البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراءة نقدية في التحوّلات الأخيرة للتدين والروحانية

الباحث :  د. بهزاد حميدية
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  39
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث :  417
تحميل  ( 514.753 KB )
أدّت التحوّلات الثقافية في العقود الأخيرة من القرن العشرين إلى تحوّلات في التديّن، ومن أهمّها: هيمنة ثقافة الانبهار بالذات مع الإصرار على النزعة الفردانية فيما يتعلّق بتحقيق الذات، والانعطافة الذاتية، والنزعة الإحساسية وتأصيل العواطف، مع تسطيح واضمحلال المشاعر، ومن بينها ما نشاهده في النزعة الاستهلاكية والبحث عن الرفاهية واللذة وعبادة الجسد. وقد اتجه التديّن والنزعة الروحانية بدورهما تبعًا لهذه التحوّلات الثقافية نحو الاستهلاكية والعلاجية.
بالإضافة إلى الانتقادات الواردة على التحوّلات الثقافية المذكورة -من قبيل المشاعر المتطرّفة في قبال تطرّف العقلانية الآلية، والبنية المتناقضة للنزعة العاطفية، والاغتراب عن الذات، والأنانية المدرجة ضمن الهيام بحب النفس، وعدم تطابق الشعارات الإنسانية لثقافة حب الذات مع الحقائق الاجتماعية، وغموض المعرفة الغائية في الانبهار بالذات، والآثار المدمّرة لحب النفس والفردانية ونزوع الناس نحو القصور الفكري- هناك انتقادات لكل واحد من هذه التحوّلات المذكورة آنفًا في التديّن والنزعة الروحانية أيضًا، من قبيل استناد المباني الفلسفية لإيمانويل كانط والفلسفة النفعية التي تعاني من بعض الإشكالات الفلسفية، والنظرة التقليلية إلى الإنسان، وخفض تأثير الدين والروحانية، وتحوّلهما إلى نشاط يُمارَس في أوقات الفراغ، والعجز عن بثّ الطمأنية، والاطمئنان بأحقّيّتنا وما إلى ذلك.

الكلمات المفتاحية: ثقافة الانبهار بالذات، الإحساس السطحي، الروحانية الاستهلاكية، تبضيع الروحانية، تحوّل الروحانية إلى وصفة علاجية، الفردانية، الإنسانية.

المقدمة
إن التقارير حول «عودة الدين والروحانية إلى المجتمعات الحديثة»، أو «انتشار التدين والروحانية في الغرب والولايات المتحدة»، تعدّ من التقارير المألوفة والشائعة التي لم تعد تثير الكثير من التعجّب والاستغراب. لقد ذكر روبرت ووثنو أن عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد قد انطلق بالمسيحية التي كانت تعلن عن موت الإله، ولكن هذا العقد قد تكشّف في نهايته عن ملايين الأمريكيين الذين كانوا يعتقدون ـ بل ويشعون بكل وجودهم ـ بإمكان التقرّب إلى الله وإدخاله بمختلف الطرق في الحياة المتطوّرة[3]. وقد أثبت كل من باول هيلاس وليندا وودهيد ـ بدورهما ـ في دراسة موضعية في مدينة كيندال[4] في شمال غرب بريطانيا بشكل مثير للالتفات أنه في عقد التسعينات من القرن العشرين للميلاد، شهد حقل الروحانية الشاملة في هذه المدينة ارتفاعًا بحوالي 300%، هذا في حين أن النموّ السكاني لم يتجاوز 4 ,11%[5].

بيد أن الدقة العلمية والدينية تدعونا إلى دراسة كيفية التدين الجديد، وبلورة فهمنا لـ «العودة» بوصفها «عودة حقيقية وإحياء متجدّدًا للتديّن التقليدي» أو «العودة بمعناها المجازي وإيجاد تديّن مختلف جدًا وغير مسبوق».
نسعى في هذه المقالة من خلال النظرة الانتقادية إلى خصائص التدين والروحانية الجديدة ـ المرتبطة بشكل خاص بما بعد العقد السادس من القرن العشرين للميلاد ـ إلى إثبات أننا قبل أن نواجه العودة الحقيقية، نواجه تبلورًا لنوع من التديّن والروحانية «المختلفة تمامًا»، وهي ـ بطبيعة الحال ـ روحانية تعاني بشكل جادّ من خلل منطقي وميتافيزيقي وإلهي.

ولتحقيق هذه الغاية سوف نعمل أوّلًا على ذكر كلّيات توصيفية / تحليلية حول التحوّلات في حقل التديّن والنزعة الروحانية، وحاضنة تلك التحوّلات وأهم الخصائص التي يمكن ملاحظتها في أنواع التديّن المستحدَث، وسوف نقوم بعد ذلك بقراءة نقدية لكل واحد من الخصائص المشار إليها. وسوف نعمل بشكل رئيس على بيان الانتقادات في الأبعاد المنطقية والإلهية والاجتماعية والميتافيزيقية.

تحوّلات التديّن والروحانية منذ الربع الأخير من القرن العشرين
إن الحركة المتسارعة والمذهلة للحداثة، قد أدّت ـ منذ عقد السبعينات من القرن العشرين للميلاد ـ إلى حدوث تحوّلات ثقافية / اجتماعية. وكانت التحوّلات من الوضوح والتأثير بحيث أطلق رونالد إينجلهارت على كتابه عنوان «الانقلاب الهادئ». وقد أكّد في كلا كتابيه المهمّين (1977م، و1990م) على التحوّلات والتغيّرات الثقافية المهمّة كثيرًا. وقد ذهب غيبينز وريمر إلى اعتبار مبنى وتوجيه نشاطهما في إيجاد التمايز بين العقود الأخيرة من القرن العشرين للميلاد والمرحلة الحديثة، واختيار عنوان >ما بعد الحداثة< لها، بوصفها >أساسًا عميقًا< لحدوث التحوّلات في المجتمعات الغربية[6].

إن الارتباط الوثيق بين الثقافة والتديّن، أدّى في العقود الأخيرة إلى أن نشهد حدوث تحوّلات مهمّة في حقل التدين. وقد تحدّث كيوبيت عن عدم إمكان الحيلولة دون حدوث التحوّل الديني: >إذ إن حدوث التحوّل والتغيير في البيئة الثقافية سوف يؤدي ـ سواء شئنا أم أبينا ـ إلى حدوث تغيير في المفاهيم الدينية أيضًا، وإن من بين تداعيات هذا النوع من التحوّلات القهرية وغير الإرادية، كان عبارة عن تنزّل الدين إلى الخرافة كيف يمكن العمل في الديمقراطية المتسامحة وذات المسلك الدهري في الغرب على الحيلولة دون الدفع بالدين نحو هامش الحياة؟ لا شك في أن الجواب يكمن في تشذيب الدين من الأساطير، وفي بذل النشاط المنظّم من أجل إلحاق النماذج القديمة والأفعال الدينية بالأمثلة والنماذج الثقافية الدينية، وهذا الأمر ليس عمليًا فحسب، بل ويتم العمل على تحقيقه على أرض الواقع أيضًا[8].
وقد أشار وينسنت ميلر في كتابه بعنوان «الدين الاستهلاكي: الإيمان والعمل المسيحي في ثقافة استهلاكية» (2004م) بدوره إلى العلاقة الوثيقة بين الدين والثقافة، وتحدّث عن تأثير الرأسمالية في القرن العشرين للميلاد في تحويل الثقافة إلى بضاعة. وإن الموارد التي ذكرها لإظهار الدين الاستهلاكي تمثّل نماذج حية وملموسة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وسوف نعمل أولًا في صلب التحوّلات الروحية والدينية على بحث أهم التحوّلات الثقافية في العقود الأخيرة من القرن العشرين للميلاد، لنقوم بعد ذلك بالاهتمام بمحاور تأثير هذه التحوّلات في حقل التديّن.

لقد كانت الحداثة تمثّل مرحلة هيمنة النزعة الإنسانية ومحورية الإنسان، وقد اشتملت على نفي المرجعيات الخارجة عن الذات. وكانت النزعة الإنسانية بدورها تعمل على توفير الأرضية للفردانية بمعنى أهمية وأصالة الفرد والاعتراف الرسمي بحرّيته في الاختيار، وبذلك فقد تمّ اعتبار الفرد كنزًا ومصدرًا للقيَم. لقد كانت غلبة العقلانية الآلية[9] والناظرة إلى الغاية وتأسيسها في جميع الحقول، ولا سيّما في الحقلين المركزيّيَن المتمثّلين في الدولة والاقتصاد عند ماكس فيبر، تمثّل الركيزة الأصلية للحداثوية الاجتماعية[10]. ولكن حيث نقترب من نهاية القرن العشرين، فإننا نشهد خصائص ثقافية مختلفة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن كريستوفر ليتش[11]، قد ألَّف في توصيف هذا التحوّل الثقافي كتابًا تحت عنوان «ثقافة حبّ الذات»[12] (1979م). وقد وصف ثقافة حبّ الذات بأنها عبارة عن كل عمل يقوم به الفرد في إطار إشباع رغباته والحصول على اللذة الداخلية لنفسه. من خلال بحث النقاط التي ذكرها يمكن الوصول في خلاصة إلى الخصوصيّتين أدناه لثقافة حبّ الذات:

1. الإصرار المفرط على تحقيق الذات وإظهار النفس.
2. سطحية وابتذال المطالب (إشباع المشاعر والأحاسيس السطحية والعابرة، والشوق إلى العيش وراء الواقعية وبعيدًا عن القفص الحديدي للعقلانية الآلية)[13].

إن هذا التحليل قريب من تحليل هيلاس وودهيد الذي عبّر عن التحوّل الثقافي الأساسي في أواخر القرن العشرين للميلاد بـ «الاستدارة الذاتية»[14]. [15] إن الحياة الموضوعية ـ من وجهة نظره ـ تعني الحياة المقرونة بالارتباط العميق بالتجارب الداخلية والشخصية لذات كل فرد. إن الحياة الذاتية ترتبط بحالات الشعور، وحالات الذهن، والذاكرة، والعواطف، والأحاسيس، والتجارب الجسدية، والمنامات، والوجدان الداخلي. وهنا تصبح الأفكار الذاتية لكل فرد هي المصدر الوحيد للمفهوم والمرجعية (التنظير). وكان كل من إريك هابزبام[16] (1995م)، ورونالد إنجلهارت[17] (1997م)، وتشارلز تايلور[18] (2002م)، وجوزيف فيروف[19] ومساعدوه (1981م)، من بين المفكّرين القائلين بأن الاستدارة الذاتية، أصبحت هي التحوّل الثقافي الواضح والساطع في الثقافة الحديثة للغرب. وقال زيغمونت بومن[20]: «إن خصوصية الحياة الحديثة، عبار عن [شعور الفرد] بالحاجة إلى أن يكون شيئًا هو موجود [واقعًا]»[21]. وقال جوردن ألبورت: «إن المهم هو حق كل شخص من أجل تحقيق فلسفة حياته ليحصل على موقعه الشخصي المناسب في عالم الخلق على أفضل وجه ممكن»[22].
يبدو أنه من المناسب أن نعمل هنا على إيضاح الشعور السطحي[23] ـ الذي سبق أن أشرنا إليه في بيان مفهوم ثقافة حبّ النفس ـ بتفصيل أكبر. إن الشعور السطحي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحركة الرومنطيقية[24] أو الإبداعية والتنويرية العاطفية التي تشكّل خلفية لثقافة حبّ الذات. إن المراد من هذا المفهوم هو الثقافة التي تدافع عن نوع من التوجّهات التي تدافع عن الخصائص الآتية لدى الناس:

1. عدم محورية العقلانية القيمية ـ خلافًا للمرحلة التقليدية ـ والعقلانية الناظرة إلى الغاية خلافًا للحداثة.
2. محورية المشاعر والعواطف، من قبيل: الرضى، واللذة، والشعور بالسلامة، والنجاح وما إلى ذلك.
3. سطحية وضحالة المشاعر والأحاسيس (استبدال الأحاسيس الناظرة إلى أكثر الطبقات الوجودية للبشر سطحية وابتذالًا، من قبيل: الجسد، وكذلك المشاعر العابرة من قبيل اللذة الآنية، ولفت الأنظار والحصول على ثناء الآخرين وما إلى ذلك، بالمشاعر العميقة والتي تحتوي على آثار طويلة الأمد، من قبيل التعلّق بالغايات والمشاعر الملحمية تجاه فرض الحماية، والشهود العرفاني وما إلى ذلك).
ويمكن اعتبار النزعة الاستهلاكية، والرفاهية، والبحث عن اللذة والمتعة، وعبادة الجسد، من المظاهر الواضحة للمشاعر السطحية.

ولكن ما هي التحوّلات التي شكّلت الأرضية الثقافية المشار إليها في التدين والروحانية؟ يمكن القول على نحو الإجمالإأن الدين والروحانية في مرحلة الاستدارة الذاتية وهيمنة ثقافة حبّ النفس والمشاعر السطحية قد شهدت تحوّلًا من حيث المفهوم. هناك الكثير من التقريرات التي تؤيّد هذا المعنى، وهو أن الثقافة الاستهلاكية للرأسمالية قد حوّلت الدين، ولا سيّما روحانيات الحياة؛ بسبب قدرتها على بيان التجارب الحماسية والملحمية على شكل مصدر استهلاكي بحت. يذهب كامبل إلى الاعتقاد بأن الحركة الرومنطيقية تلعب دورًا جوهريًا في تسليط الثقافة الاستهلاكية على الدين[25]. ويرى توم وولف أن حب الذات الحديث يمثّل «اليقظة الثالثة الكبرى»، ومراده من ذلك ظهور التدين الممتع والمفعم بالشغف[26]. يقال في الولايات المتحدة الأمريكية: «إن الدين أمر تختارونه»، ويتم العمل على خفض هذا الدين إلى الثقافة الاستهلاكية والشعر[27]. يرى زيغمون بومان أن مختلف أشكال التديّن ـ ولا سيّما الأديان التي تعدّ من روحانيات الحياة ـ يمكن خفضها إلى الأمور الشعورية والتجريبية البحتة. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن الأديان والفرق الدينية إنما تعدّ خيارات استهلاكية في الحياة الباحثة عن المشاعر والأحاسيس[28].

من خلال دراسة تحليلية للتديّن والروحانية في الحركات الدينية المستحدثة و«العصر الجديد»، يمكن العمل بشكل محدد على فهرسة ثلاثة حقول من التحوّل (من أهم الأطر) على النحو الآتي:

1. تحويل الدين والروحانية إلى ثقافة استهلاكية[29]: أو التديّن والنزعة الروحانية بوصفها سلوكًا ممتعًا بشكل بحت ويستوجب الحبور وحتى الدعابة والضحك.
2. تحويل الدين والروحانية إلى بضاعة استهلاكية[30]: أو التديّن والنزعة الروحانية بوصفها سلوكًا في السوق الاستهلاكية (التعامل مع الدين بوصفه بضاعة استهلاكية).
3. العلاج بالدين والروحانية[31]: أو التديّن بوصفه طريقة ووصفة علاجية للشفاء (معاملة الدين بوصفه وسيلة للعلاج).

وحيث إن الغرض من هذه المقالة هو العمل على قراءة نقدية لهذه التحولات، فسوف نغضّ الطرف هنا عن الشروح والتوضيحات التفصيلية لهذه التحوّلات الثلاثة الآنفة الذكر مع بيان مصاديقها، لا سيّما وأننا قد تعرّضنا لها في المقالات الأخرى بالتفصيل.

قراءة نقدية للتحوّلات في حقل التديّن والروحانيات الحديثة
يمكن تصنيف الانتقادات ضمن مساحتين:

1. انتقاد للحاضنة الثقافية للتحوّلات.
2. انتقاد للتحولات الناشئة من هذه الحاضنة.
رؤية انتقادية إلى الأرضية الثقافية...الشعور السطحي
يمكن اعتبار الاستدارة الذاتية، والشعورية وحبّ الذات، بوصفها ثمرة نوع من الاتجاه المعارض للتنوير؛ وهي معارضة أحدثت بُعدًا تفريطيًا لأمر متطرّف. توضيح ذلك أن تعارض العقل التنويري مع البنية والتركيبة الداخلية لوجود الإنسان، قد أدّى إلى التمرّد الفلسفي على التنويرية العقلانية والعقلانية الآلية. إن خصائص ومواصفات العقلانية الآلية عبارة عن: التأثير، والجدوائية، وحساب الخسائر والفوائد، وتخصّصية الوظائف. إن العقلانية الآلية تعني تمامًا أن القيَم غير العملية وغير الآلية، مثل الرحمة والصدق والجمال والمفهومية، أمور معارضة ومخلّة أو في الحدّ الأدنى غير ذات صلة بالواقع. لا بدّ من الالتفات إلى أن العقلانية[32] غير الأمر المعقول[33]. يقول دانيل بيل: إن الأمر المعقول يسعى إلى اكتشاف البنية المنطقية الكامنة في نظام الطبيعة؛ في حين أن العقلانية تسعى إلى استبدال النظم التقني والفني بالنظم الطبيعي في المجتمع، والذي يتحقّق من طريق تنظيم مسار العمل، والتطابق العملي بين الوسائل والأهداف، وفرض الأبنية البيروقراطية بدلًا من أواصر القربى، وفرض الضوابط، وتوظيف القوى العملية ورعاية أصول الاستخدام والتوظيف[34].

وعلى كل حال فإن الأدبيات المعارضة للتنوير قد تمّ إنتاجها بشكل حيوي باللغة الفرنسية، وقبل ذلك باللغة الألمانية. بيد أن هذه الأدبيات بدلًا من التعديل في الضدية مع العقلانية المفرطة، وقعت في فخ التفريط. إن فريدريك نيتشه ـ على سبيل المثال ـ لم يكن له أدنى اعتقاد بالقيَم التنويرية. تعد آراؤه من الركائز والأركان الأساسية لنظريات ما بعد الحداثة. ولم يكن يتحمّل العقل والكلية والتطور والشمولية والأخلاقيات وما إلى ذلك. لم يكن ينظر إلى العالم إلا بوصفه أداة ولعبة في يد ديونيسوس. لقد كان لديونيسوس ـ من الآلهات الإغريقية الأسطورية ـ وجهان مختلفان: وجه ناظر إلى الماضي، وهو وجه مدمّر، ووجه آخر ناظر إلى المستقبل، وهو وجه بنّاء ويدعو إلى التفاؤل والسعادة؛ إنه خلّاق مدمّر، ومدمّر خلّاق. يذهب نيتشه إلى الاعتقاد بأن كل من يقوم بالأعمال بهذه الطريقة فسوف يكون هو «الشخص الأمثل». وبهذه الطريقة من التفكير ظهر في القرن العشرين أشخاص من أمثال: أدولف هتلر، وموسوليني، وإستالين[35].

إن التفريط العاطفي يؤدّي إلى بنية مجتزأة ومتناقضة. إن هذه النزعة الإحساسية والعاطفية لم تتحوّل إلى أصل مطلق وعام بحيث يشمل جميع الأبعاد، وإنما تمّ العمل على توظيفها بشكل انتقائي. ولكي نقوم بإيضاح هذه النقطة لا بدّ من الرجوع إلى ستيفان مستروفيتش. يذهب مستروفيتش إلى الاعتقاد بأننا -خلافًا لما يريد غيدنز أن نعتقد- لا نعيش في عالم ما بعد التراث، بل نعيش في عالم ما بعد الإحساس. نحن نعيش في مرحلة ما بعد الجهود الكثير التي بذلها الحداثويون من أجل الفصل بين العقل وإحساس الحياة. إن البوسنة التي شهدت أكثر المجازر والإبادات فظاعة في العالم، إنما هي من تداعيات هذا التطوّر. ولم يكن للتغطية الإعلامية لهذا التطهير العرقي في وسائل الإعلام العالمية سوى الحدّ الأدنى من التأثير على إيقاف هذه الأعمال الوحشية؛ وذلك لأن الاطلاع على أحداث البوسنة وحده لم يكن يثير القلق حول الظلم والجور الذي وقع هناك. ولن يصدر هناك أيّ شيء من دون أي نوع من أنواع المخاوف والهواجس أو الحبّ والهيام. وعلى هذه الشاكلة فإن النزعة الإحساسية بدلًا من أن تؤدّي إلى توسيع نطاق الحماية لأعمق العواطف والطبقات العاطفية للإنسان بذاته، ولكل الناس من أبناء جلدتنا وحتى عالم الطبيعة، قد وصلت في حالتها إلى أدنى الطبقات والمستويات الفردية.

المباني الثقافية لحبّ النفس؛ الفردانية والنزعة الإنسانية
قلنا إن ثقافة حبّ النفس تتضمن الإصرار المفرط على الذات وتحقيقها وإظهارها. ويمكن اعتبار هذا الأمر بدوره تشديدًا للفردانية والنزعة الإنسانية في مرحلة الحداثة، ولا جرَم أنها تعاني من الآفات ذاتها التي كان يعاني منها مسار الفردانية[36] والنزعة الإنسانية.

إن الفردانية الليبرالية من الناحية المنطقية تعاني من التناقض الذاتي؛ فمن جهة لا يُعدّ المجتمع ومؤسساته ـ من وجهة نظر الليبرالية ـ شيئًا أكثر من مجموعة الأفراد، ومن جهة أخرى يقع «الفرد» في قبال المجتمع، وإن العمل الجمعي والفردي يختلفان عن بعضهما من الناحية الكيفية[37]. لو كان المجتمع ـ كما تكرر الفردانية دائمًا ـ ليس شيئًا سوى الأفراد، وأنه ليس له من واقعية فوق آحاد الأشخاص، كيف يحدث لهؤلاء الأفراد المتنوّعين عندما يجتمعون أن يتحدوا على فعل الخير أو يمارسوا الشرور؛ وهي الأعمال التي لم تكن موجودة لدى آحاد الأفراد؟
إن من بين التناقضات الرئيسة الأخرى في الفردانية الليبرالية، هو التعارض الواقع بين المفهومين الضمنيّيَن أدناه، ويمكن العثور عليهما بشكل متزامن في نظريات بعض المنظّرين البارزين في الليبرالية، من أمثال: هوبز، ولاك، وبنتام، بل وحتى جون ستيوارت ميل[38]:

1. أصل احترام الإنسان بوصفه غاية في نفسه، والقول بتساوي الناس من الناحية الإنسانية.
2. التأكيد على طبيعة الفرد في حبّ النفس، كما أشار إلى ذلك وولف محقًا، فإن طبيعة الفرد تميل إلى اعتبار الأشخاص الآخرين لا بوصفهم غايات، وإنما بوصفهم وسائل للوصول إلى أهدافه وغاياته.
هناك انتقاد جاد آخر للفردانية من زاوية عدم تطابقها مع الحقائق الاجتماعية. إن الاتجاه الطبيعي للفردانية الليبرالية، عبارة عن التفكير بالفرد بشكل منفصل ومستقل. ولكن لا شك في أن العزلة لا تستطيع وحدها طمأنة الناس وتحقيق مطالبهم، حيث إنهم في الغالب يحتاجون إلى العلاقة مع الآخرين على مختلف المستويات، ابتداءً من التعارف العابر إلى الصداقة والحب والعلاقة الأبدية.

إن مصدر قرارات كل شخص ـ بناء على النظرية الفردانية ـ عبارة عن رغباته، إلا أن تصوير الأشخاص الذين تكون مآربهم ورغباتهم ومشاربهم مستقلّة عن أيّ ضغط خارجي، والقول إنهم يحصلون عليها من طبائعهم بشكل كامل، لا ينسجم مع الحقائق الخارجية والملموسة. كيف يمكن تصوير أشخاص لم يتأثروا بتعلّمهم وتربيتهم وثقافتهم وعاداتهم وتاريخهم وتقاليدهم؟! هل يمكن تجاهل الإعلام الذي تمّ إبداعه بشكل شخاص لغرض قولبة الأذواق واستثارة رغبات الناس، واعتباره أمرًا فاقدًا للتأثير؟! ألا يدلّ التأثير التام للتربية والتعليم في تكامل قوّة التعقّل لدى الأشخاص دليلًا على عدم إمكان اعتبار التعقّل والمعرفة مجرّد موهبة طبيعية وفردية، بل يجبّ عدّها في الغالب أمرًا اجتماعيًا؟!
لو نظرنا إلى القضية من منظار الرؤية الماركسية، سوف نجد تأثرًا حتميًا لدى الفرد بالنسبة إلى مسائل الإنتاج، وإن كانت هذه الرؤية ـ من وجهة نظرنا ـ متطرّفة. لقد كان آلستور يذهب إلى الاعتقاد بأن الصفات التي تنسبها النزعة الإنسانية إلى الموضوع، أي الوعي والتجربة والعاملية والعقائد والقيَم، إنما تبلورت ضمن المجتمع وعلى يده[39]. وفي الواقع فإن موضوع التاريخ ـ من وجهة نظر آلستور ـ ليس هو الفرد الإنساني الذي يتكلم ويمارس نشاطه في عالم واضح في ضوء الحرية العقلانية بكامل وعيه، بل هو نوع من «البنية المسيطرة»؛ وهو ما يُسمّيه ماركس «قوى وعلاقات الإنتاج»، وكان يعتقد بأنها تعمل من خارج الإنسان وبشكل مستقل عن إرادته، وتعمل على تعيين نموذج وأفق النشاط الفردي[40].

في الفردانية الليبرالية يتم إبطال الاستناد إلى الماضي والبعد الوراثي للتقاليد والسنن؛ وذلك لأنها ذريعة لتخلّي الفرد عن مسؤوليته في بلورة عقائده واختيار الأمور بإرادته. وعلى هذا الأساس فإن الفردانية تنظر إلى الحاضر والمستقبل، ولا تنظر إلى الماضي. ولكن كما نبّه آربلاستر، فإن النظرة الاستقبالية والتفكير في المستقبل في النزعة الفردانية تقع اليوم ضمن هالة من الغموض والإبهام وسوء الفهم أيضًا؛ لأنها مقترنة بخطر ظهور نوع من النزوع إلى فقدان البوصلة والنزوع نحو اللاهدفية وانعدام الإنسانية وضياع التجربة.

كان أدورنو يذهب إلى الاعتقاد بأنه بعد ما شهدناه من المجازر الجماعية والفضائع والمصائب، لم يعد بمقدورنا اليقين بنظرية التقدّم والتطور بشكل جاد[41]. كما كان والتر بنيامين بدوره ـ بالنظر إلى هذه التداعيات ـ يعتبر الحداثة كارثة لا نهاية لها[42].
وقد تساءل إجنس هيلر في كتاب تحت عنوان «هل يمكن للحداثة أن تستمر؟»، قائلًا: «هل يمكن للمؤسسات السياسية والاقتصادية والأخلاقية الموجودة في الغرب أن تواجه التحديات المطروحة في نهاية القرن العشرين للميلاد؟ هل أبنية الحياة الحديثة تسعى إلى القضاء على العناصر الوجودية المعتبرة؟ وهل هناك واقعية لمقولة اسمها «نهاية الفرد الإنساني»[43]؟

وعلى الرغم من عدم وجود اتفاق تام في مورد ميتافيزيقية الإنسانية، وهناك من يراها في الأعم الأغلب نزعة أيديولوجية، إلا أن وجود المباني التوجيهية لكل نزعة أيديولوجية ـ والتي يمكن عدّها ميتافيزيقية ـ تسمح لنا بالدخول إلى الملاحظات الميتافيزيقية في مورد النزعة الإنسانية.
يقول ميشيل باريه: «لا بأس بتصوير القضية الديكارتية المعروفة. إن هذه القضية يتمّ صنعها في خيال مخترعها. إنه أبيض البشرة وشخص أوروبي، وقد حصل في الدراسة على شهادة علمية عالية، فهو لذلك عالم ومفكّر مرهف الحسّ، وربما كان بمقدوره أن يفكر باللاتينية واليونانية أيضًا، وكان يعيش أبكر من أن يصبح برجوازيًا (الطبقة الرأسمالية التي تمتلك وسائل الإنتاج)؛ ولكنه يتمتع بذات الثقة الطبقية بالنفس؛ فهو يمتلك نوعًا من الاطمئنان على وجوده وقدرته، فهو ليس إمرأة ولا أسود البشرة وليس مهاجرًا أو شخصًا هامشيًا يقطن في الضواحي والمناطق العشوائية، وليس مثليًا، وهو أب وله أولاد. من الواضح لنا بشكل كامل أن هذا النوع من القضايا يدور في تركيزه حول شبكة من الخصائص الاجتماعية والشخصية الفريدة التي تمثل القدرة»[44]. إن مراد ميشيل باريه من هذه الكلمات هو أن النموذج المضحك وما يشبهه من الأمور اللاحقة التي يتمّ افتراضها باسم الموضوع الإنساني، قد عملت في الغالب عن بيان رغبات أقلية قوية تمّ تأطيرها بألفاظ حول الإنسانية الشاملة.

من خلال الاستلهام من نقد ميشيل باريه، وانتشاره النظري، يمكن لنا أن نستدل بأن جميع القدرة الفعالة والمركز الجوهري للعقائد الإنسانية تكمن في الصورة التي يقدّمها للموضوع الإنساني. إن هذه الصورة تعمل مثل حبل المسبحة على نظم سلسلة من النتائج. من خلال تصوير الإنسان بوصفه موضوعًا يسعى إلى بسط سيطرته على الطبيعة، يُستنتج أن العقل الذي يتمّ تمجيده من قبل النزعة الإنسانية، هو العقل الآلي والذرائعي الناظر إلى الهدف والغاية، وإن حرية واستقلال الإنسان عبارة عن الإرادة الناظرة إلى القوّة.

إن النقد الميتافيزيقي يدقّق في الصوَر الإنسانية للإنسان، وإن النقد العام لجميع هذه الصوَر يتجه إلى تقليليتها. إن الإنسان في الآراء الإنسانية يتمّ احتقاره وامتهانه من خلال خفضه إلى البُعد المادي، ثم يتمّ تقديم ما تبقّى من ثمالته الحيوانية في معرض فخم من التكريم والتجليل.

إن النظرة التقليلية إلى الإنسان، تحوْل دون الحصول على المفهوم الأساسي للحرية، والمقدّم على سائر المفاهيم الأخرى للحرية، وهو تحرّر الإنسان عن الذات. في النزعة الإنسانية يتمّ إظهار المرجعيات الخارجية بوصفها عديمة الاعتبار، حتى يذهب الظن بذلك إلى أن حرية الفرد الإنساني قد تحقّقت بمفهومها الأتمّ. وبطبيعة الحال لا يبقى في هذا الخطاب موضع لهذا الافتراض القائل: ما هو الحكم لو أضرّ القضاء على المرجعية الخارجية بتحرر الإنسان عن ذاته؟ لو نظرنا إلى الموضوع الإنساني -الإنسان بوصفه فاعلًا معرفيًا- بجميع أبعاده دون تقليل، لا يمكن غض الطرف عن تسلّط بُعد على الأبعاد الأخرى، وبالتالي نقض حرية واستقلال الأبعاد المغلوبة. إن العقل الحذر والناظر إلى المستقبل -أو الناظر إلى الآخرة في مورد المعتقدين بالأديان التي تؤمن بالآخرة- يتعارض بشكل جادّ مع العقل النفعي، ولا بدّ من العلم بأن النزعة الإنسانية لن تفتح أيّ هامش للبحث بشأن هذا التعارض.

ربما كان الأمر ـ كما أشار ميشيل باريه ـ بحيث إنه من خلال تغريب أساس الخطاب الإنساني الذي ينظر إلى قيَم الإنسان الغربي بوصفها هي الماهية الأصيلة للإنسان، ينسدّ الطريق أمام التأصيل النظري للهوية الميتافيزيقية للإنسان. ومع ذلك يمكن اليوم مشاهدة آثار لنوع من الاستياء العملي من النزعة القومية وكراهية الأجنبي والغربي المستعمر في الحركات الشعبية في كافة أنحاء العالم.

إن الحرية التي تمثّل لازمة لدى النزعة الإنسانية والفردانية، كانت من الناحية الفلسفية موردًا للبحث والكلام؛ وذلك لأن مبنى تحديدها كان مبهمًا ومثيرًا للجدل، كما أدّت من الناحية العملية إلى الكثير من المجازر والكوارث. ومن ذلك أن ماركي دوساد قد عمد إلى إظهار الانحرافات الناشئة من الحرية الجنسية، وبذلك قام برسم صورة سوداوية عن حرية الإنسان[45].
وقد ذهب بيتر فاغنر إلى القول إن أحد أهم معطيات الحداثة من الناحية الاجتماعية هو «تناقض الحرية والانضباط». إن الحرية من أهم المعطيات البشرية في بلورة الحداثة، بيد أن أحد الركائز والأركان الأصلية للمجتمعات الرأسمالية المتطوّرة في العصر الصناعي المتأخّر عبارة عن ضرورة وجود الانضباط والنظام الحديدي والشامل؛ وذلك لأن التقدّم كلّما كان سريعًا وكبيرًا يكون رهنًا بالنظم والانضباط، وهذا الأمر في حدّ ذاته يتناقض مع مفهوم الحرية في الكثير من الجهات[46].

يتساءل ألان تورن: «ألسنا نعيش في عالم زاخر بفنون الإنتاج، ونرزح في عالم التواصل أكثر من ذي قبل، بحيث يفصلنا هذا العالم عن ذواتنا ويدفع بنا نحو اللهو واللعب والتخبّط في غمار المتاهات؟»[47].
وعلى الرغم من إمكان اعتبار النزعة الإنسانية والتعلّق بالإنسان بوصفها الماكنة المحرّكة لتأسيس واستقرار المؤسسات الأدبية والفنية وتقدّم العلوم الإنسانية في عصر النهضة وما بعدها، ولكن في الوقت نفسه علينا أن لا نقصر النظر على المعطيات المذكورة، ونغض الطرف عن الأبعاد السلبية للنزعة الإنسانية. إن البربرية والوحشية المتجلّية في التطوّر والتقدّم التكنولوجي العسكري المدمّر، وظاهرة القتل الجماعي والإبادة العرقية، والمزيد من الاستثمار والاستعمار، والاغتراب عن الذات، والحنين إلى الماضي، ومعسكرات الموت، ومفارز الإعدام، ومعسكرات إحراق اليهود، والحرب العالمية الأولى والثانية، والفضائع المرعبة في هيروشيما وناكازاكي، وجرائم حرب الفيتنام، والجزائر، والتطهير العرقي الذي تعرّض له السود في القارّة الأفريقية، وبالتالي أنواع الأنظمة الشمولية المستبدّة، إنما تمثّل الوجه الآخر من عملة حبّ الأنا والعنصرية والقومية المدرجة ضمن مفهوم النزعة الإنسانية.

كما يمكن مشاهدة الأضرار الكبيرة والضربات المهلكة التي تكيلها محورية النزعة الإنسانية لدى الإنسان تجاه الطبيعة. ومن ذلك تضرر طبقة الأوزون، والتغييرات الجينية للنباتات والحيوانات والبشر بسبب التجارب النووية، وظاهرة الاحتباس الحراري، والارتفاع التدريجي لحرارة الأرض بفعل الغازات الدفيئة، والتلوث الصناعي وتلوث الأنهار والبحار، وتدمير الغابات وما إلى ذلك من الكوارث الأخرى التي تنشأ بسبب الاستثمار المفرط واللئيم للإنسان تجاه الطبيعة.
وفي الآونة الأخيرة ونتيجة للأضرار الناجمة عن الأزمة البيئية، بدأنا نشهد إحياء النزعة الطبيعية الفلسفية والأخلاقية التي تسعى إلى تقديم فهم غير إنساني عن الطبيعة الإنسانية؛ وهو فهم يضع الإنسان العاقل على طرف المساواة مع سائر أنواع الحيوانات[48].

إن حركة الخضر ـ التي هي حركة ظهرت على أساس توفير الحماية للبيئة ـ ترى أن حبّنا لأنفسنا على حساب تجاهلنا للعالم غير الإنسان، هو السبب الرئيس في القضاء على البيئة، وهذا يمثل كارثة بالقوّة[49]. إن محورية الإنسان، إنما تنظر إلى العالم غير الإنساني بوصفه مجرّد وسيلة لتحقيق أهداف الإنسان، وهذا تمامًا هو ما يعتبره الخضر وأنصار البيئة أساسًا للمآسي التي تعاني منها أرضنا، وقد صرّح موري بوكتشين ضدّها قائلًا: هناك مساواة قيَميّة يمكن تشخيصها بين الأنواع، ولم يعد ذلك النوع من هرم الطبقية الذي يقف الإنسان على رأسه يقدّم صورة جديرة بالعرض عن الوجود الحقيقي والواقعي للظواهر[50].

نقد حبّ النفس
إن الجنوح المفرط المدرَج ضمن ثقافة حبّ النفس وتحقيق الذات والفردانية الصارخة والإظهار المفرط للذات، يمثل مؤشرًا ودليلًا على الاغتراب العميق عن الذات؛ وذلك لأن النزوع إلى إبراز الذات إنما هو من خصائص الشخص الذي يعاني من فقدان الهوية، وأخذ يرزح بين حشود كبيرة وعديمة الهوية من الناس؛ ولذلك فإنه لا يرى أمامه من خيار سوى العمل -من خلال إشباع مشاعره السطحية- من أجل الحصول على هوية ما، وإن كانت هوية متغيّرة وغير مستقرة. وقد تحدّث جيمسون عن الاغتراب عن الذات، وعن الاجتثاث والاستتئصال، وفقدان الهوية، والعزلة والانشقاق الاجتماعي، بوصفها من المضامين الحداثوية الكبيرة، وقد وصف سكان المدن والمواطنين في المجتمعات المدينية والصناعية المتطوّرة بأنهم أشخاص مغتربون عن ذواتهم، وأنهم عرضة للأوهام وحالات الهذيان، واختلالات النوم، وحالات الكسل[51].

إن الاهتزاز وعدم استقرار الحياة الحديثة، والتأثيرات المعقَّدة للتقسيمات النفسية الناشئة عن سيطرة الآلات التكنولوجية، وصناعة المكائن، من قبيل: الأوهام، والجنون، وحب النفس، والتخيل، والحسد، والغيرة، والنفي والإنكار، هي من بين الظواهر التي تعد ـ بزعم مؤلِّفي كتاب «تأمّلات في قرن من الحداثة الإنجليزية»[52] (من إعداد ميكانوا وآلان أوشي) (1995م) ـ من الخصائص البارزة للحداثة الإنجليزية[53].

صلة الرفاهية والترف بقصر التفكير
إن لسيطرة ثقافة الرفاهية والترف المفرط ـ الذي ينشأ من ثقافة حبّ النفس والشعور السطحي ـ علاقة وصِلة ديالكتيكية مع ضياع السرديات والروايات المتقدمة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما تضيع السردية الدينية حول الغاية من الخلق والآخرة والثواب والعقاب، لا يكون المنشود للإنسان ـ تبعًا لذلك ـ سوى اغتنام اللحظة والفرصة، والاستفادة القصوى من الرفاهية والملذات الدنيوية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى عندما تتحوّل الرفاهية إلى أمر مثالي ومطلب غائي ومعيار اجتماعي، فإن المثاليات الأيديولوجية والأفكار العالية والعميقة القائمة على الروايات المتقدّمة سوف تضمحلّ وتزول على المستوى العملي. وعلى هذا الأساس تكون هناك علاقة وصلة مفهومية ومتبادلة بين قصر التفكير ـ بمعنى التفكير السطحي بالمصالح المحدودة والمتداولة بدلًا من التفكير في المصير والسعي إلى تحصيل المنفعة الحقيقية ـ وبين الرفاهية والترف.

إن الرفاهية حيث تتصل بأدقّ شؤون الحياة اليومية ومتطلّباتها، فإنها تحول دون التفكير والتأمّل العميق في فلسفة الحياة والحكمة من الخلق والوجود. وهنا يتداعى إلى الذهن نقد مارتن هيدغر، حيث يلخّص جميع نقده للحداثة في الأصل الميتافيزقي لنسيان الوجود. وكان يقول إن العقل الحديث من ألدّ أعداء التفكير؛ وذلك لأنه يفتح الطريق أمام تبرير نسيان التفكير بالوجود، بل ويذهب حتى إلى ضرورة إنكار التفكير أيضًا. إن هذا العقل من خلال الاستناد إلى المعطيات التكنولوجية والفنية، وعملية تسهيل الحياة اليومية التي هي غاية الحداثة، تتظاهر بأن الحديث عن الوجود يُعدّ عملًا بعيدًا عن الحنكة والحصافة[54].

قراءة نقدية للدين والروحانيات الحديثة
1. خفض الدين والروحانية إلى مستوى البضاعة الاستهلاكية
إن تحويل الدين والروحانية إلى بضاعة يقوم مسبقًا على أمر آخر، وهو عبارة عن: خفض الدين والروحانية من أمر وحياني وميتافيزيقي إلى أمر عرفي ونفسي. إن إخراج الميتافيزيقا ومفهوم الإله من دائرة العقل، كان يُعدّ ـ بشكل رئيس ـ من ثمار الجهود الفكرية للفلاسفة في عصر التنوير، ولا سيّما منهم إيمانوئيل كانط. فلولا نجاح الأطروحة الكانطية في إخراج الميتافيزيقا من دائرة العقل النظري، لما كان هناك ما يبرر خفض مفهوم الإله إلى مجرّد مفهوم يحتوي على آلية تنظيمية[55]، وعزل الدين الوحياني عن مسرح الوجود.

لقد تعرّضت فلسفة ورؤية إيمانوئيل كانط إلى الكثير من الانتقادات، وفيما يلي سوف نشير بشكل عابر إلى جانب يسير منها. إن التيار المناهض للتنوير يعدّ واحدًا من أهم الناقدين لإيمانوئيل كانط. وفي التيار المناهض للنزعة التنويرية نرى أشخاصًا من أمثال يوهان غوتفريد هيردر (1744 ـ 1803م)، إن الهجوم المهمّ لهيردر يتّجه نحو توصيف الأشخاص المستنيرين للتاريخ بأنّهم يواجهون في التاريخ نوعًا من الأحكام المسبقة؛ بمعنى أن التاريخ من وجهة نظرهم عبارة عن حركة تصاعدية من الخرافة المذهبية إلى الأخلاق الحرّة وغير الدينية. بيد أننا لو درسنا التاريخ في ضوء هذا النوع من الأحكام المسبقة، سوف لا ننجح أبدًا في فهمه ضمن حقيقته العينية أبدًا. علينا أن نسعى من أجل الدخول إلى صلب حياته المعقّدة، وأن نعمل قدر الإمكان على إدراكه من الداخل دون الحكم عليه بالحسن أو القبح[56].

يذهب هيردر إلى الاعتقاد بأن الإنسان قد خُلق للدين. وفي الحقيقة هناك ارتباط وثيق جدًا بين الدين والإنسانية؛ بحيث تمّ وصف الدين بأنه أعلى مراتب الإنسانية. إن منشأ الدين عبارة عن فهم الإنسان التلقائي للظواهر المرئية بسبب عللها غير المرئية. وحتى الأديان الباطلة بدورها تشهد على قدرة الإنسان على معرفة الله[57].
إن الشخص البارز الآخر في التيار المناهض للحركة التنويرية هو فريدريش هاينريش ياكوبي (1743 ـ 1819م). وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن إيمانوئيل كانط قد أخطأ، وقال إن الاعتقاد بالله ليس أصلًا موضوعيًا عمليًا، بل هو نتيجة للإيمان، بمعنى أنه حصيلة الإشراق الداخلي للعقل الأسمى. إن العقل الأسمى أو الفاهمة، قوّة مختلفة عن العقل؛ حيث ندرك بواسطتها حقيقة تفوّق الحقيقة الحسية مباشرة[58].

كما تمّ لاحقًا توجيه الكثير من الانتقادات لفلسفة إيمانوئيل كانط. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أو وليم رالف إينج (1860 ـ 1954م) حيث ردّ في القرن العشرين على التطوّر المتبجّح للحضارة الآلية ساخرًا. وقد ذهب إلى الاعتقاد والقول: ليس التطوّر المادي، بل القيَم الثابتة الروحية والحقيقة والجمال والخير هي التي يمكن لها أن توفر أساسًا محكمًا وراسخًا لمجتمعنا. إلا أن هذه القيَم قد نشأت من الله سبحانه وتعالى[59]. إن العقل مهم من وجهة نظر إينج، ولكنه ـ على غرار إربين ـ يرى العقل بمعنى أوسع من معناه الشائع في العصر الجديد. إن العقلانية الحديثة أصبحت ذات بُعدٍ واحد، في حين أن العقلانية الحقيقية ذات آفاق أوسع، وتنظر إلى الحقائق والقيَم معًا. إن الفلسفة العقلانية الحقيقية تهدينا إلى الغاية ذاتها التي نصل إليها بواسطة الدين. إن غاية الفلسفة هي غاية الدي نفسها، وهي عبارة عن المعرفة الكاملة للموجود الكامل. طبقًا لرؤية إينج هناك جزء خاص في تاريخ الفلسفة يعمل على تحقيق الاتحاد المثالي للتفكير العقلاني مع الإدراك الديني أو العرفاني لله، وهو عبارة عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة[60].

الاعتقاد النفعي أساس الدين والبضاعة الروحانية
إن الزاوية الأخرى لنقد تحوّل الدين والروحانية إلى بضاعة، عبارة عن اشتمالهما على نوع من الاعتقاد النفعي. إن الاعتقاد النفعي بوصفه خصوصية للعقل الآل، يؤكّد على تحصيل الحد الأقصى من الفائدة المحسوسة والدنيوية. ومن ناحية أخرى فإنّ التحوّل إلى بضاعة يتضمّن عنصرين أساسيين، وهما: وقوع الشيء موردًا للطلب بسبب فائدته الملموسة وإمكان مشاهدته وكونه قابلًا للتقويم والقياس، أو تحوّل فوائد ذلك الشيء إلى كمية.

والآن يمكن أن نشاهد جميع النواقص المنطقية / الفلسفية الواردة على الاعتقاد النفعي تمسك بأذيال تحوّل الدين والروحانية إلى بضاعة؛ وهي نواقص من قبيل: الغموض والإبهام في مفهوم «الفائدة»، وطريقة تقويم الربح والأضرار على المدى القصير وعلى المدى البعيد لأمر ما[61].
وعلى كل حال، هناك موضع لطرح هذا السؤال الجاد وهو: هل يمكن للدين والروحانية المتحوّلة إلى بضاعة، حتى لم يعد الدين متعاليًا، أن ينطوي على الفائدة المتوقّعة، ويؤدّي إلى إشباع حاجة البشر إلى «المعنى»؟ يرى بيتر بيرغر ـ في دراسة مختلف الحركات الدينية في القرن العشرين للميلاد ـ أن الفصل المشترك بينها عبارة عن إظهار هذا الأمر، وهو أن وجود الإنسان من دون الاستفادة من التعالي الديني ليس شيئًا آخر سوى وجود فقير، بل وحتى ضعيف الأسس[62].

2. الثقافة الاستهلاكية للتديّن والروحانية
إن استهلاك الدين والروحانية بوصفهما موضوعًا يدعو إلى المسرّة والمتعة ينشأ من الخلفيات الثقافية، من قبيل: حبّ النفس، والبحث عن المتعة، وتسطيح المطالب الشعورية التي سبق أن تمّ نقدها. وعلاوة على أخذ تلك الانتقادات بنظر الاعتبار، يمكن الإشارة إلى النواقص الأخرى أيضًا في خصوص الدين والروحانية الاستهلاكية.

وعندما يتحوّل الدين والروحانية إلى موضوع يبعث إلى السرور، حيث إن آليتهما تنحصر في إشباع حاجة سطحية للغاية ومبتذلة -بمعنى الحاجة إلى المسرّة من نوع الضحك والفكاهة، دون الغبطة الحقيقية المدرجة ضمن السعادة الغائية-، فإنها تفتقر إلى التأثير المتجذّر وطويل الأمد. كما أن الملذّات المادية العابرة، من قبيل: مشاهدة فيلم ممتع، أو تناول الذرة المشوية أو المكسّرات، وقراءة الشعر، وما إلى ذلك، تنطوي على آثار مرحلية وعابرة تمامًا -وهي غالبًا ما تنحصر في مدة الاستفادة من الموضوع المفرِح- ويختصّ بأوقات الفراغ -بوصفها من الأوقات الهامشية في الحياة والبعيدة عن صلب الواقع-، فإن الدين والروحانية الاستهلاكية بدورهما لا يلعبان دورًا في تغيير مسار الحياة أو إيجاد الحلول الكلية في فلسفة الحياة.
لقد تمت الإشارة إلى أوقات الفراغ. وإن الالتفات إلى هذه النقطة مهمّ أيضًا، وهي أن التديّن الاستهلاكي علماني بالكامل ويختلف عن الأجزاء الجادّة من الحياة اليومية ـ التي هي من قبيل: العمل والقيام بالوظائف الملقاة على عاتق الآخرين من قِبل المجتمع والآخرين، والمحافظة على المصالح والحقوق وما إلى ذلك -وهذا يتعارض ولا يتناغم مع ذات شمولية الدين والروحانية. يمكن أن نثبت أن الأحكام والواجبات والمحرّمات في أغلب الأديان- تنظر إلى العلاقات الاجتماعية بشكل معقد تمامًا، بالإضافة إلى التعاليم الفردية؛ بحيث إن تجاهلها يعرّض الأحكام الفردية بدورها إلى النقصان أيضًا، ويخلّ بتناغم قوام الشريعة وانسجامها[63].

كما يمكن انتقاد التدين الباحث عن السرور، من حيث خفض الإنسان إلى أكثر المشاعر والأحاسيس سطحية، وإلى أكثر الرغبات والميول بنائية. وفيما يلي نذكر مثالًا واضحًا على هذا الخفض والتقليل. لقد عنونت مجلة راز موفقيت، في عددها الحادي عشر (الصادر في شهر دي عام 1387 هـ) الصفحة السادسة والأربعين بعنوان «عارفانه»، ثم أدرجت تحت صورة لمهرّج العبارة أدناه: «إن الحياة بأجمعها تشبه مزحة كونية. إن الحياة ليست ظاهرة جادة. وإن أخذتها بجدية، فإنك في الحقيقة سوف تفقدها. إن إدراك الحياة وفهمها إنما يكون ممكنًا من طريق الضحك. هل تنبّهت حتى الآن إلى أن الإنسان وحده هو الحيوان الضاحك. لقد كان أرسطو يقول: إن الإنسان وحده هو الحيوان الناطق، ولكن هذا الكلام ليس صحيحًا بشكل كامل؛ وذلك لأن النمل والنحل من الكائنات الناطقة أيضًا. وفي الواقع فإن الإنسان بالمقارنة إلى النمل والنحل يبدو كائنًا غير منطقي. كما أن جهاز الحاسوب منطقي جدًا، والإنسان بالقياس إليه غير منطقي للغاية. إن تعريفي للإنسان هو أن الإنسان وحده الحيوان الضاحك. إن النحل والنمل وجهاز الحاسوب لا يضحكون أبدًا. إنما الإنسان وحده هو الذي يمتلك هذه الموهبة. إن الضحك هو النقطة التي تمثل ذروة نموّ الإنسان. فمن طريق الضحك يقترب الإنسان من الله؛ إذ من خلال أسمى الصفات الإنسانية يمكن للإنسان أن يبلغ المنتهى. إن الضحك بمثابة الجسر الرابط بين الإنسان وبين الله تعالى».
لا ينبغي السعي إلى تأويل الكلام أعلاه بمختلف أنحاء التأويل، وتفسير كلمة «الضحك» بمعان أعمق؛ وذلك لأن صورة المهرّج المرفقة معه، تشكّل قرينة واضحة على أن المراد من «الضحك» هو هذا الضحك المعهود والمعروف والشائع في حياتنا اليومية.

إن خفض الإنسان بل وخفض الحياة بأسرها إلى مستوى الفكاهة والدعابة إنما ينسجم مع تفكيكية ما بعد الحداثة عن العقلانية فقط، ولا يتناغم أبدًا مع الرؤية التقليدية وما بعد الطبيعية، ولا ينسجم حتى مع الفلسفات الحديثة الأعم من المثالية التي دعا إليها فيخته، ولا مع النزعة التجريبية، ولا النزعة التحصيلية، ولا الفلسفة النقدية لإيمانوئيل كانط، ولا أصالة المنفعة، ولا أصالة العمل وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس فإن العرفان التقليدي الأصيل في حقل الأديان الإبراهيمية ـ التي تدعو إلى الاهتمام بالتوحيد وتجاوز التعددية ـ يستلزم اجتناب جميع أنواع الهزل واللعب. إن الحقيقة الغائية من العظمة والسموّ والرفعة والشمولية بحيث تجعل العارف مستغرقًا في لمعاته وإشراقاته وتمنعه عن كل شاغل غير حقيقي بالمرّة. ومن وجهة نظر أغلب المذاهب الأخلاقية يعدّ اللهو والمزاح من أجل الهروب من الواقع والتحرر من قيود بعد النظر، أمرًا مذمومًا ومستنكرًا.

بالنظر إلى خفض الإنسان والحياة، يمكن القول إن الروحانية الاستهلاكية تفتقر إلى النتائج المنشودة والمتوقّعة. إذا اعتبرنا نتيجة الروحانية والدين عبارة عن بيان المعنى، يمكن لنا أن ندرك أن وضع الضحك والسرور بوصفهما غاية ومفهومًا للحياة، وهذا سوف ينتج مفهومًا هشًّا ومتداعيًا جدًا بالنسبة إلى الروحانية الاستهلاكية؛ إذ إن الشاكلة والبنية الداخلية لوجود الإنسان، تبحث عن غاية الغايات والمفهوم النهائي للحياة، ولا يمكنها الوقوف على المسرّة المادية، بل وسوف تسأل سريعًا عن غاية هذه المسرّة ومفهومها أيضًا. وفي الواقع فإن السرور والملذّات المادية والضحك، لا يمكن لها ـ في حدّ ذاتها ـ أن تكون غاية الغايات واعتبارها موردًا للتعلّق النهائي.

3. تحويل الدين والروحانية إلى وسيلة للعلاج والاستشفاء
كما أن نقد النفعية يستند إلى استحالة تقدير الربح والخسارة لعملٍ ما على المدى البعيد، يمكن الإشارة في نقد التديّن والروحانية القائمة على البحث عن العلاج إلى نقص وخلل من هذا النوع أيضًا. إن الدخول العملي إلى هذا النوع من الروحانيات، إنما يبدو معقولًا في واحد من الصوَر الآتية:

1. الاستقراء التام للأرباح والخسائر وإثبات أن الأرباح أكثر من الخسائر. في هذا النوع من الاستقراء ليس من الضروري الالتفات إلى مجرّد الظواهر القصيرة الأمد، من قبيل الرفع المؤقّت لأعراض مرض من الأمراض، وكذلك يجب الوقوف على أن الرفع الحقيقي لمرض ما يلازم عروض مرض آخر، وقد يكون أشدّ منه أم لا. وكذلك لا بدّ من إجراء مقارنة بين عدد الأشخاص الذين تمّت معالجتهم بالروحانية الخاصة وامتثلوا للشفاء حقًا، وعدد الأشخاص الذين لم يحصلوا على نتيجة إيجابية أو حصلوا على نتيجة سلبية.
2. ضمان تحقّق العلاج الحقيقي من قبل مصدر موثوق ومرجع رفيع.
3. التأييد العلمي لتحقق العلاج.

إن الروحانية لمجرّد الاستشفاء والعلاج، ولا سيّما عندما تقترن بنوع من حب النفس (الوسوسة في مراعاة الذات)، تخلق أرضية مناسبة للاستغلال من قبل المخادعين، ويجب الحذر بشدة من الوقوع في الاستغلال وخلط الخرافات والأوهام والحيل البصرية بالحقائق الطبية.
وحتى لو افترضنا تحقّق العلاج الحقيقي استنادًا إلى الروحانية المستحدثة، وتمّ تأييد ذلك من قبل علم الطب، وأكدت المشاهدات التجريبية صحّته، مع ذلك لا يمكن اعتبار هذا الأمر شاهدًا على صحة رؤية الادعاء الغائي لذلك الدين أو تلك الروحانية وأحقّيتها؛ إذ اللازم يمكن أن يكون أعم من الملزوم. وبعبارة أخرى: إن العلاج قد يكون معلولًا لأسباب أخرى غير ما يتمّ ادعاؤه. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يُحتمل خلافًا للرؤية المدعاة القائمة على وجود طاقة كونية أو الحلقات السماوية وما إلى ذلك، قد تكون مسألة الشفاء والعلاج ناشئة عن التلقين النفسي، أو على أساس المعتقدات ما وراء الطبيعية، ومن القوى الشيطانية والجن وأمور من هذا القبيل. حاليًا نجد الجماعات الروحانية المستحدثة تسعى في الغالب -من خلال بيان رؤية مدعاة لا تستند إلى أيِّ نوع من الأدلة العقلية، ولمجرد الاستناد إلى نتائج من قبيل العلاج والشفاء- إلى إثبات مدّعياتها، وهي نتائج لها الكثير من الأنصار والمؤيدين بين الناس في العصر الحاضر.
يمكن مشاهدة نموذج واضح للعلاج بالدين في العلاج بالطاقة التي تعرف بـ «ريكي». إن ريكي عبارة عن طريقة علاج جسدي، وفي الغالب روحي / نفسي، وقد شاعت هذه الطريقة في العقود الثلاثة الأخيرة في الغرب والشرق على نطاق واسع. وقد قامت السيدة تاكاتا سنة 1937م في هاواي بتعريف الغرب على هذه الطريقة العلاجية التي تعود في الأصل إلى اليابان[64].

نطلق على طريقة ريكي مصطلح الدين أو الروحانية المستحدثة؛ لأنه يعمل مثل الأديان التقليدية على إقامة عقيدة غاية تنطوي على بعض الممارسات والطقوس. وإن تسمية «ريكي» في حدّ ذاتها تمثّل شاهدًا على هذا الادّعاء؛ وذلك لأن كلمة «ري» تعني روح الله، والشعور الأسمى للكائنات والعقل الأزلي للوجود، و«كي» يعني طاقة الحياة. ونقرأ في موقع مجتمع ريكي في إيران، ما يلي: «إن ريكي من أخلص أنواع عشق الآلهات، وقد تمّ إرشادنا إليها من أجل الاستفادة منها في الدنيا، وليس علينا أن ندفع بإزائها سوى الخضوع والإذعان لها تسليمًا واحترامًا. إن هذا الأمر يحصل من طريق اللمس العطوف والرحيم ليد الكون ... إن ريكي طريقة تقوم بتطويع الطاقة الكونية...، وتؤدي إلى السلامة والسعادة والرخاء والعمر الطويل. إن طريقة ريكي في غاية البساطة ومثيرة للحيرة. ولم يتمّ استثمار هذا العلم حتى الآن بشكل كامل، ولا يزال العلماء يسعون إلى إدراك الأسرار الخفية لهذه الطريقة الوقائية والعلاجية. ... إن طريقة ريكي طريقة شاعرة ولا تحتاج إلى توجيه من المعالج، بل توجّه من تلقائها إلى حيث تكون الحاجة الأكبر والأفضل للعلاج... ولكن للحصول على هذه الطاقة وانتقالها سوف يحتاج الإنسان إلى قضاء مرحلة من التماهي والتناغم مع المعلّم لهذه الطريقة لكي يتمكّن من الاستفادة من هذه الطاقة الكونية الشاعرة والمطلقة واللامتناهية»[65].


قائمة المصادر
آربلاستر، أنطوني، ليبراليسم غرب: ظهور و سقوط، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس مخبر، نشر مركز، طهران، 1377 هـ ش.
أحمدي، بابك، معماي مدرنيته، انتشارات مركز، طهران، 1380 هـ ش.
إليوت، غريغوري، أومانيسم، ضمن: مايكل، بين (منقح)، فرهنگ انديشه انتقادي از روشنگري تا پسامدرنيته، ترجمه إلى اللغة الفارسية: پيام يزدانجو، نشر مركز، طهران، 1382 هـ ش.

بيرغر، پيتر، «موج تازه سكولارزدايي از جهان: دورنماي جهاني»، ضمن: پيتر بيرغر (محقق)، أفول سكولاريسم: دين خيزش گر و سياست جهاني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أفشار أميري، انتشارات پنگان، طهران، 1380 هـ ش.
تورن، آلن، نقد مدرنيته، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مرتضها مرديها، انتشارات گام نو، طهران، 1380 هـ ش.
دابسون، اندرو، فلسفه و انديشه سياسي سبزها، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، انتشارات آگاه، طهران، 1377 هـ ش.
ديويس، طوني، أومانيسم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس مخبر، نشر مركز، طهران، 1378 هـ ش.
شجاعي زند، علي رضا، دين جامعه و عرفي شدن،، نشر مركز، طهران، 1380 هـ ش.
كاپلستون، فردريك، تاريخ فلسفه: از ولف تا كانت، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إسماعيل سعادت ومنوچهر بزرگمهر، (المجلد السادس)، شركت انتشارات علمي و فرهنگي و انتشارات سروش، 1373 هـ ش.
كيوبيت، دان، درياي إيمان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن كامشاد، انتشارات طرح نو، طهران، 1376 هـ ش.
غيبينز، جان وبو ريمر، سیاست پست‌مدرنیته: درآمدی بر فرهنگ و سیاست معاصر، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منصور أنصاري، انتشارات گام نو، طهران، 1381 هـ ش.
لوبك، والتر، فرانك آرجاوا ووليم لي رند، روح ريكي، راهنماي كامل سيستم ريكي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: شايان معين وآخرون، نشر أسيم، طهران، 1385 هـ ش.
مك كويري، جان، تفكر ديني در قرن بيستم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضائي وشيخ شجاعي، مركز انتشارات تبليغات اسلامي حوزة علمية قم، قم، 1375 هـ ش.
نوذري، حسين علي (مؤلف ومترجم)، صورتبندي مدرنيته و پست مدرنيته، انتشارات نقش جهان، طهران، 1379 هـ ش.
هابرماس، يورغن، جهاني شدن و آينده دموكراسي منظومة بساملي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: كمال پولادي، نشر مركز، طهران، 1384 هـ ش.

Allport, Gordon, The Individual and his Religion, New York, Macmillan, 1962.
Bauman, Zygmunt, Liquid Modernity, Cambridge, UK: Polity, 2000.
Beck, U, Individualization, London, Sage, 2002.
Chappell, Tim & Roger Crisp, Utilitarianism, in: Edward Craig (ed.), Routledge Encyclopedia of Philosophy, 1998.
Heelas, Paul & others, The Spiritual Revolution: Why Religion is Giving Way to Spirituality, Blackwell, 2005.
Hobsbawm, Eric, Age of Extremes, London, Abacus, 1995.
Inglehart, Ronald, The Silent Revolution: Changing Values and Political Styles Among Western Publics, Princetion, Princetion University Press, 1977.
Inglehart, Ronald, Culture Shift in Advanced Industrial Society, Princetion, Princetion University Press, 1990.
Inglehart, Ronald, Modernization and Postmodernization, Cultural, Economic and Political Change in 43 Societies, Princeton University Press, 1997.
Lasch, Christopher, The Culture of Narcissism: American Life in an Age of Diminishing Expectations, New York, Norton, 1979.
Miller, Vincent J., Consuming Religion, New York & London, Continuum, 2004.
Taylor, Charles, Varieties of Religion Today, Cambridge, MA: Harvard University Press, 2002.
Veroff, Joseph, Elizabeth, Douvan & Richard, Kulka, The Inner American: A Self- Portrait from 1957 to 1976, New York, Basic Books, 1981.
Woodhead, linda & Paul Heelas, Religion in modern times, Blackwell, 2000.
Wuthnow, Robert, The New Spiritual Freedom, in: Lorne Dawson (ed.), Cults and New Religious Movements, a Reader, Blackwell Publishing, 2003.

------------------------------------
[1]. تعريب: حسن علي مطر
[2]. دكتوراه تخصصية في الأديان والعرفان المقارن من جامعة طهران.
[3]. Wuthnow, The New Spiritual Freedom, 90.
[4]. Kendal
[5]. Heelas & others, The Spiritual Revolution: Why Religion is Giving Way to Spirituality, 45.
[6]. غيبينز وريمر، سياست پست مدرنيته، 39.
[7]. كيوبيت، درياي إيمان، 16.
[8]. م. ن، 17.
[9]. بمعنى العقلانية التي كان يضعها ماكس فيبر في قبال العقلانية القيَمية. إن العقل في العقلانية الآلية يفكر بشكل مادي بحت، ويعمل على تقويم أفضل الطرق المادية وأقصرها في الوصول إلى الأهداف والأغراض المادية. وبطبيعة الحال ليس هناك موضع لمقولة القيَم والأحكام الأخلاقية في هذا النوع من العقلانية.
[10]. هابرماس، جهاني شدن و آينده دموكراسي منظومة بساملي، 198.
[11]. Christopher Lasch
[12]. The Culture of Narcissism
[13]. إشارة إلى بحث ماكس فيبر الذي يرى أن العقلانية الحديثة تشتمل على سيطرة حتمية على سلوك الناس وتفكيرهم.
[14]. Subjective Turn
[15]. Heelas & others, The Spiritual Revolution: Why Religion is Giving Way to Spirituality, Blackwell, 2005.
[16]. Eric Hobsbawm
[17]. Ronald Inglehart
[18]. Charles Taylor
[19]. Joseph Veroff
[20]. Zygmunt Bauman
[21]. Bauman, Liquid Modernity, 32.
[22]. Allport, The Individual and his Religion, vii.
[23]. superficial sentimentalism
[24]. حركة ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد على يد أشخاص من أمثال: فريدريك اشليجل، وكالريج، وووردزورث، وتمّ التعريف بها إلى العالم رسميًا. لقد اهتم الرومنطيقيون ـ في قبال الجهود الحثيثة لحركة التنوير في الاستناد على الفهم العلمي التحليلي والناقد والمنظَّم ـ بالإشادة والاحتفاء بقدرة الخيال والإبداع ودور الشعور والشهود.
[25]. Woodhead & Heelas, Religion in modern times, 340.
[26]. Ibid.
[27]. Ibid.
[28]. Ibid.
[29]. Popcornization
[30]. Commodification
[31]. Thrapeutization
[32]. Rationality
[33]. Reason
[34]. شجاعي زند، دين جامعه و عرفي شدن، 251.
[35]. نوذري، صورتبندي مدرنيته و پست مدرنيته، 132.
[36]. لقد شاعت الفردانية (individualization) مؤخرًا على يد بيك (Beck, 2002)، وهي تشير إلى مسار لإنتاج اجتماعي لـ «الذات» (self).
[37]. آربلاستر، ليبراليسم غرب: ظهور و سقوط، 72.
[38]. م. ن، 47.
[39]. إليوت، أومانيسم، 107.
[40]. ديويس، أومانيسم، 82.
[41]. نوذري، صورتبندي مدنيته و پست مدرنيته، 189.
[42]. م. ن، 190.
[43]. م. ن، 144.
[44]. ديويس، أومانيسم، 80.
[45]. نوذري، صورتبندي مدنيته و پست مدرنيته، 131.
[46]. م. ن، 166.
[47]. تورن، نقد مدرنيته، 250.
[48]. إليوت، أومانيسم، 107.
[49]. دابسون، فلسفه و انديشه سياسي سبزها، 101.
[50]. م. ن، 73.
[51]. نوذري، صورتبندي مدنيته و پست مدرنيته، 267.
[52]. عنوانه في طبعته الفارسية: (تأملاتي در يك قرن مدرنيته انگليسي).
[53]. م. ن، 143.
[54]. أحمدي، معماي مدرنيته، 237.
[55]. بمعنى أن مفهوم الإله إنما تمسّ الحاجة إليه لمجرّد بيان كيفية العالم وتنظيم تصوّراتنا عن هذا العالم، لا أن هذا المفهوم يشير إلى حقيقة خارجية.
[56]. كاپلستون، تاريخ فلسفه: از ولف تا كانت 6: 159.
[57]. م. ن، 6: 193.
[58]. م. ن، 6: 163.
[59]. مك كويري، تفكر ديني در قرن بيستم، 303 ـ 304.
[60]. م. ن، 304.
[61]. Chappell, Crisp, Utilitarianism, 9: 555 – 556.
[62]. بيرغر، «موج تازه سكولارزدايي از جهان»: 29.
[63]. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن لكم أن تأخذوا الصلاة في الإسلام، والتي هي من الواجبات الفردية، بنظر الاعتبار، حيث تنطوي على أحكام من قبيل: عدم غصبية لباس المصلّي وموضع صلاته وما إلى ذلك، مما يستلزم السلامة الاقتصادية في المجتمع، أو في الحد الأدنى رعاية الأحكام الاقتصادية في الإسلام من قبل الفرد (ليكون له كسب حلال وأن لا يكون ثوبه والمكان الذي أعدّه للصلاة مغصوبًا).
[64]. لوبك، آر جاوا، لي رند، روح ريكي، راهنماي كامل سيستم ريكي، 3.
[65]. http://rei.Ki.ir