الباحث : د. نورة بوحناش
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 39
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث : 654
الملخّص
الغزالي وكانط ذروتان حضاريّتان، يؤشّران إلى لحظتين متمايزتين، فبينما يعبّر الغزالي عن براديغم ما قبل حداثي حيث المركزية الإلهية، يعبّر كانط عن براديغم حداثي حيث المركزية الإنسانية. على الرغم من هذه المفارقة فإنّ بين الغزالي وكانط هناك وصال جامع، يبدو في طبيعة القانون الأخلاقي المحمول في الصدر، قانون كوني يعتمد الإخلاص للمبدإ معيارًا. كان اعتبار الإخلاص مبدأ أخلاقيًا مهيمنًا، على وجهة التجربة الأخلاقية عند الغزالي وكانط، نتيجة دربة فلسفية عميقة تُسائل عن موقع اللامرئي في المعرفة والأخلاق، بحثًا عن علاقة الدين بالأخلاق، ففي حين يعتبر الغزالي الدين مركزية أخلاقية يجعله كانط تابعًا لها، إنه سياق علماني يكون فيه الدين هامشية تابعة. لكن يبقى سؤال الغيب في علاقته بالأخلاق مطارحة تجمعهما، تداولها الغزالي قبل كانط، وفق رؤية روحية بدا فيها الإخلاص لله قيمة العملية الأخلاقية برمتها، وتداولها كانط وفق رؤية عقلانية؛ بدا فيها الإخلاص للقانون الأخلاقي قيمة العملية برمتها.
الكلمات المفتاحية: الغيب، الأخلاق، ال
دين العقل، الذوق، العقل العملي، الفضيلة، السعادة.
المقدمة: الغزالي وكانط ...التلاقي والافتراق
يؤشّر كل من الغزالي وكانط، إلى بلوغ الذروة الحضارية حدًا نهائيًّا، ينزعج فيه عقل حضارة ما، من سكون التكرار والغوص في التقليد؛ عندئذ يضطلع بمهمة التغيير وضعًا لمفاصل التأسيس اللاحق. دائمًا ما يصير البراديغم الحضاري صنمًا ذهنيًّا، يغطي مدّ البصر والبصيرة. قد يصل العقل إلى قمة دفاعه عن الصنمية، لكنه سرعان ما يتشقّق تكسيرًا للأصنام؛ حينئذ يتحرّك صمت الزمان ويتمّ استنطاق البراديغم، فيكون النقد حركة تعيد تأويل المعرفة، وتمدّ العقل بما خفي عنه، تلك هي الانطلاقة الأولى التي تجمع بين الفيلسوفين، أبانت عن نفسها بحثًا في إمكان المعرفة، والمدى الذي يبلغه المُدْرك العقل؛ وعيًا للحقيقة واستقصاء للمعنى.
ربّ معترض يرى وجود معوّقات شتّى تمنع دون محاولة الوصل بين الغزالي وكانط، لعل أبرزها هي المفارقة البراديغمية بين الحداثة وما قبل الحداثة؛ التي تعتقد أن العلمانية خصّيصة الحداثة، تمثل حائلًا يجعل المقاربة بينهما ضربًا من المستحيل؛ كما تتبيّن أيضًا في حقل اشتغالهما، فحقل الاشتغال الكانطي هو العلم الطبيعي بصيغته الحديثة، بينما يتحرك الغزالي في مساحة علوم شرعية؛ مفادها تحصيل اليقين دفاعًا عن عقيدة التوحيد، وإحياء الدين بإحياء علومه، فكانت الروحانية خلاصة انتهى إليها فكر حجة الإسلام؛ كذروة للتعقّل الجامع بين العلم والعمل. فأي مقاربة راجحة قد تحصل بين العلمانية والدين؟ أيّ مشروعية تجمع بين العلم الحديث والروحانية؟
إذن تَتَبَيَّنُ المفارقة بين الغزالي وكانط في سؤال المشروعية الخاصة بالذروة الحضارية؛ حيث استدعت الحداثة نقد العقل، إجابة عن الإمكان المعرفي والتصميم الأخلاقي الموصول به، بوصفهما معًا مكَوِّنَا الذات الحديثة بناء لإنسان الحداثة الذي سيتّخذ المبادرة العقلية أداة النظر، في إجابة عما هي أنوار العقل؟ وكيف يكون الدين في مجرد حدود العقل؟ وكيف تكون الأخلاق احترامًا للقانون الموقوف على الإرادة الإنسانية الخيرة؟ في حين تُسّْتَدعَى الروحانية إحياء لعلوم الدين، ضبطًا للإمكانين المعرفي والأخلاقي، بيانًا لمشروعية العقل في حدود الدين. فهل تتم التسوية بين إنسان الحداثة، الذي فصل بين المتعالي واللامتعالي، وإنسان ما قبل الحداثة؛ حيث ينصهر المتعالي في اللامتعالي؟ هل هي مفارقة في وعي المعنى، ترتّب عبرها الدين وراء الأخلاق كلازم ضروري للحداثة؟ فما هي طبيعة العقلانية التي رجّحت أولوية الأخلاق على الدين؟
على الرغم من ما يبدو قطيعة حاضرة بين الغزالي وكانط، تتجلّى بنود اللقاء بينهما في حلقات معرفية رئيسة؛ حدّدت تشاركهما في بيان طبيعة الفعل الخلقي، الذي يسلك وجهة الإخلاص للمبدأ؛ فلا غاية إلّا الاخلاص في سياق قرآني تدّلل عليه الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[2] لتتحقق غاية الإخلاص عند الغزالي بسلوك درب علم الآخرة، فينتهي القرب عبودية لله، بوسيلة علم المكاشفة وعلم المعاملة[3]، حينئذ يحيا المريد حرية العبودية ويتلمّس الفردانية في انقطاعه عن الدنيا. وسيعتني كانط بالمعنى نفسه، الإخلاص لغاية الإخلاص؛ من خلال تميّز يختص به الإنسان بوصفه إرادة خيرة لها حكم المطلق، فلا غاية ترجوها إلا احترام القانون الأخلاقي، بإرادة لا تبغي من وراء ذلك جزاء ولا شكورًا، فلا دافع لها إلا ذاتها إخلاصًا للمبدإ[4]، ليغدو قرارها صيغة صورية خالصة، تقع وقعًا فوقيًا بوصفها أمرًا تشريعيًّا لكل الإنسانية، بهذا جرى بين الغزالي وكانط تبادل بين موقعي الله والإنسان، فهل يؤول ذلك إلى طبيعة البروتستانتية، حيث يعوّض الضمير الدور الذي يؤدّيه الإله؟
هي خلاصة حصلها فيلسوف كسونبورغ، بعدما وجّهه نقد العقل للإجابة عن سؤالين: ما الذي يمكن لي أن أعرفه؟ وما الذي يجب عليّ أن أعمله؟ بهذا كانت الإجابة عن سؤال العمل، مسارًا مرتبطًا بحدود العقل وإمكاناته، يستدعي حقل الميتافيزيقا بيانًا للمعروف من اللامعروف؛ ليخلص بذلك إلى مركزية الإنسان في المبادرة الأخلاقية؛ أما فقه المعنى الديني، فلن يكون إلا من باب البداهة، التي ليست لها وسيلة إلا التسليم بوجود الله وخلود الروح، فهل انتهى كانط إلى ما سلّم به الغزالي بعدما قُذف النور في قلبه؟ بأي معنى يكون الغيب، همًا محرّكًا لسؤال المعرفة والأخلاق عند الغزالي وكانط؟
يتبيّن الفرق بين إخلاصي الغزالي وكانط، فيما بدا موقعًا يحتلّه الإنسان؛ وفي العلاقة التي تربطه بالله ومدى مشروعية المبدأ الأخلاقي بين الوصل والفصل، الذي يُبِّينُ عن مكانة الغيب عند كل من الغزالي وكانط، من الأجدر التصريح بأن الخلاصتين الغزالية والكانطية تنحدران من مكانة يقع فيها العقل عند كل منهما، ومدى قدرته على معرفة ما لا يُدرك بالحس ولا بالعقل. في نهاية المطاف يَحْصُل الإخلاص عندهما ويُحَصِّلُ قمة التجلّي، عندما يتجاوز حدود العقل، فأي عقل يعنيه كلٌّ من الغزالي وكانط؟ لماذا ينغلق الغيب أمام العقل؟ وكيف يتحوّل ما يغيب عن الأبصار إلى مشروعية أخلاقية، وفتوح للإحسان إقبالًا على الفعل دون غاية تُرجى؟
وعلى الرغم من المباينة بين الغزالي وكانط في مستوى المرجعيات المؤسسة لأسئلة المعرفة والمعنى، فالحيرة من الدين تجمعهما؛ بدت عند الغزالي في دربة شك مضنٍ، سلك عبره درب الانقطاع والتدبّر؛ حتى قذف الله في قلبه نور اليقين[5]، واعتقادًا بهذا اليقين فقط انبلجت الفضائل الأخلاقية، بالقرب الذي حصّل كمال الروح تزكية، تتذوق بها الكمال الإلهي.
يعيد كانط تأويل السؤال الفلسفي، انطلاقًا من الإمكان المعرفي للعقل، فكان النقد أداة لبيان الممكن من غير الممكن؛ ومن ثم تنفتح سبل الإجابة عن الإمكان الخلقي، يَؤُولُ فيها الأمر إلى مركب ذاتي، يستدعي بداهة الإيمان من دون غبش الدليل مهما كان نمطه، فيكون كمال الإنسان بمدى تحصيله حرية منفصلة عن كل مدد من خارجه.
كانت مسؤولية كانط مضنية، فقد راهنت على إجابة مفصلية عن الأسئلة الكبرى للحداثة، كيف يتجاوز الإنسان القصور الذاتي متّخذًا المبادرة، عبر الرشد، العقل والحرية[6]؟ بتعبير آخر كيف يغدو الإيمان، مبادرة فردية تُحرّر الذات من الوصاية؟ هي إذن العلمانية تتحسّس مواقعها، حينما بدأ الدين في المغادرة؛ ليغدو معها الإنسان حاملًا للقيمة دون سند يتجاوز قدرته العاقلة. نحن هنا إزاء معالجة يتبين فيها وسم آخر للدين، بعدما قوّض العلم الطبيعي دعائم الإيمان، عبر الثورة الكوبرنيكية الغاليلية. فإلى أي مدى يمكن بناء التخلّق على التدين؟
كانت مسؤولية الغزالي مضنية أيضًا، فقد راهنت على الإجابة، عن كيف الإيمان وعن المنهج الذي يحيي علوم الدين، بعدما أوغلت الفهوم المتفرّقة، في فك أواصر العقيدة والشريعة ذلك أنه «إذا سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة فلا يبقى للشرع عصام»[7]كما تحوّل علم الفقه إلى علم للدنيا، والفقهاء إلى تجّار على أبواب الأمراء والسلاطين[8]؛ أفلا يستدعي هذا الحال عصمة الدين؟ بهذا مثّل علم المكاشفة وعلم المعاملة، دليل الحائر ووسيلة السير في درب الآخرة؛ وسيمد الغزالي السالك بالروحانية دليلًا يهتدي به إلى أنوار اليقين، ليظفر بمنازل الأولياء[9].
هكذا حدّدت العتبة الحضارية مسارات الفكرة الفلسفية في تقلّباتها التأويلية الموصولة بحركة التاريخ؛ فبينما تجعل الكانطية من الإنسان مركزية أخلاقية، يُسْتَقَى منها وعي الاستقلالية، فيكون الشخص الإنساني غاية في ذاته دون وصاية المؤسسة؛ توطينًا للعلمانية حاجة حضارية بعد تواري المقدس، ورهانًا أنواريًا اقتضته مرحلة غادر فيها اللاهوت مقابل حضور فارق لسلطة الناسوت. يفتح الغزالي أنوار القلب في وصال بين الإنسان والله، تعبّر عنه التجربة الروحانية بمشكاة أنوارها، وذوقها الذي يجعل الوصال بين الإنسان، والله وصال الذوبان، الحضور والرؤية. ماذا عن موقع الإيمان بين الغزالي وكانط؟ ألا يستدعي ضرورة الاستدلال وقوة الدليل حفاظًا على الدين؟ أفلا يتطلّب هذا الاستدعاء، الحفر في بنية العقل بيانًا لمكوّناته وتعرفًا على تخومه؛ باعتباره أيضًا آلة التنكر للإيمان ودليلًا على اللاإيمان؟
تثير المقاربة بين الغزالي وكانط سؤال المعنى بين الحداثة وما قبلها؛ وقبل ذلك تبتغي الكشف عن أثر الفلسفة الغزالية في الفلسفة الغربية الحديثة[10]، إذ تتبين إحداثيّاتها في جدل العقلانية والتجريبية، بين الشك الديكارتي وبين اللاأدرية الهيومية نقدًا للسببية، وقد جمعهما قبلًا النصُّ الغزاليُّ في حيرة وجودية تتحسّس الدليل، فشكّت وبيّنت برهان المعرفة وأمدّت باستحالة الضرورة، لتكون السببية عادة يكرّرها الحس. فهل كان الجمع بين الشك الديكارتي، والشك الهيومي في متن الغزالي مجرد، صدفة وتقارب لخواطر الفلاسفة؟ أم أن جولان هذا النص في العصور الوسطى اللاتينية ترجمة وتأويلًا[11]، فتح العقل الغربي على أشكال النقد ووسائل تخريجها استدلالًا؟
أيقظ هيوم كانط من سباته الدوغمائي، وقد سلّم بعقلانية تُقَدِمُ بمطلقية العقل فوقيّته. فبين العقلانية الديكارتية والتجريبية الهيومية، نتلمّس المسحة الغزالية خفية تسري في الثقافة الفلسفية الحديثة، بصفة مباشرة أو غير ذلك. يتوضّح هذا السيران في نقد العقل واستشرافات موصولة بالميتافيزيقا والأخلاق؛ وفي البحث عن مقام الغيب رجحانًا للإيمان، وكذا النظر في المعرفة أدواتها ومداها، ثم مشروعية الغيب مرجعية للأخلاق، فتكون الميتافيزيقا حقلًا مؤسًسا عند كانط؛ وفوق هذا يحدّد الإخلاص للمبدإ الأخلاقي، علاقة بين الزهدية الغزالية والزهدية الكانطية. فما هو المدى الذي قد يبلغه العقل في المتنين الغزاليِّ والكانطيِّ؟ ماذا عن صلة العقل بالأخلاق؟ ولنسأل عن أنموذجي العقلانية بين الفيلسوفين؟
انتهت النقدية الكانطية إلى مركزية إنسانية مفصولة عن المدد الإلهي ترجيحًا للعلمانية؛ في حين خلصت النقدية الغزالية إلى الوصل بثبوت الروحانية استيفاء لشرطي الميثاق والأمانة. بين عقلانية كانط وروحانية الغزالي، نحدد صيرورة أخلاق ما قبل الحداثة في فضائها الإسلامي، والمسار الذي سلكته أخلاق الحداثة في فضائها الغربي. فهل تكون الروحانية تجلّيًا لأزمة العقل الإسلامي؟ وهل يعبّر العقل العملي عن مأزق العقل الغربي، قبالة غموض المعنى وخيار العدمية الذي بدأ يلوح في الأفق؟ كيف تحوّلت الأخلاق الكانطية، إلى كونية عقلانية، فتشكّلت مرجعية لميثاق حقوق الإنسان؟ لماذا يعتبر التصوف والروحانية في العالم الإسلامي انتكاسة فردية ومجتمعية؟ هل تؤول الخلاصات الغزالية والكانطية، إلى طبيعة العقل بين ذروتي حضارتين؛ الإسلامية وهي تغادر التاريخ، والغربية وقد وُلدت لتوّها لتمتلك التاريخ؟ ما هي محصّلات هذه الملكية؟
مع ميلاد الإنسان الكوني في غرة الحداثة، يكون الشرط الأساس لكي يكون الإنسان حداثيًا، هو صدور الأخلاق من الإرادة الخيّرة العاقلة؛ أما الدين فتابع لها ترجّحه بداهة ميتافيزيقية، لا دليل لها سوى التسليم؛ فغدا الإنسان مشرعًا كونيًّا موقرًا في نفسه باحترام لذاته، يفعل بدون دافع ولا غاية. بهذا تثبت الأخلاق، صفة تربّب الإنسان وقيامه مقام الإله. أما في كنف الغزالية فلن يولد الإنسان، إلا وهو موصول بربه ومتعلّق به، لن تكتمل إنسانيته إلا بوصاله الموثّق بربه، فلا يُشَرِّعُ إلا بأمره، ولا كونية يمتلكها إلا وهو متعلّق بتعالي ربه وعلوه. فما هو الفرق بين الكونية المنفصلة والكونية المتصلة؟ ما هي خلاصة مركزية الإنسان وعلوه، على صعيد الذروة الحضارية بباراديغمها الحداثي؟
أولًا: العقل ومحنة العارف الفيلسوف بين الغزالي وكانط:
على الرغم من تباين سياقات النظر بين الغزالي وكانط، واختلاف مسارات ومآلات الفكرة بينهما؛ فالتلاقي في الاستفهام حول العقل، فيما يخص مداه وقدرته على معرفة اللامعروف، وانبلاجه على حقل الميتافيزيقا ثم الصلة الجامعة بين العقل، الدين والأخلاق؛ تعد حقلًا خصبًا لقراءة التأويلات اللاحقة للفكرة وتطورها في مناخات أخرى. هل نعتبر هذا التلاقي المنضبط، حول مسائل بعينها يتشارك فيها المتنين الغزاليُّ والكانطيُّ، مجرد انسجام بين استدلالات الفلاسفة؟
تتبع عبد الله محمد الفلاحي في كتابه «نقد العقل بين الغزالي وكانط» المسار الذي سلكته الفكرة الغزالية في دروب الفلسفة الوسيطية، ثم مسالكها في الفلسفة الحديثة[12]، مقدمًا براهين عن سير الفكرة الغزالية بين ثنايا المتون الوسيطية ليكشف عن حال التلاقح المثمر بين النص الغزاليِّ، والنقاش الفلسفي الذي حرّك الفلسفة الحديثة، فقد جال النص الغزالي في العصور الوسطى الأوروبية، متّخذًا الصدارة ترجمة، نقاشًا وتأويلًا، لينال كتابَا تهافت الفلاسفة ومقاصد الفلاسفة مكانة محورية عن اليهود والمسيحيين مكانة محورية[13]. غير أن سلطة المركزية الغربية تقف حائلًا، يسدّ منافذ النظر فيما يخص أثر الفلسفة الإسلامية، ودورها في نمو الأفكار وإثمارها في الفلسفة الغربية الحديثة؛ إذ جعلته أمرًا لا مفكَّرًا فيه، بدعوى تعالي العقلانية الغربية.[14] فقد تحرّك كانط بين العقلانية والتجريبية، بين ديكارت وهيوم، فهل كانت هذه الحركة مجرّد صدفة[15]؟
يكون سؤال حدود العقل وقدرته على اختبار المرئي من اللامرئي، وتدارك المعروف من اللامعروف؛ رهانًا جامعًا بين الغاية الغزالية والغاية الكانطية؛ لتتشكل عندهما نقدية ذات خصوصية، عملت من أجل المقصد الذي ابتغت تحقيقه، في مدار الجدل المعرفي الموصول بالمرحلة التاريخية. فقد رد الغزالي الفلسفة دحضًا لدلائلها، حماية للغيب الموصول بالتوحيد من تشعّب الميتافيزيقا اليونانية في ثنايا العقل الإسلامي[16]، ولكنه سيجعل من المنطق الأرسطي، قسطاسًا مستقيمًا وفيصلًا في حقول أخرى، هي أحوج إليه كعلم أصول الفقه، «فالبرهان والحد هو الآلة التي بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة»[17]. من جهة أخرى عمل كانط على السبر المتعالي لإمكانات العقل، ليعيد للعلم الطبيعي مشروعيته نقدًا وكشفًا عن طاقة العقل، في مدار إدراكه للظواهر[18]؛ وفي الوقت نفسه تحيّر فيلسوف كوسمبرغ من المصير الذي قد تؤول إليه الميتافيزيقا، بفعل تدخل العقل النظري في مساحات ليست مخوّلة له، فهو يعمل «ليس توسيعًا للعلوم، بل تشويهًا لها أن تختلط حدود العلم بعضها ببعض»[19]، فكان النقد الكانطي لمكونات العقل عملًا مؤسسًّا، فصل بموجبها بين العقل الذي يدرك الظواهر، وبين العقل الذي يدرك الظواهر في ذاتها. فما هي هذه الظواهر في ذاتها؟ وكيف حفظت حق الإنسان، في الدخول إلى فضاء الميتافيزيقا؛ رهانًا موثقًا للأخلاق؟
يجعل كل من الغزالي وكانط لما وراء العقل -حيث يغيب اللامرئي عن البصر ويحار بخصوصه استدلال المعقول - دورًا في سبر الغيب سعيًا للظفر باليقين؛ فكان التصديق بوجود الغيب عند الغزالي بنور قذف في القلب، بينما كان دليل الغيب جملة نقائض، يبديها العقل النظري عندما يسأل عن المطلق ويستدل على الحرية[20]، فكان التصديق ببداهة العقل العملي على وجود ما وراء العقل، لتتولى الميتافيزيقا الاستدلال عليه، باعتباره لازمًا ضروريًا للشرعية الأخلاقية. فهل القلب هو العقل العملي؟ أم أن البون شاسع بينهما، كما هو الفرق بين العقلانية المجرّدة والعقلانية المؤيّدة[21]؟
بهذا يتّجه المشروع النقدي عند الغزالي وكانط إلى اختبار طاقات العقل في المعرفة. فما هي حدود العقل عند كليهما؟ ما هي تجلّيات النقد بيانًا لطبيعة اللامرئي، حيث مكنون الغيب المتواري عن الحس والعقل؟ وما هو مسار هذه التجلّيات؟ ما هي صفة الصلة بين الغيب والأخلاق عند الغزالي، فيكون الدين أصلًا للأخلاق؟ ما هي صفة الصلة بين الغيب والأخلاق، لتكون الأخلاق دليلًا على الدين تابعًا لها؟ ما هي خلاصة هذا الترتيب على صعيد الحضارة الغربية، وبالتالي نتائجها على الإنسان والطبيعة؟
1. حدود العقل وتواري اللامرئي:
يبدو التباين النسقي بين الغزالي وكانط جليًّا، عند النظر في خريطة المفاهيم المؤسسة لنظاميهما الفلسفيين، بمضامينهما المعرفية الموصولة بطبيعة المرحلة التاريخية؛ وقد زُوِدَا بأسئلة إدراكية، تجلّت في مسائل معالجة، ومقاصد مرجوّة خلص إليها كل نظام على حدة.
تحرّك الغزالي في مساحة علوم الدين تحقّقًا، خلص معها إلى ترسيم مشروعية معرفية، أنهت بها الروحانية رحلة التناقضات المثيرة؛ فاستراح العارف محقِّقًا الخلاص بيقين رؤية، أيّد بها النقل العقل لتغدو الروحانية فضاء لإحياء علوم الدين؛ ودربًا أخلاقيًّا يحتويه الدين. بينما تحرك كانط في مساحة العلم الحديث، تقصّيًّا إبستمولوجيًّا للإمكان العقلي؛ وقياسًا لمداه خاض من أجله رحلة شاقة، خلصت إلى تحليل متعالٍ رسم به خريطة العقل، فصمت بعد هذا الرسم جدل المشروعية، الذي أثاره العقلانيون والتجريبيون. بهذا جمعت محنة العارف الفيلسوف الغزالي وكانط، تحقّقًا بسؤالين: سؤال يقين المعرفة، الذي أحال إلى سؤال المعنى، فأسهم السؤالان في استجلاء العلاقة بين المرئي، والمعقول من جهة واللامرئي من جهة أخرى؛ في ذروتين حضارتين تحيّرتا فيما يخص المشروعية المعرفية، ميّزت علاقة الفلسفة بالدين عند الغزالي، وميّزت علاقة الثلاثية العلم، الميتافيزيقا والدين عند كانط. فكيف رسم كلٌّ منهما خريطة الإمكان العقلي، جلاءً لهذه العلاقات المتعدّدة الأبعاد؟ ما هو شرط استيفاء النظر، فيما وراء العقل لينجلي الحق المكنون في اللامرئي؟
وإذن نجد وحدة الموضوع قد حرّكت النظام المعرفي المُؤسِّس، فقد تقصّى كل من الغزالي وكانط قدرة العقل وحدوده بحثًا عن اليقين، لينقادا على السواء إلى خيار النقد؛ سبرًا لدروب التحقّق باليقين الموصول بالمعنى، فكان لديهما اعتبار خاص للعقل، فما يخفى عنه أعظم درجة بالنسبة للماهية الإنسانية التي تتشوّق إلى المعنى؛ لذلك كان طلب العمل، رهن استدلال يميط اللثام عن قدرة العقل فقهًا للقيم. فكيف يمكن التحقق بالقيم والعمل بها؟
لم يكن العقل ليسعف الغزالي في محنته الوجودية، إذ لا يطيق العقل البتة تحصيل اليقين حسب ما ذكره، ذلك حال يقصيه من الإمكان بدرجة يرافق فيها الحس، فهما محصوران لا يحينان سبر ما يتخفّى عن البصر ناهيك عن البصيرة. يتخبط دليل العقل إذ سُئل عن اليقين المنوط بكشف المحجوب، حتى وإن بدا أسلم في الإمداد بيقينيات تحدس[22]، فلن يقوى على منازلة الحقيقة المكنونة فيما توارى عنه خلف الحجب ف «وراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب، وما سيكون في المستقبل؛ وأمور أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات، كعزل قوة الحس عن مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها[23] «يبقى العقل درجة لازمة للمدرك الديني، وفق مطلب الأشعري، ذلك أن »شرف العلم والعقل مدرك بضرورة العقل والشرع والحس»[24]، وإن كان لزومه يحتدّ بالشرع فلا يتخطاه[25]؛ بيد أن دليل الآلة يجعل العقل مشرفًا فاعلًا في بناء العلم، لذلك يصير المنطق ضرورة قصوى، تمنع من الوقوع في الزلل، فالثقة موكولة للبرهان في بيان ثمرة الحكم. يؤدي العقل دوره بإتقان شديد ليتقلب في أدوار المعرفة وأطوارها، ويبقى حدّه ممتدًّا في مساحة البرهان العقلي المحض، لن يرقى إلى التدليل على خبايا ما لا يطيقه؛ لذلك يقع في التناقض عندما يريد الولوج إلى ما ليس هو مخوّل له. بدا للغزالي، بَيِّنًا في أساليب البرهان التي تقفّاها الفلاسفة، حيث توضّحت تناقضاتها في مجال الغيب؛ باعتباره متعاليًا عن المحسوس والمعقول، فما يلزم عن جولان العقل في مقامات تستعصى عليه هو الوقوع حتمًا في الجهل.[26]
خاض كانط سبرًا مضنيًا للكشف عن ممكنات العقل، لقد أوغل التحليل المتعالي في سبر المكون الإبستيمولوجي للعقل، إلى الحد الذي بانت معه نتيجة تدارك كانط منطقها، فللعقل تخوم تمنعه دون إدراك ما يفوق حدود الزمان والمكان، ما لا يعلل بعلة، لا يمكن اختراق مساحة اللامعروف بالعقل النظري؛ لأن مداه محكوم بالحساسية، لكن هذا الانسداد يلوح بوجود إمكانات التفكير خارج حدود هذا العقل، إذ ذاك ينقسم الإمكان الوجودي إلى ظواهر تحقّق منها وظواهر في ذاتها، تنحجب فلا تبين عن نفسها، إلا بانتقال إلى مناطق لا يدرك فيها المطلق إلا عبر القدرة اللانهائية لعقل يفسح موانع الحجب. هنا يظهر التحدّي، كيف يتسلّل هذا العقل إلى الغيب فيعرفه بوسيلة تختلف عن وسيلة العقل الذي عرف الظواهر؟
والحق أن الانتقال إلى اليقين فيما خفي التحقق منه يعدّ مقدمة ضرورية للسلوك، لتبدو حجية منطق العقل النظري في صياغة الفعل الخلقي قاصرة؛ تستوجب حجية مجاوزة لقدرته، فما هي لوازم الفعل الخلقي عند كل من الغزالي وكانط؟ كيف يمده اللامرئي بالمشروعية بيانًا للجدوى والمعنى؟
2. العقل والغيب:
يكون الشاغل الجامع بين الغزالي وكانط، هو الوسيلة لمعرفة اللامعروف يقينًا، وقد صدّ العقل دون اختراقه؛ بل وجعله يتوارى خلف تناقضات، تزيد في الغموض وتلحق الضرر بإدراك الباحث عن يقين يركن إليه مطمئنًا به؛ وبحسب استدلالات الفيلسوفين، فالمانع يرتهن بطبيعة العقل؛ الذي فكّر في مجالات لا يحسن الغوص فيها.
على الرغم من اختلاف البنية التحليلية بين الغزالي وكانط، فإننا نلمح فكرة قصور العقل؛ وانحجاب الحقيقة دونه تتردد في المنقذ من الضلال، همًا عميقًا في ذات طالب معرفة اليقين، مختبرًا الوسيلة القمينة بذلك، فيكون «العقل ليس مستقلًّا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفًا للغطاء عن جميع المعضلات»[27]. وسنرى الفكرة نفسها تتحرك في تصدير كتاب نقد العقل النظري، حيث بدا مطلب التفرقة بين أدوات معرفة الظواهر، وما وراءها، أمرًا ملحًّا، فالعقل كثيرًا ما يخطئ ويتناقض «ذلك أن المبادئ التي يستخدمها لم تعد تعترف بأي محك للتجربة، بعد أن تخطّت حدود كل تجربة. والحال أن حلبة هذه النزاعات التي لا تنتهي، تسمّى ميتافيزيقا».[28]
يؤكّد الغزالي على الخطر الذي يمثله تجاسر العقل على الدين، خطر يقتضي سبر مقاصد الفلاسفة؛ فنعلم أنه يقع في جملة تناقضات مثيرة تُحدِث خللًا في العقيدة، وفي إخراجها إلى العامة ما يؤدّي إلى عموم البلوى، فقد ادّعى الفلاسفة قدرة الاستدلال، بما لا يملك هذه القدرة في مجال يستعصي على الحس، الموصول بعقل يمدّه بالحجة؛ وإن كانا معًا يفترقان في صفة المعرفة، إلا أنّهما بعيدان عن إدراك اليقين، ظهر هذا واضحًا في تناقض الفلاسفة عندما اتخذوا العقل سبيلًا ودليلًا.
خلص النقد الكانطي إلى بيان إمكانات العقل، ليتقصّى مجموع أسئلة حصرها في ممكنات؛ تعلّقت بالحق والخير والجمال، ثم سار في سبر مكنونات العقل بوسيلة التحليل المتعالي، لينتهي إلى نتيجة تتحقق بأن مجال اللامرئي عصيٌّ على هذا العقل، الذي مكّن لذاته الانتقال من الممكن إلى الوجود، فقد تركت الإجابة عما الذي يمكنني أن أعرفه الأبوابَ مشرّعة على الاحتمالات، عجز العقل النظري عن بيان معرفتها؛ وإذا ما رام ذلك وقع في نقائض تؤدي إلى تخبّط العقل وفقدانه الثقة في المعنى.
فتحت الإجابة عما يمكنني أن أعرفه أسئلة المطلق، فمثّلت بالنسبة لكانط نِسَبًا يضاف الواحد منها إلى الآخر، فسؤال المعرفة يحين سؤال الأمل؛ ويضع العارف قبالة جدوى الميتافيزيقا، بوصفها رهانًا موصولًا بالدين والأخلاق ليبقي وجود الله، خلود الروح والحرية، مقولات غامضة تتوارى خلف تناقضات العقل النظري؛ في محاولته سبر ما يستحيل أن يفكّ الغازه، بينما هي ضرورية حتى يَحْصُل الإنسان على التوازن بين الظاهر والباطن، ذلك أنه لا مناص عند تعليل القانون الأخلاقي من ورود اللامرئي تَحقُقًا بالدليل، حتى يكسب الإنسان حقه، في معرفة النظام الأخلاقي الذي يمده بالمشروعية؛ بوصفه إنسانًا جديرًا بالاحترام كسبًا للكرامة.
يلتقي الغزالي مع كانط ليقرَّا معًا بقصور العقل الإنساني، في إدراك اللامرئي، ناهيك عن معرفة حقيقته يقينًا؛ في حين يستدعي اللامرئي طاقة وجودية، فالذات بحاجة إلى إدراكه، إنها تتحسّسه في أفق البصر والبصيرة بحثًا عن الجدوى والمعنى، فبأي أسلوب يمكن لها ذلك؟ وأي قدرة يكتسيها اللامرئي ليمد الإنسان بالمعنى والجدوى؟
سيجعل الغزالي من الذوق طاقة، تفوق ممكنات العقل لتنجلي عين العارف المريد؛ على مناحٍ لم يكن الحس ولا العقل أن يعرف مثيلاتها، وعليه تكتسي الغاية الغزالية قيمتها في المعرفة اليقينية، التي تقتضي وصالًا بين العلم والعمل، بحيث ينصهر المعرفي بالأخلاقي؛ ويكتسبان الجدارة للحضور في الغيب اللامرئي، هناك فقط تنقشع غيوم الشك وتحضر الذات في اليقين، ويكون الدين مصدرًا للأخلاق يمثّل الكلي المهيمن، بحيث تفضي الفضيلة إلى المعرفة والمعرفة تفضي إلى الأخلاق.
يخلص التحليل المتعالي للعقل عند كانط إلى الإقرار بقصوره إدراكًا للمطلق، ليتحمّل العقل العملي طاقة فكّ غموض اللامرئي؛ ويتكفّل ببيانه؛ هنا تكتسي الميتافيزيقا دورًا مفصليًّا، وتجد الأخلاق مشروعيّتها المؤسسة، سيجعل كانط من العقل العملي أداة لاختراق الحجب وفك نقائض العقل النظري[29]، وتثبيت حق الذات في اللامرئي بوصفه مشروعية أخلاقية ودينية. تتّخذ الميتافيزيقا العملية موقعها في بيان حضور الأخلاقي في الميتافيزيقي، فالإرادة الخيّرة قاطعة بوجود القانون الأخلاقي تُثبت كونيّته، لتكون الأخلاق الكليّ المهيمن، والإنسان مصدرًا مركزيًّا لها، واللامرئي بداهة لا دليل عليه سوى التسليم[30].
كان من الأجدر أن نجمع بين الغزالي وهيوم، فالشك في العلّية قرابة تجمع بينهما، فبينما ينتهي هيوم بشكه إلى بطلان العلة الكونية ليفسخ عقدها مع الإنسان؛ تحصيلًا للاأدرية تنفي كل يقين، متطلّعة إليه في ثنايا الديانة الطبيعية التي تبرّر هذه اللاأدرية[31]، يعيد الغزالي توطيد الصلة بين الإنسان والله؛ تمتينًا للميثاق ليعمل العلم والعمل معًا في مدار الكشف، إذ يسلك المريد درب العرفان الموثّق بانصهار للفضيلة والذوق، فيعيد للقلب موقعه في المعرفة والأخلاق. بهذا وقعت النهايات الغزالية والهيومية في تناقض، بدا في إنسان الغزالي المتطلّع إلى القيم الروحية؛ بينما يُختزل إنسان هيوم في دوافع وغرائز، تنفي عن الذات كل تطلع سوى إشباع اللذة، باعتبارها المكون الرئيس للطبيعة البشرية ومحركها الأساس[32]؛ لقد وصل هيوم إلى الإنسان المختزل في عواطف الرغبة، في حين ينفتح الغزالي على عرفانية روحانية، تعلي الإنسان ليتواجد في الحضرة الإلهية، عبر دربة روحية تعلو بالتزكّي تطلب كمال الذات الإنسانية قربًا من الله.
بين هيوم وكانط يتحوّل الشك إلى نقدية مُؤَسَسَةٍ، فكانط يحتوي هيوم بعدما دعاه إلى يقظة، تزيل عنه صنمية العقل وعرّفه بدور التجربة في ديناميكية المعرفة. لكن بين كانط وهيوم يبرز التحدي الأخلاقي، فالأخلاق تبقى القيمة الوحيدة التي تمد الإنسان بالمطلق وتفتح قبالته رهان الروح، بعدما أوصله باللحظة اللاأدرية، فالعقل النظري لا يدرك ما يتجاوز إمكاناته وينحصر في نسبية مقولاته المؤسسة، تلك التي تخطط للمعرفة حسب ما يوفره التحليل المتعالي للعقل. كان على كانط أن يتجاوز هيوم في قطعه بنهاية الميتافيزيقا، فينفتح على آفاق أخرى؛ يحفظ بها لونًا آخر لميتافيزيقا لها قدرة التدليل على الأخلاق والدين.
ثانيًا: الغزالي وكانط الأخلاق في أفق اللامرئي - انقضاء محنة العارف الفيلسوف-:
كان انكشاف اللامرئي في أفق الوسيلة الموثقة بالاستدلال، محطّة وصلَ إليها العارف الفيلسوف بعدما شق عليه التقصّي؛ بهذا اختلفت الوسيلة بين الغزالي وكانط، ليقف الوصل بينهما في منطقة تختلف وتتجزأ؛ ولها مساراتها على صعيد الذروة الحضارية، حضارة إسلامية احتشم فيها العقل واختفى ليكون الذوق بديلًا، وحضارة غربية اتخذ فيها العقل المبادرة المطلقة ليمثل معيارًا للحق والخير، مؤسسًا ذاته كمحور كوني، ورهان لحضارة تركّز على الذات الإنسانية.
تقف الغزالية والكانطية على حدّي النقيض، فيما يخصّ الأخلاق فالمبادرة النقدية عند كانط ما أسست ذاتها؛ إلا لأنها وجدت في الدين حرجًا يحدث قصورًا لدى الإنسان، لذلك يكون العقل العملي ميزانًا للنظر، تصبح معه الإرادة الإنسانية مركزية أخلاقية، وتثبت ذاتها في مدار الكونية لتكون هي المُشَرِّعة؛ فقد اكتسبت مقامًا إلهيًا، إنها تعرف وتعمل دون سند، بما أن الأنوار تستدعي فضّ القصور عن الإنسان؛ وما الوصاية الدينية؛ إلا علامة على هذا القصور. هي الخلاصة التي تجعل من الأخلاق الكانطية وجه النقيض للأخلاق الغزالية، التي تجعل التجلّي في أفق التخلّي بغية التحلّي، فالرهان الغزالي هو عمل بعلم المعاملة الموصول بالشرع، ينجلي معه علم المكاشفة؛ حيث يرتبط العلم بالعمل فيخضع به العقل للشرع ويسير في ركابه.
تتمظهر بين الغزالية والكانطية المفارقة بين براديغمي الحضارتين الإسلامية والغربية الحديثة؛ لتبدو المخالفة بين أخلاق إنسان ما قبل الحداثة، وإنسان الحداثة، بين اعتبار الدين تجربة الكينونة التي يعرف الإنسان ذاته فيها، واعتبار العقل تجربة الكينونة، التي يعرف بها الإنسان ذاته. فما هي تقلّبات الأخلاق في أفق اللامرئي بين الغزالي وكانط؟ ما هو الفرق بين الزهد الغزاليُّ تخلّيًا وتحلّيًا بالوصال، والزهد الكانطي تخلّيًا واعتدادًا بالذات؟
1. التخلّي والتحلّي بين الزهدية الغزالية والزهدية الكانطية:
بين الغزالي وكانط هناك رابط جامع، فكل منهما تحيّر حول الموقع الذي يجب أن ينزل فيه الدين، ولذلك فكّرا في الصلة التي يجب أن تجمع العقل بالدين. فهل يمكن للعقل استدراك اللامرئي بوسيلتي التجربة والعقل؟ كانت النتيجة المبينة في مَتّْنَيْ الغزالي وكانط، قد أمدّت بالدليل على قصور العقل في بيان اللامرئي، فطبيعة العقل في حد ذاتها لا تُخوّل له فتح مغاليق هذا الحصن؛ ذلك أن الإحاطة بالدين تستلزم أدوات موقوفة على طبيعته. أما عن كيف التحقّق من طبيعة الدين وغايته، يعد مجالًا للمفارقة بين الغزالي وكانط، يُبِينُ عن عقلانية أخرى لها براديغمها المؤسس؛ أجابت عنه الرسالة الكانطية، ما هي الأنوار؟ ففي هذه الأنوار يساوي الدين اللامعقول المناقض لكل معقول.
استدعى درب التحقق من اللامرئي استثارة لما وراء العقل، فهو القمين بمعرفة اللامعروف؛ ويبدو أن الغزالي وكانط قد عصي عليهما بيانه إلا بوسيلة الدليل الأخلاقي، فما يُذَكِّر بوجود اللامرئي وينجلي به اللامعروف، بيانًا سلوكيًا هي الأخلاق، ففي منطقة علم المعاملة كما صرح الغزالي ينكشف علم المكاشفة، وبهما ترتقي الإرادة الإنسانية بقدر تسليمها للإرادة الإلهية طاعة وإخلاصًا؛ وتكون الأخلاق درب التخلّي عن الدنيا، للتحلي بالفضائل المَوْصِلة إلى علم الآخرة؛ تلك هي خلاصة دليل الذوق عند الغزالي.
في منطقة الحرية حيث تنتهي فعالية العقل الخالص وتنحصر يكشف العقل العملي، مقام القانون الأخلاقي، الذي لم يعد موجودًا في كنف الدين ولا كنف مؤسسته الحاضنة له، فكل وارد أخلاقي يأتي من خارج الإرادة الإنسانية، يبطل التخلّق لتنفصل الإرادة الإنسانية عن الإرادة الإلهية، ويتحرك العامل انطلاقًا من ذاته؛ فهي الخير في ذاته بها يكون الخير المطلق، تعمل بلا دافع ولا غاية، وإذا رامت ذلك فستبطل كونية الفعل وتجعله مرهونًا بإرادة أخرى. وعلى الرغم من انفصال الإرادة الإنسانية عن الإرادة الإلهية، فإن الأولى دليل الثانية؛ فكلما عمل العامل، تبيّن أن كماله المحقّق للسعادة بعدما أدى الفضيلة في أكمل صورها؛ لا بدّ أن ينكشف على مسلّمات تعزّز كماله وتمدّه بالمعنى، وهي وجود الله، وخلود الروح، فما يستدعي البحث عن الإله تسليمًا، هو كمال الإنسان دون غيره.
بين إخلاص الغزالي وإخلاص كانط، تتبين التحوّلات التي جرت بين الحداثة وما قبل الحداثة، فكلاهما يعتبر أن معيار التخلّق هو الإخلاص، وبه تبلغ الأخلاق قمة التجلّي، فيحصل الساعي على ثمرة التخلّق؛ لكن بين الإخلاصين تتبيّن الاستراتيجية التي سارت فيها الصيرورة انتقالًا، من ما قبل الحداثة إلى الحداثة، في انزياح الدين من الفضاء الفكري ثم العمومي الغربي، لتكون العلمنة عملية حثيثة، تطبع الذات والواقع؛ وتجعل الإخلاص للإنسان هو القضية الكبرى وتبدو تجلّياته في ذروة الحضارة الغربية، بناء على العلمانية كسياق كوني ومعيار أوحد، يجب أن يخضع له الإنسان سواء أكان في المركز أم الهامش، الذي خلقه المد الكولونيالي، ليتشكّل إنسان تابع يطلب الانضواء في الحداثة ويأخذ بكل إجراءاتها قسرًا.
بين إخلاصي الغزالي وكانط مفارقة تبين عن عقلانيتين: يخلص الغزالي لله طاعة، وبها تنكشف المعرفة لتدرك الذات ما توارى عن الحس والعقل، وتمتثل قربًا لله وتذلّلًا؛ وبذلك ترتقي الذات في مدارج العبودية؛ ومن ثم تكون الأخلاق ثمرة أداء فروض الطاعة عبر كينونة ذوقية، تخرج التخلّق من محيط التفقّه والتفلسف لتجعله محض تذوّق. بالنسبة للخيار الغزاليِّ تشكل الطاعة قمة التجلّي؛ يسري بها الإنسان نحو الكمال، بمدى خضوعه لله ووصاله به عبودية وتذلّلًا، هنا ينقاد المريد في درب التخلّي والتحلّي بالفضائل الموصلة إلى التجلّي.
يجعل كانط من الحرية شرط شروط الإخلاص للقانون الأخلاقي، بها يكتسب الواجب شرعية الأداء، ويمثل التجلّي الموثق بطاعة هذا القانون؛ الذي تعثر عليه الذات في ذاتها، وهو في الحق قمة التخلّي عن الطبيعة البشرية التي تتحرّك عبر ضغط الدوافع والغايات. بهذا تتجلّى حرية الإنسان محققًا إياها بكمال عقله ورشده واتخاذه الاستقلالية، بوصفه شخصًا جديرًا بالاحترام لأنه مشرّع. هي الأنطولوجيا الضرورية لإنسان الحداثة، وقد تخلّص من القصور الذي يسقطه في استبداد المؤسسة والطاعة الفوقية الملزمة إلزامًا خارجيًّا؛ ذلك أنه يحقّق كمالًا موصولًا بخضوع الذات للقانون من ذاتها طاعة، ليكون «الواجب هو ضرورة إنجاز فعل احترامًا للقانون[33]»؛ بهذا أعادت الكانطية صياغة الإنسان على الألوهية، لقد أقلبت صورة الدين المسيحي بأنسنته، وقد بدت هذه العملية لذلك الزمان أكثر من ضرورة في مدار إنهاء سلطة الكنيسة وتحرير الإنسان من الدين، وبالتالي تموضع العلمانية كخيار مؤسس على النقد.
2. العقلانية بين الأخلاقية الغزالية والأخلاقية الكانطية:
يتحدّد لقاء الغزالي بكانط في نقطة مركزية، ينضوي بعدها المعرفي حول سؤال مفصلي، ما هي إمكانات العقل، في معرفة اللامرئي بوصفه لا معروفًا؟ وهي المهمة التي جمعتهما وتوارت خلف تجربة الشك الغزالية محنة وجودية، وخلف النقدية الكانطية تفكرًا ونظرًا اختباريًا، ثم تعتني بموقع الدين بين المعارف الإنسانية، ودور الإيمان في بناء الحقيقة. وكل منهما قدر العقل والدين، حسب أسئلة زمانه والمسلّمات البراديغمية؛ التي يجب أن تخرج منها التصوّرات المؤسسة للأبعاد المفهومية والنظرية.
أبان كل من الغزالي وكانط، السبيل الذي يجعل الإيمان ممكنًا بواسطة تخطّي عقبة العقل، عقل المتكلّمين والفلاسفة المشّائين عند الغزالي؛ حيث يبدي العقل ازدحامًا بين الدلائل غير المعقولة فيما يخص معرفة الغيب[34]، وعقل الفلاسفة بضربيهما العقلانيين والتجريبين، عند كانط حيث اختلط الفهم بين الممكن والوجود، وتخطّى العقل النظري مهمته وإمكاناته، فحصلت نقائض تستوجب الفحص والبيان[35]، لا يمكن فهمها وفك عقدها؛ إلا إذا توجّه الناظر إلى مساحة لا يدركها العقل، ولا يعتبرها في تصوره لأنه محكوم بموانع تحول دون النظر، لكن سيتمكّن منها العقل العملي. هكذا لن يتم إدراك الغيب، إلا إذا تم تجاوز حلقة العقل الموقوف على الحس؛ كان الذوق وسيلة الغزالي لمعرفة الغيب، وكان العقل العملي وسيلة استدراك، ما غاب عن العقل النظري من حقيقة؛ حفظ بها كانط الدين ليكون عدد مسلّمات تلي التخلّق موقوفة عليه.
تمثل العلاقة بين العقل، الغيب والأخلاق، حلقة وصل بين الغزالي وكانط، فكل منهما يقف على المتغيرات البراديغمية التي تقتضيها تحوّلات العتبة الحضارية، فقد حل الذوق رهانًا مجتمعيًا في الحضارة الإسلامية، وحلّت العقلانية رهانًا حداثيًّا ومرجعية أنورية مثّل فيها كانط قطبًا مؤسسًا، بتحريره الذات من هيمنة الوصاية واعتبار الدين مسلَّمة يؤمن بها الفرد؛ بوصفها مسألة ضمير يميز الفرد كذات حرة، لها خياراتها فيما يخص الإيمان.
في نهاية المطاف، تشكّل العقلانية الغزالية والعقلانية الكانطية؛ ثنائية غير قابلة للمواءمة، فالعقلانية الغزالية عقلانية موصولة بالشرع وهو الداعي إلى الطاعة؛ ولن تتمكّن الذات من نيل كمالها إلا بعقلانية موصولة ومؤيدة بالشرع؛ هي عقلانية تعتبر الروح حلقة محورية في إدراك العالم تدبرًا، فتجمع بهذا بين ظواهر الأشياء وبواطنها، وتفسح للفضيلة بابًا يرتقي عبره الإنسان بمقدار طاعة لله. من جهة أخرى تعتمد العقلانية الكانطية على الفصل، لأن تحقيق الحرية والجدارة الأخلاقية؛ يقتضي الخروج من كل طاعة، إلا طاعة القانون الأخلاقي؛ الذي تحمله الإرادة الإنسانية بوصفها إرادة خيّرة في ذاتها لتغدو هي المُشَرِّعَة، تجري الأخلاقية الكانطية في فرادة الذات بحيث تغدو مهيمنة بوسمها الكوني، فتشرّع لذاتها وكأنها تشرع للإنسانية.
ثالثًا: الدين والأخلاق بين الغزالي وكانط - سياقات ومقاصد:
اتجهت غايتا الغزالي وكانط، صوب التدليل على الفضاء المستعصي على العقل والولوج إليه، هو فضاء الإخبار بما لا تدركه الأبصار ولا البصيرة الموصولة بها. يشترك كلاهما في البحث عن وسيلة إدراك، ما لا يُدرك بموجب الحس والعقل نظرًا لضرورته الأخلاقية.
والحق أن إعادة إحياء علوم الدين، نيلًا للحق بعدما تفرق فيه الناس شيعًا؛ بدا عند الغزالي مهمة ملحّة، فقد رأى تخبّط الفهوم بين أصناف طلبة الحق من متكلمين، باطنية، فلاسفة وصوفية» فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذّ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع[36]« أما عن حصيلة ضياع الحق فهو ضياع الدين، وتبدو المهمة الغزالية واضحة؛ في طلب وسائل إحياء علوم الدين إحياء له، ورسم خط آخر يعيد للدين موقعه، حيث يكون الجمع بين علم المعاملة وعلم المكاشفة تحقّقَا بعلم الآخرة.
كان من بين الأسئلة التي خططت النقدية الكانطية للإجابة عنها، سؤال بدا لازمًا في زمن اتخذ فيه العلم المبادرة الشاملة؛ فما الذي يمكن لي أن آمله؟ يتحدّى الحدود التي فرضها العلم على الدين، فكانت الإجابة الكانطية بيّنة فيما يخص الإجابة عما يمكن لي أن أعرفه؟ وعمّا يمكن لي أن أعمله؟ هي أولويات تُبِّينُ المكانة التي يجب أن يحتلّها الدين، وعن حيرة الفيلسوف فيما يخص موقع الدين في فضاء الدليل العلمي؛ فكانت الغاية الكانطية بناء الأخلاق على القانون، بوصفها أولوية تناسب متغيرات الحداثة؛ ليكون الدين تابعًا للأخلاق ومهمة فردية تعتمد على الضمير المتحرر من كل وصاية، وهو ما يُفهم من دلالة الإرادة الخيرة كحاكمة، تتدبر ذاتها طبقًا لفوقية القانون الأخلاقي.
بين الغزالي وكانط يتحسّس سؤال الصلة بين الأخلاق والدين موقعه، وتتبيّن طبيعة كل من الدين والأخلاق بوصفها وسيلة للجمع بين العلم والعمل ليحضرا معًا؛ لكن بين الغزالي وكانط يتغير مقام الدين من حيث الأولوية التي جعلت صلة الإنسان به تختلف وتتمايز، كما أن ترتيبه يثير السؤال؛ ويدل على التحوّلات التي فرضتها العقلانية الحداثية في تصوّرها لصلة الدين بالفضاء العمومي. فكيف ربط الغزالي وكانط الصلات بين الأخلاق والدين؟ ما هي خلاصاتها في مستوى الذروتين الحضاريتين الإسلامية والغربية؟
1. صلة الأخلاق بالدين مسألة الأولوية:
اتجهت صيرورة الاستدلال على الغيب عند الغزالي وكانط إلى بيان الآلة القمينة بقوة الكشف؛ تجلّت في الذوق عند الغزالي، فبه يمكن إدراك اللامرئي، لكن الرؤية في مدار اللامرئي لن تكون مجلوّة حق الجلاء إلا بالعمل، أما الغاية فهي تحصيل علم الآخرة، الذي لن يتأتّى إلا بعلم المكاشفة وعلم المعاملة؛ لذلك تمثل الأخلاق كنه الدين لن تنفصل عنه، أولاها حجة الإسلام أهمية خاصة، فالعلم والعمل سبيلا السعادة التي هي رجاء الإنسان ليس في دنيا يرغب فيها، إنما في آخرة يتلقى فيها ثوابه كاملًا.
تكون وسيلة معرفة ما يتوارى عن مدرك الحس والعقل النظري عند كانط هو العقل العملي الذي له قوة الانكشاف على اللامعروف، سيستبعد كانط الدين من مساحة التخلّق، لتعتمد الذات على قدرتها العقلية الفائقة، حيث تتجلى قدرة الإنسان في الاكتفاء الذاتي تشريعًا أخلاقيًّا. ذلك أن الأنوار التي يجب إدراكها تتطلّب الانفصال عن الوصاية، وتعد الحرية مقصدًا أسنى ينشده هذا الإنسان؛ لتغدو قيمة القيم التي يجب أن يستند عليها الفاعل الأخلاقي، سيُحَصِّلُ قمة احترامه للواجب عندما يأمر من ذاته، أما الدين فسيصادر به باعتباره تكميلًا للذات، وكأن الدين كمال يريح الإنسان، فتضطلع الذات بالسعادة ليس بعمل تؤديه، إنما باحترام صوري للقانون الأخلاقي. إذن نحن إزاء براديغم مباين للذي تحرّك فيه الغزالي، حيث يكون الدين تزكية للذات، فتدخل في العمل التزكوي باعتباره عين التخلّق، وتكون طاعة الأوامر الشرعية وصال تزكوي يربطها بالله.
صدر موقف كانط من علاقة الدين بالأخلاق، ليبرر وجوب حياد الدين عن الحياة؛ يجب الاعتراف بأن المبادرة الكانطية مبرّرة، بالنظر إلى حال الأنسنة الذي ميز الفلسفة الغربية في وضعها النظري وفي تطبيقاتها العملية، فبناء صرح الأخلاق يكون باستغناء الإنسان عن الإله، لأنها لا تحتاج إلى وجود كائن فوق طبيعي؛ مادام الإنسان ليس بحاجة إلى وصاية تملي عليه ما الذي يجب أن يفعله «إن الأخلاق من جهة ما هي مؤسسة على مفهوم الإنسان بما هو كائن حر، ولكن هو بذلك تحديدًا ملزم لنفسه بنفسه من خلال العقل، بقوانين لا مشروطة هي لا تحتاج لا إلى فكرة كائن آخر فوق الإنسان حتى يعرف واجبه ولا إلى دافع آخر غير القانون نفسه»[37]بيد أن كانط لم يشأ إنكار دور الدين بالنسبة للذات التي تحقق الفضيلة، ليكون مكملًا للضمير الإنساني، فالعقل الذي ينضبط وفقًا للإرادة الخيّرة يتطلّع إلى الجمع بين الفضيلة المرافقة للواجب، والسعادة التي لا ترافق الفضيلة حتمًا، وفي الجمع بينهما يكون الخير الأسمى، الذي لن يتحقّق إلا بمصادرتين إيمانيتين: هما خلود الروح، الذي يكمل التوافق بين الإرادة الخيرة والقانون الأخلاقي عبر الارتقاء في مدارج الكمال الخلقي، بافتراض بقاء الذات بقاء لامتناهيًا وهو ما تحقّقه الروح بخلودها. أما المصادرة الثانية فهي وجود الإله الذي يضمن اتفاق الذات مع الطبيعة والأمل، وهو علّة يكون بيدها الوصل بين الفضيلة والسعادة.
بين الغزالي و كانط تتحدّد أشكال تأويل علاقة الذات بالدين، فيكون الدين مجالًا لحرية الذات؛ وتكون أوامره ونواهيه تجلّيًا لعبودية الإنسان، وحقوقه موصولة بها بعيدًا عن كل هيمنة تأتي من خارج العلاقة بين الإنسان والله. يكون الدين تابعًا لحرية الإنسان، وأوامره ونواهيه وحقوقه مفصولة عنها، بعيد عن هيمنة المؤسسة، سياسية، دينية، اجتماعية. كيف تتحقّق العقلانية عند الغزالي في عبودية الإنسان لله؟ كيف تتحقّق العقلانية على المركزية المطلقة للذات، بإبعاد للإله من مساحة الفعل الإنساني عند كانط؟ بين الإخلاص لله ائتمارًا، والإخلاص لأمر الذات نيلًا للحرية بوصف الإطلاق، تتحدّد علاقة الانفصال بين أخلاق الغزالي وأخلاق كانط. فكيف كانت نتائج الإخلاصين، فيما يخص طبيعة الإنسان الحديث؟
2. الإنسان بين الفضيلة والسعادة:
تعتني الفلسفتان الغزالية والكانطية عناية خاصة بالإنسان، سواء فيما يخص المعرفة أو الأخلاق، فوصالهما بَيِّنٌ؛ بحيث يتفاعلان بغية الكشف عن اللامرئي بأساليب للنظر، سواءٌ أكانت ذوقًا يرتقي فوق قدرة العقل، أو عقلًا عمليًّا يرتقي فوق طاقة العقل النظري. لم يكن الاستدلال في الفلسفتين لينتهي عند مدّ المعرفة، سيستمر متواصلًا إلى إثبات خواتمها؛ التي تعتني بتجربة المعنى عند الإنسان، فهو العارف ومن ثم الفاعل.
الحق أحق أن يُطلب، وطلبه مُهِمَةٌ ضرورية لصلتها بمعرفة ما يثبت اليقين؛ فغياب اليقين يعني فقدان الإنسان لبوصلة الوجود، وهو ما اتفق على طلبه الغزالي و كانط، إنه تدرّج في طلب مراتب المعرفة، إلى حد يحصل فيه هذا اليقين، لأن جدواه بالنسبة للسلوك الإنساني فائق الأهمية، إثباتًا للمرتبة التي يجب أن يحلّ فيها الإنسان.
يكشف الغزالي عن الغاية من الفعل الفاضل، إنها السعادة التي قد يجدها الفاعل في الدنيا بمداها القصير؛ لكن السعادة الدائمة هي طلب الفضائل التي تؤدي إلى السعادة الدائمة، التي تعني الاشتغال بالعلم والعمل نيلًا للسعادة الأبدية، ولتحصيل السعادة يجب على الإنسان رياضة النفس، بفضائل ترتقي بها إلى حد الكشف بالنسبة للمريد، وعليه تؤدي الفضيلة والمعرفة معًا أداء مشتركًا؛ حيث ينصهر المعرفي في الأخلاقي والعكس صحيح، فلن تستغني الواحدة منهما عن الأخرى، انصهارهما سبيل مؤدٍ إلى تحصيل السعادة، وهي عند العارف المريد متميزة لا ينالها إلا من تمكّن من تزكية النفس والصعود في مدارج الكمال؛ تلك هي الخاصية التي لا ينالها إلّا من تمكّنوا من الترقي في مدارج العشق الرباني، أما عن السعي إلى السعادة على وجه العموم، فيتمايز بين درجات الناس، ذلك أن قدراتهم في التزكية والكمال تتباين؛ ففي نهاية المطاف لن تتحقق السعادة، إلا لمريد تمكّن من الكشف والرؤية، وهي درجة مظنونة على خير أهلها.
يخصّ الغزالي الصوفية ببلوغ السعادة والكمال بتزكية النفس، حيث يرتقى السلوك بالقرب والمران على الفضائل التي تعني تصفية النفس من علائق الدنيا وكُدوراتها وهو سبيل تحصيل السعادة الأخروية «التي نعنى بها بقاء بلا فناء، ولّذة بلا عناء، وسرورًا بلا حزن، وغنى بلا فقر، كمالًا بلا نقصان، وعزًّا بلا ذل»[38] تلك هي المنزلة التي يرغب فيها كل متطلّع إلى معرفة ربه والعمل بما أمر به.
لا مراء أن بلوغ درجة السعادة، يكون بالتزكية التي يلتحم فيها العلم بالعمل، فيعملان معًا صعودًا في مدارج السالكين؛ لأنّ الإلهام الذي يتلقّاه العارف هو عمل بالفضائل، إذ ينصهر في تجربة العرفان العلم بالعمل ويفتحان معًا سبيل السعادة، حيث تتزكى النفس بالمجاهدة التي تستيعن بفضائل العبادات، لذلك يستوجب الإيمان العبادة وبها فقط ترتقي النفس في الكمال. هكذا لن ينال السالك مدارج السعادة المرجوة إلا بالوصال مع الله، وهي قمة الانقطاع عن الدنيا ونيل حظوة الرؤية، التي هي خلاصة المران على الفضائل، والترقي في الكشف إلى حد المعرفة المباشرة حضورًا في الحضرة الإلهية. بهذا يكون التخلّق عند الغزالي في تمام الوصال بالله، ولن يرقى الإنسان في مدارج التزكية؛ إلا إذا كان مرانه على الفضائل حيث يتربى شيئًا فشيئًا فتورثه التربية على الفضائل الكمال، حينئذ لن يعد يرى إلا كمال الألوهية.
كانت الأخلاق عند الغزالي، محل جدل فيما يخص دورها في بناء الإنسان المسلم الذي استشرف حالة، نكص بها عن الاهتمام بالدنيا منزويا في التكايا عبادة لله، غايته في ذلك الاقبال على الآخرة بوصفها غاية المرام، تطلع إلى عبادة الله، وهي رجاءه الذي يجب أن يعمل لأجله مخلصا. في هذا السياق ناقش الفكر العربي موقف الغزالي الأخلاقي وأثره على المسلمين، وأبرز من عرض هذ الأخلاق للنقد هو زكي مبارك؛ الذي أبدى موقفا سلبيا من النتائج التي انتهى إليها تصوف حجة الإسلام.
عرض زكي مبارك مواقف الغزالي للنقد، مبينًا جملة الأغاليط والأخطاء التي وقع فيها؛ فبالنسبة له يتحمّل الغزالي ما وصل إليه المسلمون، من غلقهم لباب التعقّل وفتحهم لباب التصوف؛ الذي يعني عند الغزالي مغادرة الدنيا، فما الفضائل التي دُعي المسلمون للتدرب عليها، سوى ضرب من الخنوع والخمول الذي أرداهم إلى رذائل سلوكية فقدوا بها الدنيا والآخرة، «فما كتبه عن التوكل صريح في الدعوة إلى الرهبنة، وقطع العلائق مع الناس، والتدرّج على احتمال الظمأ والجوع، والاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق[39]» فهل كان للغزالي وهو حجة الإسلام، دور في إنتاج المسلم السلبي الذي أرجأ عمله إلى الآخرة؟ كيف أدّى هذا الحال إلى غياب الفعالية الذاتية للإنسان المسلم بوصفه مؤتمنًا على الوجود؟
يجعل الجابري من العرفان نظامًا معرفيًّا، يسد أبواب التعقّل باعتباره ممارسة للعقل المستقيل، ويعدّ الغزالي أحد أقطاب تعميم أولوية العرفان على البرهان[40]، فهل سحب هذا العقل على روح الحضارة الإسلامية باعتبار حجة الإسلام؟ رد الجابري العرفان إلى موروث، يؤول في مجمله إلى ثقافة شرقية سبقت الإسلام تلتئم فيها وتتشابك الغنوصية والكسروية، فأخلاق الصوفية «أخلاق اللاعقل، مبدؤها ترك التدبير، عدم التفكير في المستقبل! فليس غريبًا إذن أن ينتهي انتشار «التصوف» في العالم العربي والإسلامي، منذ الغزالي إلى صرف أهله عن التفكير في المستقبل والعمل من أجله»[41]، ويجعل الجابري من التصوف حالة من المتناقضات، التي يحصل عبرها المريد على الحرية؛ لكنه ما يفتأ أن يجعل سلوكه دربًا للقطيع الذي يتخذ من الطريقة منهجًا يتبعه[42]. هل غادر الإنسان المسلم مع الغزالي مجال الفعالية؟ ما أثر فكر الغزالي على التعقل، في عالم إسلامي أغلق الدراية دون العقل؟
خلص النقد الكانطي، إلى تحرير الشخص من الوصاية، قلبًا للمعادلة الإيمانية، لم يعد الدين موصولًا بالمؤسسة، فقد غدا أمرًا فرديًا، ومسألة ضمير وهو القيم فيما يلزم عن الإيمان؛ فكانت العقلانية الكونية سندًا للمشروعية الأخلاقية. وبناء لبلوغ الكانطية ذروة التأسيس للعلمانية، مثّلت أحد روافد حقوق الإنسان؛ حيث تعتني بقيمة الاستقلالية الذاتية للفرد، لينكفئ القانون على احترام الشخص كغاية، توسيعًا لمساحة الحرية شرطًا للأخلاقية، فبلغ من ثمة الإنسان الذروة.
لا تنبني الأخلاق الكانطية على تحصيل الغاية، بل على احترام القانون؛ في هذا الإطار تشكّل العلاقة بين الفضيلة والسعادة عند كانط خصوصية، ففي مدار العصمة التي يتميّز بها العقل العملي، فهو يرنو إلى الجمع بين الفضيلة التي تلازم الواجب والسعادة التي لا تلازمه ضرورة، بيد أنّ هذا الجمع يجب أن يتحقّق بمسلّمتين: هما خلود الروح ووجود الإله. بهذا استتبع الدين الأخلاق، يحدث هذا الاستتباع بالنظر إلى الجدارة التي يقع فيها الإنسان بوصفه إرادة تتطلّع إلى الكمال الأخلاقي الذي لن يتحقق إلا ببقاء الروح. ولأن السعادة تتوقّف على اتفاق إرادة الإنسان العاقل مع الطبيعة ومع أمله في الخير الأسمى، فإن إكمال هذا الاتفاق يكون بوجود علة الطبيعة ترتبط بها السعادة، فهي سبب الوصل بين الفضيلة والسعادة، فإذن يرتهن الدين بالأخلاق، ويكون الإنسان فاعلًا يحمل القانون في صدره دون الحاجة إلى وجود دافع الدين.
في حين خلص النقد الغزاليُّ إلى وصل الإنسان بربه، تعزيزًا للتوحيد ليكون الدين مساحة الحرية الإنسانية، أما النور المقذوف في القلب، فيعد شأنًا ذاتيًّا ومجالًا للذوق الفردي؛ ليمثّل التصوف حلقة للحرية الذاتية الموصولة بطاعة الله، والقرب تسامي في عبودية الإنسان، مؤسسًا لضرب من التدين، بعيدًا عن هيمنة المؤسسة مهما كان نوعها.
الخاتمة: الاستشراف الأخلاقي بين الغزالي وكانط:
لاريب أن ربط الصلة بين الغزالي وكانط، قد تبدو للكثيرين غير راجحة؛ فهي فاقدة للأسس والدلائل، فالفرق بينهما كالفرق بين الحداثة وما قبلها، بين الحرية والعبودية بين الدين والعقل. يجب الاعتراف بأن عقد هذه المقارنة، انطلاقًا من هيمنة الأنموذج الحداثي، ستُنزل الغزالي حتمًا دون الدرجة التي يعتليها كانط، باعتباره فيلسوف الأنوار الذي حرّر الإنسانية من الوصاية الفوقية، وأمدّ الإنسان بقوة التحكم الذاتي، محدّدًا استشرافات الإنسان الحديث، الذي فصل بين المتعالي واللامتعالي ليجعل من المتعالي مجرد معتقد فردي وحوار ضمير، وهو البراديغم اللازم للعصر الحديث والدولة المدنية.
الإنسان وحده الجدير بالاحترام، بما أنه حامل القانون الأخلاقي؛ يفعل بأمر ذاتي ملزم، دون وصاية فاكتسب بذلك مقام الشخص المميز بالاستقلالية، بهذا تعد الكانطية مرجعية تأسيسية للأزمنة الحديثة؛ فيما يلزم عن التشريع للأخلاق، بل شكّلت تعليلًا للمدارات الأخلاقية والتشريعية الحديثة جملة. اتخذت العقلانية الكانطية مقام الصدارة؛ ومرجعية كونية للتشريع، فهذه حقوق الإنسان تعتبر الكوني بدلالته الكانطية، صياغة راجحة لبناء القانون على العقلانية؛ وهذا جدل النظر في الفلسفة التطبيقية، يضع معايير أخلاقية كونية بصيغة كانطية، صونًا لكرامة الإنسان. فهل عوضت الكانطية المقدس وغدا الإنسان مركزية مطلقة؟ فمثّلت بذلك بديلًا عن الدين مؤسسة لمنطق الأزمنة الحديثة. ما هي نتائج الفصل بين المتعالي واللامتعالي كشرط لكل أخلاقية؟ ما هي إمكانات الذات الإنسانية للترقّي إلى مصاف الربوبية؟ ألا يتسرّب الهوى خفيًا في ثنايا الأمر الذاتي الإنساني؟
عمومًا فما يتبيّن من تفكيك للقيم وضبابية للرؤية الأكسيولوجية، يكشف عن ضعف قدرة العقل، على صياغة القانون الأخلاقي المطلق، إذ تبقى القدرات الإنسانية نسبية؛ لا تتجاوز تطلّعات الذات بطبيعتها البشرية، ذلك أن خواتم العقلانية الأداتية، أحدثت صخبًا كبيرًا وعلامة ظاهرة لحضارة قتلت الإنسان والطبيعة، باسم الحرية وإعلاء لحقوق الإنسان.
على الرغم من الاختلاف بين الغزالي وكانط، فهما يشتركان في زهدية تعتبر الإخلاص للمبدأ الأخلاقي كنه الأخلاق؛ تكون الزهدية الغزالية زهدية ذوقية موصولة، في حين تكون الزهدية الكانطية زهدية صورية مفصولة، فالفرق بينهما تحدده طبيعة العقل المؤسس للتصورات، فالعقلانية الغزالية عقلانية مؤيدة بالشرع، تسلّم بضعف الإنسان وحاجته إلى ميثاق مبين للقيم. أما العقلانية الكانطية فعقلانية مجردة من الروح، يتربى فيها الإنسان على الأمر الآلي، فيغدو عابدًا لذاته ومحورًا كونيًا، فالأمر «يجب لأنه يجب» يعبر عن طبيعة الإخلاص الحداثي، الذي يغض الطرف عن النتائج ويجعل طاعة الأمر عملًا آليًّا، ففي خضوعهم لأمر الدولة كان النازيون يحقّقون أمرًا كانطيًا، تماهى به الأمر مع السلطة السياسية الفوقية، حيث صار الآمر آلة تغض الطرف عن محصّلات الأفعال، وعليه فالأخلاق الكانطية هي صيرورة للبراديغم الحداثي، في صياغته للكينونة الإنسانية المنفصلة، ذلك أن الشخصية الكانطية، هي الشخصية اللازمة للأزمنة الحديثة تبررها، هي أزمنة تخلى فيها الإنسان عن المعنى، إنها تعبر عن شخصية البيروقراطي المنفذ دون السؤال عن الجدوى الأخلاقي.
لم تحقق الغزالية في واقع المسلمين أخلاق الفعالية، بل دعت إلى الانسحاب من الدنيا والانزواء في التكايا والزوايا ونصحت المسلم؛ بضرورة غض الطرف عن تغيير الحياة، والاكتفاء بالآخرة دليلًا هاديًا للأفعال؛ متجاوزة المنطق القرآني الداعي إلى الاجتهاد والجهاد، فكيف كانت صيرورة الأحداث؟ فمقابل انتشار إنسان الحداثة هيمنة، فهناك انسحاب للمسلم من الدنيا واعتزاله معرضًا عن اتخاذ المبادرة، ففقد كينونته الموصولة بالأمر القرآني، تلك الكينونة التي تتعلق فيها الأمانة بالقوة.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
الجابري، محمد عابد، العقل الأخلاقي العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية-المركز الثقافي العربي بيروت لبنان، الدار البيضاء المغرب ط 1، 2001.
الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان، ط 4، 1991.
عبد الرحمن، طه، العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان، الدار البيضاء المغرب، ط1، 2000.
رينان، ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر، مكتبة ابن سينا، القاهرة مصر، د ط، 2017.
الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الفكر، بيروت لبنان، ط1، 2003.
الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، دار ومكتبة الهلال، بيروت لبنان، ط 1، 1993.
الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، دار الفكر بيروت لبنان، د ط، دت، ج 1.
الغزالي، المنقذ من الضلال، دار القلم للتراث، القاهرة، مصر، د ط، د ت.
الغزالي، تهافت الفلاسفة، المكتبة العصرية، بيروت لبنان، ط 1، 2001.
الغزالي، فضائح الباطنية، المكتبة العصرية، بيروت لبنان ط1 ،2000.
الغزالي، مقاصد الفلاسفة، مطبعة الصباح، دمشق، سوريا، ط1، 2000.
الغزالي، ميزان العمل، دار ومكتبة الهلال، ط1 ،1995.
الفلاحي، عبد الله، نقد العقل بين والغزالي وكانط-دراسة تحليلية-مقارنة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت لبنان، ط1 ،2003.
كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط1، 2012
كانط، ما هو التنوير؟ ترجمة يوسف الصديق، منشور ضمن المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 38 -39، 2004 -2005.
كانط، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة متبوع بأسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة نازلي إسماعيل حسين، موفم للنشر، الجزائر، د ط، 1991.
كانط، نقد العقل العملي، ترجمة غانم هنا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، ط1، 2008.
كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء القومي، بيروت لبنان، د ط، د ت،
زكي مبارك، محمد، الأخلاق عند الغزالي، الناشر مؤسسة هنداوي، المؤسسة المتحدة، د ط، 2012.
Hume, Dialogue sur la religion naturelle, traduction M .Malherbe, Vrin, PARIS, 2005.
Hume, Enquête Sur les principes de la morale, traduction par Philipe Saltel, Flammarion, PARIS, 1991.
Bouyges, Maurice, « Notes sur Les philosophes Arabes connu Des Latins au Moyen âges »,in Mélanges de la faculté orientale, Tome 7, 1914.
----------------------------------------
[1]. باحثة وأكاديمية جزائرية، حاصلة على الدكتوراه من جامعة قسنطينة 1 -منتوري في قسنطينة في الجزائر.
[2]. .الإنسان: 9
[3]. الغزالي، إحياء علوم الدين، 1: 24.
[4]. كانط، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة متبوع بأسس ميتافيزيقا الأخلاق، 223.
[5]. الغزالي، المنقذ من الضلال، 11.
[6]. كانط، ما هو التنوير؟، 06.
[7]. الغزالي، فضائح الباطنية، 22.
[8]. الغزالي، إحياء علوم الدين، 1: 28.
[9]. الغزالي، ميزان العمل، 58.
[10]. تصفح كتاب، الفلاحي، نقد العقل بين والغزالي وكانط -دراسة تحليلية- مقارنة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت لبنان، ط1 ،2003.
[11]. م. ن، 47 -59.
[12]. الفلاحي، نقد العقل بين والغزالي وكانط -دراسة تحليلية- مقارنة.
[13]. Bouyges « Notes sur Les philosophes Arabes connu Des Latins au Moyen âges », 397-406.
[14]. .رينان، ابن رشد والرشدية، 15.
[15]. ولقد بدا الشاهد على قيمة الحضارة الإسلامية عند كانط نفسه، في تصدر البسملة واجهة المخطوط الأصلي لكتاب نقد العقل المحض.
[16]. أنظر: الغزالي، تهافت الفلاسفة، المكتبة العصرية، بيروت لبنان، ط 1، 2001.
[17]. الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، 1: 10
[18]. كانط، نقد العقل المحض، 33.
[19]. م. ن، 31.
[20]. م. ن، 45.
[21]. عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، 150.
[22]. الغزالي، مقاصد الفلاسفة،.20.
[23]. الغزالي، المنقذ من الظلال، 44.
[24]. الغزالي، ميزان العمل، 151.
[25]. الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، 28.
[26]. الغزالي، المنقذ من الضلال، 44.
[27]. م.ن،27.
[28]. كانط، نقد العقل المحض، 25.
[29]. كانط، نقد العقل العملي، 44.
[30]. كانط، نقد العقل المحض، 47.
[31]. Hume, Dialogue sur la religion naturelle, .77
[32]. Hume, Enquête Sur les principes de la morale, 187.
[33]. كانط، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة متبوع بأسس ميتافيزيقا الأخلاق، 233.
[34]. الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، 27 -28.
[35]. كانط، نقد العقل المحض، 225.
[36]. الغزالي، المنقذ من الضلال، 12.
[37]. كانط، الدين في حدود مجرد العقل، 45.
[38]. الغزالي، ميزان العمل، 19.
[39]. زكي مبارك، الأخلاق عند الغزالي، 179
[40]. الجابري، تكوين العقل العربي، 134.
[41]. الجابري، العقل الأخلاقي العربي، 488.
[42]. م. ن.