البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مفهوم الثّقافة والتباساته في المجال التّداولي الغربي نقد الالتباس الدّلالي والمخرج الاصطلاحي القرآني

الباحث :  د. الطّاهر محمّد الشّريف
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  38
السنة :  ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث :  523
تحميل  ( 562.689 KB )
الملخّص
يتناول هذا البحث مفهوم الثّقافة في الحضارة الغربيّة، حيث يسلط الضّوء على التباسات المصطلح، وتطوّراته الدّلاليّة عبر التّاريخ. بدأ المفهوم في سياق زراعي يشير إلى فلاحة الأرض، ثمّ تحوّل إلى دلالات إنسانيّة، واجتماعية مع عصر التّنوير، حيث أصبح مرتبطًا بالتّهذيب الفكريّ، والأخلاقي. ومع تطوّر الفكر الغربي، اختلط مفهوم الثّقافة بمفاهيم أخرى مثل الحضارة، والدّين، والطّبيعة، ممّا أدّى إلى غموض دلاليّ كبير.
يركز البحث على تحليل هذه الالتباسات من خلال منهج نقديّ، مستعرضًا التّحولات التّاريخيّة للمفهوم بدءًا من الاستعارة اللّغويّة عند شيشرون، مرورًا بالاستخدامات الأيديولوجيّة في عصر التّنوير، ووصولًا إلى الدّلالات الأنثروبولوجيّة المعاصرة. كما يناقش العلاقة بين الثّقافة والدّين، حيث حاولت الثّقافة في بعض الأطروحات أن تكون بديلًا عن الدّين، لكنّها فشلت في تحقيق الدّور الرّوحيّ نفسه.
يقدّم البحث محاولة لتجاوز هذه الالتباسات من خلال الاستهداء بالقرآن الكريم، حيث يقترح تعريفًا جديدًا للثّقافة يقوم على تعليم البيان، ووضع الموازين الأخلاقيّة والجماليّة. كما يميّز بين الثّقافة والحضارة، معتبرًا أنّ الحضارة هي التّمكين في الأرض، بينما الثّقافة هي الجانب المعنويّ الّذي يضبط العلاقات الإنسانيّة والطّبيعيّة.

الكلمات المفتاحية: الثّقافة، الحضارة، الدّين، التّنوير، القرآن الكريم

مقدّمة:
ضمن إطار تطوّرات الحداثة الغربيّة، انتجت كثيرًا من المفاهيم الّتي تحدّد وعيها بالمجتمع، وتطوّره، وتضع مقاييس لذلك التّطوّر، وتنظم عمله، وتحدّد وجهته، فالمفاهيم هي معالم دالّة على الواقع كما أنّها صانعة له، ولعلّ المعترض على هذا القول بأنّه كيف للمفاهيم أن تصنع الواقع، فإنّ الإجابة تكمن في أنّ المفاهيم كما أنّها تنتج معرفة الواقع وتفسيره، كأن نتحدّث عن مفهوم الإنسان، أو مفهوم الحياة، فعقلنا هنا يسعى إدراك كيانه، وكيان الحياة، ويسعى إلى تفسيرها، وهذه المفاهيم تفسيريّة، وهنالك مفاهيم تصنيعيّة تسعى إلى صناعة الواقع، مثل مفهوم التّقدّم، ومفهوم التّنمية، فنحن نضع المفاهيم بقصد صناعة واقع نأمل أن نحقّقه في المستقبل، لهذا ننتج هذه المفاهيم، وزيادة على ذلك هنالك المفاهيم المعياريّة، الّتي وظيفتها وضع مقاييس نزن بها الأشياء مثل مفهوم الجمال، والخير، والحقّ، وغيرها من المفاهيم القيميّة الّتي تضع ميزانا نقيس به أفكارنا، وأعمالنا.
وهنا يظهر أمامنا مفهوم الثّقافة، الّذي لم يبرز من حيث كونه مفهوم تفسيريّ، أو تصنيعيّ، أو معياريّ، وذلك لاعتبار أنّ المصطلح عرف عدّة انتقالات من الدّلالة الأصليّة إلى الاستعارة، ثمّ إلى المستوى الأيديولوجيّ الاجتماعيّ لتنتهي إلى الاستعمال الأنثروبولوجي في باقي العلوم الاجتماعيّة، وكلّ هذه التّحولات جعلت من المصطلح ملتبسًا.
وما زاد في التباس مفهوم الثّقافة هو: ارتباطه بثلاثة مفاهيم كبرى وهي: الحضارة، والدّين، والطّبيعة، حيث جرى مع تحوّل القرن الثّامن عشر مع فلاسفة التّنوير اختلاط دلالي كبير بين الحضارة، والثّقافة حيث لم يتمّ التّمييز بين كلا المجالين، فاختفت المساحة الّتي يغطّيها كلا المصطلحين، وأمّا الدّين فهو في بعضه يحمل دلالات الثّقافة، الأمر الّذي جعل البعض يرى أنّ الثّقافة بديل عن الدّين، وأمّا الطّبيعة فدلالتها مختلفة عن الثّقافة، فالمشكلة تكمن في علاقة مصطلح الثّقافة بالطّبيعة.
والأمر قد يزداد تعقيدًا عندما ننقل المصطلح من مجاله التّدوالي الغربيّ إلى مجاله العربيّ، حيث أنّ الانسان العربيّ المعاصر لم يعش نفس التّحوّلات الّتي عاشها الإنسان الغربيّ نفس الحال الاجتماعيّة، وتحوّلّاتها التّاريخيّة، ما يعني أنّ المصطلح سيزداد غموضّا، واختلاطًا دلاليًّا.
ومن هذا الوضع الإشكاليّ سيظهر لنا سؤالان مهمّان الأوّل والمتعلّق أساسًا بأسباب الاختلال وهو: لماذا التبست دلالات مصطلح ثقافة؟

والسّؤال الثّاني الّذي يمثّل السّعي للخروج من التباساته، بقصد إعطاء دلالة، ومفهوم قوّي، وهو: كيف يمكن تجاوز التباسات مفهوم الثّقافة ضمن مجالنا التّدولي العربي؟ وهل اللّغة القرآنيّة قادرة على توليد الحدود الّتي تخرج مصطلح الثّقافة من التباساته؟

وللإجابة عن الأسئلة المطروحة اعتمدت على منهج النّماذج، والّذي يعني رصد العلاقة بين أنظمة المعرفة، والأنظمة الاجتماعيّة، والحضاريّة المختلفة، ممّا يولد لدينا مستويات في عمليّة النّمذجة، الأولى وهي: النّموذج المعرفي التّفسيري، والّذي يحتوي على مستويين، وهما نظم تصوّر الوجود، وعمليّات تنظيم طريقة إدراك العالم، ثمّ بعد ذلك يأتي مستوى النّماذج الثّقافيّة، ثمّ يرقى عليها النّماذج السّياسيّة، والاقتصاديّة لنصل إلى تحليل النّموذج الحضاريّ التّاريخي، ما يعني أنّها نماذج تكامليّة تنتظم وفق التّكامل النّظميّ ثمّ ترتقي إلى نموذج التّكامل المقامي، حيث أدرس مجالات الارتقاء، أو الانهيار، وبهذا يمكننا أن نتعرّف على الإمكانات الّتي تسمح بتطوير، وتكامل مصطلح الثّقافة، وإخراجه من التباساته.

أوّلًا: الدّلالة اللّغويّة وترجمتها:
عبارة cultura اللّاتينة كانت تعني فلاحة الأرض، وهو ما يجمع عليه كلّ المعاجم، وهنا فإنّ العبارة تحوّلت من مجال الفلاحة، والعناية بالأرض إلى سلوك الإنسان، ومجاله الإنساني بفعل المجاز اللّغوي، والمعنى الأخير، وكما يعتبره المسيريّ، وسيلة إدراكيّة مهمّة في إنتاج تصوّراتنا حول العالم، وهنا وجب النّظر في من نقل العبارة من الدّلالة الحقيقيّة إلى الدّلالة المجازيّة.
وعمليّة النّقل أوّل من قام بها هو الفيلسوف الرّوماني شيشرون: الّذي صرح قائلًا: ... ومعنى ذلك أنّ الفلسفة تعمل عمل الفلاح الّذي يهذب الأرض، ويزرعها لتؤتي ثمارًا طيبة، حيث إنّ الفلسفة هي تهذيب النّفس البشريّة، وبهذا يكون شيشرون قد وضعنا أمام أوّل دلالة للثّقافة خارج مجالها اللّغويّ الأصليّ، ولكن ما يهمّنا لماذا هذه الاستعارة نبتت في أرض الرّومان وليس غيرهم؟ وهذه مسألة تبقى تأويليّة في حدّ ذاتها حيث ذهب بروس مازليش في كتابه (الحضارة ومضامينها) إلى أنّ الرّومان كانوا سبّاقين في ابتكار المصطلح لاعتبار أنّه ارتبطت الزّراعة عندهم بالاستقرار، وتكوين المدن، والازدهار، ونشأة الحياة الكريمة، والرّاقية، ممّا يعني أنّ الثّقافة تحمل دلالة القيمة، والمعيار لا دلالة الحالة.

ثمّ تمّت إعادة استخدام المصطلح مرّة ثانية في المعاجم الفرنسيّة، خلال القرن 18م أي عصر التّنوير، وعند فلاسفة الأنوار الأوربيّة، وهنا يعدّد لنا فليب بينيتون في كتابه «تاريخ كلمتي ثقافة وحضارة[2]» عدد استخدامات الفلاسفة التّنوير يوجيزها في قوله: «طورغو على سبيل المثال ثقافة الفنون، دولممبير ثقافة الأدب، وروسو ثقافة العلم، وكوندرسييه ثقافة العقل.[3]» ما يعني أنّ الكلمة استخدمت في النّصف الأوّل من القرن الثّامن عشر من خلال الإضافة، أي تحتاج إلى مضاف إليه حتّى يستقرّ معناه، لأنّ المعنى الّذي كانت تحمله له دلالة زراعيّة، وليس من عالم الإنسانيّة كالجمال، والتّربية، والفنون، والعادات، والمعتقدات، وغيرها، وقد بقي هذا التّراوح في الاستخدام حتّى القرن التّاسع عشر.

وفي المجال التّداولي الإنجليزي يؤكّد تيري إيغلتن[4] بالغ التّعقيد في تحديد، وضبط عبارة ثقافة[5]، وذلك أنّ الاختلاط الدّلالي يبدأ أوّلا في تحديد العلاقة بين مصطلحي طبيعة وثقافة، وما يزيد من تعقيد العلاقة أكثر فأكثر هو جذرها اللّغوي اللّاتيني «الّذي يمكن أن تعني أشياء كثيرة، من الحراثة والسّكنى إلى العبادة والحماية[6]» ما يعني أنّ الاختلاط الدلالي سيزداد حجمه في ارتباطه بالاستعمار ( colonus الّتي اشتقّت منها العبارة colonialism)، ومن جهّة أخرى ارتبطت بعبارة وهي الدّين، الّذي يعني التّهذيب، وتزكية النّفس، وهي المهمّة الّتي ستضطلع بها فلسفة التّنوير.
ما يمكن استنتاجه هنا أنّ الدّلالة اللّغويّة لم تستقر إلّا في القرن التّاسع عشر، وهذا لارتباطها بسياق الزّراعة والفلاحة، ومن ثمّ ارتباطها بالطّبيعة من جهّة، وأمّا ارتباطها بالإنسان فقد ربطت بالاستعمار، والدّين معا، ما يعني أنّها لم تحمل دلالة مستقرّة، ولهذا امتدادها صوب المجال الاصطلاحي سيزيدها تعقيدًا.

ثانيًا: تحوّلات المفهوم من الاستعمال الأيديولوجي إلى الدّلالة الأنثروبولوجيّة:
لا أريد هنا أن أقع في الاستسهال الّذي وقع فيه أستاذنا الفاضل محمّد شوقي الزّين عندما صرّح قائلًا: «لقد تمّ إحصاء أكثر من 130 تعريفًا للثّقافة، وهي موزّعة حسب المجالات المتعدّدة للعلوم الإنسانيّة كالاجتماعيّات، والانثروبولوجيا، والإثنولوجيا، والأدب، وغيرها من المجالات الفكريّة[7]» حيث يورد عددًا هائلًا من التّعريفات ثمّ يتّفق حول تعريف معين من دون الوقوف عند سبب هذا التّعدّد، حيث لا يمكن تجاوز هذا التّعدّد بخاصّة في نقل اصطلاحات الغرب إلى العالم الإسلامي، لأنّه سيزيد من ضخّ عبارات تزيد الغموض، والتّعقيد من دون أن ترسم طريقًا محدّدًا لنهضة المسلمين.
وهنا وجب تشخيص سبب التّعدّد، والّذي يمرّ أوّلًا عبر تحوّلات المفهوم، ابتداء من عصر التّنوير الأوروبي، والتّجاذبات الّتي برز من خلالها المفهوم في حدّ ذاته، حيث ظهر في البداية بوصفه تصوّرًا أيديولوجيًّا، وما أقصده بالأيديولوجيا هي جملة أفكار، ومعتقدات تتبناها جماعة معيّنة لغرض تحقيق التّواصل، والاندماج الاجتماعي، أو لغرض النّضال لأجل إصلاح اجتماعي يتناسب وتلك الأيديولوجيا، حيث إنّنا سنلحظ أنّ المصطلح حصلت له ترحال من عالم الأيديولوجيا إلى عالم الأنثروبولوجيا.

ولدراسة تحوّلات المصطلح يستعمل دنيس كوش في كتابه «مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعيّة»، عبارتين للدّلالة على تحوّلات مصطلح ثقافة[8]، وهما: فعل وحالة، حيث ميّز في انتقال المصطلح من النّاحية اللّغويّة من حالة الأرض المحروثة إلى فعل الحرث خاصّة في القرن 16م ثمّ أخذ التّحوّل يمتدّ إلى عالم الإنسان ليعنى به تربية الفكر، ومرورًا بكونها تحتاج إلى الإضافة مثل ثقافة الفنون، أو ثقافة العلوم، أو ثقافة الشّعب، لتصبح لها مدلولًا خاصًّا، وهو ما برز خلال القرن الثّامن عشر، حيث دلال المصطلح أضحى لها أهمّيّة كبيرة، من حيث انتقالها من «فعل» التّعلّم إلى «حالة» الفكر في مرحلة تاريخيّة معيّنة، وهنا استعملت العبارة ضدًّا للطّبيعة باعتبار أنّ الإنسان مخالف في وجوده لحال الطّبيعة لهذا «في أيديولوجيا الأنوار كلّيًّا، إذ اقترن اللّفظ بأفكار التّقدّم، والتّطوّر، والتّربية، والعقل الّتي احتلّت مركز القلب من فكر العصر[9]» ما يعني أنّه لحدّ القرن الثّامن عشر لم يتمّ استعمال المصطلح في إطار العلميّ بل في إطار أيديولوجيا التّنوير الّتي بشّرت بالعقل، والحرّيّة بوصفها بديلًا عن هيمنة الكنيسة، والدّين، ما يعني أنّ إنتاج مفهوم الثّقافة لكي يحلّ محلّ الدّين، وهذا ما سنتوقّف عنده في العناصر اللّاحقة.

ويواصل دنيس استقصاءه لمصطلح ثقافة، وعمليّات استخدامها، حيث تحدّدت دلالته إلى جانب مصطلح آخر قريب منه، وأكثر انتشارًا منه، وهو الحضارة[10]، ولتجنّب الاختلاط الدّلالي، وهنا سيظهر اختلاط دلالي آخر، بين الكونيّ، والخصوصي، حيث يستعمل المصطلح في إطار الدّلالة عن كلّ ما يميّز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى، وفي ظلّ وجود مصطلح الحضارة يصبح المصطلح له دلالة الفرديّة على أنّ عبارة ثقافة تدلّ على التّطوّر، والتّقدّم الجماعي، وبصريح العبارة، وأوضحها الحضارة تعني حال التّقدّم الجماعيّ في حين أنّ الثّقافة تحمل معنى التّقدّم الفرديّ.
وبانتشار التّنوير إلى خارج فرنسا انتشر مصطلح ثقافة، وإلى جانبه حضارة، وهو ما يزيد من تعقيد دلالة المصطلح أكثر فأكثر، حيث إنّ الألمان كان لهم في ذلك تحديد يعبر عن وضع اجتماعي آخر، فأرستقراطيّة البلاط كانت تنعت وضعها، وحالها بالحضارة، في حين البرجوازية نعتت نفسها بالثّقافة، ولكونهما كانتا في صراع فقد تحول كلا المصطلحان إلى منحى معياري، حيث أصبحت دلالة حضارة قدحيّة لكونها تحمل معنى الطّبقة الارستقراطيّة الّتي لا تهتمّ بالفنّ، والعلم وغيرها، في حين أنّ الثّقافة أصبحت لها دلالة استحسان وتميّز، وهنا سينشأ جدل آخر في دلالة العبارة بين البعد المعياريّ والوصفيّ.

ومع الفيلسوف الألماني هاردر، وكذلك حملة نابليون بونابرت على ألمانيا، أخذ معنى الثّقافة يتحوّل شيئًا فشيئًا نحو منزع قومي، أي أنّ الثّقافة هي: «... جملة من المنجزات الفنّيّة، والفكريّة، والأخلاقيّة الّتي تكون تراث أمّة يعتبر مكتسبًا بصورة نهائيّة، وتؤسّس لوحدتها[11]» وعليه أخذت دلالة الثّقافة معنيين، الأوّل ويقصد به التّراث اللّامادّي لأمّة من الأمم، ويجعلها تتميّز عن غيرها، وهذا التّحديد يسمح للألمان من تحقيق استقلالهم القومي، ووحدتهم، والمعنى الثّاني، التّراث اللّامادي من أخلاق، وفنّ، وفكر، وهنا سيستثني الألمان كلّ من الصّناعة، والتّقنيّة الّتي تأخذ معنى الحضارة.
ثمّ أخذ هذا المعنى القومي للثّقافة يتطوّر مع قابل الأيام لينشأ منه النّسبيّة الثّقافيّة، والتّعدّديّة الثّقافيّة، وهي أطروحة تقف ضدّ الأطاريح الاستعلائيّة الّتي ترى ثقافة أعلى من أخرى لاعتبار الإثنيّة العرق، أو لاعتبارات أخرى، ما يعني أنّ التّعدّديّة الثّقافيّة مفهوم يعني أنّ الثّقافات جميعًا متساوية، وهو ما سيسهل من تحويل الثّقافة من دلالة معياريّة إلى دلالة وصفيّة، ومن دلالة كونيّة إلى دلالة خصوصيّة متعدّدة، ومتنوّعة.

وقد فسح مدلول التّعدديّة الثّقافيّة المجال واسعًا لانتشار مفهوم الثّقافة ضمن أيديولوجيا ما بعد الحداثة، الّذي سيتحوّل إلى مفهوم النّسبيّة الثّقافيّة، حيث إنّه لن تظهر ثقافة أعلى من ثقافة، ولن توجد هنالك ثقافات بدائيّة، وأخرى متطوّرة، وثقافات فقيرة، وأخرى غنيّة، وهو ما سيضعف قدرة الثّقافة بوجه نقد لكلّ أشكال البربريّة، والهمجيّة، حيث إن هنالك ثقافات تعمل على تدمير الطّبيعة، وأخرى تعمل على بنائها، وثقافات تنتهي إلى سفك الدّماء، وأخرى تقود إلى إحياء الإنسانيّةـ وعليه فهذا الطّرح هو تسوية للثّقافة، ومن ثمّ القضاء عليها.

كذلك هذا المفهوم هو من نتاجات انتقاله من عالم الأيديولوجيا، والصّراع الطّبقي كما هو في ألمانيا، والصّراع الإثني العرقي كما هو بين ألمانيا، وفرنسا، حيث تغنّى الألمان بالثّقافة بوصفها مستوى راق من الحياة، في حين أنّ الحضارة تحمل الخير، والشّرّ في ثناياه، أمّا الفرنسيّين فإنّهم قد أطلقوا الحضارة على الشّكل الرّاقي من الحياة الّتي تتميّز بالتّقدّم العلميّ، أمّا الثّقافة فقد أصبحت تهتمّ بالفنون الجميلة، والأخلاقيّات، وعندما انتقل المفهوم إلى عالم الأنثربولوجيا، كان لزامًا عليه أن يبسط الثّقافات على بساط التّسوية فلا يفرق بين ثمينها، ووضيعها، وهذا حتّى تكون كلّ الثّقافات متساوية، وهنا سيبرز مفهوم إداود تايلور للثّقافة الّتي عرّفها على النّحو التّالي: هي ذلك الكلّ المركّب من المعتقدات، والعادات، والتّقاليد، والقيم الأخلاقيّة، والجماليّة الّتي تميّز كلّ مجتمع، وهذه الدّلالة الّتي ستكون مؤسّسة للتّعدّديّة الثقافيّة، والنّسبيّة الثّقافيّة حوّلت الثّقافة من تصوّر أيديولوجيّ يدافع عن قضايا اجتماعيّة مثل التّقدّم العلميّ، وبناء الذّات القوميّة إلى موضوع للدّراسة العلميّة الوصفيّة الّتي تستهدف دراسة التّمايزات الاجتماعيّة، وما يحكمها، وكيف تنتشر الثّقافة وتتطوّر عبر التّاريخ من الحال البدائيّة إلى يوم النّاس هذا، لكنّ عمليّة التّسطيح، والتّسوية جاءت مع الانثربولوجيا البنيويّة مع كلود ليفي شتراوس، الّذي أكّد التّساوي بين الثّقافات من خلال اعتبار أنّ هنالك ثقافات نظنّ أنّها بدائيّة إلّا أنّها تحمل وسائل أكثر تطوّرًا ممّا هي عليه اليوم، ويضرب لنا مثلًا بمجال الطّبّ حيث تعجز علوم اليوم عن علاج أمراض نجد لها علاجًا فاعلًا عند تلك الشّعوب الّتي نظنّ أنّها بدائيّة.

خلاصة: ما يمكن الوصول إليه هو أنّ الثّقافة حصل لها تحوّل كبير من دلالة حراثة الأرض، وما يطلبه الأمر من انتقاء للبذور، وتقليب الأرض، وزرع، وسقاية، وغيرها، إلى الدّلالة المسندة مثل الثّقافة الإنسانيّة، أو الثّقافيّة الشّعبيّة، أو الثّقافة العلميّة، وغيرها، لتتحرّر إلى الدّلالة المستقلّة، وهنا خضعت لعدّة استعمالات، من التّربية، وبناء الذّات، وذلك لقرينة تهذيب الأرض لأجل أن تثمر جعلت الذّات البشريّة مثل الأرض، إلى التّمايز الطّبقي إلى التّمايز الأمميّ، والقوميّ، وهنا سينتقل المفهوم من الاستعمال الأيديولوجي إلى العلوم الاجتماعيّة خاصّة منها الإنثربولوجيا، حيث نزع عن الثّقافة روحها المعياريّة ليسوقها إلى المعنى الوصفي، الّذي لا تتفاضل فيه الثّقافات بل تتساوى لكونها موضوع دراسة، وهنا يظهر مصطلح الثّقافة ليس بصيغة المفرد بل بصيغة الجمع ثقافات[12]، وبناء على ذلك تظهر التّعدّديّة الثّقافيّة، والنّسبيّة الثّقافيّة، وفي عصر ما بعد الحداثة تظهر الثّقافة بوصفها جزءًا من عالم الاقتصاد الّذي يكرّس نفسه من خلال الثّقافة الاستهلاكيّة، لتصبح الثّقافة لا تعني القيم الجماليّة، والأخلاقيّة، وبناء الذّات بقدر ما تعني أنّها عمليّة إغراء، وإغواء لصالح الرّأسماليّة الاستهلاكيّة، وعليه تصبح الثّقافة نوعًا من التّرويج للسّلعة، والخدمات. وبهذا تكون الثّقافة لا تحمل معنى محدّد بل معانيها سائلة متناثرة، ومتناقضة.

ثالثًا: التباسات المفهوم في علاقته بالحضارة الدّين والطّبيعة:
يزداد مفهوم الثّقافة في سياقه الغربي التباسًا عندما نريد البحث عن المجال الّذي سيضيئه، وهنا سنجد اختلاط دلالة بين ثلاثة مستويات وجب تحليلها لنجد لها مخرج، ونوطّن المفهوم، ونخرجه من حال الالتباس إلى وضوح الرّؤية، وتحدّد المجال الخاصّ به، وهنا وجب استحضار بعض المقولات الأساس الّتي ستكشف مدى تلبّس هذه المفهوم، واختلاطه بمجالات أخرى وهي: التّهذيب الدّيني، والتّهذيب الثّقافي، وهنا سيبرز الاختلاط الدّلالي بين القطاعين، ولماذا ظهر في عصر التّنوير الأوروبي، حيث سيصبح كلاهما قطاعين متدامجين، الأمر الّذي يجعل الثّقافة تفقد هوّيّتها، والاختلاط الثّاني، والّذي نجده بين الحضارة، بين التّصور المعياري الّذي يصنّف الشّعوب بحسب رقيّها، أو انحطاطها، وبين التّوصيف، والحال: أي أنّ الحضارة، والثّقافة حال، وهو ما يزيد من التباس المفهوم الأكثر، أمّا في علاقة الإنسان بالطّبيعة فالثّقافة في وضع حرج حيث انتقل المفهوم من حال رعاية الطّبيعة إلى التّعالي على الطّبيعة؛ إمّا تسيدًا، أو فقدان هوّيّة فيها، وهنا وجب تحليل كلّ التباس على حدة حتّى نخرج المفهوم من سيولته إلى حال انضباط.

الدّين والثّقافة:
ما يعرف عن الثّقافة أنّها جاءت لكي تزرع الإنسان كما يزرع الفلّاح الأرض حتّى تثمر منه كريم الأخلاق، وجميل الأفعال، وهو ما أشرنا إليه سابقًا من استعمال شيشرون لهذه العبارة، والّتي تطوّرت مع عصر التّنوير الأوروبّي، لكن اللّافت للانتباه ما يؤكّده تيري إيغلتون من أنّ الثّقافة في كثير من الأحيان كانت بديلًا عن الدّين، ويصفها أحيانًا بأنّها بديل فاشل، لأنّها تعجز أن تؤثّر فيه بالقدر الّذي يعمله الدّين فينا، وعليه هنا ستظهر في فالفكر الغربي تيّارين كبيرين في اعتنائهم بالثّقافة، الأوّل: الحركة الرومنسيّة وبخاصّة منها الألمانيّة، والثّاني: التّحليل النّفسي الفرويدي.

وقبل الولوج إلى الحركة الرّومنسيّة، فإنّ المسألة بدأت قبل ذلك بنحو قرنين، أو ثلاثة قرون من الزّمن، أي منذ عصر النّهضة، عندما بدأت الحركة الإنسانويّة تثق في قدرة الإنسان، ما جعلها تضعف قوّة لادين بوصفها الإطار الرّوحي، والقيم لتربية الإنسان، وتزكية روحه، وهنا ستظهر الحركة البعد الإنساني بديلًا عن الدّين، من خلال تشييد منظومة معرفيّة، وقيمية لا ينتجها الدّين بل مصدر آخر، وهو منجزات الإنسان الفكريّة، والمعرفيّة.

وعندما ظهر مصطلح الثّقافة في عصر النّهضة بدأت الثّقافة تعرض نفسها بديلًا عن الدّين، أو استمرارًا له، وعند ظهور عصر التّنويرالأوروبي بدأت عمليّات العلمنة الأوروبيّة في الظّهور خاصة مع تيار الربوبيون[13] أخذ الدين يتراجع وعند ظهور فكرة الثقافة بدأت تطرح نفسها كبديل، من حيث أنها تبني الفرد أي تخرجه من حالة الهمجية إلى حالة الكياسة والثقافة، ما يعني أن معنى الثقافة هنا لم يكن يعنى به بوصفه حالة اجتماعية بقدر ما تعني أنها حالة من الكياسة ورفعة الأدب والمروءة التي لا ترتبط بالضرورة بالدين، مع العلم أنه ليس كل عصر التنوير ضد للدين، لكن في صيرورة التاريخ الاوروبي بداية البحث عن نظام حياة منفصل عن الدين.
هنا ستظهر الحركة الرّومنسيّة الّتي وصفها كارل سميث بقوله: «فإنّه يجوز القول إنّ رومنطيقيا القرن التّاسع عشرلا تعني في حقيقة الأمر سوى مرحلة جمالية بينية تصل أخلاقيات القرن الثامن عشر باقتصادانية القرن التاسع عشر[14]» ما يعني أنّ الحركة الرومانطيقية هي حلقة وصل بين عصر التّنوير الأوروبي، والعصر المعاصر، فإنّ مفهوم الثّقافة هنا سيؤدي دورًا أساسًا، حيث سيصبح معناه هو الأبعاد الجماليّة للحياة، ما يعني أنّ الثّقافة ستكتسي عباءة الجماليّة من أدب، وشعر، وفنون تشكيليّة، ومسرحية، وموسيقيّة، وغيرها، وتنتقل من البعد الفردي التّربوي إلى الميزة الّتي تتميّز بها كلّ أمة عن أخرى، وسيظهر مصطلح الثّقافة الألمانيّة، والرّوسيّة، وغيرها، أي جماليّات أمّة الّتي تميّزها عن غيرها.

وما يميّز الطّرح الرّومنسي هو البعد النّقدي لآليّة عصر التّنوير، ليتحوّل العالم إلى كيان عضويّ، والعالم ليس آلة كبيرة بقدر ما هو كينونة جميلة، وهنا ستصبح الثّقافة قادرة على أن تؤدّي دور الدّين، ويفسر هذا الدّور تيري إيغلتن بقوله: «لكن فقدان الدّين سطوته على الجماهير الكادحة ليس نهاية المطاف، ذلك أنّ الثّقافة حاضرة بوصفها بديلًا ووكيلًا من النّخب الثّاني...وهذه الفكرة ليست بعيدة عن الأفهام، أو المنطق، لأنّ الثّقافة توفّر ما يوفّره الدّين من طريقة دينيّة رمزيّة محسوسة، ووحدة اجتماعيّة، وهوّيّة جمعيّة...[15]» حيث استعادة الأسطورة من خلال المسرح، والشّعر دورها، لكي تؤدّي الثّقافة دورًا بديلًا عن الرّوحانيّات الدّينيّة، إلّا أنّ هذا البديل سيجعل من الثّقافة في وضع جدّ حرج، فالثّقافة بالمعنى الرّومنسي أنشأت روحانيّات زائفة سرعان ما تحوّلت إلى دور مهمّ استغلّته الرّأسماليّة لتحويل كلّ شي إلى سلعة تباع، وتشترى، وانتهى الامر إلى تشيّؤ كينونة الإنسان، وتبلّد مشاعره، لهذا فروحانيّات الدّين تبقى دينيّة، ولا يمكن إيجاد بديل عنها.

وأمّا فرويد فقد جعل من الثّقافة، والدّين عضدين لقمع الإنسان، وهو ما عبّر عنه في كتابه «مستقبل وهم» الّذي يعرّف الثّقافة بقوله: «إنّ الثّقافة الإنسانيّة- وأقصد بها كلّ ما أمكن للحياة البشريّة أت ترتفع عن طريقه فوق الشّروط الحيوانيّة، وأن تتميّز به عن حياة البهائم[16]» وقد جاءت الثّقافة في ترابط مع الحضارة الّتي تقوم بحسبه على قمع الغرائز لتحقيق السّيطرة على الطّبيعة، وهذا القمع يحتاج أساسًا إلى الثّقافة الّتي تصنع الأنا الأعلى الّذي سيسهم في هذا القمع، وهنا سيظهر الدّين بوصفه عضد الدّين، ما يعني أنّ الثّقافة بحسب فرويد من جنس الدّين في عمليّة تشكيل الأنا، وقمع الغرائز بقصد تحقيق الحضارة.

وهنا مرّة أخرى يظهر التّضارب بين مفهوم الثّقافة، والدّين بين أن تكون الثّقافة استكمالًا لمشروع الدّين في تربية الجنس البشري، أو بديل تحمل مكانة الدّين ودوره، وعليه تفقد هويّتها فلا هي بالدّين، ولا هي بالثّقافة، ومع فرويد يحصل الالتباس أكثر فهي تعمل عمل الدّين وعضده، ومنه علينا تبيين الاختلاف بينهما.

الثّقافة والحضارة:
في المجال التّداولي الفرنسي اصطلح الحضارة على الوضع الاجتماعي المتقدّم علميًّا، في حين الثّقافة أطلقت على الفرد المثقّف المتّصف بعلو التّهذيب، ورفيع الخلق، وصاحب الذّوق الرّفيع، بمعنى أنّ الثّقافة نحت منحى فرديّ، والحضارة معنى جماعي. أمّا الأدبيّات الألمانيّة فقد عبّرت عن طبقة اجتماعيّة تهتمّ بالفنون الجميلة، والفكر، والأخلاق، في حين أنّ الحضارة حملت معنى قدحيًا حيث كانت تعبّر عن طبقة اجتماعيّة حاكمة مترفة لكنّها لا تهتمّ بالفنون، وهنا ستكتسب الحضارة معنى معياريًّا تحمل في طياتها القبح والحسن، والأمر نفسه بالنّسبة إلى الثّقافة الّتي تحمل معنى معياريًّا، فهي تعبر عن وضع حسن، وتاركها يعبّر عن وضع قبيح، ثمّ أخذ معنى الثّقافة يتطوّر حتّى اختلط بالحضارة، فلم تعد الثّقافة تدلّ على الفرد كما عند الفرنسيّين، والحضارة على الجماعة، أو الحال الكونيّة للتقدّم العلميّ، بل تحوّلت الثّقافة إلى معنى قومي، وهنا ستتشارك مع الحضارة مع كونها كيان جماعي، كما أنّها ستنتقل من من دلالة التّربية إلى الحال الاجتماعيّة الّتي يتميّز مجتمع عن آخر، وهنا ستصبح دلالة الحضارة هي عينها دلالة الثّقافة، وهنا مبلغ الالتباس.

الثّقافة والطّبيعة:
منذ أن قرّر الإنسان الغربي أن يربط بين المعرفة والقوّة، بدأ يتسلّط على الطّبيعة، وهذا ديكارت الّذي أعلن سابقًا نحن أسياد الطّبيعة ومالكيها، فقد أعلن السّيطرة على الطّبيعة، فساد في ثقافة الإنسان الغربي، أنّ الطّبيعة هي المكان الّذي سيصارعه بدلًا من أن تكون الطّبيعة هي البيت الّذي يأوي الإنسان. فقد حدّد ديكات العلاقة بوصفها سيادة مطلقة، وهي نتيجة ملكيّة مطلقة، ما يجعل الطّبيعة مجرّد وسيلة يمكن التّحكّم فيها، لا كيان قائم يستحق الاحترام.

ولما جاء فلاسفة التّنوير، فقد انتصروا إلى تصوّر الطّبيعة بوصفها آلة ميكانيكيّة يمكن التّحكّم فيها، والسّيطرة عليه، وهنا تمّ تخلية الطّبيعة من أيّ قداسة، وهنا يجب أن نفهم دور القداسة في منع تدمير الطّبيعة، وإفسادها، وبداية يجب أن أعرف القداسة بوصفها حرمات الله الّتي تعبر مجال يتجلّى فيه الخالق سبحانه بأسمائه وصفاته، وهنا سيصبح للطّبيعة مستويين، الأوّل بوصفها ظاهرة لها قوانين مادّيّة، والطّبيعة بوصفها آية دالّة على الخالق، وبالرّبط بين الآية، والظّاهرة يحصل منع الإفساد، لكون الإنسان سيرى في الطّبيعة كائنًا يحوي على آية دالّة على الله، وهي في حدّ ذاتها تجلٍ لله، فمن أفسدها فقد عاد الله، ولهذا فالمؤمن يحيي الطّبيعة بغرض القربة إلى الله.

ولكون فلسفة التّنوير قد قطعت العلاقة مع السّماء، وعالم الملكوت، فلم تعد الطّبيعة سوى آلة كبيرة يمكن التّصرّف فيها بوصفها ظاهرة، وليست آية، واختزالها إلى ظاهرة ميكانيكيّة كبيرة، يؤول إلى الحقّ المطلق في التّصرّف من دون أيّ وازع أخلاقيّ، ولا حدود، وموانع، فالطّبيعة شيء نستهلكه، ونبدّده كيفما نشاء.

وزيادة على ذلك فقد أتت فكرة التّقدّم لتزيد الطّينة بلّة، حيث صوّرت للإنسان الغربي أنّ سعادته هناك، حيث ستقدّم له المعرفة قوانين الطّبيعة، وتقدم التّقنيّة التّحكم فيها، ولكونها منفصلة عن السّماء أنشأت ذاتًا متضخّمة تغزو العالم كيفما شاءت، من دون أي حدود أخلاقيّة، حيث إن الضّمير هو صوت السّماء الّذي ألغته العلمانيّة، ليحلّ محلّها ذات متورّمة منتفخة متغطرسة، انتهت إلى دمار الطّبيعة.

وقد أخذ هذ الدّمار على عدّة مستويات، تجلّى في الفلسفة البيئيّة، الّتي أخذت تؤكّد على حجم الدّمار الّذي مس مستويات الطّبيعة جميعًا، والّذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مستويات، نلخصها في ثلاثة مصطلحات وهي: الإخلال بالتّوازن البيئي، ثم تبديد مقدّرات الطّبيعة، وأخطرها إفناء الطّبيعة.

الإخلال بالتّوازن البيئي: وهنا نتيجة للتّصنيع أدّت إلى تلوّث الطّبيعة على مستوى المياه، وكذلك الهواء، وأصبح الحديث عن الاحتباس الحراريّ، وارتفاع درجات حرارة الكوكب، وثقب الأوزون، وانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وكلّها أدّت إلى إخلال بالتوازن الطّبيعي، ناهيك عن انقراض بعض الكائنات الّتي كانت تحفظ للطّبيعة توازنها، وتقلص المساحات الغابية، وغيرها كثير.

تبديد مقدّرات الطّبيعة: إذا كان الإخلال بتوازن الطّبيعة ناتج من التّصنيع، فإنّ التّبديد ناتج من الاستهلاك، فمنذ ظهر ما يسمى بعصر العولمة الأمريكيّة انتشرت الثّقافة الاستهلاكيّة، الّتي ولدت في الإنسان شهوة الاستهلاك الباحثة عن اللّذة غير متناهية، فأدّى الأمر إلى تبديد مقدّرات الطّبيعة، وبدأت عمليّة التّبديد من الطّاقة الّتي تنبع من أعماق الأرض، إلى المياه الّتي يتمّ تبديدها من دون تدويرها، وانهاك الطّبيعة واجهادها، وهذا الأمر بدأ مع الأراضي الزّراعيّة الّتي تمّ تدميرها من خلال المواد الكيمائيّة، ناهيك المواد الزّراعيّة النّاتجة منها، والّتي أصبحت تشكّل خطرًا على صحّة الإنسان، وهنا امتدّ التّبديد حتّى على مستوى النّبات والحيوان، ما يظهر أنّ التّبديد قديم، فمنذ تقدّم الحضارة الغربيّة بدأ معها انقراض آلاف النّبات، والحيوانات، والأشجار. وأمّا اليوم فقد سادت ثقافة التّبديد بدلًا من التّدوير.
إفناء الطّبيعة: وموت الطّبيعة جاء نتيجة حتميّة لكلّ من التّقدّم الصّناعي، والأخطر هو موت الطّبيعة البيولوجيّة الّتي في الإنسان، والّتي أخذ يتهدّدها عدّة أخطار وهي: الاستنساخ، الّذي يسعى إلى خلق الإنسان من جديد، وهو نتيجة ليس لتطور علم البيولوجيا بل نتيجة لتطور التّقنيّة البيولوجيّة، وكذلك الحروب البيولوجيّة من خلال استخدام فيروسات قاتلة يتمّ تعديلها جينيًّا، وهنا مكمن الخطر، إذ تطور الأسلحة يوحي بخطر مدمّر للطّبيعة ككل، ولعلّ أهمها أسلحة الدّمار الشّامل.

وعليه فإنّ الثّقافة الغربيّة في بداية مشوارها حدّدت الإنسان سيّدًا مطلقًا على الطّبيعة، وقد جاء التّنوير لكي يعزّز هذا الطّرح، من هنا ظهرت علاقة مدمّرة بين الإنسان والطّبيعة، حيث علاقتهما علاقة تملّك: أي أنّ الإنسان مالك للطّبيعة لا مستأمن عليها كما في الأدبيّات الدّينيّة، وهنا ستنتهي العلاقة إلى علاقة صراع الّذي إما سينهي الإنسان لصالح الطّبيعة كما هو الحال في فلسفات الارتياب ابتداء من الدّاروينيّة الإنسان حيوان كباقي الحيوانات، أو كما هو الحال بالنّسبة إلى ماركس وفرويد وغيرهما ممن جعل من الإنسان مستلبًّا لصالح الطّبيعة. أو كائنًا سوبرمانيًا مدمّرًا للطّبيعة بمنزع أمبريالي.

يلتبس مفهوم الثّقافة مع الدّين في ثلاثة أمور أساس وهي: الدّور التّربوي للثّقافة في تنشئة الأفراد، وتهذيبهم، الأمر الّذي يخلق حال توتر بين المفهومين، والأمر الثّاني تلتبس الثّقافة مع مفهوم الدّين في مسألة وضع المعايير الموجّهة للسّلوك، بخاصة منها الأخلاقيّة، فالدّين كما الأخلاق كلاهما يضعان معايير أخلاقيّة مهمّتها توجيه، وهداية الإنسان نحو السّلوك الأمثل والأحسن، والالتباس الثّالث يكمن في بناء النّماذج الأخلاقيّة العليا الّتي تتحوّل إلى قدوة يسير على دربها المجتمع ككل، فالدّين له نماذجه، والثّقافة كذلك، وهو ما يجعل إما أنّ الثّقافة هي الدّين، أو الدّين هو الثّقافة. والأمر نفسه بالنّسبة إلى الثّقافة، والحضارة حيث كلاهما يشتركان في الكياسة، والدّماثة، وخروج الإنسان من حال الهمجيّة إلى حال الحضارة والثّقافة، وكان الفارق بينهما أنّ الثّقافة كانت على مستوى الفرد، أمّا الحضارة فكانت على مستوى الجماعة إلّا أنّ تطورات المصطلح أصبح كلاهما يعني حالًا، ووضعًا اجتماعيُّا راقيًا بالنّسبة إلى الاستخدامات في مجال فلسفة الحضارة، والتّاريخ، وفي الأنثروبولوجيا كلّ حياة اجتماعيّة بغضّ النّظر عن حالتها، وهنا ستصبح الحضارة هي الثّقافة، والعكس صحيح، والالتباس الأخير يكمن في كون الثّقافة تتعالى على الطّبيعة، أو تستمدّ روحها منها، وهنا الاختلال في تحديد طبيعة العلاقة بينهما.
وعليه يطرح السّؤال: كيف نحرّر مصطلح الثّقافة من التباساته؟

رابعا: توليد حدود المفهوم من القرآن الكريم
1. المشروعيّة المعرفيّة للاستهداء بالقرآن الكريم: وسأستعين بالمحدّدات القرآنيّة في وضع المفاهيم، وهو ما اصطلح عليه بالاستهداء بالقرآن الكريم في بناء المفاهيم، لاعتبار أنّ القرآن كتاب هداية مهمّته تسديد الفهم، والسّلوك، والسّعي البشري، وعليه فالأولى هو تسديد المفاهيم. وضرورة هذا التّرشيد تكمن في أنّ الفكر الفلسفيّ لا بدّ له من مرجعيّة تحدّد أصل انتاج مفاهيمه، ومن عادة أهل الفلسفة الرّجوع إلى اللّغة، أو المصادر الكبرى للتّفكير لديهم، كالعودة إلى الأسطورة اليونانيّة كما فعل فرويد، ومدرسة فرنكفورت من خلال كتاب جدل التّنوير حيث سعى فلاسفتها إلى تأصيل أزمة العقل الغربيّ إلى أصل التّفكير لديهم، وهو الأسطورة اليونانيّة، ولهذا ما دام القرآن الكريم هو أصل التّفكير لدينا وجب أوّلًا أن ننظر إليه بوصفه أصلًا إبداع المفهوم لدينا، وهو ما سيجعل من التّفكير الفلسفي إضافة نوعيّة للمعرفة البشريّة، وإلّا سنبقى على حال اجترار مفاهيم الغرب بكلّ التباساتها، وندخلها إلى مجالنا التّداولي ثمّ نطبّقها على واقعنا ما سيزيدنا خبالًا، وتيها، من هنا يظهر لي أنّ الاستهداء بالقرآن في بناء منظومتنا المفهوميّة أمر مبرّر، ومنطقيّ، وواقعيّ.
وعند الاستهداء بالقرآن الكريم في بناء مفاهيمنا هناك طريقين أساسين سنذكرهما هنا في هذا البحث على أن أطورّهما في مقال، وبحث آخر، الأوّل وهو إنشاء المفاهيم ابتداء من النّصّ القرآني، وهو اجتهاد خاصّ يحسب للمتفلسف في مجالنا، والثّاني وهو ضبط المفاهيم المستوردة من غيرنا، وإعادة ضبط حدودها من خلال محدّدات قرآنيّة، وهذه العمليّة مهمّة جدًّا لاعتبار أنّنا ملزمون بالتّعرّف على غيرنا، والاستفادة من منجزاتهم الفكريّة تحت سنّة التّعارف القرآنيّة، ثمّ إنّ هذه المفاهيم يمكن تقريب حدودها حتّى ننزع عنها اللّبس، والغرابة من جهّة، ومن جهّة أخرى، إخراجها من دائرة تحيّزاتها المعرفيّة الّتي تتعارض مع منطلقاتنا الفكريّة، والمعرفيّة، ومن ثمّ تكييفها وفق نظامنا المعرفيّ، وهو ما سنقوم به مع مفهوم الثّقافة

وعليه سأعمل في هذا البحث هو إعادة رفع اللّبس الّذي وقع بين مفهوم الثّقافة، والمفاهيم الأخرى من دين، وحضارة، والطّبيعة، إلّا أنّ تركيزي سيكون على مفهوميّ الحضارة، والثّقافة لاعتبار أنّ الالتباس الكبير واقع بينهما. ناهيك أنّ ضبط كلا المصطلحين هو أساس المخرج من الالتباس؛ لأنّ فيما بعد سيأتي الخروج من علاقة الثّقافة بالطّبيعة والدّين، ودليل ذلك أنّ الخلل أشدّه كان بين الثّقافة والحضارة.
2. رفع اللّبس بين مفهومي الحضارة والثّقافة: على تعدّد تعريفات الحضارة والّتي قد يعتبرها البعض أنّها محدّد استعماري، إلّا أنّها ستبقى تعبير يعكس أكبر كيان اجتماعي، لكن ما هو هذا الكائن الاجتماعي؟ ولنتأمل الآية القرآنيّة في قوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ [الأعراف، 10] نجد في هذه الآية محدّدين يسهمان في تعريف الحضارة لدينا وهما: «مكنّاهم» والأرض ممّا يعني أنّ الحضارة هي التّمكين للإنسان في الأرض، وهو يعني خروج الإنسان من الخضوع للطّبيعة إلى تمكّن منها، وهذا التّمكّن يكون وفق محدّدين آخرين نجدهما في آيتين كريمتين وهما: الأولى في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ❊ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾[17] وهذه الآية بصدد أن تقصّ علينا قصّة ذي القرنين، والحضارة الّتي أنشأها، وقد أضافت لنا محدّدًا آخر وهو قوله، وآتيناه من كلّ شيء سببًا، أي أنّ تمكّنه من الأرض ليس لاعتبارات قيميّة، وإنّما لاعتبارات متعلّقة بعالم الأسباب الّذي يحكم الكون، ما يعني أنّ الحضارة هي التّمكّن من عالم الأسباب الّذي يحكم الأرض. وأمّا المحدّد الثّالث والرّابع فنجده في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾[18] وهنا يضيف القرآن محدّدين آخرين وهما: الإمكانات المعرفيّة للإنسان والّتي تسمح له بتحقيق التّمكين وقد حدّدها في: السّمع والبصر والفؤاد، وهي ملكات معرفيّة تعين الإنسان على تحقيق التّمكين، لكن بقاء الحضارة، وانهيارها يتعلّق ليس فقط بعالم الأسباب، بل بالقدرة على معرفة عالم الآيات، أو جحوده، لأنّ عالم الآيات هو الدّال على المثال الأعلى الحقّ، وهو الله سبحانه وتعالى.

وهنا يمكن أن نعرف الحضارة: بأنّها التّمكين للإنسان في الأرض من خلال استثمار قدراته المعرفيّة (السّمع، والبصر، والفؤاد) في الكشف عن عالم الأسباب الكونيّة، واستمرار الحضارة يكون بإدراك عالم الآيات
والحضارة بوصفها تمكين لا تحمل أيّ قيمة، لهذا وجب التّوسيع في حمولات التّمكين الّتي يصفها لنا القرآن الكريم، فقد صاغ التّمكين تارة بالقدح، وذلك في قوله:﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾[19] وقد ربط الله سبحانه بين التّمكين، والخيرات الّتي تحصل من الأرض، وبين الهلاك والذّنوب، وما يستتبعها بظهور حضارات أخرى، وعليه فالفساد الّذي يمسّ الذّات من ذنوب هو أوّل قانون لانهيار الحضارات.

وتأتي بصيغة المدح في آية أخرى في قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ٭ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٭ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٭ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾[20] وهنا التّمكين جاءؤتعويضًا للمظالم الّتي يتعرّض لها المؤمن، والمحدّد الرّئيس هو إقامة الصّلاة وهو الوصل مع الله سبحانه وتعالى، وإيتاء الزّكاة، وهو تحقيق للعدالة الاجتماعيّة من خلال بناء مجتمع أخلاقي متعاون، والأمر بالمعروف وهو تحصيل الخيرات كلّها، والنّهي عن المنكر، وهو دفع الشّرور. وهذه الدّلالة الّتي تعطي التّمكين مدحًا نجدها في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[21] وهنا ارتبط التّمكين بتعليم يوسف تأويل الأحاديث، وهو ما سنعرف به عالم الثّقافة، وقد أضاف سبحانه وتعالى للتّمكين آية أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ٭ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[22] وهو أنّ التّمكين ليوسف؟ع؟ لاعتبار أنّه تجلٍّ لاسميّ الله سبحانه وتعالى (الحفيظ-العليم) الأمر الّذي يؤهّله لتحصيل التّمكين الأصلح في الأرض، لأنّه تمكين موصول بالله عزّ وجلّ.

ووفقا لذلك يمكن أن نصنّف الحضارات الإنسانيّة من خلال معرفة مدى وصل، أو قطع إمكانات الذّات (السّمع والبصر والفؤاد) بالله عزّ وجلّ، ونتائج الوصل، أو القطع على الذّات (وما ينتج منه إمّا تزكية للنّفس، أو تدسية، أو خسران، أو نسيان) وعلى الطّبيعة من إصلاح، أو إفساد، ما يعني أنّ الحضارة بوصفها تمكينًا، معيار قيمتها ليس في إبداعها الحضاري كالأهرامات، أو التّكنولوجيا الفائقة القدرة، بل المعيار هو في مدى وصلها بالله، لأنّه هو من سيحدد مآل هذه الحضارة ومستقبلها، وهو ما سنختبره بوصفه نموذجًا معرفيًّا نجرّده من القرآن الكريم، ومدى قابليّته التّفسيريّة لنظرة الغربيّين لأنفسهم.

وبالعودة إلى العمليّة التّصنيفيّة فإنّ القرآن حدّد نتائج الحضارة على الذّات من خلال العديد من الآيات، وهو ما نجده في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٭ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٭ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[23] فالسّواء هنا كما عرّفه الطّباطبائي في تفسير الميزان بقوله: «أي وأقسم بنفس والشّيء ذي القدرة، والعلم، والحكمة الّذي سوّاها، ورتّب خلقتها، ونظّم أعضاءها، وعدّل بين قواها[24]» ما يعني أنّها في أصلها مرتّبة على نحو سويّ، وما تزكيتها فهي بيد الإنسان، والتّزكية تأخذ معنيين وهما التّنمية أي تنمية قدراتها، وكذلك الطّهارة أي تطهير الشّيء، وعليه فهي تنمية مطهّرة للذّات أي النّفس، ويقابلها دسّاها، أي قمع إمكاناتها، وهو ما يؤول إلى خسران الذّات، أو نسيانها، وهو ما تحدّد في آيات كريمات أخرى نجدها في قوله تعالى: ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٭ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾[25] وهاتين الآيتين تحدثاننا على التمكين الذي ورد في آية سابقة من نفس السورة جاءت في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِين﴾[26]وهو ما يقويّ لدينا أنّ الحضارة لا يمكن أن تفهم إلّا من خلال حدّ التّمكين، فحركة الحضارة الّتي حقّقت التّمكين المنقطع عن الله انتهى بها إلى خسران النّفس ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾، وعليه فالخسران ناتج من حضارات قطع الوصل مع الله، وغيرها من الآيات الّتي سنستحضرها لتفسير، والاستهداء بها لفهم الظّواهر الإنسانيّة.

ولكون المعيار هو الوصل مع الله، فإنّنا نجد أنّ الحضارات الإنسانيّة يمكن أن نصنّفها إلى الأنواع التّالية:
الحضارات الواصلة: وهي الحضارات الّتي حقّقت التّمكين في الأرض من خلال الوصل مع آيات الله، وأسمائه الحسنى، نموذج يوسف؟ع؟، نموذج ذو القرنين، وسليمان، وداوود عليهما السّلام، ونموذج الإمام المهدي؟عج؟ بوصفه تجلٍّ، وتحقّق لنموذج سيّدنا رسول الله صل الله عليه وآله. ونتائج هذه الحضارة تزكية الذّات /النّفس، وإصلاح في الأرض، ووراثة الأرض.
الحضارات اللّاتقديريّة: وهي جملة الحضارات الّتي حقّقت التّمكين من خلال الوصل مع الأدلّاء المزيّفين على الله، فنقلوا صورة تحطّ من قدر الله، فلم يقدّروا الله حقّ قدره، وهذه الحضارات نهايتها اغتراب الذّات وتدميرها، وستؤول إلى حضارات تقطع الوصل مع الله، لأنّه سرعان ما سيكشف زيف الأدلّاء من خلال تبيّن جهلهم، وفسادهم، كما حصل مع بني إسرائيل الّذين اتّخذوا من رهبانهم، وأحبارهم أربابًا، ومع الكنيسة، وغيرها.
الحضارات المنقطعة: وهي جملة الحضارات الّتي قطعت الوصل مع الله، وأدّى بها استغناؤها عن الله إلى إنتاج حضارة قمعيّة قهريّة، تنقسم فيها الذّوات إلى طاغية فرعونيّة ونمروديّة، وذوات مستضعفة، ومثلها قوم ثمود، وعاد، وفرعون، ونتائجها فساد اجتماعي فساد الفطرة البشريّة هلك للحرث، والنّسل، وفساد في الأرض.

وعليه فالحضارة فعل، ونشاط بشريّ، وهو انعكاس لكينونة الإنسان ووجوده، وبتعبير آخر، الحضارة تجلٍّ لبعض إمكانات البشر، وتبقى إمكانات أخرى تخضع للدّس، وكلّها ترجع إلى معيار واحد، وهو الوصل مع الله، أو القطع، وهذا المعيار ينطلق أساسًا من الرّؤية الوجوديّة الكونيّة للعالم، والّتي تتحدّد مفرداتها وفق محدّدات خمس وهي: الله الإنسان العالم الحياة المصير، ولهذا فإنّ معرفة كلّ رؤية كونيّة سيحدّد لنا علاقتها مع الله، ومن ثمّ تحديد نوع تلك الحضارة، وكذلك تحديد نتائجها من خلال تحديد العلاقة بين الذّات، والمثل الأعلى في أي حضارة، ووفق هذه المنهجيّة سنناقش رؤية الغرب للألوهيّة، أي صلتها مع الله سبحانه وتعالى.

وينتج عن الحضارة نظامين هما: نظام الثّقافة، ونظام المدنيّة، وعادة ما يعرف أنّ المدنيّة تمثّل الوجه المادّي للحضارة، ممثّلًا في النّظام السّياسيّ، والاقتصاديّ إلى العمارة، والتّقنيّة، وصنوف التّفنّن في الملبس، والغذاء، وغيرها من المنجزات المادّيّة المختلفة، وأمّا الثّقافة فهي الأبعاد المعنويّة، وتتمثّل في نظم التّفكير، والتّقدير، ونظم القيم الأخلاقيّة، والجماليّة، والعادات، والتّقاليد، ونظم التّربية الاجتماعيّة، إلّا أنّ المشتغلين بهذا المجال اختلفوا في معاني الثّقافة والمدنيّة، وهنا وجب أن نعرف كلاهما من خلال الاستهداء بالقرآن الكريم حتّى نضبط المصطلحين ضبطًا دقيقا يتيح لنا قراءة الغرب لمستقبله، وتفسير هذه القراءة من خلال فهم طريقة الغرب في ترتيب بيت حضارته، وهو ما سيسمح لنا في فهم مآل الغرب.
تعريف الثّقافة: ولتعريف الثّقافة وجب اعتبار أنّ المصطلح نقل إلينا من أصله في اللّغة الأجنبيّة وهو (culture)، وهذه العبارة شهدت تحوّلات، وانزياحات كثيرة، وكلّها متعلّقة بمجالاتها التّداوليّة الغربيّة، حيث ينقل لنا الباحث الفرنسي دنيس كوش[27] عن الجدل الفرنسي الألماني حول دلالة مصطلحيّ ثقافة، وحضارة في قوله: «لهذا نزع مفهوم ثقافة[28] الألماني أكثر فأكثر، منذ القرن التّاسع عشر، إلى تحديد التّباينات القوميّة وتثبيتها. كان الأمر يتعلّق، إذا، بمفهوم تخصيصي يتعارض والمفهومَ الفرنسي حضارة الكوني، والمعبّر عن أمة تبدو أنّها قد اكتسبت وحدتها القوميّة من أمد بعيد[29]» فهذا القول يختصر جزءًا من الجدل الكبير لهذا المصطلح الّذي تغيّر بحسب المجال التّداولي، حيث إنّه كان له دلالة عند الألمان تُعنى بالأبعاد الرّوحيّة، والتّنمية الفرديّة، أمّا الحضارة فلها دلالة قدحيّة لأنّها كانت تشير إلى الطّبقة الأرستقراطيّة، وانهمامها بالحفلات، على خلاف الفرنسيّين الّذين مجدوا الحضارة على أساس أنّها حركة تقدميّة تسعى إلى زيادة سيطرة الإنسان على الطّبيعة من خلال نزع القداسة عن العالم وعلمنته، وأمام هذا التّضارب في دلالة المصطلح وجب علينا إدخاله غلى المجال التّداولي الإسلامي من خلال الاستهداء بالقرآن لتوليد ممارسة فهم قرآني لنظم الحياة.

ويلخص تيري إيغلتن تحوّلات المصطلح في قوله: «ذلك أنّ كلمة culture كانت تشير في البداية إلى عمليّة مادّيّة تمامًا، لتنقل من ثمّ على نحو استعاريّ إلى شؤون الرّوح ومسائلها[30]» فالمصطلح انتقل من تهذيب الأرض للزّراعة، وهو المعنى المادّي، إلى المعنى الرّوحي الّذي يعني تهذيب الذّوات، وهنا تبرز المشكلة في تعريف الثّقافة، حيث إن الثّقافة تعبّر عن التّعالي على عالم الطّبيعة وتجاوزه، وبالتّالي هي تعنى بكلّ ما هو متجاوز عالم الحتميّات الطّبيعيّة، ما يمنحها معنى واقعيًا وإنسانيًّا في الآن نفسه، وإنسانيّتها تكمن في أنّها ترتبط بالذّات من خلال صياغتها معرفيًّا وفكريًّا، وهو التّثقيف المعرفيّ، والتّهذيب السّلوكيّ الأخلاقيّ الجماليّ، ولذلك ستبرز المشكلة الّتي يطرحها شيلر حول ما إذا كانت الثّقافة وسيلة تحرير، أم وسيلة تنميط للإنسان؟
وأما ما أقصد به بالثّقافة فهو لن يخرج عن التّهذيب، وإشكاليّة الحضارة ككل، ولأوضّح للقارئ أكثر أودّ أن أبيّن للقارئ موقع الثّقافة في الحضارة، بغرض الاقتدار على رسم نموذج إدراكيّ لخارطة الحضارة الغربيّة، لقد سبق وأن ذكرت أنّ الحضارة هي تمكين الإنسان من الطّبيعة من خلال إمكانات الذّات (السّمع والبصر والفؤاد)، وقيمة الحضارة يرتبط دائمًا بفكرة الإله، ما يعني أنّ الحضارة لها وجهان: الأوّل وهو إمكانات الذّات، وتعنى به الثّقافة، والثاني التّفاعل مع الطّبيعة وتعنى به المدنيّة، وأمّا طبيعة الحضارة فتحدّدها رؤيتها للكون الّتي تنطلق من وعي الذّات أي الأنا في ارتباطها بالكون، والإله والمصير.

أجد في سورة الرّحمان دلالات عميقة يمكن أن توسّع من دلالة الثّقافة بما يتيح فهم دور الثّقافة ضمن الحضارة وهو قوله تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ ٭ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٭ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٭ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٭ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٭ وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡٱلرَّحۡمَٰنُ ٭ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٭ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٭ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٭ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٭ وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٭ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٭ أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٭ وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٭ وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ٭ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ٭ وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ٭ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَا﴾[31] من ثقل هذه الآية سننهل منها معنيين كبيرين وهما، علمه البيان أي الآية 4 والآيتين 8و9 وهي قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٭ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ وبالعودة إلى البيان فإنّ القرآن يعبّر عن الوجه الأوّل من الثّقافة الّذي عبّرنا عنه بالبعد المعرفيّ، فالبيان هو إمكان الذّات على تبيّن نظام الكون، وموضع الذّات فيه، والملاحظ هنا أنّ الآية جاءت بتعبير بدأ باسم الله الجامع، وهو الرّحمان ثمّ انتقلت إلى أنّه علم القرآن بوصفه تكملة لصفة الرّحمان، ثمّ يأتي على الحدث الكوني، وهو خلق الإنسان ثمّ تعليمه البيان، ممّا يعني أنّ البيان ليس مجرّد إمكان التّعبير اللّغوي التّواصلي الّذي يشترك فيه الإنسان مع الحيوان، لكن ما يميّز الإنسان امتلاكه للّغة تحمل البعد المعرفيّ، والمتمثّل في إدراك الذّات (خلق الإنسان) وارتباطها بالرّحمان بواسطة القرآن، من هنا سيظهر أنّ البيان له وجهان: الأوّل وهو التَبَيُن وهو تكوين رؤية يقرأ الإنسان من خلالها نظام الوجود، ويحدّد لنفسه موقعًا فيها، والتّبيين وهو إخراج هذا التّصوّر لنظام الوجود في صيغة لغويّة تكون بمثابة تبليغ، وتربية يتمّ من خلالها صياغة الذّات داخل الحضارة، وهذا هو المكون الأوّل للثّقافة، وهو البيان، وهو مكوّن في أساسه لغوي.
أمّا المكوّن الثّاني فقد عبّر القرآن عنه بالميزان، هذه العبارة تكرّرت ثلاثة مرات، والقرآن لا يكرّرها إلّا لاعتبار تكوثر معناه، وتعدّده، ففي البداية ربط الميزان بنظام الكون في قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾[32] وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالميزان الكوني ثمّ انتقل إلى الاستخدام الثّاني وهو: «ألّا تطغوا في الميزان» ثمّ اتّبعها قائلًا: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾[33] وهو ما نصطلح عليه بفعل الإنسان في الميزان، وهذه الدّلالة ستقرّبنا من الدّلالة الغربيّة، فالثّقافة لا تنفصل عن الطّبيعة تمامًا، فارتباطها بالطّبيعة يعتبر مشكلة لاعتبار أنّها تتجاوز الطّبيعة، وتصنع نفسها من الطّبيعة، وهذه المفارقة حلّها فكرة الميزان الكوني، وعمل الإنسان فيه، فالميزان الكونيّ يمثّل عالم الطّبيعة، وموازينها، وأمّا عمل الإنسان في هذا الميزان هو جزء من عالم الثّقافة، وبالتّالي فعالم الثّقافة مهمّته وضع الموازين الّتي تتفاعل مع ميزان الكون، إمّا قسطًا، وعدلًا، أو طغيانًا، أو خسرانًا، ممّا يعني أنّ العنصر الثّاني للثّقافة هو معياري مهمّته وضع المعايير، والمقاييس الّتي تجعل من حضارة ما إمّا مقاييسها عادلة في تعاملها مع الطّبيعة، أو طاغية، أو خاسرة.

أمّا عن العلاقة بين البيان والميزان في عالم الثّقافة، فتتحدّد في أنّ البيان هو من يحدّد جملة المقاييس الأخلاقيّة، والجماليّة الّتي تسمح بتوليد، وتفعيل طاقات الذّات لتؤدّي دورًا حضاريًا ما، يحقّق التّمكين في الأرض إمّا عدلًا، أو طغيانًا، أو خسرانًا، ولكي يكون للبيان أثرًا فلا بد من أنّ للثّقافة وسيطًا آخر يحقق العلاقة بين البيان والميزان، وهو وسائط التّثقيف، الّتي تتمظهر في العادات والتّقاليد، والفنون، والمؤسّسات التّربويّة، الّتي تعبد الذّات لجملة قيم البيان الّتي تؤدّي دور الفعل الإنسانيّ في الميزان الكونيّ، وإذا كانت هذه الثّقافة.

وخلاصة لما سبق، فإنّ العلاقة بين الحضارة والثّقافة هي علاقة كلّ بجزء، فالحضارة تعني التّمكين في الأرض من خلال الإمكانات الذّاتيّة، والسّنن الكونيّة تتيح للإنسان بقدر جهده تحصيل الحضارة، أمّا الثّقافة فهي فرع من الحضارة، وواحد من نتاجاتها، وهي مكوّنة من مستويين الأوّل، وهو البيان بما يحمله من إمكانات لغويّة تتيح له تبيّن العالم، ونظامه الكونيّ، والميزان، وهو وضع المعايير الأخلاقيّة، والجماليّة في التّعامل مع العالم وبخاصّة منه الطّبيعة، ما يعني أنّ الثّقافة تهتمّ بالمجال المعنويّ للحضارة.

رفع اللّبس بين الثّقافة والدّين:
ولكي نرفع اللّبس بين مفهوميّ الثّقافة وجب أوّلًا تحديد مفهوم الدّين، ثمّ دور الدّين في إنتاج الحضارة؛ لنصل إلى الفارق بين الدّين والثّقافة، وذلك أنّ تحديد العلاقة بين الدّين، والثّقافة مؤدّاه يمرّ عبر الحضارة، لكون الحضارة أشمل من الثّقافة، فلا بدّ من أنّ ما يقع على الكلّ يقع على الجزء، ومن هنا سنبدأ بتعريف الدّين ثمّ العلاقة بين الثّقافة، والحضارة لأصل إلى العلاقة بين الثّقافة، والدّين، وهنا أرفع اللّبس بينهما.

و«الدّين يستحضر عدّة عناصر أساسًا وهي: الإنسان بوصفه متلقيًّا للدّين، والتّلقي عنصر مهمّ في تحديد مفهوم التّدين، والثّاني هو المتعالي الّذي هو مصدر كلّ قيمة أخلاقيّة، أو تشريع، وأخير نسق القيم المحدّدة للأفعال في كلّ دين، ومعنى ذلك فإنّ الدّين معطى يتلقّاه الإنسان من مصدر يعتقد فيه أنّه إلهيّ ومتعالٍ، ومقدّس، ومعصوم، وما إلى ذلك، وينتج من هذا التّعالق بين الإنسان والإله نسق من الأفعال[34]». معنى ذلك أنّ الدّين يعرّج بالإنسان من حال الطّبيعة، وحدودها، ونسبيّتها صوب المطلق، واللّامتناهي، إذ يخرجه من شرطيّة الطّبيعة إلى أفق المتعالي والتّنزيه، لهذا يتطلّب منه تجاوز الممارسة الطّبيعيّة من أكل، وشرب، وجنس إلى الممارسة التّعبّديّة، وهذا التّجاوز هو ما يسمح للإنسان في التّفكير في مسائل المطلقات الكبرى كالله، وتعدّد العوالم، وإمكان وجود عالم أفضل، وكذلك يفكّر في القيم، لهذا أساس تعال الإنسان على الطّبيعة كامن في الدّين. أي أنّ الدّين له دور أنطولوجي يخرج الإنسان من الحال البهيميّة إلى الحال الحضاريّة والثّقافيّة.
لكون الحضارة تمكين للإنسان في الأرض، ولقوانينها السّببيّة، بما يملكه من إمكانات ذاتيّة، تتحدّد قيمتها بمدى اتّصالها بالله سبحانه وتعالى، فهي تعبير من بعد أنطولوجي مهم جدًّا، قد عبّر عنه الفيلسوف المصري عبد الوهاب المسيري في قوله: «ولكن هناك جانبًا آخر للطّبيعة البشريّة متجاوزًا للطّبيعة/المادّة، وغير خاضع لقوانينها، ومقصورًا على عالم الإنسان، ومرتبطًا بإنسانيّته، وهو يعبّر عن نفسه من خلال مظاهر عديدة من بينها نشاط الإنسان الحضاريّ ( الاجتماع الإنسانيّ- الحسّ الخلقيّ- الحسّ الجماليّ- الحسّ الدّينيّ) [35]». ويقصد هنا أنّ الحضارة الإنسانيّة هي تعبير عن البعد المتجاوز للإنسان لحدود الطّبيعة المادّيّة وقوانينها، ما يعني أنّ الإنسان حتّى يحقّق التّمكين، فهو لا بدّ من أن يتجاوز الطّبيعة، وفي الآن نفسه يعيش داخلها، فلو كان مفارقًا لها فلن يحصل له التّمكين من أصله، ولو كان خاضعًا لقوانينها فكيف له أن يتمكّن منها، وهو تحت سيطرة شروطها، وقوانينها المادّيّة الصّلبة، ولهذا فبعده المتجاوز يدفعه إلى تحقيق التّكامل.

ولكن ما الّذي سيدفع الإنسان نحو التّكامل ضمن سياق إنتاج الحضارة؟ هنا يجيبنا مالك بن نبي في قوله: «فالحضارة لا تنبعث –كما هو ملاحظ- إلّا بالعقيدة الدّينيّة، وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الدّينيّ الّذي بعثها[36]» فالدّين هو القادر على تحقيق التّجاوز ومن ثمّ التّكامل، لأنّ الدّين يعبّر عن وجود أعلى، ومتعال على الطّبيعة، ما يجعله في منطلقة تفعيل للبعد المتجاوز، وفي أفقه أمل لحياة أكثر كمالًا، ما يعني أنّ الدّين يخلق الدّافعية لتحقيق الوثبة الّتي ترفع الإنسان عن قانون الطّبيعة، وهو عينه ما قصد إليه مالك بن نبي في قوله: «وفي هذه الحال يتحرّر الفرد جزئيًا من قانون الطّبيعة المفطور في جسمه، ويخضع وجوده في كلّيّته إلى المقتضيات الرّوحيّة الّتي طبعتها الفكرة الدّينيّة في نفسه، بحيث يمارس حياته في هذه الحال الجديدة حسب قانون الرّوح[37]»، وقوّة الرّوح تكمن في أنّها مصحوبة دائمًا بمثال أعلى يحكم على الغرائز، وهنا يحصل التّكامل بين أطروحة مالك بن نبي، ومحمد باقر الصّدر حول ضرورة وجود المثل الأعلى، الأخير سينسج عالم الثّقافة بوصفهما جزءًا في الحضارة.
ومن هنا ستتّضح العلاقة بين الثّقافة والدّين، فهي علاقة مصدر بناتج منه، فالثّقافة في بعدها التّربوي تعني تهذيب الإنسان، تشترك مع الدّين، في خاصّيّة التّزكية، والّتي تعني تهذيب النّفس من خلال العبادة حتّى تكتسب الخلق الحسن وهو ما اهتمّ به التّصوّف الإسلامي، وهنا لا بد من أن يكون أصل كلّ تثقيف هو الدّين عينه، لاعتبار أنطولوجيّ، وهو قدرة التّعالي، الّتي تسمح للإنسان أن يحقّق البيان الّذي هو تصوّر للعالم تحمّله اللّغة، ومنه إنتاج القيم الّذي هو تجسيد قيمي، لهذا فالثّقافة في أصله متولّدة من العقائد الدّينيّة، وقيم الدّين أساسًا، لكن مع تطوّر الحداثة الغربيّة ظهرت أشكال من الثّقافة المنقطعة عن الدّين، وحاولت إنشاء بيان ( لغّة لها حمولة معرفيّة تنطلق من رؤية إلى العالم والحياة) وميزان (منظومات قيميّة) تهدف إلى بناء ذات مستقلّة عن الدّين، لكن الحاصل من كلّ ذلك إنتاج طغيان أفسد في العالم.

وعليه فالثّقافة في أصله نابعة من الدّين، ففي بعدها البياني تصدر عن تصور ذلك الدّين للعالم، وبعدها الميزاني فهي تستقي قيمها، ومعاييرها الأخلاقيّة، والجماليّة من الدّين، وهذا ما يمكن أن نستدل عليه في كتب التّاريخ عن الثّقافة المصريّة القديمة، فاهتمامها بالعطور راجع إلى أنّها تعتقد أنّ أصلها إلهيّ، هنا نجد جماليّات العطور بوصفها واقعة ثقافيّة لها أصل دينيّ، فقد كان استعمال الطّبيعة هو الممارسة العمليّة للثّقافة لكن وفق أي رؤية للعالم، ورؤية العالم تحملها اللغة لهذا فكل لغة تحمل رؤية العالم لذلك المجتمع وهو ما اشار إليه كثير من الباحثين في مجال فلسفة اللغة وهو ما أقصد به البيان.

خاتمة:
جامع الكلام أنّ الثّقافة قد التبست مفهوميًّا داخل الحضارة الغربيّة، حيث انتقلت من الدّلالة الزّراعيّة إلى الدّلالة الإنسانيّة المتعالية على الطّبيعة، لتقع في اختلاط دلاليّ بين الفرديّ، والجماعيّ، وبين الدّين، والحضارة، وهنا كان لزامًا علينا في هذا البحث إعادة إدماج مصطلح الثّقافة من خلال إعادة تعريف وفق المرجعيّة القرآنيّة.

وعند إعادة تعريفه استعملت محدّدين قرآنيّين لهما الكفاءة على ضبط مدلول الثّقافة ومجالها وهما:
1. تعلّم البيان: والّذي جاء في الآية الكريمة بعد خلق الإنسان جاء علّمه البيان، أي الأصل الخلقة، وهو شرط الطّبيعة، والانتقال إلى تعليم البيان، والبيان ليس مجرّد القدرة على الكلام، بل البيان هو قدرة على حمل منظومات فكريّة، وإبرازها من خلال اللّغة، لهذا فاللّغة تحمل منظومات فكريةّ الأخيرة ترجع إلى أساس قاعديّ، ومنطلق ابتدائيّ، وهو رؤية العالم الّتي منها يتمّ نسج كلّ لمنظومات الفكريّة، والمعرفيّة، وعليه فنواة أيّ منظومة فكريّة هي رؤية العالم، ومنه فالبيان هو رؤية العالم، ومنظومة فكريّة، ولغة تحمّلها.

2. الميزان: والمكوّن الثّاني للثّقافة هو الميزان، وهنا دعا الله سبحانه أن لا تطغوا في الميزان، فهنالك الميزان الكونيّ الّذي يعبّر عن موازين الكون الّتي نظّمها بها الخالق سبحانه نظام الوجود، وهنا يأتي الدّور القيميّ للثّقافة وهو وضع الموازين الأخلاقيّة، والجماليّة الّتي تبني الإنسان المتحضّر، والّتي تحدّد جملة العلاقات بين الإنسان والإنسان، والإنسان والطّبيعة.
وفي الأخير يمكن أن نعرّف الثّقافة بقولنا: الثّقافة هي تعليم البيان، ومنظوماته الفكريّة الّتي من خلالها تضع الموازين الأخلاقيّة، والجماليّة الضّابطة لعلاقة الإنسان بالإنسان، والإنسان والطّبيعة.

المصادر:
ابن نبي، مالك، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، سورية، دار الفكر، 1986.
إيغلتون، تيري، فكرة الثقافة، ترجمة ثائر أديب، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
سميث، كارل، مفهوم السياسي، ترجمة سومر المير محمود، مصر، مدارات، 2017.
شوقي الزين، محمد، فلسفة التكوين وفكرة الثقافة، وهران، بيروت، ابن النديم وروافد، 2022.
الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت-لبنان، الأعلمي للطباعة والنشر، 1390 ه.
فرويد، سيغموند، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط5، 2010.
كوش، دنيس، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2007.
محمد الشريف، الطاهر، «جدل التدين التسيدي والتدين التعبدي»، المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، السنة 10، المجلد 10، العدد 10، 2024.
المسيري، عبد الوهاب: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، سورية، دار الفكر، ط4، 2010.
Bénéton, Philippe, Histoire de mots: culture et civilisation, Alger, El Borhane, 1975.


-------------------------------------------------
[1]. قسم الفلسفة جامعة باتنة 1- الجزائر..
[2]. Histoire de mots: culture et civilisation
[3]. Bénéton, Histoire de mots: culture et civilisation, 29.
[4]. Terry Eagleton, (born 1943)
[5]. culture
[6]. إيغلتون، فكرة الثقافة، 12.
[7]. شوقي الزين، فلسفة التكوين وفكرة الثقافة، 16.
[8]. culture
[9]. كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، 19.
[10]. civilisation
[11]. م. ن،‌ 25.
[12]. cultures
[13]. سميث، مفهوم السياسي، 141.
[14]. م. ن، 142.
[15]. إيغلتون، م. ن، 67.
[16]. فرويد، مستقبل وهم، 8.
[17]. الكهف: 83-84.
[18]. الأحقاف: 26.
[19]. الأنعام: 6.
[20]. الحج: 38-39-40-41.
[21]. يوسف: 21.
[22]. يوسف: 55-56.
[23]. الشمس: 7-8-9-10.
[24]. الطباطبائي، الميزان فی تفسیر القرآن، 20: 297.
[25]. الأنعام: 11-12
[26]. الأنعام: 6.
[27]. Denys Cuche
[28]. Kultur
[29]. كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، 23.
[30]. إيغلتون، فكرة الثقافة، 12.
[31]. الرحمان: 1 – 11.
[32]. الرحمن: 7
[33]. الرحمن: 9.
[34]. محمد الشريف، «جدل التدين التسيدي والتدين التعبدي»، 10، 741.
[35]. المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، 12.
[36]. ابن نبي، شروط النهضة، 56.
[37]. م. ن، 85.