البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الروحانية اللادينية: من الحداثة السائلة إلى الهشاشة الدينية

الباحث :  د. محمود محمد علي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  39
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث :  636
تحميل  ( 544.599 KB )
الملخّص
يتناول هذا البحث ظاهرة الهشاشة الدينية بوصفها أحد أبرز إفرازات الحداثة السائلة التي أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والدين على نحو متغيّر سريع وغير مستقر، فالتحوّلات العميقة التي شهدتها المجتمعات الغربية، وخاصة في سياقها الثقافي والفلسفي، أدّت إلى انكماش دور المؤسسات الدينية التقليدية مقابل صعود نماذج بديلة من التدين غير المؤسسي، كالروحانية اللادينية، والتي تركز على التجربة الفردية، والسلام الداخلي، دون التزام بعقيدة أو طقوس.
انطلق البحث من تحليل المفهوم الذي صاغه سيغمونت باومان حول «الحداثة السائلة»، وكيف أثّرت هذه الحداثة في تفكيك الثوابت الدينية، وتحويل الدين من منظومة جمعية إلى خيار فردي استهلاكي، يخضع لأهواء الفرد وظروفه المتغيرة. كما تمت مناقشة تأثير العولمة والتكنولوجيا، وتفشّي النزعة الفردانية، في تعزيز مظاهر الهشاشة داخل البنى الدينية.
خلص البحث إلى أن الهشاشة الدينية لا تنبع فقط من ضعف الإيمان، بل من اختلال في المعنى، وغربة روحية تسبّبت بها المتغيرات المعاصرة.

الكلمات المفتاحية: الهشاشة الدينية، الحداثة السائلة، سيغمونت باومان، الروحانية اللادينية، العولمة، الفردانية، تسييل الدين، القيم الحديثة، التفكيك الديني، التجربة الروحية.

مقدمة
شهد العالم المعاصر تحوّلات جذرية طالت مختلف مناحي الحياة، لم تقتصر على البُعد الاقتصادي أو التكنولوجي فحسب، بل امتدّت لتطال الأنساق القيمية والمعتقدات الدينية، فتزعزعت معها الثوابت، وتقلّص حضور المؤسسة الدينية في الحياة العامة، لتفسح المجال أمام صيغ جديدة من التدين والروحانية، أبرزها ما يُعرف بـ«الروحانية اللادينية». وقد اقترنت هذه التحوّلات بما يسمّيه الفيلسوف البولندي سيغمونت باومان بـ«الحداثة السائلة»، تلك التي تقوم على مفاهيم السيولة والتغير المستمر، وتنبذ الصلابة واليقين، مما انعكس بوضوح على علاقة الأفراد بالدين وأنتج ما يُعرف بـ«الهشاشة الدينية».
إن الهشاشة الدينية لا تُفهم فقط بوصفها ضعفًا في التمسك بالعقيدة أو في أداء الطقوس، بل تتعدّى ذلك لتدلّ على أزمة عميقة في المعنى، وانفصال تدريجي بين الإنسان والمقدس، نتيجة التحوّلات القيمية المتسارعة، والانفتاح على منظومات معرفية متباينة، ناهيك عن النزعة الفردانية المتعاظمة التي أعادت تشكيل العلاقة بين الفرد والدين على أسس نفعية وتجريبية.
ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى استكشاف مفهوم الهشاشة الدينية، وتتبع جذوره الفكرية، وتحليل علاقته بالحداثة السائلة من خلال مناقشة الأطروحات الفلسفية والمعرفية التي تناولت هذا المفهوم، وتسليط الضوء على تجلّيات هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية المعاصرة، وانعكاساتها المحتملة على واقع العالم الإسلامي.

أولًا: الأبعاد المحددة للروحانية اللادينية: بين الإهمال الديني والإلحاد
شهد الفكر الغربي الحديث والمعاصر بزوغ ما يسمى بـ» الروحانية اللادينية non-religious spirituality وذلك بوصفها مفهومًا يشير إلى تجربة روحية، أو إحساس بالمعنى والسمو، دون الارتباط بأي دين معين، أو معتقدات دينية تقليدية. تعتمد هذه الروحانية على القيم الإنسانية المجردة عن الاتباع لأي دين، والتأمل، والتجارب الشخصية العميقة التي تمنح شعورًا بالاتصال بالكون أو بالذات الداخلية، دون الحاجة إلى الإيمان بإله أو نظام ديني معين[2].
لذلك يروّج أتباع منهج «الروحانية اللادينية» إلى أنه منهج فكري فلسفي لا يعتمد على إيمان جماعي، ولا على طقوس دينية، بل يعتمد أصلًا على تجربة الفرد الشخصية للروحانية التأمّلية، والانتقال من التأمّل إلى اليقظة، لإحداث اتصال روحي بالطبيعة، وصولًا إلى التفكير الفلسفي العميق؛ كل ذلك من أجل التعبير عن المعنى الروحي الشخصي، وللإشارة إلى «سعي الأشخاص لفهم ذواتهم وفهم العالم المحيط بهم من منظور روحي دون الحاجة إلى إيمان ديني محدّد، ولتحقيق هذا المعنى الروحي بعيدًا عن الأديان وجميع المعتقدات الدينية التقليدية، ولا الالتزام بالطقوس، ولا بأي عقائد دينية محددة»[3].

فمع انتشار ظاهرة الاهتمام بأثر الطاقات السالبة والموجبة المقتبسة من الفلسفات الشرقية القديمة وتأثيرها على الإنسان في المجتمعات المعاصرة، يتم التركيز حاليًّا على «الروحانية» كتجربة شخصية تسعى وراء السلام الداخلي، والحكمة، والتوازن، وتهتمّ أصلًا بالبحث عن المعنى الروحي في حياة الأشخاص، في محاولة لتدجين الدينية واللادينية والكونية والتركيز على النمو الشخصي، على أمل النجاح بالتواصل مع الذات الداخلية ومعرفة الأنا، والكون والقوى العليا، لا فرق بين أن تكون القوى العليا دينية أو فلسفية محضة. وبالتالي نراها لا تهتم بالانتماء إلى ديانة معينة أو فكر معين، بل يمكن أن تكون مجرد اجتهاد شخصي قائم على تضخم في المعرفة والثقافة الشخصية، وهدفها البحث عن معانٍ روحية تتجاوز الدين التقليدي ولا تلتزم به حرفيًا لأسباب قد تراها واقعية أو حياتية.
ويظهر أن الروحانية اللادينية هي مزيج من الأفكار المبتدعة والمستقى بعضها من الفلسفات الشرقية القديمة، نجحت في تجاوز المعتقدات والطقوس الدينية، بحجة محاولة للبحث)[4]):
· عن معنى روحي خارج السياقات، وهذا قد يبدو قريبًا من الفلسفة.
· وعن معنى إلحاديٍّ بعيدٍ عن الأطر الدينية التقليدية المعروفة.

أمّا تبنّيها لبعض الأفكار الفلسفية، مثل التنوير الشخصي والوجودية، فهذا لا يضعها في سياق الفلسفة؛ نظرًا لخلوّها من المبادئ الفلسفية.
لكن ذلك لا يمنع من التقائها مع الفلسفة التي تؤكّد على الفردانية، والتي تدعو إلى تحديد معنى الحياة وفقًا لتجارب الشخص نفسه دون الحاجة إلى الارتباط بالدين ولا الإيمان بالآلهة ولا الانصياع خلف المعتقدات الدينية[5].
فضلًا عن ذلك نرى أنها أصغر من أن تكون دعوة إلى التحّرر، لأنّها لا تحمل سمات هذه الدعوة العظيمة، ومجرد دعوتها للتحرّر مما تسميه هي: «القيود الدينية»، وخروجها عن «المفاهيم الموروثة»، وتخلّيها عن «القيم السائدة»، فلا يعني أنها حركة تحرّرية مطلقًا. وإذا ما استخدم بعضهم هذا المعنى لوصفها به بسبب تحرّرها من الإملاءات الدينية والتقاليد التي يعتقدون بأنها «لا تتناسب مع مقوّمات الفرد ولا تتوافق مع تجربته الروحية، فذلك قصور في المنهج لا أكثر، ومحاولة للترويج لفكرها لا غير»[6].
كما يمكن القول إن الروحانية اللادينية تعدّ اجتهادًا شخصيًّا، وأن الإنسان بهذه الروحية التي يدعون إليها يبدو أقرب إلى «اللادين» منه إلى التدين، لأن غايته الأساسية هي تحرير نفسه من قيود الأديان التقليدية، من خلال إظهار الأديان وكأنها لا تتناسب مع تجربته الشخصية أو مع رؤيته للعالم[7].
نعم، قد تنجح الروحانية اللادينية من خلال تركيزها على القيم الإنسانية الناعمة الأكثر قبوًلا في المجتمعات: الحب والعطف واحترام الآخرين والتسامح لتوظيفها في خلق تفاعل إنساني، ولكنها تبقى مجرد اجتهاد شخصي مفتوح يقود غالبًا إلى مسارات بعيدة عن الواقع، وهي غير واقعية[8].

وتجدر الإشارة إلى أن اللادينية والروحانية مصطلحان يُستخدمان اليوم في عدّة سياقات وفق معناهما المتحصّل، وأهم تلك السياقات أن اللادينية الحقيقية عقيدة تقوم على مبدأ التعمد بإهمال جميع الشؤون الدينية وكل ما له علاقة بالدين، وترفض الالتزام بما تدعو الأديان إليه، ولكنها لا تنكر وجود الرب ولا تنكر الأديان، لكن برأيها أن وجودهما أو عدم وجودهما سواء[9].
وهناك لا دينية أخرى هي اللادينية الإلحادية التي تقوم على مبدأ نبذ جميع الأديان وجميع المعتقدات الدينية بشكل عام وقاطع، ورفض الإيمان بوجود الله أو بأي آلهة، ورفض الإيمان بالمعتقدات والطقوس والدعوات والإرشادات الدينية التقليدية المنسوبة إلى الأديان[10].
وعندئذ يمكن القول إن خلاصة اللادينية إما إهمال أو إلحاد؛ ومع ذلك توجد بينهما منطقة وسطى تسعى إلى إخراج الدين من نمطيّته التقليدية وحالة الجمود المسيطرة عليه، وفكرة قدسية النص، دون منح أدنى فرصة لمحاكمته، ولا يمكن وصف هذه المنطقة باللادينية بالتأكيد؛ لأنها تعني محاولة فهم الدين وفق نمط الحياة المعاصرة القائمة على فكرة السيولة والهشاشة في جميع المجالات المعرفية.

ثانيًا: مفهوم الهشاشة الدينية وتطوّرها المعرفي في الفكر الغربي:
لما كانت كل النصوص الدينية ثابتة وراسخة وغير قابلة للتعديل، ولمّا المعتقدات الدينية التي تدخل في نطاق الفكر الإنساني التأمّلي، فهي قابلة للتغيير والتبديل؛ ولذا يتم عادة تفعيل مصطلح «الدين السائل» للإشارة إلى أن هذا الدين يفسح المجال للبحث الشخصي، بعيدًا عن التضييق والتحديد المذكور، ولا يضع قيودًا على التفكير النقدي، وفق ما يعرف بنقد الفكر الديني، بمعنى أن هذا الدين تنازل عن صرامته وقطعيّته لصالح الانفتاح بلا قيود، وقد جاء هذا التنازل باعتقادهم ليحثّ العلماء والأفراد عامة على متابعة تطورهم الروحي بمرونة، ووفقًا لتجاربهم الشخصية بما يمنحهم فرصة للتفاعل مع معتقداتهم الدينية
وهنا بزغت فكرة الهشاشة الدينية Religious fragility من خلال إيمان كثير من البشر بمعانٍ روحانية بعيدًا عن معطيات الأديان التقليدية، وذلك عن طريق التأمّل والبحث عن السلام الداخلي، ومحاولة الارتباط بالقيم الإنسانية والكونية بشكل أوسع مما تتيحه الأديان. ولهذا التبدّل دوافع وأسباب: أما دوافع ذلك فهي الرغبة الجامحة لدى بعض البشر في البحث عن إجابة شافية لأسئلة تدور في ذهنه تتعلّق بالمعنى والهدف والوجود. وأما السبب فلأن الانتماء الديني لدى بعض الأفراد بدأ يتراجع بشكل كبير بعد أن عجزوا عن إيجاد تفسيرات معرفية للحيرة التي تلفّهم بسبب تقاطع المعلومات، في وقت بدأ فيه الإنسان مرحلة البحث عن تفسير مرضٍ ومقنعٍ لوجوده وتجارب حياته. وبدا فيه الفكر الديني في الغرب عاجزًا عن تقديم الإجابة، في وقت اتسم فيه العصر بتقديم العزلة على الحياة الاجتماعية، التي عن طريقها سعى بعضهم لتحقيق مستوى مقبولٍ من الوعي الذاتي، ثم حاول عن طريقه وعن طريق التأمل الشخصي الوصول إلى السلام الداخلي[11].
إلا أن «هجنة الثقافة» من جانبها التي رافقتها زيادة في التفاعل بين الثقافات، تسبّبت في حدوث شرخ في جدار سطوة الثقافة الواحدة تسبب بتنوّع في المعتقدات الروحانية لدى البشر، دعمه وروّج له تطور التكنولوجيا المتسارع والكبير، وظهور وسائل الإعلام الاجتماعية، مما جعل الإنسان أكثر قدرة على الوصول إلى طيف كبير جدًا من الأفكار والممارسات الروحية التي تعود مصادرها إلى ثقافات مختلفة فيها الكثير من قوة الإقناع.
هذا في وقت بدأ فيه الزخم الديني والقوة التي كانت تتمتع بها المؤسسات الدينية بالتراجع السريع والنكوص بسبب منافسة التغيرات الاجتماعية والعلمية الكبرى، من الحداثة، إلى العلمانية، إلى انتشار العلوم التجريبية، إلى القوى الخفية التي تدعم مثل هذه التوجّهات على حساب المدّ الديني[12].
هذا وقد شُخّصت الروحانية اللادينية بأنها وسيلة ناجعة ومهمة لفهم الذات من خلال التجربة الفردية، والمعروف أن فهم الذات يؤدي عادة إلى زيادة الوعي العقلي والذاتي لدى الإنسان، وهذا بدوره يزيد اهتمامه في ممارسة التأمّل الذهني، ويدفعه إلى البحث عن الحقيقة التي يظن أنها مغيّبة بطرق غير تقليدية، وأن الأديان عجزت عن تقديمها له[13].

وقد أدّى التنافس بين السلطتين، السلطة الدينية التقليدية، والسلطة الروحانية اللادينية في وقت بدأت فيه السلطة التي كانت تتمتع بها المؤسسات الدينية بالتراجع السريع، «إقبال تزايد قوة واندفاع القيم العلمانية والانتشار الواسع للأفكار الفلسفية الحديثة، أدى ذلك كله إلى تطور الروحانية اللادينية وانتشارها السريع»[14].
ونتيجة التقادم أصبحت الروابط الدينية بسبب صرامتها غير مستساغة أو عاجزة عن تلبية حاجات الواقع لدى كثير من الناس، ربما بسبب الانفتاح والحرية المطلقة التي يعيشون في أجوائها، ولأن التجارب الدينية صارت تبدو وكأنها لا تتجاوب مع مطالب التطور السريع، وبالتالي بدت عاجزة عن أن تكون وسيلة لربط الأفراد ببعضهم، في وقت نجحت فيه الروحانية اللادينية في توحيد الكثير من اهتمامات البشر المشتركة، فعزّزت تلك الروحانية من «فكرة التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة على خلاف الأديان ذات الثقافة المفردة »[15].

وهنا يمكن القول إن الهشاشة الدينية تعني التحدّث عن المصطلح الذي يستخدم في السياقات الفكرية والاجتماعية، للتعبير عن حالة الضعف والانكسار التي تتعرّض لها قناعات الأفراد والمجتمعات الدينية عندما تواجه نوعًا من الأسئلة والتحدّيات الفكرية الأخرى ممثّلةً بأطراف أخرى بما فيها التي تتشارك معها بالهوية الكبرى (الدين) وتختلف معها بالهوية الضيقة (المذهب)، فتشعر وكأنها «حوصرت في زاوية ضيّقة، وتبدأ البحث عن الخلاص، يصل أحيانًا إلى درجة النكوص والتخلّي عن بعض أو كل مفردات المعتقد بما في ذلك المعتقد الديني»[16].
وهي دليل ثابت على ضعف ثقة أولئك الأفراد وتلك الجماعات بمعتقداتها بسبب ارتباطها السطحي بالدين بشكل عام، وعدم فهم العقيدة التي تدّعي أنها تتمسّك بقواعدها فهمًا علميًا حقيقيًا، والاكتفاء بدلًا من ذلك بالتعلّق والتمسك بالمظاهر والمواريث، وبعيدًا عن الطقوس المستحدثة، دون الغوص بحثًا عن جوهر المبادئ وقيمتها العلية والعلمية والحياتية والإنسانية.

إن نشأة الهشاشة الدينية تأتي لأسباب متعدّدة، منها: الدينية، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية؛ ويأتي السبب الديني عادة من وجود الكثير من الخطابات الدينية المتشدّدة أو التي تحثّ على التشدّد، وتمارسه فعلًا في علاقاتها مع الآخر، وهي عادة خطابات سطحية فارغة من المعنى وتفتقر إلى العمق المعرفي. ومثل هذه الخطابات تسهم بالتالي في تحويل الدين إلى شكل اجتماعي خالٍ من الروحانية؛ التي هي أسّ العلاقة بين العبد وربه، وبسببها يتحوّل الدين إلى فعل تقليدي خالٍ من التجديد ورافض للتواصل[17].
أما السبب الاجتماعي والثقافي فينتج عادة في البيئة التي تُمارَس فيها رقابة اجتماعية مشدّدة، بدلًا من التربية العلمية الفكرية الاجتماعية المتوازنة، والمعروف أن البيئات الرقابية المتشدّدة تفتقد غالبًا إلى النزعة الإرشادية التي يحتاجها الإنسان لغرض التواصل الفكري مع الآخرين[18].
أما السبب التربوي فينشأ أصلًا من طريقة إعداد الفرد، التي تكون عادة مبنية على منهجي الحفظ والطاعة فقط، مع وجوب الالتزام الحرفي بقواعد مبتكرة، دون اجتهاد أو نقاش لتلك الأوامر والنواهي؛ ضمن رقعة غطاؤها تحذيرات الحرام والحلال ومصطلحات (لا يجوز) و(الأولى تركه) وغيرها من النواهي المبتدعة، دون معرفة سبب وعلة هذه الأوامر والغاية منها، وفيما إذا ما كانت لا تزال صالحة للتداول أم أن تاريخانيّتها انتهت بانتهاء أحداث مرحلية مرت بها العقيدة. وهذا بحدّ ذاته لا يعطي أي فسحة للنقاش أو الحوار مع الآخر، لأن الدين عند هؤلاء يتحوّل إلى منظومة عسكرية لا مجال فيها لمحاورة الآخر أو التعاطي الفكري معه، ثم عندما يبدأ بالتعرض للإخفاقات بسبب عجز تلك الشعارات عن تلبية حاجاته الإدراكية والفكرية وحتى الاجتماعية، يتسبب في انهيار القيم في عالمه بعدما فشلت في تلبية احتياجاته، فيشعر حينها بالارتباك، وتثور في عقله دوافع الشكّ، وهذا مبتدأ الهشاشة الدينية التي تجعل المرء غير مستوعب لقواعد عقيدته، فيصبح عاجزًا عن الدفاع عن إيمانه متى ما احتاج إلى خوض نقاش أو مجرد فسحة من التفكير الحر[19].

إن مفهوم الهشاشة تحوّل في الفكر الغربي الحديث والمعاصر من مجرّد حالة بيولوجية يكون خلالها الإنسان هشًّا أمام الطبيعة، إلى إنسان هشٍ أمام المعنى في الفكر الوجودي، وصولًا إلى الهشاشة أمام الأفكار والمجتمع والهوية والتكنولوجيا، وهي الهشاشة المعاصرة، التي يعتقد بعضهم أن لها أثرًا كبيرًا في العالم الغربي، ويعتقد آخرون أنها «انتهت بانتهاء أثر الأديان في المجتمع»[20]. ولذا سعى بعضهم للبحث عن «الروحانيات البديلة»[21] كمحاولة لترقيع هشاشة داخلية ظاهرة ومشخصة[22].
وفي هذه المجتمعات امتاز آخرون بتعلّقهم بتديّن مفرغ من معناه الحقيقي، والمعروف عن هؤلاء أنهم يحتفظون بهوية دينية لكن دون إيمان حقيقي وعميق، ودون ممارسة فعلية لمتطلّبات الأديان، بما في ذلك الحضور إلى الكنائس. والمعروف أن التديّن السطحي يكون تديّنًا هشًّا ينهار عند أول وأبسط التحديات الفلسفية والأزمات الشخصية[23].

هذا فضلًا عن عدم وجود مرجعية مشتركة لديهم حتى مع وجود الفاتيكان، وقد تسبّب فقدان المرجعية وانحسار دورها الفاعل في ضياع المعايير الأخلاقية، التي تسبّب ضياعها في ولادة هشاشة أخلاقية وفكرية[24].
ويعني هذا أن الهشاشة الدينية مشخّصة، وملامحها بارزة في المجتمعات الغربية، تؤكد وجودها حالة التشتّت الولائي الذي تسبّب به الخلط بين المعتقدات، والذي أنتج اللايقين الديني والإيمان المبهم، ويكاد يكون السعي لخلق الديانة الإبراهيمية أفضل أنموذج يدل على وجود الهشاشة الدينية في المجتمعات الغربية التي لم تعترض على هذا المسعى، وبدل ذلك تنازلت طوعًا عن عقائدها الهشّة .

إن تفشّي حالة القلق الوجودي في المجتمعات الغربية، ذلك القلق الذي تسبّب به التقدّم العلمي والمادي المهول والمرعب، والانفتاح الأخلاقي الرهيب، وضعف المؤسسة الدينية وانشغالها بالمظاهر[25]، جعل المجتمع الغربي يتساءل بمنطوق فلسفي بسيط: لماذا أنا هنا؟ ما الغاية من وجودي؟ ولأنه عجز عن إيجاد إجابة دينية راسخة ومقنعة ترضيه، تغلّب الواقع عليه مستغلًا هشاشته الفكرية والروحية والأهم الدينية؛ ولهذا نجد الكثير من العناوين الدينية التي لا أصل لها والتي ابتكرت بسبب الهشاشة لدى بعض الأشخاص، وهي التي جعلتهم يتغيّرون[26].
هشاشة الغرب الدينية ناتجة عن التفريغ التدريجي للدين من الحياة العامة، وتحوّله إلى مجرد رمز ثقافي أو تراثي، وهذا تسبّب بخلق فراغ روحي وفكري أسهمَ في تنمية الهشاشة الدينية، الذي تجده اليوم يتحدّث عن ما بعد المسيحية والمجتمع بعد الإيمان وغيرها من الآراء المبهمة.

ثالثًا: نقد الهشاشة الدينية في ضوء الحداثة السائلة:
شهد القرن الثامن عشر في أوروبا دخول الإنسان الغربي في مرحلة الحداثة والتحديث، فأبدع تراجعًا للقيم والدين في اختراع كل الوسائل التي تمكّنه من الحياة برفاهية والذي صاحبه والأخلاق، ولم يعد يؤمن إنسان الحداثة إلا بمغرياتها، ونسي ذاته، بل وحتى جانبه الروحي، وساد الفكر العلماني المنادي بضرورة فصل الدين عن الدنيا بصورة نهائية؛ لأن العلم أعلن انتصاره[27].
ومما زاد هذا الطرح قوّة محاولة الغرب تعميم نموذجه الحضاري في العولمة على كل المجتمعات، باعتبار أن الحداثة لا مفرّ منها والعولمة تفرض ذاتها بقوة، فظهر الإنسان العالمي والقيم العالمية، وأعلن «نهاية التاريخ وسيطرة الرأسمالية والليبرالية، وذابت الفوارق بين الشعوب عن طريق وسائل الاتصال والإعلام، وظهرت الثقافة الغربية كنموذج يعمم على باقي الأمم، باعتبارها النموذج الحداثي الذي أبدع الحداثة، ومن ثم فرض الحضارة الغربية بكل مقوّماتها على باقي الحضارات، وجعل العالم قرية واحدة[28]، إلّا أن ذلك أدّى إلى ما عُرف بـ «صدام الحضارات»، الأمر الذي أزعج الهويات الغربية وبالذات الأمريكية»[29].

ومن نتائج العولمة والحداثة السباق نحو التسلّح وظهور المجتمع الاستهلاكي، مما أثر على الإنسان والبيئة، وظهر من ينادي بما بعد الحداثة؛ لأن الحداثة خلقت لدى الإنسان نوعًا من القلق والخوف والهشاشة والمراقبة السائلة، وهذا بدوره غيّر من العلاقات والمفاهيم بين المجتمعات والشعوب، ومن هذه المفاهيم مفهوم الثقافة والحداثة والعنف والإنسان والقيم والحب والأخلاق والحياة وحتى الشر، حيث لاحظ الفيلسوف والاجتماعي البولندي سيغمونت باومان (1925ـ2017) أن هذه المفاهيم التي تدخل في أساس الفهم الإنساني لا بد أن تتغير وفقا لمعطيات الحداثة، والحظ أن مفهومها الكلاسيكي ثابت لا يتغير، وبما أننا انتقلنا من زمن التحديث إلى الحداثة لا بد لهذه المفاهيم أن تتغير، ووضع ما أسماه بمصطلح «السيولة»[30].

لكن ماذا يقصد بمصطلح «السيولة»؟، وكيف ينطبق على المجتمعات؟
وفي الإجابة على ذلك نقول إنه في عام 2000 أصدر سيغمونت باومان كتابه «الحداثة السائلة» الذي ورد فيه هذا المصطلح[31] للإشارة إلى التحوّلات المتلاحقة التي تتعرّض لها القيم والمعتقدات والعلاقات في المجتمعات الحديثة، تلك التحوّلات التي جعلت كل شيء أكثر مرونة وأقل استقرارًا، وُلد هذا المصطلح ليقابل مصطلح الحداثة الصلبة الذي يدلّ على ثبات ووضوح[32] القيم مثل: العمل، الحب، الزواج، العائلة، الدولة، الدين، وغيرها في المجتمعات المستقرة، حيث كان البشر يعيشون في إطار اجتماعي منظم وملتزم بالقواعد[33].

ويعدّ سيغمونت باومان أحد كبار المهتمين بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة. اعتنق باومان الشيوعية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وعاش في لندن، فجمع بين الفكر اليهودي والفكر اليساري والفكر الرأسمالي، وقد أدى تنوّعه الفكري إلى تنمية قدراته البحثية. أصدر باومان أكثر من سبعة وخمسين كتابًا، وكتب أكثر من مئة مقال، تحدث فيها عن العولمة والحداثة وما بعد الحداثة والمادية الاستهلاكية والنظام الأخلاقي. وكانت سلسلة السيولة التي نشرها ما بين عام 1995 و2017، ومنها: «الخوف السائل» و«الحياة السائلة» و«الحداثة السائلة» و«الشر السائل»؛ تلك السلسلة التي أوضح فيها مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة وأثرهما على الحياة العامة.
وباومان هو واضع مصطلح «الحداثة السائلة» الذي حاول أن يصف فيه تحوّل الجوانب الحياتية المعروفة والثابتة مثل الهوية والعلاقات والقيم والمؤسّسات، إلى غير ثابتة ومتغيرة ومرنة وسهلة التفكّك والانهيار بسبب هشاشتها؛ وقد جاء مصطلحه مقابلًا لمصطلح آخر كان متداولًا هو مصطلح «الحداثة الصلبة» .

تكلّم سيغمونت باومان عن مفهوم الميوعة[34] التي تتّصف بها المواد السائلة، التي تختلف عن المواد الصلبة من حيث قدرتها على التشكّل المستمر والجريان الدائم بحسب القالب التي توضع فيه[35].
هنا يستعير سيغمونت باومان هذا الإطار ليطلقه على مضمون العصر الحديث بشكله ومنتجاته الإعلامية والفلسفية والاقتصادية، فهي سائلة بلا ملامح وتنسكب في مظاهر شتّى، فلا يمكن إمساكها كما هو الحال مع المادة الصلبة، ولا يمكن تقييدها بزمان أو هوية جغرافية وقومية خاصة[36].
الحداثة هنا في نظر سيغمونت باومان هي الهشاشة المتجسّدة في الاختلاف المستمر؛ حيث تناول في كتابه «الحداثة السائلة» الحداثة ومآلاتها الراهنة في حركتها ومسيرتها وتحوّلاتها من الشكل الصلب إلى الشكل السائل، لأنه ينظر إلى عصر السيولة بأنه يمتاز باللايقين واللاستقرار، وتسعى الحداثة فيه إلى إعادة الإنسان إلى زمن بداوة عالمي، لا يقتصر على مجتمع بعينه. فيحاول باومان في كتابه أن يفهم (الزمن المتغير) لإعادة النظر في الأطر المعرفية المستخدمة في تكوين فردية الإنسان؛ مفاهيم أدّت إلى تفسير الوضع الإنساني، وهي التحرر، والفردية، والزمان/ المكان، والعمل، والجماعة.

ولنضرب أمثلة مباشرة من كتاب سيغمونت باومان، ولنبدأ بمفهوم التحرر الذي لخّص أحواله والفروق التي مر بها في موجات الحداثة ضمن عدة نقاط: مثل: هل الحرية نعمة أم نقمة؟ وهل التحوّلات في نقد المجتمع كثيرة؟ وما سياسة نقد الحياة؟
وهنا يشير سيغمونت باومان إلى أن معنى التحرر مرتبط بالتخلّص من كل القيود التي تعيق الإنسان وفكره ورغبته وآماله، فلا يمكن لأحد التحرر إلا في حالة تقييد أي من هذه الأجزاء، وإن حصل ذلك فإن هذا التحرر ناقص بكل تأكيد .. لكن مهلًا: هل الحرية نعمة أم نقمة؟ .. طبعًا هناك من يرى أن الحرية نعمة، وهناك من يراها نقمة، ويسرد سيغمونت باومان الكثير من التفاصيل منها قصة مقتبسة من أسطورة «أوديسيوس» حين فكّ السحر عن أحد رجاله الذين حوّلتهم الساحرة إلى خنزيز، يقول الرجل بعد عودته إلى الحياة الطبيعية لقد كنت في غاية السعادة أتمرّغ في الوحل والتراب، وأغرف الطعام غرفًا، وأشرب الشراب عبًّا، لقد كنت متحرّرًا من التأمّل والتردد في ماذا أفعل، هذا أم ذاك .. لماذا أتيت؟ .. ألتعيدني إلى هذه الحياة الكريهة التي كنت أحياها من قبل[37].

وهنا يقبض سيغمونت باومان على هذا ليشير إلى أن الحداثة السائلة ترتكز على التحرّر للتهرّب من المسؤولية .. لا حاجة لفكر ولا للعمل .. يكفي الترفيه والترويح عن النفس، وإن كان هذا الشيء هو مقززًا للناس، فالإنسان الاجتماعي الذي يفعل ما يريد بناءً على قراره ورغبته، لم يعد له وجود في عصر ما بعد الحداثة، لقد انتهى المعنى، فالإنسان الآن آلة ضمن نظام كبير ومعقّد، وكل حرية يتصوّرها الإنسان قد تحقّقت؛ ولذلك لا يوجد حرية حقيقية في فلسفة ما بعد الحداثة. إنّنا مجبرون على التفكير؛ لأنّ هذه العملية جزء إجباري من الحياة اليومية، فنفكّر قبل اتخاذ القرار، ونحاول تحسين حياتنا وآثار قراراتنا يوميًّا .. هذا صحيح .. فالعبارة السابقة مألوفة بكل إنسان.. لكن هل هذا هو حقيقة الواقع[38].
لننتقل إلى فكرة الفردية، حيث قد تشير هذه الكلمة إلى تفرّد الذات الإنسانية في حكم العالم وتحرّرها من العقائد الغيبية أو الدينية، إلّا أن سيغمونت باومان لا يقصد هذا المعنى . إن الفردية المقصودة هنا هي المسؤولية التي تلقيها الحرية على كل إنسان يريد الاستقلال، فالعالم مقسّم مسبقًا إلى عالم السعادة والشقاء، أو إلى عالم الأحرار والعبيد، وفي كل هذه التقسيمات لا يمكن للإنسان أن يكون مستقلًّا استقلالًا كاملًا، فبالرغم من الحرية المطلقة في عالم الحداثة لكل فرد، إلّا أنه مقيّد ضمن ضوابط معينة: الوقت، والقانون، والإدارة، والمراقبة، والتصميم المسبق، وأشياء أخرى، كما هو الحال في عمّال مصنع كبير، فهم أحرار خارج أسواره في فعل ما يريدون، لكنهم في داخله يسيرون دونما تمرّد على حسب الخطة الإنتاجية المرسومة[39].
وأما فيما يخص قضية الزمان والمكان، فيتناول فيه باومان قضية كثيرة الأهمية اليوم، وهي الأمان. فسياسة الخوف اليومي هي أشد خطرًا على الثقافة العامة، فهناك خوف يسيطر في الشوارع؛ ذلك الخوف يبعد الناس عن الفضاءات العامة، ولهذا فإنه في التقدم الحالي الحضري يستمد المجتمع فيه هويته من حدوده المنيعة، وحراسته الشديدة، لا من موضوعه وفكرته ورسالته[40].

وعندما يتحدث باومان عن المكان الطارد، والمكان الجاذب، واللامكان، والمكان الخالي، نجده باومان هنا استراتيجيتين لكلود ليفي شتراوس، وهما (الإقصاء والدمج) لفهم الفضاءات العامة في حياتنا؛ بحيث تمثّلان متلازمتي الطرد من الجماعة (الإقصاء) أو قبول الفرد و إدخاله في تلك الأماكن (دمج). ويتحدث عن اللامكان أيضًا، فيعده فضاء يخلو من السمات الرمزية التي تكشف الهوية أو العلاقة أو التاريخ، كالمطارات والغرف الفندقية وغيرها، كونها فضاءات خالية تفتقد إلى إنتاج المعنى، وأخيرًا يرى باومان أن «المكان الخالي يشكل الفراغ، وهو مكان لا يدخله المرء، ولو دخله، شعر بالغربة، وأحس بالخطر، والخوف من منظر البشر»[41].
أما فيما يخص العمل، فيعتقد باومان أن المجتمعات اليوم يجب أن يكون لديها وعي بالنمو الاقتصادي، وارتفاع في مستوى معيشة أعضائها، والتخطيط والتوجيه والسيطرة على التغيير الاجتماعي. ويرى باومان أن العمل لم يعد مركزًا آمنًا ترتبط فيه تعريفات الذات والهويات ومشاريع الحياة، ولم يعد يمكن افتراض العمل كأساس أخلاقي للمجتمع، أو المحور الأخلاقي للحياة الفردية[42].
الحداثة السائلة منذ ولادتها نجحت في جعل العلاقات العامة بمجملها أكثر هشاشة من السابق، وحوّلتها من الإطلاق إلى المتغيّر، بما في ذلك الهويات نفسها، حيث لم يعد الأفراد مرتبطين بهوية واحدة سواء كانت دينية أم قومية أم ثقافية، وزرعت نوعًا من عدم الاستقرار أدى إلى فقدان الإحساس بالأمان في العمل، والعلاقات، والمعتقدات، ومن خلالها صار التركيز على الفرد واحتياجاته بدلًا من التركيز على الجماعة والمجتمع، مما أدى إلى ضعف الروابط الاجتماعية، بما جعل العلاقات، بما فيها العلاقات العاطفية، أقل دوامًا وأكثر براغماتية ومصلحية، ومعه انتهى عصر الحب الأبدي الخالد، وحلّت بدلًا عنه العلاقات السريعة وتطبيقات المواعدة الإلكترونية، وحتى القيم الدينية والاجتماعية نفسها لم تعد تفرض نفسها بقوة كما كانت في الماضي[43].

وبالعموم شجّعت الحداثة السائلة على تفشي الشعور بالشك واللايقين وعدم الاستقرار في الحياة، وتسببت في غياب الروابط العميقة بين الأفراد، وشجعت على الانعزال والوحدة، وزادت من ضغوط الاستهلاك، بعدما جعلت النجاح يرتبط بالمظهر والممتلكات بدلًا من القيم العميقة والعادات[44].
نعم نحن لا ننكر أن الحداثة السائلة قد وفّرت حرية شخصية أكبر للأفراد، وأتاحت لهم فرص اختيار أنماط حياتهم، وفتحت أمامهم فرصًا واسعة للتعلم والعمل والسفر والعلاقات الخاصة والعامة، وشجّعتهم على تقبّل التنوّع الثقافي والانفتاح على أفكار جديدة. ولكن ذلك كله لا يصمد أمام تلك السلبيات التي أشرنا إليها[45]؛ علما أن مصطلح الحداثة السائلة جاء مكمِّلًا لأبحاث سيغمونت باومان السابقة حول الحداثة وما بعد الحداثة، التي أوصلته إلى فكرة أن الحداثة وما بعد الحداثة لم تعد صلبة مثلما كانت في القرن الماضي[46].

لقد رفضت الحداثة السائلة أن تكون مجرد رقعة جغرافية يلتقي فيها الكثير من الغرباء الذين لكل واحد منهم رغبة وطموح وأهداف، تختلف بشكل كبير مع جيرانه ولا يوحّد بينهم جميعًا، إلّا الرغبة، حيث إنّ الرغبة في الربح والتفوق، وحالة التحضر هذه، أثرت كثيرًا في صفات المدينة المكانية المغايرة، فعلى سبيل المثال: فصل النمط الاستهلاكي بين المدينة والإنسان[47]، فابتعدت مراكز التسوق عن باقي أنحاء المدينة سكّانيًا ،حيث نجد المولات بجوار الطرق السريعة، وعلى أطراف نائية من المدن، بينما كانت محلات البقالة قديمًا والأسواق في لب المدينة ووسط الشوارع القديمة والأزقة، وقد نتج عن ذلك أن شعورًا من الهوية المشترك قد بدأ يجتمع في الأفراد الذين يجتمعون مع بعضهم في تلك الأماكن، وقد تكون تلك الهوية هوية زائفة وخادعة، ولكنها قوية ومؤثّرة في الوقت ذاته[48].

لا يقدم سيغمونت باومان إجابات ملائمة في هذا الكتاب، فهو فيلسوف ليبرالي على الرغم من فضله في تعرية الحداثة الصلبة والسائلة وإظهار عيوب كل منهما وتناقضهما، إلا أنه لم يبين طريق الخروج.
إن الإنسان في عصر ما بعد الحداثة منهك في نظر سيغمونت باوماند وتائه، لا يدري صوابه من خطئه، إنه إنسان مغيّب العقل، كالسكران، الذي لا يدرك أي شيء .. انتهت الحدود بين القيم، فتبدوا كل قيمة أو سلوك صحيحًا مهما بلغ من قبح ذلك الفعل، وذلك باعتبار إنه اختيار ويجب احترامه .. هذا ما تقوله الحداثة السائلة، هذا الإنسان هو إنسان المتاهة وقد أزال كل المعايير وأهدر قيمة كل شيء ثابت[49].
ولم تصل الحداثة إلى إنكار الإنسان نفسه في نظر سيغمونت باوماند تائه، إلا أنها أنكرت الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فقدت كل طريق لإيجاد تفسير نهائي لهذا الوجود وما فيه، وقد نتساءل : لماذا نهتم بالفكر الغربي أو لماذا نقرأ أعمال سيغمونت باومان عن السيولة[50].
وهنا تجيبنا الدكتورة هبة رؤوف عزّت في تقديمها لهذا الكتاب، حيث نقول: نقرأ لنفهم في المستقبل. لم يعد للجغرافيا منطق، فالناس يعيشون على خريطة الحداثة طوعًا أو كرهًا، بل كيف يمكن لإنسان أن يعرف ما ينتقص إنسانيته ويهدم كينونته ويغير دينه إلى طقوس فارغة من المضمون، ويعطل علاقة الفرد مع الجماعة ويخفي هيمنة الرأسمالية تحت غطاء المتعة والمنفعة دون أن يظهر وجهه المحرّم بشكل صريح[51].

والمعروف عن باومان أنه لم يهتم كثيرًا بالجانب الديني في الحياة العامة، ولم يكن الدين محورًا مهمًّا في أبحاثه، لكنه أمَّنَ وجود أدوات تحليلية من اليسير على الباحث الفطن تطبيقها على ظواهر الهشاشة الدينية، فهو تحدث عن الدين بأنه يصبح في زمن السيولة منتجًا استهلاكيًّا بعد أن يتخلّى عن دوره في المنظومة الحياتية، ويتحوّل إلى[52]خدمة روحية يمكن استهلاكها، لا منظومة حياة، وبسبب السيولة يختار الناس من الدين، ويتركون منه ما يناسب رغباتهم فقط، تمامًا مثل عملية التسوق[53].

وفي هذه المرحلة يتم تفعيل الهشاشة الدينية في الالتزام والإيمان بسبب عدم وجود عمق روحي ولا ثبات مبدئي لدى الأفراد، وفي هذه المرحلة يصبح الدين مرنًا سريع التغير، وتبعًا لذلك تصبح الهوية الدينية سائلة هي الأخرى، فالهوية في السابق كانت ثابتة متجذّرة ترتبط بالعائلة وبالمجتمع وبالقيم، وبعد تفشّي ظاهرة التفكك في الروابط الاجتماعية تحول التديّن إلى مسألة فردية، يختارها الفرد وفقًا لما يناسبه، ويستطيع تبديلها بسهولة متى شاء، ويتركها ويعود إليها حسب هواه. وهذا يجعل الدين نفسه هشًّا؛ لأنه يفقد الارتباط المجتمعي والرمزي، وهو ما قال عنه بومان: «الهوية في زمن الحداثة السائلة ليست ميراثًا، بل مشروع أصنعها بنفسك»[54].

وقبل هذا التحوّل كانت المؤسسة الدينية مركزية، قوية التأثير، لها سطوة وموقّف، لكنّها تراجعت في العالم السائل أمام الفردانية والفضاء الرقمي، وهذا أنتج الهشاشة المؤسّسية، بعد أن تفشّى الالتباس والتشتّت بسبب عدم وضوح المرجعية الدينية. وقد ذهب باومان إلى أن الحداثة السائلة تُنتج قلقًا وجوديًّا دائمًا، وهذا يتسبّب بفقدان توظيف الدين كأداة للطمأنينة في عالم يملأه القلق، وهذا ما قال عنه بومان: «الناس يبحثون عن ملجأ روحي، لكنهم لا يريدون التزامات دينية طويلة المدى، وهذا يجعلهم يتّجهون إلى البحث عن روحانيات خفيفة ومؤقّتة، لا تُثقل عليهم، فتحوّل الدين إلى منتج نفسي مؤقّت»[55].
يعني هذا أن باومان، الذي نادرًا ما تحدث عن الدين، كان من خلال حديثه عن السيولة قد شخّص أن الهشاشة الدينية تحدث نتيجة تَحوّل الدين من نظام ثابت، عضوي، متجذر في الجماعة، إلى حالة سائلة وفردية ومجزّأة، يتم تشكيلها حسب السوق والرغبة، وبذلك تفتقد عمقها وثباتها ومرجعيتها، فجاء آخرون وقاموا بتنمية طروحاته وتطويرها.

والسؤال الآن : هل ثبت أن باومان انتقد الدين فعلًا وبشكل مباشر، أم أن حديثه عن الدين جاء عرضيًا عند حديثه عن السيولة؟
لم يثبت أن باومان وجّه نقدًا مباشرًا للدين، لا من زاوية إلحادية، ولا من زاوية معادية، ولم يظهِر تحيّزًا أو ميلًا لعقيدة أو فئة، فهو ومثلما أوضحنا قام ضمن تحليله للتحولات التي طرأت على مجتمعات ما بعد الحداثة، بتناول الدين كظاهرة اجتماعية، مثل أي ظاهرة أخرى.
وهذا يعني أنه لم يتعمد نقد الدين لذاته، بل تناول وضع الدين في المجتمع السائل بالبحث والاستنتاج، وتبعًا لذلك وصف كيف تغير دور الدين ووظيفته في المجتمعات الغربية نتيجة السيولة وبسببها.
ولما كان باومان قد جاء بنظريته ردًا على نظرية الحداثة الصلبة التي كانت ترى أن للدين مكانة مؤسّسية قوية وثابتة تمثلها الكنيسة، المؤسسة الدينية الرسمية بكل عنواناتها؛ فقد استنتج باومان من الواقع الذي يقوم بدراسته أن الأفراد في المجتمعات الغربية صاروا يستهلكون الدين مثلما يستهلكون أي سلعة أخرى، بأسلوب شخصي وانتقائي، بمعنى انهم قاموا بتسليع الدين، وهم بذلك أفقدوا الدين رصانته وسلطته الشاملة، وحوّلوه إلى واحد من مجموعة الخيارات المتاحة أمامهم. وفي هذه المرحلة بقي الدين ظاهريًّا ولم يختفِ من الوجود، ولكنه تحوّل إلى دين سائل ومرن ومطواع حسب رغبات الأفراد والمجتمعات، وبذلك حل التدين الرمزي الفردي الانتقائي محل التدين المؤسساتي[56].

وما تجدر الإشارة إليه أنه عندما يتم تطبيق هذا المفهوم على الدين، فإنه يعطي وصفًا للأديان على أنها تمتلك قابلية التكيف مع التغيرات الثقافية والاجتماعية، وأنها تميل إلى إعادة تشكيل معتقداتها وممارساتها استجابة للعصر الحديث.

ومن ثم نرى أن محاولة تطبيق السيولة الدينية على أي دين يجعله أكثر هشاشة ويعرّضه إلى رجّات تنتزع منه قدسيته، وتحوّله إلى وليمة دسمة لكل صاحب رأي. علمًا أن الأديان نفسها لا تقرّ هذه الصلاحية لأحد، ولا تخوّل أحدًا مهما كان مركزه أن يعيد تراتبية قوانينها لأي سبب كان، وهي عادة لا تعترف بالتبدّلات الزمنية لرسوخ قواعدها، وهذا مشترك فاعل بين جميع الأديان الكبيرة.

أمّا المسيحية الحديثة أو الليبرالية فإنّها تتبنّى تفسيرًا ليبراليًا للنصوص الدينية، ومرونة في فهم العقائد، مثل قضايا زواج المثليين، ودور المرأة، والتطور العلمي والحركات الكاريزماتية والكنائس الإنجيلية مما يجعلها يجعلها قريبة من إمكانية وصفها بالدين السائل. ولكن المسيحية ككل ليست دينًا سائلًا[57].
أما الإسلام فمن غير الممكن، بل من المستحيل، وصفه بأنه دين سائل لأنه يعتمد على مجموعة من المبادئ والقيم والأحكام الثابتة والواضحة التي تشمل القرآن والسنة، تُعتبر المرجع الأساس لفهم الدين وممارسة وتطبيق الشعائر الدينية؛ وهي ديانة تعمل وفق قاعدة «لا مجال للاجتهاد مقابل النص»، بما يعني وجود صرامة ثابتة غير قابلة للنقض، وأن هناك إطارًا ثابتًا للأحكام والمعتقدات الأساسية التي يجب على المسلم اتّباعها حرفيًّا، ولا يُسمح له أو لغيره بتغيير هذه المبادئ الأساسية او التلاعب فيها ولو بشكل جزئي[58].

هل مفهوم السيولة عند سيغمونت باومان جديد أم لها إرهاصات في الفكر الغربي؟
وهنا أقول رغم أهمية هذا السؤال الذي يكشف عن رغبة حقيقية وصادقة لفهم الخلفيات المعرفية لمفهوم السيولة عند باومان، ومع أننا أشرنا في جواب الشطر الأول إلى أن باومان استعان برؤى فلاسفة وعلماء آخرين وبنى عليها استنتاجاته مثل «كارل ماركس»[59] (1818-1889)، و«إميل دوركايم»[60] (1858-1917) و«أنتوني جيدنز»[61]، إلا أن التعمق في دراسة هذا الجانب يلقي الضوء على مجمل الاستنتاجات المتقدمة، طالما أن المتخصّصين اتفقوا على أن مفهوم السيولة من حيث التسمية جديد تمامًا عند باومان، إلّا أنهم أجمعوا على أنه ليس جديدًا من حيث الجوهر. وقد دلّت الأبحاث على أنه استعار مصطلحه من مصدرين:
الأول: في التسمية «السائلة» الذي اقتبسه من «حالات المادة» في علم الفيزياء، وتحديدًا من الحالة السائلة: حيث تأخذ السوائل شكل الإناء الذي توضع فيه، والجزيئات في السوائل ليست ثابتة ليصف من خلالها واقعًا اجتماعيًا ونفسيًا وثقافيًّا يمتاز بالتحوّل المستمر، مع انعدام الثبات والفردانية، وانهيار البُنى الصلبة، ليرمز من خلال ذلك إلى سيولة العائلة والدين والأيديولوجيا والعقائد، وحتى السلوك العام.

والثاني: من الفكر الغربي؛ إذ توجد هناك دلائل على استخدام عدد من المفكرين لمفهومية السيولة عند حديثهم عن التحوّل الدائم قبل أن يستخدمه هو، ففي قول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: «لا يمكنك أن تخوض في النهر ذاته مرتين». دلالة على أن التغير هو الثابت الوحيد، وهذا قريب جدًّا مما قصده باومان بالسيولة. وقبل باومان وصف الفيلسوف كارل ماركس في «البيان الشيوعي» الرأسمالية على أنها: «تُذيب كل الثوابت» وهذا وصف مبكر لما يمكن تسميته بالسيولة البنيوية. فضلًا عن وجود قائمة طويلة من المفكّرين من نيتشه إلى هايدغر إلى وفوكو كلّهم ركّزوا على انهيار الثوابت وانفتاح المعنى. وقد ناقش فلاسفة ما بعد الحداثة مثل جان بودريار، وجان فرانسوا ليوتار التفتّت والتلاعب بالهوية وفقدان اليقين وفي هذا دلائل على السيولة.
والملاحظ على التراث الإسلامي أنه شخّص التغير والزوال، لكنه ربطه بالآخرة والثبات في الله، لا كحالة عبثية أو انعدام للمعنى كما في الحداثة السائلة التي ابتدعها باومان، وهذه كلّها تثبت أن باومان سبق غيره بالتسمية ولكن غيره سبقوه بالمعنى، وهذا ما نجده بوضوح لدى «فطاحل الحكماء أمثال صدر الدين الشيرازي والذي وجّه أنظار أهل العلم من الشرقيين والغربيين إلى أفكاره النيرة وآرائه وفلسفته الروحية وإلى كتبه النفيسة التي هي مرآة أفكاره وأفكار عظماء الفلاسفة كسقراط وأفلاطون أرسطو وغيرهم من فلاسفة الإغريق والفرس والروم، وأتباعهم كابن سينا والفارابي وأمثالهما»[62].

الخاتمة:
1. نجح سيغمونت باومان في تشخيص العالم الغربي فكرة الهشاشة الاجتماعية والقيمية، لكونه فيلسوفًا ينتقد الأوروبي من داخل الحضارة الغربية لا من خارجها، فهو ينتمي لها لكن لا يؤيدها في نظرتها الدونية للشعوب الأخرى ويستغرب أمر ذلك، لأن الإنسان بطبعه توّاق للتنوع والاختلاف؛ لأنها صفات جوهرية في البشر، فلا يمكن اقتلاعها بأي شكل من الأشكال.
2. كشفت لنا الدراسة كيف استطاع سيغمونت باومان من خلال مفهومه للسيولة عن الهشاشة التي تمرّ بها أوروبا من جميع النواحي، واصفًا أوروبا الداعية دومًا للانفتاح على العالم بأنّها تخفي وجهًا شبحيًا من التسلّط والهيمنة على الشعوب الأخرى، وممارستها لسياسة الإقصاء وتهميش الغرباء، وكيف تُصقل الهويات وتذوب وتنصهر تحت ما يسمى بهيمنة المركزية الغربية، كأنها تخبرها بأن تتوقف عن كونها هويات مختلفة وإلزامها بأن تكون أوروبية تمامًا بكل ما تحمله الكلمة، وإلا مصيرها سيكون النبذ والاقصاء من إمبراطوريتها الوهمية التي رسمتها في مخيلتها، ومن تاريخها الذي بُني حجره الأساسي بسياسة الدم والعنصرية.
3. من خلال تعريفنا للروحانية اللادينية في ضوء فكرة الهشاشة، وحتى دون أن نضيف إليها عنصرًا آخر، من الممكن أن نستشفّ أنها مفهوم تتسع مدياته بشكل مدهش، يتصل من أحد أطرافه بالمقدس، ومن طرفه الآخر بالمدنس، فتتراوح مساحته بين الإيمان والإلحاد في جمع غريب للتناقض، ولكن مجرد التعامل معها يبقى تجربة تشعرنا بارتباطنا بذات أعظم وأكبر من ذواتنا، سامية ومتعالية يمنحنا التواصل معها دفئًا يقودنا إلى فهم عميق مفعم بالحيوية وكبير الترابط بالوجود والحياة في وقت يلفّ فيه البرد حياتنا ويشعرنا بالغربة.
4. لقد أثبتت مؤشرات الحراك المعاصر في ظل الحداثة السائلة بكل ما تنضوي عليه من تناقض أنه مع انحسار المدّ الديني في العالم لأسباب كثيرة جدًا، ليس هذا مجال التحدث عنها، شهدت الروحانيات الباطنية الحديثة إقبالًا متزايدًا لا في الدول الغربية وحدها، بل حتى في البلدان الإسلامية والعربية، وحتى في المجتمعات اللادينية لسببين مباشرين، الأول: قدرتها على ملء الفراغ الذي قصُرت عنه المادية والدينية كلاهما.
5. لقد تبيّن لنا من خلال مسيرتنا في البحث أن طالب الإصلاح عليه يؤمن دون أدنى شك أن جوهر الدين هو النقاء، وأن التحريف أصاب بعض مفاهيمه أثناء التطبيق لا بسبب التشريع، ولذا المفروض به فهم الدين الأول، ومن ثم الانطلاق من هناك طلبًا للإصلاح. فضلًا عن ذلك عليه محاولة التأكيد وبشكل دائم على أن الدين بكل ممارساته وطقوسه وكافة متعلّقاته العقائدية والدينية لا يتعارض مع التطور التقني والعلمي والحياتي، وإنما هو مصدر إلهام، إذا ما تم فهمه وفق قواعده الصحيحة.
6. أظهر لنا البحث أن الدين في جوهره يعتمد على اليقين أساسًا، ولكن هذا اليقين بحد ذاته لا يمنع أن يكون الشك مدخلًا لفهمٍ أعمق للدين، مع الأخذ بالاعتبار أن توظيفه في التعامل مع بعض المسائل الدينية العقائدية الراسخة يتطلّب دقة متناهية وحذرا شديدًا، ليس لأنه محرّم ويدخل في دائرة التابو، وإنما لحساسيته العالية كونه يتطلّب شروطًا يجب توفرها بمن يريد خوض هذا الغمار.
7. كشف لنا البحث أن الهشاشة الدينية خرجت من رحم الفكر الغربي المعاصر، وبالأخص من خلال الفيلسوف نيتشه والذي بلور لنا فلسفة ازدراء الأديان، وكان له دور مهم في ترسيخها من خلال كتاباته، فهو كان يعتبر الأديان قوة معيقة لنمو الإنسان وتطوره. المؤسف في الأمر أن الفلاسفة الذين كانوا يدعون إلى تحرير الإنسان وضرورة تحلّيه بقيم التضحية والتواضع والخير والرحمة، كانوا هم أنفسهم الذين رفضوا المسيحية وأزدروا تعاليمها؛ لأنها كانت تروّج للقيم ذاتها، بحجة أن دعوتها هذه تحوّل الإنسان إلى كائن يشعر بالدونية ويعاني من الشعور بالذنب والضعف على حساب الطموح والقوة والإرادة التي يجب أن يتحلّى بها كل إنسان حر.
8. إن الهشاشة الدينية كشفت لنا عن رفض للروحانية اللادينية وتأكيد على أن الروحانية الدينية هي التي ستبقى لاعبًا فاعلًا في ساحة الوجود الإنساني، وأن صمودها اليوم لا يقل عن صمودها الأول في أيام تحدّي مجتمعات البعثات، وأن فشل الدعوات لتقويضها ولو على مستوى القرنين الماضيين فيه دلالات على مقدرتها على الصمود بشكل دائم رغم الخسائر التي تتعرّض لها، وستنجح رغم الضغوط التي تتعرّض لها بشكل مستمر في إثبات وجودها، وسيكون بعض هذه الضغوط ناتجًا عن المواقف السلبية للحكّام والجماهير من القضايا المصيرية، مما يحدث ردّ فعل لدى المواطن العادي؛ الذي يبدأ بالتنازل عن الولاء للقانون، ثم الولاء للحاكم، وأخيرًا الولاء للدين.
9. كذلك كشفت الهشاشة الدينية عن مدى التنافس بين السلطتين، السلطة الدينية التقليدية، والسلطة الروحانية اللادينية، في وقت بدأت فيه السلطة التي كانت تتمتّع بها المؤسسات الدينية بالتراجع السريع، قبال تزايد قوة واندفاع القيم العلمانية والانتشار الواسع للأفكار الفلسفية الحديثة، أدّى ذلك كله إلى تطور الروحانية اللادينية وانتشارها السريع؛ ونتيجة التقادم أصبحت الروابط الدينية بسبب صرامتها وجمودها غير مستساغة أو عاجزة عن تلبية حاجات الواقع لدى كثير من الناس، ربما بسبب الانفتاح والحرية المطلقة التي يعيشون في أجوائها، ولأن التجارب الدينية صارت تبدو وكأنها لا تتجاوب مع مطالب التطور السريع، وبالتالي بدت عاجزة عن أن تكون وسيلة لربط الأفراد ببعضهم، في وقت نجحت فيه الروحانية اللادينية في توحيد الكثير من اهتمامات البشر المشتركة، فعززت تلك الروحانية من فكرة التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة على خلاف الأديان ذات الثقافة المفردة.
10. أبرزت الهشاشة الدينية أيضا فشل الثيوصوفية وحركة العصر الجديد في افتقارهما لوجود أساس ثابت أو معيار موحّد يوجّه أتباعها. ولهذا السبب ولأسباب كثيرة أخرى واجهت الثيوصوفية وحركة العصر الجديد الكثير من النقد والانتقاد لإهمالهما الكبير للشعور بالمسؤولية الجماعية والأخلاقية تجاه المجتمع، والتركيز بدلًا عن ذلك على التجربة الفردية التي يُنظر إليها غالبًا على أنها تسهم في تعزيز الأنانية الفردية والعزلة الذاتية. أو بسبب غياب التوجيه الأخلاقي الثابت فيها. فضلًا عن ذلك تجاهلت الثيوصوفية وحركة العصر الجديد جميع الروحانيات التقليدية وكل التراث الديني القديم، وهي بذلك انفصلت بالكامل عن السياق الثقافي والديني الذي نشأت فيه هذه المعتقدات.


قائمة المصادر المراجع العربية والأجنبية
بروس، ستيف، روحانية «العصر الجديد» بديلًا من العلمنة: بطلان الديانة الفردية، مجلة الاستغراب، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية - مكتب بيروت، س2 ,ع2، 2016.
باومان، سيغمونت، استهلاك الحياة، قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة والجمعية السورية للعلوم الاجتماعية، ع27، 2024.
باومان، سيغمونت، التحديات التعليمية للعصر الحديث المائع، مجلة ديوجين، المجلس الدولى للفلسفة والعلوم الإنسانية، ع197، 2004.
باومان، سيغمونت، استهلاك الحياة، قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة والجمعية السورية للعلوم الاجتماعية، ع27، 2024، 209-213.
بوالسكك، عبدالغاني، تحوّلات الحداثة والظواهر السائلة في فلسفة سيغمونت باومان، مجلة دراسات، جامعة عبد الحميد مهري قسطنطينة 2، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، مج 13، ع 1، 2022.
باومان، سيغمونت، الحداثة السائلة، ترجة حجاج أبو الخير، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2016.
باومان، سيغمونت وآخرون، حالة الأزمة، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، مج50 ,ع2،2022 ،339-345.
باومان، سيغمونت وآخرون، دفق الخوف واستراتيجيات التعايش معه: قراءة تحليلية في كتاب «الخوف السائل»، مجلة الفكر المعاصر - الإصدار الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع 17، 2020، 123-132.
باومان، سيغمونت، الحب السائل- عن هشاشة الراوبط الإنسانية، ترجمة حجاج أبو الخير، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2016.
باومان، سيغمونت، الخوف السائل، ترجمة حجاج جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2017.
درويش، عبدالكريم أبو الفتوح، بيير بورديو بين المادية الماركسية والروحانية الفيبرية: نحو اقتصاد سياسي للظواهر الرمزية، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مج 31، ع3، 2003.
الزنجاني، أبو عبد الله، الفيلسوف الفارسي الكبير صدر الدين الشيرازي، مجلة المجمع العلمي العربي، المجمع العلمي العربي، مج 9 ,ج 12,11، 1929.
سحنون، سعاد، سؤال الهوية والاختلاف من منظور الفيلسوف «سيغمونت باومان»، رفوف، جامعة أحمد دراية أدرار - مخبر المخطوطات الجزائرية في أفريقيا، مج 11، ع 1، 2023.
السيد، نهى محمد أحمد، سوسيولوجيا ما بعد الحداثة: سيغمونت باومان أنموذجا، مجلة البحث العلمي في الآداب، جامعة عين شمس - كلية البنات للآداب والعلوم والتربية، ع21، ج4، 2020.
الطائي، صالح، الصلاة والوهم، سلسلة لمذا اختلفنا (4)، العراق، 2024.
الطائي، صالح، ازدراء الأديان قتال من أجل الجهل أم قتال من أجل المعرفة، العراق، 2021.
ـــــــــــــــــــــــــ، الإلهي والبشري والحديث لتراثي رؤية نقدية في مشروع ماجد الغربايوي، أمل الجديدة للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، 2021.
ـــــــــــــــــــــــــ، أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلي، العراق، 2022.
ـــــــــــــــــــــــــ، عوالم الحكومة المهدوية، العارف للمطبوعات، بيروت، 2012.
ـــــــــــــــــــــــــ، جزئيات في السيرة النبوية عرض وتحليل، دار ميزبوتاميا، بغداد، العراق، 2010.
القحطاني، رجاء طه محمد القاضي، رؤية نقدية لنظرية السيولة لسيغمونت باومان، مجلة كلية الخدمة الاجتماعية للدراسات والبحوث الاجتماعية - جامعة الفيوم، العدد 29، 2022.
هنتنغتن، صموئيل، من نحن، التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، ترجمة حسام الدين خضور، دمشق، 2005 .
واحك، مراد، من مثقف الحداثة إلى مثقف السيولة عند سيغمونت باومان، مقاربات فلسفية، جامعة عبد الحميد باديس، كلية العلوم الاجتماعية – مخبر الفلسفة والعلوم الإنسانية، مج11، ع1، 2024.

Marshall, Joey, Daniel V. A Olson, Is 'Spiritual But Not Religious' a Replacement for Religion or Just One Step on the Path Between Religion and Non-religion?, Review of Religious Research, Vol. 60, No. 4 , pp. 503-518.
Štĕch, František, Fluid Religion in Liquid Age? De/Tradition[63]alization and its implications for Youth ministry in the Czech Republic. Journal of Youth and Theology, 9(2), 2010.
Kathleen, J. Greider, Religious Location and Counseling: Engaging Diversity and Difference in Views of Religion, Navigating Religious Difference in Spiritual Care and Counseling: Essays in Honor of Kathleen J. Greider, Augsburg Fortress, 2019.
Marshall, Joey & Daniel V. A. Olson, Is 'Spiritual But Not Religious' a Replacement for Religion or Just One Step on the Path Between Religion and Non-religion?, Review of Religious Research, Vol. 60, No. 4, December 2018.
Schnell, Tatjana, Spirituality with and without Religion—Differential Relationships with Personality, Archiv für Religionspsychologie / Archive for the Psychology of Religion, Vol. 34, No. 1, Special Issue on" Spirituality", 2012.
Brown, R. Khari and Ronald E. Brown, The Challenge of Religious Pluralism: The Association Between Interfaith Contact and Religious Pluralism, Review of Religious Research, Vol. 53, No. 3, December 2011.
Hayward, R. David & others, Health and Well-Being Among the Non-religious: Atheists, Agnostics, and No Preference Compared with Religious Group Members, Journal of Religion and Health, Vol. 55, No. 3, June 2016.
Mosashvili, Ketevan and Constantin Klein, Posttraumatic Growth in Case of Internal Displacement: Testing the Model of Separated Religious and Non-Religious Pathways, Archiv für Religionspsychologie / Archive for the Psychology of Religion, Vol. 39, No. 2, 2017.
Abrahamson, Peter, Liquid Modernity: Bauman on Contemporary Welfare Society, Acta Sociologica, Vol. 47, No. 2, Jun., 2004.
Hviid Jacobsen, Michael & Sophia Marshman, The Four Faces of Human Suffering in the Sociology of Zygmunt Bauman—Continuity and Change, Polish Sociological Review, No. 161, 2008.
Gane, Nicholas , Liquid Modernity by Zygmunt Bauman The Individualized Society by Zygmunt Bauman The Bauman Reader by Zygmunt Bauman, Peter Beilharz, Acta Sociologica, Vol. 44, No. 3, 2001.
Garrett, Paul Michael, From 'Solid Modernity' to 'Liquid Modernity'? Zygmunt Bauman and Social Work, The British Journal of Social Work, Vol. 42, No. 4, JUNE, 2012.
Kraśko, Nina, Zygmunt Bauman, Polish Sociological Review, No. 197, 2017.
Hvid Jacobsen, Michael, From Solid Modern Utopia to Liquid Modern Anti-Utopia? Tracing the Utopian Strand in the Sociology of Zygmunt Bauman, Utopian Studies, Vol. 15, No. 1, 2004.
Tietjen, Ruth Rebecca, Religious Zeal, Affective Fragility, and the Tragedy of Human Existence, Human Studies, March, No.46, 2021
Fridlund, Patrik, The Fragility of Religious Freedom, May 2012, 3(1).
Girgis, Sheris, Fragility, not Superiority? Assessing the Fairness of Special Religious Protections, University of Pennsylvania Law Review.
Martínez Martinez, Julio &Jesús Sánchez-Camacho, Religion as the Global Horizon of Human Happiness, University of Milano, Milano, Italy,2024,


--------------------------------
[1]. رئيس قسم الفلسفة بجامعة أسيوط المصرية.
[2]. Marshall, Olson, Is ‹Spiritual But Not Religious› a1 Replacement for Religion or Just One Step on the Path Between Religion and Non-religion?, 503-518, 503.
[3]. Štĕch, Fluid Religion in Liquid Age? De/Traditionalization and its implications for Youth ministry in the Czech Republic, 63-64.
[4]. الطائي، أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلي، 5-6.
[5]. Kathleen, Religious Location and Counseling: Engaging Diversity and Difference in Views of Religion, 65-66.
[6]. درويش، بيير بورديو بين المادية الماركسية و الروحانية الفيبرية، 199- 201.
[7]. Kathleen, Religious Location and Counseling: Engaging Diversity and Difference in Views of Religion,503-518.
[8]. Ibid, pp. 503-518.
[9]. Ibid, pp. 503-519.1
[10]. Ibid, pp. 503-520.
[11]. Tietjen, Religious Zeal, Affective Fragility, and the Tragedy of Human Existence, 3.
[12]. Fridlund, The Fragility of Religious Freedom, 132.
[13]. Girgis, Fragility, not Superiority? Assessing the Fairness of Special Religious Protections,144.
[14]. Schnell, Spirituality with and without Religion—Differential Relationships with Personality, 56-57.
[15]. R. Khari Brown and Ronald E. Brown, The Challenge of Religious Pluralism: The Association Between Interfaith Contact and Religious Pluralism, 322-323.
[16]. Martinez & Sánchez-Camacho, Religion as the Global Horizon of Human Happiness , 13.
[17]. Ibid, 12-14.
[18]. Ibid, 15.
[19]. Hayward & Others, Health and Well-Being Among the Non-religious: Atheists, Agnostics, and No Preference Compared with Religious Group Members, 1024-1025.
[20]. سحنون، سؤال الهوية والاختلاف من منظور الفيلسوف «سيغمونت باومان»، 611-612.
[21]. Alternative spirituality
[22]. بروس، روحانية «العصر الجديد» بديلًا من العلمنة: بطلان الديانة الفردية، 200-201.
[23]. Mosashvili and Klein, Posttraumatic Growth in Case of Internal Displacement: Testing the Model of Separated Religious and Non-Religious Pathways, 120-122.
[24]. الطائي، الإلهي والبشري والحديث لتراثي رؤية نقدية في مشروع ماجد الغربايوي، 11-15.
[25]. الطائي، عوالم الحكومة المهدوية، 18-20.
[26]. الطائي، جزئيات في السيرة النبوية عرض وتحليل، 19-21.
[27]. القحطاني، رؤية نقدية لنظرية السيولة لسيغمونت باومان، 455
[28]. م. ن، 456.
[29]. هنتنغتون، من نحن، التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، 16-18.
[30]. القحطاني، رؤية نقدية لنظرية السيولة لسيغمونت باومان، 455.
[31]. Liquid Modernity
[32]. Classic Modernity
[33]. Hviid Jacobsen & Marshman, The Four Faces of Human Suffering in the Sociology of Zygmunt Bauman—Continuity and Change, 22-23.
[34]. Solid Modernity
[35]. Gane, Nicholas. Review of Zygmunt Bauman: Liquid Modernity and Beyond, 267-268.
[36]. Hviid Jacobsen & Marshman, The Four Faces of Human Suffering in the Sociology of Zygmunt Bauman—Continuity and Change, 11-12.
[37]. باومان، سيغمونت: الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو الخير، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2016، ص ص 27-28.
[38]. Garrett, From ‹Solid Modernity› to ‹Liquid Modernity›? Zygmunt Bauman and Social Work, 644-645.
[39]. Kraśko, Zygmunt Bauman, 121-122
[40]. القحطاني، رؤية نقدية لنظرية السيولة لزيجمونت باومان، 640.
[41]. م. ن، 641.
[42]. م. ن، 642.
[43]. باومان، الحب السائل- عن هشاشة الراوبط الإنسانية، 39-40.
[44].Abrahamson, Liquid Modernity: Bauman on Contemporary Welfare Society, 171-179
[45]. باومان، الحياة السائلة، ترجمة: حجاج أبو الخير، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ، بيروت، لبنان، 2016، 21-24.
[46]. بوالسكك، تحوّلات الحداثة والظواهر السائلة في فلسفة زيجمونت باومان، 461-363.
[47]. باومان، الخوف السائل، 12-14.
[48]. واحك، من مثقف الحداثة إلى مثقف السيولة عند سيغمونت باومان، 77-79.
[49]. باومان، التحديات التعليمية للعصر الحديث المائع، 22-23.
[50]. Abrahamson, Liquid Modernity: Bauman on Contemporary Welfare Society, 171-179.
[51]. انظر مقدمة هبة رؤوف طلعت لكتاب: باومان، الحداثة السائلة، 12-16.
[52]. Consumer Religion
[53]. Abrahamson, Liquid Modernity: Bauman on Contemporary Welfare Society, 171-179.
[54]. باومان، الحداثة السائلة، 30-31.
[55]. السيد، سوسيولوجيا ما بعد الحداثة: زيجمونت باومان أنموذجا، 89-90.
[56]. باومان، استهلاك الحياة، 209-210.
[57]. الطائي، ازدراء الأديان قتال من أجل الجهل أم قتال من أجل المعرفة، 25-26.
[58]. الطائي، الصلاة والوهم، 11-15.
[59]. Karl Marx
[60]. Émile Durkheim
[61]. Anthony Giddens
[62]. الزنجاني، الفيلسوف الفارسي الكبير صدر الدين الشيرازي، 663.
[63]. December 2018