الباحث : د. ذهبان مفيدة
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 39
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث : 329
الملخّص:
تعدّ المادية متلازمة غربية هيمنت على الذّهنية الحديثة مرحليا عبر عمل تدريجي لعملاء الانحراف الحديث، لم تعد مجرد فكرة أو مذهبا فلسفيا أو مفهوما فيزيقيا، بل رؤية للعالم تتجلى بشكل مباشر لا على مستوى النّظر، وإنما غدت سلوكا عيانيا اجتاح الأفراد والمجتمعات والثقافات، فالحضارة المهيمنة اليوم مادية، والحكم الزّمني أو العلمانية تتحكّم وتوجّه السلطة الروحية، وهذا وضع العالم الحديث منذ ولوج حقبة الحداثة أو التنوير أو ما يعرف بالعصر العلماني الذي يمتدّ إلى حياتنا الراهنة، وبتنا أمام غزو العلمنة، حتى الروحانية تعرّضت للتّنكيس بفعل هيمنة المفهوم الديني البروتيستانتي الذي كان من استتباعاته تأسيس روحانية علمانية منفصلة عن المرجعيات المتعالية، وقاطعة مع المقدّس، تستمدّ المعيارية من الإنسانوية بالمنظور الغربي. من هذا المنطلق يأتي بحثنا لاستجلاء طبيعة ومفهوم الروحانية العلمانية أو اللاّدينية عبر أحد التيارات البارزة في الغرب والتي كان لها تأثير كبير، بل أصبحت مذهبًا روحيًّا ومنهجًا فلسفيًّا قائمًا بذاته تسمَّت على مؤسسها وهي «البرغسونية» نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون.
الكلمات المفتاحية: العلمانية، الروحانية العلمانية، هنري برغسون، المادية.
مقدمة:
التفكير الغربي في العلماني والنظرية السياسية للعلمانية يتمتع اليوم بحسّ نقدي راهني متزامن مع ما يطرحه الخطاب الديني من استشكالات ومساجلات، إلّا أنه لم يغادر الأرضية الدنيوية؛ لأنه استبقى القوة العلوية محيّدة/مستبعدة، في مقابل استبقاء هيمنة الحكم الزمني على السلطة الروحية من حيث أراد خلق توازن متكافئ بيني، بل إنّ خطاب المؤسسات الدينية الرسمية ينزع أكثر نحو العلمنة عبر تخريجات تلفيقية مزوّدة بأسانيد دينية مُطوَّعة التأويل، بقصد التناسب مع محتويات اللغة العلمانية، مما سمح بمزيد من استحواذ المقدسات ومطلقات العلمانية على الشؤون الدنيوية، والدينية. هذه المحاولات الاستيعابية التكييفية لم تكن سوى ترميمات مضلّلة، استبقت معزّزة تبعية السلطة الروحية للحكم الزمني، ومادامت الحلول المسماة توافقية غير وازنة، بل متطرّفة إزاء الديني، ما تزال النظرية العلمانية السياسية تنظر إلى الحكم الزمني كتدبير دنيوي في الآن الراهن، تحدّد قواعده وممارساته شروط وظروف تاريخية مقيّدة تجعل الفعل السياسي مرآة لواقع كائن وزمن دنيوي منفصل عن أيّ معيارية متجاوزة أو سلطة متعالية، ومسعاه رفاه عاجل مقيس الأبعاد، بينما الدّيني مرتبط بمصير غيبي (آخروي)، ورفاه آجل. والعلمانية هي أساسًا بالمنظور العرفاني الغينوني إنكار لكل مبدأ أعلى وصيغة تدبيرية لاحقة لإنسانوية الحداثة، لا تقتصر على الحياة السياسية فقط، بل تمتدّ إلى كل الميادين، فمثلما أُسِّس لأديان علمانية، كذلك الروحانية. ويتناول موضوع بحثنا إحدى أبرز نماذج الروحانية العلمانية الغربية، وهي “الحدسية البرغسونية”، أسست للبروتيستانتية في الميدان الروحاني، صوفية ضدّ كل ثابت عُلوِي (المبادئ)، لا تتقيد بأي شكل مما أسماه برغسون الممارسة الرسمية، باعتبارها سكونًا عائقًا أمام التقدّم نحو الارتقاء واستكمال خلق النوع الإنساني(الكمال المطلق). الصوفية التي تنعتها البرغسونية بالدين الحركي هي روحانية لادينية، دين عالمي كوني منبعه الإنسان، وتحديدًا ما أسماه الشخصيات الممتازة، بالتالي يمكن توصيفها ب»الروحانية الإنسانوية»؛ لأنّ الغاية والموضوع منزوع القداسة، ومنفصلة عن نظام الوحي الربّاني وتعاليم الأنبياء والمرسلين، موضوعها المركزي الإنسان وليس الله، تتغيّا المعرفة الإنسانية الدنيوية التي تحقق حصرًا التقدّم المادي بالمفهوم النّشوئي التطوري، أي تحسين النّوع الإنساني(القدرات، الملكات، الجسم...)، لتمكينه من التحكّم المطلق في الطبيعة باعتبارها النهاية الكبرى التي يصل فيها التطور إلى استكمال خلق النوع الإنساني والوصول به إلى درجة الكمال، أما المعرفة فوق البشرية أو الميتافيزيقية لا دِرايَة لها بها؛ لأنّ الجهل بالأصل وفق الحكمة المتعالية الصّدرائية يستتبعه الجهل بالفرع، فالجهل ينتج جهلًا، والانحراف يولّد انحرافًا، وهو مما تكتظّ به منظومة الرَّوحنة البرغسونية، التي لا يَتَنّبَّه إليها القارئ القِشَري البرّانيُّ التّفكير، فقد ألفينا بعض ألفاظ ومصطلحات التصوف الإسلامي منها؛ الوَجد، الحَضرة الإلهية، الحب والعشق الإلهي، وحدة الوجود...إلخ، إلاّ أنها جميعًا منتكّسة ومنحرفة عن المعاني الروحانية السوية؛ لأن البرغسونية تستند على النموذج التفسيري التطوري النشوئي، وتنكر الوحي والنبوات، والخلق الإلهي، باعتبار الإله مخلوقًا تطوّريًا. أما مصدر ومرجعية ومعيارية الصوفية الكاملة بالنسبة إلى البرغسونية هي الفلسفة، لكن ليس بوصفها محبّة للحكمة وهبة إلهية كما هي عند قدماء فلاسفة اليونان (فيثاغورس، سقراط، أفلاطون...)، وإنّما بمنظور برغسون وثبة حيوية مُستندها التجربة والبرهان لا الوحي المنزل أو المؤسسات الدّينية التبليغية، ولكي تَعضد الروحانية الفلسفة ينبغي أن تنفصل عن كل الصيغ اللاّهوتية والرؤى أو الرموز التي تعبّر عن الوحي، وهي دعوة صريحة لفصل الروحانية عن مصدرها العلوي ومنبعها الرباني والتأسيس لروحانية من نمط فلسفي بشري المصدر، منهجه الحدس الفلسفي، كنظام «دقيق» بشكل مطلق، لا يختلف في دقّته عن العلم (التجريبي)، يشتمل على قواعد تشكل في مجموعها منهجًا منظوماتي نسقي، تتبع حتّى يحقق الحدس فعل الخلق أو الوثبة الحيوية، والمعرفة المتوصّل إليها ليست مباشرة ما دامت تتوسّط بقواعد بشرية صرفة، فهي معرفة من نمط استدلالي كسبي. ولمقاربة الموضوع في ضوء الفلسفة الإسلامية آثرنا نظرية الحكمة المتعالية للملاّ صدر الدين محمد الشّيرازي والنظرية التقليدية العرفانية عند الروحاني المسلم رينيه جينو (عبد الواحد يحيى).
وعُولِج موضوع بحثنا وفق الإشكالية التالية: ما مفهوم الدين السكوني والدين الحركي؟ ما مفهوم الوثبة الحيوية وما علاقتها بالصوفية؟ ما مفهوم الروحانية اللادينية أو الروحانية الإنسانوية البرغسونية؟ وهل هي غريزة بدائية أم مكتسب حضاري ونتاج تطور الإنسان العاقل؟ ما الفرق بين الروحانية الناقصة والروحانية الكاملة؟ هل الانتقال من الحب الغريزي أو المغلق إلى حب الإنسانية يخضع لقانون التطور؟ هل منبع الروحانية الدين أم الإنسانية؟ ما هو سبيل التحرّر من النفس المغلقة إلى النفس المتفتحة؟.
أولًا: الروحانية اللاّدينية البرغسونية: (المفهوم والمصدر والغاية)
1. الدين السكوني:
الفلسفة البرغسونية لا تؤمن بوجود أيّ حقائق أزلية، مما يستتبعه منطقيًّا إنكار كل قيمة تحملها المعارف والعلوم التي تنتمي لحقل الميتافيزيقا، فلا وجود لما وراء الطبيعة، هناك الطبيعة التي خضعت لقانون التطور والنّشوء فقط. وبما أنّ البرغسونية تنكر وترفض استمداد المعيارية الروحانية من الدّين والوحي الإلهي، فلا يمكنها أن تقدّم إلاّ تفسيرًا اعتباطيًا، وأحكامًا وهمية، ككل فاقد للإحساس بالمتعالي يُحرم من الهِدَاية العقلية، بالتالي تندرج ضمن تيارات الرّوحنة الغربية المزيّفة.
الدين عند برغسون ليس معطى إلهيًّا متعاليًّا، ككل الوضعيين ينكر الوحي مصدرًا للأديان، فهو في حدّ ذاته من مخترعات الملَكة الخرافية التي أوجدت الدين السّكوني؛ دين خرافي مغلق، يعتقد بالجوهر الأزلي، والماهيات المفارقة، والكلّيات المجرّدة، فهو مستقرّ في الثّابت لا يتطور ضدّ الحركية والتقدم، وهذا الدين السكوني هو تحت-عقلي غريزي ساد في المجتمعات البدائية غير العاقلة، إلاّ أنه لم يأفل أو يتلاشى أو ينقرض؛ لأنه ما يزال قارًّا في العالم الحديث. ينعت (برغسون) الدين بالسكوني بدل الطبيعي؛ لأنه من مخترعات الملكة الخرافية كوظيفة عقلية، وليس معطى طبيعيًّا، لا يميّز (برغسون) بين منبع الأديان، فهي جميعًا وضعية المصدر مهما اختلف وتعدّدت بتنوع المجتمعات، وكل ما ينتمي إلى عالم المقدس (الله، الوحي، الأنبياء) من صنع الإنسان.
كل الأديان بالنسبة إلى (برغسون) تستمد مشروعيتها وصوابيتها من الإجماع الذي يضفي عليها اليقين[2]، فالحقيقة ليست مستقلة عن الذوات أو العقول، بل هي مسألة إجماع، فما اتُّفِق أنه حقيقة -ولو كان وهمًا- فهو كذلك، وهذا شأن الأديان بالنسبة إلى معتنقيها، والإجماع يفسره (برغسون) بالمنظور البراغماتي، الدّافع إليه الغريزة الاجتماعية؛ فهو أداة توطيد وتعزيز وإن كانت وهمية، بالإضافة إلى أنّ الإجماع من أهم أسباب التنازع بين الأديان؛ لأنّه عامل انقسامي مانع للتّسامح، رغم أنه عامل وحدة وتماسك داخل المجتمع المغلق، إلاّ أنه يعوق النّفس من التفتّح وحب الإنسانية الذي يشترط الانفصال وتحطيم كل ما يحافظ على المكوّنات السّكونية، وبحسب (برغسون) الإيمان بالعقيدة الدينية الواحدة هو أرثوذكسية ضدّ الحضارة والإنسانية وحاجز أمام التقدم والتّسامح، لأنّ الاعتقاد بصحة ويقين دين معين يقصي بقية الأديان، رغم عدم وجود أي دين صحيح، لأنّ مصدرها جميعا الملكة الخرافية، بالتالي هي أوهام وليست حقيقة، وما يُعتقد أنه الحقيقة هو فقط إجماع ترسّخ واستقرّ عبر آلية العادة. ويلخص (برغسون) مفهوم الدين السكوني، «في كلام دقيق واضح: إنه رد فعل دفاعي تقاوم به الطبيعة ما في اشتغال العقل مما قد يشلّ قوى الفرد ويحل تماسك المجتمع»[3].
بحسب (برغسون) التفسير في السيكولوجيا هو ما هو في البيولوجيا. أي أن وجود وظيفة من الوظائف يفسّر بكيف ولماذا هي ضرورية للحياة[4]، ولما كان الإنسان اتخذ الآلهة ليستفيد منها، فمن الطبيعي أن يقلّدها وظائف، حتى إنّ فكرة الوظيفة كانت هي السائدة في كثير من الأحوال[5]؛ لذلك لكي تحقق الملكة الخرافية الغرض من اختراع الأديان أُسندت إلى الآلهة وظائف حيوية حتى تنجح في الوصل بينها وبين الإنسان، لأنه بحسب (برغسون) قيمة الوظيفة وفعاليتها ليست ذاتية، بل تقاس بما تؤدّيه للحفاظ على الحياة، والوظائف المسنودة إلى الآلهة على تعددها تهدف إلى تحقيق ما أسماه (برغسون)؛ التضامن بين الإله والإنسان، أي توثيق الصلة، من أجل التعاون والتّشارك في الحفاظ على الحياة الاجتماعية، وكأن الدين السكوني بالمعنى البرغسوني سند يعضّد الرابطة الاجتماعية الغريزية، وتعدّ الطقوس والشعائر والعبادات والقرابين أدوات لتحقيق ذلك الغرض، وهي مشتركات دينية تختلف فقط مضموناتها وطرائقها التوسُّلية للآلهة، وهذا «التّضامن» غائية كل الأديان السّكونية، وهذا التضامن ليس عموديًا أو هرميًّا، بل أفقيّ، فالحركة بين الإلهي والإنساني سفلية ذهابًا وإيابًا، داخل العالم الدنيوي، باعتبار العالم العلوي المفارق مجرّد مخترع خرافي.
والأديان السكونية ليست نتاج التطور النّشوئي(بالمفهوم الدارويني)؛ لأنّ كل تطور تقدم بالضرورة في الفلسفة البرغسونية، أما الأديان والآلهة لم تنشأ تطوريًّا، «وإنما أرخت الإنسانية العنان للغريزة الخرافية ففعلت هذه ما شاء لها هواها»[6]؛ الملكة الخرافية وُجدت لتخلق الأرواح؛ ولتخلق الآلهة ووظيفتها صيانة الفرد ذاته، وهي في نفس الوقت منفعة متعدية للمجتمع، باعتبار العلاقة بين الفرد والمجتمع دائرية، كل منهما يرتدّ إلى الآخر[7]، بهذا المعنى هي وظيفة غريزية. والتّفسير بالخرافة منطقي بالنسبة إلى برغسون، وإلّا وقع في التناقض وأثبت ما يريد نفيه عن الدين السكوني، وهي الصفة العقلانية والمنطقية. كما أنّ الملكة الخرافية من جهة أخرى لا تنتج مخترعاتها وفق قانون التطوّر؛ لأنه يقتضي انتخابًا طبيعيًا مرحليًّا، لعزل العناصر التي تمتلك القدرة على التكيف والمقاومة للحفاظ على البقاء والاستمرار والنمو عن العاجزة عن هذا الفعل.
ينفي (برغسون) الصفة العقلانية والمنطقية عن الدين السكوني، لأنّ إثبات النسبة يتعارض مع تقدم الخطي الصاعد الملازم لكل فعل تطوري كخلق جديد. كل ما هو ثابت مغلق بالضرورة وينتمي إلى الطبيعية، أما المتغيّر الحركي متفتّح وينتمي إلى الإنسانية باعتبارها مرحلة عليا من التقدّم خلال النمو التطوري للنوع البشري، فهي أسمى ما أوجدته الوثبة الحيوية، فالإنسانية كما يراها (برغسون) ليست جوهرًا فطريًا أو عرضيًّا، بل جوهر نشوئي بفعل الوثبة الحيوية، وبزعمه، «التقدّم خلق لصفات جديدة لا مجرّد اتّساع، وأصبح الإنسان يُتِمُّ حركة الحياة، ولا يقتصر على الانتفاع بها، حيث وقفت»[8]، مقتضى هذا الكلام، التقدّم استكمال عملية الخلق التي توقفت عندها الطبيعة.
2. الدين الحركي أو الروحانية:
الروحانية هي إحدى ثمرات الوثبة الحيوية، واختار برغسون اسم الدين الحركي للتعبير عن الروحانية-الصوفية؛ لأنّ غايتها لا تختلف عن الدين السكوني إلّا من حيث الدرجة والطبيعة، ضمان الطمأنينة والأمن للنّفس لكن على صورة أسمى من الأول، كما أن كلاهما نتاج تطور الحياة، إلّذا أن أحدهما انغلق على الحياة الغريزية الاجتماعية، والآخر امتدّ واتّسع ليشمل حياة الإنسانية. أما نشأة الصوفية يرجعها برغسون إلى الفلسفة اليونانية الهيلينية التي عرفت تطورا عقليا لا نظير له في التجريد والتعميم، أكسب وظائف الفكر قوة ومرونة امتدّت تأثيراته وما يزال _بحسب برغسون_ مرجعًا للفكر الإنساني إلى اليوم، إلّا أنّ طغيان العقلانية الصرفة التأملية على الفلسفة اليونانية حال دون اكتمال الصوفية بما هي خلق وعمل وحب، وسادت صوفية ناقصة بدأت إرهاصاتها الأولية مع الأورفية والفيثاغورية إلى أفلاطون وأرسطو وتطوّرت مع أفلوطين الذي أخذ عنهم بالإضافة إلى تأثره بالفكر الشرقي الذي كان نشطًا في العالم السكندراني. فاليونان بالنسبة إلى برغسون كانوا الأوائل الذين اتجهوا للبحث عما وراء العقل، عن حقيقة تعلو عليه ولا يمكن كشفها به[9].
مفهوم الله ووظيفته في الدين الحركي يختلف عنه في الدين السكوني، في الثاني وَهْمٌ اخترعته الملكة الخرافية وأسندت إليه وظيفة التّهدئة النّفسية وليس له أي دور فاعل في حركة تطور النوع الإنساني، أي فعل الخلق المبدع، بينما في الصوفية أو الدين الحركي تتغير الوظيفة ويسند إليه فعل الخلق المبدع، وفي هذا السياق يقول برغسون: «غاية التصوف اتصال بالجهد المبدع الخالق الذي ينجلي عن الحياة، ومن ثم اتحاد جزئي به. وهذا الجهد هو شيء من الله، إن لم يكن الله ذاته. والصوفي الكبير هو ذلك الإنسان الذي يتخطى الحدود التي رسمتها للنوع البشري ماديته، ويكمل بهذا فعل الله»[10].
المفهوم البرغسوني للإله يستند على التصور المسيحي النّيقي(التّثليث الأقنومي)، حيث يتشارك المسيح والإله جوهرًا واحدًا منقسمًا، وهو ما عّبر عنه برغسون أثناء توضيحه لمفهوم الحدس، يقول: «تجربة اتصال الحدس الصوفي بالعالم الأعلى، باعتباره مشاركة في الجوهر الإلهي»[11]، فالجوهر بمفهوم الروّحانية اللاّدينية(العلمانية)، له تحيّز وليس قائمًا بذاته، لا يتقوّم بذاته ولا يتعيّن بماهيته، فلا وجود للجوهر المنفصل المتعالي، فالجوهر مركّب قابل للقسمة؛ فالجوهرية البرغسونية ديمومة تطورية تقدّمية، أما القول بالجوهر الثّابت المفارق أو وفق الفلسفة الأفلاطونية «الماهيات الأزلية» أو «المُثُلُ العُليا»_ يتعارض مع «الوثبة الحيوية» بما هي تحطيم لكل ثابت أو سكوني.
3. النّفس المغلقة والنّفس المتفتحة: (الحب الصّوفي الإنسانوي)
يميز (برغسون) بين النفس المغلقة والنفس المتفتحة ضمن نظريته حول المغلق(الثابت، الساكن، المحدود بنطاق الانتماء الغريزي)، أما المفتوح غير محدد، يرتبط بالإنسانية جمعاء، متحرّر من تقييدات الأسرة والأمة، وتمييزات الجنوسة، يحكمه قانون التطور الحيوي والتقدم الخطّي، وضمن هذه الثنائية قسم (برغسون) النفس والأخلاق والدين إلى مغلقة ومتفتحة. فالنفس المغلقة محدودة بنطاق مجتمع الانتماء المنظوم بما أسماه (برغسون) الغريزة الاجتماعية والترابط العضوي مماثل للسلوك الحيواني النّوعي، الفرد لا ينفصل عن المجموع، كل منهما يمدّ ويستمد الحياة من الآخر، أما الغاية الأخلاقية نهايتها صغرى؛ تستهدف خير العائلة أو الأمّة(الوطن)، ومهما اتّسع نطاقه، لا يمكنه بلوغ الأخلاق الكاملة؛ لأنها بحسب (برغسون) غايتها النهائية كبرى وهي حبّ الإنسانية.
وبالنسبة إلى (برغسون) النّفس المغلقة لا تعني الانطواء على الذّات والانعزال عن الجماعة بكل أنماطها، فهذه الفردانية المستقلة بشكل مطلق غير موجودة، لأنّ الطبيعة بحسب برغسون خلقت النوع الإنساني على شاكلة النّوع الحيواني، يعمل الفرد داخل النوع لمصلحته وبما ينفع مجتمعه، بحكم الرابط الغريزي البدائي، «فهي –الطبيعة- حين أوجدت النوع الإنساني أثناء التطور، قد أرادته اجتماعيًّا كما أرادت مجتمعات النمل والنحل»[12]، فهذه النفس مغلقة على مصلحتين، فردية واجتماعية(الأسرة، الأمة)، وكلاهما يكمل الآخر فهما غير مستقلّين، ويستحضر (برغسون) المبدأ البراغماتي الذي يقول إنّ المنفعة الشخصية يستتبعها بالضرورة منفعة اجتماعية.
أما النفس المتفتّحة فهي التي بلغت بفعل الوثبة الحيوية (التطور الخلاّق) الحب الإنساني -مركزية الروحانية البرغسونية- غاية الصوفية النهائية، هذا الحب متوجّه بشكل مطلق للإنسانية دون سواها، فالإنسان المتصوّف الحقيقي عند برغسون هو الذي يعمل لخير ومنفعة الإنسانية العالمية والكونية، متجاوزًا الحب المغلق المنحصر في القرابة أو الأمة والوطن، فالحب ليس للإله لأنّه وهم مخترع لا يفي بأي حاجة حيوية أو منفعة إنسانية، بل هو حبّ ضدّها ومعوّق لبلوغها. أما حب الإنسانية فهو التخلّق المطلق الذي يتحلّى به الصوفي الكامل صاحب النفس المتفتّحة، وقد خضع في نشوئه لقانون التطور، بل إنه أرقى وأسمى تقدّم بلغه الإنسان العاقل، فهذا الحبّ ليس فطرة بدائية قبلية ولا غريزة اجتماعية، وإنّما اكتسب أثناء سيرورة التطوّر وصيرورته الصّاعدة، فكان أعظم ثمرات المدنية والحضارة والتقدّم، إنّ هذا الحب؛ «هو ذلك الحب الذي يستغرق النفس كلها، ويبثّ فيها الحرارة. أما الحب الفاتر، الضعيف المتذبذب، فهو شعاع ضئيل من ذلك الحب، أو صورة باهتة باردة له، بقيت في العقل، أو ثبتت في اللغة»[13].
يذهب (برغسون) إلى الاعتقاد أنّ الحبّ لا يمكن أن ينشطر إلى قسمين متعادلين، أو تتعدد موضوعاته دون أن تضعف طاقته وفاعليته، حيث ينفي ويجادل على أنّ اتّساع موضوع الحب لا يستتبعه اتّساع الحبّ، ومنه حبّ الأمة كإلزام أخلاقي اجتماعي تفرضه غريزة الانتماء البدائية، لا يجتمع مع حبّ الإنسانية بالدّرجة نفسها، لأنّ المسألة لا تتعلّق بالمرتبة بل بالطبيعة، فهما نقيضان، وككل نقيضي فإنّهما لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا، فالحب الأول يجسّد الأخلاق المغلقة أو المحددة، والثّاني الأخلاق المفتوحة أو اللاّمحدودة. وقد أوضح (برغسون) ذلك من خلال ثلاث جماعات: الأسرة والأمة (الوطن) والإنسانية، ويجادل على أنّ حب الأولى والثانية لا يقتضيه النّظام والالتئام الاجتماعي فقط، بل لأنّه أساسًا حتمية غريزية بفعل العيش المشترك، أو تشارك نمط حياة اجتماعي (العائلة_الوطن)، والذي يضيّق نطاق الحب فلا يسمح بتعديته لخارج التشارك الغريزي، أي للإنسانية لأن محبتها من نمط مكتسب، وبحسب (برغسون) النمط الغريزي أوثق وأثبت وأدوم، رغم انغلاقه؛ لأنّه يتم مباشرة دون توسّطات، أو اختيار، نوع من الوراثة التلقينية اللاّشعورية، ولا يخضع لأيّ تفضيلات أو انتقائية، وما ينتهي إليه (برغسون)، «أنّ الوضع الذي يقابل هذا الإلزام هو وضع فرد منكفئ على ذاته، ومجتمع منطوٍ على نفسه. والنّفس لكونها في هذه الحال فردية واجتماعية معًا تدور في دائرة، فهي مغلقة»[14]؛ لأنها لم تخرج عن نطاق الانتماء الغريزي، بالتالي الأخلاق التي تجسّدها ناقصة أو بتعبير (برغسون) مغلقة لها نهاية صغرى.
الأخلاق الكاملة، التي جسّدت حب الإنسانية تحلّى بها من أسماهم (برغسون) الشّخصيات الممتازة، وضرب مثلًا بحكماء اليونان وأبطال البوذية، وأنبياء إسرائيل، وهم سابقون على القدّيسين المسيحيين، وهم -الشخصيات الممتازة- مما لا يخلو منه زمن، وهم بمثابة مثال للاقتداء بوصفهم عند (برغسون) نموذج «التخلّق المطلق»، الذي يختلف عن التخلّق الطبيعي الذي يكون فيه الواجب إلزام بدائي غريزي غير اختياري، وهذه هي الأخلاق المغلقة التي تفرضها حتمية تشارك نمط حياة بشكل تفاعلي مباشر في العالم المعيش، سواء أكانت علاقات داخل الأسرة أو الأمة (الوطن)، أما الأخلاق الكاملة التي تحلّت بها الشخصيات الممتازة فلم تكن ضغطًا أو إكراهًا خارجيًّا، بل بحسب (برغسون) هي نداء[15]، غير مقيد أو مشروط بالانتماء، والمعنى يتقاطع مع مفهوم الواجب المطلق أو المنزّه عند (إيمانويل كانط)، ومما يوضح أكثر مقصد (برغسون) من النّداء ما رواه (ابن مسكويه) عن نصائح (أفلاطون) لتلميذه (أرسطوطاليس) منها وصيته: «لا تنتظر لتفعل الخير إلى مُستحقه أن يسألك، بل ابدأه به»[16]. والأخلاق الكاملة التي يقصدها (برغسون) هي الوعي بالمسؤولية تجاه الإنسانية تتجاوز الحدود المغلقة للمجتمع، وغايتها ليس بقاء الفرد أو الجماعة بل النّوع الإنساني.
4. الشخصيات الممتازة الوثَّابة معيار الصوفية الكاملة:
الوثبة الحيوية[17] هي عاطفة متأجّجة، وانفعال حارق إذا استغرقت النّفس مكّنتها دفعة واحدة، دون قطع أي مسافات أو تدرّج مرحلي، من الانتقال إلى الأخلاق الكاملة والانفصال -ليس كليًا- عن الأخلاق المغلقة أو الإلزام الاجتماعي نحو الأخوّة الإنسانية، التي يشترط بلوغها القطيعة مع الطبيعة (الغريزة)، وكأنّها انقلاب عليها عبّر عن هذا الفعل (برغسون) بالغدر، يقول: «إنّ الإنسان يغدر بالطبيعة حين يقلب التّعاون الاجتماعي إلى أخوّة إنسانية»[18]، باعتبار الغريزة الاجتماعية تدفع حب الإنسانية لصالح الحب المنكفئ، والالتزام بواجباتها الطبيعية مانع من تحقق الوثبة الحيوية[19]بما هي قطيعة وتمرّد، واندفاع نحو التطور الخلاّق الذي انبجس في أفعال الشخصيات الممتازة العباقرة والأبطال(الصوفية والقدّيسين والأنبياء)، الذين تمكّنوا من كسر حاجز الإلزام الاجتماعي الذي يحبس النفس في دائرة مغلقة، واقتنصوا فرص الفعل التّحطيمي لكوابح الطبيعة، ولم ينتظروا زوال الحواجز، أو تكسيرها مرحليًّا، بل قاموا بطيّ المسافة، «فلا يمكن أن يقال عن إيمانها إنه يزلزل الجبال؛ لأنها لا ترى ثمة جبالًا يجب أن تُزلزل. ما دُمت تفكّر في الحاجز، فسيبقى حيث هو. ما نسمّيه عادة بمجموعة وسائل إن هو في الواقع إلاّ سلسلة من الحواجز قد انهارت»[20].
إحدى دلالات الوثبة الحيوية اقتناص الفرص، ليس بمعنى الانتظار حتى تُتاح، بل المبادرة بحسب برغسون إلى خلقها؛ لأنها من حيث طبيعتها ليست معطى أو هبة، وإنما تكتسب عبر تحرر النفس من سكون الأخلاق المغلقة(الإلزام الاجتماعي) إلى التفتّح على الإنسانية والكون، «ليس عجيبًا من نفس عُبِّئت على هذه الصورة أن تميل إلى التعاطف مع النفوس الأخرى، لا بل مع الطبيعة كلّها»[21]. وبحسب (برغسون) تقدّم النوع الإنساني على الطبيعة كان بخداعها[22]، فكل تطور تقدّمي بمثابة تحطيم لجزء أو أجزاء من البنية الأصلية.
والتصوف المطلق أو الكامل هو إحدى تجلّيات مقاومة أو -بتعبير برغسون- خداع الطبيعة، وليّ أي مقاومة، بل يعدّ أسمى مقاومات الوثبة الحيوية النّادرة للطبيعة، فأصحابها قلّة استجابت للنّداء ولم تنتظر زوال عقبات الطبيعة للفعل المبدع، بل بادرت لخلقه، فهي قفزة نوعية فوق النوع الإنساني الذي أوجدته الطبيعة، أو كما يصطلح عليه في الفلسفة المعاصرة «الإنسانية الفائقة»، ولا تختلف صفات المتصوّف الوثّاب عن الإنسان الأعلى (السوبرمان) عند نيتشة. كما تتقاطع البرغسونية في بعض معاني التصوف مع مفهومه في التراثيات الشرقية الأصيلة، من كونه خاصًا بصفوة لا يرقى إليه الجميع، ويطلق عيها برغسون اسم الشخصيات الممتازة.
وندرة الصوفية الكاملة ليس لكون التصوف طارئًا عارضًا، بل يعود لطبيعة جوهره[23]، وقد سبق برغسون المابعد-حداثيين غي الإشارة إلى إمكانية الانتقال إلى ما بعد أو ما فوق الإنسان، لكن بحسب برغسون، إذا تحقّقت الصوفية الكاملة، وتمكّن جميع الناس من الارتقاء العروجي إلى مستوى النفس المتفتّحة على حب الإنسانية، لكن توقّف مسار التطور عند نوعنا الإنساني كما هو عليه في الواقع حال دون ذلك، فالطبيعة خلقت عقبات ملازمة له لا يقدر على تحطيمها إلاّ الشخصيات الممتازة التي تغلّبت على مشاغل العقل الأنانية. إن الشخصيات الممتازة التي تمثّل نموذج النّفس المتفتّحة على حب الإنسانية تتجاوز تحيّزات الانتماء المغلق، ولا تتوقف عند الإنسان فقط، بل تمتدّ إلى جميع ما سواه من كائنات، نحو الطّبيعة بكل موجوداتها، وهذه المحبة لا تزول بزوال الموضوعات، فهي مستقلّة عنها. وفق ما يراه برغسون المسلك إلى حبّ الإنسانية ليس فرديًّا، دون وسائط، بل بحاجة إلى قدوات واقعية أو تاريخية يُهتدى بها، باعتبار النّصح غير كافٍ ما لم يقترن بنماذج فاعلة عمليًّا، تشحذ الفعل الإرادي وتنقله من مستوى التّقرير إلى التّنفيذ؛ «حب الإنسانية عامل غير مكتف بذاته»[24].
وهنا مسألة بالغة الأهميّة، تجريد النصيحة من النماذج الإرشادية التّاريخية بحسب برغسون مانع من تحقق حبّ الإنسانية، وقد أسماهم «الشخصيات الممتازة»، ويمكن اعتبارهم حوامل أو نواقل لازمنية وغير مقيّدة بالشرطية التاريخية التي أتاحت تمكين حبّ الإنسانية كفعالية عملية، فدور هؤلاء بالنسبة إلى برغسون عابر ومتجاوز، وأثرهم ممتد زمنيًا، دونهم يغدو حبّ الإنسانية تجريدًا محضًا أو يوتوبيًّا، وبما أنّ هذه الأخلاق -حب الإنسانية- مكتسبة، فإنها بحسب برغسون تُلقّن عبر التّمثيل النّظري(الفكرة) والامتثال العملي(القدوة)، فالفكرة أو التوجيه إلى الماينبغي(حب الإنسانية) استنادًا على نموذج تطبيقي تاريخي أو واقعي، يثبت فعالية الأخلاق المفتوحة وسمو درجتها على الأخلاق المغلقة، كما يؤكد إمكانية التحقق؛ لأنّ النّصيحة غير المؤيّدة بأدلّة تجريبية تفقد مشروعيتها ودورها الاستقطابي نحو الفعل.
وفقًا لتصوّر برغسون، مهما يكن من أمر، فلسنا نبلغ إلى حب الغير، بالنّصح والموعظة. وعبثًا يحاول العقل أن يقنع ذاته بالطريق التي ينبغي سلوكها، فإن الأمور تجري على غير ما يرسم هو[25]، وهنا يؤكد برغسون على الجانب العملي للصوفية، وينفي عنها التأمل، لأنّ الشخصيات الممتازة عبر التاريخ كانت شخصيات عملية لا تأمّلية، أقطاب فاعلة بالعمل المشهود والأثر الرّاسخ، أحدثت تغييرات في الواقع، وتجاوزت السّكونية الغريزية وحطّمت روابطها المغلقة، وهم ليسوا من مخترعات الملكة الخرافية أو شخصيات أسطورية متخيّلة، بل حقيقة، هؤلاء يمثلون البطولة الفعلية، التي لا يمكن أن تُدرك إلّا بنماذج عملية للتمثيل والتدليل، فالخطب والمواعظ الحماسية النظرية المجرّدة تهزّ النّفس، وقد تحرك فيها الرغبة في حب الإنسانية وخدمتها، إلاّ أنها دون قدوة تغدو البطولة تأمّلات لا تتجاوز الألسن وسرعان ما يتلاشى تأثيرها الانفعالي بزوال المؤثّر، وهذه مسألة بالغة الأهمية، فالحجج العقلية والبراهين المنطقية قد لا تقنع في غياب نماذج تأثيرية واقعية أو تاريخية.
يجادل برغسون حول ضرورة المرور بالبطولة حتى نصل إلى الحب؛ والبطولة لا يُوعظ بها وعظًا، وليس عليها إلّا أن تظهر على المسرح حتى تهزّ الناس، وتبعث فيهم الحركة[26]. إنّ ربط البطولة بنماذج عملية تاريخية أو متزامنة (راهنة) بالنسبة إلى برغسون، ضامن لفعالية حبّ الإنسانية، وتأكيد تجريبي لصلاحية الاهتداء بالقدوة، كما أنها تحمي من التشتّت بين طرق ومسالك نظرية احتمالية، من جهة أخرى، كثير من الناس يخافون سلوك طُرقٍ غير مُجرَّبة، ويعدّونها مغامرة أو مخاطرة، فيميلون إلى المألوف المتواتر، بالإضافة إلى أنّ «ما هو بسيط في نظر العقل قد لا يكون بسيطًا في نظر الإرادة؛ وقد يحكم المنطق أن هذا الطريق هو أقصر الطرق، حتى إذا أتت التجربة وجدنا أن ليس في هذا الاتجاه طريق»[27].
الصوفيون المسيحيون عند برغسون هم النموذج المعياري الأمثل للصّوفية الكاملة والتخلّق المطلق والنفس المتفتّحة[28]، أو كما نعتهم بالشخصيات الممتازة -يقابلها في التصوف الإسلامي «الإنسان الكامل»، و»تشان جان» في الملّة الصينية القديمة، و»الآتمان» في الهندوسية- المستقلة عن التصنيف اللّاهوتي، والتقييدات التمييزية (الطبقة، الجنس، الأمة)، منفتحة على حب الإنسانية، لذا نالوا استحقاق المعيارية الاقتدائية اللاّزمنية؛ لأنهم جسّدوا الوثبة الحيوية في الواقع وحطّموا قيد الانكفاء الغريزي (الفردي/الاجتماعي). الشخصيات الممتازة تمثّل عند برغسون منحى المسار الثاني من التطور، وهو التطور الوثَّاب، تمييزًا له عن النكوصي(الرّجعي)؛ لأنّ التطور البرغسوني أخذ مسارين، أحدهما سكوني والآخر حركي، والذي يعبَّر عنه بالتقدّم الصاعد الذي أفرز الحضارة والمدنية، والصوفية أو كما نعتها برغسون الدين الحركي.
5. الحدس الصوفي لمقاومة اختلال العقل:
العقل بالنسبة إلى برغسون ليس كما تصوره ديكارت طبيعتُه الجوهرية الكمال، بل هو مصدر الاختلال والاضطراب، لأنّه رُكّب على الإيثار النفسي، وهذه الرغبة الأنانية خصّيصة بالكائن العاقل وحده دون الحيوانات، فهي بحسب برغسون غير أنانية، بل تعمل التزامًا بالرابطة الغريزية، أما الإنسان العاقل فيفكّر في مصلحته دون الجماعة، مما يؤدّي إلى اختلال التضامن الاجتماعي، ويمنع تحقّق حب الإنسانية، أو الانتقال من الفردية الشخصية إلى الغيرية، ولأنّ العقل يحرّض على الأنانية، فلا يمكن أن يكون منهجًا للوصول إلى الحب الأسمى، حب الإنسانية بما هو تفتّح ضدّ الأنانية[29].
ومفهوم العقل في الفلسفة البرغسونية لا يخرج عن الفلسفات الغربية الحديثة، ويُستخدم بمعنى الفكر الاستدلالي، كما ترفض العقل الفوقي العُلوي المفارق، رغم أن الحدس البرغسوني فوق عقلي إلّا أنّ الفوقية هنا في الميدان السفلي الدنيوي لا تعلوه، لأن الحدس نازل وأفقي من الإنسان إلى الإنساني مصدرًا وغاية، فهو ملكة نشوئية تشكّلت خلال نمو العقل، ثم انفصلت عنه بعد ارتباطها بالوثبة الحيوية. الحدس البرغسوني ليس إلهامًا إلهيًّا، بل منهج فلسفي مُعدٌّ مسبقًا يحدّد الهدف والغاية، كما لا يعني المعرفة المباشرة غير الاستدلالية الناتجة عن جهد السّير الإسرائي(الأرضي) والصّعود المعراجي (السّمائي) والتي تحصل للصّوفي وهبيا، بل بحسب الفلسفة البرغسونية المبَاشَرة الحدسية هي أعلى درجة للتطور المبدع الخلاّق، تحصل بواسطة الوثبة الحيوية، بالتالي المعرفة الصادرة ليست وهبًا عُلويًا، بل إلهامًا ذاتيًّا داخليًّا من طبيعة نفسية.
نقد الفلسفة البرغسونية للعقل لا يتناول طبيعته ومراتبه، بل يرفض تفوّقه بالمفهوم الديكارتي، ويناقش قصوره وعجزه عن إدراك عالم الديمومة (الوعي الزّمني)، فالعقل جزء ومظهر من الحياة ولا يمكنه الإحاطة بها، لأنها تيار متدفّق لا يكفّ عن التطور والعقل في حدّ ذاته بالنسبة إلى برغسون هو إحدى نواتجه، لكنه لا يعبر عن التطور الكامل أو الخاتم، فالتقدّم ما يزال صاعدًا نحو استكمال خلق النوع الإنساني الكامل، أما هيئة الكائن العاقل التطوّرية التي وقفت عندها الطبيعة، «فالعقل يأتي بالاضطراب والخلل، والأديان تأتي بالتهدئة»[30]، وهي في حدّ ذاتها بالمنظور البرغسوني إحدى تجلّيات ذلك الاختلال، فاختراع الخرافات (الأديان) كان معطّلًا لاستكمال خلق النوع الإنساني. ونظرًا لقصور العقل عن بلوغ الصّوفية الكاملة يضع برغسون بديلًا هو الحدس كأسمى طريق يصل بالنفس إلى الحب الأسمى حيث تتّحد الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية، والحدس هنا إلهام بشري، وثبة معرفية، والكشف هنا بالمفهوم البرغسوني حصول الإبداع أو التطور الخلّاق فجأة بطيّ المسافات (العقبات والحواجز).
ثانيًا: مقاربة نقدية للصّوفية البرغسونية العلمانية في ضوء الفلسفة الإسلامية: (نقد الغاية والمفهوم).
الروحانية البرغسونية تأصيل للعلمانية في الميدان الروحاني، فالروحانية تعني حب الإنسانية وهي الغاية، المتجاوز للتقييدات والتمييزات والحصر الديني(ويقصد السكوني)، وما أسماه الدين الحركي هو ضدّ الدين، فالمصدر والمنبع والغاية إنسانية، فالأجدر تسميته الإنسانوية الدينية، لأنّ موضوع الروحانية فيه ليس الله ولا الحقيقة الأزلية، بل استكمال تطوير النوع الإنساني حتى يصل إلى درجة الكمال المطلق، فالشخصيات الممتازة التي تمثل نموذج التخلّق المطلق أو الروحانية الكاملة هم كذلك لأنهم ارتقوا إلى الحب السامي والنقي، وهو حب الإنسانية وليس حب الله، وحتى هذا الحب في الروحانية البرغسونية هو طريق لحب الإنسانية التي تبقى هي الغاية الكبرى والنهائية من الجهد الروحاني الوثّاب، الحب الإنساني هو الحب الأسمى وليس الحب الإلهي، فهو يندرج ضمن مجموع الحب الكلي لكل الكائنات باعتباره جزء متضمنًا لا قيمة له في ذاته إلاّ بمقدار ما يضيفه للحب الإنساني، وليس كلًّا جامعًا كما في الروحانية الإسلامية، ثم إن الحب الإلهي كما يتصوره برغسون هو في النهاية حب للإنسانية ذاتها، باعتبار غاية الجهد الصوفي ليس التشبّه بالإله بل التألّه، حيث يصبح الإنسان قدِّيسًا؛ أي إلها، والألوهية هنا هي القدرة على تغيير مسار الطبيعة لخدمة النوع الإنساني واستكمال الخلق نحو الكمال الإنساني بتحطيم نهائي لعقبات الطبيعة، فيغدو الفعل الإنساني هو الذي يحدد ويوجّه الطبيعة حتى يزيلها ويتحقّق التطور المبدع الكامل. غاية الروحانية البرغسونية المعرفة الإنسانية الدنيوية وليس المعرفة فوق البشرية أو الميتافيزيقية، فموضوعها المركزي الإنسان وليس الله.
1. الحكمة المتعالية الصدرائية(صدر الدين محمد الشّيرازي):
أ. احتباس النفس في الدنيا والمرتبة السفلى مُعوّق النفس عن الاتصال بالروحانية الإلهية:
الروحانية البرغسونية ومصفوفتها المفاهيمية المركزية (الوثبة الحيوية، الحدس الغريزي، التطور الخلاق، الديمومة) تُحيل إلى الاستقرار في ميدان التغيّرات والتكثّرات، وعالم الأشكال والعوارض، مما يحرمها من الاتصال بأيّ مقام عُلوِي، لأنّها فقدت بوصلة الهداية العقلية التي تجعل الوعي والإحساس بالمتعالي ممكنًا، فتظلّ عالقة في السجّين السّفلي للكهف الكوني. الصوفية البرغسونية استنادًا على فلسفة الحكمة المتعالية الصدرائية تحتبس النّفس في الدنيا والمرتبة السفلى، فالجهد الروحي يتغيّا التّحقق الإنساني بالمطالب الدنيوية الصرفة، رغم محاولة البرغسونية وضع سبل التحرر من الذاتية سواء الإنّيّة الفردية أو الاجتماعية للانفتاح على الإنسانية الكلية، إلاّ أنها مسالك من نمط مادي؛ لأنّه وفق الملاّ صدر الدين محمد الشّيرازي، «متى كان الأصل مجهولًا، كان الفرع أحرى بأن يكون مجهولًا»[31]، فالأصل المبدأ؛ مركزية الحب الإلهي، أما حب الإنسانية -أو بالتعبير السّينائي الجرم الأصغر- والطبيعة(الكون الأكبر)، التي اعتبرها برغسون غاية الروحانية الكاملة أو كما اصطلح عليها؛ النهاية الكبرى، هذا الحب في الروحانية الإسلامية ليست ذاتية مستقلة، فكلّ فعل نهايته الكبرى بلوغ الحب الإلهي علمًا واتّصافًا، ولا عمل دون علم، وهو درجات ومقامات سلّمية إسراءً وعُروجًا، يُحجَبُ عن النّفس المحتبسة في السجن الدنيوي والمرتبة السُّفلى، فتُحرم عن الارتقاء إلى العالم العلوي إلّا «إذا بلغت إلى القوة الملكوتيّة، يحصل لها الانطلاق الكلي والحرية الصّرفة بسبب قوة كمالها واستقلالها في السياحة والطيران في فضاء الملك والملكوت ورؤية آيات الربّ تعالى في الآفاق والأنفس، والوصول إلى المقامات والدرجات المُلكِيَة والملَكُوتِيّة الحاصلة لقبائل من عالم الباطن والغيب»[32]، والقوة الملكوتية مرادفة للملكة المعراجية أو العقل المستبصر، أو العقل العرفاني أو العقل الحكمي، ولأنّ الروحانية العلمانية منحصرة في الميدان السفلي الأرضي لا تدرك من العقل إلاّ مرتبته الأدنى، بالتالي جاهلة لمراتبه العُلوية أو المعراجية التي تختصّ بإدراك “العالم الغيبي/الملكوتي”، والبحث فيه ليس عِلِّيًّا بل غائيًّا؛ لأنّ الكيف الغيبي سرّ إلهي وغيب مطلق، ممتنع الإحاطة الكلية، ومن سعى إلى التفكّر في الذّات دون التجلّيات، سار إلى طريق الإلحاد إما في الأسماء أو الصفات أو الأفعال؛ [ليس كمثله شيء]، لذلك لا يُعرَّف إلّا بما أخبر عنه وبما عرَّف به نفسه عن طريق الوحي الإلهي، الحق تعالى منزّه عن التعريف، «فلا مُعرّف له ولا كاشف له إلّا هو، ولا برهان عليه إلّا ذاته»[33]، وما علم العارف به إلّا تشبيهًا واستعارة، وعليه، القوة الملكوتية وإن كانت توقيفية لا تُدرك إلّا التجلّيات والحكمة التّدبيرية والقيّومية.
بالإضافة إلى ما سبق «القوة الملكوتية» التي لا تُؤتى كسبًا وليست مشتركة، بل وهب إلهي في عرش العقل(القلب العاقل)، بفعل المجاهدات الباطنية الكبرى للانعتاق من عالم الأشكال وميدان التكثّرات، التي تتيح للسّالك رؤية العالم العُلوي بالمشاهدة القلبية، ومنه الاتصال بالوحدة المبدئية اللاّمتناهية والجامعة للكل الكوني الأكبر والأصغر، حيث يعد مقام الاستقرار في الحضرة الإلهية أسمى مرتبة مَلكُوتِية، عند بلوغها يتوقّف التّيهان الأزواجي بين الثّنائيات، وهو ما يسمى في العرفان الإسلامي على اختلاف مدارسه «الفتح الأكبر»، هو علوّ الإنسان على الإنّية بمختلف أشكالها وأنواعها وتجلّياتها الفردية (الشخصية، العرقية، الثّقافية، الوطنية...)، والانتقال من الهوية السفلية الأرضية المقيّدة إلى الهوية العلوية اللاّمشروطة، فالحرية بالمفهوم الصّدرائي هي تحرير النفس من النّفس، أو الأنا من الأنا، فهذا العلّو لا يضفى على الإنسان أيّ مركزية وجودية بمنظور الروحانية العلمانية، أما نسبة العلوّ للإنسان فهي نسبة إضافة أو تشبيه وليست ذاتية.
فالحرية الصّرفة التي يقصدها الشّيرازي تقف نقيضًا من الحرية البرغسونية بما هي تحرّر تطوري من الطبيعة وتقدّمٌ صاعد، والحرية الكاملة هي التغلّب التام على الطبيعة وكسر كل عقباتها ليس للعروج العلوي بل لتمكين الإنسان الأرضي، فالإبداعات والاكتشافات هي لاستكمال الخلق وليست فعلًا استخلافيًّا. أما الحرية الصّدرائية هي تحرّر وتجاوز من درجة الطبيعة والنبات والحيوان القيود الثلاث الأرضية نحو فضاء الملكوت الأعلى لتأمّل ومشاهدة عالم القدس، فالحركة هنا عُروج، أما الحركة البرغسونية نزول إلى عالم الأدناس، بالتالي ممنوعة عن استكمال ما يحقق الكمال الحقيقي وهو المشاهدة الملكوتية، حضور مُستدام بالحق ومع الحق وللحق في كل آن وحين، السكن الدائم بلا انقطاع في الحضرة الإلهية، حيث تنحجب عن كل الأغيار لبلوغ المطالب العالية، بما فيها الأنا نفسها، فالأنا الغائبة فانية باقية في الحضرة الإلهية، فالفناء هنا إفراغ الأنا من الأنا، وهو ما يسمى بمقام «الفراغ» أو «التّخلية»، التحرر من كل التعلّقات؛ ووعي بالافتقار الوجودي.
وبالنسبة إلى الشّيرازي الحرية الحقيقية هي القدرة على رؤية الآيات الآفاقية، وفي سياق توضيحي نسوق شرح الأمير عبد القادر الجزائري، حيث يقول تعالى في الآية: 53 من سورة فصِّلت: ﴿سَنُريِهِم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفسهم﴾، فآيات الآفاق هو كل كون خرج عن الإنسان في العالم الأعلى والأسفل، وآيات الأنفس هو ما دخل في الإنسان من الحقائق الكونية المستندة إلى الحقائق الإلهية حتى يتبيّن لهم أي للذين أراهم الله آيات الآفاق والأنفس أن ما رأوه في الآفاق والأنفس الحق الظاهر المتعيّن في الآفاق والأنفس لا بحلول ولا اتحاد ولا بشيء مما تحيله العقول السليمة، وإنما ذلك كظهور المعاني بالألفاظ وكظهور الظلّ عن ذي الظلّ، لأنّ التجلّي موضوع للرؤية؛ ولذا قال[سنريهم] وقد فعل وليس ذلك إلاّ بتجلّيه في الآفاق والأنفس، وليس تجليه في الآفاق بمغاير لتجلّيه في الأنفس وإنما ذلك بمثابة المفصّل من المجمل وما ظهر بالحقيقة الإنسانية التي هي عبارة عن الصورة الرحمانية، الآفاق والأنفس الظاهرة آيات ودلالات على ما في الحضرة الإلهية من حقائق[34]، فهذه دلالة على أنّ للإنسان في جوهره الأصلي استعداد الارتقاء إلى العالم الأعلى وحضور المقرّبين والقُعُودُ في مقعدِ صِدْقٍ مع الملائكة والنبيّين والشهداء والصالحين. وذلك إذا سلك سبيل الله واستقام على الصراط المستقيم[35]. وعليه، بالنسبة إلى الشيرازي كتاب النفس دلالة على كتاب الله لمعرفة الخلافة الإلهية في العالم الأرضي، وللإبانة عن ماهية الغاية النهائية للإنسان، التي ترتبط «بمعرفة المبدأ، وهو لكل شيء عين الغاية له في الحقيقة»[36].
ب. الإنسان الكامل والعُقَد الحَاجِبة:
الغاية النهائية الكبرى في الروحانية البرغسونية مادية، وهي استكمال خلق النوع الإنساني، الذي لا يخرج عن التقدمية الحداثية، تحسين النوع أخلاقيًا (بالمفهوم البراغماتي)، وجسميًّا عبر الصناعة(التّقانة)، فالإنسان الكامل هو الذي يحقّق الحلم الديكارتي؛ السيادة الكاملة على الطبيعة وامتلاكها، حيث تزول كل العقبات التي تَعُوق النّفس لتحقيق التطور المادي الكامل، وعليه فإنّ غاية الروحانية مادية، من هنا يظهر واضحًا التآزر بين المادية والروحانية، فالأولى هي الغاية والثّانية وسيلة، حيث يقلب الترتيب السوي، ويبقى الأدنى تابعًا لا حاكمًا، مما يبقي النّفس في السجّين السّفلي عاجزة عن الخلاص والانعتاق من أنشوطة المادية؛ لأنّ الروحانية البرغسونية هي نمط من الصوفية العلمانية تأسست وأسست لمركزية الإنساني في الميدان الروحاني، فهي جاهلة بما يُتوسَّل إلى معرفة الآفاق والأنفس المسالك الهادية للروحانية أو الحكمة المتعالية، لأنّ كتاب النفس دلالة على كتاب الله، تمكّن من الإبانة عن ماهية الغاية النهائية للإنسان وهي معرفة الخلافة الإلهية في العالم الأرضي علمًا وعملًا، تحقّقًا واتّصافًا.
عندما يعرف الإنسان نفسه في الجوهر العميق لحقيقة ذاته، أي في مركز ذاته، عندئذ يعرف ربّه[37]؛ وبمعرفة ربّه، يعرف في الوقت نفسه جميع الأشياء التي منه تصدر وإليه ترجع. إنّه يعرف كلّ الأشياء في الوحدة العليا للمبدأ الحق الذي «لا يوجد شيء على الإطلاق خارج عنه»[38]. لأنّ الحضور الإلهي تستلزمه الوحدة مع المبدأ، التي لا يمكن حصولها إلّا في مركز الكائن[39]، أما الروحانية البرغسونية تُبعِد شخصية الصّوفي عن مقام الاستقرار في الوسط الثابت للحضرة الإلهية أي في المبدأ؛ ليس لها إحداثيات أو نقطة ارتكاز، حيث تتساوى جميع القيم، في غياب كلي وإنكار للمرجعية الأصولية العلوية التراثية المقدسة، التي تستمد منها المبادئ «فوق البشرية»، فالجهد الصوفي هو ديمومة غير مستقرّة، حركة نحو اللّااستقرار الدائم، ولا يسعى إلى الثبات؛ مما يجعله جهدًا متفلّتًا لا يحمل أي غائية تقويمية أو إصلاحية داخلية(النفس) أو خارجية.
وعليه، سبب تعوّق النفس عن الانتقال من النفس المغلقة إلى النفس المتفتّحة، أو وفق المصطلح الإسلامي من النفس الدّسيسة(الأمّارة بالسوء) إلى النفس التّقوية ومراتبها السلّمية (الدرجات والمقامات)، وهذا الاحتباس السّفلي الذي يعد في الفلسفة الصّدرائية معوّقًا لتحقق النّفس بالمقام الإحساني هو في نظر البرغسونية مبتغى الصوفية؛ لأنها ترفض الماهيات الأزلية وكل مبدأ أعلى من قانون التطور، ومن يستقر في التغير محروم من بلوغ النهاية الكبرى؛ الاستقرار في الوسط الثابت أو الحضرة الإلهية، وهنا يكمن تعارض النهاية الكبرى بين البرغسونية التي تراها في حب الإنسانية وفلسفة الحكمة المتعالية الصّدرائية، رغم أنّ برغسون يستخدم بعض ألفاظ الصّوفية إلاّ أنه يُسبغ معاني نقيضة أو عكسية.
وبتنزيل الحكمة المتعالية الصدرائية على مفهوم التوحيد البرغسوني، فلا مجال لأي تقاطع أو تشارك أو حتى إمكانية تقارب، بالنسبة إلى برغسون تعوّق النفس أو انغلاقها مردّه غريزة التوحيد الاجتماعية التي تحول دون توحيد الإنسانوية، فالتوحيد هنا دائرة مغلقة حول الإنساني، وكأنّ برغسون يقسمه أيضًا ضمن نظرية المغلق والمفتوح -وإن لم يصرّح -إلى توحيد مغلق وتوحيد متفتّح، موضوع الأول الفردية أو الاجتماعية أو هما معًا، أما الثاني الإنسانية هي الموضوع، بالتالي كلاهما يخرج الإلهي من دائرة التّوحيد، وهذا -استنادا على الفلسفة الصدرائية- يفسّر جهل البرغسونية «الأصل الأول وهو علم التّوحيد؛ وهو إنما ينشأ من الجهل بحال مبدأ الموجودات ومعادها»[40]، المبدأ، الجذر، الأصل، ألفاظ جذرها اللغوي يحيل إلى معنى البداية الأولى، التي يُنطلق منها لبناء الأحكام، التصورات، الرؤية للعالم، فلكل شيء بداية، أي مبدأ، مما ينفي الاستقلالية والانفصالية، كل ما في دار الوجود موصول متّصل، لا وجود لنظام كوني ذاتيّ التسيير.
المبادئ تمثل المرجعية الأصولية القائمة على الإجماع، وإليها تردّ كل كينونات دار الوجود الأرضي، فكل أعيان العالم الأكبر أو الأصغر في العالم الملكي لها مبدؤها الكلّي في العالم الملكوتي، فالمرجعية الأصولية هي القادرة على تحقيق الوحدة الحقيقية وإزالة فوضى التشتّت نتيجة فقدان المركز الكلّي الجامع وتكثّر المراكز السّفلية. المبدأ في كل مرتبة وجودية لها تطبيقات وتعيّنات في دار الوجود الأرضي، وفي العالم الحسي؛ لذا التطبيقات هي دائمًا في علاقتها بالمبادئ متفاوتة قرًبا وبعدًا، ولا ينبغي أن يفهم من هذا نسبية المبادئ؛ فهي كلية صادقة بذاتها، دون توسّطات باعتبارها حقائق أزلية، موجودة في العلم الإلهي القديم فهي قديمة، أما وجودها العيني بالنسبة إلى ذاتها، حادث بحدوث العالم؛ لأن كل ما دخل الوجود الظاهر يصبح مقيّدًا، وتصبح هذه المبادئ بتعيّنها في مجلى الظهور الكوني كالمعرفة بالنسبة للحقيقة في الميدان الميتافيزيقي، فالمبادئ من مظاهر اللاّمتناهي أًيضا، يُستند عليها ويُستدلُّ بها، يُسلَّم بها ولا يُبرهنُ عليها ككل ما هو من نمط علوي مفارق فوق بشري، «وبالجملة، معرفة المبدأ والمعاد والعلم بما يؤول إليه نفوس العباد من أهمّ المقاصد وأرفع المآرب، والعلم بالغاية إنّما ينوط بالعلم بالمبدأ؛ فمن عرف أنّ مجيئه من أين، يعرف أنّ ذهابه إلى أين»[41].
ولا نجاة للنفس عند الشّيرازي إلاّ بعلم التوحيد، في العلم الذي هو فرض عين الإنسان ولا بدّ لوجوده البقائي من تعلّمه؛ وهو العلم اليقيني بلقاء الله ووحدانيّته وصفاته وأفعاله، ثمّ معرفة العالم الإنساني وكيفية نشأته الأولى والثانية. وكل من جهل هذين العلمين، فهو ناقص في قوام وجوده وكمال حقيقته وإن أحكم سائر العلوم[42]، العلم بالتوحيد يهدم كل الولاءات الدنيوية الانقسامية، نحو الولاء العلوي المقدّس، المبدأ الكلّي الجامع الموحّد لكلّ ما في مجلى الظّهور الكوني، بل هو الجوهر الحقيقي الوحيد لكل وجود موجود، كل ما في العالم واحد نابع من الواحد وعائد إلى الواحد، أما الكثرة ليست إلاّ انعكاسًا وظلًّا له، إذ لا تعدد في المبادئ الحقة، كما يتضمّن التوحيد في جوهره التعالي على كل أشكال التّوثين البشري والتشتّت الأصولي، وفوضى المرجعيات الهشّة بما هي كثرة، وهذا الاستبعاد للكثرة يسمو بكل ما في دار الوجود الأرضي نحو المبدأ الواحد علة الوجود والمركز الأعلى الجامع.
بحسب (السيد حسين نصر)، الإسلام يعتبر أن خطيئة الإنسان الأساس هي «الغفلة» عن نفسه، رغم اشتماله على الفطرة، أو الطبيعة البدئية، في داخله. والفطرة هي مورد الخطاب الإلهي إلى الإنسان[43] ﴿فَأَقمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيفًا فِطْرةَ الله التيِ فَطَرَ النَّاسَ عَليها لاَ تَبْدِيلَ لخلقِ الله ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكثر النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾(الروم:30)]، وهي القابلية المتجلّية في حرية الاختيار، بين التزام الأمر الإلهي أو الإعراض عنه، والإمكانيتين تجسّدتا في العهد الآدمي الأول قبل الهبوط الدوري، ومبدأ الوحدة الجامعة المتصرّفة في الكون، يُحتاج تحقق الاستقامة به تصوّرًا وفعلًا، اتّباع نظام الهداية العُلوي كما بلّغه الأنبياء والرسل وورثة الإمامة الروحية، باعتبارهم وسائط المعيارية المحدّدة لكل ما ينبغي أن يكون في العالم الأصغر والأكبر، كل بحسب الوُسع بما زُوّد به من قابليات الفعل، إضافة إلى منظومة المسنودات الثقافية والحضارية الصّاقلة والمهذّبة للفطرة، وبالتالي إمكانية تقويم اعوجاجها وإعادتها إلى طريق الرشاد وسواء السّبيل؛ لأنّه كما يقول الملاّ صدرا الشّيرازي، «الصورة الإنسانية مرفوعة إلى جهة العلو مكرّمة مطهّرة عن أرجاس العنصريّات وأرواث الدواب ونجاساتها. فيها دلائل واضحة على كرامة نفس كاتبها وشهادة المقرّبين على منزلتها عند الحق وعالم ملكوته الأعلى بحسب هذه الفطرة ﴿كلاَّ إنَّ كتاب الأبرار لفي علّيّين(18) وما أدراك ما علّيّون(19) كتاب مرقوم(20) يشهده المقربون(21)﴾(المطفّفين)»[44].
والاحتباس الدنيوي بحسب الملاّ صدر الدين محمد الشّيرازي؛ هي الاحتجاب بالأغشية والظلمات والانسداد بالأغلال البصرية والسمعية والقلبية، وهذه عقدٌ ثلاث من علامات أهل الجحيم والعذاب، الأولى عقدة العمى في الأعين عن مشاهدة آيات الله وقراءة كتاب الآفاق والأنفس[45]، والعمى هنا ليس بصريًا حسيًّا بل بصيريًا، وهو العجز عن الانتقال من الرؤية القشرية المنزلقة على السطح الظّاهرة لا تغادره، لأنّ الولوج للباطن مستلزم للرؤية بنور الإلهام الربّاني، وهو لا يُؤتى إلّا بإعمال النّظر الحِكَمِي في الرقّ المنشور أو الكتاب التّكويني المبثوث في الكون الآفاقي أو العالم الأكبر، بتدبّر موجوداته (الجماد والنبات والحيوان) لمعرفة الحكمة من خلقها، وإدراك طبيعة علاقتها بالإنسان، بغية فهم التكامل الوجودي البرزخي، والتناسب بين عالم الإنسان والعالم الأكبر(الطبيعة/الكون)، ومنه معرفة حقيقة ووظيفة وغاية الإنسان في سلم مراتب الوجود المتعددة، باعتبار التّكريم ليس استعلاءً بل تكليفًا، وفي القرآن استدعاء متعدد المقاصد يؤكّد ذلك، منها تشبيه ضلال الإنسان بالأنعام، بل بما هو أدنى منها، إلّا أن القصد ليس ترذيل المرتبة الحيوانية في ذاتها، «فإنّ المذموم من الحيوانات ليس ما هو بهيمة بحسب الصورة والهيئة، بل إنّما المذموم من هو بهيمة في صورة الإنسان: ﴿إن هُمْ كالأَنْعَامِ بَلْ هُم أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان:44)»[46].
أما العقدة الثانية التي تبقي النفس محتجزة ومحتبسة في السجِّين الدنيوي السّفلي وفق الملّا صدر الدين محمد الشّيرازي؛ هي «عقدة الصّمم في الآذان عن استماع البيان والبرهان وقبول المواعظ والنّصائح»[47]، وهذا الصّمم طواعية عن جهل متعدد الأوجه، وقد خُتِم على القلب وأُغفِل فلا تكفيه مِداد الحجج وإن بان الحقّ ظاهرًا بقوة الواقع، وكل نصحٍ أو وعظٍ تواصيًا بالحقّ في إطار الحسبة الفكرية يفسّره وصاية تحتكر الحقيقة، أما «العقدة الثالثة الجهل والنّسيان على القلوب ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها﴾(الأعراف:179)»[48]، والغفلة كما يدل عليها معناها اللغوي تفيد السّهو والنسيان، وقد يكون عامدًا أو غير مقصود، أما دورة كالي-يوغا العالم الحديث، المنظور الغافل نزوع إرادي، أو عبودية اختيارية لكل ما هو دنيوي سفلي، على أن لا يُفهم الدنيوي بوصفه محض مرذول ومنبوذ في ذاته، إنّ الدنيا إما مطية للآخرة فتحمل هنا معنى دنيّة، أي القرب من الإلهي ومبادئ الشرائع الربانية، هذه هي الحياة اليقظة أو الكيِّسة، وإما قاطعة مع النظام الإلهي وهنا تعني الدُّونية، من الدناءة. فالجهل والنسيان هو حجاب الغفلة أشدّها تعويقًا للنّفس عن العُروج نحو إنزالها إلى أسفل السّافلين، لأنّه يُجهِّلُها بالمبدأ والمعاد والغاية النهائية للإنسان، وحين تهيمن الغفلة على الوسط الدنيوي النتيجة الحتمية استتار الحكمة وانسداد مسالك النّفوذ إليها؛ لأنّ الغفلة والحكمة لا يجتمعان في وسط واحد، إذا تغلّب أحدهما ينحصر الآخر، يضمر أو يتزمّل، وبالنظر إلى الوسط الدنيوي الحديث والمعاصر، سلطة الغفلة غالبة، مما صحبها نزع البركة والنّعمة الإلهية، وتحوُّل الحياة إلى ضنك من كل الأوجه وعلى مستوى غالبية النشاط الإنساني بمختلف أشكاله، لاسيّما والعقول الابتذالية تتكاثر بوفرة فائضة، أما الصفوة العلمائية الحكيمة تناقصت بشكل رهيب، وإن وجدت فنادرة ومستترة عن الأعيان.
2. التقليدانية العرفانية الغينونية: (عبد الواحد يحيى):
أ. الدراية الجاهلة بحقيقة الروحانية:
انعكس التصور الوضعي البرغسوني للدين على الروحانية، الصوفية أو الميتافيزيقا هي الجانب الروحاني للدين، وما ينطبق عليه من تصوّرات وأحكام ينسحب على الروحانية، وحين يزعم برغسون أن الدين «وظيفة تخيّلية» (أو أسطورية)، يستتبعه أن الروحانية أو الصوفية كذلك. بما أن مفهوم الدين عند برغسون لا يخرج عن تفسير النظريات الوضعية العلموية على اختلاف أنواعها التطورية، النفسية، الاجتماعية، إلخ، المنكرة لكلّ ما هو من نمط علوي كما هو عليه «الإلهام»، فالتصوّر البرغسوني غير مستثنى بتاتًا من هذا الموقف، لأن الدين عنده ليس معطى إلهيًا متعاليًّا، بل ديمومة متكوّنة لا تكفّ عن التطور (بالمفهوم النشوئي الدارويني)، فلا وجود لأرثوذكسية دينية، فالتصور البرغسوني للدين يؤسس للروحانية البروتستانتية، أو الرّوحنة الفردانية، لأن حب الإنسانية غاية الصوفية متحرر من كل أشكال العبادات الرسمية الموجودة في الدين السكوني، إلاّ أنّها لا تخلو هي أيضًا من طقوس وعبادات وقرابين وصلاة، لكنّها تمارس بحرية، نسوق مثالًا عن «الصلاة»[49] عند برغسون بما هي إحدى أدوات توثيق التضامن بين الإله والإنسان، وهي نمطان أيضًا، سكونية ومتفتّحة، الأولى تتقيد بشكل لفظي طقسي محدد؛ لذلك هي صلاة مغلقة، الثانية حركية متحرّرة من الأشكال الرسمية، وفي تقدّم صاعد.
لا يميّز (برغسون) بين الذات العليّة (الله) في لا تعيّنها الكامل، والتجلّيات، وبين الإرادة الكلية الفاعل المطلق، والفعل الصادر عن الصّوفي، يعتقد أنّ «الجهد الصوفي شيء من الله، إن لم يكن هو الله ذاته»[50]، هذا المعنى البرغسوني للتصوّف متأثّر بتصور الألوهة في المسيحية بعد المجمّع النيقي الأول (325م)، حيث يتشارك المسيح والإله جوهرًا واحدًا منقسمًا بينهما، ثمّ إنّ (برغسون) في أغلب مفاهيمه عن الصوفية متأثّر بمسيحية التّثليث الأيقوني (الآب، الابن، الروح القدس)، بل إنّه يعتبرها النموذج المعياري الأمثل للصوفية الكاملة. وينطبق هذا بالفعل على تصور (برغسون)، «تجربة اتصال الحدس الصوفي بالعالم الأعلى، باعتباره مشاركة في الجوهر[51]الإلهي»، لم يفهم المعنى الصّوفي الصحيح للاتصال العلوي بالوحدة العظمى؛ التي لا تعني مشاركة الصوفي الجوهر الإلهي، فمن معاني المشاركة، التعاون، المقاسمة، الاختلاط، كما تفيد أيضًا معنى التعاقد بين طرفين، وكلها تحيل إلى معنى انتفاء القيّومية الذّاتية، والاحتياج المتبادل، أو بتعبير مرتضى المطهري التّسخير المتبادل، وهذا مما يندرج ضمن الإلحاد الأسمائي، كما يحيل إلى أنّ «الجوهر الإلهي» من طبيعة مركّبة، بما أنه قابل للمشاركة، أي للقسمة، ومنه التحليل إلى أجزاء، بينما هو عين «الوحدة المبدئية» غير القابلة للقسمة. بالإضافة إلى أنّ المشاركة ترفع عن «الجوهر الإلهي» التنزيه ليدلّ على معنى الحلول(التجسّد)، بينما «كل صفة من الصفات الإلهية لا يجب أن ينظر إليها في الحقيقة إلاّ على أنها أساس أو دعامة للتأمّل في جانب من جوانب «الوجود الكلّي»»[52]، لأنّ تقابلهما تناظر برزخي لا تمازجي، فالعالم فعل الله المبدع الأزلي أو بالتعبير القرآني «كلمة الله»، أو تجلّي الجوهر الإلهي.
يعتقد برغسون أن العالم الأعلى تجربته من نوع آخر هي الحدس الصّوفي، وهو مشاركة في الجوهر الإلهي، وهنا برغسون لم يفهم المعنى الصّوفي الصحيح للاتحاد أو الوحدة العظمى؛ لأن هذه المشاركة ستكون أسمائيًّا وصفاتيًّا وفعليًّا، ما يرفع عن الجوهر الإلهي التقديس والتنزيه وينسب إليه التّشبيه والتجسيد. بالتالي مشاركة الحدس الصوفي الجوهر الإلهي، ينفي الإلهام الوهبي. وبما أنّ (برغسون) يجهل كل ما ينتمي للميدان العرفاني والروحاني القويم والسويّ، لا يفرّق بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني، باعتبار الثاني تابعًا للأوّل وليس مشاركًا له، ولا مستقلًّا بذاته عن الإرادة الكلّية، فلا قيام له إلاّ بالقيّوم الأعلى، أما القول بمشاركة الحدس الصّوفي الجوهر الإلهي يتعارض مع مبدأ التوحيد الذي ينفي أي تشريك.
ب. تعارض المفهوم العلماني للحدس مع المفهوم العرفاني:
رفض (برغسون) العقلانية الدّيكارتية واستبدل العقل بالحدس كطريق للمعرفة الصوفية التي تمكّن من بلوغ المحبة الإنسانية الكلية، وباعتباره أسمى طريق لبلوغ الحب الإنساني، وبهذا المعنى ميدانه المعرفة البشرية وليست المعرفة فوق البشرية أو الميتافيزيقية، رغم أنّ (عبد الواحد يحيى) «يشيد بنقده العقلانية الديكارتية، وينصفه فيما أصاب فيه؛ التشكيك في تفوّق العقل المفكّر والديكارتي تحديدًا»[53]، يقول (برغسون): العقل لا يستطيع أن يحيط بالحياة لأنّه ليس سوى فيض منها ومظهر من مظاهرها[54]، إلاّ أنه لا يناقش مسألة طبيعة العقل، درجاته ومراتبه وإمكانياته الامتدادية العلوية إلى ما فوقه[55].
النقد البرغسوني للعقل لا يخرج عن العواطفية المتآزرة مع الفردانية، بما أنّ الحدس متّجه نحو الميدان السّفلي، بل إلى ما تحت العقل، مدّعيًا إمكانية الولوج إلى باطن الكائن، وهو لا يغادر ما هو حسّي، كما أنّ مفهومه للحدس بالمعنى النّشوئي، استقرار في الحركة وليس حركة في الثّبات؛ لأنه يتعارض مع ما أسماه (برغسون) «الوثبة الحيوية»، بمعنى الصيرورة التطوّرية، كعملية تقدمية لا تكفّ عن الإبداع/التطور الخلاّق، بالتالي الغاية الانتقال الدائم من حالة إلى حالة، مما يبقي الحدس في ميدان الكثرة لا يغادره، منحصرًا داخل تيار الأشكال (عالم الكثرة والانقسام والتشتّت)، بدل التجوهر الدائم، أي الحضور المتزامن للمبدأ، بالثبات في المركز، بينما الحدس البرغسوني ديمومة لا تكفّ عن التغير، سير أفقي خطي داخل الزّمن، محيّز بأبعاده لا يتجاوزها، حدس محايث لا متجاوز، ماكث في الآن (الزمني) والأين(المكاني)، وبهذا المعنى الامتداد في الحدس البرغسوني لا يخرج عن العقلانية الديكارتية التي أراد بحدسيته التحت عقلية تجاوز نسقها المنظوماتي، ثم إنّ سيرورة الحدس البرغسوني نازلة لا تكفّ عن الصيرورة، ومتوجّهة نحو اللّااستقرار، أما في الحدس العرفاني صاعدة نحو الثبات ومقام الاستقرار، عبر تدرّج الارتقاء المقامي.
برغسون كأغلب الفلاسفة المحدثين يعتقدون بالتقدّم الخطّي الصّاعد، حتى على مستوى الفردية/الإنسانية كما تصوّرها باسكال شخص دائم التعلّم وسائر إلى الأفضل والأحسن، أو بتعبير برغسون نزوع نحو التطور المبدع في المستقبل، يُعرِّف (برغسون) «الوجود بالنسبة إلى كل كائن حي هو التغيّر، أو التغيّر في سبيل النضج، وإنّ النضج هو إبداع الإنسان نفسه بنفسه إبداعًا غير محدود»[56]، الكون إذن ذو ديمومة، وكلّما تعمّقنا في طبيعة الزّمان أدركنا أنّ معنى الديمومة هو الاختراع، وإبداع الصور، وإعداد الجديد المطلق الجدّة إعدادًا متّصلًا[57]، هذا التغيّر والديمومة يلغي كل ثبات بل ينظر إليه عائقًا يمنع التطور المبدع، «لأنّ من البديهي أن لا يكون غير ذلك في «فلسفة سيرورة المستقبل» مثل فلسفته؛ فبالنسبة إليها، كل ما لا يتغيّر أصلًا لا يستجيب لأمر الواقع، بل يمنع حتى الإنسان من إدراك الواقع كما تتصوّره هي»[58]، بينما التغير والثبات بالمنظور العرفاني ضدّان متكاملان، فالمركز ثابت على الدوام، المحرك الذي لا يتحرّك، تتغير التطبيقات وتتعدد الأشكال، من هنا يعترض (عبد الواحد يحيى) على الديمومة البرغسونية لأنها من نمط النظريات ذات الطابع النشوئي الارتقائي، «حيث إنّها تجعل كل حقيقة في «صيرورة المستقبل» قصرًا؛ وهذا هو الإنكار الصّريح لكل مبدأ ثابت، وبالتالي الإنكار الصريح لكل ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)«[59].
لم يدرك أو يفهم (برغسون) حقيقة العرفان الخالص أو الحدس الفوق_عقلي، رغم أنّ (برغسون) لا ينكر إلهامية الحدس، ولكن يرجعه إلى المصدر البشري وليس الإلهي، والمعرفة المترتّبة عنه حاصل كسب وجهد لا وهب وكشف علوي، فهي توسّطية من نمط استدلالي، وهذا يتعارض مع نمط المعرفة الميتافيزيقية المباشرة، رغم محاولة (برغسون) تجاوز معنى الحدس في اللغة اليونانية والتأسيس لمفهوم صوفي، إذ حمّله مفاهيم غامضة، من مثل «الوثبة الحيوية»، “اندفاعة الحياة”، “التطور الخلّاق»، «الديمومة»، ومنها ظنّ المولعون بالمفاهيم الإغرابية أنّ تجديد الألفاظ وابتداع المفاهيم كاف لوجود الفكر، بينما (برغسون) كغالبية الفلاسفة المحدثين من ممتهني اللّعبة اللسانية، والتّمذِير المعرفي، حيث حمَّل تلك المفاهيم معاني فاقدة لكل دلالة روحانية حقيقية، فكلها تدلّ على تجارب حياة معيشة من نمط مادي دنيوي تندرج ضمن ما يسميه (عبد الواحد يحيى)، «الحياة الاعتيادية»(الغافلة)، الماكثة في المقام الأرضي واتجاهاته الأفقية، بالتالي لا ترقى إلى الروحانية السويّة، فالحدسية البرغسونية تأسست على كل ما يعارضها ويناقضها، بل ويهدمها من الأساس، هي مجرّد روحنة مزيّفة تعزّز التوجّه المادي للذّهنية الحديثة، وأسسه المعرفية، خاصّة العقلانية والإنسانوية، في ميدان الميتافيزيقا، وكأنها محاولة من (برغسون استعادتها)، لكن استمداداته المعرفية مرجعيتها هي الأصول المؤسِّسة للحداثة، لاسيّما نظرياتها الوضعية_النشوئية (العلموية)حول الدين بمختلف المسميات، سواء التي انطلقت من البعد النفسي(فرويد)، أو البعد الاجتماعي(دوركايم)، وهؤلاء أخطر على الدين من التوجّه المادي الذي ظهر في بداية عصر النّهضة، فديكارت نفسه كان مسيحيًّا شديد الإيمان، ولم ينكر الإله أو الدين وينعته بالأسطورة، كما يؤمن بالوحي.
والنتيجة التي انتهى النقد العرفاني الغينوني، الحدسية البرغسونية بدلًا من أن تبحث فوق العقل على ما يصلح نقائصه، بحث بالعكس في ما تحت العقل، وبالتالي بدلًا من أن يتوجّه إلى الحدس العرفاني الصحيح...التجأ إلى ما يَزعُم أنّه «حدس» من النمط الحسّي أو «الحيوي» بمفهوم في غاية الغموض والتشويه[60]، وبذلك وسّع من تنكيس الميتافيزيقا في الغرب بابتداع مفاهيم لا تعارضها أو تعاكسها فقط، بل تهدمها من الأساس، وبدل أن يقوم بإحيائها وبعثها زاد من ضمورها، لأنّ الحقيقة الروحية تتزمّل أمام فكر من هذا النمط السّفلي.
ج. إنكار الحدس العلماني للمبادئ: (الرّوحانية اللاّميتافيزيقية)
الحدس البرغسوني دائم التحوّل، فالاستقرار والثبات عند برغسون يتعارض مع ما أسماه «الوثبة الحيوية» (الحياة بالمعنى الدارويني)، وعليه لا يمكن للحدس البرغسوني بلوغ مقام الوصول الميتافيزيقي، من هنا يتعارض الحدس الفلسفي مع الحدس العرفاني، الأول وسائله دنيوية، أما الثاني مصدره التوفُّق الربّاني. فالحدس ديمومة وتقدّم مستمرّ لماض يقرض المستقبل ويتضخّم بتقدّمه إلى الأمام، كشخص دائم التعلّم وسائر إلى الأفضل والأحسن، أو بتعبير برغسون نزوع نحو التطور المبدع في المستقبل، باعتبار الوجود بالنسبة إلى كل كائن حي كما يعرفه برغسون هو التغيّر، أو التغيّر في سبيل النضج، وإنّ النضج هو إبداع الإنسان نفسه بنفسه إبداعًا غير محدود.
الديمومة البرغسونية من نمط النظريات ذات الطابع النشوئي الارتقائي، حيث إنّها تجعل كل حقيقة في «صيرورة المستقبل» قصرًا؛ وهذا هو الإنكار الصّريح لكل مبدأ ثابت، وبالتالي الإنكار الصريح لكل ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا). فالتغيّر والديمومة يلغي كل ثبات، بل ينظر إليه عائقًا يمنع التطور المبدع، لأنّ من البديهي أن لا يكون غير ذلك في «فلسفة سيرورة المستقبل» مثل فلسفته؛ فبالنسبة إليها، كل ما لا يتغيّر أصلًا لا يستجيب للأمر الواقع، بل يمنع حتى الإنسان من إدراك الواقع كما تتصوّره هي، بينما التغيّر والثبات بالمنظور العرفاني ضدّان متكاملان، فالمركز ثابت على الدوام، وهو المحرك الذي لا يتحرّك، تتغيّر الأشكال فقط. أما القول إنّ شخصيتنا تبنى كل آن بما تدّخره من التجارب التي لا تكفّ عن التغيّر، يستتبعه الانفصال عن كلّ مبدأ ثابت من شأنه أنّ يحدّ تغيّرها، ويحدّد لها طريق المسير، حتى تعرف اتجاه المصير الذي يقودها في النهاية إلى مرحلة الاستقرار، أي الثبات في المركز، من خلال الوعي اللاّزمني أو الشعور بالأزلية.
ويستدعي (عبد الواحد يحيى)، تصور (برغسون) مفهوم الإله كـ “مركز تتفجّر منه العوالم، وليس هو “بشيء”، وإنّما هو عبارة عن استمرارية هذا التفجّر”، ثم يضيف بكل صراحة: «فالإله، بمقتضى هذا التعريف، ليس أمرًا مكتملًا بتاتًا، وإنّما هو حياة متواصلة، ونشاط، وحرّية[61]، باعتبار الكمال صيرورة حادثة لا تكفّ عن الحركة، وهي بمفهوم التقدم ضدّ الثبات، والحياة هنا بمعناها التطوري الصّاعد، الذي يعني التحوّل بالانتقال من طور لاحق يقطع مع السابق، «الإله» البرغسوني دائم التحوّل في ذاته، وهذا نفي لوحدة الهو الأزلي، وتكريس لمفهوم تعدد الذات الإلهية بدل الأفعال (شؤونات الخلق)، مما يلغي مبدأ التوحيد، إن حياة (الله) بالمعنى المقدس آن متزامن الحضور السّرمدي المتّصل اقتضاء لاسم الحق تعالى «الحي»، والحياة هنا بمعنى الكمال الصفاتي والأفعالي والأسمائي.
يسوّي برغسون بين الحياة الدائمة الأزلية القديمة والحياة الفانية الحادثة، وجعل القديم عين الحادث، المنحصر داخل منظوماتية واحدية تفسيرية، كما ويندرج ضمن الإلحاد الأسمائي حين أخرج معنى حياة «الإله» عن حقيقتها، «وهذا التصوّر لإله ذي صيرورة حادثة، ومشبّهة غير منزّه مفارق، هذا التصور لحقيقة لا تزال ولن تزال في تطور، هي تصوّرات متفشّية في الفكر الحديث»[62]، وما ينتهي إليه المفهوم البرغسوني من القول بإله غير كامل، هو أنسنة (الألوهية)، وهو إحدى أشكال تنكيس الترتيب السوي والعكسية التراثية، بالمنظور التراثي الروحي، الإنسان انعكاس لصورة الله (تجلّي الصفات الإلهية في باطنية حقيقة الإنسان)، أما بمنظور برغسون يصبح (الله) ليس انعكاس الصورة في الإنسان، بل هو الإنسان، باعتبار كل منهما صيرورة دائمة.
بما أنّ فلسفة الديمومة تقرّ بأنّ كل شيء في تغيّر دائم، ولا وجود لاستقرار، كما سبقتها إلى ذلك الصيرورة الهيراقليطية(لا نسبح في النهر مرتين)، حيث يُؤخذ التغيّر كقانون يحكم الوجود بكل مراتبه بدل أن يكون شرطًا، «مثل هذه الفلسفة التي لا وجود عندها لـ “حقائق أزلية” ينبغي أن ترفض منطقيًّا إعطاء أي قيمة، ليس فقط لما وراء الطبيعة (للميتافيزيقا)، وإنّما أيضا للدين»[63]، و(برغسون) نفسه يصرّح أنّ الفلسفة -بما فيها فلسفته- تقتصر على التجربة والبرهان ولا تعبأ بالوحي المنزل ولا بالمؤسسات التي تبلّغه[64].
استنادًا على فلسفة الديمومة ميّز (برغسون) بين ما يسمّيه «الدين السّكوني» و»الدين الديناميكي»، وكلّ منهما منفصل عن الآخر، أما الحقيقي منهما بحسب (برغسون) هو الثّاني يمثّل الديمومة والوثبة الحيوية والتطور الخلاّق، فهو منفتح لا يكفّ عن الحركة، والديناميكية تفهم هنا كنشاط وعمل دائب لا يخرج عن التصوّر البراغماتي، فهي تصرّم في التغيّر كعلامة على التقدّمية باتجاه إنجاز المستقبل، أما «الدّين السّكوني»، فتفسره البرغسونية كانغلاق، باعتبار الثّبات والوثبة الحيوية لا يلتقيان، فهي ضدّ كل ثبات، وهي والتطورية النّشوئية رديفتان، فتغيير الألفاظ لا يوحي بالضّرورة بإبداع معانٍ أو وجود أفكار جديدة، كعادة المحدّثين يميلون إلى تركيبات نِسَبِية دلالية بدافع المخالفة، أكثر من الإبداع الحقيقي، ويمارسون الضدّية (الإنكار) أو العكسية التراثية (التّزييف) وتتجلّى العكسية هنا في أنّ «الدين بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، هو بالضّبط الذي يسمّيه برغسون: “الدين السّكوني”، ولا يريد أن يرى فيه سوى “تخريف” من نسج الخيال، وأما “دينه الديناميكي”، فالحق أنه ليس بدين أصلًا»[65]؛ لأن (برغسون) يتصوره غير مكتمل، وصيرورة لا تكف عن التغير في الزمن، دائم التطور، يسكن الزمن ومنقطع عن أصوله الأزلية، تصور اختزالي لا يميز بين المبادئ والتطبيقات، مفهوم يستند على البراديغم الوضعي العلموي (التطوري)، المنكر لكل ما هو من نمط علوي كما هو عليه «الإلهام».
فمن المعلوم أن جميع النظريات الحديثة في هذا الصدد تشترك في إرادة إرجاع الدين إلى ظاهرة بشرية صرفة، وهذا يعني إنكاره بوعي أو بلا وعي، لأنه رفض للإيمان بما يشكّل أساس الدين نفسه؛ والتصوّر البرغسوني غير مستثنى بتاتًا من هذا الموقف[66]؛ ولأنّ الصوفية هي الجانب الروحاني للدين، كيف له أن يفهمه وهو ينظر إلى الدين بوصفه إحدى خرافات المخيّلة البشرية، بل يذهب إلى القول إنّ «العقل هو من يحسن صنع الخرافات، والدين هو العلّة الوحيدة في وجود الملكة الخرافية هذه»[67]، بهذا المعنى أصل الدين عند (برغسون) «وظيفة تخيّلية» (أو أسطورية)، تفسير خرافي عند (عبد الواحد يحيى) أكثر منه وسيلة للتفسير[68]، باعتبار الأسطورة بما هي خرافة اعتقاد لا أساس له في الواقع، ثم إنّ إضفاء الصبغة أو الوصم بـ”الأسطورة” يخرج الموصوف المحمول عليها من دائرة التحقيق والبرهان والمساءلة، أيًّا كانت الأدوات المتوسّل بها للإثبات أو التّفنيد، وبهذا ينقض التفسير البرغسوني لمنشأ «الدين» نفسه بنفسه، ويقع في مغالطة المنطق الدائري، فالخرافة لا تفسّر أو تبرر بالخرافة، هذا من جهة، ومن ناحية أخرى الوصف بالأسطورة إحدى الحيل البارعة لتورية الجهل التي تكسب حكم الإنكار أو اللّاأدروية العقلية قوة تبريرية تفوق الاعتراف؛ لذلك انتهت كل تفسيرات «الدين» الوضعية باعتباره «متخيل أسطوري» إلى رفضه، انطلاقًا من تفسير «التخيّل» كوظيفة منفصلة تنزع إلى إعادة تشكيل واقع وهمي منتزع الممكنات وقابليات التعيّن.
3. تحيّزات الروحانية البرغسونية الضّيزى:
بالإضافة إلى ما سبق، ثمّة مسألة قد لا يُتنبّه إليها، تندرج ضمن مركزية الرؤية الغربية للعالم، تحيّزات البرغسونية لنموذج الروحانية الغربي، فالتمييز البرغسوني بين أنواع الصّوفية استند على الثّنائية الضّيزى؛ الغرب الشّارق ماديًا وروحانيًا، أما الشّرق غاربٌ على الدوام، هذا التصنيف لا يخرج عن تصنيفات الاستشراق الكولونيالي، الغرب المركز، والشرق الهامش التّابع، بل الاعتراف بتطور الصوفية الشرقية نحو العمل كما حصل في البوذية جرى استنادًا على المعيار الغربي، فبعد دخول الحضارة الغربية إلى الهند تمكّن البوذيون من معرفة أساليب وطرائق التطور الخلّاق التي أخرجتهم من النزعة التشاؤمية، هكذا تستمر متتالية غزو الغربانية المركّب، من الاجتياح المادي إلى الرّوحاني، فمهمّة الرجل الأبيض التمدينية لا تشمل نقل الحضارة المادية، بل أيضًا تعليم الشّرقي الروحانية السوية، هكذا تجري عملية أسطرة الغرب، مع (برغسون) تحوّلت الحضارة الغربية المادية فجأة إلى نموذج معياري للاقتداء في الجانب الروحاني!.
ميّز (برغسون) بين نوعين من الصّوفية، الكاملة والناقصة، ووفقًا له، نموذج الأولى التمامي هو متصوّفة المسيحية الكبار أمثال؛ القديسة تيريزا، والقديس بولس، وجان دارك، وضمن الثانية يُدرج الأفلاطونية (نسبة إلى أفلوطين)، والبوذية، والبراهمية والجينية؛ لأن جهدهم انحصر في التأمّل دون العمل، فعجزوا عن تحقيق الوثبة الحيوية الجامعة بينهما. الصوفية الكاملة هي في الحق صوفية كبار المتصوفة المسيحيين، مثل القديس بولس، والقديسة تيريزا، وجان دارك، جسدوا الوثبة الحيوية، أما البوذية فلم تبلغ الصّوفية الحقّة، إلّا بعد انتقال الحضارة الغربية إليهم، والتي حثّت على العمل، وقبلها لم تكن هناك صوفية حقة تجمع بين التأمّل والعمل، بل كانت هناك نزعة تأملية تشاؤمية في الهند القديمة مع البوذية والبراهمية[69]، وتبخيس البرغسونية التراثيات الصوفية الشّرقية، يُعزِّز أسطورة الغرب ويصبح نموذجًا معياريًّا للاقتداء حتى في الجانب الروحاني من جهة، ومن ناحية أخرى إساءة فهم الوحدة الباطنية المتعالية الجامعة بين كل التراثيات الميتافيزيقية الغربية والشرقية، لأنه لا يميز بين شكل النظرية وجُوّانيتها، ولا بين النماذج التطبيقية التاريخية والنماذج المعيارية اللازمنية، حيث اعتمد التّصنيف على القراءة التاريخية للتراث الصوفي والغربي تحديدًا، وهي قراءة اختزالية إقصائية وانتقائية، لم تتحرّى الإنصاف، لأنها لم تكن قراءة مركّبة ومنفتحة خارج النظّارات الصوفية الغربية، إذ يظلّ الغرب دائمًا ممرًا خِلاليًا لرؤية الآخر، تصنيفًا، وتصورًا، وحكمًا، فالصوفية الشرقية فُسِّرت في ضوء الصوفية الغربية.
خاتمة:
مما سبق نرصد أهم النتائج؛ منها:
* الروحانية اللادينية البرغسونية بين الإرادة الكلية الفاعل اللاّمتناهي المطلق(الله)، وفاعلية الصّوفي، أو بتوصيف (برغسون) الجهد الصوفي كانعكاس لما يسميه «الوثبة الحيوية» أو «التطور المبدع»، حيث تتجسّد ذات الله في الصوفي(الاتحاد والتماهي).
* لم يخرج برغسون عن المعنى اليوناني للحدس رغم محاولته التأسيس لمفهوم صوفي حول الحدس، لكن حمّله مفاهيم غامضة وغير حديّة الدلالة، حتى إنّ المفاهيم المركزية في فلسفته تبدو متمايزة لفظيًّا فقط، أما المعاني والنسبة الدلالية تحكّمية اعتباطية، إذ لا يمكن الإمساك بمعنى حتى ينفلت، مثلًا: الوثبة الحيوية، الغريزة، التطور الخلاّق، الديمومة، الحدس، يتناولها بالمعنى نفسه، وتعدّ من مركزيات الصوفية، إلّا أنّ برغسون يستخدمها جميعًا بمعنى التقدم الخطّي من النمط الدنيوي المادي، ولا ترقى إلى الروحانية السويّة.
* آزرت الحدسية الروحانية العلمانية البرغسونية مع العواطفية والعقلانية، إذ كل منهما متّجه نحو الميدان السّفلي، ما تحت العقل، فالروحانية التي يدعو إليها برغسون هي إحدى أنماط المادية والفردانية الحديثة، وليست نقيضًا لها أو بديلًا متجاوزًا. الحدس العلماني البرغسوني نازل ومنحصر في العالم المحسوس فيما هو ظاهر، يستمدّ المفهوم من النظرية التطورية النشوئية ويسقطه على المرتبة الفردية الإنسانية.
* العالم في الحدس العرفاني هو فعل الله المبدع الأزلي أو بالتعبير القرآني «كلمة الله»، أو تجلّي الجوهر الإلهي(و لا يعني التجسّد)، فهو خلق إلهي متجدّد، أما في الحدسية البرغسونية العالم خلق إنساني متطوّر تقدّمي، الكون البرغسوني ذو ديمومة، وكلّما تعمّقنا في طبيعة الزّمان أدركنا أنّ معنى الديمومة هو الاختراع، وإبداع الصور، وإعداد الجديد المطلق الجدّة إعدادًا متّصلًا، فالإنسان بهذا المعنى خالق وليس خليفة؛ لأنّها لا تخرج عن التصور الوضعي للدين.
توصية نختتم بها بحثنا، الدعوة إلى مزيد من المدارسات والمباحثات النّقاشية والنقدية لتفكيك المنظومة الرؤيوية الغربية للعالم خاصة الفلسفية؛ لأن غالبية المفاهيم المهيمنة تعمل ضدّ المحتويات النصية المقدّسة بما فيها الحكمة المتعالية والروحانية السوية، لاسيما والفلسفة الحديثة وامتداداتها المعاصرة والراهنة لا تغدو أكثر من كونها منظومات ميزوصوفية (باغضة للحكمة)، فانحراف الروحانية والصوفية في الغرب جرى باتجاه أخطر، انتقل من الإنكار إلى التنكيس بابتداع روحنة لادينية مفرّغة من الشعائر العِبادية ومن العقيدة نفسها، لتغدو مجرد سلوكات فردانية ملأى بالممارسات الزائفة. وقد ساهمت الفلسفة الحديثة بشكل كبير في الترويج للرّوحنة العلمانية والتي ما تزال تنشط في الغرب، مما يستدعي الاحتراز من السقوط في غواية تلك التيارات؛ لذا فإنّ استئناف وتثمير تراث الفلسفة الإسلامية ليس على سبيل الاستدعاء المآثري، بل هو إحياء تكميلي، بالإضافة إلى ضرورة العودة إلى مظانّ الصّوفية والروحانية التّأصيلية والتّأسيسية لتبيّن التزييفات والتنكيسات، لفهم حدود العلاقة بين التصوّف والفلسفة، ولدفع مناكرِ الرّوحانية العلمانية.
قائمة المصادر:
الشّيرازي، صدر الدين محمد، مجموعة الرسائل الفلسفية، إكسير العارفين في معرفة طريق الحق واليقين، الواردات القلبية في معرفة الربوبية، تحقيق وتقديم: الدكتور سيّد يحيى يثربي، منشورات الجمل، بيروت-بغداد، ط1، 2021.
الشّيرازي، صدر الدين محمد، رسالة الحكمة العرشية، تحقيق وتعليق: عبد الجواد الحسيني، دار المعارف الحكمية، لبنان-بيروت، ط1، 2016/1437ه.
عبد الواحد يحيى، مدخل عام إلى فهم النظريات التراثية، ترجمة: عمر الفاروق عمر، مراجعة وتقديم، سعد الموجي، المجلس الأعلى للثقافة، الجزيرة- القاهرة، ط1، 2003م.
عبد الواحد يحيى، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، ترجمة: عبد الباقي مفتاح، عالم الكتب الحديث، إربد- الأردن، ط1، 2013م.
عبد الواحد يحيى، رموز الإنسان الكامل، أو رمزية تقاطع خط الإسراء الأفقي مع خط المعراج العمودي، ترجمة عبد الباقي، مفتاح، عالم الكتب الحديث، إربد- الأردن، ط1، 2016م.
عبد الواحد يحيى، التصوف الإسلامي المقارن وتأثير الحضارة الإسلامية في الغرب، ترجمة: عبد الباقي مفتاح، عالم الكتب الحديث، إربد-الأردن، 2013.
برغسون، هنري، منبعا الأخلاق والدين، ترجمة: سامي الدّروبي، عبد الله عبد الدايم، الهيئة المصرية العامة للتّأليف والنشر، (د. ط)، (د. ت).
برغسون، هنري، بحث في المعطيات المباشرة للوعي، ترجمة: د. الحسين الزاوي، مراجعة: د. جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت- لبنان، ط1، 2009م.
برغسون، هنري، الطاقة الروحية، ترجمة: علي مقلد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1411ه/1991م.
المراجع:
مسکویه رازی، أبو علي أحمد بن محمد، الحكمة الخالدة(جاويدان خرد)، حقق وقدم له: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة انتشارات وچاپ دانشگاه تهران، تابستان سال 1377ه.
الحسني، السيد أحمد بن عجيبة، تقييدان في وحدة الوجود، تحقيق: عبد الله خضراوي، المكتبة الصوفية الفلسفية، الجزائر، ط1، 1443ه/ 2022م.
الجزائري، الأمير عبد القادر الجزائري، كتاب المواقف في الوعظ والإرشاد والتصوّف، الجزء الثاني، موفم للنشر، الجزائر، 2009.
المعاجم:
ابن منظور، لسان العرب، تحقيق وتعليق ووضع الحواشي: عامر أحمد حيدر، مراجعة: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط1، 2005م-1426هـ.
مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، د. ط، 1403ه/1983م، حرف الجيم، جوهر.
برغسون، التطور المبدع، ترجمة: جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1981.
ابن العربي، محي الدين، التدابير الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، تقديم، دراسة، تحقيق، تعليق الدكتور محمد عبد الحي العدلوني الإدريسي الحسني، دار الثقافة، ط1، 1437ه/2015.
نصر، سيّد حسين، الإسلام، آخر الديانات وأوّلها مميّزاته الخاصة والكونية،
عبد الواحد يحيى، شرق وغرب، ترجمة: عبد الباقي مفتاح، عالم الكتب الحديث، إربد- الأردن، ط1، 2016م.
----------------------------------
[1]. جامعة عبد الحميد مهري_2 قسنطينة. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم الفلسفة
[2]. انظر: برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 212.
[3]. م. ن، 219.
[4]. م. ن، 209.
[5]. م. ن، 203.
[6]. م. ن، 207.
[7]. م. ن، 212.
[8]. هنري برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 191.
[9]. انظر: م. ن، 234، 235، 236.
[10]. انظر: م. ن، 236.
[11]. م. ن، 281.
[12]. هنري برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 44.
[13]. م. ن، 62.
[14]. م. ن، 44.
[15]. انظر: م. ن، 38، 39، 40، 41، 42، 43.
[16]. مسکویه رازی، الحكمة الخالدة (جاويدان خرد)، 217.
[17]. للاستزادة انظر: برغسون، التطور المبدع، ترجمة: جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1981.
[18]. برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 64.
[19]. جاء في معجم لسان العرب لابن منظور في معنى وثَبَ: الوثْبُ: الطَّفْرُ، وَثبَ يَثِبُ وَثْبًا، ووَثبَانًا، ووُثُوبًا، ووِثَابًا، ووَثِيبًا: طَفَرَ. ويروى وَثَابا، على أنّه فَعَلَ، وقد تقدَّم. وفي حديث عليّ عليه السلام، يوم صِفِّينَ: قدَّم للوثبَةِ يدًا، وأخَّر للنُّكُوص رِجلًا. أي إن أصاب فرصة نهض إليها، وإلاّ رجع وترك. ابن منظور، لسان العرب، 1: 728.
[20]. برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 61.
[21]. م. ن، 60.
[22]. ولتوضيح خداع التقدم الإنساني للطبيعة نسوق مثال برغسون: فالطبيعة مثلًا قد أرادت للإنسان أن يتناسل إلى غير حدّ، كسائر الحيوانات، فاتخذت أدقّ التدابير لتضمن بقاء النوع بتوالد الأفراد؛ ولكن لم يخطر على بالها ، حين وهبت لنا العقل، أننا سرعان ما نجد الوسيلة التي نفصل بها العمل الجنسي عن نتائجه. م. ن، 64.
[23]. انظر: برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 229.
[24]. م. ن، 44.
[25]. م. ن، 60.
[26]. برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 60.
[27]. م. ن، 60.
[28]. انظر: م. ن، 243.
[29]. انظر: م. ن، 222، 226.
[30]. انظر: برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 218.
[31]. الشّيرازي، مجموعة الرسائل الفلسفية، 3: 96.
[32]. م. ن، 170، 171.
[33]. الشّيرازي، رسالة الحكمة العرشية، 39.
[34]. الجزائري، كتاب المواقف في الوعظ والإرشاد والتصوّف، 2: 7، 8.
[35]. الشّيرازي، مجموعة الرسائل الفلسفية، 3: 175.
[36]. م. ن، 159.
[37]. وفي تبيين محي الدين بن العربي كيف يعرف الإنسان الله من خلال تجلّياته الصفاتية والفعلية والأسمائية، بالعودة إلى ذاته، فيبسط هذه المعرفة في جانبها الشّكلي فيقول: الله موجود ونحن موجودون، فلولا معرفتنا بوجودنا ما عرفنا معنى الوجود حتى نقول إنّ الباري موجود. وكذلك لمّا خلق فينا صفة العلم أثبتنا له العلم وأنّه عالم، وهكذا الحياة بحياتنا والسّمع والبصر والكلام بكلام نفوسنا لا بأصواتنا وحروفنا. والقدرة والإرادة وكذلك سائر الأسماء كلّها/ من الغنى والكرم والجود والعفو والرحمة، كلّها موجودة عندنا. فلمّا سمّى لنا نفسه بهذا عقلناها، فما عقلنا منها غير ما أوجده فينا...فأخذنا الصفات التي ثبت بها حدوثنا وعبوديّتنا وإخراجنا من العدم إلى الوجود ونفيناها عنه...فلولا هذه المناسبة ما صحّت لنا عقيدة وما عرفناه أصلًا. ثم بعد هذا وإن عرفناه بما وصفنا فإنّ هذه الصّفات في حقنا تعقبها الآفات والأضداد. وهي له باقية لا يعقبها ضدّ ولا آفة، فقد عرفنا البقاء فأصحبناه تلك الصفة التنزيهية المقدّسة. هذا ضرب من المناسبة الظّاهرة، والمضاهاة في الحضرة الإلهية. وأمّا المناسبة الباطنة فوكّلناك فيها إلى نفسك، فإنّها تدرك بالمجاهدات في المشاهدات. ابن العربي، التدابير الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، 203، 204.
[38]. عبد الواحد يحيى، التصوف الإسلامي المقارن وتأثير الحضارة الإسلامية في الغرب، 124، 125.
[39]. عبد الواحد يحيى، رموز الإنسان الكامل، 110.
[40]. الشّيرازي، مجموعة الرسائل الفلسفية، 3: 95.
[41]. م. ن،161.
[42]. م. ن،97.
[43]. سيّد حسين نصر، الإسلام، آخر الديانات وأوّلها مميّزاته الخاصة والكونية، 7.
[44]. الشّيرازي، مجموعة الرسائل الفلسفية، 174، 175.
[45]. انظر: م. ن، 172، 173.
[46]. م. ن، 175.
[47]. م. ن، 173.
[48]. الشّيرازي، مجموعة الرسائل الفلسفية، 173.
[49]. انظر: برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 215، 216.
[50]. م. ن، 236.
[51]. الجوهر في اصطلاح علماء التوحيد: ما له تحيّز وقيام بذاته، والعرض: ما لا يقوم بذاته كاللون والحركة والسكون والاجتماع والافتراق والاتّصال والانفصال. وفي المعجم الفلسفي: الجوهر هو ما قام بنفسه، فهو متقوم بذاته ومتعيّن بماهيته، والجوهر الأوّل هو الكائن الفرد المتعيّن، والواحد جلّ شأنه هو الجوهر الحق، والجواهر الثواني هي الكلّيات التي يحمل عليها غيرها، مثل الإنسان والحيوان، وليست جوهريتها حقيقية، وإنّما جاءت من ناحية أنّه يحمل عليها غيرها. انظر: مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، حرف الجيم، جوهر، 64. انظر: الحسني، تقييدان في وحدة الوجود، 122، 123.
[52]. عبد الواحد يحيى، مدخل عام إلى فهم النظريات التراثية، 164.
[53]. عبد الواحد يحيى، شرق وغرب، 75.
[54]. برغسون، التطور المبدع، 1، 2.
[55]. عبد الواحد يحيى، شرق وغرب، 75.
[56]. برغسون، التطور المبدع،12.
[57]. برغسون، بحث في المعطيات المباشرة للوعي، 106.
[58]. عبد الواحد يحيى، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، 240.
[59]. م. ن، 240.
[60]. م. ن، 239.
[61]. عبد الواحد يحيى، شرق وغرب، 106.
[62]. م. ن، 106.
[63]. عبد الواحد يحيى، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، 240.
[64]. برغسون، منبعا الأخلاق والدين، 267.
[65]. عبد الواحد يحيى، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، 240.
[66]. م. ن، 240.
[67]. برغسون، منبعا الأخلاق والدّين، 120.
[68]. عبد الواحد يحيى، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، 242.
[69]. برغسون، منبعا الأخلاق والدين، 243.