفير هذه الوسائل بأنفسهم؛ ولكن حيث إنّهم في المرحلة السّابقة لم يكونوا بحاجة إلى تحصيل الطّعام، فإنّهم لم يتعلّموا طريقة الحصول عليه، ولهذا السّبب فإنّهم عندما احتاجوا إلى تحصيله وقعوا في مشقّة وعنَت. وفي هذا العصر قدّمت لنّا الآلهة خدمات، ونعَم جليلة وكبيرة ـ كما ورد ذكر ذلك في القصص والأساطير ـ وعلّمونا طرق استعمالها أيضًا؛ فقام بروميتيوس بتزويدنا بالنّار، وتعلّمنا الفنون من هفايستوس، وقدّمت لنا الآلهات الأخرى أنواع البذور، والنّباتات، وقد تمكّنا بواسطة استخدام هذه النِعَم من توفير الوسائل، والمعدّات الضّروريّة لمواصلة الحياة. وكما سبق أن ذكرنا فإنّ النّاس قد حرموا من نعمة قيادة، ورعاية الآلهة، واضطّروا ـ مثل ذات العالم ـ إلى قيادة أنفسهم بأنفسهم؛ وذلك لأنّنا نقلّد ذات العالم، ونتبعه دائمًا، وهذا الأمر يؤدّي في بعض الأحيان إلى مجيء الإنسان إلى الدّنيا، ويعيش فيها على هذه الحالة، وتارة أخرى على نحو آخر. وهنا نختم هذه القصّة. والفائدة الّتي نجنيها منها هي أن ندرك الخطأ الكبير الّذي ارتكبناه قبل قليل عند تعريف الإنسان السّياسي ... وإنّما كان خطؤنا كبيرًا من حيث إنّه قد طلب منّا أن نعمل على إيضاح ماهيّة الإنسان السّياسيّ في الوضع الرّاهن النّاظر إلى الدّوران الحالي للعالم. ولكنّنا قد أجبنا بجواب ينتمي إلى راعي القطيع البشريّ في الزّمن السّابق، أي في مرحلة كان دوران العالم فيه يسير باتّجاه آخر. وبعبارة أخرى: إنّنا بدلًا من توصيف إنسان فان وهالك، عمدنا إلى تعريف الإله[38].»
وعلى هذا الأساس فإنّ مهمّة الحاكم ليست هي الرّعاية، بل إنّه يعمل ـ من خلال التّأسّي، وتقليد القوانين، ونموذج الحكم المثالي للفيلسوف الملك، وهو الحكم المناسب لعصر كرونوس ـ على النّسج المناسب في المدينة. بمعنى أنّه بالإضافة إلى معرفته بالقوانين المعقولة، يجب عليه استنادًا إلى تجاربه، ومعلوماته أن يمزج بين الرّوح اللّطيفة بالرّوح الجادّة والحازمة، لكي ينشأ بفعل هذا الامتزاج جيل من النّاس بحيث يكون جديرًا بالمشاركة السّياسيّة، والنّشاط الاجتماعي: «نقول إذًا: إنّ غاية فنّ النّسج السّياسي ـ الّذي يتولّى مهمّة الرّبط بين الأنفس الشّجاعة، والأنفس الحذرة ـ إنّما تتحّقّق حيث يعمل الفنّ الملكي على الرّبط بين هذين الأمرين بواسطة الوئام، والتّناغم، ويعمل بذلك على إعداد أفضل، وأغلى نسيج ينضوي تحته جميع أفراد المجتمع الأعمّ من الأحرار والعبيد، وأن يصدر الأوامر، ويمارس الحكم بالنّظر إلى الحدّ الأعلى من السّعادة الّتي يمكن أن يحصل عليها المجتمع، بحيث لا يصيب سعادة المجتمع أيّ نقص أبدًا[39].»
بالتّناسب مع موضوع هذه المقالة، فإنّ نظريّة أفلاطون تقوم على أساس القول بأنّ الثّقافة في أعمق مفاهيمها الّذي هو بيان سعادة الإنسان في النّسبة مع الله والعالم، كان لها في بداية الأمر منشأ إلهيٌّ، وغير بشري، بيد أنّ ذات هذه الثّقافة وعلى نحو أضعف، ولكن يتناسب ـ بطبيعة الحال ـ مع مرتبة وجود العالم المحسوس الّذي يعيش في الإنسان، قد أعطيت إلى هذه الإنسان، وأصبح الإنسان وارثًا لها.
كما أنّ للحكمة، والتّفكير الحكَمي في الرّؤية الإسلاميّة منشأ إلهيًّا أيضًا. وفي هذا الفهم تمّ اعتبار الكتب السّماويّة، والنّصوص المقدّسة ـ الّتي تحتوي على التّعاليم، والمفاهيم الوحيانيّة، والعقلانيّة ـ بوصفها هبة من الحقّ تعالى إلى الإنسان[40].
إنّ هذا النّوع من التّفكير ـ الّذي تمّ التّعبير عنه اختصاصًا بعنوان «السّنّة» أيضًا ـ يدّعي أن التفكير الحِكَمي ليس سوى السّنّة الأولى لله سبحانه وتعالى، وحيث إنّ سنّة الله أزليّة وأبديّة، فإنّها لا يطالها أيّ تغيير أبدًا، قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾[41]، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾[42].
إنّ هذه السّنّة الأزليّة، والأبديّة الّتي عرضها الله سبحانه وتعالى على النّاس، وعمد العقلاء، والحكماء إلى بيانها ضمن الأنظمة الفكريّة، والفلسفيّة، والثّقافيّة المتعدّدة، وبمضمون واحد بطبيعة الحال[43]، علاوة على أنّها مصدر وحياني وبركة إلهيّة، تمثّل أسلوبًا لوصول الإنسان إلى منزله الأوّل أيضًا. بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى قد أنزل هذا الحبل لكي يتمكّن النّاس من الصّعود بواسطته إلى الأعلى. وعليه لو تمّ فهم هذه السّنّة بشكل صحيح، وتمّ تجسيدها في جميع الأبعاد الوجوديّة للإنسان، فإنّها سوف توفّر الأرضيّة لتأسيس قاعدة حضاريّة[44].
إنّ هذه الادّعاءات، وإن كانت تعتبر منشأ الحكمة ـ الّتي تمثّل الرّكن الأصليّ للثّقافة في المعنى الفلسفيّ الدّقيق ـ حقيقة إلهيّة، وغير بشريّة؛ ولكنّها لا تكفّ يد الإنسان عن التّمسّك بهذا الحبل في أيّ مرحلة من المراحل الزّمنيّة أبدًا. وفي ضوء هذا الاتّجاه ـ خلافًا لما يدّعيه مارتن هيدغر القائل بالمراحل المتعدّدة، والمختلفة أساسًا عن وضوح الوجود ـ يعتبر الفيض المعرفيّ، والحكَمي لله حقيقة واحدة، وثابتة بالنّسبة إلى جميع المراحل، والأحقاب الزّمنيّة حيث تكون أزليّة وأبديّة. بمعنى أنّ هذه الحقيقة الواحدة كانت، ولا تزال تعرض من قبل الله سبحانه وتعالى في مختلف الأزمنة، وعلى مرّ العصور.
وعلى الرّغم من ذلك فإنّ لذات هذه الحقيقة الأزليّة، والثّابتة بُعدًا داخليًّا[45]، وبُعدًا خارجيًّا[46]. بناء على البُعد الدّاخلي الكامن في هذه السّنّة، تكون جميع السّنن الحكَميّة، والثّقافيّة المنتزعة من هذا الاتّجاه ذات حقيقة واحدة، وبناء على البعد الخارجيّ تكون لكلّ سنّة خصائصها، ومزاياها الخاصّة بها. وبعبارة أخرى: إنّ جميع الأنظمة الثّقافيّة، والفلسفيّة الّتي اختارت كلام الله بوصفه منشأ غير بشريّ لعقائدها، متّحدة فيما بينها في ضوء البُعد الدّاخليّ للسّنّة، وتتحدّث عن حقيق واحدة، وتكمن في ذيل هذه السّنّة الأزليّة، والأبديّة، والثّابتة. ومن ناحية أخرى فإنّ كلّ واحد من هذه الأنظمة بناء على البُعد الخارجيّ ينطوي على خصائصه، ومزاياه الخاصّة الّتي تميّزه من سائر السّنن الأخرى[47].
تذهب هذه الجماعة إلى الاعتقاد بأنّ هناك دائمًا، وعلى طول التّاريخ أشخاصًا يُدركون الأصل، والإطار الحقيقي، والكامل للحكمة، ويكونون ـ بوصفهم حكماء جامعين وكاملين ـ ورثة لهذا النّوع من التّفكير، حتّى وإن كانوا يعيشون في عصر لا نصيب لأكثر النّاس فيه من هذه المعرفة، ويرزحون في غفلة منها، أو تكون الثّقافة الغالبة في غياب تامٍّ عن أصول الحكمة. إنّ هذا الكلام يعني أنّ أساس هذه الحكمة، وإن كان إلهيًّا، وغير بشريّ، وعلى الرّغم من أنّ هذا النّوع من الحكمة التّقليديّة غير قابل للتّغيير والتّبديل، ولكن يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الحكمة، ويصبح ـ بوصفه حكيمًا ـ واحدًا من تجلّيّاتها، وأن يحوز عليها أيضًا. كما يمكن لذات هذا الحكيم ـ بعد الوصول إلى هذا المقام، وتحقيق موازينها، وأصولها في مجتمعه ـ أن يهدي سائر الأفراد إلى هذه الجهّة، ويعمل على تربيتهم بحكمة.
وعلى هذا الأساس فإنّ أعمق طبقة للثّقافة في معناها الفلسفي، حقيقة إلهيّة/ بشريّة، ويمكن في كلّ مرحلة من التّاريخ العمل ـ من خلال إعداد الظّروف اللّازمة لبسط الحكمة، والثّقافة المقدّسة ـ على هداية المجتمع إلى الأهداف المنشودة، والمتمثّلة بإقامة دولة العقل، والحكمة، وبسطها على جميع أركان الفرد والمجتمع. إنّ هذا الكلام يقف تمامًا في مقابل ادّعاء الّذين يذهبون ـ من خلال بيان المنشأ غير البشريّة للطّبقة الدّاخليّة من الثّقافة ـ إلى الاعتقاد أوّلًا: بأنّ يد الإنسان قاصرة عن الوصول إلى هذه الطّبقة، ويخفضون الإنسان إلى مستوى الكاشف عن الحقيقة الواضحة، حيث يكون له مجرّد لغة أخرى. وثانيًا: بأنّ جهود الإنسان في إيجاد، أو إحياء السّنّة القديمة في هذا المجتمع، أو المجتمعات الأخرى مستحيلة، ويرون أنّ إيجاد المراحل التّاريخيّة المختلفة يحال إلى الوجود، وإنّ الإنسان في معزل عن اختيار ماهيّة هذه المراحل، والثّقافة الخاصّة بكلّ واحد منها.
لا بدّ من الالتفات إلى أنّ المراد من قدرة الإنسان على إحياء، ونشر هذا المستوى من الثّقافة والفلسفة ـ والّذي يطلق عليه هنا مصطلح «البرمجة والتّخطيط» ـ يختلف عن «البرمجة والتّخطيط» في الأبعاد الخارجيّة، والسّلوكيّة للثّقافة الفرديّة والاجتماعيّة؛ ونتيجة لذلك لا يمكن النّظر في التّخطيط، والبرمجة في هذا المستوى من الثّقافة بالمحاسبات الكمّيّة، والإحصائيّة؛ وذلك لأنّ أدراك، وفهم أعمق طبقة فلسفيّة للثّقافة، وعقد العزم والجهود في إطار التّرويج لها عند الأفراد والمجتمع، أو تقديم ذلك في إطار نظام فكريّ، وفلسفي بمعزل عن تمهيد المقدّمات، والملزومات، يستلزم معرفة العقلاء، والفلاسفة لجميع أبعاد السّنّة، وتحقّق الحكمة في صلبها، والوصول إلى مقام الحكيم، والحكمة. ومن هنا فإنّ ابن سينا، وسائر الحكماء الإسلاميّين، يرون أنّ بداية الحكمة تكمن في تحقّق هذه الحكمة لدى الحكيم، ومن هنا عرّفوا الحكمة بوصفها كمال نفس الإنسان من طريق معرفة عالم الوجود، وبالتّالي تحوّل الإنسان إلى عالم عقليّ: «صيرورة الإنسان عالمًا عقليًّا مضاهيًا للعالم العينيّ[48].»
النّتيجة
1. فيما يتعلّق بمنشأ الثّقافة في معناها الخاصّ والفلسفيّ، وإمكان البرمجة، والتّخطيط لها، هناك ثلاثة آراء كلّيّة؛ وفي ضوء الرّأي الأوّل، يكون للثّقافة بشكل عام جذور بشريّة، وتاريخيّة. بمعنى أنّ الإنسان بعد العمل على تلبية، ورفع احتياجاته الأوّليّة، يعمل ـ من خلال طرح الاحتياجات الثّانويّة ـ على إيجاد ثقافة أوّليّة، ومن خلال بسطها طوال التّاريخ، يصل إلى مستوى أعمق من الثّقافة ألا وهو المستوى الفلسفيّ. إنّ هذا المعنى من الثّقافة يؤكّد البُعد البشري، وإمكان تغيير المستوى المتقدّم من الثّقافة الّذي هو ذات المستوى الفلسفي لها.
2. في ضوء الرّأي الثّاني لا تكون الثّقافة مشتملة على مجرّد حقيقة فلسفيّة، وكاملة منذ البداية فحسب، بل وإنّ منشأها هو الآخر غير بشري أيضًا. في هذا الفهم لا يكون للإنسان أيّ دور في اختيار هذه الثّقافة، وإنّ مجيء وذهاب مرحلة تاريخيّة تنطوي، وتحكي عن ثقافة خاصّة، إنّما هي إحالة تاريخيّة بالكامل، وبعيدة عن اختيار الإنسان، ومتناوله. يضاف إلى ذلك أنّ الإنسان لا يمكنه باختياره، وإرادته أن يعمل على إحياء مرحلة تاريخيّة قديمة، أو يعمل على التّرويج لها؛ إذ ليس مجرّد إحالة المرحلة التّاريخيّة لعصره مختلفة عن الحضارة، والثّقافة القديمة فحسب؛ بل إنّ ذات إحالة الوجود في الأساس لا تسمح له بذلك.
3. في ضوء الرّأي الثّالث، على الرّغم من أنّ المنشأ لأكثر طبقة ثقافيّة داخليّة وأصالة، والّتي تحتوي على حقيقة فلسفيّة وحكَميّة، هو منشأ غير بشري، إلّا أنّ ذات الإنسان قد ارتبطت بهذه الحقيقة، ويجب على الإنسان في كلّ عصر، وزمان أن يسعى من أجل الوصول إلى هذه الحقيقة، وتجسيدها في نفسه، وفي مجتمعه. إنّ الإحياء المتجدّد، والمتعدّد للثّقافات، وإشاعتها، ونقلها من رقعة إلى رقعة أخرى، خير شاهد على هذا المدّعى؛ كما كان السّهروردي ـ الحكيم، والفيلسوف الإيراني المتأله ـ لا يرى تفكيره من إبداعه، وإنّما هو مجرّد إحياء للتّراث الّذي وصل إليه من أسلافه السّابقين. وبهذا المعنى يمكن للثّقافة، أو الثّقافات الّتي لها منشأ غير بشري، أن يتمّ العمل على إحيائها عند توفّر الظّروف، والشّرائط الزّمنيّة، والتّاريخيّة المناسبة، وتعمل ـ بالنّظر إلى مقتضيات، وذاتيّات هذا النّوع من التّفكير ـ على تطبيق ذاتها مع شرائط، وظروف، ولوازم العصر، وأن تتّخذ ـ في عين المحافظة على محتواها الذّاتي والدّاخلي ـ صورة متناسبة مع عصرها.
المصادر
القرآن الكريم.
أفلاطون، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: رضا كاوياني ومحمد حسن لطفي، طهران، انتشارات خوارزمي، ط 3، 1380 هـ ش.
أعواني، غلام رضا، دكتر داوري؛ متفكر فلسفه و فرهنگ، ضمن: فيلسوف فرهنگ / جشن نامه استاد دكتر رضا داوري اردكاني، إعداد: حسين كلباسي أشتري، طهران، انتشارات مؤسسة پژوهشي حكمت و فلسفه ايران، 1387 هـ ش.
أمينيان، مختار، مباني فلسفه اسلامي، حوزه علميه قم، دفتر تبليغات اسلامي، 1380 هـ ش.
آشوري، داريوش، تعريفها و مفهوم فرهنگ، طهران، نشر آگه، ط 2، 1381 هـ ش.
باركر، كريس، مطالعات فرهنگي: نظريه و عملكرد، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهدي فرجي ونفيسة حميدي، طهران، انتشارات پژوهشكده مطالعات فرهنگي و اجتماعي، 1378 هـ ش.
بيناي مطلق، محمود، نظم و راز، طهران، نشر هرمس، 1385 هـ ش.
پهلوان، چنگيز، فرهنگشناسي/ گفتارهايي در زمينه فرهنگ و تمدن، طهران، نشر قطره، ط 2، 1382 هـ ش.
تكميل همايون، ناصر، «مسائل و چشم اندازهاي فرهنگ»، مجموعة مقالات، خلاصة مقالات مجلة فرهنگ و زندگي (1348 ـ 1356 هـ ش)، طهران، سازمان چاپ و انتشارات وزارت فرهنك و انديشة اسلامي، 1381 هـ ش.
الجوادي الآملي، عبد الله، رحيق مختوم/ شرح حكمت متعالية، القسم الأول من المجلد الأول، طهران، نشر إسراء، ط 4، 1389 هـ ش.
حائري يزدي، مهدي، كاوشهاي عقل نظري، طهران، انتشارات علمي و فرهنگي كتيبة، ط 4، 1384 هـ ش.
داوري اردكاني، رضا، درس گفتارهاي مباني فلسفي فرهنگ، طهران، پژوهشكده مطالعات فرهنگي، 1391 هـ ش.
___________، سنت و تجدد، طهران، نشر ساقي، 1384 هـ ش.
__________، گفتگو با استاد رضا داوري اردكاني، ضمن: فيلسوف فرهنگ ـ جشن نامه أستاد دكتر رضا داوري أردكاني، إعداد: حسين كلباسي أشتري، طهران، انتشارات مؤسسة پژوهشي حكمت و فلسفه ايران، 1387 هـ ش.
___________، فرهنگ، خرد و آزادي، طهران، نشر ساقي، ط 3، 1389 هـ ش.
كوش، دني، مفهوم فرهنگ در علوم اجتماعي، طهران، انتشارات سروش و مركز تحقيقات، مطالعات و سنجش برنامهاي صدا و سيماي جمهوري اسلامي ايران، 1381 هـ ش.
ريچاردسون، ويليام، «هنر و شعر ـ تحليلي بر دو رساله هيدگر» «منشأ اثر هنري» و «هولدرلين و ذات شعر»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: رضا ماخوزي، مجلة ماهنامه اطلاعات حكمت و معرفت، العدد: 4، العدد المتسلسل: 75، 1391 هـ ش.
سجادي، سيد جعفر، فرهنگ معارف اسلامي، طهران، انتشارات أمير كبير، 1378 هـ ش.
شوئون، فريتهوف، آتما/ مايا، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمود بيناي مطلق، في جام نو مي كهن / مقالات عن أصحاب الحكمة الخالدة، بجهود من مصطفى دهقان، طهران، مؤسسة تحقيقات و توسعه علوم انساني، 1384 هـ ش.
صافيان، محمدجواد، دكتر داوري؛ «شاعري و تفكر»، ضمن: فيلسوف فرهنگ ـ جشن نامه أستاد دكتر رضا داوري أردكاني، إعداد: حسين كلباسي أشتري، طهران، انتشارات مؤسسة پژوهشي حكمت و فلسفه ايران، 1387 هـ ش.
گاتري، دابليو. طي. سي، أفلاطون/ جمهوري، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن فتحي، طهران، انتشارات فكر روز، طهران، 1378 هـ ش.
صالحي أميري، سيد رضا، مفاهيم و نظريه هاي فرهنگي، طهران، انتشارات ققنوس، 1386 هـ ش.
مالينوفسكي، برونيسلاو، نظريهاي علمي درباره فرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الحميد زرين قلم، طهران، نشر گام نو، 1379 هـ ش.
ماحوزي، رضا، «پيوند شهر آرماني و شهر واقعي در انديشه افلاطون»، مجلة فصلنامه علمي و پژوهشي خردنامه صدرا، العدد: 73، بنياد حكمت اسلامي صدرا، 1392 هـ ش.
___________، «نسبت متقابل مفاهيم انسان، خدا و جهان و امكان تأسس علم فلسفه»، مجموعة مقالات المؤتمر السادس عشر لإحياء ذكرى صدر المتألهين، طهران، انتشارات بنياد حكمت اسلامي صدرا، 1391 هـ ش.
___________، «تحليل هايدگر بر سرآغاز متافيزيك در انديشه افلاطون»، مجلة فصلنامه علمي و پژوهشي مكتوب 6، العدد الأول، دانشگاه آزاد اسلامي أهواز، 1390 هـ ش.
___________، «مفهوم فرهنگ از نظر كانت»، مجله علمي/ پژوهشي علوم اجتماعي، العدد: 9، انتشارات دانشگاه آزاد اسلامي واحد شوشتر، طهران، 1389 هـ ش.
___________، «تحليل افلاطون و كانت از آزادي به مثابه عقلانيت محض»، فصلية شعاع انديشه، السنة الأولى، العدد: 2، جامعة إيلام، خريف وشتاء عام، 1389 هـ ش.
نصر، سيد حسين، خرد جاودان/ مجموعه مقالات همايش نقد تجدد از ديدگاه سنت گرايان معاصر، طهران، انتشارات دانشگاه تهران و مؤسسة تحقيقات و توسعه علوم الإنساني، 1382 هـ ش.
نصر، سيد حسين و اولیور ليمن، تاريخ فلسفه اسلامي، طهران، انتشارات حكمت، 1383 هـ ش.
هريسون، لارنس و ساموئل هانتينگتون، أهميت فرهنگ، تمّت ترجمته إلى اللغة الفارسية من قبل: أنجمن توسعه مديريت إيران، طهران، انتشارات أمير كبير، 1383 هـ ش.
Heidegger, M, What Is Called Thinking?, tr. F. Wieck, J. G. Gray, New York, Harper and Row, 1968.
Heidegger, M, Kant and the Problem of Metaphysics, tr. James Churchill, Bloomington, University of Indiana, 1962.
Heidegger, M, What Is Metaphysics? tr. R. F. C. Hull, Alan Crick, in Existence and Being, ed. Werner Brock. Chicago, Regnery, 1949.
Taylor, Edward B, The Primitive Culture, Paris, Reinwald, 1871.
---------------------------------------------
[1]. سبق لهذه المقالة أن نشرت في الأصل باللغة الفارسية تحت عنوان «تحليلي فلسفي از منشأ فرهنگ و امكان تغيير و برنامه ريزي براي آن» في مجلة فصلنامه تأملات سياسي، السنة الثالثة، العدد: 9، ربيع عام 1392 هـ ش، من جامعة زنجان.
تعريب: السيد حسن علي مطر الهاشمي.
[2]. كاتب مسؤول: أستاذ الفلسفة في كلية مطالعات فرهنگی و اجتماعي..
[3]. anti - essentialists
[4]. انظر: باركر، مطالعات فرهنگي: نظريه و عملكرد، 30.
[5]. انظر: داوري اردكاني، سنت و تجدد، 45.
[6]. انظر: م. ن، 3 و 44.
[7]. انظر: م. ن، 45.
[8]. انظر: صافيان، دكتر داوري؛ شاعري و تفكر، 4 ـ 323.
[9]. See: Taylor, The Primitive Culture, 1.
وانظر أيضًا: كوش، دني، مفهوم فرهنگ در علوم اجتماعي، 27.
[10]. نص مؤتمر اليونسكو سنة 1982 م في ولاية مكسيكوستي، نقلًا عن: صالحي أميري، مفاهيم و نظريههاي فرهنگي، 27.
[11]. انظر: م. ن، 38.
[12]. انظر: هريسون، و هانتينگتون، أهميت فرهنگ، 6 ـ 44.
[13]. انظر: ماحوزي، «مفهوم فرهنگ از نظر كانت»، 3 ـ 22؛ ماحوزي، «نسبت متقابل مفاهيم انسان، خدا و جهان و امكان تأسس علم فلسفه»، 81.
[14]. انظر: ماحوزي، «تحليل افلاطون و كانت از آزادي به مثابه عقلانيت محض»، 35 ـ 40.
[15]. انظر: تكميل همايون، «مسائل و چشم اندازهاي فرهنگ»، 46؛ آشوري، تعريفها و مفهوم فرهنگ، 29 ـ 30.
[16]. انظر: تكميل همايون، «مسائل و چشم اندازهاي فرهنگ»، 46.
[17]. انظر: پهلوان، فرهنگشناسي/ گفتارهايي در زمينه فرهنگ و تمدن، 3.
[18]. انظر: أعواني، دكتر داوري؛ متفكر فلسفه و فرهنگ، 97.
[19]. انظر: م. ن، 98.
[20]. انظر: هريسون و هانتينغتون، أهميت فرهنگ، 48.
[21]. انظر: آشوري، تعريفها و مفهوم فرهنگ، 45 ـ 140 و 148.
[22]. انظر: مالينوفسكي، نظريهاي علمي درباره فرهنگ، 96.
[23]. انظر: م. ن، 62.
[24]. انظر: كوش، مفهوم فرهنگ در علوم اجتماعي، 6.
[25]. انظر: مالينوفسكي، نظريهاي علمي درباره فرهنگ، 95.
[26]. انظر: صافيان، دكتر داوري؛ شاعري و تفكر، 4 ـ 323.
See: Heidegger, Kant and the Problem of Metaphysics, 86, 139.
[27]. انظر: صافيان، دكتر داوري؛ شاعري و تفكر، 18 ـ 317؛ داوري اردكاني، فرهنگ، خرد و آزادي، 16.
[28]. aletheia
[29]. See: Heidegger, What is called Thinking?, 13; Heidegger, What is Metaphysics?, 353- 392, and 362 – 364;
وانظر أيضًا: ريچاردسون، «هنر و شعر ـ تحليلي بر دو رساله هيدگر؛ «منشأ اثر هنري» و «هولدرلين و ذات شعر»»، 5 ـ 43.
[30]. انظر: داوري اردكاني، فرهنگ، خرد و آزادي، 2.
[31]. انظر: داوري اردكاني، سنت و تجدد، 9 ـ 48.
[32]. انظر: صافيان، دكتر داوري؛ شاعري و تفكر، 321.
[33]. انظر: ماحوزي، تحليل هايدگر بر سرآغاز متافيزيك در انديشه افلاطون، 45.
[34]. إن بعض أتباع مارتن هايدغر في إيران، قد ذهبوا إلى القول بأن الوجود في تفكير هايدغر، والذي هو منشأ للتجليات والأدوار التاريخية، والحق تعالى في الثقافة الإسلامية/ الإيرانية شيئًا واحدًا، وعلى هذا الأساس فقد فسروا ظهور الوجود عند مارتن هيدغر بمعنى تجلي الحق تعالى وخلق الكلام القدسي في لغة الدين والوحي. (داوري اردكاني، درس گفتارهاي مباني فلسفي فرهنگ، پژوهشكده مطالعات فرهنگي، طهران، 1391 هـ ش).
[35]. انظر: أفلاطون، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، 592، و 1165 و 301 و 1525؛ گاتري، أفلاطون/ جمهوري، 98 ـ 101.
[36]. انظر: أفلاطون، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، 301 ـ 302، 7 ـ 1524؛ ماحوزي، «پيوند شهر آرماني و شهر واقعي در انديشه افلاطون».
[37]. انظر: بيناي مطلق، نظم و راز، 20.
[38]. انظر: أفلاطون، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، 5 ـ 274، 9 ـ 1488.
[39]. انظر: م. ن، 311 و 1539.
[40]. انظر: الجوادي الآملي، رحيق مختوم/ شرح حكمت متعالية، القسم الأول من المجلد الأول، 5؛ نصر و ليمن، تاريخ فلسفه اسلامي، 49.
[41]. الإسراء: 77.
[42]. الأحزاب: 62.
[43]. انظر: شوئون، آتما / مايا، 5 ـ 23؛ بيناي مطلق، نظم و راز، 7 ـ 10.
[44]. انظر: نصر، خرد جاودان/ مجموعه مقالات همايش نقد تجدد از ديدگاه سنت گرايان معاصر، 12 ـ 13.
[45]. esoteric
[46]. exoteric
[47]. انظر: بيناي مطلق، نظم و راز، 11 ـ 12 و 19.
[48]. سجادي، فرهنگ معارف اسلامي، 756؛ أمينيان، مباني فلسفه اسلامي، 21؛ الحائري اليزدي، كاوشهاي عقل نظري، 93 ـ 94.