الباحث : ادارة التحرير
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 38
السنة : ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث : 687
معلومات النشر:
اسم الكتاب: مدخل إلى علم اجتماع المخيال
المؤلّف: فالنتينا غراسي
النّاشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات
مكان النّشر: بيروت
سنة النّشر: 2018
عدد الصفحات: 144 صفحة
مقدمة
مالت النّزعة العلمويّة الوضعيّة في السّوسيولوجيا إلى التّحليل الكمّيّ للظّواهر الكبرى مثل المؤسّسات، الطّبقات الاجتماعيّة، الهوّيّات، والمكانة الاجتماعيّة، وغيرها، يستحضر هذا الكتاب الجدل القائم بين علم اجتماع علمويّ كمّي، وعلم اجتماع علمويّ يقوم على الملاحظة بالمشاركة، والأخذ في الاعتبار مبدأ الذّاتيّة، ولكن هذا الكتاب ليس عرضًا لسيرة تاريخيّة، ولا هو تأويل نقديّ لعلم اجتماع ما بعد الحداثة، لكنّه يسعى إلى عرض رؤية نظريّة، ومعرفيّة تتصوّر الكاتبة أنّها مفيدة للباحثين.
الفصل الأوّل: المخيال
يُعدّ مفهوم المخيال من المفاهيم الكاشفة، والأساس في العلوم الإنسانيّة، إذ يحتلُّ موقعًا مركزيًا سواء في أفكار عدد كبير من المفكّرين، أو في تطوّر البحوث التّجريبيّة. فالعديد من الباحثين الميدانيّين يختارون لموضوعات دراساتهم جوانب محدّدة من المخيال الاجتماعيّ، بينما يواجه آخرون تحدّيات في تطبيق المؤشّرات المنهجيّة المرتبطة بهذا المفهوم. ولذا فإنّ دراسة المخيال تتطلّب إلمامًا واسعًا بأعمال جيلبير دوران، أحد أبرز المنظّرين لهذا المفهوم.
في القرن العشرين، أعادت تيّارات فكريّة مختلفة النّظر في مقولة المخيال من منظور يتجاوز الاختزال العقلاني، فطرحت تصوّرات جديدة تعتبر المخيال نسقًا حركيًّا من الصّور الّتي تكتسب معناها عبر تفاعلها الدّاخليّ. ويؤكّد دوران ذلك بقوله «المخيال هو الظّهور التّمثيليّ اّلذي لا مفرّ منه، وهو القدرة على التّرميز الّتي تولّد باستمرار كلّ الهواجس، والآمال، ومظاهرها الثّقافيّة، منذ ظهور الإنسان المنتصب على وجه الأرض قبل مليون ونصف المليون سنة.»
المخيال، بطبيعته النّسقيّة، يتضمّن مجموعة من الرّموز الّتي رغم عدم تقنينها، تتفاعل فيما بينها، بحيث يتّضح كلّ رمز من خلال حضوره إلى جانب الرّموز الأخرى. ويمكن الحديث عن نوع من التّوافق المعياريّ للتّمثّلات المخياليّة، يتّسم بدرجة من الثّبات النّسبيّ، ويتمحور حول ترسيمات أصيلة تُشكّل بنيات، وشكلًا مميّزًا.
ويُنتج التّبادل القائم داخل المخيال بين الدّوافع الذّاتيّة، والتّصوّرات المتماثلة من جهّة، والاستدعاءات الموضوعيّة المنبثقة من المجالين الكونيّ، والاجتماعيّ من جهّة أخرى، ما يُعرف بـ المسار الأنثروبولوجيّ.
وفي هذا السّياق، لا بدّ من التّذكير بأنّ العداء التّاريخيّ للصّورة ظلّ قائمًا حتّى القرن الثّامن عشر، سواء من خلال النّزعة الإمبريقيّة، أو عبر الفلسفة الكانطيّة التي اعتبرت الميتافيزيقا مجالًا خارج نطاق المعرفة الممكنة. وقد استمرّ هذا العداء في القرن التّاسع عشر من خلال الفلسفة الوضعيّة، وفلسفات التّاريخ والعلمويّة، الّتي سعت إلى القضاء على الأسطورة، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى أسطورة بحدّ ذاتها: أسطورة التقدّم الّتي رافقت علمنة الدّين، وصاغت لاهوتًا جديدًا للحداثة.
إلّا أنّ الرّوح العلميّة الجديدة، خصوصًا مع نظريّات النّسبيّة، أقرّت بعدم إمكانيّة الموضوعيّة المطلقة، إذ أصبح الموضوع مرتبطًا بالنّظام الّذي يُفصح عنه، وبزاوية نظر الملاحظ. وهذا التّحوّل شكّل فتحًا فكريًّا أعاد وصل العلوم الإنسانيّة بالفكر العلميّ.
وفي هذا الإطار، لم يعد المقدّس مجرّد لحظة في تاريخ الوعي، بل أصبح جزءًا بنيويًّا من هذا الوعي ذاته. وعندما يُستدعى حدث أسطوريّ، لا يكون ذلك مجرّد تكرار فارغ، بل أقرب إلى حركة حلزونيّة حيث تلتفّ الدّوائر على نفسها بشكل أوسع، كما وصفها إلياده في حديثه عن «أسطورة العود الأبديّ.»
إنّ المخيال ينشأ من التّفاعل بين الذّاتيّة، والمجال الموضوعيّ، ويتجلّى هذا في بنية رمزيّة تُمثّل بعدًا أنثروبولوجيًّا، وثقافيًّا مشتركًا. وقد أشار إميل دوركهايم بوضوح إلى ضرورة التّعامل مع الوقائع الاجتماعيّة كأشياء، ممّا يبرز انتماءه للمنهج الوضعي، خاصّة من النّاحية المنهجيّة.
رغم ذلك، فإنّنا نجد في علم الاجتماع الألماني خلال القرن التّاسع عشر، تحت تأثير فينومينولوجيا هوسرل، ميلًا نحو ليونة منهجيّة، واهتمامًا بالبعد العاطفيّ، واللّاعقلانيّ للحياة الاجتماعيّة. فقد رأى ماكس فيبر، على سبيل المثال، أنّ الأفكار العقلانيّة تُدرَك من الخارج، بينما المقدّس يُعاش من داخل الجماعة، وأولى اهتمامًا خاصًّا بالأصل العاطفيّ المشترك للأفكار كافّة.
أمّا التّفكير الإمبريقي، لا سيّما القائم على أسس رياضيّة، فيرفض من حيث المبدأ كلّ تأمّل يبحث عن معنى عامّ لما يجري في العالم. ورغم تنامي الاهتمام بالمخيال، فإنّ منهجيّة دراسته في علم الاجتماع المعاصر ما زالت غير مكتملة، ومفتوحة على محاور نظريّة، وتطبيقيّة متعدّدة، ومعقّدة.
وتُصنّف المنهجيّة المعتمدة غالبًا باعتبارها نوعًا من النّزعة الحدسيّة ذات طابع كيفيّ، لا تُفرض معاييرها بصورة صارمة. وهذا ما يمنحها مرونة تجعلها قادرة على احتواء تعدّديّة التّمثّلات، والرّموز.
إنّ المخيال ليس مجرّد حقل جديد في السّوسيولوجيا، بل هو زاوية نظر مغايرة تمنحنا فهمًا أعمق لدلالات الواقع الاجتماعيّ كما يعيشه الأفراد. وهو حاضر بقوّة في مجالات متعدّدة كالدّين، والفنّ، والاتّصال، والحياة اليوميّة، ما يجعله عنصرًا بنيويًّا في تحليل الظّواهر الاجتماعيّة المعاصرة.
الفصل الثّاني: علم الاجتماع الفهمي والظّاهراتيّة الاجتماعيّة
في سياق تطوّر العلوم الاجتماعيّة، برزت المقاربة الفهميّة كاتّجاه منهجي يرفض تفسير الظّواهر الاجتماعيّة اعتمادًا على علل ميكانيكيّة، وقوانين سببيّة صارمة. هذه المقاربة جاءت في تعارض صريح مع النّزعة الوضعيّة الّتي سادت منذ القرن التّاسع عشر، ولا تزال تؤثّر على جزء كبير من العلوم الإنسانيّة، حيث سعت هذه الأخيرة إلى فرض منطقها العقلانيّ، وتهميش التّيّارات الّتي تعتمد مناهج كيفيّة، وتفسيريّة.
ضمن هذا الإطار، ساهمت أعمال ألفرد شوتز في ترسيخ علم الاجتماع الفهميّ، مستندًا إلى إرث ماكس فيبر، ومنفتحًا على الفينومينولوجيا الهوسرليّة، الّتي تضع المعنى في قلب كلّ عمليّة تحليليّة. فبدلًا من تفسير الظّواهر الاجتماعيّة عبر نماذج سببيّة، تسعى الفينومينولوجيا إلى سبر أعماق الظّواهر كما تظهر في الوعي، من خلال وصف كيفيّة تشكّلها، ودلالاتها بالنّسبة إلى الأفراد.
وقد بيّن فيبر أنّ موضوع علم الاجتماع هو السّلوك الاجتماعيّ بوصفه حاملًا للمعنى، أي ذلك السّلوك الّذي يكتسب دلالته من التّوجيه الذّاتي الّذي يمنحه إيّاه الفاعل. من هنا، تصبح مهمّة عالم الاجتماع بناء نماذج مثاليّة تساعد في تفسير الأفعال المتكرّرة ضمن السّياقات الاجتماعيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار مقاصد الفاعلين، واتّجاهاتهم.
أمّا شوتز، فقد مضى خطوة أبعد في هذا الاتّجاه، وعمّق الصّلة بين علم الاجتماع، والفينومينولوجيا، مؤكّدًا أنّ الواقع الاجتماعي ليس شيئًا معطى بشكل موضوعيّ، بل يتكوّن من خلال تفاعلات الأفراد، والمعاني الّتي ينسبونها إلى أفعالهم. وقد طوّر في هذا السّياق نظريّة «النّمذجة التّنميطيّة»، حيث يرى أن تفاعل الأفراد يتم عبر أنماط متكرّرة يتوقّع فيها كلّ شخص سلوك الآخر ضمن إطار مشترك من التّصنيفات، والتّوقّعات.
هذا التّصوّر يجعل من التّجربة اليوميّة مادّة أساسًا في التّحليل السّوسيولوجي الفهمي، إذ إنّ اللّقاءات العابرة، الإيماءات، الحوارات، ووقائع الشّارع كلّها تُشكّل النّسيج الحيّ الّذي تُبنى عليه الأدوار الاجتماعيّة، والمعايير، والمواقف. لذلك فإنّ إدراك تجربة الآخر في لحظتها الحيّة يُعدّ أساسًا لكلّ معرفة، وفهم سوسيولوجي.
يرى علم الاجتماع الفهميّ أنّ الثّقافة ليست كيانًا موضوعيًّا يمكن دراسته من الخارج، بل هي، من وجهة نظر الإنسان، قطعة من الواقع أُضفي عليها المعنى داخل صيرورة كونيّة مفتوحة، وغير قابلة للإحاطة الكلّيّة. وكلّ معرفة ثقافيّة تنطلق بالضّرورة من وجهة نظر ذاتيّة، لأنّ الفاعلين الاجتماعيّين هم من يمنحون العالم معناه عبر تجربتهم الحيّة.
وبناءً على ذلك، لا يظهر الدّمج الاجتماعي حالًا ثابتة، بل حركة مستمرّة تتجدّد بلا توقّف، تنعقد، وتنحلّ بين الأفراد وفق مصالح متغيّرة، واعية، أو غير واعية، لحظيّة، أو مستدامة. هذه الدّيناميّة تخلق وحدة اجتماعيّة لا عبر قوانين خارجيّة مفروضة، بل من خلال تفاعلات غنيّة، ومعقدة تتوّلد عن المعنى المشترك.
لقد أفضت هذه التّحوّلات في المقاربات إلى شرخ إبستمولوجي واضح داخل العلوم الاجتماعيّة: من جهّة، تيّار عقلاني وضعي يصرّ على إخضاع الظّواهر لقوانين ميكانيكيّة عامّة؛ ومن جهّة أخرى، تيّار فهمي يعترف بتعقيد التّجربة الإنسانيّة، ويركّز على المعنى، والسّياق والذّاتيّة. وهذا الشّرخ لا يزال قائمًا حتّى اليوم، بل يزداد وضوحًا في ظلّ الجدل المستمرّ بين المقاربات الماكرويّة، والميكرويّة، والبينيّة، والفرديّة، والوضعيّة، والتّأويليّة.
وفي هذا السّياق، يُنظر إلى علم الاجتماع الفهميّ، بحسب العديد من الباحثين، أداةً فعّالة لتحليل الحياة اليوميّة، ومخيالها، لما يوفره من قدرة على التقاط التّفاصيل الدّقيقة الّتي تشكّل نسيج الواقع الاجتماعيّ، بعيدًا من التّجريدات الكبرى الّتي قد تغفل عن نبض الحياة كما تُعاش، وتُفهم من الدّاخل.
الفصل الثّالث: سوسيولوجيا الحياة اليوميّة
انطلق التّأمّل السوسيولوجي في أنماط المعرفة من فرضيّة محوريّة مفادها أنّ الحسّ المشترك، والمعرفة العامّة العادية يشكّلان الأساس الّذي تنهض عليه الظّواهر الاجتماعيّة. فعبر هذه البنية المعرفيّة الأوّليّة، يتفاعل الأفراد مع العالم، ويفهمون محيطهم، ويضفون المعنى على تجاربهم اليوميّة.
وانطلاقًا من هذا التّصوّر، فإنّ كلّ سوسيولوجيا تطمح إلى دراسة الحياة اليوميّة، وفهم عمقها الرّمزيّ، والمعيشيّ، تجد نفسها مدعوّة إلى تبنّي موقف منهجي قائم على المشاركة والفهم؛ أي الإنصات إلى ما يحمل معنى بالنّسبة إلى الفاعلين الاجتماعيّين أنفسهم، لا من خارج التّجربة بل من داخلها، من خلال عيشها، ومرافقتها.
في هذا السّياق، تبرز فكرة أنّ الطّاقة الحركيّة للأفكار لا تتأتّى من بعدها العقلاني فقط، بل من بعدها الأسطوري. فكلّ فكرة تكتسب بعدًا أسطوريًّا تصبح قادرة على إثارة الحماسة، وتحفيز المشروعات، وتوليد إمكانيّات الإنجاز الفعليّ. وهذا ما يفسّر الرّسوخ اللّافت لبعض الظّواهر الجماعيّة مثل المهرجانات الشّعبيّة، التّجمّعات الموسيقيّة، دوائر البيئة، والتّغذية الطّبيعيّة، والجماعات الدّينيّة غير التّقليديّة؛ إذ لا يمكن فصل هذه التّجليات عن العالم التّخيّلي الّذي يعيد إنتاج البعد الطّقوسي للأسطورة في الحياة الجماعيّة المعاصرة.
وعلى مستوى الكتابة السوسيولوجيّة نفسها، تُظهر هذه المقاربة أسلوبًا يتخلّى عن النّزعة التّقريرّيّة الجافّة لصالح لغة استعاريّة تعدّديّة، رشيقة، ومتفاعلة مع ذاتها، بحيث تنخرط الكتابة في بناء موضوعها بقدر ما تصفه. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الخطاب الإيحائيّ، أو اللّغة المجازيّة مجرّد أدوات بلاغيّة، بل باعتبارها انعكاسًا لأسلوب المعرفة العامّيّة، الّتي هي بحدّ ذاتها موضوع الدّراسة.
وبدلًا من التّمسّك بالموضوعيّة الصّارمة كمعيار منهجيّ، تتقدّم ذاتيّة الباحث بوصفها أداة أساسًا لفهم الحقول المعيشة، إذ تنبع المعرفة من الانخراط الحيّ في الواقع لا من مراقبته من علٍ. من هنا، يظهر الخلاف الكامن بين أنموذجين سوسيولوجيّين: علم اجتماع كمّي ماكرو يطلب الحياد، والقياس، وعلم اجتماع كيفيّ ميكرو يطلب الانخراط والفهم. هذا التّوتر ليس مجرد مسألة تقنيّة، بل هو اختلاف في فلسفة المعرفة ذاتها، وفي طبيعة العلاقة بين الباحث والواقع.
ملاحظات نقدية
الإفراط في تعظيم دور «المخيال»: على الرّغم من أهمّيّة المخيال كأداة تحليليّة لفهم الرّموز، والأساطير، والدّيناميّات الثّقافيّة، والاجتماعيّة، إلّا أنّ الكتاب يميل إلى تضخيم دوره بوصفه مفتاحًا لفهم كلّ شيء تقريبًا: من التّاريخ، إلى الدّين، إلى الحياة اليوميّة. هذا التّوسيع المفرط قد يؤدّي إلى تمييع المفهوم، وفقدان دقّته التّحليليّة، ويجعله أشبه بـ«عدسة شموليّة» تُحمّل بتفسيرات تتجاوز قدرتها التّفسيريّة الفعليّة.
المقدّس كمكون بنيوي: يتعامل الكتاب مع المقدّس كما لو كان عنصرًا ثابتًا في بنية الوعي، وهي مقاربة قد تُتّهم بالحتميّة الرّمزيّة. إذ يُفترض أنّ المقدّس ليس دائمًا حاضرًا في كلّ وعي أو مجتمع، بل يتفاوت حضوره، وتفسيره بحسب السّياقات الثّقافيّة، والدّينيّة، والتّاريخيّة. وبالتّالي، فإنّ إضفاء طابع الكونيّة عليه يمكن أن يفتح المجال لنقد من منطلقات أنثروبولوجيّة، أو تفكيكيّة.
التّعميمات الثّقافيّة: رغم حديثه عن الرّموز والتّمثّلات، لا يُظهر النّصّ حساسيّة كافية اتّجاه التّنوّع الثّقافي للمخيال، بل يميل إلى تعميمات واسعة تستند غالبًا إلى مرجعيات غربيّة (كانط، الوضعيّة، فيبر، دركهايم، إلياده...)، دون الانفتاح الجاد على المخيالات الأخرى غير الغربيّة، أو التّفكير النّقدي فيما إذا كان النّموذج التّحليلي هذا صالحًا لقراءتها.
خلط المفاهيم بين الفلسفة والأنثروبولوجيا والسّوسيولوجيا: النّصّ يمزج بين مفاهيم فلسفيّة (كانط، إلياده)، ومفاهيم سوسيولوجيّة (دوركهايم، فيبر)، وأنثروبولوجيّة (المقدّس، الأسطورة) دون وضوح في الحدود المفهوميّة، أو الإبستمولوجيّة بينها. هذا الدّمج قد يثري المحتوى، لكنّه يحتاج إلى تدقيق أكبر لتفادي التّناقضات، أو التّبسيط في الانتقال بين الحقول المعرفيّة المختلفة.
الانحياز إلى الطّابع الحدسي والكيفي: ينتصر النّصّ للمنهج الحدسي، والكيفي من دون أن يناقش بشكلٍ نقديّ نقاط الضّعف الّتي قد تترتّب على غياب الضّبط المنهجي، مثل الذّاتيّة المفرطة، أو صعوبة اختبار الفرضيّات. كما لا يعرض بدائل منهجيّة، أو جهودًا حديثة لتقنين دراسة المخيال بطريقة تزاوج بين الكيفيّ، والكميّ.
قصور في معالجة السّياقات المعاصرة: رغم الإشارة إلى أهمّيّة المخيال في الواقع الاجتماعي المعاصر، يغيب عن الكتاب تحليل واضح لكيفيّة تجلّي المخيال في سياقات مثل الإعلام الرّقميّ، الذّكاء الاصطناعي، أو الثّقافة الشّعبيّة المعولمة. وهذا يُضعف صلة المفهوم بتحدّيات اللّحظة الرّاهنة، ويُبقيه في مستوى تنظيري أقرب إلى التّأمّلات العامّة.
رغم أنّ الكتاب يُظهر وعيًا واضحًا بالقطيعة المعرفيّة بين المقاربتين الفهميّة، والسّببيّة، إلّا أنّه يُبالغ أحيانًا في تسييج علم الاجتماع الفهمي ضمن أفق الذّاتيّة، وكأنّ كلّ محاولة لفهم الظّواهر يجب أن تنطلق حصرًا من وعي الفاعلين، ومعانيهم الخاصّة. هذا التّصوّر قد يُنتج قراءة تُعاني من النّزعة التّفسيريّة الذّاتويّة، ويُغفل أنّ كثيرًا من الممارسات الاجتماعيّة يعاد إنتاجها أيضًا عبر بنى لا-شخصيّة، وأنّ «المعنى» نفسه لا يتشكّل فقط في لحظة الوعي الفرديّ، بل في شبكات أوسع من الخطاب، والسّياق الثّقافي.
ينحو الكتاب إلى تغليب البعد المعنويّ على البعد البنيويّ، وكأنّ كلّ بنية اجتماعيّة ما هي إلّا نتاج للمعنى الّذي يخلقه الأفراد. بمعنى آخر، المعنى ليس وحده فاعلًا في تشكيل الاجتماع، بل هناك أيضًا صراعات، مصالح، قوى رمزيّة، ومادّيّة، تعمل بمعزل عن إدراك الأفراد لها.
الكتاب يقدّم مساهمة مهمّة في تجديد الممارسة السّوسيولوجيّة، من خلال إعادة الاعتبار للمعرفة العامّيّة، والحسّ المشترك بوصفهما منبعًا لفهم الظّواهر الاجتماعيّة. كما يُلفت النّظر إلى أنّ البُنى المعرفيّة غير العقلانيّة، مثل الأسطورة، والطّقس، والخيال الجماعي، لا تزال تهيكل الحياة الاجتماعيّة حتّى في أكثر تجلّيّاتها حداثة. هذه المقاربة تسعى إلى تجاوز ضيق المفهوم الكلاسيكي للعلم، وترفع من قيمة اللّغة الإيحائيّة، والاستعارة بوصفها وسائط حقيقيّة للمعنى. كما تضع الباحث في موقع الفاعل المشارك لا المُلاحظ الخارجيّ، ما يعزّز من أصالة الملاحظة، ومن حيويّة العلاقة بين الذّات والموضوع.
إنّ المقاربة المعروضة تُعدّ رافدًا مهمًّا في تطوير السّوسيولوجيا الكيفيّة، والتّأويليّة، وتُسهم في إعادة الاعتبار للمعنى، والأسطورة، والذّاتيّة. لكنّها تحتاج إلى موازنة دقيقة بين ثراء المعنى، وصرامة التّحليل، بين الانخراط في المعيش، والحذر المنهجيّ، وبين الاحتفاء بالخيال، والتّفكير النّقدي في شروطه الاجتماعيّة، والسّياسيّة.