الباحث : السيد محمد رضا الطباطبائي
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 39
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث : 384
الملخّص:
يتناول هذا البحث التحليل المقارن والنقدي لنموذجين فكريين[2]أخذا حيّزًا من الحيوية الفكرية في العالم المعاصر: «الروحانية الدينية» القائمة على التعاليم التوحيدية، و«الروحانية المتمحورة حول الطبيعة»[3] التي تعتبر الطبيعة المصدر النهائي للأمر المقدس. تجيب هذه المقالة، عبر اتباع منهج تحليلي-نقدي، وبالاعتماد على أسس الفلسفة والكلام الإسلامي، عن هذا السؤال الجوهري: هل تمتلك الطبيعة، بوصفها أمرًا محايثًا[4] وممكن الوجود، القدرة الأنطولوجية (الوجودية) والقيمية اللازمة لتأسيس نظام روحاني راسخ؟ إن منهج البحث هو التحليل المفهومي والمقارن والاستدلال الفلسفي. تُظهر نتائج التحقيق أن الروحانية المتمحورة حول الطبيعة، على الرغم من تأكيدها الصائب على أهمية الارتباط بعالم الخلق، تواجه في شكلها الطبيعاني الإلحادي تحديات جوهرية في بيان الأسس الأنطولوجية للأمر المقدس، وتقديم نظام أخلاقي مُلزِم، وتبيين الغائية النهائية للحياة؛ وذلك لافتقارها إلى مبدأ متعالٍ[5].
في المقابل، فإن الروحانية الدينية، بالاستناد إلى أصل التوحيد، لا تقدم الطبيعة بوصفها «الإله»، بل بوصفها «آية» و«تجلّيًا» للخالق، ومن هذا المنطلق، توفر إطارًا أكثر انسجامًا وعمقًا للمعنى والأخلاق وغاية الحياة. تستنتج هذه المقالة أن اختزال الأمر المقدس في الطبيعة، يؤدي إلى إفراغ الروحانية من أسسها الوجودية والغائية الراسخة.
الكلمات المفتاحية: الروحانية الدينية، الروحانية المتمحورة حول الطبيعة (الطبيعانية)، التعالي الإلهي، المحايثة، معنى الحياة، نقد الطبيعانية، اللاهوت الشيعي.
١. مقدمة
لقد شهد العالم المعاصر، لا سيما منذ أواخر القرن العشرين الميلادي (الموافق لعام ١٤٢٠هـ.ق / ١٣٧٨ هـ.ش) فصاعدًا، ظاهرة مزدوجة؛ فمن جهة، هناك تزايد في التوجه نحو الروحانيات الفردية وغير المؤسّساتية التي غالبًا ما تُعرف بعنوان: «روحاني ولكن لست متدينًا»[6][7]؛ ومن جهة أخرى، هناك نمو متزايد للوعي البيئي الذي أفضى إلى تشكّل «الروحانية المتمحورة حول الطبيعة» أو «الروحانية البيئية»[8][9]. هذا النوع من الروحانية لا ينظر إلى الطبيعة كمجرد مصدر مادي، بل بوصفها منبعًا للإلهام والدهشة والسكينة، بل والقداسة.
مع ذلك، يكمن في صميم هذا التوجه تفريق فلسفي حيوي. فبعض أشكال الروحانية المتمحورة حول الطبيعة تتوافق مع الأطر الدينية والتوحيدية، وتعتبر الطبيعة مظهرًا وآية للخالق[10] . أما الشكل الأكثر راديكالية والآخذ في النمو منها، فله جذور في رؤية كونية طبيعانية[11]، وأحيانًا إلحادية، تختزل الواقع برمّته في العالم المادي وقوانينه، وتقدم الطبيعة، بدلًا من الخالق، بوصفها المصدر الأسمى للمعنى والقيمة. هذا التوجه يختزل الأمر المقدس من ساحة متعالية واستعلائية إلى أمر محايث ومادي.
إن المسألة الرئيسية في هذا البحث هي الدراسة النقدية لأسس هذين التوجّهين. وفي حين تناولت أدبيات بحثية واسعة تحليل الروحانية الدينية والروحانية المتمحورة حول الطبيعة كلًّا على حدة، فإن الفجوة البحثية تكمن في التحليل المقارن-النقدي للأسس الأنطولوجية والمعرفية والقيمية لهذين النموذجين الفكريين من منظور اللاهوت والفلسفة الإسلامية بوضوح. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذا السؤال الجوهري: «على أي أسس تقوم كل من الروحانية الدينية المعتمدة على التعالي الإلهي والروحانية المتمحورة حول الطبيعة المعتمدة على محايثة الطبيعة في بناء المعنى، وما هي المحدوديات المعرفية والوجودية للتوجّه الطبيعاني في هذا المجال؟». فرضية هذا البحث هي أن الروحانية الطبيعانية، بسبب الاختزال الأنطولوجي وافتقاد المبدأ الغائي، غير قادرة على تقديم أساس راسخ لمعنى الحياة ونظام أخلاقي، وتؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من الذاتية[12]والنسبوية[13]، في حين أن الروحانية التوحيدية، عبر تقديمها الطبيعة بوصفها آية إلهية، تعترف بالقدرات الروحانية للطبيعة وتضعها في إطار معنوي وغائي أكثر رسوخًا.
٢. منهجية البحث
يستفيد هذا التحقيق من المنهج التحليلي المقارن ذي التوجه الكيفي. الأداة الرئيسية للبحث هي التحليل المفهومي والاستدلال الفلسفي. جُمعت البيانات وحُلِّلت من خلال دراسة النصوص المفتاحية في مجالات فلسفة الدين والكلام الإسلامي والعرفان ودراسات الروحانية المعاصرة. وللوصول إلى تحليل منهجي، ستُجرى المقارنة بين هذين النموذجين الروحانيين بناءً على ثلاثة محاور رئيسة:
الأساس الأنطولوجي[14]: دراسة مصدر الأمر المقدس وماهيته؛ هل الأمر المقدس أمر متعالٍ وواجب الوجود، أم أنه محايث وممكن الوجود؟
الأساس المعرفي[15]: دراسة سبل معرفة الحقيقة واكتساب المعرفة الروحانية؛ هل تستند هذه المعرفة إلى الوحي والعقل والشهود القلبي، أم أنها تقتصر على التجربة الحسية والشهود المؤسَّس على الطبيعة؟
الأساس القيمي والغائي[16]: دراسة منشأ القيم الأخلاقية و الهدف النهائي للحياة؛ هل الأخلاق قائمة على الإرادة التشريعية الإلهية وغايتها القرب الإلهي، أم أنها قائمة على الانسجام مع الطبيعة والرفاه الفردي؟
هذا الإطار التحليلي يسمح لنا بتجاوز مستوى الوصف الصرف والغوص في الجذور الفلسفية للاختلافات وعواقبها. تشمل المصادر المستند إليها الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة في الفلسفة وعلم الكلام الشيعي (مثل آثار الملا صدرا، والعلّامة الطباطبائي، وآية الله جوادي آملي)، والمفكّرين المسلمين المعاصرين (مثل سيد حسين نصر)، وكذلك المنظّرين الغربيين البارزين في مجال الروحانية والطبيعانية (مثل غوديناف، وتايلور، وفاندل، وهاريس، ودوكينز، و...)، وذلك لتقديم تحليل شامل ومتوازن.
٣. النتائج والتحليل
في هذا القسم، يُقارن ويُحلّل النموذجان الروحانيان بناءً على إطار المنهجية التحليلية.
التحليل الأنطولوجي: تعالي واجب الوجود في مقابل محايثة الأمر الممكن
إن النقطة الجوهرية للافتراق بين الروحانية دينية الأساس والروحانية المتمحورة حول الطبيعة تكمن في إجابتهما عن سؤال «المبدأ الوجودي» و«منبع الأمر المقدس». هذا الاختلاف ليس مجرد اختلاف في الأذواق في اختيار متعلّق الروحانية، بل هو هوّة أنطولوجية عميقة تؤثّر في جميع الأبعاد الأخرى لهذين النموذجين.
أ) الأساس المتعالي في الروحانية الدينية: أصل التوحيد وتمييز الخالق عن المخلوق
في النموذج الفكري للروحانية دينية الأساس، وخاصة في القراءة الدقيقة للاهوت والفلسفة الإسلامية-الشيعية، تقوم الرؤية الكونية على مبدأ التوحيد الجوهراني. وبناءً على هذا المبدأ، لا يوجد إلا حقيقة واحدة أصيلة وقائمة بذاتها، يُشار إليها بلقب «واجب الوجود بالذات»، كما يُذكر[17]، وجوده عين ذاته، وهو غني عن أيّ علة، وهو العلة الغائية لجميع الموجودات الأخرى. في المقابل، يقع عالم الوجود بأسره، بما في ذلك الطبيعة بكل عظمتها وتعقيدها، في دائرة «ممكن الوجود»؛ أي الموجودات التي ليس في ذاتها اقتضاء للوجود ولا اقتضاء للعدم، وقد تلقّت وجودها من غيرها (أي من واجب الوجود)[18].
من هذا المنظور، ليست الطبيعة هي الأمر المقدس نفسه، بل هي «آية» أو علامة ناطقة على وجود الخالق وعلمه وقدرته وجماله. يدعو القرآن الكريم الإنسان مرارًا وتكرارًا إلى «النظر» و«التفكّر» في الظواهر الطبيعية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾[19]. إن هذه الدعوة إلى «النظر» و«التفكّر» مضمون واسع الانتشار في القرآن، يمتدّ ليشمل ظواهر مثل النظام الكوني في تعاقب الليل والنهار وحركة الأفلاك[20]، وإحياء الأرض الميتة بالمطر، والتنوع المذهل للنباتات والثمار[21]، وتعقيدات عالم الحيوان[22]. هذه الدعوة الشاملة ليست لتقديس هذه الظواهر في حد ذاتها، بل لتجاوز ظاهر المخلوق والوصول إلى حقيقة الخالق.
بناءً على ذلك، فإن الأمر المقدس في هذه الرؤية هو ذو ماهية متعالية[23]؛ أي أن ذاته تفوق العالم المادي وقوانينه، على الرغم من أن حضوره وقيوميته تحيط بكل شيء (الحيثية القيومية).
الطبيعة مقدسة ومحترمة، لكن قداستها قداسة عَرَضية وانعكاسية، لأنها صنيعة الأمر المقدس ومجلى له، وليست هي ذاتها[24]. هذا التمييز القاطع بين الخالق والمخلوق يمنع السقوط في هوة «عبادة الطبيعة»[25] ويحافظ على التسلسل الهرمي للوجود.
ب) الأساس المحايث في الروحانية الطبيعانية: الطبيعة بوصفها غاية نهائية
في المقابل للنموذج الفكري المتعالي، تقوم الروحانية الطبيعانية بحركة راديكالية، فتنكر أي واقع فائق للمادة وتُعرّف العالم الفيزيائي نفسه (الطبيعة) بوصفه الحقيقة الوحيدة الموجودة، وبالتالي، المصدر الأوحد الممكن للمعنى والقيمة والقداسة. هذه النقلة الأنطولوجية تتطلّب إعادة تعريف كاملة لمفهوم «الروحانية» ضمن إطار مادي وعلماني بحت. وقد سعى مفكرون مختلفون في هذا المجال إلى صياغة هذا المشروع من الناحية النظرية.
١. أورسولا غوديناف و«دين الطبيعة»
تقدّم أورسولا غوديناف، عالمة بيولوجيا الخلية، في كتابها المؤثر «الأعماق المقدسة للطبيعة»[26]، واحدة من أبرز المحاولات لتدوين «دين طبيعاني»[27]. هي تستدل بأن السرد العلمي للكون -من الانفجار العظيم إلى التطور البيولوجي- يمكن بل يجب أن يحل محلّ أساطير الخلق في الأديان التقليدية. «هذه القصة الملحمية للتطور»[28]، هي في حد ذاتها، مفعمة بالدهشة والجلال والمعنى[29]. من وجهة نظر غوديناف، فإن الإحساس بـ«القداسة» لا ينشأ من التواصل مع إله شخصي، بل هو رد فعل عاطفي ووجودي للحقائق المذهلة التي كشفها العلم. تكتب قائلة: «إن الإحساس الديني بالعالم، أي الإحساس بالرهبة والاحترام تجاهه، يتوافق تمامًا مع فهم طبيعاني عميق للعالم»[30]. في هذه الرؤية، يعني «الأمر المقدس» إدراك المرء لمكانه في هذه القصة الكونية العظيمة والشعور بالاتصال بشبكة الحياة. الروحانية، في الواقع، هي الامتنان الواعي لحقيقة أننا نتاج عملية دامت 14 مليار سنة.
٢. برون تايلور و«الدين الأخضر الداكن»
برون تايلور، الباحث البارز في هذا المجال، يحلّل في كتابه: «الدين الأخضر الداكن»[31] هذه الظاهرة من منظور سوسيولوجي وفلسفي. هو يرى أنه بالنسبة لشريحة متزايدة من سكان العالم، أصبحت الطبيعة المصدر الرئيسي لمعنى الحياة. هذا «الدين» لا يشمل بالضرورة الإيمان بأرواح أو آلهة الطبيعة (الإحيائية[32] أو وحدة الوجود[33])، بل يمكن أن يكون طبيعانيًا وإلحاديًا بالكامل. في هذا الشكل، تُمنح القيمة النهائية للطبيعة نفسها، وللتنوع البيولوجي، وللعمليات الإيكولوجية. يعتقد تايلور أن هذا النوع من الروحانية هو قوة جبّارة للنشاط البيئي، لأنه عندما تُعتبر الطبيعة «مقدسة»، فإن الدافع لحمايتها سيكون أقوى بكثير[34]. في هذه الرؤية، تُختزل الأنطولوجيا إلى محايثة مطلقة[35]: لا يوجد شيء خارج الطبيعة، وكل ما يسمّى «روحانيًا» يجب أن يُفسّر في قلب هذا النظام المادي والعلاقات الإيكولوجية ذاتها.
٣. سام هاريس و«الروحانية دون إيمان»
سام هاريس، أحد أبرز وجوه «الإلحاد الجديد»[36]، في كتابه «الصحوة: دليل إلى الروحانية بدون دين»[37]، يحاول فصل التجارب الروحانية مثل تجربة «فناء الأنا»[38] أو «الوعي المحض» عن الأطر الدينية وتقديم تفسير عصبي بيولوجي وطبيعاني بحت لها. هو يعتقد أن هذه التجارب، التي وصفها العرفاء والمتألهون تقليديًا، هي حالات حقيقية وقابلة للتحقيق للدماغ ولا تتطلّب أي افتراض لوجود إله أو روح لتفسيرها. من وجهة نظر هاريس، تعني الروحانية «استكشاف ماهية الوعي» عبر طرق مثل التأمل، دون القبول بـ«المعتقدات التي لا أساس لها» للأديان[39]. يقول: «لا شيء يمنع ملحدًا من إغماض عينيه وتجربة الحب أو الشفقة اللامتناهية».
هنا، يُختزل الأمر الروحاني إلى ظاهرة داخلية وذهنية ودماغية بحتة، يمكن هندستها بتقنيات محددة.
٤. ريتشارد دوكينز و«رهبة العلم»:
على الرغم من أن ريتشارد دوكينز لا يستخدم مصطلح «الروحانية» مباشرة، فإنه في كتابه «تفكيك قوس قزح: العلم والوهم والشهية للرهبة»[40]، يتابع ضمنيًا المشروع نفسه. في رده على اتهام العلم بإفراغ العالم من الغموض والرهبة، يجادل بأن الفهم العلمي للعالم، على العكس، يجعله أكثر إثارة للدهشة وشاعرية من التفسيرات الأسطورية والدينية. من وجهة نظر دوكينز، فإن فهم تعقيد خلية حية، أو عظمة الكون، أو دقة عملية التطور، يمكن أن يكون بحد ذاته مصدرًا لأعمق المشاعر «الشبيهة بالدين»[41]. في هذه النظرة، تحل «الرهبة العقلانية» محل «القداسة»، وليست الروحانية سوى متعة الاستمتاع بجمال وعظمة التفسيرات العلمية.
في جميع هذه الرؤى، تقوم أنطولوجيا الروحانية الطبيعانية على هذا المبدأ الراسخ: العالم المادي نظام مغلق ومكتفٍ ذاتيًا. يُختزل الأمر المقدس من حقيقة موضوعية ومتعالية، إلى تجربة سيكولوجية، أو قيمة من صنع الإنسان، أو ظاهرة عصبية-بيولوجية تحدث في مواجهة عظمة الطبيعة أو تعقيدها أو جمالها. هذه الرؤية، بشجاعتها، تحاول تلبية حاجة الإنسان إلى المعنى والرهبة ضمن إطار مادي وعلماني بالكامل، ولكن، كما سيتضح في القسم التالي، يواجه هذا المشروع تحديات فلسفية ووجودية خطيرة.
ج) التحديات الأنطولوجية والمعرفية للروحانية الطبيعانية
إن المشروع الفكري لتدوين روحانية طبيعانية، الذي يتابعه مفكرون أمثال غوديناف وتايلور وهاريس ودوكينز، يبدو في ظاهره محاولة للتوفيق بين حاجة الإنسان الفطرية إلى المعنى والرهبة مع منجزات العلم الحديث. لكن هذا المشروع، عند فحصه فلسفيًا بدقة، لا يفشل في تحقيق هذا الهدف فحسب، بل إنه، باختزاله الأمر المقدس إلى ظواهر مادية، يفرّغ مفهوم الروحانية من محتواه. في ما يلي، تُناقش هذه التحديات الجوهرية بالتفصيل.
١. الخطأ المقولي ومسألة «متعلَّق» التجربة الروحانية:
النقد الأساسي الموجه لهذه الرؤية هو ارتكاب «خطأ مقولي»[42] دقيق ولكنه حاسم. يُعرّف هؤلاء المفكّرون «التجربة الروحانية» (مثل الإحساس بالرهبة، أو الوحدة، أو فناء الذات) بشكل صحيح كواقع سيكولوجي وعصبي-بيولوجي، لكنهم يخلطون خطأً بين هذه «التجربة» وبين «متعلَّق» أو موضوع تلك التجربة، أو يختزلون متعلَّقها إلى مجرد ظاهرة طبيعية.
إن حجة سام هاريس بشأن إمكانية الوصول إلى حالات عرفانية عبر التأمل دون الإيمان بالله هي مثال صارخ على هذا الخطأ. فهو يُظهر بحق أن الدماغ البشري لديه القدرة على توليد مثل هذه الحالات[43]. لكن هذه النتيجة لا تنفي بأي حال من الأحوال وجود حقيقة متعالية. فمن منظور لاهوتي، ليس الدماغ «خالق» هذه التجربة، بل «مستقبِلها» و«معالجها». وكما أن العين هي أداة لرؤية النور وليست هي النور نفسه، فإن الدماغ أيضًا هو أداة لإدراك التجارب الروحانية، ولكنه ليس بالضرورة مصدرها. بتقليله هذه التجارب إلى مجرد تفاعلات كيميائية، يقضي هاريس في الواقع على مصداقيتها المعرفية. فإذا كانت تجربة الوحدة مع الكون مجرد نمط معين من النشاط في شبكة الوضع الافتراضي للدماغ، فإن هذه التجربة لا تكشف أي حقيقة عن «واقع» العالم، وتتحول إلى «وهم ممتع». هذا بينما في الحكمة المتعالية، تُصنَّف هذه التجارب ضمن «العلم الحضوري»؛ أي الكشف المباشر عن حقيقة موضوعية، وليس مجرد خلق صورة ذهنية عنها[44].
٢. المأزق في التبيين النهائي والهروب من الأسئلة الميتافيزيقية:
«القصة الملحمية للتطور»، التي قدّمها كلٌّ غوديناف ودوكينز كبديل للرؤية الدينية، هي في أحسن الأحوال قصة «داخل النظام». هذه الرواية تخبرنا بما حدث «داخل» هذا الكون، لكنها عاجزة عن الإجابة عن أسئلة «خارج النظام». هذه الأسئلة هي:
مسألة الوجود: لماذا يوجد هذا النظام (الكون) بهذه القوانين الخاصة أصلًا؟ لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ إن الطبيعانية، بقبولها الكون كـ«واقع غائي لا جدال فيه»، تتهرب في الواقع من الإجابة عن هذا السؤال الجوهري وتدعو العقل إلى الصمت[45].
مسألة النظام والضبط الدقيق: لماذا ضُبطت الثوابت الفيزيائية الأساسية (مثل ثابت الجاذبية أو القوة النووية القوية) بدقة بحيث أتاحت ظهور الحياة؟ إن أدنى تغيير في هذه المقادير كان سينتج عنه عالم بلا نجوم وبلا حياة. الطبيعانية تُرجع هذا «الضبط الدقيق» إلى «الصدفة» (في إطار فرضية الأكوان المتعددة) أو إلى مصادفة كونية خارقة، وكلاهما يفتقر إلى القوة التفسيرية الكافية. في المقابل، يرجع اللاهوت التوحيدي ذلك إلى «حكمة» و«علم» مصمم ذكي، وهو تفسير أبسط وأكثر عقلانية بكثير[46].
هذا الهروب من الأسئلة الميتافيزيقية يحوّل الروحانية الطبيعانية إلى روحانية سطحية تفتقر إلى العمق الفلسفي، ولا ترى سوى القشرة الخارجية للواقع وتمتنع عن الغوص في أعماقه.
٣. أزمة المعنى والقيمة في عالم «لا مبالٍ»:
إن التحدي الوجودي الأهم لهذه الرؤية هو مفارقة استخراج «المعنى» و«القيمة» من عالم يفتقر في أساسه إلى أي هدف أو معنى أو قيمة ذاتية. بقول برتراند راسل، الملحد البارز، فإن الإنسان هو نتاج «علل لم تكن لديها أي رؤية مسبقة للغاية التي تصل إليها»، ومصيره «ليس له بيت إلا في القبر»[47]. إذا كانت هذه الصورة عن العالم صحيحة، إذًا:
المعنى المصنوع ذاتيًا هَشٌّ: المعنى الذي «يخلقه» الإنسان لنفسه هو أمر ذاتي وتعاقدي. كيف يمكن لهذا المعنى أن يصمد أمام العدمية الناشئة عن الموت، والآلام الهائلة، والظلم في العالم؟ هذا «المعنى الشجاع» يرتكز في النهاية على عدمية جوهرية، ولا يمكنه تلبية أعمق حاجة للإنسان إلى معنى خالد وموضوعي.
القيمة الذاتية وهم: كما أُشير، في عالم مادي بحت، «القيمة» هي مجرد وسم إنساني. عندما يتحدّث برون تايلور عن «القيمة الذاتية» للطبيعة[48]، فإنه يستخدم، عن غير وعي، إرثًا لغويًا ومفاهيميًا للأديان، بينما ينكر أساسه الفلسفي. إذا كان البشر مجرد نوع واحد من بين ملايين الأنواع الأخرى التي ظهرت نتيجة عملية عشوائية، فأي تفوق أو موضوعية يمكن أن تكون لأحكامهم القيمية؟ هذا الأمر يؤدي إلى نسبوية أخلاقية عميقة تجعل حتى الأخلاق البيئية نفسها بلا أساس. لماذا يجب أن يكون «التنوع البيولوجي» أثمن من «صحراء صخرية»، إذا كان كلاهما نتاج قوانين الطبيعة العمياء؟
٤. الاختزالية في مقابل الشمولية:
في النهاية، إن مشروع الروحانية الطبيعانية هو مشروع اختزالي عميق. تسعى هذه الرؤية إلى اختزال الظواهر ذات المستوى الأعلى (مثل الوعي، الحب، الأخلاق، الروحانية) إلى ظواهر ذات مستوى أدنى (تفاعلات كيميائية، قوانين فيزيائية، عمليات تطورية). هذا التوجه يتجاهل غنى هذه الظواهر وتعقيدها واستقلالها النسبي.
في المقابل، يقدم اللاهوت التوحيدي توجّهًا شموليًا وهرميًا. في هذه الرؤية، لكل مستوى من مستويات الوجود (المادة، الحياة، الوعي، الروح) واقعه وقوانينه الخاصة، وجميعها تجد معناها في نظام متكامل ينبع من مصدر واحد[49]. هذه الرؤية لا تنفي العلم، بل تضعه في مكانه المناسب: اكتشاف القوانين التي تحكم أحد مراتب الوجود، دون تعميم هذه المرتبة على الوجود بأسره.
نتيجة لذلك، تتحول الروحانية الطبيعانية، على الرغم من نيتها في تقديم رؤية كونية حديثة وعلمية، إلى أيديولوجية مادية اختزالية في نهاية المطاف، بسبب مآزقها الأنطولوجية والمعرفية، وهي ليست قادرة على تقديم تفسير عقلاني للكون، ولا على الاستجابة لأعمق الاحتياجات الوجودية للإنسان. هذا المشروع، بحذفه الأمر المتعالي، لا يصل إلى الروحانية فحسب، بل يقضي على إمكانية وجود روحانية أصيلة وراسخة أيضًا.
التحليل المعرفي: الوحي والعقل في مقابل التجربة الحسية
بعد دراسة الأسس الأنطولوجية، يُعد المحور الأساسي الثاني للمقارنة هو النظام الإبستمولوجي والمعرفي لهذين النموذجين الفكريين. السؤال الرئيسي في هذا القسم هو: «ما هو الطريق والأداة المعتبرة لاكتساب المعرفة الروحانية والوصول إلى الحقيقة؟». إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد مصداقية أي نظام روحاني ومتانته.
أ) الهندسة المعرفية في الروحانية الدينية: التفاعل المنهجي بين الوحي والعقل والقلب
إن نظرية المعرفة في اللاهوت الإسلامي، لا سيما في المدرسة الشيعية، هي نظام شامل ومتعدّد الطبقات يعترف بمصادر المعرفة المختلفة ليس في حالة تضاد، بل في حالة تفاعل وتناغم مع بعضها بعضًا. هذه الهندسة المعرفية تتجنّب الاختزالية وتقدم لكل مجال أداته المناسبة.
الوحي: على رأس هذا الهرم المعرفي، يقع «الوحي». الوحي هو مصدر معرفي معصوم ومباشر ينزل من علم الله المطلق على قلوب الأنبياء ليبين للبشر الحقائق الوجودية الأساسية، ومسار السعادة، والأطر الأخلاقية[50]. الوحي ليس مصدرًا للمعرفة فقط، بل يُعتبر المعيار النهائي للحكم على صحة المكتسبات المعرفية الأخرى أيضًا. فحقائق مثل المبدأ والمعاد، والصفات الإلهية، وتفاصيل الشريعة، هي أمور لا يستطيع العقل إدراكها بالكامل بمفرده ويحتاج إلى هداية الوحي.
العقل: خلافًا لتصور بعض المذاهب التي ترى تضادًا بين الدين والعقل، يحتل العقل في الفكر الشيعي مكانة رفيعة بوصفه «الحجة الباطنة» إلى جانب الأنبياء الذين هم «الحجة الظاهرة»[51]. العقل هنا يعني قوة الاستدلال والبرهان التي يمكنها إثبات الأصول الاعتقادية الكلية مثل وجود الله وضرورة النبوة. كما أن العقل أداة حيوية لفهم النصوص الدينية، واستنباط الأحكام، ودفع الشبهات. القاعدة المشهورة «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» تدل على الصلة الوثيقة بين هذين المصدرين[52].
الشهود القلبي والتجربة الدينية: الضلع الثالث لهذا المثلث المعرفي هو «الشهود القلبي» أو «العلم الحضوري». هذا الطريق المعرفي، الذي يُؤكَّد عليه كثيرًا في العرفان الإسلامي، يعني التجربة المباشرة للحقيقة عن طريق تزكية النفس والسلوك الروحاني[53]. إن مشاهدة الآيات الإلهية في الطبيعة (السير في الآفاق) والتأمل في النفس (السير في الأنفس) يمكن أن يمهّد الطريق أمام هذا الكشف والشهود. ومع ذلك، فإن مصداقية هذه التجارب الشهودية والمكاشفات ليست مطلقة ولا تحتاج إلى تقويم، بل يجب دائمًا تقويمها بمعيارين نهائيين، وهما البرهان العقلي القاطع والنص الوحياني الصريح (الكتاب والسنة)، لتبقى في مأمن من الانحرافات والامتزاج بالخيالات النفسانية[54].
ب) نظرية المعرفة الطبيعانية: الاتكاء الحصري على التجربة الحسية وشهود الطبيعة
إن الروحانية الطبيعانية، بنفيها لأي مصدر معرفي فائق للمادة، تحصر نظامها المعرفي في مصدرين أساسيين:
التجربة الحسية-العلمية: الطريق الأول والأساسي للمعرفة في هذه الرؤية هو المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجريب والتجربة الحسية. تُكتشف حقائق العالم من خلال العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والبيولوجيا وعلم الكونيات. تقدم هذه الرؤية قصة نشأة الكون من «الانفجار العظيم» وتطور الحياة كـ«رواية نشأة» جديدة حلّت محل أساطير الخلق الدينية[55].
شهود الطبيعة: المصدر الثاني هو التجربة الشخصية والعاطفية والشهودية للطبيعة. إن الإحساس بالدهشة أمام منظر طبيعي، أو الشعور بالوحدة مع الكائنات الأخرى، أو تجربة حضور مريح في الطبيعة، كلها تُعتبر «معرفة روحانية». هذه التجارب، بحد ذاتها، هي مصدر للمعنى والقيمة، ولا تحتاج إلى تأييد من مصدر خارجي[56].
ج) محدوديات ومآزق نظرية المعرفة الطبيعانية
هذا النظام المعرفي الاختزالي، على الرغم من مظهره العلمي، يواجه مشكلات معرفية جادة وجوهرية:
أزمة الذاتية والنسبوية: مع حذف الوحي والعقل البرهاني كمعايير موضوعية، يصبح المعيار الوحيد لصحة تجربة روحانية هو التجربة نفسها والإحساس الفردي. هذا الأمر يؤدي حتمًا إلى الذاتية والنسبوية المطلقة. إذا كانت تجربة شخص من الطبيعة توصله إلى الشعور بالوحدة والعطف، وتجربة شخص آخر (مثلًا بمشاهدة القسوة في دورة الصيد) توصله إلى العبثية واللامعنى، فأيهما أكثر مصداقية؟ هذا النظام المعرفي لا يقدّم أيّ أداة للحكم بين التجارب المتعارضة ويحوّل الروحانية إلى أمر شخصي تمامًا وغير قابل للنقل.
العجز عن تجاوز مستوى الظاهر إلى الحقيقة النهائية: التجربة الحسية والعلمية قادرة على وصف «كيفية» عمل العالم فقط، لكنها عاجزة عن الإجابة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بـ«لماذا». يمكن للعلم أن يوضح العمليات الكيميائية التي تؤدي إلى الحياة، لكنه لا يستطيع الإجابة عن سؤال «ما معنى الحياة وهدفها؟». إن الاتكاء الحصري على التجربة الحسية يحبس المعرفة في مستوى الظواهر[57] ويسدّ الطريق أمام الوصول إلى الحقائق النهائية والنومينية[58]. بعبارة أخرى، لا تستطيع نظرية المعرفة هذه التمييز بين «الوصف»[59] و«التبيين»[60].
مفارقة الطبيعة المزدوجة: الطبيعة، كما هي مصدر للجمال والنظام والسكينة، هي أيضًا منبع للألم والعنف والكارثة (العواصف، الزلازل، الأمراض، الانقراض). كيف يمكن لنظرية معرفة قائمة فقط على ملاحظة الطبيعة أن تفسر هذا الوجه المزدوج؟ إذا كانت الطبيعة هي أساس الأخلاق والمعنى، فهل يجب علينا أن نقبل القسوة و«بقاء الأصلح» كمبدأ روحاني أيضًا؟ الروحانية الدينية، بتقديمها مفهوم «الابتلاء الإلهي»، و«الحكمة الكامنة في الألم»، و«العدالة النهائية في الآخرة»، تقدم إطارًا لفهم هذه الازدواجية[61]. لكن الروحانية الطبيعانية في مواجهة مسألة الشر والألم، إما أن تلتزم الصمت، أو تتوسل بتبريرات غير مقنعة مثل «هذه هي طبيعة الأشياء»، وهي تفتقر إلى أي شحنة معنوية أو مواساة.
نتيجة لذلك، فإن النظام المعرفي للروحانية الطبيعانية، بسبب اختزال مصادر المعرفة إلى التجربة الحسية والشهود الفردي، هو نظام فقير وغير فعال من الناحية المعرفية. هذا النظام يفتقر إلى معايير موضوعية للحكم على الحقيقة، وهو عاجز عن الإجابة عن الأسئلة النهائية، وحائر في تفسير ظواهر مثل الشر والألم. في المقابل، فإن الهندسة المعرفية لدين الأساس، من خلال إنشاء نظام متناغم من الوحي والعقل والشهود القلبي، تعترف بقدرات المعرفة التجريبية والتجربة الشخصية، وتضعهما في إطار متماسك وذي معنى وقابل للتقويم، وبهذه الطريقة، تفتح طريقًا أكثر رسوخًا وموثوقية أمام الإنسان للوصول إلى الحقيقة.
التحليل القيمي والغائي: القرب الإلهي في مقابل الرفاه البيئي
بعد دراسة الأسس الأنطولوجية والمعرفية، تأتي النوبة لتحليل عواقب هذين النموذجين الفكريين في مجال علم القيم وعلم الغايات. في هذا القسم، تتم الإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية: «ما هو منشأ القيم الأخلاقية؟»، «ما هو التكليف النهائي للإنسان؟»، و«ماذا يمكن أن يكون الهدف الغائي للحياة؟». إن إجابة أي نظام روحاني عن هذه الأسئلة ترسم توجهه العملي وأفقه النهائي.
أ) الأخلاق والغاية في الروحانية الدينية: التكليف الإلهي والكمال الروحاني
في نظام الروحانية الدينية، يقوم بنيان القيم والأخلاق على الإرادة التشريعية للخالق. «الخير» و«الشر» هما مفهومان موضوعيان لهما جذور في الواقع والحكمة الإلهية، وليسا مجرد اتفاقات اجتماعية أو مشاعر فردية. يتميز هذا النظام الأخلاقي بالخصائص التالية:
المنشأ الإلهي والإلزام في الأخلاق: القيم الأخلاقية ملزمة؛ لأنها أمر من شارع حكيم وعالم مطلق. هذا المنشأ الإلهي يحمي الأخلاق من خطر النسبوية والمزاجية. إن تكليف الإنسان تجاه الطبيعة والمخلوقات الأخرى ليس مجرد اختيار شخصي، بل هو واجب ديني وأمانة إلهية. الإنسان بوصفه «خليفة الله على الأرض»[62] يتحمل مسؤولية رعاية عالم الخلق، الذي هو أمانة في يده، بأفضل شكل ممكن[63]. هذه النظرة تمنح الأفعال البيئية عمقًا ودافعًا يتجاوز المصالح المادية.
الغاية المتعالية: القرب الإلهي والسعادة الأبدية: الهدف النهائي للحياة في هذا النموذج الفكري لا يقتصر على الرفاه في هذا العالم المادي. الغاية القصوى هي كمال الروح الإنسانية والوصول إلى «القرب الإلهي»؛ أي الاقتراب من مركز الكمالات ومنبع الوجود عن طريق العبودية والمعرفة والتخلّق بالأخلاق الإلهية. الحياة الدنيوية هي «مزرعة الآخرة» ومرحلة انتقالية لاكتساب الاستحقاق اللازم للوصول إلى الحياة الأبدية. هذا الأفق الغائي يمنح آلام الإنسان وجهوده وتضحياته معنى عميقًا. إن الحفاظ على البيئة، في هذا الإطار، هو عمل عبادي ووسيلة لكسب رضى الخالق والوصول إلى السعادة الأخروية، وليس هدفًا في حد ذاته[64].
شمولية الأخلاق: يشمل النظام الأخلاقي الديني جميع أبعاد حياة الإنسان؛ من علاقة الإنسان بالله (العبادات)، إلى علاقته بنفسه (تهذيب النفس)، وبالآخرين (الأخلاق الاجتماعية)، وبعلاقته مع الطبيعة (الأخلاق البيئية). تعمل هذه الأبعاد المختلفة بشكل متكامل ومتناغم، وجميعها موجّهة نحو الهدف الغائي نفسه، أي الكمال الإنساني.
ب) الأخلاق والغاية في الروحانية الطبيعانية: البقاء والرفاه والانسجام الإيكولوجي
الروحانية الطبيعانية، بنفيها أي مصدر فائق للمادة، تضطر إلى البحث عن أساس قيمها في قلب الطبيعة نفسها. يتخذ هذا الأمر عادةً أحد شكلين رئيسيين:
الأساس المتمحور حول الإنسان: في هذا التوجه، تُعرّف القيم بناءً على تأثيرها في «الرفاه النفسي والجسدي» للإنسان. التواصل مع الطبيعة «جيد»، لأنه يقلل من التوتر، ويحسّن الصحة، ويثير الإحساس بالدهشة. في هذه النظرة، الطبيعة هي أداة للوصول إلى أهداف إنسانية، حتى لو سُميت هذه الأهداف بـ«الروحانية».
الأساس المتمحور حول البيئة: في التوجّه الأكثر راديكالية، تُمنح القيمة الذاتية ليس للإنسان، بل للنظام البيئي بأسره أو «شبكة الحياة». بناءً على هذه الرؤية، التي نُظِّر لها في «البيئة العميقة»، لا يمتلك الإنسان أي تفوّق ذاتي على الأنواع الأخرى، والهدف الأخلاقي هو الحفاظ على «تكامل واستقرار وجمال المجتمع الحيوي»[65]. «الخير» هو ما يساعد على صحة النظام البيئي بأكمله.
الغاية النهائية في كلا التوجهين هي أمر محايث: في التوجه الأول، تعظيم جودة الحياة الفردية في هذا العالم، وفي التوجه الثاني، الوصول إلى انسجام مستدام بين الإنسان والطبيعة من أجل بقاء الكوكب على المدى الطويل.
ج) أزمة المشروعية والأفق المحدود في علم القيم الطبيعاني
هذا النظام القيمي والغائي، على الرغم من جاذبيته الظاهرية، يعاني من نقائص جوهرية:
المغالطة الطبيعانية: يحاول هذا النظام باستمرار استنتاج «ما يجب أن يكون» الأخلاقي من «ما هو كائن» في الطبيعة. كون الطبيعة «كائنة» على نحو ما، لا يستلزم بحد ذاته أن «نحافظ» عليها. لإنشاء هذا الجسر، هناك حاجة إلى مبدأ قيمي مسبق لا تستطيع الطبيعة نفسها توفيره[66]. لماذا يجب أن تكون «سلامة النظام البيئي» قيّمة؟ الإجابة الطبيعانية تعود في النهاية إلى حلقة مفرغة منطقية أو تفضيل شخصي.
فقدان الإلزام والدافع للإيثار: إذا كانت الغاية النهائية هي الرفاه الشخصي أو حتى بقاء النوع، فما هو التبرير للتضحيات الكبرى والإيثار الذي يتجاوز المصلحة الفردية أو الجماعية؟ لماذا يجب على فرد أو جيل أن يضحي بمصالحه من أجل الأجيال القادمة أو الأنواع الأخرى، بينما لا يوجد أي جزاء أو معنى غائي يتجاوز هذا العالم في الأفق؟ الأخلاق الدينية، بوعدها بالجزاء الأخروي والمعنى الإلهي للإيثار، توفر دافعًا قويًا تفتقر إليه الأخلاق العلمانية.
الأفق المحدود والعجز عن مواجهة المأساة: إن علم الغايات الطبيعاني له أفق أرضي ومحدود تمامًا. هذه الرؤية لا تملك إجابة عن أكبر مأساة وجودية للإنسان، وهي الموت. إذا كان كل المعنى والهدف يتلخّص في هذه الحياة، فإن الموت يتجلّى كفناء مطلق ونهاية لا معنى لها لكل شيء. كيف يتعامل هذا النظام مع الآلام التي لا مبرر لها، والظلم الذي لا يُجبر، وموت الأحباء؟ الروحانية الدينية، بطرحها فكرة «المعاد» و«الحياة بعد الموت»، لا تجيب على هذه الأسئلة فحسب، بل تمنح الحياة الحالية عمقًا ووجهة، وتنقذها من العدمية الناشئة عن الفناء[67].
التعارض الداخلي بين التمركز حول الإنسان والتمركز حول البيئة: غالبًا ما يتعارض هذان الأساسان الأخلاقيان في الروحانية الطبيعانية مع بعضهما. هل يجب التضحية بمصالح الإنسان في أوقات الأزمات (مثلًا من أجل التنمية الاقتصادية) من أجل نظام بيئي، أم العكس؟ هذا النظام لا يقدم معيارًا واضحًا لحل هذه التعارضات، وينتهي به الأمر إلى مآزق عملية.
في الختام، يعاني نظام القيم والغايات للروحانية الطبيعانية من أزمة في تأمين المشروعية والإلزام والمعنى الغائي للأخلاق والحياة، وذلك بسبب افتقاره إلى مبدأ متعالٍ وأفق فائق للمادة. هذه الرؤية، في أفضل الأحوال، يمكن أن تكون «دليل عمل» حكيم للحياة على هذا الكوكب، لكنها قاصرة عن تقديم «فلسفة حياة» شاملة تستجيب لجميع أبعاد الوجود الإنساني، بما في ذلك حاجته إلى العدالة والخلود ومعنى الألم. في المقابل، توفر الروحانية الدينية الأساس، من خلال إرساء الأخلاق على التكليف الإلهي ورسم غاية متعالية، إطارًا منسجمًا ومحفّزًا وذا معنى لحياة أخلاقية وهادفة.
٤. الاستنتاج
أظهر التحليل المقارن أن الروحانية الدينية الأساس والروحانية المتمحورة حول الطبيعة (في شكلها الطبيعاني) تختلفان بعمق في أسسهما. إن الروحانية المتمحورة حول الطبيعة، بوضعها الطبيعة في مقام الأمر المقدس، تعاني في الواقع من نوع من الاختزالية الأنطولوجية، حيث يُختزل الأمر المتعالي والغني إلى أمر مادي ومحدود. هذا التوجه، على الرغم من أنه يمكن أن يثير تجارب عاطفية إيجابية مثل «الرهبة» و«الاتصال»، يواجه تحديات جدية في تأسيس إطار معنوي راسخ يمكنه الإجابة عن الأسئلة الوجودية الجوهرية (لماذا أنا هنا؟)، والمعرفية (كيف أعرف الحقيقة؟)، والأخلاقية (كيف يجب أن أعيش؟).
من منظور اللاهوت الشيعي، لا يعني هذا النقد نفي القيمة الروحانية للطبيعة، بل يعني إعادتها إلى مكانتها الحقيقية. في العرفان الإسلامي، العالم بأسره هو «تجلٍّ» لأسماء الله وصفاته، والطبيعة كتاب مفتوح يمكن مشاهدة الخالق فيه[68]. جمال الطبيعة ونظامها ليسا هما الخالق نفسه، بل مرآة تعكس جمال الخالق وعلمه. بناءً على ذلك، فإن الروحانية الأصيلة ليست غريبة عن الطبيعة فحسب، بل تقيم معها أعمق وأكثر العلاقات معنى؛ علاقة تتجاوز سطح الظواهر وتصل إلى خالقها.
في النهاية، يجادل هذا البحث بأن أزمة المعنى في العالم الحديث لن تُحل باستبدال أمر واجب (الخالق) بأمر ممكن (الطبيعة). الروحانية الطبيعانية، في أفضل حالاتها، يمكن أن تقدم مسكنًا عاطفيًا أو أخلاقًا بيئية دنيا، لكنها عاجزة عن تقديم «فلسفة حياة» شاملة و«غاية نهائية» تمنح معنى لآلام البشر وآمالهم. الحل لا يكمن في حذف الاستعلاء، بل في إعادة اكتشافه من خلال التأمّل في الآيات الإلهية المحايثة في الطبيعة ووجود الإنسان. يقترح هذا البحث أن تتناول الدراسات المستقبلية بشكل ميداني التحليل المقارن لمؤشّرات الرفاه النفسي ومعنى الحياة بين أتباع هذين النموذجين الفكريين؛ لتوضيح التبعات العملية لهذه الاختلافات الجوهرية بشكل أكبر.
المصادر
جعفري، محمدتقي، ترجمة وتفسير نهج البلاغة. ج. ٢٥. طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامي، ١٣٧٨ هـ.ش.
جوادي آملي، عبدالله، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، قم: اسراء، ١٣٨٦ هـ.ش.
الشيرازي، صدرالمتألهين، محمد بن ابراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج١، و٣، و٧، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٩٨١م (١٤٠١ هـ.ق).
الطباطبائي، سيد محمدحسين، اصول فلسفه و روش رئالیسم، ج. ٥. مع هوامش مرتضى مطهري. طهران: صدرا، ١٣٨٧ هـ.ش.
________، الميزان في تفسير القرآن، ج. ٥ و٦. قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم،، ١٤١٧ هـ.ق.
الغزالي، أبوحامد. د.ت. «الحكمة في مخلوقات الله». بيروت: دار الكتب العلمية.
كليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق علي اكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ هـ.ق.
مصباح يزدي، محمدتقي، فلسفه اخلاق، تحقيق ونگارش احمدحسين شريفي، قم: انتشارات مؤسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني، ١٣٨٩ هـ.ش.
مطهري، مرتضى، عدل الهي، طهران: صدرا، ١٣٧٤ هـ.ش.
نصر، سيد حسين، معرفت و معنویت، ترجمه انشاءالله رحمتي. طهران: دفتر پژوهش و نشر سهروردي، ١٣٨٨ هـ.ش.
Albrecht, G. 2012. “Psychoterratic and Somaterratic Transdisciplinarity.” In Transdisciplinarity: Bridging Science, Society, and Environment, edited by D. Fam, J. Palmer, C. Riedy, and C. Mitchell, 110-123. London: Routledge.
Craig, William Lane, and James D. Sinclair, “The Kalam Cosmological Argument.” In The Blackwell Companion to Natural Theology, edited by William Lane Craig and J.P. Moreland, 101–201. Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2009.
Dawkins, Richard (1998), Unweaving the Rainbow: Science, Delusion and the Appetite for Wonder. Houghton Mifflin.
Goodenough, Ursula, The Sacred Depths of Nature, New York: Oxford University Press, 1998.
Harris, Sam, Waking Up: A Guide to Spirituality Without Religion, New York: Simon & Schuster, 2014.
Leopold, Aldo, A Sand County Almanac and Sketches Here and There. New York: Oxford University Press, 1949.
Lewis, Geraint F., and Luke A. Barnes. 2016. A Fortunate Universe: Life in a Finely Tuned Cosmos. Cambridge: Cambridge University Press.
Mercadante, Linda A. 2014. Spirituality without Religion: Finding Meaning in a Secular Age. New York: Oxford University Press.
Nasr, Seyyed Hossein. 1996. Religion and the Order of Nature. New York: Oxford University Press.
Russell, Bertrand, Why I Am Not a Christian and Other Essays on Religion and Related Subjects, New York: Simon & Schuster, 1957.
Taylor, Bron. Encyclopedia of Religion and Nature. London & New York: Continuum International, 2005.
________, Dark Green Religion: Nature Spirituality and the Planetary Future, Berkeley: University of California Press, 2010.
Yandell, Keith E, Philosophy of Religion: A Contemporary Introduction, London: Routledge, 1999.
---------------------------------
[1]. باحثٌ في المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية. islamicdialogs@gmail.com.
[2]. Paradigms
[3]. Eco-Spirituality
[4]. Immanent
[5]. Transcendent
[6]. Spiritual But Not Religious – SBNR
[7]. Mercadante, 2014.
[8]. Eco-Spirituality
[9]. Taylor, 2005.
[10]. Nasr, 1996.
[11]. Naturalism
[12]. Subjectivism
[13]. Relativism
[14]. Ontological Basis
[15]. Epistemological Basis
[16]. Axiological and Teleological Basis
[17]. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، 1: 83.
[18]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 6: فصل «في أن واجب الوجود واحد».
[19]. الغاشية: 17-20.
[20]. آل عمران: 190؛ يس: 37-40.
[21]. الرعد: 3-4؛ فاطر: 27.
[22]. النحل: 66.
[23]. Transcendent
[24]. نصر، معرفت و معنویت، فصل «طبیعت به مثابه آینه».
[25]. Nature Worship
[26]. The Sacred Depths of Nature
[27]. Religious Naturalism
[28]. Epic of Evolution
[29]. Goodenough, The Sacred Depths of Nature, 17.
[30]. Ibid, xvii.
[31]. Dark Green Religion
[32]. Animism
[33]. Pantheism
[34]. Taylor, Dark Green Religion: Nature Spirituality and the Planetary Future, 13–15.
[35]. Absolute Immanence
[36]. New Atheism
[37]. Waking Up: A Guide to Spirituality Without Religion.
[38]. Ego Death
[39]. Harris, Waking Up: A Guide to Spirituality Without Religion, 8.
[40]. Unweaving the Rainbow: Science, Delusion and the Appetite for Wonder.
[41]. Dawkins,1998, Chapter 1.
[42]. Category Mistake
[43]. Harris, Waking Up: A Guide to Spirituality Without Religion, 52-54.
[44]. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، 3: مبحث في أن العلم بالشيء ليس نفس الصورة الحاصلة منه.
[45]. Craig and Sinclair, «The Kalam Cosmological Argument.» In The Blackwell Companion to Natural Theology, 192.
[46]. الغزالي، الحكمة في مخلوقات الله.
[47]. Russell Why I Am Not a Christian and Other Essays on Religion and Related Subjects., «A Free Man›s Worship», p5.
[48]. Taylor, Dark Green Religion: Nature Spirituality and the Planetary Future, 163-164.
[49]. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، 7: بحث التشكيك في الوجود.
[50]. الطباطبائي، اصول فلسفه و روش رئالیسم، فصل «وحی یا شعور مرموز».
[51]. الكليني، الکافی، 1: كتاب العقل والجهل.
[52]. جوادي آملي، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، فصل «همآوایی عقل و وحی».
[53]. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، 1: مقدمة.
[54]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 5: ذيل آية 53 من سورة فصلت.
[55]. Goodenough, The Sacred Depths of Nature, 33.
[56]. Taylor, Dark Green Religion: Nature Spirituality and the Planetary Future, 22.
[57]. Phenomena
[58]. Noumena
[59]. Description
[60]. Explanation
[61]. راجع: مطهري، عدل الهي.
[62]. البقرة: 30.
[63]. مصباح يزدي، فلسفه اخلاق، فصل «رابطه دین و اخلاق».
[64]. جعفري، ترجمة وتفسير نهج البلاغة، الرسالة ٥٣، عهد مالك الأشتر.
[65]. Leopold, The Land Ethic.
[66]. Yandell, Philosophy of Religion: A Contemporary Introduction, Chapter 4.
[67]. مطهري، عدل الهي، فصل «فلسفه شرور و مسئله معاد».
[68]. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 1.