البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

انتشار الروحانية: الإعراض عن الدين أو العودة إلى الدين

الباحث :  أحمد شاكر نجاد
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  39
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث :  309
تحميل  ( 606.233 KB )
الملخّص
هل العصر الراهن هو عصر العودة إلى الدين؟ وهل يعبّر انتشار الكلام حول الروحانية والمعنوية عن انعطافة نحو التديّن؟ كيف أمكن اليوم للروحانية والمعنوية، التي يتمّ فهمها في إطار الدين، أن يتمّ تصوّرها حتى بمعزل عن الدين، بل وتبدو هذه الروحانية والمعنوية بالنسبة إلى بعضهم أكثر رقيًا من الدين أيضًا؟ إن المسألة المحورية في هذه المقالة تقول: ما هي العناصر والأرضيات التي أدّت في العصر الحاضر إلى حدوث استدارة وانعطافة من الدين نحو المعنوية والروحانية، وما هي الأسباب الموجودة في التديّن والتي أدّت بفهم الإنسان الجديد إلى التهرّب من تلك الأسباب، وأخذ يقبل من أجل تسمية هواجسه المتعالية بمصطلح المعنوية والروحانية؟ وبعبارة أخرى: إن السؤال الأصلي المطروح في هذه المقالة هو أولًا: ما هي الأرضيات (ولا سيّما الأرضيات الاجتماعية والثقافية) التي أدّت ببعضهم إلى المعنوية والروحانية المجرّدة من الدين، والسعي إلى امتلاك معنوية وروحانية خالية من الدين. وثانیًا: ما هي الخصائص التي تكتسبها المعنوية والروحانية في ظلّ الانعطافة الجديدة للتديّن. إن هذه المقالة من خلال الاستعانة بنظريات في حقل علم الاجتماع الديني والثقافي، ومن بينها النظرية الذاتية، وإثبات الذات، وما بعد المادية، ونظرية حبّ النفس الثقافي، سوف تسعى إلى التعريف بالعوامل الأصلية وأسباب ظهور المعنوية بمعزل عن الدين، وأن تثبت من خلال تحليل النظريات كيف يدخل الدين -عبر التأكيد الكبير على نفس الإنسان في مسار العثور على المعنوية- إلى مرحلة جديدة، وتحت عنوان الروحانية والمعنوية بدلًا من التديّن الأصلي والمتمحور حول الوحي، يتم القبول بنوع من التديّن الشخصي والمتمحور حول الذات.

الكلمات المفتاحية: معنوية ما بعد الحداثة، إظهار الذات، حبّ النفس الثقافي، النزعة الأنفسية.

المقدمة
«أنا شخص روحاني ولكني لست شخصًا متديّنًا»
«إن المتدينين قطعيون وظاهريون، وأما الروحانيون فهم أصيلون وحيويون»
«إن مستقبل البشرية متّجه نحو الروحانية والمعنوية والتديّن بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون القدرة على التفكير والتجربة»
«إن التعبّد ليس أخلاقيًا ويعدّ آفة للروحانية والمعنوية»
«إن المعنوية والروحانية يجب أن تكون ذاتية المنطلق والمذهب».
إن هذه العبارات أو نظائرها تنطوي على مفاهيم تعدّ في الوقت الراهن بالنسبة إلى بعض الأشخاص مفاهيم «عقلائية»، ولكنها كانت حتى ما قبل سنوات تعدّ من المفاهيم غير العقلانية بالكامل، وبعضها متناقض. من ذلك على سبيل المثال أنّه في عالم التراث تكون هذه العبارة: «أنا شخص روحاني ولكني لست متديّنًا» من قبيل قول الشخص: أنا رجل بغدادي ولكني لست عراقيًا. أو بدلًا من القول: إن التعبّد غير أخلاقي، يقول في عالم التراث: إن الاكتفاء الذاتي والدين الذاتي أمر غير أخلاقي.

بنظرة أدقّ إلى هذه العبارات أعلاه، سوف ندرك أنها وإن كانت تعمل على تأييد نوع من تجاوز الحسّ المادي، ولكنها تُحجِم عن أن يتم هذا العبور المذكور من جادّة الأديان التقليدية والأصيلة. إن هذه العبارات تبحث عن طريق جديد؛ بحيث إن المعنوية بدلًا من تعريفها في إطار الدين، تكون منبثقة من الداخل ومن صنع الإبداع الفردي. ووفق هذا الأسلوب فإن النواة المركزية للمعنى في هذه العبارات تتبلور حول إيجاد التقابل بين الروحانية والتديّن. إن الروحانية تعدّ أمرًا منبثقًا تلقائيًا، وهي حيوية وأصيلة وحيّة، في حين أن الدين يعدّ أمرًا صارمًا وتعبّديًا وغير عقلاني وغير عملي وتبعي.
إن الغرض في المقالة الراهنة هو أنه بعد التعريف بهذا النوع من الرؤية إلى الروحانية والمعنوية، يتمّ إلقاء نظرة إلى عناصر تمهّد لهذه الرؤية وإضفاء المشروعية عليها. من خلال هذا البحث سوف نتمكّن من إلقاء نظرة على التحوّل العميق للتديّن في عصر ما بعد الحداثة، وأن ندرك، من بين تعدد وتكثر هذا الأسلوب من التديّن، العنصر المشترك بينها، وهو التعددية والتديّن الذاتي ومحورية الإنسان.

إن هذا التعدد الفكري وإن كان قد عمل على تكثير التجلّيات المعنوية والروحانية، ولكن في نظرة من القمّة إلى السفح يمكن تقسيم أهم التيارات الروحانية والمعنوية الموجودة (لا على نحو الحصر التام بطبيعة الحال) على النحو الآتي:

1. الروحانية المترقّية: المتدينون الليبراليون أو الحسّيون المتأثّرون بمعايير العصر الحاضر، يتقبّلون قراءة شخصية ومتطابقة مع طبعهم وفهمهم للمعنوية والروحانية الدينية.
2. المعنوية والروحانية العلاجية: المعنويون الذين يهتمون بمعالجة الأوجاع والآلام النفسية والجسدية للإنسان، يستفيدون من كل موروث أو مدرسة سواء أكانت منبثقة عن العلوم المعاصرة، من قبيل: علم النفس والطب التكميلي أو الأعمال السحرية والشامانية[3].
3. روحانية ومعنوية النجاح : التيارات التي تهتم بالأفكار والتعاليم المعنوية والروحانية بهدف الحصول على النجاحات الدنيوية والحصول على الرضى الباطني في النجاح المهني والعملي.
4. الروحانية والمعنوية النوستالجية[4]: الأشخاص الذين سبق لهم -ولا سيّما في مرحلة الطفولة- أن خاضوا تجارب دينية ممتعة، ضمن الفضاء التقليدي بطبيعة الحال، ولهم حاليًا عودة عاطفية وما بعد حداثوية إلى تجاربهم الماضية.
5. المعنوية الكمالية: الاتجاه نحو المعنوية والروحانية التلفيقية بوصفه موضة العصر وبضاعة كمالية.

إن هذه الدراسة تقوم على أساس التحليل وإعادة قراءة آراء المنظّرين والباحثين الروحانيين والمعنويين في الغرب؛ وهي النظريات القائمة على أساس المعطيات التجريبية، وتعدّ بوصفها نظريات معروفة في حقل الأبحاث المعنوية والروحانية. من خلال الاستعانة بهذه النظريات، من قبيل: النظرية الذاتية[5]، ونظرية ما بعد الشعور[6]، ونظرية معنوية الحياة[7]، ونظرية معنوية ما بعد الرأسمالية[8] وغيرها، سوف نتعرّف على عناصر وحواضن تبلور هذه الاستدارة/الانعطافة في التديّن بشكل أفضل. إن هذه الدراسة لا مندوحة لها من اتخاذ مثل هذا الاتجاه (قيام البحث على أساس التحقيقات الغربية) في جمع المعطيات؛ وذلك لأن المعنوية والروحانية الجديدة والمستحدثة، ظاهرة ترتبط بالبلدان الصناعية، وإن التحقيقات التجريبية حولها قد تمّت بدورها في السنوات الأخيرة فقط (وبشكل رئيس بعد عام 2000 للميلاد)، وفي تلك البلدان ذاتها بالتحديد. وكذلك حيث إن هذه الظاهرة في إطارها الكلي لم تدخل إلى [البلدان الإسلامية] إنما تعرّفوا على بعض جوانبها وأبعادها فقط (وذلك من طريق ترجمة الآثار الخاصة بموضوع علم النفس التطبيقي والعام وكتب العلاج النفسي والنجاح، وكذلك من خلال استعارات المذاهب المعنوية والروحانية الجديدة، أو التديّن الليبرالي عن آثار المعلمين الفكريين في هذا التيار)، وليس على كامل هذا التيار أو الثقافة، ومن هنا فقد جعلنا محور البحث هو بيان وشرح المعنوية والروحانية في مرحلة ما بعد الحداثة في البلدان الغربية؛ إذ ما لم يتمّ فهم هذه الظاهرة في منشأها وموطنها وفي كلّيتها، فإنّه لا يمكن التعرّف على تجلّياتها الفرعية في الداخل.

عصر ما بعد الحداثة والمعنوية الجديدة
من الصعب تعيين الحدود الدقيقة لمرحلة ما بعد الحداثة[9]؛ وذلك لأن مرحلة ما بعد الحداثة بوصفها استدارة ثقافية عن الخطاب السابق لها؛ أي خطاب الحداثة، ما زالت تمتلك الكثير من الأواصر والصلات مع مرحلة الحداثة، بحيث إن بعضهم (من أمثال يورغن هابرماس) يرفض هذه التسمية، ويعتبر هذه المرحلة المذكورة بدورها امتدادًا للخطاب الحداثوي أيضًا[10]. إن الثابت -بغض النظر عن هذه التحدّيات- هو أن التديّن منذ عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد، قد شهد بعض المتغيّرات في أوروبا وأمريكا، وكانت هذه المتغيّرات متأثرة بالفضاء الفكري والثقافي والانفصال الخطابي الجديد. لكي ندرك هذه المتغيّرات بشكل أفضل، وأن يكون لنا -تبعًا لذلك- فهم أفضل للاستدارة المفهومية لكلمة المعنوية والروحانية في هذه المرحلة، فسوف نسمّي المقطع والمرحلة التاريخية منذ عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد إلى هذا اليوم عصر ما بعد الحداثة، وضمن دراسة خصائص هذه المرحلة، سوف نعمل على بحث التحوّلات المفهومية للمعنوية والروحانية فيها.

إن مفردة ما بعد الحداثة، والتي شاعت -بطبيعة الحال- منذ عقد السبعيات للقرن العشرين من الميلاد، تحكي في نواتها المركزية عن نوع من الاحترام والتقدير للتنوّع ضمن تفشّي الإبهام والغموض والتعقيد والتكثّر الثقافي المتصاعد منذ عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد فصاعدًا[11]. وهو الاحترام القائم -من الناحية المعرفية- على مبنى التفكير النسبي، والثورة على القطعية والحتمية العلمية لمرحلة الحداثة، وعدم تحمّل موقف النزعة الإطلاقية والنخبوية[12]. إن هذا الوعي ما بعد الحداثوي، يوفر أرضية جديدة للإيمان والمعنوية، وإن هذه الأرضية بدلًا من القطعية والثبات، تهتم بالتنوّع والتعددية وحرية الاختيار والبحث والتحقيق في التديّن.
إن الفضاء الفكري / الثقافي المذكور يضفي المشروعية على أسلوب ونمط من التديّن الذي لا يصرّ على التراث والشريعة والموضوع الديني، ويعمل على تقدير الضياع والزلل. وحيث إن كلمة الدين قد اقترنت بالتسليم والتعبّد، فقد سبق أن تمّ استعمال مفردة المعنوية لتسمية هذا الأسلوب والنمط الجديد. وقد أطلق المحقّقون على المعنوية والروحانية في هذا العصر أسماء مختلفة، من قبيل: المعنوية العلمانية، ومعنوية الحياة، والمعنوية السيّالة، والمعنوية الدنيوية، والمعنوية المادية، والمعنوية المستحدثة، والمعنوية المجرّدة من الدين وما إلى ذلك. ولكن حيث كان لثقافة ما بعد الحداثة دور كبير في إيجاد هذا التيار[13] وقد أعدّت الأرضية لانتشاره، يمكن على هذا الأساس اعتبار المعنوية الجديدة معنوية ما بعد الحداثة. وقد عمد أشخاص من أمثال: ديفد ليون[14]، وباول هيلاس[15]، وليندا وودهيد[16]، وديفد ري غريفين[17]، وولتر هنينغراف[18]، وشووان تشندلر[19]، وبهزاد حميدية، إلى بيان المفهوم الجديد للمعنوية ضمن تحليل الخطاب الثقافي لما بعد الحداثة. من ذلك -على سبيل المثال- أن باول هيلاس في مقالة « حدود الاستهلاك والدين ما بعد الحداثي في ​​العصر الجديد»[20] (ص 105)، وولتر هنينغراف في كتاب «دين العصر الجديد»[21] (ص 249 ـ 258)، وبهزاد حميدية في كتاب « الروحانية في سلة المستهلك» (ص 317)، قد ذهبوا إلى اعتبار مفهوم المعنوية والروحانية الجديدة متأثرة بالثقافة الاستهلاكية لعصر ما بعد الحداثة. وقد ذهبت ليندا وودهيد في مقالة «روحانية ما بعد المسيحية»[22]، وشووان تشندلر في أطروحته العلمية على مستوى الدكتوراه بعنوان « الأخلاق الاجتماعية في الروحانية المستقلة عن الدين»[23]، وروبرت واتنو[24] في مقالة «الروحانية والحرية» في جميع مواطن التحقيق، إلى اعتبار المفهوم الجديد للمعنوية متأثرًا بالفضاء العام لثقافة ما بعد الحداثة ولا سيّما الحريات الدينية وتعدد خيارات التديّن.

وبطبيعة الحال، يمكن تسمية هذه المعنوية والروحانية بمعنيين معنوية علمانية أيضًا: في المعنى الأول -على حدّ تعبير أورسولا كينغ- لا يمكن لها أن تتحقّق إلا في المجتمع المنفتح والعلماني، وعليه فإن هذه المعنوية والروحانية علمانية. وفي المعنى الثاني بالنظر إلى المصدر العلماني وغير الوحياني للتيارات التي تكتسب عنوان المعنوية في عصر ما بعد الحداثة، وكذلك استناد هذه التيارات إلى فهم البشر دون الوحي الإلهي، يمكن أن نضع لها عنوان المعنوية العلمانية[25]. وعليه فإن مفردة المعنوية والروحانية في فضاء ما بعد الحداثة بدلًا من النشوء في حاضنة دينية أو الاستناد إلى مصدر ديني، قد نشأت في أرضية علمانية ذات مصادر بشرية (من ذلك على سبيل المثال: في الأبحاث المتعلّقة بالتعليم في المدارس، وبين الحركات النسوية، والناشطين في مجال السلام، والمعالجين النفسيين، والنجاح التجاري والدراسي، والتربية والتعليم، والرياضة، وأوقات الفراغ، وما إلى ذلك)[26].

ضمن سلسلة كتب «الروحانية العالمية»[27] تمّ تخصيص مجلد واحد بالمعنويات والروحانيات العلمانية. وعنوان هذا المجلد « الروحانية والسعي العلماني»[28]، وقد تحدّث بير وان نيس[29]، في مقدمته قائلًا: «إن البُعد المعنوي للحياة نشاط مكثّف لاكتشاف الذات العليا للفرد في نسيج الحقيقة بوصفها شمولية كونية»[30]. إن هذه الشمولية الكونية أو عمق الطبيعة، ليست شيئًا من خارج هذا العالم المادي. وعلى هذا الأساس، فإن المعنويات العلمانية تعمل على تعريف الدنيا دون الحاجة إلى الدين أو عالم الغيب وما وراء الطبيعة، ولهذا السبب يمكن إطلاق عنوان «المعنوية الطبيعية»[31] أيضًا.

وعلى الرغم من أن من بين التجلّيات الأصلية للمعنوية والروحانية في عصر ما بعد الحداثة هي هذه المعنوية العلمانية[32]، ولكن من أجل تجنّب النظرة السطحية والحفاظ على الاهتمام بالتيارات التي عملت على توظيف مفردة المعنوية والروحانية التي تنشط في المساحة الدينية، أو تحيل إلى المرجعية السماوية، ولكنها من الناحية الاعتقادية تمثّل نوعًا ما المولودَ الشرعي لعصر ما بعد الحداثة، سوف نعمل في هذه المقالة بدلًا من المعنوية العلمانية إلى الاستفادة من عبارة معنوية ما بعد الحداثة، ولتحليل مفهومها نلقي نظرة على ظروف وأوضاع ما بعد الحداثة.
إن مدلول كلمة ما بعد الحداثة عبارة عن حالة ثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية خاصّة، ظهرت وتجلّت في أواخر القرن العشرين للميلاد. إن الاختلاف بين دين ما بعد الحداثة وبين معنوية ما بعد الحداثة يكمن في أن دين ما بعد الحداثة دين يحتوي على ظروف وشرائط ما بعد الحداثة (مثل التديّن المترقي أو العلماني)، وأما معنوية ما بعد الحداثة (كما فهم المحقّقون في هذا الحقل من هذه المفردة)، فهي عبارة عن ذلك العبور من المادّة التي ظهرت وتبلورت في حالة ما بعد الحداثة؛ سواء أكانت دينية أو غير دينية (على الرغم من أن دين ما بعد الحداثة -على ما سنرى في العناوين اللاحقة- يحتوي على طاقة عالية تفوق طاقة ما يُسمّى بمعنوية ما بعد الحداثة). إن هذه المعنوية هي ثمرة نمط جديد من المعرفة التي أطلق عليها ليوتارد، وفردريك جيمسون، وديفد هاروي، عنوان ما بعد الحداثة[33]؛ وإن هذا المنطق الفكري الجديد في حقل المعنوية يمكنه أن يؤثّر في الأشخاص الذين يستخدمون أدبيات المعنوية التقليدية، وكذلك في الأشخاص الذين يستخدمون أدبيات المعنوية الحديثة.

إن مدّعى البحث الراهن هو أن المعنوية والروحانية في المنطق الفكري للعالم التقليدي يتمحور حول الآخر ويقوم على أساس التعبّد، وأما في المنطق الفكري الحديث، فهو يتمحور حول الفرد ويركّز على الحاجات الفردية[34]، وأما في المنطق الفكري لما بعد الحداثة، ومن خلال التأثر بالعناصر والحواضن الفكرية لما بعد الحداثة (الانتقال من الفردانية إلى الذاتية)، فإن المعنوية تقوم بشكل كامل على المعطيات والمدركات الشخصية، بمعنى الحقيقة الذاتية والنسبية كما يتمّ إدراكها حاليًا.

للتدقيق في هذا المدّعى بشكل أفضل، لا بدّ من الفصل والتفكيك بين نوعين من ما بعد الحداثة، وهما: ما بعد الحداثة بوصفها تيارًا فلسفيًا، وما بعد الحداثة بوصفها تيارًا ثقافيًا؛ إن التيار الأول تيّار فلسفي يعود تأسيسه إلى عقد السبعينات من القرن العشرين للميلاد، وقد نشأ بين المفكّرين الفرنسيين، ولا سيّما من أصحاب الاتجاه ما بعد البنيوي، وأما التيار الثاني فهو يشير إلى المرحلة الأخيرة من ثقافة الغرب الصناعي. هناك الكثير من الاختلافات بين ما بعد الحداثة الفلسفية وبين المعنوية والروحانية الجديدة -على الرغم من وجود أنواع التشابه القليل (من قبيل: الذاتية، والتفكير النسبي)- وبعض هذه الاختلافات على النحو الآتي:

1. إن المعنوية الجديدة تحتوي على معرفة تجريبية أصيلة، وهي بطبيعة الحال تجربة بكر وشخصية عن الواقعية (وهي بالضرورة غير محدودة باللغة)، إلا أن المذهب الفلسفي ما بعد الحداثوي في ضوء النظرية اللغوية (بحث اللعبة اللغوية بشكل رئيس)، يرفض إمكان التحقق بالتجربة البكر بشكل كامل.
2. إن المعنوية والروحانية الحديثة تهتم بحقيقتها المعنوية (الذات الواقعية)، وأما المذهب الفلسفي لما بعد الحداثة فهو يبحث عن التفاهة وموت الموضوع (وعدم الذات) في نظريته الأدبية.
3. إن المذهب الفلسفي لما بعد الحداثة ينفي وينكر جميع أنواع ما بعد الرواية، وهو في حدّ ذاته لا يوصي بما بعد الرواية، إلّا أن المعنوية الجديدة وإن كانت تنفي وتنكر الروايات الأصيلة والدينية عن الأمور المعنوية، هي في حدّ ذاتها نمط عن ما بعد الرواية (رغم أن ما بعد الرواية هذه قد تنطوي على بعض الاختلافات بين أنواع المعنويات الجديدة)[35].

وبطبيعة الحال هناك تيارات معنوية وروحانية معاصرة متأثّرة بما بعد الحداثة الفلسفية. من ذلك مثلًا ما نشاهده في أفكار دان كيوبيت[36]، حيث نجد نوعًا من معنوية ما بعد الحداثة قد انفصل بالكامل عن الأفكار الدينية المعرفية، ومن خلال اتخاذه مبنى من مدرسة ما بعد الحداثة الفلسفية قد سار في طريق المعنوية والروحانية على خطى المادهاياميكا[37] البوذية[38]، وأخذ ينشر نوعًا من المعنوية والروحانية الوهمية. في هذه المعنوية والروحانية يتمّ إنكار وجود الذات والتجربة وغير الذات بالكامل، ويتمّ الإقرار بأن كل ما هو موجود إنما هو مجرّد التغيير والتوهّم، وإن المعنوية بدورها تتقبّل الإدراك التام والكامل لهذا التوهّم، أي مرحلة السونياتا[39].[40]

وبطبيعة الحال فإن المعنوية المتأثّرة بما بعد الحداثة الفلسفية إنما حدثت على مستوى النُخَب وبشكل محدود؛ وأما الذي تحقق على نطاق واسع وعلى المستوى العام، إنما هو المعنوية والروحانية المتأثرة بما بعد الحداثة الثقافية. إن ما بعد الحداثة الثقافية تشير إلى ثقافة الرأسمالية المتأخّرة أو ثقافة ما بعد النزعة المادية، وفي هذا الفضاء الثقافي يمكن العثور على نقاط شبه بين مفهوم ما بعد الحداثة ومفهوم المعنوية والروحانية الجديدة.

إن المعنوية الجديدة تنطوية على نزعة متهرّبة وفنية تنسجم مع الحاضنة الثقافية لها، ونعني بذلك ما بعد الحداثة. في هذه الأرضية الثقافية من عدم الجدية والقطعية والمزاجية، يتم تفسير البحث عن الحياة والمطالبة بها، ويكتسب التغيير والتحوّل قيمة أكبر من الثبات والاستقامة. في هذا الفضاء الفكري يتمّ استعمال كلمة المعنوية والروحانية للدلالة على نوع من البحث عن المعنى والانتقال من ظاهر الأمور، وبطبيعة الحال لم يتمّ الالتزام (في الحقل الفردي) بالقواعد الثابتة والأصول المنشأة من الخارج، وتسعى إلى تعبيد طريقها المعنوي والروحاني من خلال البحث في الخيارات الموجودة، وتغييرها المتواصل لغرض اجتناب المرارة والعثور على الخيارات البديعة[41]. إن ثمرة هذا النوع من المعنويات -على ما سيأتي بيانه لاحقًا- عبارة عن بناء نوع من الترميق أو الترقيع المعنوي أو الثوب المرقّع الذي يتمّ نسجه من القطع والخيارات المتاحة، وتمّ إيجاد هذه المعنوية من خلال التقاط العقائد والتعاليم المعنوية، وإن أهم مبرر للتمسّك والتشبّث بها عبارة عن اليأس وانقطاع الأمل من هداية الأديان الأصيلة في الأمور المعنوية والروحانية[42].

حيث إن هذا المفهوم الجديد عبارة عن ظاهرة ثقافية ومنبثقة عن الظروف الثقافية لما بعد الحداثة، فيجب علينا لكي ندركها بشكل أفضل أن نلقي نظرة على طريقة تبلورها ونشوئها، والتعرّف على الأسباب التي أدّت إلى تنصّل أبناء هذه الثقافة من الدين الأصيل، لكي نتمكن بعد ذلك من إدراك المفهوم الإيجابي للمعنوية والروحانية. أو بعبارة أخرى: إدراك الماهية المعنوية والروحانية وفهمها من وجهة نظر هذا الجيل، والتعرّف على أسباب وخلفيات وكذلك مراحل تثبيت خطابها أيضًا.

الانعطافة الدينية في عصر ما بعد الحداثة
إذا كان ديفيد هيوم قد أسّس لأصول التشكيك في الميتافيزيقا الدينية في القرن الثامن عشر للميلاد، وإذا كانت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر للميلاد قد وفّرت الأرضية للشعور بعدم الحاجة إلى الدين من خلال الغرور العلمي، وعملت التحقيقات والدراسات الاجتماعية والنفسية في بداية القرن العشرين للميلاد على إظهار الدين بوصفه أمرًا من صنع الإنسان (اجتماعيًا أو نفسيًا)، إلّا أن النصف الثاني من القرن العشرين للميلاد قد شهد تشكيكًا في المعطيات والنتائج الإنسانية للحداثة (نتيجة للحربين العالميتين)، والتشكيك في ميكانيكية العالم، وظهور الآثار البيئية والنفسية للفكر العلماني، وقد أدّى ذلك إلى نتيجة محدّدة، وهي الشعور بالحاجة مجددًا إلى الانتقال من المادة والظاهر. ولكن بعد اجتياز التحوّلات الثقافية لعقد الستينات والسبيعنات من القرن العشرين للميلاد، سوف ندرك أسباب عدم تحوّل هذا الشعور بالحاجة إلى تحقّق العودة المجدّدة للدين التقليدي.

في بداية عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد كان شعار «موت الإله»[43] يتردّد بكثرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أجزاء من أوروبا، بيد أن هذا الشعار بدأ بالانحسار في نهاية هذا العقد لصالح الشعار القائل: «إن الطرق إلى الله لا تحصى»[44]. إن الشعور بالحاجة إلى الدين في أواخر عقد الستينات وأوائل عقد السبعينات من القرن العشرين للميلاد، بالإضافة إلى تنوّع الخيارات الدينية، ولا سيّما مع انتشار الحركات الدينية الجديدة[45]، ممزوجة بالحريات الاجتماعية في عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد، قد أدّى إلى إيجاد الأرضية لانتخاب الخيار المناسب لمختلف الأشخاص (أو أدّى في المراحل اللاحقة إلى صنع الخيار الشخصي من بين الخيارات المتوفّرة). وعلى هذه الشاكلة برزت ظاهرة البحث المعنوي والروحاني من صلب الفوضى والاضطراب الثقافي لعقد الستينات من القرن العشرين للميلاد[46]. وقد كانت نتيجة هذا البحث المعنوي عبارة عن إعادة اكتشاف المعنوية بالشكل المناسب للشخص، أو اختيار طريقة المعنوية الجديدة (وبطبيعة الحال الجديدة بالنسبة إلى الأمريكيين، من قبيل تجربتهم لأنواع من الممارسات الشرقية، مثل: البوذية، واليوغا، والتصوّف، وما إلى ذلك).

ولكن ما هو سبب هذا الاتجاه الجديد نحو التديّن؟ لقد استدلّ روبرت واتنو لذلك في مقالة له بعنوان «المعنوية والحرية» قائلًا: «إن اقتران الحرية المدنية بكثرة الخيارات الدينية قد أدّى إلى تحوّل الحرية من الحق المدني إلى الحق المعنوي، وتعقّب الطبقات الأعمق من الحرية في الحرية الدينية»[47]؛ وبطبيعة الحال فإن الذي أدّى في نهاية المطاف إلى المطالبة بالحرية في الأمور المعنوية والروحانية -على حد تعبير روبرت واتنو- هو أن المطالبة بالحرية في عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد لم يستتبع الحرية المدنية والدينية فحسب، بل وأدى كذلك إلى الاعتراف الرسمي بالحرية حتى في الإحساس والتجربة أيضًا. ومن هنا فقد شاع في حقل المعنوية هذا المعيار القائل بأن الأمور المعنوية يجب أن تقوم على أساس الذوق الشخصي وعلى أساس إرادة الفرد وإحساسه وتجربته، وليس عن تقليد وإجبار وإكراه أو عن عادة[48]. وعلى هذه الشاكلة فإن الوفاء للأعمال الثابتة والمستمرة على نوع من التديّن، قد تخلّى عن موقعه لصالح معيار جديد باسم «الكينونة الذاتية» والاستثارة المعنوية التلقائية.
وبطبيعة الحال، فقد ذكر المحقّقون عوامل أخرى في ظهور المفهوم الجديد للمعنوية والروحانية منذ عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد فصاعدًا، حيث يمكن ملاحظته بوصفه تتمّة لنظرية روبرت واتنو. وقد عمد تشندلر إلى فهرسة العوامل الأخرى المذكورة، على النحو الآتي:

1. الارتفاع المتسارع لعدد سكان الكرة الأرضية بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أحدث جيل الانفجار السكّاني.
2. الازدهار الاقتصادي بعد الحرب العالمية، والذي أدّى إلى ازدياد الطبقة المتوسّطة في المجتمع.
3. انتشار ظاهرة تناول حبوب منع الحمل بين جيل الانفجار السكّاني، والذي أدّى إلى انتشار العلاقات الجنسية المنفلتة، والاعتراف تبعًا لذلك رسميًا بالميول الفردية للحصول على اللذّة والمتعة الجنسية خارج إطار الزواج.
4. إحداث التغيير في قوانين الهجرة، والذي أدّى إلى إيجاد مجتمع متعدّد الجنسيات والأديان في أمريكا الشمالية.
5. جمعيات حقوق الحيوان، وحقوق الشذوذ الجنسي، وحقوق النساء، الأمر الذي كان يقدّم للمجتمع شكلًا قانونيًا لتحدّي معايير الأديان التقليدية.
6. انتشار المدارس الحكومية والتعليم المجاني العام في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي أدّى إلى ارتفاع عدد الطلاب وازدياد مراحل الدراسات التكميلية.
7. إحداث التغيير في نظام التربية والتعليم، وخروجه من تحت سيطرة الأديان، والاعتراف الرسمي التام بعلمانية التربية والتعليم.
8. انتشار العقاقير المهدّئة للأعصاب وانتشارها على نطاق واسع وإمكان وصول عامة الناس إلى التجارب غير المألوفة[49].

إن الموارد المذكورة أدّت بمجملها إلى ظهور جيل جديد من الناس الذين كانوا، على الرغم من سوء ظنهم بالأديان التقليدية وحملهم لهواجس البحث عن الأمور المعنوية والروحانية، يمتلكون خيارات دينية متعدّدة وفرصة الانتقاء من بين تلك الخيارات. وكذلك فإن الأساليب المختلفة وامتلاك حياة ذاتية قد ضاعف من جرأتهم في العمل والإقدام على هذا الاختيار، وامتلاك الخيار الشخصي في التديّن[50].

ومنذ هذه المرحلة فصاعدًا، تمّ طرح مروحة واسعة من الخيارات بوصفها بديلًا للأديان الأصيلة (الإسلام والمسيحية واليهودية وغيرها)، وأطلق عليها عنوان المعنوية بلفظ عام ومبهم.
وأخذت الاستعارات من الموروث الديني للشرق (من قبيل: اليوغا، والزنّيّة[51]، والتنترا[52]، ونظائر ذلك)، والأفهام الجديدة للموروث العرفاني المتفرّع عن الأديان الأصيلة، والفرق الدينية المستحدثة، ودين العصر الجديد، وإحياء الشرك القديم، والتقاليد التي تنطوي على الأسرار، والنزعة الباطنية (التي كانت تعدّ سابقًا في تاريخ الثقافة الغربية من الخطابات المتفرّعة عن التديّن، ويتمّ نبذها تحت عنوان الكفر أو الشرك والإلحاد)، والأفهام العامية لعلم النفس الإنساني، والرياضات الفكرية والذهنية، والعلاج بالأدوية والعقاقير النباتية والطبيعية، تمّت تسميتها بأجمعها باسم المعنوية والروحانية[53]. إن الذي يمكن اعتباره بوصفه وجهًا مشتركًا في هذا الطيف الواسع من الأمور التي تسمّى بالمعنوية، مجرّد نوع من الانتقال والعبور من مستوى ظاهر الحياة.

وبطبيعة الحال فقد عمد بعض المحققين -من أجل تقديم صورة أفضل عن التحوّلات المفهومية لمفردة المعنوية والروحانية في خطاب تديّن ما بعد الحداثة- إلى رسم مرحلتين مترابطتين، بحيث إن التعرّف على كلتا هاتين المرحلتين يمهّد الطريق أمام امتلاك إدراك أفضل لمفهوم المعنوية والروحانية في القرن الحادي عشر للميلاد. وقد عمدت ليندا وودهيد في كلمتها الأخيرة في جامعة أوتاوا، إلى التعريف بمرحلة جديدة في هذا الخطاب، حيث بدأت بعد عام 1989 للميلاد. وقد رأت أن الخصائص الثقافية لهذه المرحلة، عبارة عن:

1. العولمة
2. انتشار الإنترنت
3. الدور الاجتماعي الأكبر للطبقة المتوسطة
4. تراجع سلطة الدول والأيديولوجيات وسلطة السوق وهيمنة الشركات
5. اقتدار النساء[54]

وقال ألين باركر بدوره في كلمته الأخيرة في مدرسة الاقتصاد في لندن: إن التيارات المعنوية والروحية المستحدثة في خطاب تديّن ما بعد الحداثة، يمكن فهمه في مرحلتين؛ الأولى: في عقد السبعينات والثمانينات من القرن العشرين للميلاد؛ حيث كانت هذه التيارات محلية وكارزمية ومباشرة وانحصارية. والأخرى: في عقد التسعينات وما بعدها، حيث ظهرت التيارات المتعددة الجنسيات، والتي تتمحور حول الإعلام، والنسبية والكيفية، والتي هي من الناحية المعرفية منفتحة وتعددية[55].
إن الفهم الأفضل لهذا التحوّل داخل الخطاب. أو بعبارة أخرى: طريقة استقرار الخطاب المعنوي الجديد (منذ أواخر عقد الثمانينات من القرن العشرين للميلاد فصاعدًا) رهن بالاهتمام بمصطلح «العصر الجديد». وفي عقد السبعينات من القرن العشرين للميلاد، كانت الظاهرة مورد البحث، أي المعنوية خارج المؤسسات الرسمية للدين، تُعرف بالاسم العام والذي هو معنوية العصر الجديد أو نهضة العصر الجديد أيضًا. بمعنى أن الأفراد الذين يسعون وراء الحصول على التجارب المعنوية والروحية الشخصية، والتدين الجديد والاختياري، قد تمّت تسميتهم باسم العصر الجديد (الأمر الذي يثبت حاجة الإنسان إلى المعنوية والروحانية الجديدة بالنسبة إلى عصر مختلف تمامًا عن المراحل والأزمنة البشرية السابقة). إن الخصائص العامة للمعنوية والروحانية في هذا التيار، عبارة عن:

1. أهمية التكامل الفردي (تنمية الذات)
2. الانبعاث التلقائي والاستقلال المعنوي
3. الاهتمام بالتقاليد الباطنية الغربية
4. الاستفادة من أنواع العرفان الشرقي
5. التركيز على القدرات الميتافيزيقية للإنسان

وبطبيعة الحال، فإنه بسبب اشتمال هذا المصطلح على المداليل السلبية وقيامه على رؤية فلكية كونية ومعرفة خرافية بالتنجيم فقد شعبيته في نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين للميلاد[56]. ومن ناحية أخرى فإن التيارات والحركات الدينية الجديدة والتي كانت تلبّي جانبًا من حاجة الناس إلى اعتناق معنوية وروحانية مجرّدة من المؤسسات الدينية الرسمية، قد أحدثت فجائع في عقد الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين للميلاد، بحيث أدّى إلى سوء الظن بها من قبل عامّة الناس. من ذلك -على سبيل المثال- الانتحار الجماعي لفرقة جيم جونز في غويان، وبعد ذلك إحراق أتباع فرقة الداوديين في مدينة فيكو، أو سوء الظن بالسلوك الجنسي لأوشو، واكتناز الأموال من قبل بعض الغوريين الهنود من أمثال ماهاريشي زعيم فرقة TM ، فكل ذلك أدّى إلى إخراج المعنويات والروحانيات البديلة التي كانت كارزمية وتتمحور حول التنظيم من دائرة التداول؛ لأنها كانت متّهمة بغسل الأدمغة، والاستبداد والحتمية الفكرية، ولم يكن بمقدورها أن تكون بديلًا للدين ومصداقًا لكلمة المعنوية والروحانية الحرّة[57]. وعلى هذه الشاكلة أصبح مصداق كلمة «المعنوية/الروحانية» بعد عقد الثمانينات من القرن العشرين للميلاد بالتدريج عبارة عن التيارات التي كانت تشيد باختيار الأفراد وحريتهم في الإيمان بالمعنويات أو العمل على صنعها، وعلى الرغم من أن محورية التجربة لا تطلب التبعية والطاعة من الأشخاص[58]، وكانت قادرة على أن تجتمع بسهولة مع أساليب الحياة اليومية والروتينية؛ لأنها لم تكن تلزِم أحدًا بنمط من الحياة الخاصة.

وعليه فإنه كل ما كان يشتدّ عوده في هذا الخطاب، ونعني به خطاب تديّن ما بعد الحداثة، كان يتهاوى ويتداعى؛ بما في ذلك الوصفات البديلة للمعنوية (الحركات الدينية الجديدة وتيار العصر الجديد) التي تبلورت ضمن هذا الخطاب (وبطبيعة الحال في مرحلة الاضطراب الخطابي وليس في مرحلة استقرار الخطاب)، وقد بلغ الإقبال العام حدًا بحيث كانت تراعي الروحية العامة لثقافة ما بعد الحداثة والتي تعني عدم الانقياد وتجنّب الثبات، ولكن مع ظهور مؤشِّرات ودلالات -من قبيل البنية والمؤسسة الرسمية والمطالبة بالانصياع للمعايير الخارجية- قد فقدت رونقها وبريقها أو أخذ يُنظر إليها بعين الشك والريبة.

كيفية التحوّل في التديّن من الناحية الاجتماعية إلى المعنوية
لقد كانت المعنوية والروحانية الذاتية[59]، والروحانية المتحرّرة من الكنيسة[60] شائعة في العالم التقليدي، وكذلك في المرحلة الحديثة بشكل محدود وبين النُخَب في المجتمع أيضًا. ويمكن في الثقافة الإسلامية تسمية بعض الأشخاص الذين كانوا يذهبون إلى هذا الاتجاه من أمثال الخيام وأبي العلاء المعري. ولكن ما الذي جرى بحيث صارت المعنوية الذاتية[61] -على حدّ تعبير الباحثين في المعنوية والروحانية- للتنصّل عن المرجعية في العقود الأخيرة هي الوجه الغالب للنزعة المعنوية، سواء أكان على مستوى النُخَب أم على المستوى العام؟ وكيف أصبح مفهوم المعنوية -الذي كان في السابق لا يُفهم إلا في إطار الدين فقط- يُعرف اليوم غالبًا بوصفه متنصِّلًا من الدين أو محاربًا للدين؟ كما سبق أن ذكرنا فإن الاهتمام والالتفات إلى التحوّلات الثقافية والاجتماعية في العقود الأخير في الغرب يُعدّ أمرًا ضروريًا لفهم التحوّلات الجديدة في مفهوم المعنوية والروحانية وأسباب الإقبال الواسع على هذه المعنوية المتنصلة عن الثوابت والأسس؛ وذلك لأن هذه التحوّلات الثقافية قد شكّلت أرضية لانتشار هذا النوع من المعنوية والروحانية، وكانت مؤثّرة في إضفاء المشروعية على شكل من أشكال المعنوية لم يكن مقبولًا في السابق. وكذلك من خلال التعرّف على هذه التحوّلات الثقافية، يمكن لنا أن ندرك بشكل أفضل كيف أمكن للنظريات المعنوية والروحانية من قبيل نظرية تقديس النفس والوجود الإلهي والإله الحاضر في كل مكان، بدلًا من السعي إلى محو الذات في الوجود الواحد، إلى القول بمركزية الذات؟

إن التحوّلات المتسارعة والثقافية والاجتماعية المتنوّعة في العقود الأخيرة (أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين للميلاد). وبشكل أدق إن التحوّلات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات الغربية منذ عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد فما بعد، قد أدّت بعلماء الاجتماع والمحقّقين في الدراسات الثقافية إلى إدراك الاختلاف بين هذه المرحلة والمرحلة السابقة عليها، ولا يعودون يطلقون على هذا الخطاب الجديد عنوان الحديث. إن تعابير من قبيل: مجتمع ما بعد الحداثة (لدى ما بعد البنيويين الفرنسيين، ولا سيّما منهم جاك دريدا ولويتار)، والمجتمع ما بعد الصناعي (عند دانيل بيل)، ومرحلة الرأسمالية المتأخّرة (من قبل جيمسون)، والحداثة المتأخّرة (لدى هابرماس وغيدنز)، تحكي عن أن المنظّرين في هذا الحقل يشعرون بالفرق والاختلاف بين الخطاب الثقافي لما بعد الحرب العالمية الثانية وما قبلها. وبطبيعة الحال فإن بعضهم (من أمثال فوكو ولويتار) في بيان هذه الاختلافات يؤكّدون بشكل أكبر على الشرخ الثقافي والاجتماع الحاصل بعد المرحلة السابقة. وهناك من أمثال جان باكولسكي[62]، من لا يتحدّث عن التغيّرات الثقافية الجديدة في أدبيات الانفصال والاتصال، بل يتحدّث عن أدبيات ما بعد البسط.

وبعبارة أخرى: إن فوكو يستند إلى ظهور النظم الخطابي الجديد والعلاقات الجديدة بين العلم / القوّة بعد الحرب العالمية الثانية، وتحدّث هابرماس وغيدنز عن الاختلاف في أسلوب الحداثة بعد الحرب العالمية الثانية، وأما عند باكولسكي في المرحلة الأخيرة، أي مرحلة ما بعد الحداثة، فقد تم بسط ذات المسارات الأصلية للحداثة، والعمل على زيادة سرعتها وتوسيع مساحتها وتشديدها. وتحوّلت البضاعة إلى البضاعة الأعظم (ثقافة الاستهلاك) والعقلنة إلى العقلنة الأعظم (النزعة الذاتية)، وصناعة الفرد إلى صناعة الفرد الأعظم (حبّ الظهور والنزعة السطحية)[63]. وعلى كل حال فإن الثابت هو أن الثقافة الراهنة لم تعد هي تلك الثقافة التي يتمّ التعبير عنها بالحداثة، ولم يعد بالإمكان تفسير التحوّل في مكوّناتها وعناصرها (ومن بينها النزعة المعنوية) في الأدبيات العلمانية والهيومانية والفردانية والرأسمالية فقط.
ومع ذلك -كما سبق أن ذكرنا- فإنّ من الخطأ أيضًا أن نعتبر مرحلة ما بعد الحداثة منفصلة عن مرحلة الحداثة بالكامل؛ إذ في العصر الحاضر لا يمكن الادّعاء بأن الجميع ينتمون إلى عصر ما بعد الحداثة، ولا يمكن الادعاء بأن العناصر الثقافية الحديثة ليست موجودة في العصر اللاحق لها؛ أي في العصر الراهن، ولكن يمكن لهذا التمايز أن يساعد على فهم التحوّلات الخاصة بالعصر الحاضر، وأن يعمل على تسهيل إدراك الظواهر الثقافية الراهنة من قبيل النزعة المعنوية الجديدة في مهدها.

وبطبيعة الحال، فإن النظريات الموجودة بشأن هذه التحوّلات يستند كل واحد منها إلى بُعد من أبعادها، ويبرز جانبًا من جوانبها. من ذلك -على سبيل المثال- أن دانيل بيل من خلال تسمية مجتمع ما بعد الحرب العالمية بالمجتمع ما بعد الصناعي، وبحث صفة العمل والثروة والتكنولوجيا والاقتصاد فيما قبل وبعد الحرب العالمية، وتأكيده على تغيير بنية وأهداف النظام الرأسمالي، قد أشار إلى كيفية ذهاب المجتمع الصناعي الذي كان يهدف إلى زيادة العمل ورفع الإنتاج والثروة نحو المجتمع ما بعد الصناعي لغرض إيجاد المزيد من اللذة والمتعة، واكتساب المشاعر والأحاسيس أهمية متزايدة، وإظهار العقيدة وإشباع الرغبات الفردية. وأما جاك دريدا وليوتار، فيستندان من خلال التعبير عن المجتمع ما بعد الحداثوي على البُعد المعرفي لهذه التحوّلات، ويعملان كذلك على إظهار النسبية والفرار عن ما بعد السرديات/الروايات[64] لها أيضًا. وفي البين يذهب جاك دريدا إلى تحليل نسبة هذه المعرفة الجديدة إلى نمط الحياة الاستهلاكية والنزعة السطحية أيضًا. كما يذهب باكولسكي ـ بالنظر إلى اشتداد الفردية الحديثة في المرحلة الجديدة وتبلور ظاهرة الفردية العظمى ـ إلى التأكيد على هذه النقطة، وهي أن الفردية في الثقافة الجديدة قد تقدّمت خطوة على الفردية الحديثة، وبدلًا من التاكيد على محورية الذات صارت تؤكّد على تحقيق الذات والكينونة الذاتية؛ بمعنى أن على كلّ شخص أن ينظر إلى القيم من زاوية ذاته ومن حيث الترجيحات الفردية، وأن يعمل على بناء ذاته على أساس تصوّراته وأفكاره. كما عمد كريستوفر لش[65] بدوره، من خلال الاستفادة من نظرية «النرجسية»[66] الثقافية، إلى إظهار الفردية العظمى، وتحدّث عن تعميم ثقافة عبادة الذات.
وعلى حدّ تعبير بهزاد حميدية: بعد دراسة النظريات الموجودة، يمكن اعتبار «ظهور الثقافة القائمة على مسألة الإبراز المفرط والسطحي للذات» بوصفها من أهم أنواع التحوّلات في هذه المرحلة، حيث ليس لهما من مهمّة سوى «تحقيق الذات»[67]؛ ولهذا السبب يذهب الأستاذ بهزاد حميدية إلى اعتبار حبّ النفس والفردانية العظمى والشعور بالسطحية، بوصفها من أهم أجزاء هذا التحوّل.

بيد أن البحث الجامع لهذه النظريات، أي نظريات علم الاجتماع التي تحدّثت بالنظر إلى تحليل خلفية تبلور المعنوية الجديدة وأرضيتها وإن كان هو الحاجة، إلا أن ذات هذه الحاجة تحتاج بدورها إلى تحقيق مستقل. ولكي نحصل هنا على حالة كلية عن هذه النظريات، سوف نكتفي بذكر أسمائها وأقسامها لكي نحمل في أذهاننا صورة عامّة عنها.
إن النظرية في الأساس عبارة عن قانون وإطار يربط بين المفاهيم والمتغيرات (بين متغيّرين أو عدد من المتغيّرات في وقت واحد)، وتخلق أفقًا (فهمًا عامًّا وكليًا بالنسبة إلى ظاهرة خاصة) مختلفًا عن الآفاق والآراء الأخرى. إن النظرية ليست مجرّد خطط مفهومية أو مجرّد فرضيات بحتة، بل هي مجموعة من العبارات المنسجمة والمتناغمة ضمن علم من العلوم، حيث تعمل على بلورة مجموعة قابلة للفهم، وتقع مفيدة في تعيين وبيان بعض وجوه الحياة الجماعية[68].

ولكن لو قبلنا بهذا التعريف من الناحية العلمية، فإن الآراء التي يتمّ استخدامها هنا بوصفها نظرية، قبل أن تكون نظرية منسجمة وجامعة، إنما هي رواية وقراءة عن التحوّلات الثقافية الأخيرة (الناظرة إلى تبلور مفهوم جديد للمعنوية)؛ إذ إنها أولًا: تتحدّث عن أمر خفيٍّ وغير مرئيٍّ ومن دون بنية (أي عن معنوية جديدة). وثانيًا: في مواجهة هذه الظاهرة المتعدّدة المستويات والمتكثّرة، تعمل على لحاظ جميع أبعادها وجهاتها. وثالثًا: قد انعكست في هذه النظريات جميع الأبعاد والجهات الأرضية لهذه التحوّلات المتمثّلة بمجتمع ما بعد الحداثة. بيد أن الأهم من كل ذلك أنه على الرغم من أن هذه النظريات تقوم على المعطيات التجريبية، بيد أن الذي عمل في نهاية المطاف على صياغة النظرية إنما هو عبارة عن تصوّرات المنظّر، بمعنى أن هناك قصة أو رواية وراء تلك المعطيات والنتائج التي تتدخّل في جمع تلك المعطيات وفي تحليلها أيضًا[69]. يضاف إلى ذلك أن الشواهد والمعطيات التجريبية التي تؤيّد هذه النظريات إنما تخصّ دائرة محدودة في أمريكا الشمالية وبريطانيا إلى حدّ ما، ولا تشمل جميع مساحة العالم الصناعي. وعليه رغم إمكان مشاهدة الانسجام والتناغم في بناء النظرية وصياغتها، ولكن حيث إن النظرية لم يتم اختبارها بشكل كامل، فلا يمكن تعميم الآراء الواردة فيها على جميع جهات وأبعاد الظاهرة، ولا يمكن شرح وبيان التحوّلات الثقافية في جميع المجتمعات الصناعية، ناهيك عن المجتمعات غير الصناعية وغير الغربية.

ولكن الاستعانة بهذه النظريات يُعدّ ضروريًا على كل حال؛ إذ بالنظر إلى حداثة الظاهرة وحداثة الدراسات المعنوية من أجل العثور على أرضية المعنوية الجديدة وعناصر صياغة مفاهيمها، ليس هناك من طريق أمامنا سوى النظر من زاوية النظريات المتوفّرة. وحيث لا تتّسع هذه المقالة لبحث النظرة الانتقادية إلى النظريات ورواية فرضياتها، فسوف نقتصر على بيان تقسيم هذه النظريات، مع بيان الفرضيات المشابهة لها في بعض الموارد إن وجدت، مع إلقاء نظرة إجمالية إلى فرضياتها خلال القيام بعملية التقسيم والتبويب. وبطبيعة الحال فإن الغرض من التقسيم والنظرة الكلية إلى النظريات هنا -على ما سبق أن ذكرنا- إنما هو بيان فهم إجمالي عنها، وليس تعريفها بشكل كامل أو تقديم نظرية شاملة حول المعنوية الجديدة؛ حيث يحتاج هذا الأمر بدوره وفي حدّ ذاته إلى تحقيق مستقل.
يمكن تقسيم النظريات المطروحة بشأن ماهية المعنوية الجديدة إلى قسمين رئيسين، وهما: النظريات التي تعمل على بيان ماهية المعنوية الجديدة على أساس خلفيّتها وأرضيّتها والعناصر المكوّنة لها (من قبيل النظرية الذاتية، والنظرية ما بعد التخيلية، ونظرية إظهار الذات، ونظرية حبّ النفس الثقافي، ونظرية الثقافة الاستهلاكية). والنظريات التي تعمل من خلال تحليل البنية الداخلية ونموذج التديّن في المعنوية الجديدة على دراسة وبحث ماهيتها (من قبيل: نطرية الدين غير المرئي، والمؤسسة الثانوية، والدين شبه الرسمي، والمعنوية المترقية، والمعنوية التسويقية، والمعنوية المغلقة ونظائر ذلك).

كما يمكن تقسيم النظريات من القسم الأول، والتي عملت على تحليل المعنوية في ضوء الأرضية والخليفة الجديدة للتديّن، بدورها ضمن تقسيم كلي إلى قسمين، وهما: النظريات ذات البُعد الواحد، والنظريات ذات الأبعاد المتعدّدة. وبعبارة أخرى: لو أن المحلّلين في هذا الحقل قد وضعوا تأكيدهم بشكل أكبر على واحد من الأبعاد الأربعة في المجتمع (وهي: الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والمجتمع)، وذلك عند تشريح أرضية تبلور المعنوية الجديدة وتحليلها، لكان بالإمكان تسمية نظريته نظرية أحادية البُعد، وأما إن اهتموا بعدد من أبعاد وجهات المجتمع بوصفها عناصر مكوّنة أو عوامل مؤثِّرة، فإن نظريتهم سوف تكون متعدّدة الأبعاد. من ذلك -على سبيل المثال- أن نظرية الاستدارة الذاتية قد تعرّضت بشكل أكبر إلى بحث البُعد والجانب الثقافي (العلوم، والآراء، والنماذج والقيَم) للتحوّلات الأخيرة وتأثيراتها. والنظرية الفردانية تتعرّض إلى البُعد الاجتماعي للتحوّلات الأخيرة وتأثيرها في تبلور المعنوية. وعلى الرغم من إمكان تسمية إحدى هاتين النظريتين نظرية ثقافية والأخرى نظرية اجتماعية، ولكن كل واحدة منهما نظرية ذات بُعد واحد.
إلا أن نظرية النزعة ما بعد المادّية في إظهار الذات التي صاغها تشندلر، قد اهتمّت في بحث الأرضية الثقافية والتحوّلات التي مهّدت لظهور المفهوم الجديد للمعنوية بعدد من العناصر الثقافية والنفسية (إظهار الذات، والنرجسية الثقافية، والنزعة ما بعد المادية)، أو نظرية جيرمي كارت وريتشارد كينغ؛ أي نظرية المعنوية الاستهلاكية، قد اهتمّت بالعوامل الاجتماعية (الفردانية والخصخصة) والعوامل الثقافية (الثقافة الاستهلاكية والنفسية). يمكن تسمية هذا النوع من النظريات بالنظريات المتعدّدة الأبعاد.

وبطبيعة الحال، فإن النظريات المذكورة، وإن أمكن أن تكون تقليلية من وجهة نظر أصحاب النزعة المعنوية[70]، إلّا أن تقديس مسار ظهور المعنوية الجديدة عبارة عن مجرّد ادّعاء، وإنما يقبل على أساس فرضيات ونظريات المعنوية الجديدة. ولكن على كل حال، فإن النقد الذي يرِد على هذا النوع من الأبحاث هو أن الدراسات الاجتماعية إنما هي دراسات انتقائية وإن العقل يعمل على تحديد الواقعية، وينظر إليها من زاوية خاصّة لتكون قابلة للبحث، وعلى هذا الأساس فإنه في كل نظرية قد تبرز بعض أبعاد الظاهرة، وقد تبدو بعض أبعادها الأخرى قليلة الأهمية، أو يتمّ تجاهلها بالمرّة.
وعلى كل حال، فإن هذه النظريات على الرغم من قيام كل واحد منها بوضع اسم على هذه التحوّلات، وتقدّم لها البيان الخاص بها، ولكن من خلال نظرة أدقّ إليها يمكن مشاهدة مجموعة من الشرائط والأحداث الاجتماعية المشتركة فيها والتي شكّلت أرضية لهذه التحوّلات، وكانت سببًا لصياغة هذه النظريات. وقد عمد روبرت واتنو إلى بيان بعض هذه الأحداث الاجتماعية التي وقعت موردًا لتأكيد النظريات المذكورة، ولعبت دورًا في تحليلها للمعنوية الجديدة. إن نظرة إلى هذه الأحداث من شأنها أن تشكّل أرضية لامتلاك فهم أفضل عن الحاضنة الثقافية للمعنوية الجديدة وتحليل النموذج الديني لها على أساس النظريات المذكورة. ويمكن بيان الأحداث والتحوّلات التي شكّلت أرضية لظهور هذا النوع من المعنوية في العصر الحاضر على النحو الآتي:

1. الوحدة والعزلة العاطفية.
2. الضغط المهني والكآبة الناشئة عن تفاهة الحياة.
3. ضعف العلاقات الأسرية وهشاشة العلاقات العاطفية.
4. تحوّل الأخلاق إلى معايير وقوانين اجتماعية.
5. تعدد النظريات والاضطراب الفكري نتيجة للانفجار المعلوماتي.
6. التنوّع الديني وحرية اختيار الدين والعقيدة مع توفر الخيارات الكثيرة[71].
7. ظهور الحركات والتيارات الراديكالية والمخالفة للثقافة المعنوية في عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد.
8. انتشار الحركات المطالبة بالحريات المدنية والمساواة في الحقوق[72].
9. الحرية في اختيار الجنس وارتفاع حالات الطلاق، وتفشّي ظاهرة الأطفال المشرّدين[73].
10. النشاط الواسع للتيارات اللاهوتية بمعزل عن الله، والقراءات المتنصلة عن الروايات، والتعاير بين الكتاب المقدس وبين اللاهوت المسيحي (لاهوت ما بعد الحداثة).
11. الموضة المختلفة والنزعة التخصيصية[74].
12. خلق حالة من سوء الظن تجاه التيارات المعنوية والفرَق الكارزمية، ولا سيّما بعد عقد الثمانينات من القرن العشرين للميلاد[75].
13. النشاطات العلمية الضعيفة والانتقادة المتهاوية لتيارات المقاومة في مواجهة التغيير الثقافي[76].
14. غياب التعليم الديني في المدارس.
15. تحوّل الدين من هوية اجتماعية إلى اختيار فردي مفتقر إلى الماهية.
16. انتشار الصناعة الثقافية وشيوع المعارض والأسواق المعنوية باسم مهرجانات الذهن والروح والجسد.
17. اتساع رقعة النشاطات النسوية وتأثير اللاهوت النسوي في نفي التدين الأصيل.
18. تأثير التيار المطالب بالحرية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية في التديّن وجهود لوثر كينع وتوماس جيفرسن[77].
19. الردع الاجتماعي دون تدخل الدولة في الأمور الدينية.
20. موضة الفكر المنفتح وفضيلة عدم الالتزام بنوع من الهوية أو النمط الديني.
21. الفهم المتزايد للشرور الاجتماعية بعد تعميم التقريرات عبر وسائل الإعلام عن الحروب والصراعات، ولا سيّما منها الصراعات الدينية[78].
22. الشك والفشل الاجتماعي بقتل واغتيال المطالبين بالحرية والأشخاص الذين تمّ التعريف بهم بوصفهم رموزًا لحبّ الإنسان (من قبيل: اغتيال جون إف كندي، ومارتن لوثر كينغ)[79].
23. الإعلان عبر الإعلام عن فساد الكنيسة ولا سيّما منه الفساد الجنسي والاقتصادي.
24. ارتفاع مستوى الدراسات وزيادة الطبقة المتوسطة المتعلمة والمطلعة على المعايير العلمية[80].
25. ارتفاع عدد الفتيات والنساء العاملات خارج المنازل (الطالبات، والعاملات، والمعيلات لأنفسهن).
26. انتشار ظاهرة الإدمان على المخدرات والكحول[81].
27. ارتفاع سن الزواج وعدم زواج الفتيات[82].
28. زيادة أوقات الفراغ مع الانتشار النسبي للرفاه الاجتماعي وتراجع عدد الفقراء[83].
29. زيادة صفوف الأديان وفتح الححص الخاصة بالتعرّف على الأديان الشرقية في الجامعات[84].
30. انتشار التقنيات العرفانية في الشرق بوصفها رياضة لسلامة الجسم والنفس (من قبيل: اليوغا والطاوية)، وأنواع المساج وحالات التأمّل.
31. زيادة حجم الرحلات والأسفار، وازدهار السياحة الدينية والمعنوية[85].

التغيير في نموذج الممارسة المعنوية
إن رؤية المعنويين إلى الدين والمعنوية وعناصرها الأصلية، وكذلك نموذج معنويتهم وأسلوبها؛ أي الأسوة والأساليب التي يستخدمونها لتطبيق أفكارهم، وكذلك طريقة الارتباط التي يقيمونها بين الله والإنسان والوجود / الطبيعة، بدوره يتأثّر بالمباني النظرية لهذا التيار، ويتأثّر كذلك بالظروف والشرائط الاجتماعية والثقافية للعصر الحاضر. إن تصوّر المعنويين للوجود ورؤيتهم الأحديّة[86] تجاه الكون قد ترك تأثيره على معرفة الله ومعرفتهم للإنسان والطبيعة، وأن الله ليس خالقًا للكون، بل هو عين الوجود، وأن الإنسان والطبيعة بدورهما يكتسبان الألوهية بوصفهما جزءًا من الوجود، ويصلان إلى مرتبة الألوهية.
ولكن على حدّ تعبير بعض المحقّقين في المعنوية التي تقوم بتأليه كل شيء وتقديس الطبيعة والإنسان تحت تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية، قد أدّى إلى انتشار المعنوية التلفيقية والمرّقعة لـ (روبرت واتنو)، والمعنوية السوقية لـ (وود كلارك روف)[87]، والمعنوية التجارية لـ (جيرمي كارت وريتشارد كينغ)، والمعنوية السيالة لـ (شووان تشندلر)، والمعنوية الاستهلاكية لـ (باول هيلاس)، والمعنوية الفشّارية[88] لـ (بهزاد حميدية)، والمعنوية النرجسية والأنانية. إن المنظّرين في حقل علم الاجتماع، والدراسات الثقافية، والباحثين في الشأن الديني في بحث تأثير الظروف والشرائط الثقافية والاجتماعية في مرحلة ما بعد الحداثة (بعد عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد)، وتحوّل الأحدية المعنوية إلى نوع من المعنوية المنفلتة والاستهلاكية، قد قدّموا الكثير من النظريات، وأنه بالنظر إلى كل واحد منها، يتبيّن بُعد من أبعاد الظاهرة وجانب من نموذج التديّن لدى المعنويين.

إن نظرية «المعنوية الذاتية» التي ذكرها باول هيلاس وليندا وودهيد (وذلك بطبيعة الحال على أساس نظرية الاستدارة الذاتية لتشارلز تيلور)، تستند إلى هذا البُعد، وهو أن الفردانية في المرحلة الحديثة قد تحوّلت إلى مرحلة ما بعد الحداثة، ولم يعد الأفراد يرون العثور على الحقيقة مجرّد أمر فردي، بل إنهم هم الذين يجعلون الحقائق بأنفسهم ويصوغونها على أساس أذواقهم الشخصية. بناء على هذه النظرية، فإن أهم تحوّل تظهره الأبحاث والدراسات التجريبية (ولا سيّما معطيات مشروع كيندال) هو أن التديّن في المجتمعات الصناعية يتجه نحو النزعة الأنفسية (الرجوع إلى الداخل لاكتشاف الحقيقة أو خلقها)، وإن هذا التديّن الذاتي هو الذي يُسمّى بالنزعة المعنوية[89]. يذهب روبرت واتنو في تحليل مشابه بنظرة إلى الشرائط والظروف الاجتماعية في العقود الأخيرة والنشاطات المطالبة بالحرية المدنية والاجتماعية، إلى استنتاج أن المعنوية الجديدة قد تبلورت بفعل وتأثير الحركات التحرّرية لما بعد الحداثة، وهي الحركات التي لم تكن تهتم بحرية انتخاب الأفراد فحسب، بل بالإضافة إلى حرية الاختيار تفتح مجالًا لحرية الضمير والوجدان وإمكان صنع الخيار الشخصي بالإضافة إلى الخيارات الأخرى المتوفرة. إن المعنوية -في ضوء هذه النظرية- عبارة عن نوع من التديّن الذي يمنح الفرد حرية الذهاب إلى أبعد من إمكان اختيار دينه، ويصل إلى إمكان اختلاق الدين على أساس فهمه وتجربته وما يروق له أيضًا[90].

وأما تشندلر فإنه -في ضوء التحليلات الاجتماعية في حقل التحوّلات الثقافية الأخيرة وحركة الثقافة الغربية نحو مرحلة ما بعد الحداثة (وذلك بالنظر إلى أدبيات إبراهام مازلو بطبيعة الحال)- قد ذكر أن البشر في العقود الأخيرة قد تجاوزوا حدود حاجاتهم المادية والأولية، وبلغوا الحاجة في المستويات الأعلى، ونعني بذلك أنهم قد وصلوا إلى مرحلة تحقيق الذات وتطويرها. وعلى هذا الأساس يتمّ الشعور في ثقافة ما بعد المادية بنوع من الاتجاه نحو المعنى، وهو وإن لم يكن ميتافيزيقيًا، ولكن نرى فيه انتقالًا من الاحتياجات المادية أيضًا. فمن خلال الاستعانة بنظرية إظهار الذات، وتلفيقها بنظرية ما بعد المادية، يصل إلى نظرية «المعنوية ما بعد المادية المظهِرة للذات»؛ وهي عبارة عن معنوية جديدة تحتوي على مبان فكرية أحديّة، ولكنها من الناحية العملية وبسبب الأرضية الثقافية الجديدة أخذت تنتمي إلى ما بعد المادية وإظهار الذات. بمعنى أن تأليه الذات في هذه الأرضية الثقافية والاجتماعية لم يؤدّ إلى نفي الذات والمادة (بوصفها من المايا وتوهّم ما حدث في الديانة اليانية[91] أو البوذية)، بل أدّى في صُلب ما بعد المادية إلى تأييد الذات وتقديس الرغبات الفردية. إن القيمة الأكبر في هذه الثقافة تتلخّص في النزوع نحو إظهار الذات والكينونة الذاتية، والتي تؤدّي -على حدّ تعبير تشندلر (وذلك بطبيعة الحال على أساس تحليلات كريستوفر لش ونظرية الثقافة النرجسية)- إلى المعنوية النرجسية والأنانية وانتشار ثقافة العلاج والتداوي المعنوي[92].

وأما جيرمي كارت وريتشارد كينغ، فقد نظرا إلى هذه الظاهرة من زاوية أخرى، وقالا إن المعنوية الجديدة إنما هي حصيلة الخصخصة الحديثة وتحويل الرأسمالية إلى ثقافة استهلاكية. وعلى حدّ تعبير جيرمي كارت وريتشارد كينغ، فإن علم النفس والعلاج النفسي بوصفهما نظامين مشروعين قد أدّيا إلى أن تكتسب النزعة الفردية مشروعية علمية في المرحلة الحديثة، وكذلك من خلال وصول الموجة الثالثة والموجة الرابعة من علم النفس إلى الأبحاث المعنوية -وبطبيعة الحال مع الطعن في مشروعية وحجية الدين- تمكّن علم النفس من طرح نفسه في الوجود بوصفه مرجعية ذات صلاحية لإبداء وجهة نظره بشأن الإنسان، وكذلك طريقة الحياة وأساليب اكتساب المعاني والمفاهيم أيضًا، وقد أدّى هذا الأمر إلى خصخصة الدين وجعله أمرًا ذهنيًا. وقد عمد النظام الليبرالي الجديد بدوره -من خلال التأكيد على المجتمع الحر والاقتصاد المفتوح- إلى إعداد الأرضية لتعدد الخيارات الدينية وإضفاء المشروعية على المطالبة بالتنوّع حتى في حقل التديّن أيضًا. في ظلّ هذه الأجواء دخلت الشركات الرأسمالية التي تعمل على تحويل كل شيء إلى بضاعة يمكن تسويقها من خلال تحويل الدين إلى بضاعة تحت ماركة «المعنوية» في سوق بيع الدين وشرائه؛ وهو السوق الذي يعود انتعاشه إلى تحويل الدين إلى الفردانية والذهنية وانعدام الهوية[93]. وقد عمد مسترفيتش[94] بدوره إلى صياغة نظريته تحت عنوان ما بعد الخيال في ضوء هذه المباني، وبطبيعة الحال من خلال التأكيد على الاتجاه الشعوري والإحساسي والرومنطيقي لثقافة البضاعة، ومن خلال الاستعانة بهذه النظرية قام بتحليل أبعاد المعنوية الاستهلاكية.

بالإضافة إلى هذه التحليلات، أشار المحقّقون إلى العوامل الثقافية والاجتماعية الأخرى أيضًا، الأمر الذي أدّى إلى تمهيد الأرضية للمعنوية الجديدة. وبعض هذه العوامل على النحو الآتي: تأثير الحركات النسوية (ليندا وودهيد)، وتأثير المواجهات الخاطئة مع الفرق المعنوية الجديدة في عقد الستينات والسبعينات من القرن العشرين للميلاد، وظهور المعنوية المجرّدة عن الفرقة في عقد الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين للميلاد، كنتيجة لتلك الأخطاء وأنواع التطرّف (واتنو وباركر)، وتسطيح الحياة في مرحلة ما بعد الصناعة (جيبسون)، وثقافة العولمة وعلمنة الدين (توموكو ماسوزاوا)، والفرد الأمثل (باكولسكي)، والإحساس السطحي بالمصاديق الأربعة المتمثلة في الرفاهية، والبحث عن الحرية، والسرور، والاهتمام بالجسد (بهزاد حميدية). وعلى الرغم من ذلك لكي نفهم أرضية هذه التحوّلات يجب أن نأخذ جميع هذه النظريات والعوامل جنبًا إلى جنب، كي لا يقع المحقّق في تقويم هذه الظاهرة في الانحياز نحو بُعد واحد من الأبعاد أو الوقوع في التقليل والتفسير بالعامل الواحد.
ولا بد بطبيعة الحال من إضافة أن إدراك وفهم المعنويين الجدد لذات الدين والمعنوية (أي النموذج الارتباطي مع ذواتهم ومع الآخرين ومع الوجود الأعم من الله ومن الطبيعة)، ليس منفصلًا عن الرؤية والعقيدة السائدة في هذا التيار. في ضوء الرؤية الأحدية (التي هي رؤية أنطولوجية شائعة بين المعنويين الجُدد) يُعدّ الوجود (الأعم من الإنسان ومن الله ومن الطبيعة) أمرًا واحدًا بسيطًا وشاملًا، بحيث لا يمكن الحديث عنه أو وصفه أو تحديده أو بيانه. وعليه فإن كل نوع من أنواع الكلام والبيان حول طريقة الارتباط مع النفس ومع الله ومع الطبيعة وأيّ نموذج ديني أو معنوي سيكون بطبيعة الحال ناقصًا، وتابعًا للثقافة والتاريخ وإدراك محدودية الأشخاص، وإن الأديان والأنظمة المعنوية إنما هي أقرب إلى أن تكون مجرّد جهود من أجل التقرّب من الله سبحانه وتعالى وإدراك أسراره منها إلى أن تكون حقائق مطلقة وثابتة بشأن ماهية الألوهية. إذن لا يمكن لأيّ طريقة أن تدّعي بيان طريق نهائي أو امتلاك قراءة موثوقة (وحيانية) عن الألوهية، وإن الأدبيات والنصوص المقدّسة للأديان، إنما هي مجرد استعارات تشير إلى جانب محدود من الألوهية ولا تمتلك القطعية[95].

يمكن لنا أن ندرك من هذا الكلام نوعًا من التعددية الدينية والقبول بنوع من تنوّع الطرق (الصرُط المستقيمة)، ولكن التعددية هنا -على حدّ تعبير لينتش- لا تعني الترحيب بكل نوع من أنواع المعنوية والتديّن. إن هذا النمط من التفكير إنما يحترم التقاليد الدينية، حيث تعترف بالمفروضات الأصلية لها بشأن الألوهية والطبيعة ونفس الإنسان. وعليه فإن هذه المعنوية الجديدة رغم التعريف عن نفسها بوصفها تعددية، ولكنها شديدة القرب من الأنظار التقريبية والحكمة الخالدة[96]، وتخالف أشكال التدين الانحصاري. لا يرى لينتش في هذا الأمر تناقضًا، وحيث إن هذه المعنوية الجديدة لا تحتوي على أيديولوجية وإلى إلهيات منسجمة، لا يمكن اعتبار هذا النوع من المخالفة للأديان الانحصارية أمرًا جزميًا وانحصاريًا منظّمًا[97]. وعلى كل حال، فإنه وعلى الرغم من كلام لينتش، فإن التأكيد على الأحدية بوصفها القراءة الوحيدة المقبولة يعدّ في حدّ ذاته نوعًا من الانحصارية، ولذلك فإن أساس القبول بتنوّع الأديان في المعنوية الجديدة لا يعني القول بنوع من التعددية والاعتراف بأحقية القراءات الأخرى، بل إن القبول بالقراءات المشابهة للأحدية أو جعل القراءات المتفاوتة متشابهة، يأتي في سياق إثبات المدّعى الأصلي للمعنوية الجديدة بمعنى الأحدية الإلهية (وليس المعيارية التعددية).

إن نتيجة هذا الرأي هي أن بيان النموذج وأسوة التديّن، لا يقوم على أساس الوحي والكلام الإلهي (بوصفه كلامًا منزلًا على الأنبياء والمنقول من طريق النصوص الدينية)؛ وذلك لأن الله بوصفه وجودًا ساريًا وجاريًا والذي هو بمثابة طاقة الوجود أو الأوكسجين في الفضاء، أو من قبيل الزمان والحركة، لا يعود قادرًا على التكلّم بشكل الوحي وبدلًا من الوحي، وإنما يجب على كل شخص أن يرتبط به من خلال النظر إلى الداخل والتوسّل بنداء الباطن، وإن الموجود بوصفه وحيًا أو كتابًا مقدسًا إنما هو مجرّد قراءة تأريخية ومتأثّرة بثقافة العصر وهيمنة الخصائص الشخصية، ومدركات وحماسة وتجارب كاتبها، وإنما يمكن له أن يكون مجرّد قراءة واحدة من بين أنواع القراءات الممكنة الأخرى لا أكثر.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن الاستناد من وجهة نظر المعنويين الجدد إلى التعاليم الدينية المتبلورة على أساس النصوص «الوحيانية». وعليه فإن الأسوة والنموذج المعنوي الأصيل بالنسبة إلى كل شخص هو نموذج يتمّ الحصول عليه في ضوء النظرة الداخلية والباطنية والتجارب الفردية المعنوية والاستعانة بالتجارب المعنوية للآخرين التي كانت موجودة في الأديان والفلسفات وحتى التيارات السرية والتي تتعدد فيها الآلهة وتجنح نحو الشرك أيضًا؛ وذلك بطبيعة الحال على شرط أن لا يتمّ اعتبار أيّ واحد من هذه النماذج المتوفرة أمرًا قطعيًا[98]. وعلى هذا الأساس، فإن النموذج المعنوي الأصيل هو ذلك الشيء الذي يصنعه المرء لنفسه في ضوء تجاربه وطبيعته النفسية[99]؛ وهو النموذج الذي يتحقق ضمن نشاط مستمر وفي بحث متواصل وثابت في تضاعيف النصوص الدينية وعدم التعلق بها.

النتيجة
إن محورية الفهم الشخصي في العالم الذي لا يكون فيه أيّ فهم أو علم أفضل من الفهم والعلم الآخر، يوفر الأرضية لحرية الضمير. إن النزعة الأنفسية\الذاتية التي هي نتيجة لشرعنة حرية الضمير تعمل على تعريف فهم وتجربة وسعادة كل شخص بوصفه معيارًا للحجية، وعندما تقترن هذه الحرية في الفهم والضمير بالحريات الاجتماعية والثقافية، فإنها تؤثّر في جميع مستويات الثقافة. وفي هذا الشأن يتأثر الدين بوصفه جزءًا أساسيًا في الثقافة بهذا الرأي أيضًا، وسوف يكون التديّن المفهوم هو التديّن الذي يقوم على إدراك وفهم حرّ وعلى التجربة الشخصية، بدلًا من التبعية للمراجع الرسمية للدين، وبدلًا من مفاهيم التبعية للوحي السماوي والتبعية للنبي والتسليم أمام الشرع، فيتم اعتبار مفاهيم من قبيل الحرية الدينية والحياة الأصيلة والتديّن على أساس الفهم الشخصي بوصفها هي المفاهيم التي تتّصف بالأهمية والقيمة، وبدلًا من أن تكون العبودية هي مركز المفاهيم الدينية، يصبح الانبعاث الذاتي والفكر التجريبي وغير التبعي هو الذي يكتسب الأهمية. وعلى هذه الشاكلة تصبح مفردة «المعنوية\الروحانية» في مناخ ما بعد الحداثة أكثر جاذبية من مفردة «الدين»؛ إذ يمكن جعلها متناغمة ومنسجمة مع فرضيات نمط التديّن الجديد بشكل أفضل، والتخلّص من الدلالات الضمنية لمفردة الدين، والتي تعبّر عن نوع من الإذعان والتسليم أمام الحقائق الوحيانية والثابتة.


قائمة المصادر
اسمارت، باري، شرايط مدرن مناقشه هاي پست مدرن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن چاوشيان، انتشارات اختران، طهران 1383 هـ ش.
2. كارت، جيرمي وريتشارد كينغ، »تاريخ انتقادي معنويت«، ترجمه إلى اللغة الفارسية: طاهرة شاكر نجاد، في مجلة: سياحت غرب، العدد: 105، 1391 هـ ش.
3. حقيقت، صادق، روش شناسي علوم سياسي [التنقيح الثالث]، دانشگاه علوم انساني مفيد، قم، 1391 هـ ش.
4. حميدية، بهزاد، معنويت در سبد مصرف، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، 1391 هـ ش.
5. كينغ، اورسولا، »معنويت گرايي در عصري 8/4/2025 4:36:01 PMپسامدرن / ايمان و عمل در بسترهايي جديد«، ترجمه إلى اللغة الفارسية: وحيد سهرابي فر، في: مجلة كتاب ماه دين (8)، العدد: 17، 1392 هـ ش.
6. غريفين، ديويدري، خدا و دين در جهان پسامدرن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد رضا آية اللهي، پژوهشگاه علوم انساني و مطالعات فرهنگي، طهران، 1388 هـ ش.
7. غيدنز، أنطوني، بالتعاون مع كارن بردسال، جامعه شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن چاوشيان، نشر ني، التنقيح الرابع، طهران، 1388 هـ ش.
8. ملكيان، مصطفى، راهي به رهائي: جستارهايي در باب عقلانيت و معنويت (بينش معنوي 1)، مؤسسة نگاه معاصر، طهران، 1381 هـ ش.

Barker, Eileen, Here, There, and Every Where? who Cares and How , YouTube, London school of Economics,2014.
Carrette, Jeremy R, and Richard King, Selling Spirituality: The Silent Takeover of Religion, Psychology Press, 2005.
Chandler, Siobhan, Private Religion in the Public Sphere, in: Religions of Modernity, brill, 2010.
Chandler, Siobhan, The Social Ethic of Religiously Unaffiliated Spirituality, ProQuest Dissertations Publishing, 2011.
Griffin, David Ray, Spirituality and Society: Postmodern Visions, Sunny Press, 1988.
Heelas, Paul and others, The Spiritual Revolution: Why Religion is Giving Way to Spirituality, Blackwell, 2005.
Huss, Boaz, “The New Age of Kabbalah: Contemporary Kabbalah, the New Age and Postmodern Spirituality.” Journal of Modern Jewish Studies 6, no. 2, 2007.
Lynch, Gordon, New Spirituality: An Introduction to Progressive Religion, Touris, 2007.
Spickard, James V. “What Is Happening to Religion? Six Sociological Narratives.” Nordic Journal of Religion and Society 19, no. 1, 2006.
Wiseman, James A, Spirituality and Mysticism: A Global View, Orbis Books, 2006.
Woodhead, Linda, Four Reasons Why Religion Has Changed and Will Never Be the Same Again, Critial thinker – port `1, YouTube, nov. university of Ottawa, 2013.
Woodhead, Linda, “Post ‐ Christian Spiritualities.” Religion 23, no. 2, 1993.
Wuthnow, Robert, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, wiley – Blackwell, 1998.
Wuthnow, Robert, After the Baby Boomers: How Twenty - and ThirtySomethings Are Shaping the Future of American Religion, Princeton University Press, 2010.

--------------------------------------------------------
[1]. سبق لهذا المقال أن نُشر بلغته الفارسية الأصل تحت عنوان (رواج «معنويت»: روي گرداني از دين يا بازگشت به دين)، في مجله فصلنامه علمي / پژوهشي اسلام و مطالعات اجتماعي، السنة الثالثة، العدد: 1، صيف عام 1394 ه ش.
تعريب: حسن علي مطر
[2]. عضو اللجنة العلمية في كلية العلوم والثقافة الإسلامية.
[3]. الشامانية: دين بدائي من أديان شمالي آسية وأوروبا يتميّز بوجود عالم محجوب هو عالم الآلهة والشياطين وأرواح السلف وأن هذا العالم لا يستجيب إلا للشامان أو الكاهن الذي يستعمل السحر لمعالجة المرضى ولكشف المخبّأ وللسيطرة على الأحداث. (المعرّب).
[4]. النستولجيا (Nostalgia): الحنين إلى الوطن، أو التوق إلى الماضي: توق غير سوي للعودة إلى الماضي أو إلى استعادة وضع يتعذّر استرداده. (المعرّب).
[5]. Subjectivism
[6]. Post - emotionalism
[7]. Spirituality of life
[8]. Post - capitalism
[9]. اسمارت، شرايط مدرن مناقشه هاي پست مدرن، 188.
[10]. غيدنز، جامعه شناسي، 977.
[11]. كينغ، «معنويت گرايي در عصري پسامدرن / ايمان و عمل در بسترهايي جديد»، 59.
[12]. وبطبيعة الحال فإن هذا التيار الفكري يختلف عن الفلسفات اللاأدرية في نهاية المرحلة الحديثة (هيوم وراسل)، وبدلًا من اللاأدرية المعرفية، يتم اعتبار عدم القطعية فضيلة معرفية، وإن النسبية في حدّ ذاتها تعدّ حقيقة معرفية.
[13]. حميدية، معنويت در سبد مصرف، 60.
[14]. David Lyon
[15]. Paul Heelas
[16]. Linda Woodhead
[17]. David Ray Griffin
[18]. Wouter Hanegraaff
[19]. Siobhan Chandler
[20]. limits of Consumption and the Post - Modern Religion of the New Age.
[21]. New Age Religion and Western Culture: Esotericism in the Mirror of Secular Thought (Suny Series, Western Esoteric Traditions).
[22]. Post Christian Spirituality
[23]. The Social Ethic of Religiously Unaffiliated Spirituality.
[24]. Robert Wuthnow
[25]. إن العلمانية هنا ليست بمعنى الصيرورة الدنيوية فقط، بل المراد من العلمانية والمعنوية العلمانية، هي المعنوية القائمة على التجربة وفهم الإنسان دون الوحي الإلهي.
[26]. كينغ، «معنويت گرايي در عصري پسامدرن / ايمان و عمل در بسترهايي جديد»، 61.
[27]. World Spirituality
[28]. Spirituality and Secular Quest.
[29]. Peter Van Ness
[30]. Wiseman, Spirituality and Mysticism: A Global View, 5.
[31]. Nature Spirituality
[32]. Ibid.
[33]. Huss, “The New Age of Kabbalah: Contemporary Kabbalah, the New Age and Postmodern Spirituality”, 117.
[34]. Griffin, Spirituality and Society: Postmodern Visions, 44.
[35]. Woodhead, “Post ‐ Christian Spiritualities”, 177.
[36]. Don Cupitt
[37]. مادهاياميكا (Madhyamika): وتعرف باسم سونيافادا أيضًا، هي الفلسفة الرئيسة في مدرسة ماهايانا وقد تأسست من قبل ناجارجونا. (المعرّب).
[38]. Madhyamika Buddhism
[39]. السونياتا (Sunyata): وتعني حرفيًا (الفراغ) أو (الخلاء). وهي مبدأ من مبادئ الفلسفة البوذية. (المعرّب).
[40]. Woodhead, “Post ‐ Christian Spiritualities.” 176.
[41]. Ibid, 177.
[42]. Wuthnow, After the Baby Boomers: How Twenty - and ThirtySomethings Are Shaping the Future of American Religion, 14.
[43]. لقد كان العنوان العريض لغلاف مجلة التايم في عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد يقول: «إن الله قد مات». وأما في عام 1980 للميلاد، فقد كان عنوان غلاف هذه المجلة يقول: «إن الله قد عاد إلى الحياة»، وتمّ في أصل المقالة توضيح الأشخاص الذين عاد الله إليهم.
[44]. Wuthnow, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, wiley – Blackwell, 89 – 90.
[45]. NRMS
[46]. Wuthnow, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, wiley – Blackwell, 92.
[47]. Ibid, 95.
[48]. Ibid, 94.
[49]. Chandler, The Social Ethic of Religiously Unaffiliated Spirituality, 66 – 67.
[50]. Wuthnow, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, 105.
[51]. الزنّيّة (Zen): فرقة بوذية تؤمن بأن في ميسور المرء أن ينفذ إلى طبيعة الحقيقة من طريق التأمّل. (المعرّب).
[52]. التنترا (Tantra): فلسفة دينية تهدف إلى الرقي بالكائنات الإنسانية من خلال العمل على توسيع آفاقهم الذهنية، وهدايتهم من النقص إلى الكمال، ومن التقيّد إلى التحرر. (المعرّب).
[53]. كارت وكينغ، «تاريخ انتقادي معنويت»، 122 ـ 124.
[54]. Woodhead, Four Reasons Why Religion Has Changed and Will Never Be the Same Again, 7 Nov, 2013.
[55]. Barker, Eileen, Here, There, and Every Where? who Cares and How, 18 Nov 2014.
[56]. Chandler, Private Religion in the Public Sphere, in: Religions of Modernity, 2010, 70.
[57]. Wuthnow, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, 105.
[58]. Ibid.
[59]. Subjective Spirituality
[60]. Unchurched Spirituality
[61]. إن النزعة الأنفسية ترادف مصطلح في اللغة الغربية، وهو (Subjectivism)، والذي يمكن ترجمته -بطبيعة الحال- إلى النزعة الذهنية أيضًا. وإن المعنوية الأنفسية بدورها تتبلور ويتم تعريفها على أساس الذهنية الفردية والشخصية.
[62]. Jan Pakulski
[63]. حميدية، معنويت در سبد مصرف، 169.
[64]. , Metanarratives
[65]. Christopher Lasch
[66]. النرجسية أو الأنانية (narcissism): حب الذات وافتتان المرء بجسده أو نفسه. (المعرّب).
[67]. حميدية، معنويت در سبد مصرف، 172.
[68]. حقيقت، روش شناسي علوم سياسي [التنقيح الثالث]، 44.
[69]. Spickard, “What Is Happening to Religion? Six Sociological Narratives.” 14.
[70]. وذلك لأن هذه النظريات إنما تعتبر ظهور المعنوية الجديدة نتيجة للتحوّلات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات وتأثير ذلك في نمط التديّن.
[71]. Wuthnow, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, 89 – 90.
[72]. Ibid, 95.
[73]. Ibid, 104.
[74]. Ibid, 105.
[75]. Ibid, 105.
[76]. Ibid, 105.
[77]. Ibid, 92.
[78]. Ibid, 19 - 100.
[79]. Ibid, 100.
[80]. Ibid, 99.
[81]. Ibid, 98.
[82]. Ibid, 98 - 99.
[83]. Ibid, 99.
[84]. Ibid.
[85]. Ibid, 100.
[86]. الأحدية (monism): القول بأن ثمّة مبدأ غائيًا واحدًا كالعقل أو المادة. (المعرّب).
[87]. Wade Clark Roof
[88]. بمعنى: الذرة المشوية بالنار، وانتشار ثقافة استهلاكها على نطاق واسع. (المعرّب).
[89]. Heelas and others, The Spiritual Revolution: Why Religion is Giving Way to Spirituality, 1 – 11.
[90]. Wuthnow, “The New Spiritual Freedom.” In: Cults and New Religious Movements, 94.
[91]. اليانية (Jainism): دين هندي نشأ في القرن السادس قبل الميلاد، قوامه تحرير الروح بالمعرفة والإيمان وحسن السلوك. (المعرّب).
[92]. Chandler, The Social Ethic of Religiously Unaffiliated Spirituality, 279 – 283.
[93]. Carrette, and King, Selling Spirituality: The Silent Takeover of Religion, 66 – 67.
[94]. Mestrovic
[95]. Lynch, New Spirituality: An Introduction to Progressive Religion, 60.
[96]. Perennialism
[97]. Ibid, 61.
[98]. Lynch, New Spirituality: An Introduction to Progressive Religion,62.
[99]. انظر: ملكيا، راهي به رهائي: جستارهايي در باب عقلانيت و معنويت (بينش معنوي 1)، 239 ـ 240.