البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الثقافة في الفكر الغربي ومجالات النقد

الباحث :  حوار مع الأستاذ البروفسور محمود الذوادي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  38
السنة :  ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث :  532
تحميل  ( 605.146 KB )
المقدمة
المقابلة الّتي بين أيدينا هي مقابلة عبر المراسلة الكتبيّة، نستقبل من خلالها في هذا العدد من مجلّة الاستغراب الباحث القدير البروفسور محمود الذّوادي، والّذي اهتمّ في مجمل حياته العلميّة، والأكاديميّة بسبر آفاق العلم الواسعة، والعلوم الإنسانيّة، والاجتماعيّة، وقدّم مجموعة مهمّة من الأبحاث، والكتب، والمحاضرات في هذا المجال.
في بحثنا في هذا العدد، نتعرّض إلى حقبة من البحث السّوسيولوجي بل، والأكاديميّ عمومًا، وهو بحث الثّقافة في الفكر الإنساني، والعلميّ الأكاديميّ.

والمقابلة تنقسم إلى ثلاثة محاور:
المحور الأوّل: نظريّة الثّقافة في الفكر الغربي
المحور الثّاني: نظرية الثّقافة الغربي في مرآة النّقد الإسلامي
المحور الثّالث: موضوعات مستحدثة في الثّقافة

قبل البدء نقدّم مقدّمة تعريفيّة بالدّكتور العزيز، فهو أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس، نال شهادته الدّكتوراه في علم الاجتماع بكتابة أطروحة عن: «مفهوم الحداثة في علم الاجتماع الأمريكيّ» من جامعة مونتيريال بكندا 1979. درّس في جامعات كندا، والجزائر، والسّعوديّة، وماليزيا، كما حصل على منحة فولبرايت للقيام في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بدراسة حال علم الاجتماع الأمريكيّ، في عامي 2000 و 2001.
نشر مجموعة كبيرة من الدّراسات، وهي منشورة في مجلّات محكّمة، ومتخصّصة. من مؤلّفاته:
التّخلّف الآخر: عولمة أزمات الهوّيّات الثّقافيّة في الوطن العربيّ والعالم الثّالث، تونس، 2002.
أضواء جديدة على محدّدات العقل العمرانيّ الخلدوني، تونس، 2003.
الابتكارات في العلوم الاجتماعيّة، الهامشية الخلّاقة، مترجم عن الفرنسيّة، سوريا، 1997.

المحور الأوّل: نظريّة الثّقافة في الفكر الغربي
السّؤال الأوّل: ما هي أهمّ التّيّارات الّتي حاولت أن تفسّر الظّاهرة الثّقافية في الفكر الغربي؟ وما هي المسارات التّاريخية لتشكّل هذه النّظريّات؟

هناك عدد كبير من النّظريّات حول الثّقافة في الفكر الغربي نقتصر على ذكر بعضها:
أوّلًا: الحضارة والثّقافة: اقترنت كلمة الثّقافة في أوروبا بكلمة الحضارة. ففي فرنسا في القرن الثّامن عشر تشير كلمة الثّقافة إلى حصول الشّخص على تعليم سام يؤهله لفكرة التّقدّم . أمّا في ألمانيا، فكلمة الثّقافة كانت تعني عكس كلمة الحضارة المتمثّلة في الأشياء الّتي ينتجها المجتمع اعتمادًا على الفكر العقليّ والعلميّ.
ثانيًا: تعريف أنثروبولجي للثّقافة: هذا هو أشهر تعريف أنثروبولوجيّ لمنظومة الثّقافة. فقد عرَّف عالمُ الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد برنارد تيلر [ 1871 ] الثّقافة[1] بأنّها ذلك الكلّ المعقد الّذي يتضمّن المعرفة، والعقيدة، والفنّ، والأخلاق، والتّقليد، وأي مقدّرات، وعادات يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في المجتمع.
ثالثًا: النّسبيّة الثّقافيّة: هي رؤية فكريّة ترى وجود معايير مختلفة لمنظومات الأخلاق، والممارسات، والعقائد لثقافات مختلفة، ومنه لا يمكن الحكم على أهمّيّتها من وجهة نظر طرف خارجي.
رابعًا: الثّقافة تَبْني الشّخصيّة: تُشكّل ثقافات المجتمعات شخصيّات الأفراد في المجتمعات، ومن ثمّ تولّد ما يسمّى الشّخصية القاعديّة[2] في كلّ مجتمع.
خامسًا: الثّقافة بوصفها بنية: تتبع المعالمُ الثّقافيّة قواعدَ مشتركة في عمليّة البناء، ومنه تنشأ بنيات عقليّة مجرّدة عامّة في المجتمعات.

ثمّ إنّ النّظريّات الثّقافيّة المختلفة تعتبر محاولات طرح فكريّ يسعى إلى فهم حركيّة ظاهرة الثّقافة من خلال كسب رصيد مفاهيميّ يلقي أضواء منيرة على طبيعتها. تحاول تلك النّظريّات فهم العلاقات بين الثّقافة، والطّبيعة، وبين الثّقافة، والمجتمع ممّا يشمل ، مثلا، التّفاعل بين الثّقافة السّامية، والثّقافة الدّنيا، وبين التّراث الثّقافي، والاختلاف الثّقافي والتّنوع الثّقافي، والإيديولوجيا، وحتّى مفهوم الثّقافة نفسها.

يأتي في طليعة الفكر الغربيّ حول الثّقافة فكر كلّ من ريمون، وليمس[3]، و طمسن[4] حيث كان تأثيرهما كبيرًا على تطوّر النّظريّة الثّقافيّة البريطانيّة بعد الحرب، فقد نظر وليمس إلى الثّقافة على أنّها طريقة شاملة للحياة بينما يرى طمسن أنّ الثّقافة هي وسيلة يتعامل بها النّاس مع الأشياء المادّيّة، والاجتماعيّة في بيئتهم. فتح طرحهما الفكريّ طرقًا جديدة للنّظر إلى الثّقافة، ممّا جعل مفهوم الثّقافة يتجاوز حصر معنى الثّقافة في المجالات الأدبيّة، والفنّيّة. وهكذا، درس كلّ منهما البعد الحيّ للثّقافة، ومسيرته النّاشطة، والجماعيّة في تشكيل طرق حياة مفيدة للنّاس.

فهذه القراءة الثّقافيّة للثّقافة لدى الرّجلين ما فتئت أن قُوبلت بنظرة بنيويّة لظاهرة الثّقافة تركّز على البنيات الرّمزيّة الخارجيّة للثّقافة كما توجد في اللّغات، والرّموز الثّقافية عوضًا عن الأشكال المادّيّة لها. فمن هذا المنظور يمكن قراءة الثّقافة منظومة معانٍ يُرسم فيها المحيط الاجتماعي. لقد تبنّى الرّؤية البنيويّة للثّقافة المفكّر الماركسي لويس التّوسار[5] في نظريّة الأيدولوجيا الماركسيّة الّتي تمنح آفاقا كبرى إلى نجاعة فكرة الأيديولوجيا في التّحليل الاجتماعيّ. لقد توسّعت كتابات هذا الأخير حول النّظريّة الثّقافيّة بأفكار المفكّر أنتونيو جرامشي[6] الّذي فتح طرقّا جديدة من حيث إرساء طرح فكري حول دور الثّقافة، والممارسات الثّقافيّة في تكوين الطّبقات، وتحالفاتها.

أعطى فكر جرامشي خاصّة وزنًا أكبر لدور الثّقافة في كسب رهان أشكال من القيادة، والسّلطة السّياسيّة، والأخلاقيّة (الهيمنة). ساعد تأثير فكر جرامشي الهامّ على حركة النّظريّة الثّقافيّة لتتجاوز المأزق، والتّوتّرات السّائدة بين تنافس التّيّارين البنيويّ، والثّقافيّ في السّبعينيّات من القرن الماضي.
وبعد ضمور فكر جرامشي ازداد الاهتمام بفكر ميشال فوكو[7] حول الثّقافة، حيث تتمثّل أهمّ مساهماته، وتأثيراته في تشكيله لمفهوم الخطاب لفهم اللّغّات الثّقافيّة، والتّرابط بين السّلطة، وتمثيل الآخرين بالنّيابة عنهم، كما كان تأثيره واضحًا أيضًا في جدله تاريخيًّا بالتّحديد حول طبيعة الثّقافة، وتطوّرها في نفس الوقت كشيء، وكأداة لإدارة الحكم.

أمّا التّفاعل بين السّلالة[8]، والثّقافة فقد ظهر موضوعًا مركزيًّا في النّظريّة الثّقافيّة المعاصرة بوصفها نقدًا لأشكال السّلالة في الرّؤية التّقليديّة للنّظريّة الثّقافيّة البريطانيّة ذات العلاقة بفكر وليمس، وطمسن المذكوريْن سابقًا. وهو ما أطلق عليه بول جِلروي[9] الانبهار المرضي بالانتساب إلى العِرق الانجليزي[10] )[11] ومن ثم، أكّد أهمّيّة تجاوز الرّؤية المركزيّة الغربيّة الّتي تفضّل الثّقافة الغربيّة، فدعا إلى اختلاط الثّقافات. فهو، إذن ، يشترك كثيرًا مع رؤية إدوار سعيد المطروحة في كتاب «الاستشراق» 1978 الّذي يبرز أنّ التّصوّرات الغربيّة للثّقافة، والحضارة هي وليدة عمليّة ذهنيّة تتمثّل في تسمية، ونظرة رمزيّة دونيّة إلى الشّرقي.
وأخيرا، فأطروحات الفكر النّسائي قد وسّعت أيضًا في تأثير هامّ في النّظريّة الثّقافيّة الأخيرة. فما هو بارز هنا هو التّفاعل بين الفكر النّسائيّ، والتّحليل النّفسي، ممّا أدّى إلى نقاش واسع حول الطّرق الّتي تكوّن هويّات الجنسين داخل اللّغّات الثّقافيّة، والممارسات الثّقافيّة، فالبحوث الحديثة حول الذّاكرة، والخيال الجامح، والأداء لدى الجنسين تلمّح إلى فروق بينهما.

السّؤال الثّاني: ما هي الجذور الابستمولوجيّة الّتي تشكّل البنى التّحتيّة للنّظريّة الثّقافيّة في الفكر الغربي؟
يجوز القول إنّ الأصول المعرفيّة/ الابستمولوجيّة للنّظريّات الثّقافيّة الغربيّة متأثرة كثيرًا بالرّؤية الوضعيّة[12]، كما يتجلّى ذلك حتّى في رؤية رواد علماء الانثروبولوجيا أنفسهم. فقد قاد بعضُ رواد علم الأنثربولوجيا الهجوم على دراسة الثّقافة؛ لأنّهم ينظرون إليها كشيء مجرّد/ لا مادّي. فتساءلوا : هل الثّقافة شيء حقيقي؟ فطرح أحدُهم السّؤال: هل توجد الثّقافة أصلًا؟ أمّا الآخر فهو يرى أنّ كلمة الثّقافة لا تعبّر عن واقع مجسّد/مادّيّ/ محسوس، بل هي شيء مجرّد ضُبابي للغاية. وأخيرًا، فهي لا تملك وجودًا حقيقيًّا.
ومن ثمّ، فالثّقافة ليست ذات أهمّيّة حتّى تقع دراستها عند هؤلاء. فهذه الرّؤية الأنثروبولوجيّة تطرد، وتُقصي الثّقافة من الأهمّيّة لدراستها، والوقوف عند ثقل تأثيرها على سلوكيّات الأفراد، وحركة المجموعات، والمجتمعات.

يمكن القول إنّ موقف العلوم الاجتماعيّة المعاصرة من اللّغة، والثّقافة، وعلاقتهما متأثرًا بالتّيّار الفكريّ المتمثّل في الوضعيّة[13]. فالوضعيّة كإطار فكريّ تعطي أهمّيّة كبرى إلى العوامل، والمعطيات المادّيّة لفهم، وتفسير سلوكيّات الأفراد، والظّواهر الاجتماعيّة، وفي المقابل ترفض الوضعيّة أصلًا وجود العوامل، والمعطيات غير المادّيّة، وبالتّالي تأثيراتها على السّلوكيّات البشريّة، والظّواهر الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى، تعطي الوضعيّة مكانة قصوى للكمّي، وتنفر من الكيفيّ ممّا جعل، كما ذكرنا، بعض علماء الأنثروبولوجيا يشكّكون حتّى في وجود حقيقيّ للثّقافة باعتبارها ظاهرة لا تخضع إلى منطق المقاييس الكمّيّة المادّيّة.

السّؤال الثّالث: إذا أردنا أن نرصد في دائرة العلوم الإنسانيّة تعريفات الثّقافة، فما هو الفضاء الّذي نجده مطروحًا؟ خاصّة أنّكم تذكرون أنّ قضيّة دراسة الثّقافة في العلوم الإنسانيّة أمر صعب، أو معقّد، فما هو المطروح في هذا المجال في الفكر الأكاديميّ الغربيّ؟
تعدّدت تعريفات علماء الأنثروبولوجيا، والاجتماع لمفهوم الثّقافة. ويشير ذلك إلى أمرين على الأقل:
إمّا أنّ الثّقافة ذات طبيعة يصعب تعريفها بمقاييس العلوم الاجتماعيّة الوضعيّة على الخصوص
وإمّا لأنّ الثّقافة ظاهرة معقّدة في حدّ ذاتها.

نقتصر هنا على ذكر ثلاثة تعريفات من علميّ الأنثروبولوجيا والاجتماع. فأشهر تعريف لمفهوم الثّقافة أتى به عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوار تيلور[14] في نهاية القرن التّاسع عشر. فقد جاء في كتابه الثّقافة البدائية1871[15]، تعريف للثّقافة / الحضارة الّذي يعتبر التّعريف المرجع للعلوم الاجتماعيّة المعاصرة . فالثّقافة عند تيلور هي «ذلك الكلّ المعقّد الّذي يشمل المعرفة، والعقيدة، والفنّ، والتّقاليد، وأي قدرات، وعادات أخرى يتعلّمها الإنسان كعضو في المجتمع». أمّا عالم الأنثروبولوجيا الأميريكيّ لسلي وايت[16] فإنّه يربط مفهوم الثّقافة عند الإنسان بقدرته على إعطاء معانٍ للأشياء. ويسمّى ذلك بالقدرة التّرميزية[17] الّتي تسمح للإنسان بفهم معاني الأشياء، وكذلك خلقها، واستعمالها. ومن ثمّ يعرف وايت الثّقافة باعتبارها تلك القدرة التّرميزيّة عند الإنسان. ويخلص وايت إلى القول بأنّه لا يوجد إنسان بدون ثقافة، ولا توجد ثقافة بدون إنسان. فحسب عالم الأنثروبولوجيا الشّهير ألفرد كروبر[18] فإنّ زملاءه الأمريكيّين الّذين درسوا الثّقافة، وعلاقتها بالشّخصيّة[19] قد فشلوا في إعطاء تعريف نهائي، وواضح لطبيعة الثّقافة. ومن ثمّ فالنّقاش يبقى في رأيه مفتوحًا حول هذا الأمر رغم الدّراسات، والمؤلّفات الّتي قام بها رواد علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيّون أمثال مارجريت ميد[20]، وروث بندكت[21]، وادوارد سابير[22]، ورالف لنتن[23]؛ وابرام كردنر[24]، وفرنزبواس[25].
ولم تقتصر المسألة على غياب تعريف أنثروبولوجي ذي مصداقيّة للثّقافة بل تجاوز الأمر عند البعض إلى تساؤل خطير حول صعوبة دراسة الثّقافة بروح، ومنهجيّة العلم الحديث. فعالم الأنثروبولوجيا راد كليف براون[26] يرى أن ليس للثّقافة حضور مادّيّ بل لها حضور مجرّد جدًّا. ومن ثمّ يتساءل آخرون مثله كيف يمكن أن يوجد علم حول شيء لا يمكن رؤيته؟ إذ لا وجود لعلم ينبني على واقع غير محسوس، وغير مرئي / غير مادّي؟

تتجاوز صعوبة دراسة الثّقافة عند علماء الأنثروبولوجيا تعريفها إلى جوانب أخرى مهمّة. فيتساءلون مثلًا : هل للثّقافة من وجود؟ وأين توجد الثّقافة؟ وقد تنوّعت إجاباتهم على تلك التّساؤلات فقال البعض بأنّها توجد في العقل، وذهب فريق آخر إلى أنّ الثّقافة هي سلوك، وأكّد البعض الآخر بأنّ الثّقافة هي ملمح مجرّد عن السّلوك، ويوجد حتّى من أنكر وجود الثّقافة نفسها، كما ذكرنا.
ويتبيّن من كلّ ذلك أنّ الباحثين يجدون صعوبة في تحديد موضع انبثاق وجود الثّقافة. ويرى عالم الأنثروبولوجيا وايت[27] أنّ الثّقافة توجد على ثلاثة مستويات: توجد الثّقافة في الأعضاء البشريّة كالأفكار، والمشاعر، وغيرها، وفي السّلوكيّات بين الأفراد، وفي الأشياء، وذلك وفقًا لمفهومه للثّقافة باعتبارها تتكوّن من أشياء، وأحداث حقيقيّة قابلة للملاحظة.

أمّا علماء الاجتماع فقد ضيّقوا من معنى مصطلح الثّقافة؛ فأصبحت تعني عندهم ما أطلقوا عليه بالأفكار الرّئيسة للمجتمع، والّتي تشمل عقائد، ورموز، وقيم، وأعراف المجتمع. وهذا التّعريف السّوسيولوجي النّموذجي للثّقافة نجده متداولّا مثلًا في معظم كتب علم الاجتماع الأمريكيّة الموجّهة إلى طلبة الجامعات.
يشير العرض السّابق الموجز لمفهوم الثّقافة خاصّة في علم الأنثروبولوجيا المعاصر بأنّ تعريف هذا المفهوم يبقى غير شفّاف المعالم ، من جهّة، وصامتًا صمتًا شبه كامل، من جهّة أخرى، عمّا نريد أن نسمّيه هنا بالجوانب ا لمتعالية / غير ا لمادّية / الميتافيزيقيّة للعناصر الثّقافيّة، أو ما نطلق عليه نحن بالرّموز الثّقافيّة، وهي اللّغة، والفكر، والعقيدة، والمعرفة /العلم، والقيم، والأعراف الثّقافيّة، والأساطير … ولذا نحن نستعمل مفهوم الرّموز الثّقافيّة كمرادف لمفهوم الثقّافة الواسع الاستعمال في العلوم الاجتماعيّة المعاصرة. فالرّموز الثّقافيّة تمثّل عندنا، وعند أغلبيّة الباحثين في العلوم الاجتماعيّة العناصر الرّئيسة المميّزة للجنس البشري عن بقيّة الأجناس الحيّة الأخرى.

السّؤال الرّابع: تكلّمتم عمّا أسميتموه السّمات المتعالية للثّقافة، ماذا تقصدون بهذا الأمر؟ وما هي مؤشّراته؟
وبالنّظر المتعمّق إلى جوهر طبيعة الرّموز الثّقافيّة عند الجنس البشريّ تبيّن أنّها تتّسم بلمسات غير مادّيّة/ متعالية/ميتافيزيقيّة تجعلها تختلف عن صفات مكوّنات الجسم البشريّ، وعالم المادّة. فهويّة الإنسان هي، إذن، هويّة ثنائيّة: منظومة الرّموز الثّقافيّة، من ناحية، والعناصر العضويّة البيولوجيّة، والفيزيولوجيّة، من ناحية أخرى. وتبقى الرّموز الثّقافيّة هي الطّرف الأبرز، والأكثر حسمًا في تحديد هوّيّة الإنسان، ومن ثمّ سلوكه. ولشرح ما نعنيه باللّمسات المتعالية/الميتافيزيقيّة للرّموز الثّقافيّة، نقتصر هنا على ذ كر خمس منها نعتبرها رئيسة:

ليس للرّموز الثّقافية وزن وحجم كما هو الأمر في المكوّنات البيولوجيّة الفيزيولوجيّة للكائنات الحيّة، وعالم المادّة الجامدة. إنّ فقدان الرّموز الثّقافيّة لعاملي الوزن، والحجـم يبدو أنّه الأساس في تأهّل الرّموز الثّقافيّة للاتّصاف بالأبعاد المتعالية، الأمر الّذي يجعل عالمها مختلفًا عن كلّ من العناصر البيولوجيّة الفيزيولوجيّة، وعالم العناصر المادّيّة.

تتمتّع الرّموز الثّقافيّة بسهولة سرعة انتقالها عبر المكان والزّمان.
لا تتأثّر الرّموز الثّقافيّة بعمليّة النّقصان عندما نعطي منها للآخرين كما هو الأمر في عناصر عالم المادّة.
للرّموز الثّقافيّة قدرة كبيرة على البقاء طويلًا عبر الزّمان في المجتمعات البشريّة، إذ قد يصل مدى بقائها درجة الخلود. فاللّغة، وهي أمّ الرّموز الثّقافية جميعًا، لها قدرة فائقة على تخليد ما يكتب بها. فالفكر البشريّ لا يكتب له الاستمرار، والخلود الكاملان من دون أن تحتضن مضمونه اللّغّات المكتوبة على الخصوص. فما كان لفكر كلٍّ من إخناتون، وسقراط، وأرسطو، وابن رشـد، والغزالي، وابن خلدون، وروسو، وديكارت، وهيوم، وغيرهم من المفكّرين، والعلماء ... أن يتمتّع بمدى حياة طويلة من البقاء بدون تسجيله في حروف، وكلمات اللّغات البشريّة المتنوّعة الّتي تؤهّله لكسب رهان حتّى الخلود. أمّا على مستوى الحفاظ، وتخليد التّراث الجماعيّ للمجموعات البشريّة، فإنّ للغّات دورًا بارزًا بهذا الشًأن. فاللّغّات المكتوبة خاصّة تمكّن المجموعات البشريّة من تسجيل ذاكرتها الجماعيّة، والمحافظة عليها، وتخليدها رغم اندثار وجودها العضويّ، والبيولوجيّ ككائنات حيّة، ورغم تغييرها للمكان، وعيش أجيالها المتلاحقة في عصور غير عصورها . فمحافظة لغة الضّاد محافظة كاملة على النّصّ القرآني خير مثال على مقدرة اللّغة التّخليديّة بالنّسبة لحماية الذّاكرة، والتّراث الجماعيّين من واقع الفناء المتأثّر كثيرًا بعوامل الزّمن، والبيئة، والوجود الجسمي العضويّ البيولوجيّ لذات تلك المجموعات البشريّة.

ولا تقتصر هذه الأبعاد المتعالية/الميتافيزيقيّة للّغة المكتوبة فقط ، بل إنّ الاستعمال الشّفوي للّغة يقترن هو الآخر بدلالات متعالية/ميتافيزيقيّة. أفلا يلجأ البشر من كلّ العقائد، والدّيانات إلى استعمال الكلمة المنطوقة في تأمّلاتهم الكونيّة، وتضرّعاتهم، وابتهالاتهم إلى آلهاتهم، أو إلى أيّ شيء آخر يعتقدون في أزليّته، أو قدسيّته؟ فبانفرادهم بنوعيّة اللّغة البشريّة عن بقيّة الكائنات الحيّة الأخرى، يستطيع أفراد الجنس البشري أن يحرّروا أنفسهم من العراقيل المادّيّة لعالم الأرض المادّي، ويقيموا علاقات، وروابط مع العالم المتعالي/الميتافيزيقي. فبهبة اللّغة البشريّة ينجح بنو البشر في فكّ حصار المشاغل الدّنيويّة، والآنيّة. وهكذا يصبح لقاءهم بالبعد الميتافيزيقيّ في شتّى مظاهره أمرًا لا مفرّ منه ، فهم يرونه في أحلامهم، ويحفل به خيالهم، ويلتقون به من قرب في تجاربهم الدّينيّة، والرّوحيّة.

تملك منظومة الرّموز الثّقافيّة قوّة هائلة تشحن الأفراد، والمجموعات بطاقات كبيرة تمكّن أصحابها من الانتصار على أكبر التّحدّيات بكلّ أصنافها المتعدّدة. فعلى سبيل المثال، قد أثبتت قيم الحرّيّة، والعدالة، والمساواة عبر التّاريخ البشريّ الطّويل على أنّها رموز ثقافيّة قادرة على شحن الأفراد، والمجموعات بطاقات هادرة جبّارة تشبه إلى حدّ ما القوى المتعاليّة/ الماورائيّة الّتي لا يستطيع اعتراض سبيلها أحد. وهذا ما يوحي به قول الشّاعر العربيّ التّونسي أبي القاسم الشّابي:

إذا الشّعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر

فمصدر إرادة الشّعوب الحقيقيّة يكمُن في عالم الرّموز الثّقافيّة. أي عندما يجمع النّاس أمرهم للدّفاع عن الحرّيّة، والمساواة، والعدل، وغيرها من القيم البشريّة.
السّؤال الخامس: هل ما زال موضوع الثّقافة، وتفسيره، والبحث عنه حيويًّا في الفكر الأكاديميّ الغربيّ المعاصر؟ أم أنّ البحث في هذا الموضوع صار ضعيفًا؟ وما هي الأسباب؟
هناك معالم كثيرة تشير إلى اهتمام متزايد بعلم الاجتماع الثّقافي[28] الّذي يختلف عن علم اجتماع الثّقافة[29].

فعلم الاجتماع الثّقافي يعتبر الثّقافة متغيّرًا مستقلًّا[30] في هوّيّة الإنسان، أي أنّها عنصر صلب[31] لا عنصر ليّن[32] يؤدِّي دورًا ذا بال في التّأثير على سلوكيّات الأفراد، والحركيّة الاجتماعيّة للمجتمعات البشريّة. وهكذا، يحتاج المختصّون في العلوم الاجتماعيّة إلى إعطاء الرّموز الثّقافيّة ما يسمّى «البرنامج القوي[33]» لا «البرنامج الضّعيف[34]» في بحوثهم الميدانيّة (الامبريقيّة)، وأطروحتهم النّظريّة. لكن قبل الحديث عن صعود التّوجّه لصالح علم الاجتماع الثّقافيّ، دعنا نعرف حال علم الاجتماع الثّقافيّ قبل ذلك. فعلماء الاجتماع الغربيّون الأوائل المنظّرون حول الثّقافة مثل فيبر، ودوركهايم، وماركس، وبارسنز، وميلز، والشّيوعيون، والفاشيون، وآخرون عُرفوا بأنّهم كانوا أصحاب «برنامج ضعيف» بالنّسبة لأهمّيّة الثّقافة في أعمالهم المنشورة. لقد أعطوا الثّقافة أهمّيّة صغيرة في تحاليلهم السّوسيولوجيّة. كما أنّ المدرسة الفكريّة[35]، وبورديو، وفوكو، ونظريّة إنتاج، واستهلاك الثّقافة لم يقوموا بأفضل من روّاد علماء الاجتماع الغربيّين : أي أنّهم تبنوا كذلك «البرنامج الضّعيف» في دراسة الثّقافة. ولا يزال اتّجاه «البرنامج الضّعيف» هو المهيمن اليوم في الدّراسات السّوسيولوجيّة للثّقافة رغم أنّ اتّجاه «البرنامج القوي» لعلم الاجتماع الثّقافي يَلقى اهتمامًا متزايدًا بين علماء الاجتماع منذ ميلاد ما يسمًى «التّحوّل الثّقافي[36]» في أواخر التّسعينات من القرن الماضي .

هناك إجماع واسع بأنّ عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي كليفرد جيرتس[37] هو الّذي انطلق على يديه «البرنامج القويّ» لدراسة الثّقافة. توجد مسلّمتان لهذا البرنامج تتمثّلان في: 1. استقلاليّة الثّقافة و 2. الثّقافة بوصفها نصًّا للحياة الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى، فالثّقافة هي النّصّ الدّاخليّ(الخفيّ) للحياة الاجتماعيّة.

نجد وصفًا للتّحوّل نحو الاهتمام الكبير بعلم الاجتماع الثّقافي في كتاب:
The New American Cultural Sociology, Phillip Smith Editor,1998 يرى المشرف على جمع فصول هذا الكتاب أنّ الاهتمام بدراسة الثّقافة لقي تطور كثيرًا بحيث أصبح أهمّ مجال داخل علم الاجتماع الأمريكي. يشهد هذا الوعي الصّاعد على كلّ من المدى، والجودة اللّذين يتمتّع بهما العمل الثّقافي المعاصر. وانتشر الاهتمام بعلم الاجتماع الثّقافي إلى القارة العجوز في ما يسمى «الدّراسات الثّقافيّة البريطانيّة[38]»، و«النّظريّة الثّقافيّة الأوروبيّة[39]»، وهما مختلفتان عن علم الاجتماع الثّقافي الأمريكي. فالمهمّ بهذا الصّدد أنّ علم الاجتماع الثّقافي كسب، ويكسب رهان المجال الأكاديميّ في أوروبا، والولايات المتّحدة الأمريكيّة، ومنهما إلى كثير من الجامعات في القارّات الأخرى. فقد أنشأت جامعة يايل في الولايات المتّحدة الأمريكيّة «مركزًا خاصًّا لعلم الاجتماع الثّقافيّ[40]» الّذي ينشر مجلّة عنوانها (علم الاجتماع الثّقافي). أمّا في أوروبا فيدرس علم الاجتماع الثّقافي في جامعة أمستردام في هولندا، وجامعة ستوكهولم في السّويد، ومدرسة الدّراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة[41] في العاصمة الفرنسيّة، ومما يعزّز انتظار صعود انتشار علم الاجتماع الثّقافي في الجامعات هو انتشار العلوم المعرفيّ[42] ذات العلاقة الوثيقة بعلم الاجتماع الثّقافي.

السّؤال السّادس: هل كان للصّراعات السّياسيّة، أو الدّينيّة دور في تحوّل الرّؤية الأكاديميّة حول الثّقافة في الفكر الغربيّ؟
من المؤكّد أنّ تيّار العولمة في العالم قد ساعد على بروز الاهتمام بعامل الثّقافة في فهم، وتفسير ظواهر الصّراعات السّياسيّة، والدّينيّة بين المجتمعات المعاصرة. فلم يعد البحث عن أسباب الصّراعات العسكريّة بين الدّول، والأمم يقتصر على الجوانب المادّيّة مثل تفوّق القوّة العسكريّة لدولة ما على أخرى، وإنّما أصبح ينظر إلى العوامل الثّقافيّة، والدّينيّة كأسباب رئيسة للصّراعات، والحروب بين الدّول، كما تبرز ذلك مؤلّفات عالم السّياسة الأمريكيّ صميويل هنتجتن[43] في تحليلاته لصدام الحضارات[44].

نفضّل هنا استعمال كلمة «الثّقافات»، بدل «الحضارات» في تحليل مسألة الحوار، أو الصّدام بين الأمم، والمجتمعات. إذ إنّ الثّقافات – في نظرنا- هي المؤسّسة للحضارات، وتجلّيّاتها بما فيها القدرة على الحوار، والصّدام مع «الآخر». ما من شكّ أنّ قضيّة حوار/صدام الثّقافات هي اليوم موضوع محوريّ بين الشّعوب. يساعد مفهومنا للرّموز الثّقافيّة على المساهمة في فهم، وتفسير حيثيّات هذا الموضوع:

يسهل الاشتراك، أو التّشابه في منظومة الرّموز الثّقافيّة بين الأمم، والمجتمعات، والجماعات على التّواصل، والحوار بينها. فالاشتراك، أو التّشابه بين تلك التّجمّعات البشريّة في الرّموز الثّقافيّة يعزّز بالتّأكيد من الاستعداد، والتّحمّس، والقدرة على الحوار، والتّفاعل على المستويين الفرديّ، والجماعيّ بين تلك التّجمّعات البشريّة. واللّغة -في تحليلاتنا- هي أمّ الرّموز الثّقافيّة جميعًا. فهي أهمّ عناصر المنظومة الثّقافيّة لفتح أبواب الحوار، والتّواصل بين الأفراد، والمجموعات البشريّة. ومن ثمّ، يمكن القول بأنّ حـوار الثّقافات بين العالم الإسلاميّ، من ناحية، والعالم الغربيّ، من ناحية أخرى، يتطلّب في المقام الأوّل من الطّرفين معرفة لغّات بعضهم البعض. وهذا ما هو شبه مفقود عند الطّرف الغربيّ نخبويًّا وشعبيًّا. وينطبق هذا أكثر على المجتمع الأمريكيّ ليس في فقدانه لمعرفة لغّات العالم الإسلاميّ فحسب، بل أيضًا في عدم معرفته للّغات الأجنبيّة بصفة عامّة. وعلى العكس من ذلك، فإنّ لنخب العالم العربي الإسلاميّ معرفة واسعة، ومتمكّـنة في حالات كثيرة بلغّات المجتمعات الغربيّة المتقدّمة، وفي طليعتها اللّغتان الإنجليزيّة، والفرنسيّة . وبازدياد نسبة التّمدرس منذ استقلال المجتمعات العربيّة الإسلاميّة، فإنّ انتشار تعلّم إحدى هاتين اللّغتين، أو هما معًا، وغيرهما من اللّغّات الغربيّة كالألمانيّة، والإسبانيّة، والرّوسيّة ... أصبح في ازدياد لدى فئات عديدة في تلك المجتمعات. إنّ هذا الواقع اللّغويّ المنتشر يهيّئ بالضّرورة المجتمعات العربيّة الإسلاميّة، ويعزّز عندها هاجس التّفتّح، والحوار مع المجتمعات الغربيّة، وخاصّة الأكثر تقدّمًا. أمّا المجتمعات الغربيّة المتقدّمة فلا يكاد يوجد لديها ما يحفّزها على نطاق شعبيّ واسع على تعلّم ولو لغة واحدة من لغّات العالم العربيّ الإسلاميّ. فهذا الأخير عالم متخلّف لا يجذب الغربيّين لتعلّم لغّاته. ويقتصر الأمر في أغلب الأحيان على تعلّم بعض لغّات العالم العربي الإسلامي لعدد محدود جدًّا من الأفراد من العلماء، والمستشرقين، والدّبلوماسيّين ورجال الأعمال، والاستخبارات، كما تجلّى ذلك في الاهتمام المتزايد عند إدارة بوش الابن في تعلّم اللّغة العربيّة من طرف العاملين بوكالة الاستخبارات الأمريكيّة[45].
وفي ضوء هذه المعطيات، فإنّه لا يمكن الحديث عن المساواة في رغبة الطّرفين الغربيّ، والعربيّ الإسلاميّ فى الحوار. فالهيمنة الغربيّة الحاليّة، وتاريخ الغرب الاستعماري للشّعوب العربيّة الإسلاميّة، وجهل سواد المجتمعات الغربيّة لإحدى لغّات العالم العربيّ الإسلاميّ الكبرى على الأقلّ يضعّف كثيرًا من استعداد، وقدرة تلك المجتمعات على الحوار التّلقائي، والمتحمّس، والواعد مع المجتمعات العربيّة الإسلاميّة.

ومن ثمّ ، فالمجتمعات الغربيّة الحديثة هي أقلّ استعدادًا، ومقدرة لغويًّا، وثقافيًّا على الدّخول في حوار ثقافيّ واسع، ومثمر مع المجتمعات العربيّة، والإسلاميّة. وفي ظلّ ظروف الجهل المتفشّي في العالم الغربي بلغات، وثقافات العالم العربي، والإسلامي، فإنّ الطّرف الغربي هو الأكثر استعدادًا، وترشّحًا للدّخول في صدام مع العالم العربي الإسلامي. وممّا يزيد الطّين بلّة في صدام الثّقافات هو أنّ هيمنة الغرب العالميّة، ومصالحه الكبيرة، والمتنوّعة في العالم العربي، والإسلاميّ تشجع الغرب أكثر على الهجوم على العالم العربي، والإسلامي بدلًا من الحوار معه .


المحور الثّاني: نظريّة الثّقافة الغربية في مرآة النّقد الإسلاميّ:
السّؤال السّابع: ما هي مواطن الخلل الأساس الّتي ترونها في نظريّات الفكر الغربي حول الثّقافة ونظريّتها في الفكر الغربي؟
هناك بالفعل، مثلا، غياب شبه كامل للتّطرّق إلى الطّبيعة المتعالية / الميتافيزيقيّة للرّموز الثّقافيّة لدى علماء الأنثروبولوجيا، والاجتماع المعاصرين. فلا نجد عند القلّة القليلة من هؤلاء إلّا بعض المفردات النّادرة، والغامضة توحي بأنّ الثّقافة هي عنصر بشري متعالٍ على الجانب فوق[46]، أو أسمى منه كما ذهب إلى ذلك كلّ من عالم الاجتماع هربرت سبنسر[47]، وعالم الأنثروبولوجيا ألفريد كروبر[48]، أو هي تلك الأشياء غير البيولوجيّة[49] كما ورد على لسان عالم الأثروبولوجيا إدوارد تيلور[50]، أو هي أشياء تتجاوز جسد الإنسان[51]، كما سماها عالم الأنثروبولوجيا لسلي وايت[52]، أو هي أخيرًا تلك الأشياء الخارجيّة المتجاوزة لبيولوجيا الإنسان[53] كما تبنّى هذا المصطلح البعض من علماء الاجتماع.

إنّ هذه الإشارات القليلة إلى أنّ الثّقافة عنصر بشريّ يتخطّى عضويّة، وبيولوجيا جسد الإنسان تبقى إشارات مبهمة بخصوص دلالات تلك المفردات حول طبيعة جوهر الرّموز الثّقافيّة الّتي يتميّز بها الجنس البشريّ. ولا يتحسّن الأمر أيضًا عندما ينظر بعض علماء الأنثروبولوجيا، والاجتماع إلى الثّقافة بصفتها شيئًا مجرّدًا[54]، أو شيئًا ليس له علاقة بالوجود[55]، وبالقصور العام عن إيضاح معاني تلك المصطلحات جاءت أدبيّات العلوم الاجتماعيّة المعاصرة خالية من أطروحات إيبستيمولوجية تحاول التّعمّق في كنه منظومة الرّموز الثّقافيّة. فكان الرّصيد الفكري الهائل الّذي جمعته العلوم الاجتماعيّة المعاصرة حول الثّقافة رصيدا يكتفي بوصف العناصر الثّقافيّة من دون الحرص على التّعمّق في طبيعة الثّقافة بطرح الأسئلة الإيبستيمولجيّة عن ذات الثّقافة نفسها الّتي أقرّ جلّ علماء الأنثروبولوجيا، والاجتماع بأنّ عالم الثّقافة عالم يختلف عن عالم بيولوجيا الإنسان كما ورد في تلك المفردات السّابقة. وبناء على ذلك فإنّ الثّقافة بوصفها مفهومًا غربيًّا معاصرًا كثير الاستعمال في العلوم الاجتماعيّة على الخصوص، لم يتعامل معها بشفافيّة بالتّصور غير المادّي / المتعالي[56]. وبذلك الإغفال / الغياب لحضور اللّمسات المتعالية / الميتافيزيقيّة في منظومة الرّموز الثّقافيّة تكون العلوم الاجتماعيّة المعاصرة – رغم ادّعائها - بعيدة من الموضوعيّة[57]. إذ تعرّف هذه الأخيرة على أنّها تلك الحال المعرفيّة الّتي تسمح بالتّعرّف إلى الحقيقة في حدّ ذاتها باستقلاليّة كاملة عن عقل الباحث. إنّ صمت العلوم الاجتماعيّة الغربيّة المعاصرة عن اللّمسات المتعالية للرّموز الثّقافيّة ينسف زعم هذه العلوم تبنّيها الموضوعيّة في دراستها للثّقافة.

فحضور المعالم المتعالية حقيقة ذاتيّة في صلب الرّموز الثّقافيّة. إنّ العوامل المختلفة المؤثّرة في عقول الباحثين الغربيّين في العلوم الاجتماعيّة حالت دون قيامهم بتحليلاتهم، ودراساتهم للثّقافة برؤية أيبستيمولوجيّة تعطي مشروعيّة كاملة لحضور اللّمسات المتعالية. أي أنّ الرّصيد الفكري الهائل حول الثّقافة الّذي جمعته تلك العلوم منذ القرن التّاسع عشر لا يمكن أن يتمتّع بمصداقيّة علميّة كما تنادي بذلك تلك العلوم نفسها. لأنّه يغيب، وفي أحسن الأحوال يهمّش حقيقة المعالم المتعالية / الميتافيزيقيّة للرّموز الثّقافيّة. وهو بهذا الاعتبار يقدّم لنا واقعًا منقوصًا للمواصفات الحقيقيّة للرّموز الثّقافيّة. وبالتّالي، فهذا الرّصيد الفكريّ يعكس بقوّة دور آثار العوامل الشّخصيّة، والاجتماعيّة للباحثين الغربيّين في العلوم الاجتماعيّة في تشكيل مفهوم الثّقافة، والتّنظير حولها أكثر من اعتمادهم على الواقع الذّاتي للثّقافة، الأمر الّذي جعل الرّؤية الموضوعيّة للثّقافة هي الضّحيّة.

يبدو لنا أنّ أكبر خلل فكري في التّراث الفكري الغربي حول الثّقافة يتمثّل في صمته الكامل حول سبب وجود الثّقافة نفسها أصلّا بمعالمها المختلفة، والمعقّدة، والمميّزة للجنس البشري. نرى فقدان ذكر اللّغة البشريّة في شكليْها المنطوق، والمكتوب كعامل رئيسٍ في ظهور الثّقافة في شكلها، ومضمونها البشريّين. نعم، فالباحثون الغربيّون في الثّقافة يذكرون اللّغة وسيلةً لنقل الثّقافة عبر الأجيال في المجتمعات، والمجموعات البشريّة ، لكن يسكتون تمامًا عن مصدر ميلاد الثّقافة الّتي يتميّز بها الجنس البشريّ عن بقيّة الكائنات بكلّ أصنافها المتعدّدة الّتي لا تكاد تحصى. اقتصر الباحثون الغربيّون على وصف معالم ظاهرة الثّقافة لدى المجتمعات البدائيّة، والمتحضرة، وصمتوا عن منبع أصل الثّقافة لدى المجتمعات. فالبحث الأساس في ظاهرة الثّقافة بوصفها ميزة بشريّة كان من المفترض منهجيًّا أن يُبحَثَ عن شيء آخر يتميّز به الجنس البشريّ، وإذا وُجد ذلك الشّيء الآخر فيمكن حينئذ طرح فرضيّة وجود علاقة بين الاثنين. نحن نرى أنّ اللّغة البشريّة المنطوقة، والمكتوية هي معلم مميّز بقوّة للجنس البشريّ، ومنه يجوز الاستنتاج باحتمال وجود علاقة ترابط بين اللّغة والثّقافة. ونظرًا لأنّ الأجناس الأخرى ليست لها ثقافات تشبه ثقافة البشر؛ لأنّها فاقدة للّغة البشريّة في شكليْها المنطوق والمكتوب. إذن، فاللّغة البشريّة هي مصدر ميلاد الثّقافة في المجتمعات البشريّة. ومن ثمّ، يُفهم لماذا أنّ أشهر تعريف للثّقافة لعالم الانثروبولوجيا برنارد تايلور[58] لم يذكر اللّغة لا بصفتها عنصرًا من المنظومة الثّقافيّة فقط، وإنّما هي أمّ الثّقافة نفسها. فالخلل هنا يكشف ضعف الجانب النّظريّ في بحوث العلوم الاجتماعيّة بسبب اهتمامها الكبير بالبحوث الميدانيّة الّتي تقتصر على وصف الظّواهر من دون محاولة التّعرف إلى أصولها، ومن ثمّ التّنظير حولها .
وقد وجه أحد علماء الاجتماع نقدًا لاذعًا حيث يرى عالم الاجتماع رشيرد سويدبارغ في كتابه أنّ العمل الجيّد في العلوم الاجتماعيّة يتطلّب ثلاثة أمور: معطيات ميدانيّة متينة، ومهارة في استعمال المناهج، وقدرة جيّدة في التّنظير. يعتقد المؤلّف أنّ العامِلِين في العلوم الاجتماعيّة يتمتّعون عمومًا بتدريب جيّد في الأمريْن الأوّلين، لكنّهم ليسوا كذلك في الأمر الثّالث. ومن أسباب ذلك فقدان، أو ندرة وجود مقرّرات في الجامعات تُدرّس الطلبةَ مسألةَ التّنظير، وحيثيّاتها كما تفعل ذلك في تدريس المناهج، وجمع المعطيات، والإطناب فيه.

السّؤال الثّامن: برأيكم هل يمتلك الفكر الإسلاميّ الأدوات النّظريّة في نقد العناصر، والأبعاد النّظريّة للفكر الغربيّ فيما يخصّ نظريّة الثّقافة؟
يمتلك الفكر الإسلاميّ قدرة نظريّة عالية بخصوص نقد معالم الفكر الغربيّ حول الثّقافة، وذلك بسبب اعتناقه لرؤية معرفيّة /ابستيمولوجيّة تؤمن بوجود العناصر المادّيّة، وغير المادّيّة في الوجود البشريّ.
فقد ذكرنا أنّ علماء الأنثروبولوجيا الغربيّين قد شكّكوا حتّى في وجود الثّقافة نفسها لأنّها ظاهرة غير مادّيّة، أي كيفيّة، وليست كميّة. ومن ثمّ، يتجلّى اهتمام القرآن بالعوامل المنشئة للثّقافة، هذه الظّاهرة البشريّة الكيفيّة. يجوز القول إنّ الفعل «اقرأْ» القرآني الّذي بدأ به نزول الوحي على النّبي العربيّ محمّد؟ص؟ يحمل في صُلب طيّاته شحنة التّأهّل لبناء الثّقافات، والحضارات الإنسانيّة في أشكالها المختلفة عبر العصور منذ الزّمن السّحيق. فإنّ فعل اقرأ يمثّل الرّمز العملاق لميلاد ظاهرة الثّقافة الّتي هي الأساس لتجسّم ما يسمّيه ابن خلدون بظاهرة العمران البشريّ. وبعبارة أخرى، فلا وجود لمعالم العمران البشريّ على الأرض، وفي الفضاء من دون امتلاك الجنس البشريّ لناصية منظومة الثّقافة، وفي طليعتها مهارة القراءة، والكتابة الّتي يتميّز بها الإنسان بسبب أنّ هذا الكائن هو الّذي ينفرد عن بقيّة المخلوقات بظاهرة الثّقافة بالمعنى الإنسانيّ الواسع، والنّاضج، والمعقّد.

السّؤال التّاسع: أنتم لديكم بعض الكتب حول أسلمة العلوم الاجتماعيّة، فما هي رؤيتكم في هذا المجال؟
هناك إجماع في التّراث الفكري الإسلامي حول احتضانه لمعرفتيْ العقل والنّقل، هذا ما نجده في فكر أبرز الفلاسفة، والفقهاء، والعلماء، والمفكّرين المسلمين.

فأسلمة المعرفة هي بالتّأكيد النّمط الشّائع، والأصيل في التّراث الفكريّ الإسلاميّ حتّى مجيء الهيمنة الفكريّة المعرفيّة الغربيّة في العصر الحديث إلى نخب العلماء، والمفكّرين، والمتعلّمين بالمجتمعات العربيّة، والإسلاميّة. فكانت النّتيجة واضحة في تأثّر هؤلاء العلماء، والمفكّرين، والمتعلّمين تأثّرًا كبيرًا في عهد الاستعمار الغربي لبلدانهم وبعده بأخلاقيّات المنظور الغربي المعاصر الّذي يعتمد أساسًا على العقل الأداتيّ البراغماتيّ فقط في كسب رهان المعرفة. وبالتّوازي مع الهيمنة الغربيّة سياسيًّا واقتصاديًّا، وعلميًّا، وثقافيًّا منذ عصر النّهضة تمّت عولمة هذا المنظور الغربيّ للعلم، والمعرفة في أغلب مجتمعات العالم بما فيها المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. فمعظم علماء الاجتماع العرب، على سبيل المثال، يتبنّون اليوم ذلك المنظور الغربيّ الّذي يفصل بقوّة بين المعرفة العقليّة، والمعرفة النّقليّة الوحيانيّة. وهم بالتّالي يعارضون فكرة أسلمة المعرفة، أو تأسيس علم الاجتماع الإسلامي.

يمكن للمرء أن يحاجج بإطناب أغلبيّة علماء الاجتماع العرب في هذا الأمر لكي يشكّك على الأقلّ في أسس نكرانهم لمشروعيّة قبول وجود علم الاجتماع الإسلامي كفرع معرفيّ، ذي مصداقيّة في فهم، وتفسير شؤون الأفراد، والمجتمعات البشريّة. نقتصر على ذكر، ومناقشة ثلاثة معالم ذات علاقة بمدى مشروعيّة إنشاء علم الاجتماع الإسلاميّ. أوّلًا: لا يجوز على المستوى النّظري إقصاءُ الإسلام من إمكانيّة إنشاء علم الاجتماع الإسلامي. إذ إنّ للعقيدة الإسلاميّة بكلّ تأكيد رؤية شاملة، وتفصيليّة حول الإنسان، وسلوكيّاته، من ناحية، وحول المجتمع كنسق اجتماعيّ متكامل، من ناحية ثانية. ومن ثمّ، فالإسلام مؤهّل مثله مثل الرّأسماليّة، أو الاشتراكيّة لتأسيس علوم اجتماعيّة تتماشى مع رؤيته للفرد، والمجتمع اللّذين يعتبران الرّكيزتين الرّئيستين لنشأة علم العمران البشريّ الخلدونيّ، أو علم الاجتماع.

ثانيا: لقد نجح ابن خلدون في اكتشاف علمه الجديد (علم العمران البشريّ)، وإرساء أسسه عبر الملاحظات الميدانيّة، والمفاهيم، والنّظريّات الجديدة الّتي توصّل إليها من خلال دراسته لمكوّنات المجتمعات العربيّة الإسلاميّة في المغرب العربي على الخصوص. لقد أنجز ذلك التّفكير الاجتماعيّ الرّائد من دون أن يفصل بين معرفته العقليّة، ومعرفته النّقليّة في تحليله، وفهمه، وتفسيره لشؤون الأفراد، والمجتمعات. و يصدّق القول بأنّ النّشأة الأولى لعلم الاجتماع – كفرع/ كتخصص علميّ مستقلّ وناضج – كانت نشأة إسلاميّة الطّبيعة. فهناك إجماع قوي في الشّرق، والغرب أنّ ابن خلدون العلّامة المسلم المؤسّس الأوّل في تاريخ البشريّة جمعاء لفكر اجتماعيّ/ سوسيولوجي (علم العمران البشريّ) قبل قرون من ميلاد أوغيست كونت[59] في فرنسا. يتحدّث ابن خلدون نفسه عن الجذور الإسلاميّة لعلمه الجديد «وأنت إذا تأملتَ كلامنا في فصل الدّول والملك، وأعطيته حقّه من التّصفّح، والتّفهّم، عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات، وتفصيل إجمالها مستوفى بيّنا بأوعب بيان، وأوضح دليل وبرها، أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبدان». ويؤكّد المؤلّف مصطفى الشكعة أنّ نظريّة العمران عند ابن خلدون هي إسلاميّة الطّبيعة من البداية إلى النّهاية، إنّ نشأة علم العمران الخلدوني انطلاقًا من مرجعيّة ثقافيّة إسلاميّة، يعطي مشروعيّة كبيرة للمناداة، والعمل على أسلمة العلوم الاجتماعيّة في العالمين العربي والإسلاميّ.

وفي الواقع إنّها لمفارقة تدعو إلى التّعجّب، والدّهشة أن ينكر الكثيرون من علماء الاجتماع العرب، وغيرهم في الشّرق، والغرب قدرة الفكر الإسلامي على إنشاء علم الاجتماع الإسلامي والحال، كما رأينا، أنّ ميلاد علم العمران البشري/ علم الاجتماع كتخصص علميّ مستقلّ بذاته تمَّ أوّلًا وبالذّات في أرض، وثقافة إسلاميّة من طرف العلّامة المسلم عبد الرّحمان ابن خلدون الّذي اعتمد تفكيره العمراني الجديد على نور العقل، وهداية النّقل، كما أكّدنا ذلك في مؤلفاتنا.
ثالثا: إنّ النّجاح الباهر الّذي حقّقه العقل الخلدوني –الجامع بين العقل والنّقل- في ميلاد ووضع الحجر الأساس لعلم العمران/ علم الاجتماع الجديد يطرح أسئلة فيها الكثير من التّحدّي لمسلَّمات، وقناعات العقل العلميّ الغربيّ الحديث. فهذا الأخير يعتقد، ويدّعي أنّ كسب رهان العلم الحقيقيّ، والمعرفة الأصيلة، والصّحيحة لا يمكن تحقيقهما إذا لم يقع الفصل الكامل بين الدّين والعلم. لكنّ الشّهرة العالميّة لفكر ابن خلدون العمرانيّ/ السوسيولوجيّ ذي الأرضيّة الإسلاميّة كما نجده في مقدّمته يفنّد مسلّمات، واعتقاد العقل الغربيّ الحديث بالنّسبة للعلاقة بين الدّين والعلم. فهما ليسا بالضّرورة دائمًا في حال تناقض، وعداء كما هو الأمر في الثّقافة الغربيّة المعاصرة. وإنّما هما قد ينعمان بالتّعاون، والانسجام كما عرفت ذلك الثّقافة العربيّة، والإسلاميّة عند أبرز علمائها، ومفكّريها وفي طليعتهم ابن خلدون. ومن ثمّ ينبغي فهم إدّعاءات العقل الغربيّ المعاصر انطلاقًا من التّجربة الغربيّة المتصارعة الخاصّة بين الكنيسة، من ناحية، والعلماء والمثقّفين، من ناحية أخرى.

فليس من الموضوعيّة، إذن، تعميم هذه التّجربة الغربيّة على تجارب ديانات، وثقافات أخرى مع علمائها، ومثقّفيها. فالعقل المسلم لصاحب المقدّمة يطرح بالتّأكيد تحديًّا جوهريًّا على ادّعاءات العقل الغربي المعاصر، ومن ثمّ يفتح الباب عريضا للعلماء، والمفكّرين في كلّ الثّقافات للبحث عن أكثر من طريق، ودرب من أجل إنشاء، وإرساء علوم، ومعارف صلبة العود، والمصداقيّة في ما يسمّيه العالم البريطاني سنو[60] بالثّقافتين[61].
السّؤال العاشر: في خصوص الأبحاث الحقليّة لا فقط النّظريّة، هل يمكن لنا أن نعطي تفسيرًا جديدًا لقضيّة البحث السّوسيولوجي انطلاقًا من العلوم الاجتماعيّة في موضوع الثّقافة على ضوء النّظريّة الإسلاميّة للثّقافة؟ وبعبارة أخرى بناء على أسلمة البحث السوسيولوجي هل يتأثر البحث الحقلي/الميداني بذلك؟

تتمثّل البحوث الحقليّة في القيام بملاحظة الأشياء، والظّواهر ثمّ وصفها بطرق مختلفة تجعلها معروفة معرفة وافية لدى من يطّلع على وصفها الكامل. وهذا نشاط بحثي تعزّزه الرّؤية الإسلاميّة للبحوث الميدانيّة؛ لأنّها تحرص على كسب رهان الواقع الّذي ينجح في تشخيصه الوصف ُالشّامل، والدّقيق لمعالم الثّقافات، والحضارات، وما يوجد على الأرض، وفي الفضاء القريب، والبعيد. لكن المنظور الإسلامي للبحث في العلوم الاجتماعيّة، والإنسانيّة لا يكتفي بمجرّد الوصف مهما كانت تفاصيله كاملة ودقيقة حول الجوانب الكمّيّة للأشياء، والظّواهر، بل هو يطمح إلى معرفة معالمها الكيفيّة الخفيّة عن مؤشرات الوصف الكمّي الجاف. تمثل معرفة الجوانب الكيفيّة عمق المعرفة البشريّة، وعمودها الفقري.

المحور الثّالث: موضوعات مستحدثة في الثّقافة
السّؤال الحادي عشر: بناء على ما تفضّلتم به من نظريّة البعد الثّالث، ما هي الموضوعات الجديدة الّتي يمكن أن يتمّ ابتكارها للبحث في الثّقافة لم تكن موجودة في البحث الثّقافي في العلوم الاجتماعيّة الغربيّة؟
بعد العودة في أواخر الثّمانينات 1988 إلى أرض الوطن تونس عقب الدّراسة، والتّدريس في أمريكا الشّماليّة، وغيرها من البلدان في آسيا وإفريقيا، بدأتْ مسيرتنا البحثيّة الفكريّة السّاعية إلى رغبة جدّية في بدء محاولة فهم طبيعة الإنسان، وحركيّة المجتمعات البشريّة من منظور العلوم الاجتماعيّة الّتي نتخصّص فيها. فتبَّنينا في خطّة تفكيرنا في هذا الموضوع الخطوات التّالية:
طرحَ علينا هاجسُ فضولنا المعرفيّ بعض الأسئلة البحثيّة، والفكريّة حول إمكانيّة إرساء إطار فكريّ (بردايم) منبثق من تخصّصنا في علميّ الاجتماع، والنّفس لفهم، وتفسير سلوكيّات النّاس، وحركيّة المجتمعات، والحضارات البشريّة. فقلنا بكثير من الثّقة ردًّا على ذلك الطّرح: هذا الأمر ليس بالمستحيل.

ثمّ ألقينا السّؤال المنهجيَّ التّالي: أين ينبغي علينا الشّروع في سبر ألغاز هذا الموضوع؟ فكان الرّدّ على ذلك الاستفسار في العبارات التّالية: علينا البدء أوّلًا في تحديد المواصفات الخاصّة الّتي يتميّز بها الجنس البشري عن غيره من الأجناس الأخرى. لأنّنا اعتقدنا، ورأينا أنّ العثور على تلك المواصفات يضع مسيرة بحثنا في المربّع الأوّل الصّحيح باعتبار أنّ تلك المواصفات المُميّزة للبشر ترشّحها بقوّة لكي تكون عوامل حاسمة لصيقة، ومباشرة للتّمكين من الفهم، والتّفسير لسلوكيّات الأفراد، وحركيّة الجماعات، والمجتمعات، والحضارات الإنسانيّة.
وجدنا أنّ ما نسمّيه البعد الثّالث في الإنسان، أو منظومة الرّموز الثّقافيّة (اللّغة والمعرفة/ العلم، والفكر، والدّيانات، والقوانين، والقيم، والأعراف الثّقافية) هي تلك المواصفات الّتي يتميّز بها الإنسان عن بقيّة الكائنات. جاء ميلاد مفهوم البعد الثّالث للإنسان عندنا حصيلة لاعتبار أنّ هوّيّة الإنسان تتكوّن من ثلاثة معالم وهي: الجسد، والرّوح، والبعد الثّالث للإنسان.

ومن المناسب القول إنّ مصطلح البعد الثّالث للإنسان مصطلح جديد لا يُعرف استعماله من قبل. فالبعد الثّنائي لهوّيّة الإنسان هو الشّائع الاستعمال في القديم، والحديث، والمتمثّل في أنّ الإنسان جسد، وروح. وقد ذهب الفيلسوف هربرت مركوزا إلى وصف إنسان المجتمعات الغربيّة في السّتّينات من القرن العشرين بأنّه إنسان ذو بعد واحد[62] وهو الإفراط في الاستهلاك.
وبناء على ما ذُكر، تبيّن لنا أنّ التّعمّق في دراسة البعد الثّالث هو مربط الفرس للفهم، والتّفسير في دنيا الإنسان، والمجتمع البشري. ونتيجة لذلك أصبحت معظم كتاباتنا تتأثّر قليلًا، أو كثيرًا بمقولة نظريّتنا القائلة إنّ الإنسان هو الكائن ذو البعد الثّالث، وفي طليعتها كتابينا بالعربيّة، والانجليزيّة الصّادرين أخيرًا حول الإنسان الكائن الثّلاثي في تونس، والولايات المتّحدة الأمريكيّة.

وعند تساؤلنا عن أيّ عنصر من عناصر البعد الثّالث المذكورة الّذي يملك الدّور الأوّل، والحاسم في ميلاد بقيّة العناصر الأخرى للبعد الثّالث للإنسان، اتّضح لنا أنّ اللّغة البشريّة هي العامل القوي الحاسم، والفريد الّذي أدّى إلى ميلاد، وتجسد بقيّة تلك العناصر من منظومة الرّموز الثّقافيّة للبعد الثّالث عند الجنس البشريّ. لذا، وصفتنا اللّغة بأنّها أمّ الرّموز الثّقافية جميعًا في البعد الثّالث الأمر الّذي يعطي مشروعيّة لتسمية الإنسان: كائنا ذا البعد الثّالث اللّغويّ الثّقافي بالطّبع. أي أنّه ليس بالكائن النّاطق فحسب، كما وصفه الفلاسفة، والمفكّرون القدماء، وحتّى المعاصرون، بل هو أيضا في الوقت نفسه كائن يلبس دائمًا بطريقة حتميّة كسوة البعد الثّالث للإنسان.. وبناء على ما سبق يجوز تلخيص دور اللّغة المتميّز في ولادة البعد الثّالث للإنسان في العبارة الكوجيتيّة: أستعمل لغة، إذن، فأنا إنسان. أي أنّ بني البشر يكسبون هويّتهم الإنسانيّة بواسطة هبة اللّغة في شكليْها المنطوق، والمكتوب.
هناك بالتّأكيد مشروعيّة كبيرة هنا لطرح سؤال محوريّ يصبّ في صميم الاهتمام بفهم الإنسان، هذا المخلوق الفريد. إنّه سؤال يتطلّبه ما يسمّى في دنيا العلوم بالبحث الأساس[63] في طبيعة الأشياء. وسؤالنا هو: هل الإنسان فعلًا كائن ثقافيّ الطّبع؟
إنّ الإجابة الشّافية على ذلك قد تحتاج إلى آلاف الكلمات في مقال، أو دراسة، أو كتاب، أو حتّى إلى عديد المجلدات. ويمكن للمرء أن يتبنّى، مثلًا، منظور الفلسفة، أو رؤية العلوم الاجتماعيّة أو هما معًا لكي يكتب أطروحة متماسكة في هذا الموضوع. فنحن نعرف كم سال حبر أقلام الفلاسفة، والمفكّرين الاجتماعيّين على الخصوص من جميع الحضارات، وفي كلّ العصور حول مقولة مشابهة تتمثّل في: أنّ الإنسان مدنيّ/ اجتماعيّ الطّبع. ومن جهّتنا، فنحن نعتقد أنّه ليس من الضّروري الإطناب في النّقاش، والجدال في جوهر الحجج المؤكّدة لمركزيّة المنظومة الثّقافية/ البعد الثّالث للإنسان في طبيعة هوّيّة الإنسان.

القيام به في طرح أفكار، وصياغة حجج نظريّة، وميدانيّة. ولبلوغ ذلك نعتمد على الجمع بين العلوم الاجتماعيّة، من ناحية، والعلوم الطّبيعيّة، من ناحية أخرى. إذ يصعب التّعمّق في فهم طبيعة الإنسان في غياب أي من هذه العلوم. فلا يجوز علميًّا تحليل ذات الإنسان، وأسرار عمق كينونته بدون الحديث عن العوامل البيولجيّة، والفيزيولجيّة/ الجسميّة عند الإنسان. كما لا تقبل محاولة فهم هذا الأخير بتهميش، أو التّرك جانبًا أهمّ ما يميّز الجنس البشري بطريقة فاصلة، وحاسمة عن بقيّة الأجناس الحيّة الأخرى، وهي منظومة البعد الثّالث للإنسان. وللإجابة عن السّؤال أعلاه نقول نعم: إنّ الإنسان هو فعلًا كائن ثقافيّ الطّبع قبل أن يكون اجتماعيَّ الطّبع.

يستند هذا القول على ملاحظات رئيسة حول خمسة معالم ينفرد بها الجنس البشري عن غيره من الأجناس الحيّة الأخرى:
1. يتّصف النّمو الجسمي لأفراد الجنس البشري ببطء شديد مقارنة بسرعة النّموّ الجسدي الّذي نجده عند بقيّة الكائنات الحيّة الأخرى.
2. يتمتّع أفراد الجنس البشري عمومًا بعُمْر (سِنّ) أطول من أعمار معظم أفراد الأجناس الأخرى.
3. ينفرد الجنس البشريّ بتأدية دور السّيادة/الخلافة على وجه ألأرض، وما فوقها، وما تحتها، وما فيها بدون منافسة حقيقيّة له من طرف باقي الأجناس الأخرى.
4. وكما ذ كرنا من قبل ، يتميّز الجنس البشريّ بطريقة فاصلة، وحاسمة عن الأجناس الأخرى بمنظومة البعد الثّالث للإنسان.
5. يختصّ أفراد الجنس البشريّ بهويّة ثلاثيّة الأبعاد تتكوّن من الجانب الجسديّ، والرّوح (بثّ الحياة في الجسد)، والبعد الثّالث للإنسان.

إنّ التّساؤل المشروع الآن هو: هل من علاقة بين تلك المعالم الخمسة الّتي يتميّز بها الإنسان؟
أوّلًا : هناك علاقة مباشرة بين المعلمين 1 و 2 . إذ إنّ النّموّ الجسميّ البطيء عند أفراد الجنس البشري يؤدّي بالضّرورة إلى حاجتهم إلى معدل سن أطول يمكنهم من تحقيق مراحل النّموّ، والنّضج المختلفة، والمتعدّدة المستويات. فالعلاقة بين الاثنين هي، إذّا، من نوع العلاقة السّببيّة.

ثانيًا : أمّا الهوّيّة الثّلاثيّة الأبعاد الّتي يتّصف بها الإنسان؛ فإنّها أيضًا ذات علاقة مباشرة بالعنصر الجسديّ، والرّوح، والعنصر الثّقافي/ البعد الثّالث للإنسان.

ثالثًا: عند البحث عن علاقة سيادة الجنس البشريّ في هذا العالم بالمعالم الأربعة الأخرى، فإنّ المعلمين 1 و 2 لا يؤهّلانه، على مستوى القوّة المادّيّة، لكسب رهان السّيادة على بقيّة الأجناس الحيّة، إذ الإنسان أضعف جسديًّا من العديد من الكائنات الحيّة الأخرى. ومن ثمّ، يمكن الاستنتاج بأنّ سيادة الجنس البشريّ ذات علاقة قوّيّة، وربّما مباشرة بالمعلمين5 و4 : الهوّيّة الثّلاثيّة الأبعاد، والرّموز الثّقافيّة. والعنصر المشترك بين هذين المعلمين هو منظومة البعد الثّالث للإنسان. وهذا ما يسمح بواقعيّة كبيرة بترشيح منظومة الرّموز الثّقافيّة للعب الدّور المركزي، والحاسم في تمكين الإنسان وحده من السّيادة/الخلافة الكاملة، والمطلقة في هذا العالم.

رابعًا: إنّ البعد الثّالث للإنسان يسمح أيضًا بتفسير المعلمين 1 و 2. وهو ما تجده العامّة، والخاصّة أمرًا شديد الغرابة، وباعثًا على الدّهشة والحيرة. فالنّموّ الجسمي البطيء عند الإنسان يمكن إرجاعه إلى كون أنّ كامل عمليّة النّموّ عنده تشمل جبهتين: الجبهة الجسميّة، والجبهة الرّمزيّة الثّقافيّة المتمثّلة في البعد الثّالث للإنسان. وهذا خلافًا للنّموّ الجسديّ السّريع عند الكائنات الأخرى بسبب اقتصاره على جبهة واحدة )الجسد(، وبالتّالي فقدانها لمنظومة الرّموز الثّقافيّة بمعناها البشريّ الرّحب، والمعقّد. وبعبارة أخرى، فعلى مستوى التّفكير العقليّ، والمنطقيّ يتطلّب النّمو البشري على جبهتين مدّة أطول لاكتمال عمليّة النّموّ على مستوى كلّ من الجبهتين؛ أي يجوز القول إنّ مسيرة النّموّ على جبهة الجسد عند الطفل تعطّلها عمليّة نموّ بعض عناصر جبهة منظومة الرّموز الثّقافيّة، كاللّغة مثلا. واللّافت للنّظر بهذا الصّدد أنّ بلوغ النّموّ الجسدي أوج نضجه يتمّ حوالي سن الخامسة والعشرين، بينما نضج عمليّة التّفكير، بوصفه عنصرًا من منظومة الرّموز الثّقافيّة، لا يتمّ إلّا بعد ذلك السّنّ بأكثر من عقد، وعادة بعد سنّ الأربعين. أي كأنّ الانتهاء من عمليّة نضج دورة النّموّ الجسديّ عند الإنسان يفتح لاحقًا الباب واسعًا أمام عمليّة النّموّ الكامل على مستوى عناصر منظومة الرّموز الثّقافيّة. وهكذا تتّضح أهمّيّة منظور الجبهتين في تفسير طبيعة مميّزات الجنس البشري عن الأجناس الأخرى في عدّة مجالات. إنّ الكشف عن أسرار، وخفايا الطّبيعة البشريّة قد يبدو عجيبًا للوهلة الأولى لدى العامّة، والخاصّة لكن بعد هذا التّحليل التّفسيريّ قد تصبح مقبولة كحقائق تطمئن لها معظم قلوب، وعقول النّاس.

--------------------------------------------------
[1]. culture
[2]. basic personality
[3]. Raymond Williams
[4]. E.P. Thomson
[5]. Louis Althusser
[6]. Antonio Gramsci
[7]. Michel Foucault
[8]. race
[9]. Paul Gilroy
[10]. Englishness
[11]. انظر كتابه: Ain’t No Black in the Union Jack ,1987.
[12]. positivism
[13]. positivism
[14]. Edward B.Tylor
[15]. primitive culture
[16]. Leslie White
[17]. ability to symbol
[18]. Alfred Kroeber
[19]. culture and personality
[20]. Margaret Mead
[21]. Ruth Bendict
[22]. Edward Sapir
[23]. Ralph Linton
[24]. Abram Kardiner
[25]. Franz Boas
[26]. Radcliffe-Brown
[27]. White
[28]. cultural sociology
[29]. sociology of culture
[30]. independent variable
[31]. hard
[32]. soft
[33]. strong program
[34]. weak program
[35]. Birmingham School
[36]. cultural turn
[37]. Clifford Geertz
[38]. British cultural studies
[39]. the European cultural theory
[40]. Center for Cultural Sociology
[41]. EHESS : Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales.
[42]. cognitive sciences
[43]. Sammuel Huntington
[44]. The Clash of Civilizations
[45]. CIA
[46]. superorganic
[47]. Herbert Spencer
[48]. Alfred Kroeber
[49]. nonbiological things
[50]. Edward B.Tylor
[51]. extrasomatic things
[52]. Leslie White
[53]. external supra-biological things
[54]. abstraction
[55]. Culture has no ontological reality.
[56]. transcendental
[57]. objectivity
[58]. Bernard Tylor
[59]. August Comte
[60]. C. P. Snow
[61]. The Two Cultures
[62]. one- dimensional man
[63]. basic research