الباحث : ادارة التحرير
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 38
السنة : ربيع 2025م / 1446هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 15 / 2025
عدد زيارات البحث : 620
معلومات النشر:
اسم الكتاب: ثقافة الحركات الاجتماعيّة الجديدة
المؤلّف: سيد فارس
النّاشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات
مكان النّشر: بيروت
سنة النّشر: 2023
عدد الصّفحات: 376 صفحة
توطئة
شهدت العلوم الاجتماعيّة في العقود الأخيرة من القرن العشرين نقلة ثقافيّة عميقة، تركت أثرًا بالغًا في منهجيّات دراسة السّياسة، والحركات الاجتماعيّة. فقد تحوّل اهتمام الباحثين من التّركيز الحصريّ على الأبعاد الاقتصاديّة، والطّبقيّة، والعرقيّة إلى استكشاف الأبعاد الثّقافيّة الّتي تؤطّر السّلوك السّياسيّ، والاجتماعيّ، حيث باتت الثّقافة تُعدّ مدخلًا أساسًا لفهم ديناميكيّات الفعل الاجتماعيّ، والاحتجاجيّ.
في هذا السّياق، لم تعدّ الحركات الاجتماعيّة معنيّة فقط بقضايا تقليديّة كالطّبقة، أو السّلالة، أو الصّراع السّياسيّ المباشر، بل أصبحت تنطلق من أسس ثقافيّة تعكس رؤاها، وتوجّهاتها، وتمنحها أدوات جديدة للاحتجاج، والتّأثير. إذ تستفيد هذه الحركات من الثّقافة السّائدة بوصفها مصدرًا غنيًّا للأفكار، والرّموز، والشّعارات، والممارسات، وتُعيد توظيف هذه العناصر لبناء مسارات فعلها، وصياغة رؤاها، ومطالبها، بل وتشكّل من خلالها ثقافة فرعيّة داخليّة تعزّز التّماسك، والالتزام بين أعضائها، وتضمن استمراريّة الحركة، وبقائها، وتؤثّر في استراتيجيّاتها التّنظيميّة، والتّعبويّة.
إنّ هذه الثّقافة الفرعيّة لا تقتصر على تمايز رمزيّ، أو لغويّ، بل تؤدِّي دورًا حاسمًا في تشكيل هوّيّة جمعيّة للحركة، تدعم قدرتها على التّجنيد، وجذب المناصرين، وتحديد تكتيكاتها، ومساراتها النّضاليّة. ويلجأ أفراد الحركة إلى هذه الذّخيرة الثّقافيّة المشبعة بالمعاني، والدّلالات، للتّعبير عن شعورهم بالظّلم، والغبن، وغالبًا ما تُغني هذه الرّموز عن الخطابات المباشرة، فتصبح أداة لتمثيل المظالم، وصياغة البدائل.
من هذا المنطلق، يساعد التّركيز على البعد الثّقافي في دراسة الحركات الاجتماعيّة على ربط هذه الحركات بأنماط الحياة اليوميّة، والسّلوكيّات الاعتياديّة، ويكشف كيف تصبح الاحتجاجات، والمطالب الاجتماعيّة امتدادًا طبيعيًّا للتّجارب المعاشة. وهكذا، لا تُفهم الحركات الاجتماعيّة فقط ككيانات سياسيّة، أو أدوات ضغط، بل بوصفها ظواهر ثقافيّة تعبّر عن تحوّلات المجتمع، وتفاعلاته المستمرّة مع واقعه، ومصيره.
الفصل الأوّل: انتروبولوجيا الحركات الاجتماعيّة: النّقلة الثّقافيّة
بحوث الحركات الاجتماعيّة، وأنثروبولوجيّتها تشهد نقلة ثقافيّة، إنّها تتّخذ من مفهوم الثّقافة منطلقًا، وتتسلّط على رصد سمات ثقافة الحركة، كالذّكريات الجمعيّة، والحكايات، والتّأطير، والهويّة الجمعيّة، والهابيتوس. وتحقّق هذه النّقلة تحريرًا للانتروبولوجيا العربيّة على وجه الخصوص من ربقة المنظور البنائي، وذلك عن طريق التّركيز على تصوّرات أعضاء الحركة العاديّين، وتطلّعاتهم، وما يصدر عنهم من أفعال، إضافة إلى بحث الذّكريات الجمعيّة، والفرديّة، والدّلالة الانفعاليّة للشّعارات، والشّعائر، ودور الشّبكات الاجتماعيّة في التّجنيد. وتحقّق النّقلة الثّقافيّة مزيدًا من الواقعيّة الاثنوغرافيّة، وصدق التّمثيل الاثنوغرافي عن طريق التّغلغل في تعقيدات ثقافة الحركة الاجتماعيّة، ودوافع أعضائها، وانفعالاتهم.
يسود في الأنثروبولوجيا السّياسيّة تصوّر يرى أنّ الشّعوب تُسحق تحت وطأة قوّة الدّولة، وهو ما يدفع الأنثروبولوجيّين إلى توجيه اهتمامهم نحو دراسة الطّرق الّتي يقاوم بها الأفراد هذه السّلطة، سواء كانت هذه المقاومة عنيفة، أو غير عنيفة. ومن هنا، برزت نظريّة تأطير الحركة الاجتماعيّة الّتي تركّز على كيفيّة قيام الفاعلين الاجتماعيّين بصياغة المعنى، واستعماله، حيث يجري تأطير الأحداث، والأفكار بهدف تعبئة الأنصار المحتملين، وكسب تأييد المتفرّجين، إضافة إلى تقويض الجهود التّعبويّة الّتي يقوم بها الخصوم.
وفي هذا السّياق، أصبح من الضّروري دراسة البيئة الثّقافيّة الّتي تنشأ فيها الحركات الاجتماعيّة، إذ تؤثّر هذه البيئة بشكل مباشر في طبيعة الفعل الجمعيّ، واتّجاهاته. فالحركات الاجتماعيّة لا تتبلور في فراغ، بل تتجلّى ثقافتها من خلال عناصر متعدّدة، مثل الهوّيّة الجمعيّة، والرّموز، والخطاب العامّ، إضافة إلى السّرديّات، والبلاغة الّتي تستخدمها لتبرير مطالبها، واستقطاب المناصرين. وتؤدِّي الثّقافة دورًا أساسًا في هذه العمليّة، حيث تسهم في تحديد الهوّّيّة المشتركة بين الأفراد، وتعزيز التّضامن بينهم، ودفعهم إلى اتّخاذ خطوات فعليّة للتّعبئة. كما أنّ الحركات الاجتماعيّة لا تقتصر على استهلاك الثّقافة السّائدة، بل تسهم أيضًا في إنتاج موارد ثقافيّة جديدة، مثل الهويّات، والأيديولوجيّات الّتي يعاد إنتاجها بصورة متكرّرة، وهو ما يؤدّي بدوره إلى ظهور أنواع جديدة من الحركات الاجتماعيّة.
عند النّظر في تكيّف الثّقافة داخل الحركات الاجتماعيّة، يتّضح أنّها لا تعتمد فقط على العناصر الثّقافيّة المتاحة، بل تعمل على إعادة تشكيل الرّموز، والقيم، والمعاني لتناسب أهدافها الخاصّة. ويتمّ غرس هذه العناصر في الثّقافة السّائدة من خلال عمليّات المأسسة، والتّكرار المستمر، ممّا يساعد الحركات على ترسيخ، وجودها، واكتساب الشّرعيّة في المجتمع. ويؤدّي البعد الثّقافي دورًا جوهريًّا في مراحل مختلفة من تطوّر الحركات الاجتماعيّة، لا سيّما في تشكّل الهوّيّة الجمعيّة، وتأطير الاهتمامات، وصياغة المبادئ المثاليّة، وابتكار الشّعارات، والخطابات الاحتجاجيّة. وهكذا، تتحوّل الثّقافة إلى مورد استراتيجيّ يمكن استغلاله لتعزيز قوّة الحركات الاجتماعيّة، ممّا يجعلها قادرة على حشد المناصرين بشكل أكثر فاعليّة.
في نظريّة الحركة الاجتماعيّة الجديدة، يتمّ التّركيز على الثّقافة بصفتها مكوّنًا أساسًا يحدّد مضمون الأيديولوجية الّتي تتبنّاها الحركات، إضافة إلى الاهتمامات الّتي تحفّز النّاشطين، وتحرّكهم. فالميدان الّذي تتركز فيه أنشطة الحركات ليس فقط المصالح المادّيّة، والتّوزيع الاقتصادي، بل يمتدّ ليشمل التّصوّرات الثّقافيّة، والمعايير، والهويّات الّتي تشكّل جوهر الحركة. ومن هذا المنطلق، تعدّ الثّقافة عنصرًا مميّزًا للبيئة الّتي تنشأ فيها الحركة، حيث توجه تطوّرها، وتحدّد السّلوكيّات المقبولة، والمشروعة داخلها.
وفي إطار العلاقة بين الثّقافة، والاحتجاج السّياسيّ، تنبثق رموز، وقيم، وأطر جديدة يمكن أن تتحوّل إلى أدوات فعّالة للحشد، والتّعبئة. وغالبًا ما تبرز هذه الظّواهر خلال أوقات الأزمات، حيث يجري استغلال الشّفرات، والرّموز البديلة لإضفاء طابع جديد على الجدل السّياسي. وتتمّ إعادة تأطير الثّقافة، وتكييفها من خلال وسائل متعدّدة، مثل الخطاب العام، والاتصال المقنع، والرّموز السياسيّة، والأيقونات، حيث تُستخدم هذه الأدوات للتّأثير على الرّأي العام، وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعيّ حول القضايا المطروحة.
تؤدّي الثّقافة دورًا مهمًّا في تشكيل أنشطة الحركات الاجتماعيّة من خلال ثلاث آليّات رئيسة. أوّلًا، يتمّ التّعامل مع الثّقافة باعتبارها صندوق أدوات، حيث يستخدم المحتجون العناصر الثّقافيّة المتاحة بشكل استراتيجي لخدمة أهدافهم. ثانيًا، يتمّ النّظر إلى الثّقافة على أنّها صيغة معرفيّة، إذ تغرس في أذهان الأفراد القيم المشتركة الّتي توجّه أفعالهم. ثالثًا، يتمّ التّعامل مع الثّقافة بوصفها موهبة عفويّة، حيث تؤثّر على سلوك المحتجّين، ونشاطهم بطرق غير مقصودة. وتسعى الحركات الاجتماعيّة إلى توظيف هذه الأبعاد الثّقافية في محاولاتها لاجتذاب الأنصار، وكسب المشروعيّة أمام الجمهور العام.
يرتبط استقلال الثّقافة داخل الحركات الاجتماعيّة بظهور عوالم ثقافيّة متميّزة، مثل ثقافة التّضامن، والجماعات الفرعيّة المقاومة، والشّبكات السّريّة، والبنى الثّقافية غير الرّسميّة الّتي تعمل على تعطيل هيمنة الخطاب السّائد. وتشترك هذه العوامل في التّركيز على الأفكار، والمعتقدات الجمعيّة الّتي تؤدّي إلى تشكيل أطر احتجاجيّة متميّزة تحرّك الجماعات، وتدفعها نحو التّغيير. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الحركات الاجتماعيّة بوصفها فضاءات لإنتاج بدائل ثقافيّة تتحدّى النّماذج السّائدة، وتسهم في إعادة تشكيل المشهد الاجتماعيّ، والسّياسيّ.
تمرّ الحركات الاجتماعيّة بمراحل مختلفة يؤثّر فيها البعد الثّقافي بشكل كبير. فخلال مرحلة الاختمار الاجتماعيّ، يبدأ الوعي بالمظالم المشتركة في التّبلور داخل المجتمع. وفي مرحلة الإثارة الشّعبيّة، يتحوّل هذا الوعي إلى موجات من التّفاعل الجماهيريّ. أمّا مرحلة التّشكيل، فتشهد تنظيم الحركة، وبناء هياكلها الدّاخليّة، وصولًا إلى مرحلة المأسسة، حيث تصبح الحركة جزءًا من النّظام الاجتماعيّ العام. وفي السّياق المعاصر، يعاد تصنيف هذه المراحل إلى: النّشوء، التّكتّل، اكتساب الطّابع البيروقراطيّ، والانحسار. وقد لاحظ الباحثون أنّ الحركات الاجتماعيّة يمكن أن تتراجع لأسباب متعدّدة، منها الإخفاق التّنظيمي، أو الاستيعاب داخل حركات أكبر، أو القمع السّياسيّ، أو الاندماج في البنية الاجتماعيّة الأوسع.
من الأهمّيّة بمكان عند دراسة الحركات الاجتماعيّة ألا يقتصر التّركيز على الأبعاد السّياسيّة، والخطابيّة الصّريحة، بل يجب أيضًا النّظر في الدّيناميكيّات الثّقافيّة الخفيّة، مثل الثّقافات الفرعيّة الّتي تتبنّاها الحركات، وأثرها في تشكيل هوّيّة الأفراد المشاركين. ومن هذا المنطلق، يطرح أنثروبولوجيو ما بعد الحداثة تصوّرًا مرنًا للثّقافة، حيث يؤكّدون أنّها ليست كيانًا موحّدًا وثابتًا، بل عمليّة تفاوضيّة دائمة التّغير. وهذا المنظور يتيح فهمًا أكثر تعقيدًا للحركات الاجتماعيّة، حيث يتمّ تحليلها ليس فقط ككيانات سياسيّة، بل أيضًا كظواهر ثقافيّة تتغيّر باستمرار.
تشكّل الثّقافة إطارًا إدراكيًّا للأفراد، حيث تزودهم بالمفاهيم، والأدوات الّتي تساعدهم على تفسير العالم، والتّفاعل معه. كما أنّها تؤثّر على الفعل الجمعيّ عبر ثلاث آليات رئيسة، حيث تعمل كأداة لحلّ المشكلات، وكصيغة معرفيّة تحدّد أنماط التّفكير، وكإطار بديهيّ يوجّه السّلوك من دون وعي مباشر. وعلى الجانب الآخر، قد تحاول السّلطات استغلال الرّموز الثّقافيّة بشكل استراتيجيّ لنزع الشّرعيّة عن الحركات الاجتماعيّة، وتقويض جهودها في الحشد، والتّعبئة.
في ظلّ هذه التّحوّلات، تشهد أبحاث الحركات الاجتماعيّة تحوّلًا ثقافيًّا متزايدًا، حيث أصبح التّركيز على الثّقافة الحركيّة جزءًا أساسًا من الدّراسات الحديثة. وتبرز في هذا السّياق مفاهيم مثل الذّكريات الجمعيّة، والسّرديّات، والتّأطير، والهوّيّة الجمعيّة، إضافة إلى دراسة الشّبكات الاجتماعيّة، ودورها في التّجنيد. ويتيح هذا التّحوّل التّحرّر من المنظور البنائيّ التّقليديّ، ممّا يسمح بفهم أعمق للدّوافع، والانفعالات الّتي تحرّك أعضاء الحركات الاجتماعيّة. كما أنّه يعزّز من واقعيّة الدّراسات الإثنوغرافية، حيث يتمّ التّغلغل في تعقيدات الثّقافة الحركيّة، وتحليل تأثيرها على الأفراد، والمجتمعات.
في الختام، يمكن القول إنّ الثّقافة ليست مجرّد عنصر مكمل في الحركات الاجتماعيّة، بل هي محور أساس يحدّد هويّتها، واستراتيجياتها، ويسهم في تطوّرها، أو تراجعها. ومن خلال تحليل البعد الثّقافي، يمكن الوصول إلى فهم أشمل، وأعمق للحركات الاجتماعيّة، وديناميكيّاتها الدّاخليّة، والعوامل الّتي تؤثّر على مسارها، وتفاعلها مع المجتمع.
الفصل الثّاني: الحركات الاجتماعيّة الجديدة: الأطر النّظريّة، والمفاهيميّة
تُعدّ النّظريّة إطارًا تفسيريًّا يتكوّن من نسق من الافتراضات المنظّمة، والمستمدّة من الملاحظة، وهي تسهم في توجيه البحث الإمبريقي.
يُتيح نموذج الحركات الاجتماعيّة الجديدة إطارًا إرشاديًّا لتحليل كلّ من العناصر الخارجيّة الكبرى (الماكرو)، والعناصر الدّاخليّة الصّغرى (الميكرو). فعلى مستوى الماكرو، يركّز هذا النّموذج على العلاقة بين نشوء الحركات الاجتماعيّة المعاصرة، والبنية الاقتصاديّة الأشمل، مع إبراز دور الثّقافة في تشكيل هذه الحركات. أمّا على مستوى الميكرو، فيُعنى بكيفيّة تسرّب قضايا الهوّيّة، والسّلوك الشّخصي إلى داخل الحركات الاجتماعيّة.
لا تنحصر أهداف الحركات الاجتماعيّة الجديدة في الدّولة فحسب، بل تمتدّ إلى المجتمع المدنيّ، بخاصّة المؤسّسات الّتي تضطلع بنقل الرّموز، والشّفرات الثّقافيّة، مثل المدارس، والأسر، والمؤسّسات الدّينيّة، والقطاع الطّبّيّ.
يرى بعض الباحثين أنّ هذه الحركات تمثّل تعبيرًا عن تحوّلات مرحلة ما بعد المادّيّة.
وتتّسم الحركات الاجتماعيّة الجديدة بالتّركيز على قضايا الهوّيّة الشّخصيّة أكثر من انشغالها بإعادة توزيع الثّروة، أو القوّة. وتُعطي أفعالها طابعًا رمزيًّا، وتعبيريًّا، أكثر من كونها أفعالًا أداتيّة، أو استراتيجيّة.
كما تتميّز هذه الحركات بأيديولوجيّات، وبُنى تنظيميّة، واستراتيجيّات، وأهداف، وتكتيكات، وعضويّة تختلف بوضوح عن تلك الّتي عرفتها الحركات الاجتماعيّة التّقليديّة.
أبرز هذه سمات الحركات الاجتماعيّة الجديدة:
الأيديولوجيا: يتمثّل العامل الرّئيس المميّز للحركات الاجتماعيّة الجديدة في وجهة نظرها الأيديولوجيّة، ومن هذا الاختلاف تنحدر جميع الاختلافات الأخرى تشدّد الحركات الاجتماعيّة الجديدة على نوعيّة الحياة، ومسائل أسلوب الحياة تتجذّر الحركات الاجتماعيّة الجديدة في القيم ما بعد المادّيّة.
ومن السّمات الأيديولوجيّة الّتي تعتنقها هذه الحركات بصورة مشتركة، رغم أنّ أهدافها مختلفة، ومتنوّعة، ميلها إلى أن تكون مشاركاتيّة، وتوقها إلى تجنّب ظهور نخب بيروقراطيّة داخل تنظيماتها الخاصّة.
تفضّل حركات كثيرة منها الفعل الرّاديكالي لتحقيق أهدافها. وتفضّل هذه الحركات تظاهرات الشّارع، والاعتصامات (احتلال المتظاهرين أماكن عامّة، ورفض مغادرتها)، واحتلال أماكن معيّنة، واستعمال درجة معيّنة من العنف، وذلك بدلًا من أنشطة جماعة الضّغط الرّوتينيّة.
الأهداف: تشجّع الحركات الاجتماعيّة الجديدة أعضاءها على الانخراط في تغيّرات تتعلّق بأسلوب الحياة.
الأساس الاجتماعي، الأعضاء: تتّسم الحركات الاجتماعيّة الجديدة بجمهور مترابط بصورة فضفاضة، وغير متجانس، ويسهل أن يتمدّد خارج الحدود القوميّة. الحركات الاجتماعيّة الجديدة لا تتحدّد، وتعرف بحدود طبقيّة، ولكنّها تتّسم باهتمام مشترك بالقضايا الاجتماعيّة. وهي حركات أيديولوجيّة، لا عرقيّة، أو غير دينيّة، أو غير مرتكزة على الطّبقة ثمّة اتّفاق على أنّ أعضاء الحركات الاجتماعيّة الجديدة ينتمون في الغالب إلى قسم من أقسام المجتمع، يشار إليه بمصطلح الطّبقة الوسطى الجديدة. نظرًا إلى أنّ أعضاء الحركات الاجتماعيّة، الّذين ينتمون في أغلبيّتهم إلى الطّبقة الوسطى الجديدة، يناضلون من أجل حقّهم في اختيار نوعيّة حياتهم، وهويّتهم، فإنّ الأمر الّذي يحتلّ موقع الصّدارة هو إنتاج المعرفة، والخطوط الإرشاديّة المعياريّة الجديدة، أو بروز أطر خطابيّة جديدة تنازع الشّفرات الثّقافيّة السّائدة.
التّنظيم والبناء: تتبرّأ الحركات الاجتماعيّة الجديدة من جميع أشكال التّنظيم الرّسمي، والبروقراطي، وتفضّل الأشكال الفضفاضة، والمرنة، والّتي تضمّ أعضاء عاديّين بصورة فعّالة. وتميل الحركات إلى أن يكون لها مؤيّدون بدرجة أكبر من الأعضاء تفضل الحركات الاجتماعية الجديدة العمليّات اللّامركزيّة.
وسائل الفعل والتّكتيكات: لا تستعمل الحركات الاجتماعيّة الجديدة الوسائل السّياسيّة التّقليديّة الخاصّة بالتّأثير في الدّولة، بل تعوّل على التّعبئة الجماهيريّة بقصد تغيير القيم، والاتّجاهات. وتعكس تكتيكات الحركات الاجتماعيّة الجديدة التّوجّه الأيديولوجي. تفضّل الحركات الاجتماعيّة الجديدة البقاء خارج القنوات السّياسيّة العاديّة، وتعبّئ الرّأي العام لكسب قوّة، أو نفوذ سياسيّ.
تسييس الحياة اليوميّة: تركيز الحركات الجديدة تتسلّط على السّياسات الحياتيّة، وتتحدّد السّمة المشتركة للحركات الاجتماعيّة الجديدة.
دور الثّقافة المحوريّ: تؤكّد نظريّة الحركة الاجتماعيّة الجديدة، الطّابع الثّقافي للحركات الجديدة، وتعتبرها صراعات، أو نضالات للسّيطرة على تشكيل هوّيّات جمعيّة جديدة، وانتاج المعنى. تؤكّد النّظريّة المظاهر، والجوانب التّعبيريّة للحركات الاجتماعيّة، وتضعها حصرًا في نطاق المجتمع المدني باعتباره معارضة للدّولة.
يعني اعتبار الثّقافة ميدانًا تحوّلًا، ونقلة من الصّراع الأداتي التّقليدي في المجال السّياسيّ إلى الصّراعات بخصوص المعاني، والرّموز، والهوريّات في المجال الثّقافي بذلك أزاحت الحركات الاجتماعيّة الجديدة، والنّظريّات الجديدة السّياسة، باعتبارها موقعًا رئيسًا للنّضال، والصّراع عن المركز، وحوّلت الانتباه إلى الثّقافة، والمجتمع المدني بدلًا من ذلك، ورغم كلّ تتضمّن هذه الحركات مطالبات، وحاجات الاعتراف الثّقافي إنّها تشدّد على الهوّيّة.
الهوّيّة: تركّز الحركات الاجتماعيّة الجديدة على قضايا حلّت الهوّيّة الجمعيّة محلّ الوعي الطّبقي باعتبارها عاملًا يفسّر التّعبئة، والارتباطات الفرديّة بالحركات الاجتماعيّة الجديدة، ويعدّ التّركيب الاجتماعي لهوّيّة جمعيّة دالة، أو ذات معنى من النّاحية الرّمزيّة إنجازًا رئيسًا للحركات الاجتماعيّة الجددية، وأحد مستلزمات تحقيق أهداف الحركة الأخرى. وتؤكّد منظورات الحركة الاجتماعيّة الجديدة أنّ البحث الجمعي عن هوّيّة يمثل مظهرًا رئيسًا من مظاهر تشكيل الحركة.
تستند الحركات الاجتماعيّة إلى استخدام ثلاث أدوات رئيسة لتحقيق أهدافها: المعلومات، والهوّيّة، والبنية التّنظيميّة. ومن خلال هذه العناصر، تستطيع الجماعات تنظيم الفعل الجماعيّ، وتوجيهه نحو غايات محدّدة.
تُظهر الحركات الاجتماعيّة الجديدة تركيزًا خاصًّا على قضايا الهوّيّة، وقد نشأت في الغالب من الطّبقة الوسطى. وقد عملت على تسييس الحياة اليوميّة، واتّخذت من الوسائل الثّقافيّة، والرّمزيّة أدوات رئيسة في نضالها، بدلًا من الاعتماد على الوسائل السّياسيّة، أو الاقتصاديّة المباشرة.
في المقابل، تقدّم نظريّة تعبئة الموارد منظورًا مختلفًا، إذ تركز على المتغيّرات الاقتصاديّة، والسّياسيّة الّتي تؤدّي إلى ظهور الحركات الاجتماعيّة، وتشكّلها. ترى هذه النّظريّة أنّ مستوى السّخط الاجتماعي ثابت إلى حدّ ما، وما ينبغي فهمه هو متى، وكيف يتحوّل هذا السّخط إلى فعل جماعي مستمرّ، وما هي أشكال التّأطير الّتي يخضع لها، وما النّتائج الّتي تترتّب عليه.
وتُعرّف التّعبئة الاجتماعيّة بأنّها عمليّة رفع الجاهزيّة الجماعيّة للفعل، من خلال إقناع الأفراد بالانضمام إلى حركة اجتماعيّة معيّنة. ويمكن أن تتمّ هذه التّعبئة من خلال وسائل مادّيّة (كالتّمويل والدّعم اللّوجستي)، أو غير مادّيّة (كالأفكار والمشاعر والرّموز)، وتنقسم التّعبئة إلى خطوتين أساستين:
تعبئة الاجتماع: حشد الأفراد حول قضيّة معيّنة
تعبئة الفعل : دفعهم إلى اتّخاذ إجراءات جماعيّة منسّقة
أمّا نظريّة تأطير الحركات الاجتماعيّة، فهي تُعدّ أداة تحليليّة فعّالة لفهم كيف تتشكّل الحركات، ولماذا تقوم بالتّعبئة، وما طبيعة الرّسائل، والخطابات الّتي تستخدمها. وتتمثّل أبرز مساهمة لهذه النّظريّة في لفت الانتباه إلى البُعد الرّمزيّ للفعل الجماعيّ، والتّنظير لهذا البعد بشكل صريح.
يركّز معظم الباحثين في هذا السّياق على التّأطير بوصفه عمليّة تواصل إقناعيّ استراتيجيّ متعدّدة المستويات، تهدف إلى تقديم القضايا بطريقة تستقطب الأفراد، وتحفزّهم على المشاركة في الحركة.
وبشكل عامّ إنّ الحركات تؤدّي ثلاث مهمّات تأطيريّة رئيسة:
تشخيص حادث معيّن، أو جانب من الحياة الاجتماعيّة باعتباره مشكلًا
طرح حلول –الاستراتيجيّات الممكنة لحلّ هذه المشكلات
الدّعوة إلى النّضال أو وضع أساس منطقي للانخراط في فعل إصلاحيّ أو تصحيحيّ.
أمّا بالنّسبة للإطار المفاهيمي لبحث الحركات الاجتماعيّة بصورة عامّة فيتشكّل من:
الثّقافة: الثّقافات كأنساق تكيفيّة، والثّقافات كأنساق معرفيّة، والثّقافات كأنساق بنائيّة، والثّقافات كأنساق رمزيّة. فالثّقافة مجموعة منظمة من الأنماط الرّمزيّة الّتي تُفهم بصورة ذات معنى، أو على نحو هادف إنّ الثّقافة تتألّف من رموز، وممارسات تساعد الأفراد على خلق، وتكوين معاني لذواتهم الثّقافة في رأي الانتروبولوجيّين تشير إلى الأنساق الرّمزيّة الّتي تتألّف من المعتقدات، والقيم، والتّوصّرات المشتركة الّتي تجعل العالم ذا معنى، ومفهومًا بالنّسبة إلى جماعة معيّنة من البشر. يمكن تحديد مفهوم الثّقافة إجرائيًّا في هذا البحث بأنّه يشير إلى الطّريق النّمطيّة للتّفكير، والشّعور، والسّلوك، ويشمل المعتقدات، والأفكار، والقيم، والمعاني، والرّموز، والاتّجاهات، والممارسات، والشّعائر، والحكايات، ورؤى العالم المميّزة لجماعة معيّنة، ويستعملها الأفراد في بناء استراتيجيّات الفعل، وتكوينها. وتحقّق الثّقافة تكامل الجماعة، وتماسكها، واستمراريّته، وتساعد الأفراد على صنع معان لذواتهم، وتكوينها، وتشكّل الهوّيّة،، والممارسة التّأطيريّة، وتنتج المعنى الثّقافي، وتعيد انتاجه.
الحركات الاجتماعيّة الجديدة: إنّ تعريف ماهيّة الحركة الاجتماعيّة على وجه الدّقّة قد يكون أمرًا شائكًا، وبالغ الصّعوبة، فالحركة الاجتماعيّة ليست حزبًا سياسيًّا، أو جماعة مصلحة، تمثّل كيانات سياسيّة ثابتة تمتلك مدخلًا منتظمًا إلى القوّة السّياسيّة، والنّخب السّياسيّة، كما أنّها لا تمثّل حماسة، أو تيّارًا شعبيًّا جماهيريًّا مؤقّتًا، يتّسم بعدم التّنظيم، وبسرعة الزّوال، ويفتقر إلى أهداف. ولكن بدلًا من ذلك، تعتبر الحركة الاجتماعيّة شيئًا يقع في المنتصف. وفي أوقات معيّنة، تماثل الحركات الاجتماعيّة الفرق، والطّوائف الدّينيّة الحركات الاجتماعيّة ليست تنظيمات، ولا حتّى تنظيمات من نوع خاصّ. إنّها شبكات، قد تحوي، أو لا تحوي تنظيمات رسميّة، اعتمادًا على الظّروف المتغيّرة الحركات الاجتماعيّة مشروعات جمعيّة تسعى، وتهدف إلى تأسيس نظام جديد للحياة، أو نظام حياتي جديد. وتنشأ الحركات الاجتماعيّة من حال القلق، وتستمدّ قوّتها الدّافعة من الاستياء من الشّكل الرّاهن للحياة من ناحية، ومن رغبات، وآمال في بناء نسق جديد للحياة ناحية أخرى الحركة الاجتماعيّة هي الجهود، أو السّعي الجمعيّ المقصود للدّفع بالتّغير في أيّ اتّجاه، وبأيّ وسائل يتمثّل المعيار الأساس للحركة الاجتماعيّة في أنّها تهدف إلى إحداث تغييرات أساس في النّظام الاجتماعيّ الحركة الاجتماعيّة جماعة من الأفراد تنظّم لتحقيق هدف إحداث شكل من أشكال التّغيّر الشّخصي، أو الاجتماعي، ويشكّل هذا الهدف دافعًا، ومحرّكًا من النّاحية الأيديولوجيّة، ويلتزم به الأفراد الّذين يشاركون في تجنيد آخرين. يمكن في ضوء ما سبق تحديد مفهوم الحركة الاجتماعيّة الجديدة إجرائيًّا في هذا البحث؛ بأنّها جماعة من الأفراد، أو شبكات غير رسميّة كثيفة، لها طبيعة احتجاجيّة، وترتكز على آراء، ومعتقدات، ورؤى للعالم، وذخائر للفعل، وتضامن مشترك يحقّق التّعبئة. وتهدف إلى إحداث تغيير سوسيوسياسي، وثقافي، وتنخرط في علاقات صراع، ونزاع مع خصوم محدّدين بوضوح، وتشترك في هوّيّة جمعيّة متميّزة. وتجسّد هذه الجماعة سمات ثقافيّة تميّز المجتمع ككلّ في ما يتعلّق بالقوّة، والسّلطة، والمعنى، وتعارض الرّموز، والشّعائر، والخصائص الّتي تتعلّق بإضفاء الشّرعيّة على هذه القوّة، وتلك السّلطة، وأشكال إقحام، وفرض المعنى.
الاحتجاج: قمّة اعتراضات على اعتبار الاحتجاج سمة أساسًا تميّز الحركات الاجتماعيّة، وذلك انطلاقًا من الدّور الهامشي الّذي يؤدّيه الاحتجاج العام في الحركات المهتمّة بالتّغيّر الشّخصي، والثّقافي، والحركات الدّينيّة، وأشباهها. الفاعلون في الحركات الاجتماعيّة، يشغلون في الغالب موقعًا هامشيًّا في اتّخاذ القرار يمكن في ضوء ما سبق تحديد مفهوم الاحتجاج إجرائيًّا في هذا البحث بأنّه نشاط غير اعتيادي، وغير مألوف، وغير منتظم، ويهدف إلى التّأثير في العمليات السّياسيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، وفي القرارات الّتي يتّخذها هدف معيّن، وذلك عن طريق الضّغط على الخصوم. ويمثّل الاحتجاج فعلًا جمعيًّا يعبّر عن الضّيم، وإدانة الظّلم، والجور.
الهوّيّة الجمعيّة: يستعمل منظّرو الحركات الاجتماعيّة الجديدة مصطلح الهوّيّة الجمعيّة، وهو مصطلح أكثر عموميّة من مصطلح الوعي الطّبقي تتضمّن الهوّيّة الجمعيّة بوصفها عمليّة ثلاثة أبعاد أساس على الأقلّ: الأوّل صوغ أطر معرفيّة في ما يتعلّق بغايات الفعل، ووسائله، ومجاله الثّاني تنشيط العلاقات بين الفاعلين الّذين يتفاعلون، ويتواصلون، ويؤثّر بعضهم في بعض، ويتفاوضون، ويتّخذون قرارات. الثّالث، تشكّل الحركة نوعًا من الغلاف الانفعالي الّذي يمكن الأفراد من إدراك ذواتهم، والشّعور بكونهم جزءًا من وحدة مشتركة. يمكن تحديد مفهوم الهوّيّة الجمعيّة إجرائيًّا في أنّه يشير إلى الصّورة الجماعيّة الخاصّة بأعضاء الحركة، والتّعريف التّفاعلي، والمشترك المستمدّ من اهتماماتهم، وخبراتهم المشتركة، وتضامنهم. وتتمثّل الهوّيّة الجمعيّة في ارتباطات الفرد المعرفيّة، والأخلاقيّة، والعاطفيّة، أو الانفعاليّة بالحركة، وتتضمّن رؤى مشتركة للبيئة الاجتماعيّة، والأهداف، وحدود الفعل الجمعيّ، ونجاحه.
التّأطير: إنّ فكرة تحليل الإطار مستقاة من أعمال غوفمان، الّذي أوضح أنّ الأفراد يؤطّرون خبراتهم بقصد تنظيم العالم من حولهم، وفهمه يساعد التّأطير الأفراد على تأويل العالم بناء على مركزهم الاجتماعيّ، وخبراتهم السّابقة. يمثّل الإطار بناء عامًّا، ومعياريًّا، ومحدّدًا سلفًا، فيتيح إدراك العالم، ويوجه الإدراك، ويتيح للفرد بناء توقّعات محدّدة عمّا ينبغي أن يحدث، بمعنى فهم عالمه الخاصّ، وهكذا فوفقًا لمفهوم الإطار، لا تُعتبر الحركات الاجتماعيّة مجرّد حاملات للأفكار، والمعاني الموجودة، والّتي تنبثق من التّرتيبات البنائيّة، أو الحوادث غير المتوقّعة، أو الأيديولوجيّات القائمة، بل بالأحرى، ينخرط فاعلو الحركة الاجتماعيّة، وناشطوها بفعاليّة في إنتاج المعنى بالنّسبة إلى النّاخبين، والخصوم، والمراقبين بناء على ما سبق يشير مفهوم التّأطير إجرائيًّا إلى عمليّات إضفاء المعنى، والدّلالة على الحوادث، والظّروف، والتّأويل الّذي تتوسّطه الثّقافة، ويقوم به أعضاء الحركة، وقادتها بقصد تعبئة أنصار محتملين، وكسب دعم الجمهور، وتفتيت التّعبئة الّتي يقوم بها الخصوم.
الفصل الثّالث: ثقافة الحركة الاجتماعيّة الجديدة: المقاومة الثّقافيّة
تُعدّ الثّقافة عنصرًا محوريًّا في فهم الحركات الاجتماعيّة، إذ غالبًا ما تُصنف الثّقافات الجماعيّة داخل هذه الحركات باعتبارها ثقافات فرعيّة، أو داخليّة متميّزة عن الثّقافة العامّة السّائدة.
يعمل النّاشطون في الحركات الاجتماعية على بناء ثقافات فرعيّة ثريّة، تُسهم في تعزيز التّضامن، وترسيخ الالتزام، وإدامة الفعل الجماعي. وتؤدّي هذه الثّقافة دورًا أساسًا في بقاء الحركة واستراتيجيّاتها التّنظيميّة، كما تُسهم في تشكيل هوّيّات جمعيّة تؤثّر في ظهور الحركة، وتطوّرها، والتّجنيد، والتّعبئة، واختيار التّكتيكات، وحتّى في نتائج الحراك.
تتألّف ثقافة الحركات الاجتماعيّة من مجموعة متنوّعة من العناصر، تشمل:
الأهداف: تمثّل الغايات الّتي تسعى الحركة إلى تحقيقها، وقد تكون في بعض الأحيان غامضة، أو عامّة بصورة مفرطة، لكنّها تؤدّي وظيفة توجيهيّة، وتحفيزيّة لأعضاء الحركة.
الأيديولوجيا: تُعدّ الأيديولوجيا ركيزة أساسًا لفهم الحركات الاجتماعيّة، إذ تمثّل رؤية شاملة للعالم، ومجموعة من المعتقدات المتماسكة نسبيًّا، الّتي لا تقتصر على السّياسة، بل تمتدّ لتشمل الحياة اليوميّة. تؤثّر الأيديولوجيا في سلوك الأفراد، وتوجّهاتهم، وتسهم في تأطير الواقع، وتفسيره.
القيم: تُعدّ القيم مرتكزات محوريّة في ثقافة الجماعات، تمثّل الأفكار المجرّدة المشتركة عمّا يُعدّ مرغوبًا فيه، وصحيحًا، وجيّدًا. ورغم أنّ القيم لا تحدّد السّلوك مباشرة، فإنّها تُعدّ موجهّات أساسًا تسهم في تشكيل نظرة الأفراد إلى العالم، وهي غالبًا ما تُشتقّ من الأيديولوجيا، وتؤثّر فيها.
تسعى الحركات الاجتماعيّة الجديدة إلى تغيير القيم السّائدة، خاصة تلك المرتبطة بالاستقلال الفرديّ، وتنتج في الوقت ذاته نسقًا قيميًّا خاصًّا بأعضائها.
الرّموز والرّمزيّة السّياسيّة: تعتبر الرّموز جوهر الثّقافة، إذ تُستخدم بوصفها لغّة لفهم العالم، وتأويله، والتّعبير عنه. تُسهم الرّمزيّة السّياسيّة في تمثيل الأفراد لذواتهم، ومكانهم في العالم، وتشكّل جزءًا أساسًا من الأنساق الثّقافيّة (كالدّين، الأيديولوجيا، الاقتصاد، الرّياضة...).
البعض يرى في الرّمزيّة مرادفًا للثّقافة ذاتها، كونها تمثّل الأبعاد التّعبيريّة للحياة الإنسانيّة، وتُستعمل الرّموز لتكوين المعنى، وإعادة إنتاجه ضمن الجماعة.
المظاهر الثّقافيّة الأخرى: تشمل هذه المظاهر الحكايات، والذّكريات الجمعيّة، والشّعائر، والأغاني، والفنون، وغيرها ممّا يعزّز التّماسك، ويحفز الأعضاء، ويديم الفعل الجمعيّ.
يتجلّى البعد الثّقافي للحركات أيضًا في الخطابات، والممارسات اليوميّة داخل الجماعة.
فأعضاء الحركات يطوّرون معايير سلوكيّة، وخطابيّة تضبط نوع النّقاشات المسموح بها داخل الاجتماعات، وتحكم طريقة اتّخاذ القرار، والتّفاعل الشّخصي. وتُعدّ هذه الخطابات أحد الأبعاد التّنظيميّة، والثّقافيّة الّتي تساهم في ترسيخ الهوّيّة الجمعيّة، وتقوية العلاقات داخل الحركة.
ويمكن تلخيص بنية الثّقافة في الحركات الاجتماعيّة في العناصر التّالية:
الهدف الثّقافي
منتجو الثّقافة (مثل النّشطاء والقادة)
مستهلكو الثّقافة (أعضاء الحركة والمجتمع الأوسع)
السّياق المؤسّسي الّذي تُنتج وتُستعمل فيه الثّقافة
البيئة الثّقافيّة الّتي يُنتج فيها المعنى ويُتداول
الفصل الرّابع: ذخائر النّضال وثقافة الحركة الاجتماعيّة الجديدة
يتداخل مفهوم ذخائر النّضال، أو الفعل الاحتجاجيّ في سياق دراسة الحركات الاجتماعيّة مع مفهوم الشّعائر، إذ إنّ العديد من أشكال النّضال تتّسم ببعد شعائريّ واضح. ولا يمكن اختزال هذه الممارسات الشّعائريّة إلى مجرد ظواهر احتفاليّة، أو طقوس رمزيّة؛ فالأحداث الاحتجاجيّة الّتي تدعمها الحركات الاجتماعيّة تحمل في جوهرها عناصر شعائريّة تعزّز التّضامن، والتّفاعل العاطفيّ بين الأفراد.
بصورة عامّة، تمثل الشّعائر أشكالًا من التّعبير الرّمزي، يتمّ من خلالها توصيل الرّسائل المتعلّقة بالعلاقات الاجتماعيّة بأسلوب درامي ومقنن. وتسهم هذه الشّعائر في توليد طاقة عاطفيّة، وتحفيز التّفاعل الاجتماعيّ، حيث توفر للأفراد وسيلة للتّعبير عن انتمائهم، وتعزيز التّضامن الدّاخلي، كما تنقل العديد من المعاني الثّقافيّة الّتي تعزّز هوّيّة الحركة، واستمراريّتها.
الفصل الخامس: الحركة الاجتماعيّة الجديدة والهوّيّة الجمعيّة
تولي الحركات الاجتماعيّة الجديدة اهتمامًا خاصًّا لقضايا الهوّيّة، إذ أصبحت الهوّيّة الجمعيّة بديلًا عن الوعي الطّبقي في تفسير التّعبئة الاجتماعيّة، والارتباطات الفرديّة بالحركات.
تسعى الحركات الاجتماعيّة بوعي، وقصديّة إلى تشكيل هوّيّة جمعيّة تميّز أعضائها، وتساهم في تحقيق أهدافها، ويتمّ ذلك عبر بناء وعي مشترك بين الأفراد المنتمين للحركة. فتشكيل الهوّيّة الجمعيّة يتطلّب أن يشعر الأعضاء بأنّهم يشتركون في سمات بارزة مع الآخرين داخل الحركة، ممّا يعزّز الانتماء، والالتزام الجماعي.
إنّ ثقافة الحركة لا تقتصر على تحديد هوّيّة الذّات فحسب، بل ترسم حدودًا واضحة بين «النّحن» و «الهم»، بحيث تعطي للحركة معنىً خاصًّا يتناقض مع المعاني الّتي تنسبها إلى خصومها. وبذلك، فإنّ الهوّيّة الجمعيّة لا تعكس فقط الانتماء، بل تشكّل أيضًا رؤى الحركة للعالم، وتحدّد ممارساتها، واستراتيجيّاتها.
إلى جانب امتلاك هوّيّة جمعيّة، تعمل الحركات الاجتماعيّة بموجب هذه الهوّيّة من خلال ممارسات متعدّدة تشمل صياغة المطالب، والتّأطير الأيديولوجي، والثّقافة، والقيادة، والبناء التّنظيمي، وموارد الدّعم. فالحركة لا تنخرط في الفعل الجمعيّ لتحقيق أهدافها فقط، بل تسهم أيضًا في تشكيل وعي جمعيّ جديد عبر إنتاج أطر تأويليّة تنبع من النّضال الجماعي، ما يساعد في تحديد مصالحها، وغاياتها.
إنّ بناء الهوّيّة الجمعيّة يتطلّب من الفاعلين ربط الأحداث المختلفة—سواء كانت خاصة، أم عامة—عبر الزّمان والمكان، ونسجها في سرديّات، وحكايات واسعة. ونتيجة لهذا التّفاعل، لا يعود الأفراد داخل الحركة مجرّد ساعين لتحقيق أهداف محدّدة، بل يصبحون عناصر فاعلة في عمليّات تغيير شاملة، أو مقاومة للتّغير القائم.
الفصل السادس: الثقافة والتأطير
تلجأ الحركات الاجتماعيّة إلى استخدام أطر الفعل الجمعيّ لتحديد مواقفها، وتبرير أفعالها، حيث تعمل هذه الأطر على تحديد المشكلة، وتعريفها، وتحديد الأنصار، والخصوم، واقتراح مسارات للفعل. ومن خلال ذلك، تنخرط الحركات في إنتاج المعنى ليس فقط لأعضائها، بل أيضًا لخصومها، والمراقبين الخارجيّين.
دور التّأطير في الحركات الاجتماعيّة
عند تأطير قضيّة معيّنة، تقوم الحركة بتحديد شكل من أشكال الظّلم، وتنسبه إلى خصومها، ثمّ تحدّد استجابتها الجمعيّة لهذا الظّلم. وبهذا، تسهم في رسم مجال الفاعلين في الصّراع الاجتماعيّ، ممّا يساعد في اجتذاب المشاركين، وجذب التّغطية الإعلاميّة، وكسب دعم الجمهور، والضّغط على الخصوم، والتّأثير في سلطات الدّولة.
نظرًا لأنّ الثّقافة تؤثّر في تشكيل أطر الفعل الجمعيّ، لا بدّ من أن تتوافق هذه الأطر مع القيم، والمعايير الثّقافيّة السّائدة. ومن خلال ذلك، تطرح الحركات طرائق جديدة لفهم العالم، وتعريف المواقف الاجتماعيّة، وتسعى إلى إقناع الآخرين بوجهة نظرها.
عناصر بناء الأطر الفاعلة
تتطلّب الحركات الاجتماعيّة دفع الأفراد إلى إدراك وجود المشكلة، والقبول بإمكانية حلّها، والاعتقاد بأنّ الفعل الجماعيّ يمكن أن يؤدّي إلى التّغيير المطلوب. وهنا، يصبح دور القادة، والنّاشطين محوريًّا، حيث يتعيّن عليهم تصوّر المظالم، والانتهاكات، وصياغتها بطرق ذات معنى اجتماعيّ، بحيث تكون مقنعة، ومحفّزة للجماهير المستهدفة.
تعدّ أطر الفعل الجمعيّ نتاجًا لعمليّات التّأطير داخل الحركات الاجتماعيّة، وهي ليست مجرّد أنساق معرفيّة، بل أدوات استراتيجيّة تستخدم في التّجنيد، ودفع الأعضاء نحو العمل، وتعزيز التّماسك الدّاخلي.
وظائف أطر الفعل الجمعيّ
تقوم الأطر بعدّة وظائف تفسيريّة، وتأويليّة، حيث تساعد في تبسيط الواقع الاجتماعيّ، واختزاله في صورة واضحة يسهّل التّعامل معها. ويمكن تلخيص، وظائفها في ثلاثة محاور رئيسة:
التّحديد: لفت الانتباه إلى وجود ظلم معين.
العزو: تفسير أسباب الظّلم والمسؤولين عنه.
التّمفصل: ربط الخبرات المتنوّعة في إطار متماسك.
عوامل التّأثير في الأطر
يعتمد تأثير الأطر على عاملين رئيسين:
الصّدقيّة: وتشمل اتّساق الإطار، والصّدقيّة التّجريبيّة، وموثوقيّة من يعبرون عنه.
البروز: ويشمل المركزيّة، والتّناسب مع الخبرات الفرديّة، والدّقّة السّرديّة.
العمليّات الخطابيّة في التّأطير
تشمل العمليّات الخطابيّة المرتبطة بالتّأطير تضخيم الإطار، وتوسيعه، وتنظيم الحوادث، والخبرات في شكل حزمة تصوريّة متماسكة. ويتطلّب ذلك ليس فقط الإقناع العقليّ، بل أيضًا تحفيز المشاعر لدفع الأفراد نحو الفعل الجماعيّ.
تحدّيات التّأطير
لضمان نجاح عمليّة التّأطير، يجب أن تتناول الحركات الاجتماعيّة ثلاث مهام أساسٍ:
التّأطير الشّخصي: تحديد المشكلة وتأثيرها على الأفراد.
التّأطير النّذيري (التّنبئي): تقديم حلول محتملة.
التّأطير الدّافعي: الدّعوة إلى النّضال أو الإصلاح.
العلاقة بين الثّقافة وأطر الفعل الجمعيّ
تؤدّي الثّقافة دورًا محوريًّا في تشكيل أطر الفعل الجمعيّ، حيث تتوسّط العمليّات التّأويليّة، والتّأطيريّة، ممّا يستلزم توافق الأطر مع القيم الثّقافيّة السّائدة. وتشمل المخزون الثّقافي الّذي تعتمد عليه الحركات في تأطير قضاياها المعتقدات، والأيديولوجيّات، والممارسات، والأساطير، والحكايات، والقيم، والّتي تشكّل أدوات رئيسة في عمليّة التّأطير.
بهذه الطّريقة، لا تقتصر أطر الفعل الجمعيّ على تفسير الواقع فقط، بل تُستخدم أيضًا كأدوات لتغيير الوعي الجمعيّ، ودفع الأفراد إلى اتّخاذ مواقف أكثر نشاطًا، وانخراطًا في الحركات الاجتماعيّة.
ملاحظات نقدية
يُركّز الكتاب على البعد الثّقافي بوصفه مدخلًا أساسًا لفهم الحركات الاجتماعيّة، لكنّه يغفل البعد الرّوحيّ، والأخلاقيّ، فالثّقافة لا تنفصل عن القيم الدّينيّة، والأخلاقيّة، مثل العدل، والتّقوى، والتّعاون. إهمال هذا البعد يجعل التّحليل ناقصًا، لأنّ الحركات الاجتماعيّة في المجتمعات الإسلاميّة على سبيل المثال غالبًا ما تستمدّ شرعيّتها، وفاعليّتها من المبادئ القيميّة، والدّينيّة، وليس فقط من الرّموز الثّقافيّة، أو الهوّيّات الجمعيّة. ومثال ذلك: حركات المقاومة ضدّ الاستعمار في التّاريخ الإسلاميّ اعتمدت على الخطاب الدّينيّ (كالجهاد والعدل) كأداة تعبئة، وليس فقط على الهوّيّة الثّقافيّة.
يُنظر إلى الثّقافة في الملف كأداة استراتيجيّة (صندوق أدوات) أو مورد للتّعبئة، ولكنّ في الواقع إنّ تحويل الثّقافة إلى مجرّد أداة صراع قد يؤدّي إلى تبرير وسائل غير أخلاقيّة (مثل العنف أو التّضليل) لتحقيق الأهداف، بينما يوجد مبادئ أخرى تمثّلها نظريّات أخرى نجد جذورها موجودة في الحكمة، والفلسفة، والشّريعة الإسلاميّة بحيث يربط الوسائل بالمقاصد، مثال: استخدام الرّموز الدّينيّة في الحركات الاجتماعيّة يجب أن يكون محكومًا بضوابط الشّرع، وليس فقط بفاعليّتها التّعبويّة.
نظريّة التّأطير تُركّز على البعد الإقناعيّ الاستراتيجيّ، لكن لا يمكن اختزال كلّ حجاج بالتّأطير، وإغفال قضيّة الصّدق، والوضوح كأسس للخطاب. التّأطير الّذي يعتمد على التّضخيم، أو التّلاعب بالمعاني قد يتعارض مع القيم مثل النّهي عن الكذب، والغشّ. في المقابل، يعتمد الخطاب الإسلامي على:
التّأطير بالحقّ: مثل تصوير الظّلم كمخالفة لأمر الله.
التّأطير بالمسؤوليّة: كالدّعوة إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
يُذكر أنّ الحركات الاجتماعيّة الجديدة تركّز على «تسييس الحياة اليوميّة» وقضايا الهوّيّة، لكنّه يتجاهل أنّ بعض الأنظمة الثّقافيّة، والاجتماعيّة كالنّظام الإسلامي نظام شامل يربط بين السّياسة، والاقتصاد، والثّقافة، والأخلاق.
التّركيز على «الحركات الجديدة» كتعبير عن مرحلة «ما بعد المادّيّة» يفترض أنّ الصّراع تحوّل من المطالب الاقتصاديّة إلى الهوّيّة، والثّقافة. لكن ما ينبغي أيضًا إضافته هو التّنبيه على الجذور القيميّة، حيث قد تكون المطالب الاقتصاديّة جزءًا من العدل.