الباحث : دعاء عبدالنبي حامد
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 39
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث : 537
الملخّص
تتناول الدراسة إشكالية الاختلاف بين الجماعية الأفريقية والذاتية الغربية، من خلال تفكيك البنى الفلسفية التي تأسّست عليها منظومة القيم في كل من السياقين. فبينما ترتكز الأخلاق الغربية على مركزية «الأنا» بوصفها ذاتًا عاقلة، حرة، محايدة، تبلورت الأخلاق الأفريقية على أساس جماعي تفاعلي يتجسّد في مفاهيم مثل «أوبونتو»[2] التي ترى الإنسان ككائن لا يكتمل وجوده إلا بالآخر. وتجادل الدراسة بأن المنظومة الأخلاقية الأفريقية لا تمثّل بديلًا أنطولوجيًا وأخلاقيًا فقط، بل تشكّل مقاومة فكرية لما أنتجته الحداثة الغربية من انقسامات أخلاقية واستعمارية. تُبرز الدراسة كيف تعيد الأخلاق الأفريقية الاعتبار إلى مفهوم «الإنسان في العلاقة»، في مواجهة الذات المفصولة والمنعزلة التي روّجت لها الفلسفة الغربية. وتطرح الدراسة تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الأخلاقية الأفريقية على تقديم بديل إنساني شامل يتجاوز التمركز الغربي حول «الأنا»، والذي لطالما هيمن على فلسفات الحداثة. وتستند الدراسة إلى مقاربة تحليلية مقارنة أفريقية، وتضعها في حوار نقدي مع أخلاقيات كانط وغيره من منظّري الأخلاق الغربية. وتهدف في النهاية إلى إعادة الاعتبار للمنظور الأفريقي بوصفه مشروعًا أخلاقيًا مضادًا لمركزية الأنا الغربية، ومؤسَّسًا على منطق التضامن والعلاقات المتبادلة بدلًا من التنافس والهيمنة. تناقش الدراسة عدة محاور هي على التوالي مركزية الأنا الغربية والتي توضح الصورة الغربية للذات الأوروبية في مقابل الذوات الأخرى. والمحور الثاني يتناول مدخلًا إلى الأخلاق الأفريقية وفيه عرض لتعريف الأخلاق الأفريقية مع أهم المصطلحات التي تعبر عن الأخلاق الأفريقية مع الإشارة إلى النظام القيمي الأفريقي. وفي المحور الأخير تتناول الدراسة مركزية الجماعة الأفريقية مقابل الفردية الغربية، وفيه طرح لما تعنية الشخصية كمكانة أخلاقية بالإضافة إلى أهداف الأخلاق الأفريقية من تحقيق الرفاهية والصالح العام وما يعنيه الواجب الأخلاقي في الإطار الأفريقي بالإضافة إلى مقارنة بين الجماعية الأفريقية والفردية الغربية، ثم خاتمة الدراسة.
الكلمات المفتاحية: الأخلاق الأفريقية، الأنا الغربية، أوبونتو، الطائفية الأفريقية، الشخصية الأخلاقية ، الرفاهية، الصالح العام، التضامن الجماعي، الإنسانية الأفريقية.
مقدمة
سادت الفكر الغربي النزعة العنصرية والنظرة الاستعلائية على الأعراق غير الأوروبيّة وعلى وجه الخصوص العرق الأفريقي الزنجي، متّهمين إيّاه بالدونية العقلية والأخلاقية مقارنة بغيره من الشعوب الأوروبية، فقد روّج العديد من الفلاسفة فكرة الدونية البيولوجية والأخلاقية للشعوب الأفريقية، دون النظر بعمق في الثقافة الأفريقية وما تحتويه من قيم أخلاقية تعلي من شأن الإنسانية دون التمييز بين الأعراق.
أن الغالب على الفكر الأخلاقي العالمي، خاصة في السياقات الأكاديمية، هو التركيز على الأخلاق الغربية الفلسفية منها والدينية، في حين حظيت الأخلاق غير الأوروبية، وخصوصًا الأفريقية، باهتمام أقل، أو عولجت في إطار دوني، ناتج عن رواسب الاستعمار وخطاب التفوّق الأوروبي. غير أن العقود الأخيرة شهدت نهوضًا فكريًا متزايدًا يعيد الاعتبار للثقافات الأخلاقية الأفريقية، من خلال إبراز خصوصياتها، وتجذّرها في السياق المجتمعي المحلي، وأصالتها كمصدر من مصادر الفلسفة العملية.
تعد الأخلاق في الفلسفة الأفريقية من الموضوعات الغنية التي تعكس التفاعل بين الأفراد والمجتمعات في إطار ثقافي مميز وفريد. تختلف الفلسفات الأفريقية في تنوّعها حسب الشعوب والقبائل المختلفة في القارة، لكنها تتشارك في الأساسيات التي تركّز على الطبيعة الجماعية للحياة، والروابط الاجتماعية، والعلاقة المتناغمة بين الإنسان والطبيعة. هذه الأخلاق الأفريقية لا تُبنى على أفعال فردية فقط، بل هي مرتبطة بتقاليد المجتمع وتوقّعاته من الأفراد الذين يعيشون فيه، مع التأكيد على القيم الإنسانية الجماعية. الأخلاق الأفريقية أحد الركائز الأساسية التي تشكّل هويّة الشعوب الأفريقية وثقافتها، فهي تعكس المبادئ والقيم التي توجّه سلوك الأفراد وعلاقتهم ببعضهم وبمجتمعاتهم. تتميز الأخلاق في المجتمعات الأفريقية بطابعها الجماعي، حيث يُنظر إلى الإنسان ليس كفرد مستقل، بل كجزء لا يتجزّأ من نسيج اجتماعي واسع يشمل الأسرة، المجتمع، وحتى الطبيعة. تعكس هذه الأخلاق رؤية فلسفية ترتكز على مفهوم التعايش والتعاون والتكافل، وهي قيم متجذرة في الفلسفات الأفريقية التقليدية.
لذلك تتناول الدراسة الأخلاق الأفريقية بوصفها نظامًا فلسفيًا مستقلًا، يتجاوز النماذج الغربية التقليدية التي تتمركز حول الفردانية والعقلانية المطلقة. تستعرض كيف أن الأخلاقيات الأفريقية تؤكّد على مركزية الجماعة، المسؤولية المتبادلة، والعلاقة التفاعلية بين الفرد والمجتمع. كما تتناول نقد مركزية الأنا الغربية، التي بُنيت على النزعة الذاتية والاستقلالية الفردية، مما أدى إلى إقصاء أنماط التفكير الأخرى، بما في ذلك الفلسفات الأفريقية التي ترتكز على التضامن والانتماء الجماعي. تسعى الدراسة إلى تفكيك هذا التحيّز المركزي، مقارِبةً بين الفكر الأخلاقي الأفريقي ومقولات الفلسفة الغربية، بغرض إعادة النظر في مفاهيم الأخلاق وفتح آفاق جديدة لفهم العلاقة بين الإنسان والمجتمع في إطار عالمي متعدد الأبعاد.
أوّلًا: مركزية الأنا الغربية
في الفلسفة الحديثة اعتقد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أن الإنسان كان في الأساس مكتفيًا ذاتيًّا ومكتفيًا بذاته؛ هو كائن عقلاني بطبيعته ومقيد بالعقل، ويجب عليه مواجهة العالم الخارجي بالشك[3]. قدم رينيه ديكارت فكرة الذات، «الشيء المفكر»، كوسيلة لتعريف الإنسان. ولم يكن يعلم أنه كان يبرز فكرة العقل إلى الواجهة، والتي سيتم استخدامها كنقد مباشر ضد الزنوج. ويمكن النظر إلى فكرته على أنها فكرة تلعب اليوم دورًا غير مباشر في الخطاب الرئيسي لمفهوم العرق. فها هو هيوم يبرز متعمقًا في فكرة العرق، ويبدو ذلك واضحًا في بعض مؤلَّفاته. لقد أبلغته نظريته عن العقل بطبيعة العرق، وكانت وسيلة للتعبير عن تحيّزه ضد السود. وعلى الرغم من أن ديكارت لم يقل شيئًا عن العرق أو العبودية بشكل مباشر، على الأقل ليس بالمعنى الحديث. ومع ذلك، اتهمه الكثير بالمسؤولية الفلسفية عن المواقف العنصرية الحديثة، وأن العبودية لم تكن واردة دون ديكارت.
من بعد ديكارت أدّت تحيّزات الفلاسفة الغربيين، مثل هيوم وكانط وهيجل وغيرهم إلى إنزال الأفريقي، وخاصة الأسود، إلى مستوى الكائن غير العقلاني، حيث جادل هيوم بأن الرجل الأسود يفتقر إلى القدرة العقلية والاختراع والحضارة والإبداع، وبالتالي فهو أدنى من العرق الأبيض. كما أن تشويه سمعة الأفارقة من قبل كانط كان ملحوظًا جدًا في خطابه عن الأفارقة. استبعد هيجل الأفارقة من حركة التاريخ أيضًا، موضحًا أن القارة ليس لديها وعي إنساني أو حركة أو تطوّر يمكن عرضه.
إذا نظرنا إلى تاريخ الفلسفة الغربية، فقد كان من المعتاد أن يتعرض الأفارقة للسخرية والتقليل من شأنهم عندما انخرطوا في العمل الفكري. وفي الواقع، تحتوي كتابات فلاسفة بارزين، مثل ديفيد هيوم وإيمانويل كانط، وهيجل على ملاحظات سلبية عن الأفارقة. وفقًا لكانط في القسم الرابع من الجميل والجليل، أن الأفريقي ليس لديه شعور يسمو فوق التافهة، وبذلك يتفق كانط مع عقائد السابقين، يعني ضمنًا أن الأفريقي بالكاد يتمتّع بشخصية، وهو بالكاد قادر على الفعل الأخلاقي، وبالتالي فهو أقل أو عديم الجدوى[4] وفقًا لكانط؛ لأنه خامل وكسول ومتردد وغيور، وأفريقيا هي كل هؤلاء لأسباب مناخية أنثروبولوجيا تفتقر إلى الحقيقة الشخصية (العقلية والأخلاقية)[5].
في توصيفات كانط لمختلف «الأجناس»، نجد العديد من الفقرات التي يفترض فيها وجود صلة بين الاختلافات العرقية والخصائص العقلية والفاعلة ذات الصلة سياسيًا. خذ بعين الاعتبار المقاطع التالية: «لا يستطيع الأمريكيون والزنوج أن يحكموا أنفسهم». وهكذا، هم يخدمون كعبيد فقط. ويقال إن السود «يتبنّون ثقافة العبيد ولكن ليس ثقافة الرجال الأحرار، وهم غير قادرين على قيادة أنفسهم». ويقال إن «الهندوس» يتفوّقون على الزنوج؛ لأنه يمكن تعليمهم، ولكن لا يمكن تعليمهم إلا في الفنون، ليس في العلوم والمساعي الأخرى التي تتطلّب استخدام المفاهيم المجردة. ومن ثم، فهم غير قادرين على أن يكونوا قضاة، وغير قادرين على التمتع بالحرية والفضيلة الحقيقيّتين. العرق «الأبيض» هو العرق المتفوّق والوحيد الكامل. العرق الأبيض يحتوي على كل الحوافز والمواهب. ويتكرّر هذا التسلسل الهرمي العنصري في العديد من النصوص الأخرى. يستحضر كانط هذا التسلسل الهرمي العنصري إلى جانب الفرضية القائلة إن غير البيض غير قادرين على حكم أنفسهم، وغير قادرين على التمتع بالحرية الحقيقية، وأن البيض، على النقيض من ذلك، لديهم القدرات المطلوبة لتبرير إخضاع غير البيض وقمعهم، أي حكم غير البيض من خلال الحكم الاستعماري[6].
وفي تأييد الاستعمار يناقش كانط أنشطة الأوروبيين في مستعمرات ما وراء البحار دون انتقاد. في بحثه الذي نشره عام 1777 بعنوان «من بين أعراق البشر المختلفة»، ناقش العبودية الاستعمارية بطريقة واقعية للغاية: «يستفيد المرء من العبيد الحمر (الأمريكيين) في سورينام فقط للعمل في المنزل؛ لأنهم هم أضعف من أن يتمكنوا من العمل في الحقل، ليس هناك ما يشير إلى انتقاد الاستعمار أو العبودية هنا. تم اعتماد منظور مماثل في محاضرات حول الجغرافيا الطبيعية عام 1782؛ وفي هذا المقطع، التناقض الضمني البارز بين «العبد» و«الإنسان». إن توصيفات كانط للأعراق ليست ظاهرة معزولة في عمله، كما أنها ليست تحيّزات منسوخة دون تفكير من معاصريه. على العكس من ذلك، كرّس كانط قدرًا كبيرًا من الاهتمام الفلسفي الصريح لمسألة العرق»[7].
يصرّ كانط على تأييد الاستعمار الأوروبي والعبودية غير البيضاء. على الخلفية الأوسع لدفاعاته الصريحة والمتكرّرة عن الاستعمار والتوصيفات العنصرية التي تدعمه، يتبين أن ملاحظة كانط عدا في فقرة واحدة «فكرة التاريخ العالمي» من بين فقرات كثيرة يعتبر فيها الاستعمار الأوروبي أمرًا مفروغًا منه. وليس من المستغرب أننا لا نجد نقدًا صريحًا للاستعمار والممارسات المرتبطة به في نصوص كانط التي يرجع تاريخها إلى هذه الفترة. يمكن، بل ويجب، قراءة ادّعائه بأن أوروبا ربما ستشرّع في نهاية المطاف للأجزاء الأخرى من العالم بالمعنى الأكثر حرفية[8].
وبتلك النزعة العنصرية فيما يتعلق بأفريقيا نفسها، أشار هيجل إلى أنها أرض طفولية، تلفّها عباءة الليل المظلم. كذلك في الحياة الزنجية، لم يصل الوعي إلى النقطة المميزة إلى إدراك الوجود الموضوعي الجوهري، ومن ثم لم يصل إلى مستوى إدراك كيانه؛ إدراك شخصه. الأفريقي على حد تعبير هيجل، هو الإنسان في حالته الوحشية تمامًا[9]. الرجل الزنجي يمثّل الحالة الطبيعية الحالة الهمجية غير المروَّضة، ولكي نفهمه فهمًا حقيقيًّا ينبغي أن نضع كل فكرة عن التبجيل والأخلاق جانبًا، فلا يوجد ما نسمّيه شعورًا أو وجدانًا أو أي شيء يتفق مع الإنسان يمكن أن يوجد في هذا النمط من الشخصية والرواية الغزيرة والمفصلة التي يرويها المبشّرون تؤكّد ذلك تمامًا[10]. إن الأخلاق والمشاعر عند الزنوج ضعيفة للغاية أو معدومة، فالآباء يبيعون أبناءهم والعكس صحيحًا أيضًا، وبسبب انتشار العبودية بينهم اختفت جميع روابط الاحترام الأخلاقي بينهم[11].
وفقًا لهيجل، يجب على أي نظام تاريخي أن يعامل أفريقيا على أنها أرض لم يصل إليها الوعي بعد، فقد استبعد هيجل أفريقيا من التاريخ والحضارة، فلم يكن لأفريقيا وجود بين ثقافات أو حضارات هيجل، فمن وجهة نظره أن أفريقيا غير تاريخية، روح غير متطورة لا تزال تشارك في ظروف الطبيعة المجردة؛ خالية من الأخلاق والديانات والدستور السياسي، ومن ثم فهو يرى أن هناك مبررًا لاستعباد أوروبا واستعمارها لأفريقيا[12].
ينظر هيجل إلى الزنوج (أفريقيا جنوب الصحراء) على أنهم خارج البشر، لذلك فهم ليس لديهم وعي لأنفسهم كبشر ولا يمكنهم التعرف على إنسانية غيرهم من البشر، ومن ثم فهم يفتقرون إلى الوعي الأخلاقي، ولا يمكنهم توقّع معاملتهم بطريقة أخلاقية، ولا يُتوقع منهم أن يعاملوا البشر بطريقة أخلاقية؛ لذلك يجب معاملتهم بالطريقة التي يجب أن تُعامل بها الحيوانات[13]. وفقًا لهيجل فإنّ الأفريقي لا يحترم نفسه أو الآخرين؛ لأن مثل هذا الاحترام قد يمسّ قيمة عليا أو مطلقة خاصة بالإنسان. من المؤكد أن مثل هذه الأفكار مقيتة للعقل الأفريقي، وبسبب أفكار هيجل المتعلّقة بأفريقيا، يصنّفه العديد من النقاد على أنه عنصري كبير. وإنه الفيلسوف الذي مهّد الطريق للعنصرية الحديثة والمركزية الأوروبية المتغطرسة[14]. عمدت المركزية الأوروبية إلى نفي الصفة الأخلاقية يجانب الصفة العقلية على المجتمعات الأفريقية ومن ثم التهميش والتقليل من الإنتاج الثقافي لأفريقيا جنوب الصحراء.
على الرغم من أن الأخلاق الأفريقية قد تم استبعادها إلى حد كبير من التحقيقات الأخلاقية في الغرب، فإن الحقيقة هي أن هذا الاستبعاد يعد عيبًا منهجيًا وفقًا لما يسمى بالأساليب السائدة في الأخلاق. أولًا: تتضمن بعض أبرز المنهجيات الأخلاقية الحدس كشكل من أشكال الأدلة الأخلاقية. ومن ثم فإن استبعاد الحدس الأخلاقي الأفريقي يعني ضمنًا تجاهل أي دليل مهم يدعم نظرية ما أو أسباب رفضها. ثانيًا، كلّما زاد عدد النظريات التي ندرسها ونناقشها، زادت احتمالية تحقيق المرء للحقائق الأخلاقية وبأخذ هذا في الاعتبار، فإن استبعاد وجهات النظر الأخلاقية الأفريقية يعد عيبًا خطيرًا، حتى وفقًا لمعايير النظريات الأخلاقية الغربية[15].
إن دراسة الأخلاق الأفريقية كمجال أكاديمي بشكل منهجي أمر مستحدث، حيث لم يتم تأسيسه بشكل صحيح إلا في ستينات القرن العشرين، مع ظهور محو الأمية وتراجع الاستعمار. ومن المعروف أن المجتمعات الأفريقية التقليدية كانت في أغلب الأحيان ثقافات شفوية، وبالتالي تفتقر إلى التوثيق المكتوب للممارسات الأخلاقية. وعلاوة على ذلك، خضعت كل البلدان الأفريقية تقريبًا لأشكال مختلفة من الاستعمار الأوروبي لمئات السنين. ولم يبدأ عدد كبير من الأفارقة في الالتحاق بالجامعات والتحول إلى أعضاء هيئة تدريس قادرين على الكتابة عن ثقافاتهم إلا بعد الاستقلال عن القوى الاستعمارية، والذي حدث إلى حد كبير في الخمسينات وحتى الثمانينات. والواقع أن الدراسات المهمة المتخصصة في مجال الأخلاق الأفريقية لم تبدأ في الظهور إلا في القرن الحادي والعشرين[16].
ثانيًا: مدخل إلى الفلسفة الأخلاقية الأفريقية
سيبُدد هذا الجزء شكوك علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والمبشرين الغربيين الذين قالوا إن الأفارقة لا يستطيعون التمييز بين الخير والشر، وحتى عندما يفعلون ذلك؛ فإن ذلك دائمًا ما يكون همجيًا بطبيعته، وهو نظام يمُزق الأخلاق إلى أشلاء. لطالما ناقش البشر ماهية الحياة الطيبة وكيفية العيش. في أنشطتهم المتنوعة، يدرك الأفارقة أن هناك طريقة صحيحة وطريقة خاطئة للقيام بالأشياء، وأن هناك طريقة جيدة وطريقة شريرة للقيام بالأشياء. وبالتالي، فإن الأخلاق الأفريقية فرع من الفلسفة يقوم على وجهات النظر والمعيشة والمواقف الأفريقية التقليدية. إنه العلم الذي يتعامل مع الصواب والخطأ، ما يجب وما لا يجب فعله، ما ينبغي وما لا ينبغي، وكلها مبنية على معايير وقواعد السلوك الأفريقية التقليدية. ويعبّر جون مبيتي عن تلك الرؤية الأفريقية في هذا السياق بقوله: «هناك العديد من القوانين التي تحُدد أشكال السلوكيات واللوائح والقواعد والممارسات والمحرّمات التي تشُكل القواعد الأخلاقية لمجتمع معين. أي خرق لهذه القواعد السلوكية يعُتبر شرًّا أو خطأ أو عيبًا، لأنه يلُحق الضرر بالنظام الاجتماعي والسلام المقبولين أو يدُمرهما. وكما هو الحال في جميع مجتمعات العالم، فإن النظام الاجتماعي والسلام جوهريان ومقدّسان، حيث يكون معنى الحياة عميقًا»[17].
تُعريف الأخلاق بأنها علم الأخلاق، أي دراسة معنى الخير والشر فيما يتصل بالسلوك البشري. الأخلاق المفهومة على هذا النحو لها تفسيران. أولًا إن علم الأخلاق يركّز على السلوك الأخلاقي البشري كما يتجلّى في الممارسة العملية. فمن خلال المقارنة والتباين بين السلوك الأخلاقي المختلف، يقدم علم الأخلاق تفسيرًا للسلوك الأخلاقي البشري. والمعنى الآخر للأخلاق هو أنها فلسفة، أي أنها تركز على المبادئ المحدَّدة التي تقوم عليها سلوكيات أخلاقية معينة وتبرير تلك المبادئ. أخلاق أوبونتو تتّفق مع معنيي مصطلح الأخلاق السابقين[18]. ومن هنا يمكن تعريف الأخلاق بأنها علم الاستقامة الأخلاقية للأفعال البشرية وفقًا لمبادئ العقل الطبيعي. الأخلاق من العلوم المعيارية والعملية؛ لأنها تحدد المعايير أو القواعد للأنشطة البشرية، وتبيّن كيف ينبغي للإنسان وفقًا لهذه المعايير أن يوجّه أفعاله. وعلاوة على ذلك، فإن الأخلاق لا توجّه الإنسان إلى كيفية التصرف إذا كان يرغب في أن يكون جيدًا من الناحية الأخلاقية فقط، بل تضع أمامه الالتزام المطلق الذي يقع عليه بفعل الخير وتجنّب الشر[19].
الأخلاق الأفريقية[20] هي فرع الفلسفة الأفريقية، الذي يتعامل مع التفكير النقدي في طريقة أو طبيعة الحياة والسلوك والشخصية الأفريقية. يتم تعريف الأخلاق بواسطة كواسي وريدو[21] بأنها مراعاة قواعد التعديل المتناغم لمصالح الفرد مع مصالح الآخرين في المجتمع، هو تصور القيم وتخصيصها وتفهم سياقها وتحليلها في التجربة الثقافية الأفريقية. الأخلاق الأفريقية تفترض وجود أخلاقيات إقليمية. على الرغم من أن النظريات والأفكار ذات الطابع العالمي مطروحة في الأخلاق، إلا أنها لا تنحرف عن التجربة الثقافية السائدة، والروح الفلسفية لعصرها، وتحدّيات الوقت والتاريخ والتقاليد والحضارة التي يجدونها. هذا هو الأساس إذًا لاستئناف «الأخلاق الأفريقية»[22].
يقُصد بالأخلاق الأفريقية[23]، الأفكار حول ماهية الحياة الطيبة للبشر والاختيارات التي ينبغي عليهما اتخاذها، والتي كانت بارزة في وجهات النظر العالمية للشعوب السوداء الأصلية في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، وخاصة في الكتابات الفلسفية المعاصرة المرتكزة عليهم. إن تسمية وجهات النظر بأنها «أفريقية»، أو «جنوب الصحراء الكبرى» أو ما شابه ذلك يشير ببساطة إلى أنها كانت كذلك بارز وملحوظ في جزء كبير من ذلك الجزء من العالم ولفترة طويلة، بطريقة لم تمل إلى التواجد في أي مكان آخر[24].
تتعامل الأخلاق مع مسألة الصواب والخير والخطأ والشر في السلوك البشري. تتمتع الشعوب الأفريقية بحس عميق بالصواب والخطأ، وعلى مدار السنين أنتج هذا الحس الأخلاقي عادات وقواعد وقوانين وتقاليد يمكن ملاحظتها في كل مجتمع. تعتقد العديد من المجتمعات الأفريقية أن الأخلاق قد أعطيت لهم من الله منذ البداية، وهذا يوفّر سلطة لا جدال فيها للأخلاق. كما يُعتقد أن بعض الموتى والأرواح يراقبون الناس للتأكّد من أنهم يلتزمون بالقوانين الأخلاقية ويعاقبونهم إذا خالفوها. هذا الاعتقاد يعزّز سلطة الأخلاق[25].
إن المجتمعات الأفريقية، باعتبارها مجتمعات بشرية منظمة وعاملة، قد طوّرت أنظمة أخلاقية وقيمًا ومبادئ وقواعد أخلاقية تهدف إلى توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي. ولكن، مثل الفلسفة الأفريقية نفسها، فإن أفكار ومعتقدات المجتمع الأفريقي التي تؤثّر على السلوك الأخلاقي لم تخضع لتحقيق وتوضيح متعمق، وبالتالي فهي في حاجة حقيقية إلى تحليل وتفسير عميق وموسّع. في العقود الثلاثة الماضية أو نحو ذلك، بذل فلاسفة أفارقة معاصرون محاولات لإعطاء اهتمام تأمّلي مستدام للأفكار الأخلاقية الأفريقية. يهدف هذا الإدخال إلى تقديم بعض المساهمة في فهم التفكير الأخلاقي الأفريقي[26].
إذا كانت الأخلاقيات المفسّرة على نطاق واسع هي التحقيق في المفاهيم التي تحدد السلوك الأخلاقي، فيجب فهم الأخلاق الأفريقية على أنها التحقيق في المفاهيم والمبادئ التي تحدّد أو تميّز السلوك الأخلاقي من وجهة نظر شعوب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. تجد وجهة النظر الأفريقية هذه تأثيرها في فضاء النظرة الأفريقية الأساسية للعالم والتي تتميز بشكل مختلف بأنها مركزية لاهوتية ومركزية بشرية، ومركزية كونية ومركزية مجتمعية، وأكثر اهتمامًا بالناس وأقل تأكيدًا على الأفراد[27].
للأخلاق هياكل مختلفة في كل من المجتمعات التقليدية والحديثة. يأخذ الأول شكل المعتقدات أو الأعراف التي توجّه السلوك في ثقافات أو مجموعات معينة توارثتها الأجيال. عادة ما تكون هذه المعتقدات ثابتة وغير قابلة للتغيير ولا يمكن التشكيك فيها. معظم الناس لا يعرفون كيف تشكّلت هذه المعتقدات وتبنّتها مجتمعاتهم. لدى بعض المجتمعات قصص ملحمية تكون بمثابة تفسيرات، وأحيانًا مبرّرات لبعض معتقداتها. مثل هذه القصص محاطة بالأساطير والمقدّسات التي لا تقاوم التساؤل فحسب، بل تثبته أيضًا؛ ولهذا يصف كواسي وريدو مجموعة من هذه المعتقدات بأنها «أخلاق» يجب فصلها عن مجموعة من المبادئ القابلة للتطبيق عالميًا والتي تسمّى نظام أو نظرية «الأخلاق»[28].
الكلمات الأفريقية الدالّة على الأخلاق
الشخصية الأخلاقية هي نوع من المكانة التي يجب بلوغها ويمكن بلوغها بالتناسب المباشر مع مشاركة الفرد أو الحياة المجتمعية والاجتماعية من خلال الوفاء بالتزامات الفرد، التي يحدّدها سنّ الفرد ومكانته. في النظام الأخلاقي للسكان الأفارقة الأصليين يقال إن للشخص ثلاثة مستويات من الوجود، أولًا كفرد، وثانيًا كعضو في جماعة، وثالثًا كعضو في مجتمع، وكلها تتفاعل وتتداخل باستمرار؛ ولذلك فإن المجتمع الأفريقي يعطي أهمية كبيرة للقيم المجتمعية، تلك القيم التي تدعم العلاقات الاجتماعية والسلوك وتوجّههما. مفهوم الشخص في نظام الفكر الأخلاقي الأفريقي يجسّد أيضًا الافتراضات الأخلاقية المسبقة، ويقال إن الإنسان الشرير والقاسي والأناني وغير المتعاطف ليس إنسانًا؛ ففي ثقافة اليوربا يسمي «إينيان كيان»[29] وثقافة أكان يسمي «أوني أونيبا»[30]؛ كلا المفهومين يؤكّدان على فكرة الافتقار إلى الشخصية الأخلاقية. فهي تميّز بين مفهوم الشخص والإنسان[31]. يتم التعبير عن انعدام الأخلاق في الثقافات الأفريقية بتعبيرات متعددة على سبيل المثال:
- عندما يريد أحد المتحدّثين باللغة الأكانية أن يقول: «ليس لديه أخلاق»، أو «إنه غير أخلاقي»، أو أن «تصرّفاته غير أخلاقية»، فإنه يكاد يقول دائمًا: «ليس لديه أي شخصية» ويعبّر عنها بعبارة .
- إن عبارة «ليس لديه أخلاق» أو «إنه غير أخلاقي» يعبر عنها أحد المتحدثين بلغة الإيوي Ewe هي nonomo mele si o .
- في لغة الإيغبو في شرق نيجيريا، الكلمة أجوا agwa وتعني الشخصية يستخدم في عبارة مثل «ليس له أخلاق» .
- في لغة وفكر اليوروبا[32] الكلمة iwa تعني الشخصية والأخلاق
- في لغة الشونا، وهي اللغة التي تتحدث بها أغلبية كبيرة من شعب زيمبابوي، الكلمة tsika وتعني أخلاق وعند التعبير عن عبارة ليس لديه أخلاق يستخدم كلمة hunhu بمعني شخصية، وعند التعبير عن عديم الشخصية «ليس له شخصية» .
وهكذا، تشير الأبحاث حول اللغة الأخلاقية[33] للعديد من الشعوب أو الثقافات الأفريقية إلى أنه في هذه اللغات يتم استخدام الكلمة أو التعبير الذي يعني «الشخصية» للإشارة إلى ما يسميه الآخرون «أخلاق» أو «الأخلاق». تتحوّل الخطابات أو التصريحات حول الأخلاق إلى خطابات أو تصريحات حول الشخصية بشكل أساسي. ومن الجدير بالذكر أن الكلمة اليونانية «أخلاقيات ethike»، والتي اشتُقّت منها الكلمة الإنجليزية «الأخلاقethics»، وتعني «الشخصيةcharacter»[34].
إن الشعوب الأفريقية تأخذ الحياة الأخلاقية على محمل الجد، ومن خلال الأساطير والمعتقدات تظهر أن البشر منذ البداية لم يتمكّنوا من التمتّع بالسعادة والسلام والرخاء إلا إذا التزموا بالمطالب الأخلاقية للسلوك البشري. فالأخلاق هي الطعام والشراب الذي يبقي المجتمع حيًّا وصحّيًّا وسعيدًا، وبمجرد حدوث انهيار أخلاقي فإن سلامة المجتمع برمتها تنهار أيضا وتكون النهاية مأساوية. ومع ذلك هناك في كل مجتمع رجال ونساء تحارب ضمائرهم الفساد الأخلاقي حتى يتمكّنوا بمساعدة الله من تجنّب هذه النهاية المأساوية للمجتمع وتجديد حياته الأخلاقية. كانت المجتمعات الأفريقية كثيرًا ما تراقب الأعشاب الضارة في حياتها الأخلاقية وتقتلعها قبل أن تحوّل الحياة البشرية إلى أرض قاحلة غير أخلاقية[35].
وفقا لمبيتي فإن الأخلاق تتعامل مع السلوك البشري. ولهذا السلوك البشري بعدان؛ السلوك الشخصي الذي يتعلّق على وجه التحديد بحياة الفرد، أما البعد الثاني والأكبر من الأخلاق، فيتعلق بالسلوك الاجتماعي والذي له أهمية كبرى في الأخلاق الأفريقية، ذلك لأن وجهة النظر الأفريقية الأساسية هي أن الفرد لا يوجد إلا لأن الآخرين موجودون. وبسبب هذا التركيز الكبير على علاقة الإنسان بالآخرين فقد تطوّرت الأخلاق من أجل الحفاظ على وئام المجتمع وانسجامه. من دون الأخلاق سيكون هناك فوضى وارتباك، فالأخلاق توجّه الناس إلى فعل ما هو صحيح وخير من أجل مصلحتهم الخاصة ومصلحة مجتمعهم. الأخلاق هي التي أنتجت الفضائل التي يقدّرها المجتمع ويسعى إلى الحفاظ عليها مثل الصداقة والرحمة والحب والصدق والعدالة والشجاعة وما إلى ذلك. ومن جانب آخر تعمل الأخلاق على نبذ كراهية الناس وتجنبهم للرذائل مثل الغش والخيانة والسرقة والأنانية وقلة الأمانة والجشع وما إلى ذلك[36].
نظام القيم التقليدية الأفريقية
يتشابك نظام القيم التقليدي الأفريقي مع رؤيتهم للعالم؛ فهو يستند في الغالب إلى الدين التقليدي والمثُلُ الأخلاقية التي يعتزّون بها. ويشير إلى القواعد أو الأعراف التي يتفرّد بها الأفارقة بشكل أساسي، وبالتالي يميز الهوية الأفريقية والتراث الديني والثقافي عن الثقافات الأخرى. إن قدسية الحياة، وحس الضيافة، والشعور بالعلاقات الإنسانية الطيّبة، والشعور بالاحترام للسلطات وكبار السن، والشعور بالحياة الجماعية، والشعور باللغة والأمثال، كلها خصائص لنظام القيم التقليدي الأفريقي. ويمكن إدراج القيم المادية والروحية والدينية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والجمالية والثقافية والمجتمعية أو الفردية في هذا النظام. القيم التقليدية الأفريقية، هي «مجموعة من الأفكار المؤسسية التي تحكم وتتحكّم في أنماط حياة الأفارقة». في سياق آخر وبكلمات أخرى، فقد وجّهت هذه المثل العليا العلاقات الفردية والجماعية بين الناس في التعايش السلمي، مما أدّى إلى استقرار المجتمع الإفريقي[37].
إن القيم قد تكون أفكارًا تدفع الإنسان إلى التصرف في حياته اليومية. وبعبارة أخرى، فهي المعيار الذي يلتزم به أعضاء المجتمع في تعاملهم الشخصي والجماعي نحو تحقيق الأهداف. وهي التي تحدّد من يستحقّون الثناء أو التوبيخ على أفعالهم. وبمعنى آخر، تشير القيم إلى ما هو «جيد» أو «مرغوب فيه». وفي المعنى الوصفي، يمكن أن تعني القيمة قيمة شيء ما كما هو الحال عندما يتم تقويم شيء ما. ويمكن أن تكون القيم مؤسّسية ويعتزّ بها الفرد وجماعة من الناس. ويمكن أن تشير القيم إلى فائدة شيء ما، وهو ما يشكّل وظيفة اتخاذ القرار. إن القيم بقدر ما هي عالمية، فإنها قد تكون مادية، أو روحية، أو دينية، أو أخلاقية، أو جمالية، أو جماعية، أو فردية. وهناك سمة أخرى تتمثّل في أن القيم موجودة في كل الأديان. وتستند قيم الناس إلى حدّ كبير على المبادئ الدينية والأخلاقية التقليدية التي يتمسّكون بها.[38]
إن «القيم الأفريقية ... يمكن فهمها على أنها مجموعة من المثل المؤسسية التي توجّه أنماط حياة الأفارقة»، وبالتالي فإن القيم الأفريقية موجّهة نحو الهدف؛ لأنها تشير إلى هدف مرغوب، يتم توجيه الأفعال نحوه وتعتمد عليه توقعات كل فرد ومجتمع. تنعكس الأفعال الفردية من خلال القيم المعتمدة في المجتمع والتي يستند إليها اختبار التبرير. وهذا يجعل الفعل أخلاقيًا. إن قدسية الحياة البشرية من بين القيم الأفريقية المختلفة تشكل أهمية قصوى. ولا يمكن المبالغة في التأكيد على الاحترام والكرامة التي تحظى بها الحياة البشرية. إن احترام الإنسانية يمتد إلى ما هو أبعد من حدود الأسرة النووية، فأعضاء الأسرة الموسّعة أو المجتمع أو القبيلة يعتبرون إخوة يجب الحفاظ على حياتهم وحمايتها. وفي هذه الحالة، فإن مفهوم القيمة الإنسانية مرتبط جوهريًا بمجموعة واسعة من الإخوة، والتي قد لا تكون ذات أساس بيولوجي. إن مفهوم الأخوّة في أفريقيا يتجاوز مفهوم الفهم الغربي؛ لذلك، وفي أي ظرف من الظروف، فإن روح الأخوّة تحفز الاستجابة الوطنية والتصرف تجاه بعضنا بعضًا. إن الإنساني قُدر فوق كل ممتلكات أخرى. وهذا يوضح السبب الذي يجعل الأفارقة يولون أهمية كبيرة للأطفال. إن الموقف الأفريقي تجاه الحياة البشرية له قيمة قصوى بسبب علاقته الجوهرية بخالق الحياة. توفر لنا مسألة التبرير الأخلاقي فكرة القيمة النهائية. قد يعترف المجتمع بها أو لا يعترف بها فعليًا أو بوعي، ومع ذلك فهي جزء من قيمته الأخلاقية.[39]
من أهم القيم الأخلاقية في ثقافة أكا التقليدية الطائفية، ويؤكّد آكا أنه «لكي تكون الحياة تستحق العيش، يجب أن تتكوّن من أفراد مجتمع يساعدون بعضهم بعضًا، خاصة في أوقات الصعوبات». يعرّف كوامي جيكي[40] مصطلح الطائفية بأنه «المذهب القائل بأن الجماعة تشكّل محور أنشطة الأفراد في المجتمع». ويضيف أن هذا المذهب يركّز على النشاط. ونجاح المجتمع الأوسع، وليس بالضرورة على حساب الفرد». يؤكد جييكي على أن «الطائفية كما تم تصوّرها في الفكر الأكاني ليست إنكارًا للفردية؛ بل هو الاعتراف بالطبيعة المحدودة لإمكانيات الفرد، التي تقلّل الإمكانيات المحدودة من الاكتفاء الذاتي للفرد. إضافة إلى ما سبق، يفترض جييكي أن المجتمع الأفريقي والأكاني يضعان قدرًا كبيرًا من التركيز على القيم المجتمعية. بالنسبة له، هذه القيم تدعم وتوجه نوع العلاقات الاجتماعية والمواقف والسلوك الذي يجب أن يكون موجودًا بين الأفراد الذين يعيشون معًا في مجتمع يتقاسمون الحياة الاجتماعية ولديهم شعور بالصالح العام»[41].
يلاحظ جيكي أنه بالنسبة لشعب أكان يمكن القول إن الفضائل المثالية والأخلاقية تشمل الكرم واللطف والرحمة والإحسان والاحترام والاهتمام بالآخرين، ويشير بيتر باريس[42] أنه لا توجد فضيلة تحظى بالثناء الكبير بين الأفارقة والأمريكيين الأفارقة من فضيلة الإحسان؛ لأنّها تجسّد هدف المجتمع، ومن الجدير بالذكر أن فضيلة الإحسان تتضمّن الكثير من المعاني الإنسانية الرائعة، مثل الود والعطف والحب والتراحم والتسامح...إلخ. أيضًا دي ماسلو[43] يرى في أفريقيا جنوب الصحراء أن الأعمال الخيرية وغيرها من الفضائل مثل التأدّب والإحسان للآخرين من أكثر جوانب الممارسات والمثل الجماعية شهرة، إذن يظهر الشخص التميز البشري فقط بقدر ما يتمتّع بسمات شخصية تعبر عن تقدير العلاقات المجتمعية أو الودية تلك التي تتعلق بمشاركة أسلوب حياة مع الآخرين والاهتمام بنوعية حياتهم[44].
الإنسانية والأخوة؛ ويحتل هذان المفهومان، الإنسانية والأخوة، مكانة بارزة في الفكر والممارسات الاجتماعية والأخلاقية الأفريقية. وهي من القيم الأخلاقية أو الإنسانية التي تشكّل المعايير الأساسية - وربما النهائية - التي لا تحفز فحسب، بل تبرر أفعال الإنسان التي تؤثر على البشر الآخرين أيضًا. وبالمصطلح الأفريقي، فإن الإنسانية ليست مجرّد مصطلح أنثروبولوجي؛ وهو أيضًا مصطلح أخلاقي عندما يتعلّق الأمر بالنظر في العلاقات بين أفراد النوع البشري. أصبح مصطلح «الأخوّة» يشير إلى جمعية من الرجال و/أو النساء ذات أهداف ومصالح مشتركة. لكن فكرة الأخوة هي في الأساس فكرة أخلاقية، لأنها تتعلق بالعلاقات بين الأفراد الذين يصنعون مصالحهم ورفاهتهم. هناك بعض الارتباط بين الإنسانية والأخوة في المفاهيم الأخلاقية الأفريقية: إذا كنّا بشرًا، فنحن (يجب أن نكون) إخوة، بالمعنى الواسع والشامل لكلمة «أخ». إن التصوّر الأفريقي للإنسانية يفترض ضمنيًا الاعتراف بجميع الأشخاص، بغض النظر عن خلفيّاتهم العرقية أو الإثنية، كإخوة. وهذا هو سبب استخدام كلمة «أخ» في الثقافات الأفريقية للإشارة إلى العلاقات الأسريّة المتنوّعة والمعقّدة المرتبطة بروابط الدم. لكن الكلمة تسُتخدم أيضًا، بشكل ملحوظ، من قبل الأشخاص الذين لا توجد بينهم روابط دم؛ وبالتالي، يتم استخدام الكلمة بشكل شامل. إن المعنى الشامل المعطى لكلمة «أخ» في الثقافات الأفريقية يهدف في الواقع إلى رفع الناس من مستوى صلة الدم المحدّد بيولوجيًا إلى المستوى الإنساني، وهو المستوى الذي يعتبر فيه جوهر الإنسانية متجاوزًا لحالات الطوارئ الإنسانية؛ البيولوجيا أو العرق أو الثقافة. إن الترجمة العملية لفكرة الأخوّة تؤدي إلى فضائل اجتماعية وأخلاقية مثل حسن الضيافة والكرم والاهتمام بالآخرين والشعور الجماعي. وقد علّق العديد من الكتّاب، بما في ذلك الرحّالة الأوروبيون إلى أفريقيا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، على هذه الفضائل كما تمُارس في الحياة الاجتماعية والأخلاقية الأفريقية[45].
ثالثًا: مركزية الجماعة الأفريقية مقابل الفردية الغربية
يدور الفهم الأفريقي للشخصية في الغالب حول الفهم الطائفي للذات. منذ الحقبة الاستعمارية، كان هناك تطوير متّسق مع أنطولوجية «نحن الوجود» للشخص والتي تتفوّق على أولوية الأنا وذاتيّتها في مواجهة الفردية الليبرالية الغربية. «إن الشخص يكون فردًا فقط بقدر ما يكون عضوًا في عشيرة أو مجتمع أو عائلة». ويعني هذا أنه لا يوجد أفراد حقيقيون دون غيرهم، أو مجتمع أو جماعة. وهذا ما يدعم حقيقة أن المجتمع هو معيار لا مفرّ منه لوجود الأفراد، ومفهوم الإنسان كفئة اجتماعية في الأساس، كائن في الجماعة، إنسان مع الآخرين[46].
لا يمكن للفرد في السياق الأفريقي التقليدي أن يعيش بمفرده دون المجتمع، ونتيجة لذلك، يصبح المجتمع ضروريًا لكي يعمل الشخص بطريقة شاملة. إن تاريخ حياة الشخص هو قصة تعامله مع عوالم المجتمع المادية والمعنوية، والتي هي في الواقع قصة علاقاته مع مجموعات معينة من السلع الاجتماعية. وبالتالي فإن الشخص الأفريقي هو كائن جماعي في المجتمع، وبالتالي يعتمد على المجتمع. فمن المجتمع يكتسب الإنسان القيم والأخلاق في سن مبكرة ليكون عضوًا مسؤولًا وفاعلًا في المجتمع في المستقبل. أحد الأشياء المهمة الجديرة بالملاحظة هو أن الشعب الأفريقي ليس لديه مكان للفردية القاسية، بل يميل بشكل جماعي إلى دعم بعضهم بعضًا، خاصة في الأوقات الصعبة، مثل وفاة أحد أفراد المجتمع. هذا تعبير كلاسيكي عن Ubuntu، الشخص هو شخص من خلال أشخاص آخرين أو «أنا موجود لأننا موجودون، وبما أننا موجودون، فأنا موجود». أن حياة الشعب الإفريقي كلها طائفية؛ كل شيء يتم معًا ومن أجل الصالح العام للشعب[47].
في الممارسة الأفريقية الأصلية، لا يوجد الفرد بل ولا يستطيع أن يوجد بمفرده إلا كمجموعة. ويرجع هذا في الأساس إلى أن المجتمع في أفريقيا الأصلية عبارة عن مجموعة من الأفراد المندمجين تمامًا. وكل فرد مدين بوجوده لأعضاء آخرين في المجتمع. ويتشابك وجود الفرد بشكل معقّد مع وجود أعضاء آخرين في المجتمع، بما في ذلك أفراد الأجيال السابقة. وإذا وضعنا في الاعتبار الطبيعة المندمجة تمامًا للمجتمعات الأصلية في أفريقيا، فإن المجتمع يتحمّل المسؤولية الشاملة عن أفراده. وبالتالي يتعيّن على المجتمع أن يعتني بالفرد؛ لأن الفرد يعتمد على المجموعة المؤسسية. والعلاقة بين الفرد والمجتمع في النظام الأصلي هي أن المجتمع هو الذي يعطي معنى للفرد. والفرد ليس سوى انعكاس لمجتمعه. والمجموعة المؤسسية هي التي تضفي على الفرد طابعًا إنسانيًّا؛ وهي التي تشكّل الفرد ليصبح إنسانًا[48].
إن الروح الجماعية الأساسية في المجتمعات الأفريقية الأصلية هي ما يشير إليه شعب البانتو في جمهورية جنوب أفريقيا باسم «أوبونتو» Ubuntu. والتي تعني حرفيًا «الشخص هو شخص من خلال أشخاص آخرين». وبعبارة أخرى، يؤكد المرء إنسانيته عندما يعترف بإنسانية الآخرين. وبالتالي فإن «أوبونتو» تتحدث عن مسألة الإنسانية، ويمكن ترجمتها لتعني «الإنسانية تجاه الآخرين» بمعنى أنه من المتوقّع أن يعامل الفرد الآخرين بالشفقة واللطف والسخاء. وبالتالي فإن «أوبونتو» تشكل مفتاحًا لفهم النظرة الأفريقية للشخص كما سيتضح أدناه. فالشخص هو شخص فقط في علاقته بالآخرين في المجتمع. إن هوية الشخص، بل وحياته ذاتها، ترُى من خلال عدسة مجموعته العرقية. والمعنى الأعمق هو أن الفرد بمفرده عاجز ولا قيمة له[49].
في أفريقيا الأصلية، لا تعد الأخلاق مجرد مجموعة من المبادئ التبريرية المجردة. بل إنها في الأساس طريقة عملية جماعية ودليل للعمل يتم تجسيده ويجد تعبيرًا له في جميع جوانب الحياة اليومية والأنشطة التي يمارسها الناس. وبالتالي فإن هذه العقلية الجماعية هي التي تحدد وتضفي معنى ليس فقط على مفهوم الشخصية ولكن أيضًا على مفهوم الهوية الفردية. يتم تحديد هوية الفرد من خلال أفعاله وإنجازاته ومسؤولياته التي ترتكز على نظرة أخلاقية جماعية ومتساوية وموجهة نحو الرعاية. بعبارة أخرى، المجتمعات الأفريقية الأصلية متساوية[50]. في الثقافات الأفريقية الأصلية، يتم تعريف المجتمع بقدرته على توجيه الأفراد لتحقيق شخصيتهم الأخلاقية. وبالتالي، يتم الحكم على المجتمع من خلال طبيعة الأشخاص الموجودين فيه. يتحمل المجتمع ككل وكل عضو بالغ مسؤولية تثقيف الشخص أخلاقيًا[51].
الشخصية كمكانة أخلاقية
الشخصية الأخلاقية هي نوع من المكانة التي يجب بلوغها ويمكن بلوغها بالتناسب المباشر مع مشاركة الفرد أو الحياة المجتمعية والاجتماعية من خلال الوفاء بالتزامات الفرد التي يحدّدها سن الفرد ومكانته. في النظام الأخلاقي للسكان الأفارقة الأصليين، يقال إنّ للشخص ثلاثة مستويات من الوجود، أولًا كفرد، وثانيًا كعضو في جماعة، وثالثًا كعضو في مجتمع، وكلها تتفاعل وتتداخل باستمرار[52].
كتب مينكيتي مقالتين مخصّصتين لفكرة الشخصية في الفلسفة الأفريقية. المقال الأول لمنكيتي (1984) بعنوان «الشخص والمجتمع في الفكر الأفريقي التقليدي» والثاني (2004) «المفهوم المعياري للشخصية». في المقال الأول قال منكيتي إنه يهدف إلى التعبير عن مفهوم معيّن للشخص الموجود في الفكر التقليدي الأفريقي. إن الإستراتيجية التي يستخدمها لشرح المفهوم الأفريقي للشخص تتضمّن مقارنتها بوجهة النظر البارزة للشخصية في الغرب. ويرسم تناقضين بين المصطلح الأفريقي والمصطلح الغربي. في المقام الأول، يشير إلى أن المفهوم الغربي للشخصية يحددها من حيث بعض سمات الفرد. عادة، تستحضر النظرة الغربية بعض الخصائص النفسية مثل الوعي والعقلانية والذاكرة وما إلى ذلك كأساس لتعريف الشخصية. وعلى النقيض من ذلك، فإن وجهة النظر الأفريقية تعرّفها بأنها مناشدة «المجتمع البيئي». ما يتضح من هذا التناقض هو أن الشخصية في التقليد الغربي يتمّ تعريفها من حيث بعض الملكات الداخلية للفرد البشري (سواء أكان جسديًا أو نفسيًا) ويعرّفه التقليد الأفريقي (بشكل كامل تقريبًا) من حيث الخصائص الخارجية[53].
يقول منكيتي في تعريف الشخصية أبدأ بالإشارة إلى بعض التناقضات المهمة بين هذا المفهوم الأفريقي للشخصية وبين مفاهيم أخرى مختلفة موجودة في الفكر الغربي. إن التناقض الأول الجدير بالملاحظة هو أن أغلب وجهات النظر الغربية للإنسان تجرّد هذه الصفة من الفرد ثم تشرع في جعلها السمة الأساسية التي لا بدّ وأن يتّسم بها الكيان الذي يطمح إلى أن يطلق عليه وصف «الإنسان»، في حين أن النظرة الأفريقية للإنسان تنكر إمكانية تعريف الأشخاص من خلال التركيز على هذه السمة الجسدية أو النفسية أو تلك التي يتّسم بها الفرد المنفرد. بل إن الإنسان يُعرَّف بالإشارة إلى المجتمع المحيط به. وكما يلاحظ جون مبيتي، فإن النظرة الأفريقية للإنسان يمكن تلخيصها في هذه العبارة: «أنا موجود لأننا موجودون، وبما أننا موجودون، فأنا موجود إذن». «إن أحد الاستنتاجات الواضحة التي يمكن استخلاصها من هذه المقولة هو أنه فيما يتصل بالأفارقة، فإن واقع العالم الجماعي له الأسبقية على واقع تاريخ الحياة الفردية، أيًا كان هذا التاريخ. ومن المفترض أن تنطبق هذه الأسبقية ليس فقط على المستوى الوجودي، بل وأيضًا فيما يتّصل بإمكانية الوصول المعرفي. وهي تتجذّر في مجتمع بشري مستمر»[54].
هناك طريقة أخرى مفيدة لفهم طريقة التفكير هذه حول هذه الأساليب المتميزة للشخصية، وهي من خلال صيغ ديكارت ومبيتي للشخصية. يصوغ ديكارت الشخصية بهذه العبارات: «أنا أفكر إذن أنا موجود»؛ ومبيتي على النحو التالي: «أنا موجود لأننا موجودون، وبما أننا موجودون، فأنا موجود». لذا فإن ديكارت يختزل الشخصية إلى امتلاك القدرة العقلانية. في الغرب، يتم التركيز على الخصائص الفردية ويتم التركيز بشكل أقل على العلاقات الاجتماعية. وفي أفريقيا، يتم التركيز بشكل أكبر على العلاقات الاجتماعية وبدرجة أقل على الخصائص الفردية. ومن ثم يوجد تمييز حاسم بين وجهة النظر الأفريقية للإنسان وبين وجهة نظر الإنسان الموجودة في الفكر الغربي: في وجهة النظر الأفريقية، المجتمع هو الذي يحدد الشخص كشخص، وليس صفة ثابتة معزولة من العقلانية أو الإرادة أو الذاكرة[55]. وفي ذلك يقول منكيتي:
«إن الفرد يصل إلى رؤية نفسه كإنسان، ومن خلال التعرف أولًا على هذه الجماعة باعتبارها حقيقة ثابتة من حقائق العالم النفسي الجسدي يصل الفرد أيضًا إلى معرفة نفسه كحقيقة دائمة إلى حد ما من حقائق هذا العالم. وفي لغة بعض التخصصات الغربية المألوفة، يمكننا أن نقول إن المجموعة البيولوجية التي يستطيع الفرد من خلالها تحديد هويته من خلال الإشارة إلى مجموعة جينية مشتركة، وكذلك اللغة التي يتحدّث بها والتي لا تشكّل عاملًا بسيطًا في تكوين ميوله ومواقفه العقلية، تنتمي إلى هذه المجموعة البشرية المحددة أو تلك. وعلاوة على ذلك، لا يمكن فهم الشعور بالهوية الذاتية الذي يمتلكه الفرد إلا بالإشارة إلى هذه الحقائق الجماعية. وعلى هذا، فكما تشير السرة إلى ارتباط الإنسان بالأجيال التي سبقته، فإن اللغة والقواعد الاجتماعية المرتبطة بها تشير أيضًا إلى ارتباط عقلي مع آخرين تشمل تواريخ حياتهم الماضي والحاضر والمستقبل. ومن ثم، هناك تمييز حاسم بين النظرة الأفريقية للإنسان وبين نظرة الإنسان في الفكر الغربي: ففي النظرة الأفريقية فإن المجتمع هو الذي يحدد الشخص كشخص، وليس بعض الصفات الثابتة المعزولة عن العقلانية أو الإرادة أو الذاكرة»[56].
النقطة الثانية من التناقض بين وجهتي النظر في الإنسان، ألا وهي الطبيعة الإجرائية للوجود في الفكر الأفريقي ـ حقيقة مفادها أن الأشخاص لا يصبحون أشخاصًا إلا بعد عملية الاندماج. فدون الاندماج في هذا المجتمع أو ذاك، يُنظَر إلى الأفراد باعتبارهم مجرد متطفّلين لا ينطبق عليهم وصف «الشخص» بالكامل. ذلك أن الشخصية هي شيء لا بدّ من تحقيقه، ولا يُمنح المرء لمجرد أنه ولد من بذرة بشرية. وعلى هذا، فليس كافيًا أن ندرك الكائن الحي البيولوجي، بكل ما يرتبط به من خصائص نفسية بدائية، بل يتعيّن علينا أيضًا أن نتصور هذا الكائن الحي وكأنه يمرّ بعملية طويلة من التحوّل الاجتماعي والطقوسي حتى يصل إلى الكمال الكامل الذي يعتبر حقًا من سمات الإنسان. وخلال هذه العملية الطويلة من الإنجاز، يلعب المجتمع دورًا حيويًا كمحفّز ومحدّد للمعايير[57].
أن المفاهيم الغربية تعطي تعريفًا أدنى للشخص؛ فكل من لديه روح، أو عقل، أو إرادة، أو ذاكرة، يُنظَر إليه باعتبار أنّه من حقه أن ينال وصف «الشخص» ـ فإن النظرة الأفريقية تذهب بدلًا من ذلك إلى ما يمكن وصفه بأنه تعريف أقصى للشخص. وفيما يتصل بالمجتمعات الأفريقية، فإن الشخصية هي شيء قد يفشل فيه الأفراد، وقد يكونون أكفّاء أو غير فعّالين، أفضل أو أسوأ. ومن هنا، فقد شدّدت الثقافة الأفريقية على طقوس الدمج والضرورة الشاملة لتعلّم القواعد الاجتماعية التي يعيش المجتمع بموجبها، حتى يتسنّى لما تمّ منحه بيولوجيًا في البداية أن يحقق الذات الاجتماعية، أي أن يصبح شخصًا يتمتع بكل المزايا الكامنة التي ينطوي عليها المصطلح. إن حقيقة أن الشخصية الكاملة لا تُدرك ببساطة في بداية حياة الإنسان، بل إنها تتحقق بعد أن يتقدم الإنسان في العمر، تشير على الفور إلى أن الإنسان كلما تقدم في العمر، كلما أصبح أكثر شخصية. وكما يقول المثل الإيجبو: «ما يراه الرجل العجوز جالسًا، لا يراه الشاب واقفًا». ولا بدّ من إضافة أن المثل ينطبق، ليس فقط على النمو التدريجي للحكمة مع تقدم الإنسان في العمر؛ بل ينطبق أيضًا على تجميع المزايا الأخرى التي تعتبر حاسمة للشخصية الكاملة. إن ما لدينا هنا إذن هو ادعاء بوجود اختلاف نوعي بين الشيخوخة والشباب، وادّعاء بوجود نوع من التقدم الوجودي بين الطفولة والشيخوخة الناضجة. ولا يكتسب الإنسان سمات إضافية فحسب، بل يخضع أيضًا لتغييرات جوهرية في جوهر وجوده[58].
إن المجتمعات المختلفة الموجودة في أفريقيا التقليدية تقبل بشكل روتيني هذه الحقيقة التي مفادها أن الشخصية هي نوع من الأشياء التي يجب أن يتم بلوغها، ويتم بلوغها بشكل مباشر من خلال المشاركة في الحياة الجماعية من خلال الوفاء بالالتزامات المختلفة التي تحدّدها مراكز المرء[59].
وهكذا فإن الفكر الأفريقي يعتنق مفهومًا أخلاقيًا للشخصية: حيث يتم تعريف الشخصية من حيث الإنجاز الأخلاقي. والشخصية التي يتم تصوّرها من حيث الإنجاز الأخلاقي ستكون الأكثر ارتباطًا بالإطار المجتمعي الذي يحمل أخلاق المسؤولية في مرتبة عالية من التقدير للأخلاق التي تؤكد على الحساسية تجاه التداخلات والرفاهة لأعضاء آخرين في المجتمع، وإن لم يكن ذلك بالضرورة على حساب الحقوق الفردية[60].
بشكل عام، وفقًا لمنكيتي يتعيّن على المرء تطوير شخصيته، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي من خلال الارتباط بمجتمعه بطريقة معيّنة. فيما يتعلق بكيفية منح المشاركة المجتمعية الشخصية للفرد، غالبًا ما يقُرأ مينكيتي على أنه يحمل وجهة نظر مفادها أن الفرد يتمتّع بشخصية أكبر، كلّما التزم المرء بالمعايير التي وضعها مجتمعه. إذًا الشخصية كمكانة أخلاقية مكتسبة من خلال التواصل الاجتماعي ويتم البلوغ إليها من خلال القواعد والمعايير الأخلاقية التي يلتزم بها الفرد تجاه المجتمع ككل.
الرفاهية والخير العام
مفهوم الرفاهية يدور عادة حول «ما يجعل الحياة تسير بشكل جيد أو سيئ بالنسبة لمن يعيشها». ويذكر بعض النظريات الأربع البارزة للرفاهية: تدعي نظرية مذهب المتعة أن الرفاهية تدور حول ما يؤدّي إلى المتعة ويتجنّب الألم. تقول نظرية تحقيق الرغبة إن الرفاهية تدور حول تحقيق رغباتنا الفعلية أو المثالية. تؤكّد النظرية القائمة الموضوعية أن الرفاهية يمكن العثور عليها في مجموعة من الأشياء، بينما تدّعي نظرية الكمال أن الرفاهية تعتمد على تطوير وممارسة القدرات الطبيعية للفرد. وتركّز هذه النظريات الغربية للرفاهية على الفرد، بينما في البيئة الأفريقية، بما في ذلك الآكان، إنها فكرة الرفاهية المتجذّرة بعمق في نظرية الجماعة، التي تتميّز بها المجتمعات الأكانية[61].
بالنسبة لوريدو إن السعي لتحقيق رفاهية الإنسان الفرد، في الواقع، ليس أخلاقيًا على الإطلاق. ما هو أخلاقي هو السعي العادل للمصلحة الإنسانية. تقوم مصلحة الإنسان على بعض المبادئ التي تمكّننا من مراعاة مصالح الجميع في مجموعة معينة. واقترح أن هذا المبدأ هو القاعدة الذهبية. إنها القاعدة الذهبية التي تعطينا الأساس للمساواة. الحديث عن رفاهية الإنسان في الأخلاق الأفريقية بالنسبة لوريدو يقودنا إلى التساؤل هل الأخلاق الأفريقية أخلاق نفعية؟ في الحقيقية يعتقد وريدو أن وجود القاعدة الذهبية في أي نظام هو ما يجعله أخلاقيًا على الإطلاق. إذا كانت النفعية هي المفهوم الذي قدّمه ملِ بلا مبالاة من خلال مناشدة سعادة العدد الأكبر من الناس، فهذا يعني أنه عديم الفائدة على الإطلاق. يقول وريدو إنه ليس من أنصار النفعية، ولا يعتقد أن شعبه في غانا أو في إفريقيا نفعيون، ولكنه يعتقد أنه بالنظر إلى القاعدة الذهبية، فإننا ننشد مبدأ من أعظم مبادئ السعادة. القاعدة الذهبية هي انعكاس تام. على سبيل المثال أنك ستفعل شيئًا سيؤثّر على الآخرين، ضع نفسك في موقف الشخص الذي سيعاني في الأصل من عواقب أفعالك، وفي هذه الحالة، ماذا سيكون موقفك هل ستوافق عليه أم لا؟[62].
ويشير جيكي إلى أن مفهوم الآكان للإنسانية يضمن بشكل أساسي رفاهية ومصالح كل فرد في المجتمع. ومع ذلك، يرى جيكي أن المجتمعات الآكانية تتميز بنظرية «الجماعية المعتدلة»، والتي تسمح بتعزيز خير الفرد وكذلك خير المجتمع. بعض المبادئ الأساسية لجماعة أكان وموقفها الإنساني هي أن الفرد يحتاج إلى المساعدة والتواصل مع الآخرين من أجل تحقيق أو تلبية الاحتياجات الأساسية. تحث الفلسفة الأفراد على أن يعيشوا حياة من الانسجام والتعاون مع الآخرين، من أجل تحقيق خير الأفراد بما يتماشى مع خير مجتمعهم. من المعترف به أن مؤانسة البشر هي نتيجة للطبيعة البشرية الأساسية، على الرغم من أنها تعتبر أيضًا ما يؤدّي إلى الرفاهية الشخصية. إن فكرة رفاهية الإنسان هذه لها أساسها فيما يعزّز خير الجميع في المجتمع، ويتم التعبير عنها في العديد من الأمثال الأكانية، مثل المثل، أوبي ييي فيري أوبي (obi yiye firi obi) مما يعني أن رفاهية الشخص تعتمد على شخص آخر. هذا المفهوم لرفاهية مجتمعات الآكان التقليدية يتماشى بشكل وثيق مع ما يُعرف في المجتمعات التقليدية في جنوب أفريقيا بمبدأ أوبونتو Ubuntu / بوتو Boto أو أوكاما Ukama وهي أيديولوجية وفلسفة للحياة يتم الاعتراف بها وتعزيزها في كل جانب من جوانب الحياة التقليدية والحديثة. تمامًا مثل السعي لتحقيق رفاهية الجميع، أو تعزيز الصالح العام للمجتمع، فإن أوبونتو تشير ضمنًا إلى أن الإنسانية مستمدة من علاقتنا مع الآخرين، ليس فقط مع أولئك الذين يعيشون حاليًا، ولكن من خلال الأجيال الماضية والمستقبلية أيضًا، وبالتالي يتطلّب أوبونتو من أعضاء المجتمع أن يبحثوا عن مصالح بعضهم بعضًا؛ لأن تقدّم الفرد كفرد يرتبط بتقدم الآخرين كمجموعة[63].
إن مفهوم الخير العام يرتبط ارتباطًا جوهريًا بمفهوم المجتمع، وهو مفهوم يبدو أنه يشكّل مصدر إزعاج للمفكّرين الفرديين، وبالتالي فقد تعرّض للتشويه والسخرية من قبِلَهم. يفضّل جيكي مصطلح «الفردية» على «الليبرالية»؛ لأن المصطلح الأخير يحمل معاني مختلفة بالنسبة لأشخاص مختلفين؛ أما المصطلح الأول فهو وصف أكثر دقة للمجتمع الذي يؤكّد على المصالح والحقوق الفردية، وهو أكثر ملاءمة في خطاب حول العلاقة بين الفرد والمجتمع. ويزعم هؤلاء المفكّرون أن السعي إلى تحقيق الخير العام في مجتمع فردي من شأنه أن يلحق الضرر باستقلالية الفرد وحريته ويقيّد قدرته على اختيار الخير وخطط الحياة الخاصة به. إن الخير بالنسبة لجيكي العام يعني حرفيًّا وجدّيًّا الخير المشترك بين البشر الأفراد، على الأقل أولئك الذين يحتضنهم مجتمع ما، وهو الخير الذي يمكن القول إنه مشترك بين جميع الأفراد البشر على نطاق عالمي، وهو الخير الذي يشكّل امتلاكه ضرورة أساسية للعمل العادي أو الأساسي للفرد في المجتمع البشري. وأعتقد أن الخير العام مرتبط بمفهوم إنسانيتنا المشتركة، وبالتالي لا يمكن أن يتألّف من خيرات أو تفضيلات أفراد بعينهم أو يشتقّ منها؛ وعلى هذا فإن الخير العام ليس بديلًا عن مجموع الخيرات الفردية المختلفة. وإذا كان الخير العام في الواقع عبارة عن مجموع الخيرات الفردية، فإن هذا يعني أن الخير العام لا يمكن أن يكون بديلًا عن مجموع الخيرات الفردية. لا ينبغي أن يكون هناك تعارض أو توتّر مفاهيمي بين الخير العام وبين خير العضو الفرد في المجتمع؛ ذلك أن الخير العام يمكن تصوّره على أنه يشمل خيرات جميع أعضاء المجتمع[64].
لحماية رفاهية المجتمع هناك العديد من المحرّمات المتعلّقة بما لا يجوز فعله والعواقب المترتّبة على القيام بذلك. فمن الخطأ كسر المحرمات سواء أكانت هذه المحرمات نفسها جيدة أو سيئة. ورغم أن الفرد موجود من أجل مجتمعه وليس العكس، فإن المجتمع يحترم ممتلكاته وحياته، وسيكون من الخطأ الأخلاقي أن يعتدي عليه أفراد آخرون، ويتعيّن على المجتمع أن يظهر العدالة تجاه الفرد لأن هذا واجب أخلاقي على المجتمع. أخلاق المجتمع بأكمله؛ هناك أخلاق تتعلّق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب ككل، وتغطي هذه الأخلاق جوانب الحياة مثل المساعدة المتبادلة في وقت الحاجة والحفاظ على المؤسسات الاجتماعية مثل الزواج والأسرة والدفاع عن الأرض وقت العدوان وحماية الأطفال ومعاقبة الجناة والحفاظ على السلام والقانون والنظام وما إلى ذلك. إن الأخلاق والعادات والقوانين والتقاليد التي تعمل معًا هي الركائز الأساسية لرفاهية المجتمع[65].
مفهوم الواجب في الأخلاق الأفريقية
إن الواجب الأخلاقي هو الانسجام مع المجتمع وضمان استمراره. تهدف دورة الحياة الطقسية إلى استعادة هذا التكامل لمجتمع البشر والطبيعة والعناصر ينُظر إلى عمل العنف على أنه عمل يخلّ بتوازن المجتمع أو توازنه. فعل فاضح يدمر حياة المجتمع ويتنافى مع مبدأ بوثو أوبونتو Botho-Ubuntu لن يتُرك دون عقاب في هذا العالم؛ ولا يقتصر القصاص على الآخرة فقط. إن الواجب الأخلاقي أمر معتاد، بمعنى أنه جزء من المفهوم الكامل لكونك جزءًا من مجتمع شامل، قدره الإله. لا يرتبط القانون الأخلاقي بشكل مباشر بتعليمات موديمو الإله، بل بمسؤولية الحفاظ على صحة المجتمع الذي أنشأه موديمو. وبهذا المعنى ترتبط الأخلاق بالضرورات المجتمعية باعتبارها عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الذات.. وقد ذهب علماء أفارقة آخرون إلى أبعد من ذلك من أجل تعزيز فكرة أنه إذا كان الله هو أصل المجتمع وصنع الإنسان، فهو مصدر ضمير الإنسان، بما في ذلك إحساسه بالصواب والخطأ. ويمكن فهم هذا الموقف على أنه تأكيد على أن الدين هو مصدر الأخلاق[66].
إن الاهتمام برفاهية الإنسان يشكّل محور العجلة الأكسيولوجية الأفريقية. ولا شكّ في أن هذا التوجّه للأخلاق الأفريقية يستمدّ دافعه من النظرة الإنسانية التي تميّز الحياة والفكر الأفريقي التقليدي. الإنسانية – العقيدة التي ترى أن احتياجات الإنسان ومصالحه أساسية، وبالتالي تشكّل أساس الأخلاق الأفريقية. تتضمن العلاقة الطبيعية للفرد على الفور بعض الأدوار الاجتماعية والأخلاقية في شكل التزامات والتزامات وواجبات (أو مسؤوليات) تجاه الأعضاء الآخرين في مجتمعه أو مجتمعها والتي يجب على الفرد الوفاء بها. الحياة الاجتماعية أو المجتمعية نفسها، وهي سمة قوية للمجتمع المجتمعي الأفريقي، تفرض أخلاقيات ترتكز بشكل واضح على الواجب تجاه الآخرين وتجاه المجتمع؛ فهو يشكّل الأساس للمسؤوليات والالتزامات الأخلاقية. أخلاقيات الواجب هي تلك التي تتطلّب من كل فرد إظهار الاهتمام بمصالح الآخرين. إن القيم الأخلاقية المتمثّلة في الرحمة والتضامن والمعاملة بالمثل والتعاون والترابط والرفاهية الاجتماعية، والتي تعد من مبادئ الأخلاق المجتمعية، تفرض في المقام الأول واجبات على الفرد تجاه المجتمع وأعضائه. كل هذه الاعتبارات ترفع مفهوم الواجبات إلى مرتبة مشابهة لتلك التي تعطى لمفهوم الحقوق في الأخلاق الغربية. إن الأخلاقيات الأفريقية لا تتجاهل الحقوق في حد ذاتها؛ ومع ذلك، فهو لا يعطي تأكيدًا ضيق الأفق على الحقوق. وفي هذه الأخلاق تعلو الواجبات على الحقوق، وليس العكس، كما هو الحال في الأنظمة الأخلاقية للمجتمعات الغربية.
إن الأخلاق الأفريقية، وهي أخلاقيات إنسانية واجتماعية وموجّهة نحو الواجب وليست أخلاقية موجّهة نحو الحقوق، لا تميّز بين الواجب الأخلاقي وبين الواجب الزائد، وهو واجب يتجاوز نداء الواجب، وبالتالي لا يجب القيام به. وفي ضوء إنسانيتنا المشتركة، لن يكون من المناسب - بل من شأنه أن يحط من إنسانيتنا - أن نضع حدودًا لواجباتنا أو مسؤولياتنا الأخلاقية. على الرغم من أننا، كبشر، مقيدون في العديد من النواحي، وبالتالي غير قادرين على الوفاء بواجباتنا الأخلاقية تجاه جميع البشر في جميع الأوقات، إلا أنه لا ينبغي تقييد نطاق واجباتنا الأخلاقية. إن الأخلاقيات الإنسانية الأفريقية تجعل كل الناس موضع اهتمام أخلاقي، مما يعني ضمنا أن حساسياتنا الأخلاقية يجب أن تمتد إلى كل الناس، بغض النظر عن ثقافاتهم أو مجتمعاتهم[67].
في كل الأسر الأفريقية تسلسل هرمي قائم على العمر ودرجة القرابة، الأعضاء الأكبر سنًّا يتمتّعون بمكانة أعلى من الأعضاء الأصغر، وفي إطار هذا التسلسل الهرمي هناك واجبات والتزامات وحقوق وامتيازات يمليها الحس الأخلاقي للمجتمع. وبالانتقال من الأخلاق الأسرية إلى الأخلاق المجتمعية يصبح الأمر أكثر تعقيدًا؛ لأنه يتعلّق بعدد أكبر من الناس. هناك العديد من الأخلاق التي تحكم منفعة المجتمع، فما يقوّي حياة المجتمع يعتبر خيرًا وصوابًا، وما يضعف حياة المجتمع يعتبر شرًّا وخطأً[68].
إن الصالح العام، وهو هدف بارز للفلسفة الأخلاقية والسياسية الجماعية، يتطلّب أن يعمل كل فرد من أجل خير الجميع. إن القيم الاجتماعية والأخلاقية للرفاهية الاجتماعية والتضامن والاعتماد المتبادل والتعاون والرحمة والمعاملة بالمثل، والتي يمكن القول إنّها تميّز الأخلاق المجتمعية، تفرض في المقام الأول على الفرد واجبًا تجاه المجتمع وأعضائه. كل هذه الاعتبارات هي التي ترفع مفهوم الواجبات إلى مرتبة الأولوية في مجمل مشروع الحياة الجماعية[69].
إن الحقوق الفردية، التي لا معنى لممارستها إلا في إطار المجتمع البشري، لا بدّ وأن تصاحبها مسؤوليات اجتماعية. وفي غياب إظهار الحساسية تجاه مثل هذه المسؤوليات، فسوف يضطر المجتمع إلى اتخاذ الخطوات اللازمة للحفاظ على سلامته واستقراره. ومن المرجّح أن تتضمن هذه الخطوات تقليص الحقوق الفردية، والتي سوف ينظر إليها المعتدلون من أتباع المذهب المجتمعي على هذا النحو باعتبارها حقوقًا غير مطلقة، وإن كانت مهمّة[70]. إن الأخلاق المجتمعية تعترف بأهمية الحقوق الفردية، ولكنها لا تفعل ذلك على حساب المسؤوليات التي يتحمّلها أو ينبغي أن يتحمّلها الأعضاء الأفراد تجاه المجتمع أو الأعضاء الآخرين في المجتمع. ونظرًا لاهتمامها بالصالح العام أو الرفاهة المجتمعية، فإن النظرية الأخلاقية المجتمعية تعتبر المسؤولية مبدأ أخلاقيًّا مهمًّا[71].
وفي الواقع إن الاهتمام برفاهية الإنسان يشكّل جوهر الأخلاق الأفريقية. وبالتالي، يعتبر الشيء جيدًا أو سيئًا اعتمادًا على تأثيره على الإنسانية. قد يشير أحد النقّاد إلى وجود اهتمام أيضًا بالنزعة الإنسانية في الفكر الأخلاقي الغربي، وخاصّة في الأخلاق الوجودية. ومع ذلك، هناك نقاط اختلاف أساسية؛ أوّلًا: في حين أن الثقافة الإنسانية الغربية مناهضة للطبيعة الفائقة، فإن النسخة الأفريقية تحافظ على ميتافيزيقا خارقة للطبيعة. ثانيًا: تحصر النزعة الإنسانية الوجودية التجربة الإنسانية في هذا الوجود الأرضي على أمل بناء مجتمع صالح. إن افتراض الإنسانية الوجودية هو أنه ما لم تتخلّص عقولنا من مخاوف وآمال الخلود، فلن نتمكّن من التركيز على مصلحة الإنسان في هذا العالم. ومع ذلك، فإن الإنسانية الأفريقية تركّز أكثر على عالم من عمليات التناسخ من البذر والحصاد. ثالثًا: من الممكن تمامًا الحفاظ على الإيمان بوجود كيانات خارقة للطبيعة دون السماح بالضرورة لهذا الاعتقاد بأن يصرفهم عن السعي وراء رفاهية الإنسان في هذا العالم؛ وذلك لأن هناك رغبة في الثقافة الإنسانية الأفريقية للاستفادة من قوة هذه الكيانات لتعزيز رفاهية الإنسان وسعادته[72].
أوجه الاختلاف بين الأخلاق الاجتماعية الأفريقية والأخلاق الفردية الغربية
السائد في الثقافة الغربية المعاصرة هي القيمة الفردية المهمة للاستقلالية غير العلائقية، والتي يمكن وصفها بأنها «أنا». يقع على عاتق كل فرد التزام بتطوير هوية مستقلة لتمييزه عن الآخرين؛ يتم السعي وراء القيم الفردية والحرية الشخصية وتكون لحقوق الإنسان الفرد الأسبقية على حقوق الآخرين؛ احتياجات الفرد لها أولوية أعلى من احتياجات المجموعة؛ يمكن للفرد أن يعيش خارج المجتمع دون أن يفقد هويته؛ والاستقلالية والاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات تحظى بإشادة كبيرة، حيث إن الفرد مسؤول عن تحقيق الأهداف الشخصية من خلال المنافسة مع الآخرين. تتعارض هذه القيم الفردية مع النزعة الجماعية في أوبونتو. ينظر الباحثون الاستعماريون إلى أوبونتو كظاهرة للبدائية البشرية وكـ «مظهر من مظاهر الإصابة بمتلازمة التبعية المعقدة» التي ينبغي التغلّب عليها من خلال القيم الفردية.[73]
إن القيم الفردية والسعي وراء المصلحة الذاتية في الغرب ذي التوجه الرأسمالي يحفّز السلوك. في المجتمعات الرأسمالية الفردية، غالبًا ما يتم تحديد هوية الشخص من خلال تراكم الثروة ومن خلال تحقيق المصلحة الذاتية. الرأسمالية تقوم على السلعية، وغالبًا ما يتم تعريف الشخص على أنه مستهلك. يتم تحديد النجاح والسعادة من خلال الإشباع المادي. ومن خلال القيم الفردية والسعي وراء المصلحة الذاتية في المجتمع الرأسمالي، يتم عزل البشر عن بعضهم بعضًا باتباع «أنا» في «أنا». في السعي لتحقيق أوبونتو، تُنسب الهوية بصيغة «أنا» في «نحن» بدلًا من «أنا» في «أنا». أوبونتو يرفض نموذج الإنسان الاقتصادي. وبدلًا من ذلك، يتم تخصيص التركيز على العلاقات الهادفة مع الآخرين والتي ينبغي أن تقوم على التعاطف والرعاية والانسجام والإيثار بدلًا من المنافسة. واستنادًا إلى سمات الهوية والتضامن، يمكن وصف أوبونتو بأنها معادية للأنانية؛ لأنها توجّه الناس إلى السعي لتحقيق مصلحتهم دون النظر إلى الآخرين والمجتمع أو على حسابهم[74].
في المجتمعات الغربية الرأسمالية الفردية، يتمتع البشر بالسلطة والسيطرة على الطبيعة كما ينبغي السيطرة عليها واستخدامها لتلبية الاحتياجات الأساسية والزائفة. انطلاقًا من الموقف الإلهي للبشرية تجاه الطبيعة، غالبًا ما يتم تنفيذ الأساليب التكنولوجية والعلمية التي تركّز على مفاهيم مثل النمو والتقدم والتطور لتعزيز الطبيعة حتى تتمكّن البيئة من تلبية احتياجات الإنسان يُنظر إلى الطبيعة على أنها شيء ينبغي تحويله إلى سلعة، ويتم تفسيرها بشكل روتيني من خلال المصطلحات الاقتصادية - حيث يتم قياس الموارد بالقيم النقدية كما هو موضح في مفهوم «رأس المال الطبيعي». هذا الموقف تجاه الطبيعة هو السائد في نموذج التنمية المستدامة، حيث يهيمن الاقتصاد على كلٍّ من المجتمع والبيئة الطبيعية كما يتّضح من حقيقة أن نموّ الناتج المحلّي الإجمالي يُستخدم بانتظام لقياس التنمية المستدامة. إن الهيمنة على الطبيعة وتسليع الموارد الطبيعية تقف في تناقض حادّ مع الموقف العلائقي الموصوف تجاه الآخرين في أوبونتو. فيصبح الشخص من خلال الآخرين (البشر، وغير البشر، والطبيعة). سيكون من غير المجدي تسليع الموارد الطبيعية وإساءة استخدامها لتلبية المصلحة الذاتية التي ستدعم تراكم الثروة الشخصية. بدلًا من ذلك، يصف أوبونتو مبدأ الاكتفاء حيث يجب على البشر أن يعيشوا بطريقة تلبّي احتياجات الآخرين فيما يتعلّق باحتياجاتهم الخاصة. ومن خلال السعي إلى أسلوب حياة قائم على الاكتفاء، يستخدم الشخص والمجتمع الموارد الطبيعية لتلبية احتياجاتهم الأساسية فقط. إن أوبونتو «تشجع على تطوير موقف غير استغلالي تجاه البيئة، وهو الموقف الذي إذا رعاه الجميع فإنه سيجعل العالم أكثر استدامة مما هو عليه حاليًا»[75].
تكون الأفعال صحيحة بقدر ما تعزّز (أو تثمّن) التواصل أو الانسجام. على سبيل المثال، نجد عبارات مثل العبارة التالية حول الأخلاق في السياقات الأفريقية الأصلية: «إن ما هو صحيح هو ما يربط الناس ببعضهم بعضًا. إن هذا المفهوم للصواب (وبالتالي الخطأ) يختلف عن المفكّرين الرئيسيين في الفكر الغربي. فالكانطيون يمجّدون القدرة على الاستقلال أو العقلانية، وليس قدرة الناس على التواصل أو الطريقة التي حقّقوا بها هذه القدرة في هيئة أسلوب حياة مشترك بين الناس الذين يهتمّون بخير بعضهم بعضًا. ويستند أتباع نظرية العقد الاجتماعي إلى معايير من المنطقي أن يوافق عليها أولئك الذين يتعيّن عليهم أن يعيشوا وفقًا لها، وهو ما لا يعرف عنه أي صياغة بارزة تمنح وزنًا أخلاقيًّا جوهريًّا إمّا لمشاركة أسلوب حياة مع الآخرين أو محاولة مساعدة الآخرين على تطوير جوانب قيّمة من طبيعتهم البشرية. وتنطبق ملاحظات مماثلة على أتباع نظرية النفعية»[76].
إن الأخلاق الأفريقية، تختلف بطرق مهمة ومثيرة للاهتمام عن النظريات الأخلاقية الغربية السائدة. إن إحدى المقولات البارزة في المناقشات الأفريقية حول العمل الصحيح هي الشراكة المجتمعية، ولكن هناك مقولة أخرى هي الحياة، حيث يعتبر بعض فلاسفة الأخلاق في جنوب الصحراء الكبرى أن الحياة، هي الأساس للتمييز بين المسموح وغير المسموح. وهناك نظرية أخلاقية أخرى نجدها مقترحة في الأدبيات، وهي المبدأ القائل بأن الأفعال صحيحة بقدر ما تعزّز الحيوية. على سبيل المثال، نجد أي فعل يزيد من الحياة أو القوة الحيوية هو صحيح، وأيّ فعل يقلّل منها هو خطأ. إن الحياة أو قوة الحياة، كما يفهمها سكان جنوب الصحراء الكبرى (وخاصة في جنوب ووسط أفريقيا)، هي طاقة غير مرئية تتخلّل كل شيء في العالم بدرجات متفاوتة. إن مملكة المعادن «غير الحية» لديها أقل درجة من قوة الحياة؛ والنباتات لديها أكثر من الصخور؛ والحيوانات لديها أكثر من النباتات؛ والبشر لديهم أكثر من الحيوانات؛ والأسلاف وغيرهم من العوامل غير المحسوسة لديهم أكثر من البشر؛ والله، باعتباره مصدر كل قوة الحياة، لديه أكثر من أي شيء آخر. النظرية الثالثة المؤثّرة في العمل الصحيح في الأدب الأفريقي هي نظرية الجماعة المعتدلة لكوامي جيكي وفقًا لما ينص عليه القانون، فإن الأفعال تكون صحيحة بقدر ما تعزّز الصالح العام دون التعامل مع كرامة الناس بشكل غير محترم في هذه العملية. وفقًا لتصريح حديث نسبيًا له في مدخل موسوعة حول الأخلاق الأفريقية «إن الأفعال التي تعزّز رفاهية الإنسان أو مصالحه هي أفعال طيّبة، في حين أن الأفعال التي تنتقص من رفاهية الإنسان هي أفعال سيئة». ولكن هذا ليس من النفعية الغربية، ويرجع هذا جزئيًا إلى أن جيكي يركّز على الاحتياجات الموضوعية (بدلًا من المتعة الذاتية أو إشباع الرغبات) وجزئيًّا لأنه يوصي بتعزيز الرفاهية فقط بالطرق التي لا تضر أو تحط من قدر الأفراد[77].
في حين أن الأخلاق البيئية الغربية عادة ما تنسب للحيوانات إما مكانة أخلاقية كاملة (النفعية، مركزية الحياة) أو لا تنسب لها أي مكانة أخلاقية (الكانطية، العقدية)، فإن وجهات النظر الأفريقية تميل إلى الاختلاف. إن النهج الشائع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هو التفكير من منظور «سلسلة الوجود الكبرى»، حيث يكون البشر أكثر أهمية من الحيوانات بسبب قوة الحياة الأكبر لدى البشر، ولكن الحيوانات مع ذلك لها أهمية أخلاقية بسبب حيويتها الجديرة بالملاحظة، بحيث نتحمل التزامات مباشرة بتجنب التعامل معها بطرق ضارة أو مهينة. فإن الفكر الأفريقي حول الطبيعة على نطاق أوسع غالبًا ما يكون علائقيًا، ويلجأ إلى القياسات مع الأسرة واستخدام الحديث عن «الانسجام» وهو نهج يختلف عن النهج البيئي الفردي والنهج البيئي الشامل الذي يهيمن على الفلسفة الناطقة باللغة الإنجليزية[78].
إن الأخلاق الأفريقية لا تحتاج إلى المقارنة بالأخلاق الغربية من أجل إثبات مكانتها كأخلاق حقيقية أو أصيلة[79]. في الحقيقة إن أخلاق أوبونتو تستطيع أن تجلب للعالم ما فشلت الحضارة الغربية في جلبه. إنها تجلب الوجه الإنساني إلى كل جانب من جوانب الحياة؛ ولذلك فإن لها مكانها في العمل الاجتماعي. عند تطبيقها على العمل الاجتماعي، فإن أوبونتو تمثّل العمل الاجتماعي الإنساني، باستخدام أساليب إنسانية لتحقيق الأهداف الإنسانية[80].
مما سبق يمكن إيجاز الدراسة في النقاط التالية:
عمدت المركزية الأوروبية إلى محو الصفة العقلية والأخلاقية عن الأفارقة، ومن ثم التقليل من قيمة الأخلاق ومكانتها في ثقافة أفريقيا جنوب الصحراء.
الإعلاء من شأن الأنا الغربية جعل الأخلاق الأوروبية تتجه نحو الذات دون النظر للآخر، ومن ثم الاهتمام بالفرد كفرد دون النظر إلى الجماعة.
قدمت الأخلاق الأفريقية رؤية مغايرة للأخلاق الغربية، رؤية تتّسم بالجماعية تهدف إلى تحقيق الخير الأقصى للجماعة، نظرًا لارتباط الفرد بالجماعة ولأهمية الجماعة بالنسبة للفرد.
الشخصية الأخلاقية مكانة يكتسبها الشخص في الأخلاق الأفريقية من خلال الالتزام بقواعد السلوك التي تحقق الرفاهية للمجتمع.
الأخلاق الأفريقية أخلاق الواجب الذي ينبغي أن يقوم به الفرد تجاه المجتمع والجماعة ومن ثم فإنها أخلاق إنسانية في المقام الأول تهتم بالإنسان بما هو إنسان. تعامل الأخلاق الأفريقية البشر جميعًا بمبدأ المساواة دون التمييز بين الأعراق المختلفة.
أخيرًا تستطيع أخلاق أوبونتو الأفريقية أن تقدّم للبشرية ما فشلت الأخلاق الغربية تقديمة من خلال الانسجام والوئام بين البشرية جميعًا، والبعد عن الأنانية الفردية من خلال الاندماج في الجماعة والعمل على تحقيق الخير العام.
خاتمة
بناءً على ما تقدم؛ بيّنت الدراسة أن المركزية الغربية للأنا، كما جسّدها فكر التنوير وامتداداته، لم تكن بريئة من مشروع الهيمنة الكولونيالية، حيث تم تصنيف المجتمعات غير الغربية بوصفها «نقصًا» أو «آخرًا غير مكتمل»، سواء على مستوى العقل أو الأخلاق. لكن الأخلاق الأفريقية، من خلال مبدأ العيش الجماعي، تزعزع هذه المركزية وتفتح أفقًا أخلاقيًا ينهل من روح الجماعة، لا من وهم الاستقلال المطلق.
كشفت الدراسة عن المفارقة العميقة بين التصور الأخلاقي الأفريقي الذي يرتكز على الجماعة والعلاقات المتبادلة، وبين النموذج الأخلاقي الغربي الذي غالبًا ما يتمحور حول الفرد بوصفه ذاتًا مكتفية وعاقلة. لقد أظهرت القراءة المقارنة أن الأخلاق الأفريقية، كما تتجلّى في مفاهيم مثل «أوبونتو»، لا تنفي الفرد، لكنها تدرجه ضمن شبكة من العلاقات التي تمنحه معناه الأخلاقي والأنطولوجي. وبذلك، تقدم الأخلاق الأفريقية بديلًا نقديًا لمركزية «الأنا الغربية»، ليس بهدف نفيها أو تهميشها، بل لفتح أفق حواري يمكن أن يفضي إلى تصور أخلاقي أكثر شمولًا وإنسانية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الأخلاق الأفريقية بمعزل عن سياقاتها الأنطولوجية والوجودية، حيث الإنسان ليس مجرد فاعل حر في فراغ أخلاقي، بل هو كائن ينتمي إلى مجتمع، تحكمه روابط النسب، والتقاليد، والواجبات المتبادلة، لا بوصفها قيودًا، بل مصادر للمعنى والكرامة. إن هذه الرؤية تتحدّى النموذج الغربي الذي غالبًا ما ينظر إلى الحرية الأخلاقية باعتبارها تحرّرًا من الآخر، بينما ترى الأخلاق الأفريقية أن الحرية لا تتحقق إلا من خلال المسؤولية تجاه الآخر.
لقد سلّطت الدراسة الضوء على كيف أن «الأنا» في الفكر الأفريقي لا تتحقّق إلّا من خلال «الآخر»، وكيف أن القيمة الأخلاقية تنبع من الانتماء والمشاركة والتكافل، لا من الاستقلال والانفصال. وعليه، فإن إعادة الاعتبار للأخلاق الأفريقية لا تمثل فقط عملًا تأصيليًا لهوية مهدّدة، بل دعوة إلى مراجعة النماذج المهيمنة في الأخلاق والسياسة والمعرفة أيضًا، وذلك من خلال إصغاءٍ جاد لأصوات الآخر المهمّش. إن الأخلاق الأفريقية، إذ تقف في مواجهة مركزية الأنا الغربية، لا تطمح إلى استبدال مركز بآخر، بل إلى تجاوز فكرة المركز نفسها، من خلال التأكيد على الترابط الوجودي بين البشر، وعلى أن الإنسان لا يصير إنسانًا إلا مع الآخرين ومن خلالهم. وفي زمن تتفاقم فيه النزعات الفردية والعزلة الأخلاقية، قد تمثّل الأخلاق الأفريقية مدخلًا ضروريًا لإعادة التفكير في شروط العيش المشترك، ليس في أفريقيا فقط، بل على مستوى الإنسانية جمعاء.
المصادر:
إيزي، إيمانويل، لون العقل: فكرة العرق في أنثروبولوجيا كانط. ترجمة: حامد، دعاء عبدالنبي. مجلة أوراق فلسفية. العدد (105، 106). 2023.
هيجل، العقل في التاريخ (ج1). ترجمة: إمام، عبدالفتاح. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر. ط 3، 2007.
Adegbindin, Omotade, Critical Notes on Hegel S Treatment of Africa, Ogirisi: a new journal of African studies, Vol. 11, 2015.
Agada, Ada, The Partialist Leaning and Impartialist Aspiration of Traditional African Ethics in (African Ethics A Guide to Key Ideas). London, New York: Bloomsbury Academic. First published, 2023.
Asuquo, Gabriel & Ibrahim Musa, Augustine, African Relational Metaphysics as A Catalyst for Sustainable Peace in Nigeria. Nigerian Journal of Philosophical Studies Vol. 2, No.1, 2023.
Azenabor, Godwin, “The Golden Rule principle in an African ethics, and Kant’s Categorical Imperative”, An African Journal of Philosophy. http://www.quest-journal.net
Azenabor, Godwin, “An African Theory of Moral Conflict Resolution: A Kwesi Wiredu’s Paradigmatic Approach”, Journal of Contemporary Research, 15(4). Pp. 151-171, 2018.
Azenabor, Godwin, Omoluabi: An African Conception of moral values. Thought and Practice: A Journal of the Philosophical Association of Kenya. Vol. 8 No. 2, 2022, pp.63-81.
Birhane, Abeba, Descartes was wrong: ‘a person is a person through other persons’, 2017. https://aeon.co/ideas/descartes-was-wrong-a-person-is-a-person-through-other-
Chimakonam, Jonathan O, Sources of Moral Justifi cation in African Ethics in (African Ethics A Guide to Key Ideas), London, New York: Bloomsbury Academic. First published, 2023.
Chimakonam, Jonathan O, & Luís Cordeiro-Rodrigues, African Ethics A Guide to Key Ideas, London, New York: Bloomsbury Academic, First published, 2023.
Onyebuchi Eze, Michael & Thaddeus Metz, Emergent Issues in African Philosophy: A Dialogue with Kwasi Wiredu. Philosophia Africana, vol. 17, no. 2, 2016.
Gyekye, Kwame, African Ethics, in The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010. http://plato.stanford.edu/archives/fall2010/entries/african-ethics
Gyekye, Kwame, Person And Community in African Thought. Person and Community: Ghanaian Philosophical Studies, United States of America: Published with the support of CIPSH/UNESCO The Council for Research in Values and Philosophy, 2010.
Gyekye, Kwame, Tradition and modernity: philosophical reflections on the African, New York: Oxford University Press, 1997.
Igboin, Benson O, Colonialism and African cultural values, African Journal of History and Culture Vol. 3(6), pp. 96-103, 2011.
Kant, Immanuel, Observations on the feeling of the beautiful and sublime and other writings. Edited by Patrick, Frierson& Paul, Guyer. New York: Cambridge university press, 2011.
Kleingeld, Pauline, Kant’s Second Thoughts on Colonialism. Oxford University press, 2014.
Kuykendall, Ronald, Hegel and Africa an Evaluation of the Treatment of Africa in the philosophy of History, Journal of Black Studies, Vol 23 No.4, 1993.
Mangena, Fainos, African Ethics, Handbooks in Philosophy, Springer, 2023.
Mbiti, J. S, Introduction to African Religion, First published, London: Heinemann, Richard Clay (The Chaucer press), 1975.
Metz, Thaddeus, “Ethics in Africa and Aristotle some points of contrast”, Phronimon vol. 13. No. 2, 2012.
Metz, Thaddeus, An Overview of African Ethics, (Themes, Issues and Problems in African Philosophy, Edited by: Ukpokolo, Isaac E. Palgrave Macmillan, 2017.
Metz, Thaddeus, The Virtues of African Ethics, (African Ethics A Guide to Key Ideas) Edited by: Jonathan O. Chimakonam and Lu í s Cordeiro-Rodrigues. London& New York: Bloomsbury Publishing, 2023.
Menkiti, Ifeanyi A, Person and Community in African Traditional Thought, in African Philosophy An Introduction, ed. Richard A. Wright. Lanham, Md.: University Press of Americas, 1984.
Molefe, Motsamai, An African Philosophy of Personhood, Morality, and Politics. Palgrave Macmillan, 2019.
Nkansah Morgan, Stephen & Beatrice Okyere Manu, The Belief in and Veneration of Ancestors in Akan Traditional Thought: Finding Values for Human Well-being, Alternation Interdisciplinary Journal for the Study of the Arts and Humanities in Southern Africa. 2020.
Mugumbate, Jacob & Nyanguru Andrew, Exploring African philosophy: The value of ubuntu in social work, African Journal of Social Work, 3 (1), 2013.
Murungi, John, African philosophical illumination, Springer, 2017.
Nel, P.J, Morality and religion in African thought. Acta Theologica. 2, 2008.
Noujio, Basile Sede, Hegel’s Philosophy of History-A Challenge to the African Thinker: The Thought of Leopold Sedar Senghor, The Journal of Social Encounters. Vol. 4. Issue 1, 2020.
Odhiambo, F. Ochieng’ African Philosophy of Communalism. Handbooks in Philosophy. Springer, 2023.
Ramose, Mogobe. B, The ethics of ubuntu (The African Philosophy Reader). Edited By: Coetzee. P. H. & Roux. A. P. J. 2 Edition. London: Routledge, 2003.
Sekyere, Paul Appiah, The Lifeboat Ethics and Traditional Akan Ethics: A Critical Comparative Study, Research on Humanities and Social Sciences, Vol.4. No.2, 2014.
Sunday Deezia, Burabari & Grace Lawrence-Hart, Rethinking African Philosophy and Traditional Value System amidst Modernity, Scientific Journal of Arts, Humanities and Social Science, Volume-1 | Issue-3, 2021.
Terblanché - Greeff, A.C, Ubuntu and Environmental Ethics: The West Can Learn from Africa When Faced with Climate Change, African Environmental Ethics A Critical Reader, Springer, 2019: https://www.researchgate.net/publication/333482585
------------------------------------------------
[1]. باحثة دكتوراه في الفلسفة الأفريقية الحديثة والمعاصرة، كلية الآداب جامعة القاهرة، مصر.
[2]. Ubuntu
[3]. Birhane, Descartes was wrong: ‘a person is a person through other persons’: https://aeon.co/ideas/descartes-was-wrong-a-person-is-a-person-through-other-
[4]. Kant, Observations on the feeling of the beautiful and sublime and other writings, 58, 59.
[5]. إيزي، لون العقل: فكرة العرق في أنثروبولوجيا كانط. 235.
[6]. Kleingeld, Kant’s Second Thoughts on Colonialism, 46, 47.
[7]. Ibid, 47- 50.
[8]. Ibid, 50
[9]. Kuykendall, Hegel and Africa an Evaluation of the Treatment of Africa in the philosophy of History, 572.
[10]. هيجل، العقل في التاريخ، 1: 174، 175.
[11]. م. ن. 176، 178.
[12]. Adegbindin, Critical Notes on Hegel S Treatment of Africa, 11: 20.
[13]. Murungi, African philosophical illumination, 88, 89.
[14]. Noujio, Hegel’s Philosophy of History-A Challenge to the African Thinker: The Thought of Leopold Sedar Senghor, 59, 62.
[15]. Chimakonam & Cordeiro-Rodrigues, African Ethics A Guide to Key Ideas, 1.
[16]. Metz, An Overview of African Ethics, 62.
[17]. Sunday Deezia, & Lawrence-Hart, Rethinking African Philosophy and Traditional Value System amidst Modernity, 7.
[18]. Ramose, The ethics of ubuntu, 379.
[19]. Ibid, 386.
[20]. African ethics
[21]. Kwasi Wiredu
[22]. Azenabor, «The Golden Rule principle in an African ethics, and Kant’s Categorical Imperative», 231, 232: http://www.quest-journal.net
[23]. غالبا ما يتم تعريف الأخلاق الخاصة بأفريقيا جنوب الصحراء بالأخلاق الأفريقية تمييزًا لها بأنها من إنتاج الثقافة الأفريقية لجنوب وغرب أفريقيا من جانب، ولدحض ما أشيع من قبل فلاسفة الغرب العنصريين بعدم وجود فلسفة للأفارقة، بل أن الأفارقة لا يمتلكون القدرة على التأمل والتفكير؛ لأنهم ليس لديهم القدرة العقلانية، ومن ثم كان ثمّة تشكيك في حقيقة وجود الفلسفة الأفريقية لفترة طويلة من الزمن قبل أن تفرض الفلسفة الأفريقية وجودها على الساحة الفلسفية حديثًا.
[24]. Metz, The Virtues of African Ethics, 185.
[25]. Mbiti, Introduction to African Religion, 175.
[26]. Gyekye, African Ethics: http://plato.stanford.edu/archives/fall2010/entries/african-ethics
[27]. Agada, The Partialist Leaning and Impartialist Aspiration of Traditional African Ethics in (African Ethics A Guide to Key Ideas), 224.
[28]. Chimakonam, Sources of Moral Justifi cation in African Ethics in (African Ethics A Guide to Key Ideas), 9.
[29]. eniyan k’eyan
[30]. onnye onipa
[31]. Azenabor, «An African Theory of Moral Conflict Resolution: A Kwesi Wiredu’s Paradigmatic Approach», 165.
[32]. onwe ghi ezi agwa
[33]. Haana hunhu
[34]. Gyekye, African Ethics: http://plato.stanford.edu/archives/fall2010/entries/african-ethics
[35]. Mbiti, Introduction to African Religion. First published, 181.
[36]. Ibid, 175.
[37]. Sunday Deezia, & Lawrence-Hart, Rethinking African Philosophy and Traditional Value System amidst Modernity, 3.
[38]. Igboin, Colonialism and African cultural values, 98.
[39]. Igboin, Colonialism and African cultural values, 99.
[40]. Kwame Gyekye
[41]. Sekyere, The Lifeboat Ethics and Traditional Akan Ethics: A Critical Comparative Study, 29.
[42]. Peter Paris
[43]. D. Masolo
[44]. Metz, «Ethics in Africa and Aristotle some points of contrast», 104.
[45]. Gyekye, African Ethics: http://plato.stanford.edu/archives/fall2010/entries/african-ethics
[46]. Asuquo, & Musa Augustine, African Relational Metaphysics as A Catalyst for Sustainable Peace in Nigeria. 165.
[47]. Ibid, 168.
[48]. Odhiambo, African Philosophy of Communalism, 15.
[49]. Ibid, 16.
[50]. Ibid, 23.
[51]. Ibid, 24.
[52]. Azenabor, «An African Theory of Moral Conflict Resolution: A Kwesi Wiredu’s Paradigmatic Approach», 165.
[53]. Molefe, An African Philosophy of Personhood, Morality, and Politics, 18.
[54]. Menkiti, Person and Community in African Traditional Thought. in African Philosophy An Introduction, 171.
[55]. Molefe, An African Philosophy of Personhood, Morality, and Politics, 19.
[56]. Menkiti, Person and Community in African Traditional Thought. 172.
[57]. Ibid.
[58]. Ibid,173.
[59]. Gyekye, Tradition and modernity: philosophical reflections on the African, 48.
[60]. Ibid, 52.
[61]. Nkansah Morgan & Okyere Manu, The Belief in and Veneration of Ancestors in Akan Traditional Thought: Finding Values for Human Well-being, 23, 24.
[62]. Onyebuchi Eze & Metz, Emergent Issues in African Philosophy: A Dialogue with Kwasi Wiredu, 80, 81.
[63]. Nkansah Morgan, & Okyere Manu, The Belief in and Veneration of Ancestors in Akan Traditional Thought: Finding Values for Human Well-being, 23, 24.
[64]. Gyekye, Tradition and modernity: philosophical reflections on the African, 45.
[65]. Mbiti, Introduction to African Religion, 178.
[66]. Nel, Morality and religion in African thought, 40.
[67]. Gyekye, African Ethics: http://plato.stanford.edu/archives/fall2010/entries/african-ethics
[68]. Mbiti. Introduction to African Religion, 176, 177.
[69]. Gyekye, Person And Community in African Thought, Person and Community: Ghanaian Philosophical Studies, 119.
[70]. Gyekye, Tradition and modernity: philosophical reflections on the African, 65.
[71]. Ibid, 66.
[72]. Azenabor, Omoluabi: An African Conception of moral values, 78.
[73]. Terblanché - Greeff, Ubuntu and Environmental Ethics: The West Can Learn from Africa When Faced with Climate Change, 100. https://www.researchgate.net/publication/333482585
[74]. Ibid, 100, 101.
[75]. Ibid, 101, 102.
[76]. Metz, An Overview of African Ethics, 67.
[77]. Ibid, 67, 68.
[78]. Ibid, 70.
[79]. Mangena, African Ethics, 107.
[80]. Mugumbate & Andrew, Exploring African philosophy: The value of ubuntu in social work, 99.