البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

«السلام الداخلي والسكينة» بين الروحية الدينية واللادينية: رؤية نقدية

الباحث :  د. مديحة حمدي عبد العال مرسي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  39
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث :  644
تحميل  ( 526.210 KB )
الملخّص
يهدف هذا البحث إلى تحليل ونقد مفهوم «السلام الداخلي» في الروحانية اللادينية المعاصرة، ومقارنته بالمفهوم الإسلامي للسكينة والطمأنينة. يعتمد البحث على منهج نقدي لتفنيد ادعاءات الروحانية اللادينية التي تروج لتحقيق السلام الداخلي عبر ممارسات مثل التأمّل واليوجا وعلوم الطاقة، مع استبعاد الأطر الدينية التقليدية. يُظهر البحث أن هذه الممارسات تعتمد على فلسفات شرقية قديمة تمت صياغتها في قوالب معاصرة، وتستند إلى مفاهيم مثل «الطاقة الكونية» و«الوعي المتعالي»، والتي تهدف في جوهرها إلى تأليه الذات الإنسانية والهروب من الدين والواقع.
من ناحية أخرى، يقدم البحث رؤية إسلامية للسكينة والسلام الداخلي، موضحًا أنها لا تتحقّق إلا من خلال الارتباط بالله والخضوع له، حيث تكون العبادات مثل الصلاة وسيلة للطمأنينة الحقيقية. كما يكشف البحث عن مخاطر الروحانية اللادينية، مثل عزل الفرد عن المجتمع وتشويه الفطرة الإنسانية، ويؤكّد أن السكينة في الإسلام تتكامل مع الحياة الاجتماعية ولا تنفصل عنها.
خلص البحث إلى أن الروحانية اللادينية تقدّم مفهومًا ضيّقًا وزائفًا للسلام الداخلي، بينما يظلّ المنظور الإسلامي هو الأكثر شمولًا وتوازنًا، لارتباطه بالفطرة والوحي.

الكلمات المفتاحية: الروحانية معاصرة، التأمل، الصحوة، الوعي، اللادينية، السلام الداخلي، السكينة.


المقدمة:
يُشكل البحث عن الغيبيات طبيعة بشرية، ولا شك في أن البحث عن السكينة والسلام الداخلي مطلب فطري في الإنسان أيضًا، ولكن الغريب هو ادعاء الروحانية اللادينية لطرق ووسائل عديدة لتحقيق هذا السلام وتلك السكينة. مصرّحة بأن تحقيق السلام الداخلي للإنسان هو غايتها.
ففي تصوّرهم تُعدّ الممارسات الذاتية في التجربة الروحية اللادينية: كاليوجا والريكي والتأمّل والفيدانتا والكارما وتقنيات التنفس وعلوم الطاقة والاستشفاء بالأحجار الكريمة سبيلًا لتحقيق السلام الداخلي للإنسان. وهدفهم هذا ظاهري، مسعاه الترقّي بالجوهر الروحي للإنسان عن طريق خلاصه من المادية وتحرّره من قيودها. ولكن الحقيقة تحدث من منطلق اتخاذ هذه التجربة اللادينية كوسيلة للهروب من الدين والطقوس الدينية التقليدية، وكذلك الهروب من الواقع بدلًا من التعايش معه، بل إنّها تجربة تربطه أكثر بعالم المادة وتجعله عبدًا لها والبعد عن كل الأطر الدينية. وتجعل التجربه الشخصية الذاتية هي المعيار الوحيد للصدق. كما تعتبر ذلك هدفًا في حد ذاته وليس وسيلة للاندماج مع المجتمع والرقي معه. فبدلًا من تحرّره وانفتاحه، تجعله منغلقًا منعزلًا أكثر وأكثر؛ مما يجعل من تجربته الذاتيه فقط مصدرًا للسلامة والنجاة والمعارف.

لهذا تهدف هذه الدراسة إلى تفنيد ادعاءات الروحانية المعاصرة بأنها تستطيع تحقيق السلام الداخلي للإنسان بعيدًا عن الأطر الدينية التقليدية. وبيان حقيقة تلك المزاعم لدى الروحية اللادينية الإلحادية من منظور إسلامي. وكذلك وصف سبل تحقيق السكينة الحقيقية للإنسان بما يحفظ عليه عقله ووعيه وروحه ودينه، وكذلك تحقِّق له السكينة والطمأنينة من منظور إسلامي .
كما تسعى الروحية اللادينية بجذورها عبر العصور إلى الكشف عن الحقائق والمعارف الغيبية من داخل الإنسان فقط، وتقرر أن تحصيلها لا يكون إلّا باطنيًا ذاتيًّا بعيدًا عن الإله. أي عبر رياضات روحية لادينية، لا عبر وساطة الأنبياء ونصوص الوحي، بل بانسجام الفرد مع ذاته ومع القوى الكونية الوهمية خارج إطار المادة. فتفترض وجود «وعيٍ متعالٍ كونيٍّ» أو «روح كلية كونية» تفيض على الإنسان بالراحة والسلام الذاتي عند الاتصال بها. كما أنها تفيض نوعًا من الوعي بها، فتتأمله وتعقله وتؤمن بأنها جزء منه. وهذا يجعله يتّجه إلى تأليه ذاته الإنسانية باعتبارها جزءًا من الطاقة الكونية. وهذه الطاقة والاتصال والتأمّل فيه والاتحاد معه تحقّق له السلام الداخلي دون شعائر دينية أو سلطة إلهية. وهذا بلا شك هروب من كل الأطر الدينية السماوية وما جاء به الأنبياء عليهم السلام أجمعين.
لاشك أن الروحانية المعاصرة طرحت العديد من الأفكار في سبيل تحقيق هذا الهدف، منها مفهومها للسلام الداخلي. معتمدين على معتقدات ومذاهب وفلسفات شرقية سابقة، ولكن صاغتها في قالب جديد ومعاصر باستخدام مصطلحات جديدة؛ بغية تأليف عقيدة مركزية موحدة.
فما ستكشفه هذه الدراسة يؤكّد أن مفهومهم للسلام الروحي تم تفريغه من محتواه، وأصبح منقوصًا ومدمِّرًا، لأنه يتّخذ أشرس الوسائل المغيِّبة للعقل كأداة للمعارف الكلية، وبهذا يهوي بالإنسان إلى براثن الجحيم، ويجعله يبحث عن ذاته الضعيفة الفانية في دائرة ذاته المغلقة فقط. فبدلًا من أن يرتبط بخالقه لكي يسعد ويطمئن ويهنأ عيشه، زجّت به في غيابات جبّ الإلحاد، وظلامه الدامس الذي لا نهاية له.

على النقيض من ذلك نجد أن التجربة الروحية في الإسلام مفادها السعادة الحقيقية والسلام الروحي والسكينة التي لا تتحقّق إلّا باتصال الإنسان بالله وخضوعه الكامل له، وهنا يتحقّق السلام والسكينة والسعادة بالفطرة ودون إهمال الواقع الاجتماعي الخارجي.
ترتكز الروحية اللادينية المعاصرة على اختلاف مشاربها وبكل صورها، على إنكار الوحي والسمعيات والرسل. لهذا تهدف الدراسة إلى تحليل وتفنيد مفهوم السلام الروحي عند الرؤية اللادينية والإلحادية، وبيان حقيقة الرؤية الدينية الإسلامية الصحيحة للسكينة والسعادة والأمان.

وتتفرّع هذه الدراسة إلى عدة مباحث، كالتالي:
أولًا: مفهوم السلام الداخلي في الروحانية الغربية اللادينية
ثانيًا: وسائل اللادينية المعاصرة لتحقيق دعواهم للسلام الداخلي.
أ- الوسائل -ب- نقد تسليع التجربة الروحية الغربية في العالم الغربي المعاصر.
ثالثًا: السكينة والسعادة من منظور روحي إسلامي.
أولًا: مفهوم السلام الداخلي في الروحانية اللادينية:
قبل البدء في تحليل مفهوم السلام الداخلي في الروحانية اللادينية، يجب أن نشرع في توضيح مفهوم الروحانية الغربية اللادينية، وأهم روّادها، وتأثيرها.

1. مفهوم الروحانية الغربية اللادينية، وأهم روّادها، وتأثيرها:
يطلق هذا المفهوم على الحركة التي تحاول تفسير الكون على أنّه طاقة روحية بلا إله، وهي حركة لادينية قائمة على استبعاد الدين تمامًا مقابل التجربة الذاتية الداخلية بين الإنسان، واتحاده واستمداده للقوة والتوازن والسلام الروحي من الطاقة الكونية الكبرى؛ ولهذا يستمد سلامه الداخلي من ذاته التي تسمو بهذا الاتحاد، فتدّعي أنها تحقّقت بالخلاص وتخلّصت من كل الشرور والآثام ومنحته السلام الداخلي والسكينة الروحية.

الروحانية اللادينية هي حركة تعلن التمرّد على الأديان والشعائر الدينية. وتحتوي على حركات ومدارس ومدرّبين يدمجون بين الفلسفة والعلم والتجربة الداخلية، وليس لها أي مرجعية سوى الفلسفات القديمة.
أما عن الجذور الفكرية للروحية اللادينية، فتستمدّ من عقيدة تأليه الطبيعة ومفادها تصوّر مبني على الاعتقاد بأن الوجود شيء واحد باختلاف تصوره وتسميته بالطاقة الكلية أو الطاقة الكونية أو القوة العظمى، وأن كل ما هو موجود إنما هو انطباع لذلك الكلي وتجلٍ له. وهذه العقيدة هي أصل أديان الشرق بتلوّناتها الكثيرة وبأسمائها المتنوّعة، وهي ذات الفكر الذي تبنّاه كثير من فلاسفة اليونان والغنوصية.

كما أن للروحية الغربية المعاصرة مسميات عديدة، كحركة العصر الجديد، الروحانية المعاصرة، الروحانية الجديدة، الروحانية الإنسانية الكونية، عصر الدلو. حيث يوصف عصر الدلو بأنه عصر الأخوّة والمحبة التي لا تتحقق إلا بإلغاء الفوارق العرقية والدينية والجنسية والعرقية تحت مظلّة واحدة، وهي (الأخوّة الكونية)، التي تسود -في ظنّهم- فيها دعوى تحقيق السلام الداخلي الذاتي، والانسجام والتوازن، والذي يتحقّق للإنسان عندما تتّحد طاقته مع الكون. مركّزين على أن عصر التلقي من مصدر خارجي(الله)، والتطبيق لأوامر خارجية(الدين) عصر قد انتهى. وصرّحت الروحانية اللادينية بأن العصر الجديد لا يلتفت إلّا إلى قدرات الإنسان وخصائص الطبيعة والطاقات غير المحدودة للعقل، فيكفل للإنسان صناعة حياته السعيدة ومستقبله كما يريده هو، لا كما يُملى عليه من مصادر خارجية. فتدّعي أن هدفها استشفائي في المقام الأول، فتبدأ ببثّ الفكرة في العقول عن طريق التطبيقات والممارسات وتنتهي بالنظرية وتكوين المعتقد الجديد ورسوخه في العقل.

ويدّعي رعاة هذا الاتجاه الفكري الإلحادي المعاصر أنه الاتجاه المقابل للمادية الحسية التي اجتاحت الغرب بكل صورها. ولهذا يقوم على بعض المعتقدات التي جاءت من الديانات الوثنية والهندوسية والبوذية واليونانية وبعض أفكار الثيوصوفية.
وانتشرت أفكار وكتب دعاوى الروحانية على يد ديباك شوبرا، إكهارت تولي، وواين داير، وأوشو. كما أنها تعتمد على وسائل وتقنيات حديثة تساعد على انتشارها سنستفيض القول فيها لاحقا.

2. أهم رواد اللادينية المعاصرة:
وهؤلاء لا ينتمون لأي دين، يمارسون وينشرون روحانيات ذات طابع شخصي ذاتي:
1. آلان دي بوتون: فيلسوف ومؤسس مشروع (دين للملحدين)، ومؤسس مشروع مدرسة الحياة.
2. سام هاريس: فيلسوف وعالم أعصاب أمريكي، صاحب كتاب (الروحانية بدون دين)، ويدعو للروحانية اللادينية العقلانية دون دين. ودمج في ذلك التأمل البوذي مع الفكر الإلحادي.
3. جوزيف غولدشتاين: من أبرز معلّمي التأمّل البوذي العلماني في الغرب، ساعد في تأسيس(روحانية تأملية) لادينية.
4. جون كابات –زين: مؤسس برنامج (تقليل التوتر باليقظة الذهنية)، حاول فيها دمج التأمل البوذي دون طابع ديني.
5. تارا براخ: عالمة نفس ومعلمة تأمل، تدمج العلاج النفسي والتأمل في طريق يهدف للشفاء والنمو دون أطر دينية. صاحبة كتاب (التقبّل الراديكالي). والتي طرحت فيه كيفية احتضان حياتك بقلب بوذا. وممارسة الحياة بشكل صحي وسليم، والنظر إلى الذات بعين العطف. والتغلّب على النقد الذاتي وما ينتج عنه من تحرّر للذات من الضعف وزيادة السعادة.
6. إيكهارت تول: صاحب عبارة: (إنك لن تجد السلام من خلال تغيير ظروفك، بل من خلال إدراك من أنت في العمق)، (أدرك بعمق أن اللحظة الحاضرة هي كل ما تملك فعلًا) العيش بوعي، عيش اللحظة الحالية، احتضان الوعي التام.
7. دانيال دينيت: فيلسوف أمريكي، من الأربعة الكبار في حركة الإلحاد.
8. ريتشارد دوكينز: عالم أحياء ومؤلف كتاب (وهم الإله، من أشهر المدافعين عن الإلحاد العالمي.
9. ج. كازانجيان : الذي يؤكد على أن التأمل التجاوزي هو فرع من فروع الهندوسية، التي تشكّل الجذع الرئيسي الذي تنبثق منه الديانات الشرقية. وقد قام معاريشي باستبدال الكثير من المصطلحات الدينية بتسميات فلسفية وشدد على ضرورة الاهتملم بالنتائج. ويعتبر جزءًا من حركة الإمكانات البشرية.

3. تأثير الروحانية اللادينية:
يعتمد تأثير الروحية اللادينية المعاصرة بشكل قوي على لفت النظر إلى القيم السامية التي تبحث عنها تلك الحركة؛ كالبحث عن المعنى، والسكينة والتأمل، والتسامح، والتجربة الداخلية العميقة، لكن دون الالتزام بعقيدة دينية أو إيمان بالغيب، أو حتى مصدر علمي ثابت وموثّق.
هذا التوجّه يجمع بين البصيرة الفلسفية والعلوم النفسية، وبين ممارسات مثل التأمل واليقظة الذهنية والحضور الذهني(الوعي) الموجودة في الديانات. والروحانية اللادينية الغربية ظهرت لسدّ الفجوة التي تركها تراجع انتشار أديان معينة في حقبة زمنية معينة؛ وذلك بسبب التغييرات الاجتماعية والعلمية. وبالفعل فقد بدأ ظهورها في سبعينات القرن الماضي، وكأن الحركات الدينية الجديدة المستوحاة من الديانات الشرقية ستسدّ الفراغ الذي خلفه تراجع الأديان. وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه عن هذه الظاهرة ببراعة، إذ قال إن غروب عصر الآلهة تلاه شروق فجر السحرة!. وكذلك ظهور مفزع للفئات الضالّة التي توجه هذه الحركات ضد الدين.

هذه البلبلة الفكرية والدينية السائدة في الشعوب الغربية، وما أفرزت من نتائج خطيرة، تلغي فكرة الإله، وتقود المجتمع إلى السراب وحافة الهاوية؛ مردّها إلى غياب الوعي الديني في المجتمعات المعاصرة. وهذا ليس نتيجة الجهل في الأحكام الدينية الظاهرة فحسب؛ بل نتيجة غياب الفهم العميق للعلاقة بين الإنسان وخالقه أيضًا.
كما نتج عن ذلك أيضًا انغماس الإنسان الغربي في ثقافة استهلاكية سطحية أبعدته عن مقاصد الدين الحقيقية. فالفهم السطحي الظاهري للعبادات، جعل الإنسان المعاصر المستهلك منعزلًا في إطار مصلحته ومفرداته الذاتية، منفصلًا عن روح الإنتاج والاندماج في المجتمع. ولو أدركوا أن المغزى الحقيقي للدين هو ارتباط الإنسان بربه وثقته به، وليس مجرّد نصوص أو طقوس، ولكنها روح ترتبط بخالقها وتؤمن به في شتى مناحي الحياة جملة وتفصيلًا. ليستشعر السكينة والسلام والطمأنينة في كل لحظة من حياته، وهذا لبّ الإيمان بالله.

وبالتالي فإننا نعتقد أن منهجية الروحانية اللادينية مغلوطة من أساسها باعتبار أن العلم الحقيقي لا يمكن أن ينفع إلا إذا بدأ من فوق، أعني من مبادئ عالية، تطبق على الواقع. وهذا نقيض ما يفعله العلم الغربي اللاديني تمامًا، ذلك العلم الذي يريد أن يبدأ من الواقائع ليستخرج منها تفسيرًا شاملًا، كما لو كان الأكثر يمكن أن يُستخرج من الأقل، وكما لو كان الأسفل يتضمن الأرفع.
يعد تحقيق السلام الداخلي من أهم أهداف الروحية اللادينية، بل هو في كثير من الأحيان اللبّ الأساسي لها. فعن طريق الفهم العميق للذات، من خلال التأمّل، والممارسات والتدريبات، وأحيانًا بالوعي والتقبّل واليقظة وإدراك اللحظة؛ يحظى الإنسان -في ظنّهم- بالتحرّر من الأنا وتقبّل الذات، والفهم واليقظة، والانسجام مع الطبيعة.
بناء على هذا يعدّ السلام الداخلي: حالة من السكينة الروحية الذاتية العميقة، التي يشعر فيها الإنسان بالاتصال بذاته على نحو متوازن وقوي، مما ينتج عنه استقرار في الأفكار ويقظة ووعي بالذات بعيدًا عن الصراع الداخلي والقلق والتوتر. ويحدّد قدر السلام الداخلي -في ظنهم- بقدر الممارسات والتطبيقات والتدريبات، مما يحقق الانسجام والهدوء والتوازن والصفاء الداخلي.

وتحققه يأتي: من القبول بأن الحياة قد لا تكون لها إجابات مطلقة، وإدراك أهمية اللحظة الحاضرة فقط، دون التشبث بالماضي أو التطلع المقلق إلى المستقبل، وهذا يولّد راحة داخلية وسكينة، تمدّهم بطاقة إيجابية. يتحقّق معها الانسجام والتناغم مع طاقة الذات ومع طاقة الكون، وفي هذا يشترك الفكر الروحي الإلحادي مع فلسفات الزن والطاوية، التي تعتبر السلام الداخلي نتيجة العيش مع اللحظة الحالية دون اجترار للماضي أو القلق من المستقبل.
أما المعاناة في دعواهم، فتأتي من التعلّق بالأشياء: الأهل، المال الأشخاص، الأملاك، النجاح. أما السلام الداخلي فيأتي من اليقظة الداخلية فقط، والتحرر من هذه التعلّقات، وليس من امتلاكها. وكذلك الهروب من ضجيج العالم، والتحرر منه، والانعزال والانكماش مع الذات. وهذا بلا شك معنى ضيق ومزيّف وضيق؛ يتنافى مع صلب الفطرة السوية؛ التي خلقنا الله بها من التعايش والاندماج مع المجتمع.
كما اعتبر (إيكهارت): أن السلام الداخلي هو الشعور بالرضى والارتياح والسلام، وكذلك الإحساس بالرضى عن الحياة وعن الذات الداخلية. يتحقق ذلك لديه: بممارسة الفعل اليقظ والتدريب المستمرّ عليه. فالفعل اليقظ هنا يعني به: الفعل الذي يتّحد به الفرد مع الطاقة المطلقة الكونية، فتتفتح له في ظنّهم مدارك وهمية أخرى يعي بها حقيقة ذاته ويتّصل بالطاقة الكونية.

صرح إيكهارت في كتابه(أرض جديدة): بشروط تحقق السلام الداخلي؛ والذي يكون بالقدرة على الاستمتاع باللحظة البسيطة، وإدراك الكينونة، والانفتاح على الفضاء الذاتي للإنسان. فإذا كنت قادرًا على «الاستمتاع بأمور بسيطة مثل سماع صوت المطر أو الريح، إذا كنت قادرًا على رؤية جمال الغيوم التي تجري في السماء، وأن تكون وحيدًا أحيانًا من دون أن تشعر بالوحدة، أو بحاجة إلى المحرك الذهني المتمثّل في الترفيه، وإذا وجدت نفسك تعامل شخصًا غريبًا بالكامل برقّة ومن دون أي مصلحة، فهذا يعني أن فضاء قد انفتح، وإن كان لفترات وجيزة ...حين يحدث هذا ينشأ شعور بالارتياح يقبع في الخلفية، إلى ما يسميه حكماء الهند(أناندا)، نعمة الكينونة».
على سبيل المثال هناك عنصر مشترك في القدرة على رؤية الجمال عند إيكهارت وتقدير الأشياء البسيطة، والاستمتاع بالرفقة، أو الاتصال بالآخرين برقة وحبّ «هذا العنصر المشترك هو الإحساس بالرضى، والسلام، والحياة، التي هي الخلفية غير المرئية التي من دونها لما كانت هذه التجارب ممكنة. متى كان هناك جمال ولطافة وإدراك للأشياء الجيدة في حياتك، ابحث عن خلفية هذه التجربة في ذاتك».

الخلفية لديه كالسماء الصافية، التي لا شكل لها، فقد تكون في إدراك: الفضاء الداخلي، السكون، عذوبة الكينونة، وبالمطلق. حين يتمكّن الإنسان من الإحساس بها مباشرة في ذاته فإنها تتعمق، وتجعله يدرك الفضاء الداخلي الذي هو مصدر وخلفية تلك التجربة. فالسعادة والسلام الداخلي قد يحدث من الأشياء البسيطة، فهي وحدها اللحظات الفارقة في سعادة الإنسان «فالشعراء والحكماء على مر العصور لاحظوا أن السعادة الحقيقية، التي أسميها فرح الكينونة تكون في الأشياء البسيطة التي تبدو غير ملحوظة».
كما استدل على ذلك برأي الفيلسوف نيتشه الذي قال إن: السلام يحدث «في لحظة نادرة من السكون العميق: أما السعادة، فكم ضئيلٌ ما تحتاج إليه السعادة، بالتحديد الأقل والأرق والأخف،.. القليل يصنع السعادة الأعظم، فلتسكن نفسك».

ويتساءل إيكهارت: لماذا (الأقل) هو ما يصنع (السعادة الأعظم)؟
ويجيب على هذا مؤكدًا أن «السعادة الحقيقية لا يتسبب بها الشيء أو الحدث، وإن بدا كذلك أولًا.... إن شكل الأشياء الصغيرة يفسح المجال للفضاء الداخلي. ويولد فرح الكينونة، والسعادة الحقيقية، من هذا الفضاء، ومن الوعي غير المشروط نفسه أن تعي حضور الأشياء الصغيرة الصامتة».

يتضح من ذلك أن نشوة السلام الداخلي تتحقق بالحضور اللحظي أو اليقظة. فتتحقق حالة السكون والانفتاح على الفضاء الداخلي، وهو نفسه فعل السكون المتنبّه. والعثور على الفضاء الداخلي يكون بممارسة فعل: «كن واعيًا بأنك واع. قل أو فكر: (إنني) ولا تضف لها شيئًا. كن واعيًا للسكون الذي يتبع ذلك. تحسس حضورك، وكينونتك العارية، غير المحجوبة، التي لا تتأثر بكونك شابًّا أو كهلًا، ثريًّا أم فقيرًا، بحسن وضعك أم سوئه أو أي عامل آخر». فالسلام مرتبط بالوعي والرضى والشعور الحقيقي بالحياة، وكذلك إدراك الفضاء الداخلي للذات.
أما الوعي لديهم فيتمثّل في التوصّل إلى مراحل عليا من الاتحاد بالكون، أو تحقيق ألوهية الذات، بنشوة تنويميّة للنفس، لتجرّب طرقًا ميتافيزيقية متنوّعة، مع العودة إلى الحياة السابقة، والتقدّم إلى الحياة اللاحقة. والنشوة هنا مرتبطة بالوعي، أي تكمن في: أن الشخص إذا دخل إلى فضائه الذاتي فإنه يستطيع أن يحل أي مشكلة نفسية أو جسمانية أو روحانية.

أما (الاستبصار): فهو معرفة أو رؤية أمر غائب عن الرائي مما لا تعلّق له بأفكار غيره، كالأحداث البعيدة، أو الأشياء المادية المفقودة، بالحدس المجرد، دون الاستعانة بالحواس، ويعتمد الاستبصار على المعرفة الغنوصية المستمَّدة من الوعي الكلي، وتتحصّل بالتأمّل الباطني، وانتهاءً بالنشوة . وهذا في الحقيقة ضرب من ضروب التنجيم.
وفي رأي (باومان): المتحقّق بالسلام الداخلي هو المتحقّق بالوعي، وفهم الواقع الإنساني من ناحية، وكذلك المتحقّق بالأمن والحماية الذاتية من أيّ تهديد: «لقد انتقل تعريف الأمن من مجال الأمان (الثقة بالنفس والطمأنينة) إلى ساحة السلامة (الحماية من التهديدات التي تمسّ الفرد وممتلكاته)، ومن الصعب أن نسأل في ظل هذا الرعب الذي يسكن التفاصيل عن السعادة أو نحظى بقدر من السلام».

كما يؤكّد (وين دبليو. داير): أن الاستعداد للتسامح مع النفس، هو الخطوة الأساسية نحو الانسجام والتناغم مع كافة المبادئ الكونية. وكلما عرفت أنك تفكّر وتتصرّف في انسجام مع ما يكون عليه الكون، كلّما تسمو ويقلّ حكمك على الآخرين، وتتعامل مع ذاتك ككيان سامٍ.
ويتفق معهم (جو ديسبينزا): في أن تحقيق السلام الذاتي بجلسات (العلاج بالطاقة) أضمن طريقة. فبالتأمل وحضور الورش والتدريبات على التأمل العميق، تحصل النتيجة المطلوبة «إذا أردت أن تختبر الخارق في حياتك، بأن تشفى نفسك، وتخلق فرصًا جديدة لم تكن تتخيّلها أبدًا من قبل، فأنت في حاجة بداية إلى أن تتقن مفهوم اللحظة الحاضرة: الآن الأبدية. ومع أن العديد من الناس يفهمون أساس الفكرة (ألّا تفكر في المستقبل ولا تعيش في الماضي)».

مؤكِّدًا أنك إذا لم تذهب أبعد عما تعتقد أنه أنت وأبعد عن الطريقة التي كُيِّفت لترى بها سير العالم «فمن غير الممكن أن تخلق حياة جديدة أو مصيرًا جديدًا؛ لذا يجب عليك أن تتسامى بذاكرة نفسك من حيث هي هوية، وتسمح لشيء ما أعظم منك... فينتقلوا إلى حالة عاطفية سامية مثل الحب أو المرح أو الإلهام أو الامتنان لتسع أو عشر دقائق ثلاث مرات في اليوم». وهذه الممارسات، في دعواه- جو ديسبينزا- تقوّي المناعة. فجلسات البرمجة العصبية، والتلاعب بطريقة عمل الدماغ والأعصاب والمخ، يحوّل نظرة الإنسان إلى أن يرى ماضيه ومستقبله. ويتم تبديل بعض الأفكار بكثرة الجلسات، وتغيير مجال الطاقة الكهرومغناطيسية في الدماغ. وبهذا تؤثّر جلسات وورش العمل في دعواهم في تدفّق الطاقة الإيجابية، وتسحب الانتباه، وتستدعي الطاقة من الكون، وتجذب الطاقات المتشظّية في الكون لينعم في دعواهم بالسلام الداخلي.
فاليقظة الداخلية تحقّق –عبثًا- السلام والنشوة والراحة -في رأي جو ديسبينزا- فيزيد الوعي كلما زادت اليقظة الداخلية أو الانتباه الذاتي، ويصبح الإنسان خارقًا. فتتغير أمواج دماغه، فلا يبدّد الإنسان طاقته في شيء خارجي، بل يحوّل مساره الطاقي من التبعثر الخارجي إلى الذات الداخلية. وهذا نفسه ما أكّدته إيفلين أندرهيل: فيجعله يعلو ويسمو بنفسه، فيشعر بقوة خارقة. فيتحقق التأمل المطلوب، وفي هذه اللحظة من الاتحاد يعرض عن النفس. وقد يصل بها إلى درجة عالية من الوعي، بحيث يعبُر جميع الحواجز؛ ويعلو على وعي العقول على حدّ تعبير وليم جيمس. ومن ثم يتحقق بطريقة خاصة للتعامل مع الواقع، من خلال الحدس والتجربة الروحية، والتي تقوم على تطهير وممارسات روحية تؤهّل لسلوك الطريق.

هذه الجلسات ذات النظام الطاقي القابل للإيحاء تحاول عبثا أن توجّه أفكار الإنسان وتتحكّم بها بلا دين أو إله، إلّا أّنها لا تؤتي ثمارها من النشوة والسلام والراحة بدعواهم، إلّا مع أكبر عدد ممكن من البشر. فتعطي أكثر وهي تقام بين 1000 متدرِّب، مما تعطيه وهي مع 500 متدرِّب. وهنا تظهر مآربهم في البحث عن الانتشار.
كما امتدّ قصور فهمهم للسلام الداخلي الذي تم ربطه بالذات الإنسانية فقط، وتبعات تأليه الإنسان إلى سام هاريس. والذي عرض بدوره لفكرة الاستيقاظ أو الصحوة وما بهما من سلام داخلي زائف؛ في كتابه: ، فمن خلاله حاول أن يجيب عن سؤال، كيف يمكن للإنسان أن يعيش حياة مليئة بالمعنى والتأمل والسلام الداخلي بلا دين؟
يدعي هاريس في الكتاب: إمكان التحقق بالتسامي والسلام الداخلي بلا حاجة إلى دين، وذلك من خلال العقل والوعي واليقظة الداخلية فقط، وهو في ذلك يحاول عبثًا أن يملأ فراغ اللادينيين ويسدّ فجوة غياب الدين الخارجي، ومن ثم غياب الحقائق الثابتة. فبدلًا من الاكتفاء بنقد الدين والتصريح بعدم الإيمان بالإله؛ يتّجه هاريس إلى إيجاد حلول لحاجات البشر وما يبحثون عنه ولكن بلا دين.

ووجد هاريس أن الحاجة للسلام الداخلي حاجة فطرية إن لم يصل إليها الإنسان فستتحوّل حياته إلى تصارع وتناحر وكراهية وبؤس وشقاء. وعالج هذه القضية البشرية بلا حاجة إلى دين، فصرّح أن «أذهاننا هي كل ما لدينا، وكل ما كان لدينا منذ الأزل، وهي كل ما يمكن أن نمنحه للآخرين، ... وكل تجربة عشتها دون استثناء هي حصيلة ما يشكّله ذهنك، فصلاح أو سوء أي علاقة هو نتيجة الأذهان المؤثرة في تلك العلاقات. فإن كنت دائم الغضب أو الكآبة أو التشويش، أو لم تكن محبًّا أو كنت شارد الذهن، فلن تشعر بالمتعة مهما حقّقت من نجاح وبغض النظر عمن هم في حياتك».
مما سبق يظهر لنا أن هاريس اعتبر الحالة الصفائية التي يصل إليها الإنسان من التأمّل حالة ذهنية وجودية، تمكّنه من إزالة الحجب عن ذهنه فيشعر بالحب لكل الناس على حد سواء. ويشعر في تلك اللحظة بالرأفة والنشوة والرغبة في إسعاد الآخرين. وامتدت هذه اللحظة بلا حدود ودون قيود، إلا حالة من الوجود الفعلي. وهذا في ظنّه لا تحقِّقه طقوس الدين وقيوده. وأرى أن أديان العالم مجرد حطام فكري تم الحفاظ على وجوده مقابل تكاليف اقتصادية واجتماعية باهظة.

أما التأمّل فهو يحقّق له ما يبحث عنه بعيدًا عن الدين «فالتأمل... يساعد على تركيز الذهن في اللحظة الحالية من أجل خلق حالات غير عادية من الوعي». وذلك بتجربة وممارسات وتدريبات روحانية كلاسيكية في سياق فهمه الجديد للذهن البشري. و«تعميق الفهم وتجاوز وهم الأنا».
كما أنه وضع شروطًا معقّدة وصعبة لفهم الذات والوعي بها، ومن ثم تحقيق السلام الداخلي، أن «الارشادات والتدريبات في هذا الكتاب موجّهة لقراء في سن الرشد والذين لا يعانون من حالات نفسية أو مرضية، يمكن أن تتفاقم مع ممارسة التأمّل أو أساليب التأمل الباطني الأخرى لفترة طويلة».
لذلك يرتبط التأمل عند هاريس بالحضور الذهني والرضى «يشار لطبيعة الذهن التي ننمّيها في تأمّل البصيرة بكلمة (حضور ذهني) ....وهو الانتباه لما يدور في وعينا». وهذا (الحضور الذهني) Mindfulness، يعني الانتباه والوضوح واليقظة، وعدم تشتّت الأفكار أو إصدار أحكام؛ لأنّها تعيق تحقق الحضور الذهني المطلوب. ويبدو أنه متأثر بشكل كبير بالنصوص البوذية، بل يصف أنها تتحقّق بدليل تجريبي يتمتّع بدقة عالية في تحرير الذهن من المعاناة «فالحياة دائمًا تحدث في اللحظة الحالية؛... إن كنت تبغي السعادة في هذا العالم... ولولا ذلك لقضينا حياتنا متمتعين بقدر أكبر من الرضى».

دقّق هاريس على أن اللحظة الحالية هي لحظة النشوة والسعادة والرضى، كما أوضح أن: الدراسات في مجال علم النفس تؤكّد أن «ممارسة الحضور الذهني على وجه الخصوص تعزّز العديد من العناصر الأساسية للصحّة العقلية والجسمية، فهي تحسن من وظائف جهاز المناعة وضغط الدم ومستويات الكورتيزول، وتقلّل من الاكتئاب والقلق وردود الفعل العاطفية. وتؤدّي ممارسة الحضور الذهني أيضًا إلى تنظيم السلوك بدرجة كبيرة جدًا وتظهر أملًا في معالجة الإدمان واضطرابات الأكل؛ ولذا ليس من الغريب أن ممارسة الحضور الذهني ترتبط كذلك بارتفاع في نسبة السعادة الشخصية».
أما مشاعر عدم الرضى عن الحياة فسببها في تصور هاريس أننا أسرى أفكارنا، فقد «يتمتّع بعض الناس بمشاعر الرضى حتى وسط الحرمان والظروف الخطرة، بينما يعيش آخرون حياة تعيسة رغم كل ما لديهم من حظّ.... فأذهاننا هي أساس كل تجربة نعيشها وكل ما نمنحه للآخرين».

يشترط لتحقيق ذلك عدة درجات من التأمّل والوعي والنظم. منها تنظيم الانتباه والسلوك ورفع الوعي بالجسم ومنع العواطف السلبية وإعادة تشكيل التجارب التي نمر بها نظريًّا وتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى النفس «فالهدف الأعمق للحياة الروحانية هو التحرّر من وهم النفس أو الذات». والوصول إلى الحالة الذهنية الصافية أو ما يسمى(بالوعي النقي) لا يتحقق إلّا بالتخلّص من وهم النفس.

يتّضح من ذلك أن مصطلح السلام يعني به سام هاريس السعادة والنشوة أو انعدام المعاناة والألم؛ وهو أسمى شعور لديه. والذي ينتج من «لحظات متكرّرة من مشاعر السلام والنشوة، وإحساس بأنك خارج جسدك وتراقب كل شيء حول جسدك من موقع ما، ولا شعور بالألم».
ويظهر من هذه النصوص السابقة أن هاريس يتعامل مع الأمور الروحية في ظل علم الأعصاب وعلم النفس. ومن القصور الاعتماد الكامل على هذه العلوم فقط، فالحصول على إجابات شافية عن الحياة وكيفية التعايش معها، وكذلك وجود الإنسان فيها وتجاوزه الحقيقي للصعاب، أمر يفوق طاقة البشر. فهي تحتاج إلى ردود دينية توثّق تلك الإجابات ويلتمس معها الصدق. فعلومنا ومعارفنا ومداركنا البشرية يجوز عليها صفات القصور. فهي جزئية وفردية وغير حتمية ومتغيرة وغير ثابتة. ولكن القوانين الدينية: كلية وشاملة وحتمية وثابتة ويقينية.

أما بالنسبة إلى أدوات ومستويات تحقيق السلام الداخلي، ووسائل تحققه في الروحية اللادينية، فتعدّ حرية العقل ويقظته، والوعي، والتأمل، وما يستتبعها من انسجام وتناغم، أدوات مهمة للتحقق بالسلام الداخلي في الروحية اللادينية المعاصرة. وفي رأيي أن غايتهم من تسليط الضوء على فكرة السلام الداخلي في مؤلفاتهم؛ هو محاوله -ظاهرية فقط- لإثبات فاعلية طرقهم العلاجية ونفعها للإنسان. وكذلك محاولة إثبات صحة بعض النتائج عند ممارسة تطبيقاتها. والسبب الحقيقي هو ذيوع وانتشار فكرهم المغلوط والمزيّف. حتى أنّ العلاقة السببية بين الوسائل والنتائج -في ظنهم- هو أمر غير مؤكّد وغير محدّد. كما أنه غير مثبت علميًّا وليس له أي سند، ولا يجوز عليه أي ربط.

وأما مستويات السلام الداخلي فهي:
1. نفسيًّا وروحيًّا: يعتبر السلام الداخلي في الأصل نفسيًّا وروحيًّا، ولهذا يتأثّر في ظنهم بوسائل عديدة منها: التأمّل، والتنفّس الواعي، والحضور اللحظي الذاتي بلا أي قوى غيبية خارجية، والسير في الطبيعة، والكتابة التأمّلية، والفن والموسيقى، وهذا يحقّق الصفاء الذهني والتناغم والتوازن والانسجام المطلوب للنفس مع الذات ومع الطبيعة.
2. عقليًّا: يكون بالتلاعب بخلايا الدماغ وتخريبها بجلسات الوهم والطاقة. فيدّعون أن القدرة على الحضور اللحظي وإغفال الماضي وتجاهل المستقبل، أي بلا انشغال إلا باللحظة الراهنة؛ يزيل التوتّر والأرق والقلق ويدعم التفكير الإيجابي ويتجاوز الأفكار السلبية التي تشتّت الذهن. وهذا يزيد الشعور بالهدوء والتوازن في التفكير.
3. كونيًّا: وليس له أي تحديد أو ظهور في كلّ مؤلفاتهم إلا بشعور الإنسان بالانسجام والتوازن مع الطبيعة والاستمداد الطاقي منها باعتباره جزءًا منها.

ثانيًا: وسائل اللادينية المعاصرة لتحقيق دعواهم للسلام الداخلي:
تتخذ الروحانية الغربية اللادينية وسائل عديدة لتحقيق مآربها المزعومة:
أولًا: الكتب القديمة والحديثة: منها ما هو منقول عن الرواقية والبوذية والطاوية والكونفشيوسية... الخ، كما استندوا إلى العديد من أقوال صوفية الإسلام على نحو غير صحيح وبتأويل ظاهري باطل وغير علمي وغير حقيقي لآرائهم : كالحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي. وهذا يدعم الفكر الغنوصي الثيوصوفي.
ثانيًا: الممارسات العملية القديمة والحديثة: باليوغا، والكارما، والتأمل الذاتي العميق، وعلوم الطاقة التي أسهبت في شرح وجوهها ومتعلَّقاتها. هذا إلى جانب إيمانهم العميق بالقوى الخارقة واستحضار الأرواح وتسخيرها، وأفعال سحرية مشعوذة؛ لتحقيق السلام الذاتي الداخلي. وهذا بلا شك يحتوي على طقوس شيطانية فحواها شرك وإلحاد صريح، ليس فيه إلا التيه والضلال وبعيدة كل البعد عن أي سلام ذاتي.
ثالثًا: ومنها ما يستند إلى التقنيات الجديدة: كوسائل التواصل الاجتماعي: منصّات، مقاطع الروحانية المعاصرة اللادينية، مقاطع تطوير الذات، وتنمية الذات، محاضرات، وندوات، دورات تدريبية لتنقية الروح والوصول للسلام الداخلي النفسي والروحي، بدعوى تطوير النفس والحصول على سعادتها وسكينتها.
رابعًا: محاولاتهم المستمرّة لذيوع وانتشار هذا التيار الروحي اللاديني المعاصر: فاستندوا على وسائل ممنهجة للتغلغل داخل بعض العقول غير المسلحة بسلاح الإيمان ضعيفة الاعتقاد. فاستهدفوا فئة الشباب واستدرجوهم بمكر وخبث شديد. فأفقدوه الهوية بالتدريج تحت أكذوبة البحث عن السلام النفسي والروحي، وجذب الطاقة الإيجابية. فبدت وسائلهم ظاهرها علاجي وباطنها تغييب للعقل العربي ودهسه تحت تيار التمرّد على الأديان. باليوغا، علم الطاقة، المايكروبتك النظام الغذائي، الآحجار الكريمة، تطوير الذات بالبرمجة اللغوية العصبية وقانون الجذب.

خامسًا: العلاج بالطاقة وفكرة الجذب: ويبدو أن منصّات التواصل الاجتماعي تروّج وبشده لهذا النوع من العلاج. فيدّعون به الاستشفاء من التوتر والآلام، واسترخاء العضلات، وإزالة حالة القلق، وإراحة الأعصاب، وتقوية نظام المناعة، ومنح التوازن لطاقة الجسم، وإغناء الحياة الروحية، فيمنحنا السلام الداخلي النفسي والروحي والجسدي والذهني. بدعوى أنه يحسّن علاقاتنا مع غيرنا ومع أنفسنا ومع الكون، فعندما يتعرف الإنسان على مكامن الطاقة الصحيحة التي تمنحه التوازن، يندمج مع الطاقة الكونية وبالتالي يجذب له الطاقة الإيجابية ويتحكّم في كل ما يخصّه.
كما أن التأمّل في زعمهم يفتح للإنسان كوّة في ظلمة الأيام، فأنار نفسه وأراح جسمه، عبر ممارسة التأمّل والصمت عند اللزوم، يكون بذلك قد حقّق غايته الأساسية، ألا وهو الصفاء الخالص والتماهي مع الكون الذي يصل إلى مرحلة الصحة والشفاء من خلال التحكم بكمية الطاقة وبنوعيتها- مما يعني الوصول إلى توازن الروح والعقل والجسد في تفاعل طبيعي بين قطبي الطاقة بن وينغ أي الأرض والسماء.

فيسعى الإنسان لتحقيق التوازن والتناغم والراحة والهدوء بالاتحاد مع الطاقة الكونية. ويتم ذلك بالعناية باستمداد الطاقة الكونية للجسم، والاهتمام بتسليك مساراتها، والحرص على تدفيقها في الجسم من خلال العناية بحميات غذائية خاصة تعتمد الخصائص الميتافيزيقية للأطعمة، كحمية الماكروبيوتيك، وممارسة الرياضات الخاصة كالتشي كونغ والتاي شي شوان واليوغا، أو العلاجات كالإبر الصينية والريكي، وشفرات الشكرات ورموزها من الروائح والألوان والأحجار.
تذكّرنا هذه المرحلة (بالنرفانا): أي المرحلة التي يحدث فيها خروج عن سيطرة العقل الواعي، ويصل إليها الشخص بالانهماك في التركيز في رياضته الروحية التي تؤهّله لمرحلة روحية أعلى، ويمكن بالمثابرة الوصول إلى مرحلة يتّحد فيها بالكلي، فيتصف بصفات لا تكون إلا للآلهة، إذ تتدفق فيه طاقة الكلي ويلهمهم الحكمة، وقد ينبأ بأمور المستقبل. فالوصول للنرفانا يحقّق للشخص السمو والحكمة والنشوة الروحية. وهي غاية ما يريده البوذي والهندوسي من تأمّلاته وطقوسه الروحية. فالسمو في هذه الممارسات تتعامل مع اللاوعي من خلال تطبيقات التاي شي والتشي كونغ توصل للرفانا أو النشوة الروحية والسلام الداخلي حسب معتقدهم.

إلى أي مدى نجحت هذه الوسائل في تحقيق السلام الداخلي في الروحانية اللادينية؟
لا شك في أن نجاح أي فكرة أو مذهب أو حركة يعتمد على عدة عوامل منها: طبيعة الفرد، خلفيته العقدية، مدى التزامه بالممارسات والتطبيقات والتمارين، أي أنها وسائل فردية تعتمد على علاقته بذاته بغض النظر عن علاقته بالمجتمع أو الأهل. ففي الظاهر تقوم تلك الممارسات الروحية اللادينية بهدف التصالح مع النفس، والبحث عن تقدير الذات وتنميتها ووعيها وسعادتها وسلامها الداخلي. ووسيلتها هي سلطة الذات الداخلية وليست السلطة الدينية الخارجية. بينما هي انعزال واضح عن الدين والمجتمع وحتى الأهل الذين يعترضون على هذا الاتجاه.

ألغت الروحانية اللادينية كل موروث ثقافي وقيمي في المجتمع الغربي وتركت مكانه فارغًا، مما أوجد هوّة فوضوية تاه فيها أتباع هذا الفكر المنحرف، فجاءت ما بعد الحداثة لا لتعيد الناس إلى الموروثات الثقافية، أو تضبطهم بشيء من الأخلاق والقيم، وإنما لتحاول ملء الفراغ الذي يتركه الانسلاخ من كل ثابت ببدائل ملفّقة، لا علاقة لها بموروث، أو دين. وقد اعتُبِرت حركة العصر الجديد جزءًا من ثقافة ما بعد الحداثة وأنها الجانب الروحاني منها.
وأخيرًا أقول إن الانبهار بالحضارة (المادية والعلمية الغربية) كانت سببًا مباشرًا ورئيسًا في انتشار هذه الخرافات والآفات الموجّهة وبخبث شديد إلى العالم العربي. كما أن الخطر الحقيقي يكمن في وجود منابر داخل منصّات التواصل الاجتماعي أصحابها من ذوي النفوس الضعيفة يساعدون في التشكيك في ثوابت العقيدة، وهذا أمر يجب على الأمة الإسلامية مواجهته بحسم وقوة. التركيز على أن نصاعة الاعتقاد والثقافة الصحيحة لا تتعارض البتّة مع حرية الإبداع؛ مادام الإنسان مسلّحًا بإيمان قوي، ويربأ بنفسه وبمجتمعه من هوس التقليد الأعمى. كما أن الأحرى بنا تعلّم أمور ديننا لنواجه أي تحدٍّ في الثوابت الدينية.

ثالثًًا: السكينة والسعادة من منظور روحي صوفي إسلامي:
السكينة لغة:
السكينة لغة تعني الطمأنينة. في القاموس(سكن) والسكينة: الطمأنينة، وقرأ بهما قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ - (سورة البقرة الآية: 248) أي ما تسكنون إليه إذا أتاكم. أيضًا: الوداعة والوقار والأمن.

مفهوم السكينة :
والسكينة تعني: السكون إلى الله بتروّح السر عند إلقاء الحكمة على قلب المحدِّث وكشف الشبه له، وإنطاق لسانه بالحق. وهي تعني أيضًا توطين النفس على موافقة الحكم بإتيان المأمور، والانتهاء عن المنهي مع خشوع القلب. السكون إلى الله بكمال الإيمان. السكون إلى الله بحسن المراقبة معه والملاطفة مع عباده.
قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾ (سورة التوبة – الآية 26)

أما ( الطمأنينة ): فهي مرادف للسكينة، وقد تزيد على السكينة بتحقيق الأمان فيها، وتعني الطمأنينة: اطمئنان النفس بذكر الحق إلى الانقياد بحكم الشرع والاستسلام للطاعة. وعلى هذا فهي سكينة استقرّت بقوة اليقين المفيد للأمن ودوام الأنس بالحق. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (سورة النساء- آية 103)
النفس المطمئنة: هي التي تمّ تنويرها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلّقت بالأخلاق الحميدة، وتوجّهت إلى القلب بالكلّية، متنزّهة عن جانب الرجس، مواظبة للطاعات، مساكنة إلى حضرة رفيع الدرجات ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة المائدة : الآية 16).

إذا دقّقنا النظر في مصطلح السكينة وعلاقته بالسلام الداخلي؛ وجدنا أن مصطلح السلام الداخلي مصطلح بشريّ أطلقه بعض البشر على أنفسهم عندما تتحقّق لهم الراحة والهدوء. أما مصطلح السكينة والطمأنينة فهي صفات أعطاها الله سبحانه وتعالى لخاصّته من البشر. ولهذا ارتبط مصطلح السكينة بمصطلح الأمن والطمأنية والسعادة، ومن ثم القوة والثقة التي يعطيها الله للمؤمنين والتي تسقط أمامها كل أوهام الملحدين وهواجسهم وادّعاءاتهم.

فما يجده الإنسان من هم وغمّ وبلاء فى الدنيا، ليس له ملاذ إلا الفرار إلى الله، وذلك الفرار هو السبيل الوحيد للنجاة والأمان والسكينة. ووسائله العبادات كلها، ومنها الصلاة، وما بها من نعمة كبرى وهي نعمة الصلة والتواصل مع الله، ومنها استمداد الطمأنينة والأمان والثقة والمحبة والتسامح والتغافل والتعايش.
لا شكّ في أن سكينة الإنسان المسلم تكمن في صلاته وصلته بالله. أي: بالفعل الروحي الخالص لله؛ ذلك الفعل الذي لا يأخذ منه ولكنّه يعطيه كل شيء يريده. ففي فعل السجود، تحدث (لحظة فارقة) لها خصوصية فريدة. لحظة شحن كامل لطاقة الإنسان، كلّها سكينة وطمأنينة وسلام لحياة الإنسان كلها. وكأن هذا الفعل بما فيه من خشوع وإسلام القلب لله، هي لحظة الحب والقرب التي بها يستمدّ الإنسان من خالقه الشفاء من الآلام والأوجاع النفسية والروحية والجسدية والعقلية.
هي لحظة القرب من مصدر النعم وخالق الخلق، والقادر على إزالة أي ألم أو تعب، لحظة السجود في الصلاة هي لحظة تحقيق الأمنيات، والسكينة من القلق والتوتر وتيه الحياة. فبالسجود القلبي على الوجه الأكمل، يتحقق للإنسان المدد والطاقة، فهي فعل روحي يعطيك ولا يأخذ منك، يمنحك بلا سلب لأي شيء. فهو فعل يضيف ولا يسلب.

مع الصلاة لا قلق مما هو آت أو يأس من الفائت. لهذا هي الشفاء الحقيقي للإنسان من الهمّ، ألدّ أعداء الإنسان. فلا علاج إلا بالحالة الصفائية للإنسان التي تعيد له الصحة النفسية والسلام الداخلي والسكينة والطمأنينة. فالصلابة النفسية يستمدّها الإنسان من خالقه في كلّ مرة يجدد فيها العهد مع الله بالصلاة. فبإسلام الوجه لله في السجود يزداد إيمان الإنسان وينعم بالراحة التي لا يجدها غيره أبدًا. وهذا لا شك في أنّه يدعو الإنسان إلى مزيد من التفكّر في مدى قربه وارتباطه بالله وليس البعد عنه.

تجدد الصلاة الطمأنينة والسكينة خمس مرات في اليوم. وفي كل مرة يدرك الإنسان استحضار كبرياء الحق وعظمته وهيمنته على الوجود كله بالعظمة والعلو والجلال، والذي يجب أن ينْمحي مع هذا كل أثر لكِبْر في النفس البشرية، بل وكل أثر لخطيئة ومعصية، بل وتتأكّد أواصر علاقته بالله. «فيتجدّد عندهما -الركوع والسجود- ذكر كبرياء الله سبحانه، وترفع يديك مستجيرًا بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ومتّبعًا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم تستأنف له ذلًّا وتواضعًا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك».
فالعبادات في الإسلام إنما جاءت لتنظيم وتقويم السلوك الأخلاقي للإنسان مع نفسه ومع غيره، ولا يتسنّى ذلك إلا بطاعة الله عز وجل. ولهذا كان الفقه الإسلامي اتّباعًا وليس ابتداعًا، فهو محاولة جادّة للكشف عن الآثار النبوية والتزامها، وليس اختراعًا يؤلّفه البشر. ولهذا جاءت التكاليف الدينية للتقرّب إلى الله ولإصلاح الضمير البشريّ. فالدين ما نزل إلا ليقود الإنسان نحو الكمال الخلقي الروحي، والإنسان إنسان بالجانب الروحي منه، وكلما سمى الإنسان روحيًا كلما كان أسمى فى معنى الإنسانية.
هكذا كانت السكينة نتيجة مباشرة لما يجده العبد من الفهم عن الله، فهي ثمرة للإيمان والتوحيد. وذلك بسكون العبد لمراد الله، وفرحه بأمره، ومتابعته لمرضاته ومحبته، والسكون تحت مجاري الأقدار، فسكونه عبارة عن ترك الاعتراض في فعله فيه. فالسكينة لا تكون إلا بالرضى والسكون لأمر الله ومراده.
لهذا لا يشعر الإنسان الموصول بالله بالقلق ولا بأمراض النفوس، فالسكينة تملأ روحه وكيانه. وكل قلب لا يصل إليها فهو محجوب عن سعادته وفلاحه. فالدين مستقر السكينة وملجأ الطمأنينة به يرضى العبد بكل ما قسم له، بل ويدأب حتى يبلغ الغاية من عمله، وبه تخضع النفوس إلى أحكام السنن العامة فى الكون، وبه ينظر الإنسان إلى ما فوقه فى العلم والفضيلة، وإلى من دونه في المال والجاه، اتّباعًا في هذا لما وردت به الأوامر الإلهية. وهذا حال المتحقّقين بالسكينة أو الطمأنينة
يتبين مما سبق أن الروحانية اللادينية لم ولن تصل بالإنسان إلى تحقيق الراحة والتوازن و السلام الداخلي؛ بل إنها ستعزله وبشكل جبري عن التعايش مع الحياة بما فيها من صعاب. بينما يصل المؤمن إلى سلامه وسكينته الداخلية بسجدة صادقة مع ربه. فالروح لا تصل إلى سكينتها إلا بقربها من خالقها، الذي أنشأها ويعرف وحده سبيل صيانتها وسلامها.

الخاتمة
- تستند الروحية الإلحادية المعاصرة في ذلك إلى المطلب الفطري في الإنسان، وهو سعيه المستمر للبحث عن السلام الداخلي والسكينة والطمأنينة، باعتبارها غاية البشر على اختلاف صورهم. ولكنها تسعى بتلك الوسيلة لتحقيق مآربها الإلحادية، سعيًا إلى (تأليه الإنسان) بحجّة تحقيق الاستقرار النفسي والتوازن الروحي له. متأثّرة في ذلك -كما أثبتت الدراسة- بالفلسفات القديمة اليونانية والهندية والفارسية والبوذية والزرادشتية والطاوية … إلخ. والتي تميل إلى تحقيق السلام الداخلي عن طريق التمحور حول الذات، خارج إطار الدين، بالتأمل والانعزال والانسلاخ عن الحياة الواقعية من ناحية أخرى. وهذا لا يتحقّق إلا باكتشاف الجانب الإلهي الغنوصي بداخله. فتأليه الذات الإنسانية هو مسعى الفكر الإلحادي، فلا حاجة للإله لأن الإنسان الروحي في مراحل تحققه بالسلام الداخلي يتحقق بما يسمى بالمطلق، أو الوعي المزعوم، ومن دونه لا يجد السلام. فبدلًا من الدين تحققوا «بالتغييب»، وذلك بتمكين فكرة «الإله الكامن في الإنسان» أو «الألوهة الكامنة في الإنسان»، والوصول إلى ذلك لا يتحقّق إلا بالتجربة الذاتية الداخلية التي تحقّق السلام.
- الفرق واضح بين المفهوم الواسع للسكينة في الإسلام ووسائل التحقق منها، وبين المفهوم الضيق للسلام الداخلي في الروحية المعاصرة. فالسكينة لها سند من القرآن والسنة النبوية، أما الروحانية المعاصرة فلا يوجد سند لها.
- السلام الداخلي هو الشعور بالنشوة والارتياح والسلام، وكذلك الإحساس بالرضى عن الحياة وعن الذات الداخلية. ويتحقق ذلك في اللادينية المعاصرة بممارسة الفعل اليقظ والتدريب المستمر عليه، حتى يتّحد الفرد مع الطاقة المطلقة الكونية، فتتفتّح له -في ظنّهم- مدارك وهمية أخرى يعي بها حقيقة ذاته. وشروط تحقق السلام الداخلي عند إيكهارت تكون بالقدرة على الاستمتاع باللحظة البسيطة، وإدراك الكينونة، والانفتاح على الفضاء الذاتي للإنسان.
- أظهرت الدراسة فقر الدراسات والأبحاث في اللادينية المعاصرة إلى عناصر عديدة منها النسق والثوابت العلمية والدينية، وكذلك السند العلمي الذي يؤكّد صحة النتائج من عدمها، مع إصرارهم على تجاهل المنهج العلمي بفروضه وخطواته التي لا يمكن لأي علم تجاوزها؛ لهذا ظهرت آراء اللادينية المعاصرة في السلام الداخلي بها تخبط شديد . ومن ثم فهي لا تعدو أن تكون محاولة بائسة للهروب من الدين لا غير. فتهدف إلى ذيوع وانتشار ممارساتها ولو بالباطل.
- كما أن ادّعاء تحقيق اللادينية الروحية للسلام الداخلي بهذا الشكل حوله لنوع من الخداع والنشوة المؤقّتة التي يزداد نهم الإنسان معها للتكرار؛ فيلجأ مدرِّبوها للإيحاء والتنويم المغناطيسي والعقاقير والسحر والوهم، لمجرد جذب متطوّعين جدد وسذج .
- أثبتت الدراسة أن البحث عن السلام الداخلي ليس هو هدف الروحانية اللادينية المعاصرة الحقيقي؛ وإنما هدفهم هو تشويه العقل وزيغ الروح وعجز النفس عن مقاومة أي إغراء خارجي. وهذا بتحويله إلى نمط جديد وهو (الإنسان المستهلك)، والذي وصل استهلاكه إلى رباط الدين وقداسته. وعلى هذا فلا أقل من أن توصف اللادينية الروحية المعاصرة بأنها انحراف فكري حاد ينكر كل رابط يربط الإنسان بربه من ناحية، ويفقده عقله ووعية السوي ويعزله عن مجتمعه من ناحية أخرى.
- أثبتت الدراسة أن السلام النفسي في الروحية المعاصرة فردي، ووقتي، ومبتور وجزئي ونسبي، وينتفي معه الأمن. فالأمن أهم شرط من شروط تحقيق السلام الداخلي، واللادينية الروحية تغفل بشكل كامل هذا الجانب وأهميته في استقامة حياة الإنسان. كما أنها تربط نجاح وسائلها وتقنياتها وتدريباتها بتزايد أعداد المشتركين في نفس التدريب. وهذا لأنها تريد الانتشار حتى ولو كان بظلام العقول وتخريبها.
- يصف أنصار الروحية المعاصرة وسائل وطرق تحقيق السلام الداخلي والنشوة والسعادة بتجارب تعزل الإنسان عن واقعه وتربطه بخيبات الوهم، فيقتل فطرته المخلوقة على الارتباط بربه وتجرده من كونه عبدا لله. وينعكس هذا عليه بالانكماش والتقوقع حول الذات الفقيرة المغلقة، تحت مسمّى فهم الذات واليقظة الذاتي أو الوعي بها.
- لا شك في أن الروحانية المعاصرة في سبيل هذا الهدف لفّقت مفهومها للسلام الداخلي من معتقدات ومذاهب وفلسفات شرقية سابقة، ولكن صاغتها في قالب جديد ومعاصر باستخدام مصطلحات جديدة؛ بغية تأليف عقيدة مركزية موحّدة، أو دين جديد موحّد له أهداف إلحادية.
- كما كشفت الدراسة أن مفهومهم للسلام الروحي تم تفريغه من محتواه، وأصبح منقوصًا ومدمّرًا، لأنه يتّخذ أشرس الوسائل المغيّبة للعقل كأداة للمعارف الكلية، وبهذا يهوي بالإنسان إلى براثن الجحيم، وتجعله يبحث عن ذاته الضعيفة الفانية في دائرة مغلقة. فبدلًا من أن يرتبط بخالقه لكي يسعد ويطمئن ويهنأ عيشا، زجت به في غيابات جب الإلحاد وظلامه الذاتي اللانهائي.
- التجربة الروحية في الإسلام مفادها السعادة الحقيقية، والسلام الروحي، والسكينة النفسية، التي لا تتحقّق إلا باتصال الإنسان بالله وخضوعه الكامل له، وهنا يعود للفطرة وبدون إهمال للواقع الاجتماعي الخارجي، بل بتعايش كامل معه وإيجاد حلول لمشكلاته.
- كما لم يحدّد أي متحدّث باسم الروحية المعاصرة عن كنه أو نوع الطاقة الكونية أو آليّتها، أو كيفية إثبات وجودها، وكيف يكون ميكانزم عمل هذه الطاقة الكونية في حد ذاتها بصرف النظر عن إمدادها للإنسان من عدمه. مما يدل على سطحية دراساتهم كلها، كما أنها غير مدعومة بمصدر علمي مؤكد، وغير مطبّقة بشكل صحيح وواسع على البشر، مما يدلّ على عشوائيتها وانعدام هويتها وسيولتها الثقافية.


قائمة المصادر والمراجع
الشيخ عبد الواحد يحيي، التصوف الإسلامي المقارن- وتأثير الحضارة الإسلامية في الغرب، ترجمة وتعليق عبد الباقي مفتاح، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2013م.
الغزالي، إحياء علوم الدين، قدم له عامر النجار، تحقيق محمد عبد الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، ب.ت.
تول، إيكهارت، أرض جديدة- كيف تكشف مغزى حياتك، ترجمة سامر أبو هواش، دار الخيال، د.ت.
كازانجيان، ج.، التأمل التجاوزي-علم الذكاء الإبداعي، الديانات والطوائف، www.reasonofhope.com
ديسبينزا، جو، أن تصبح خارقًا، ترجمة حسين العبري، مجموعة كلمات، الشارقة، الإمارات العربية، 2022م .
الخطيب، خالد بن سليمان، دعاوى الروحانية المعاصرة، مجلة الدراسات العربية، كلية دار العلوم، جامعة المنيا.
باومان، زيجموند، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبه رؤوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، 2017م.
الحكيم، سعاد، المعجم الصوفي، دندرة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1981م.
هاريس، سام، الصحوة، دليل في الروحانية بلا أديان، ترجمة خلود غروفز، بيت الحكمة، 2018م.
بروس، ستيف، روحانية العصر الجديد بديلًا من العلمنة - بطلان الديانة الفردية، مجلة الاستغراب، 2016م .
نصّار، عصمت، الثيوصوفية والدين السائل، مجلة الفكر المعاصر، العدد السابع عشر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، يناير: مارس 2020م.
عواجي، الإلحاد الحديث تاريخه وأبرز نظرياته وآثاره وسبل مواجهته، مركز دلائل، السعودية، 1439هـ.
القاشاني، عبد الرزاق، اصطلاحات اصطلاحات الصوفية، حققه وقدّم له وعلّق عليه عبد الخالق محمود، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، 1404 هـ، 1984م.
الحفني، عبد المنعم، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2000م.
كردي، فوز بنت عبد اللطيف، المذاهب الفلسفية الإلحادية الروحية وتطبيقاتها المعاصرة، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، المملكة العربية السعودية، 2014م.
حسيبة، مصطفى، المعجم الفلسفي، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن، عمان، 2009م.
أبو ريان، محمد علي، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، 1992م.
الجعفي، محمد بن اسماعيل بن إبراهيم أبوعبد الله، صحيح البخاري، حديث رقم 757، جـ4، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1355هـ، 1936م.
نمور، مهى، طاقة الكون بين يديك، ريكي جين كي دو، حكمة للشفاء، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2005م .
الرشيد، هيفاء بنت ناصر، حركة العصر الجديد مفهومها ونشأتها وتطبيقاتها، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، السعودية، 2015م.
داير، وين دبليو، سوف تراه عندما تؤمن به، سبيلك إلى التحوّل الذاتي، مكتبة جرير، السعودية،2011م.
Brach, Tara, Radical Acceptance , Penguin Random House UK, London,2003
underhill, evelyn, a. study in the nature and the development of mans spiritual consciousness, London, 2003.
James, William, varieties of religious experience, London and new york, 2002.
trimingham, j. spencer, the sufi orders in islam, oxford, 1971.
fridlund, patrik, The Fragilityof Religious Freedom, 3(1), May 2021.