الباحث : ندوة مع الدكتور مختار خماس
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 39
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث : 696
المقدمة
يُعدُّ موضوع الروحانية في العالم المعاصر من أكثر القضايا إثارةً للجدل الفكري والفلسفي، خاصة مع بروز ما يُعرف بـ "الروحانية اللادينية" أو "الروحانية بدون دين" كظاهرة ثقافية وفلسفية تحاول تقديم بديلٍ عن التصوّرات الدينية التقليدية. في هذا الحوار يناقش الدكتور مختار خماس إشكاليات متعددة تتعلق بهذا التحوّل الروحي الجديد، بدءًا من التمييز بين الروحانية الدينية واللادينية، مرورًا بمسائل الأخلاق والفردانية، وصولاً إلى تأثيرات هذه الظاهرة على المفاهيم الجوهرية مثل المعاناة والموت والخلاص.
يهدف هذا النقاش إلى كشف الأسس الفلسفية والاجتماعية للروحانية المعاصرة، وتفكيك تناقضاتها، وتسليط الضوء على تداعياتها على الفرد والمجتمع، في محاولة جادّة لفهم تحولات العصر الروحية وأبعادها العميقة.
الدكتور مختار خماس باحث جزائري في الفلسفة العربية والإسلامية، حاصل على الدكتوراه من جامعة باتنة 1، له عدد من البحوث العلمية التي تتناول قضايا الفكر والمعرفة الدينية.
1. في البداية، كيف تفرّقون بين «الروحانية الدينية» وبين «الروحانية اللادينية» كما تُطرح في السياق الغربي المعاصر؟
قبل الشروع في تحليل هذا السؤال والإجابة عنه، وجب أن نشير بادئ ذي بدء إلى أن الدراسات الفلسفية المعاصرة باتت تُظهر اهتمامًا متزايدًا بموضوع الروحانية[1]، لا سيّما في ظل التحوّلات المعرفية والقيمية المتسارعة. ومع ذلك، ما يزال غيابُ تعريفٍ نظري جامع يُمثّل عقبةً أمام بناء نموذجٍ معرفي ومنهجي متماسك لهذا الحقل، ويمكن تصنيف الرؤى حول الروحانية -بصورة مبدئية- إلى ثلاث فئات رئيسية:
أوّلًا: الرؤية الوجودية[2]:
يُنظر إلى الروحانية هنا بوصفها علاقة وجودية تربط الإنسان بكائن أعلى أو واقع أسمى، قد يتمثل في الله، أو يتجلّى في الطبيعة أو الكون. وغالبًا ما تتقاطع الرؤية الوجودية للروحانية مع النظرة الدينية لها، دون أن تتطابق معها بالضرورة؛ لذلك يُنظر أحيانًا إلى مصطلحي «الروحاني» و«الديني» بوصفهما مترادفين، وهو ما ذهبت إليه دوريس رايزنجر[3]، من أن كلا المصطلحين ينطويان على الإيمان بقوة أعلى، وعلى رغبة في إقامة علاقة أكثر عمقًا معها، إضافةً إلى التمسك بالممارسات الطقوسية والأخلاقية، التي تعزّز هذا الارتباط وتمنحه بعدًا وجوديًا متجذّرًا[4].
غير أن هذه الرؤية تعزّز التداخل المفاهيمي بين الروحانية والدين بشكل يجعل من الصعب تمييز الحدود بينهما، بل وأغفلت وضع هذه الحدود، الأمر الذي جعلهما وجهين لعملة واحدة، أي أن الروحانية بدت في هذه الرؤية وكأنها وجه آخر للدين، ممّا قد يُفضي إلى إعادة إنتاج الرؤية الثيولوجية ضمن خطاب يُفترض أنه وجودي. كما أنه يَفترض مسبقًا وجود «قوة أعلى» كشرط لتحقق الروحانية، مما قد يضيّق من إمكانات تأويلها ضمن أطر غير لاهوتية أو فردانية مستقلة.
ثانيًا: الرؤية الأخلاقية[5]:
تُفهم الروحانية أخلاقيًا باعتبارها سعيًا إلى حياة طيبة، من خلال ممارسات زهدية وتأملية طويلة المدى، وتستند هذه الرؤية إلى الإيمان بالتغيير والتحوّل الذاتي المُستلهم من مرجعيات دينية وغير دينية، وأحيانًا مناهضة للدين من الأساس، غير أن هذا الفهم لا يعرّف الروحانية بذاتها، بل يصف أثرها المحتمل على الحياة الأخلاقية، دون أن يثبت ضرورة هذه الصلة، بل ثمة شواهد على أن بعض صور الروحانية قد تكون غير أخلاقية أو حتى ضارة.
في هذا السياق، تمثل أعمال لوك فيري[6] مثل «الإنسان المؤلّه»، «تعلُّم الحياة»، أحد مصاديق الدعوة لإعادة تعريف السعادة والبحث عن الحياة الطيبة خارج الأطر الدينية عبر ما يسميه «الروحانيات اللائكية»، كما يمكننا اعتبار أن الروحانية كممارسة أخلاقية لها أصول راسخة في الفلسفة، كما أوضح بيير هادو[7] لا سيّما في كتابه الأهم «الفلسفة طريقة حياة»[8].
ثالثًا- الرؤية الاختزالية[9]:
يُعرّف الفهمُ الاختزالي الروحانيةَ من زاوية تأثيرها المباشر على الإنسان، ويشيع هذا الطرح في أوساط الفلاسفة المشكّكين في المقاربات الوجودية والأخلاقية، خصوصًا من يتبنّون رؤية طبيعية أو مناهضة للواقعية الميتافيزيقية. يُمثّل تصوّر جون بيلي[10] نموذجًا لذلك، حيث يعتبر الروحانية «وهمًا إيجابيًا» له أثر مناعي مرحّب به[11]، غير أن هذا النوع من التعريف لا يصف الروحانية بذاتها، بل يحصرها في نتائجها الممكنة، مُغفِلًا جوهر تجربتها ومضمونها الداخلي.
يُستشفّ مما سبق، أن هذه الرؤى لا تعبّر عن تباين منهجي في مقاربة مفهوم الروحانية فقط، بل تميط اللثام عن اختلافات جوهرية في تصور العلاقة التي تربط الروحانية بالدين. في هذا السياق، يبرز السؤال حول التفريق بين «الروحانية الدينية» وبين «الروحانية اللادينية» في صورة إشكالية محورية تتفرع منها مشكلات فلسفية جزئية؛ تهتم بكل ما يربط الروحانية بالدين؛ لذلك نرى أن الغرب حاليًّا يشهد تحوّلًا جذريًا في فهم الروحانية وإعادة تعريفها.
إن «الروحانية الدينية»، في سياقاتها التاريخية، لا تنبثق باعتبارها تجربة فردية منعزلة، بل تُفهم ضمن منظومة عقدية وتراثية مؤسسة، تتبلور داخل جماعة بشرية تتقاسم سردية كونية موحّدة. إنها ليست محض انفعال داخلي، بل تخضع لتأطير لاهوتي مُقنّن، يربطها بمفهوم الخلاص الأبدي والاتصال الدائم بالمطلق، وذلك من خلال وسائط متعددة مثل النص المقدّس، العبادات، الطقوس الشعائرية، والإرشاد الروحي. في هذا الإطار، تُستحضر الذات بوصفها مركزًا وجوديًا يتحدّد وفق غاية قصوى تتجاوز المعطى الزمني، حيث يصبح المقدّس ليس فقط جهةً للارتقاء الروحي، بل كذلك منظومة معيارية تشريعية وأخلاقية ومعرفية، تحتضن الإنسان وتوجهه نحو الحقيقة المتعالية.
في المقابل، تُستكشف «الروحانية اللادينية» بوصفها تجلّيًا لتحرّر الذات الإنسانية وانعتاقها من البنية الدينية، حيث تنزع هذه الذات إلى استعادة علاقتها بالمطلق بعيدًا عن وساطة النبوة أو التعاليم اللاهوتية، إنها روحانية تدعو لفتح المجال أمام الإنسان لتأسيس تجربة داخلية متفرّدة تتغذّى من الطبيعة، أو الفن، أو التأمل الذاتي، وأحيانًا من خطاب العلم نفسه كما في أطروحات سام هاريس[12]، خاصة في كتاب «المشهد الأخلاقي»[13]، الذي يحاول فيه التأسيس لروحانية حديثة تستمدّ مقوّماتها الوجودية من العقلانية العلمية بعيدًا عن سلطان الدين.
في خضمّ هذا الأفق التأويلي، يُفكك مفهوم المطلق من دلالاته الثيولوجية، فلا يُعرّف على أنه إله متعالٍ يتجاوز العالَم، بل يُعاد تصوّره كطاقة كونية، أو شعور متسامٍ، أو مجرد أنساق روحية؛ ما يشير إلى انزياح معرفي نحو شكل من «الروحانية ما بعد الميتافيزيقية»، حيث تغيب المعيارية اللاهوتية، ويحل الانفتاح والتجريب محل الإلزام والتلقين.
لا يمكن فهم تنامي ظاهرة الروحانية اللادينية في السياق المعاصر بمعزلٍ عن التطور التاريخي للحداثة الغربية، حيث أسهم التراكم المعرفي العلمي، وتنامي النزعة الفردانية، وانحسار سلطة المؤسسة الكنسية في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمطلق. ومع ذلك، لا يدل هذا التحول على انتفاء الحاجة إلى المعنى، بل يعكس بالأحرى تعبيرًا رمزيًا لمقاومة صامتة تُجابه الفراغ الوجودي الذي خلّفه انكماش السرديات الكونية، وانغلاق العقلانية الوضعية على البُعد المادي المحض، هنا تتجلّى الروحانية اللادينية كمحاولة لاسترداد اللطافة والعمق في التجربة الإنسانية، لا من باب الإيمان بنظام ميتافيزيقي محدّد وصارم، بل من خلال انفتاح تأويلي يحتضن الفن، التأمل، الحس الجمالي، وغيرها، كسبل لاستشعار المقدّس دون وسائط دينية.
ويستدعي التمايز بين الروحانية الدينية والروحانية اللادينية مُساءلة فلسفية عميقة حول مصادر الأخلاق، وحدود العقل، وطبيعة الوجود الإنساني. ففي حين ترى الأولى أن الوصول إلى الحقيقة مشروط بالخضوع لنص ديني مقدس والانتماء لجماعة عقائدية، فإن الثانية تذهب إلى أن السمو الروحي ممكنٌ خارج إطار الدين، عبر تجربة فردية قائمة على التأمل الروحي المحض.
2. يرى بعض النقّاد أن الروحانية اللادينية تمثّل نوعًا من «النزعة الفردانية الروحية» المنفصلة عن أي التزام أخلاقي أو جماعي. كيف تقوّمون هذه الفكرة؟
لطالما جادل الفلاسفة بأن البُعد الأخلاقي لا يفترض بالضرورة مرجعية دينية أو قواعد إلهية، فقد رأى إيمانويل كانط[14] أن العقل الإنساني قادر عبر مبدأ الواجب على تأسيس قوانين أخلاقية عقلانية وعالمية مستقلة عن السلطة الغيبية. أما ديفيد هيوم[15]، فقد أقام تصوّره الأخلاقي على أسس وجدانية، معتبرًا أن العاطفة البشرية هي مصدر المعايير الأخلاقية. وفي هذا السياق غير اللاهوتي، يمكن استحضار تصوّر جون ستيوارت ميل[16] الذي ربط الأخلاق بمنفعة الإنسان وسعادته، مؤسسًا لمبدأ النفعية كمعيار تُقاس به الأفعال، كما قدّم فريدريك نيتشه[17] نقدًا جذريًا للأخلاق، منكرًا فكرة المطلق الأخلاقي، ومؤكدًا على ضرورة إعادة تقويم القيمة الأخلاقية انطلاقًا من إرادة القوة والفردانية.
تزعم هذه المقاربات أن التجربة الأخلاقية يمكن أن تُبنى على أسس عقلية، وجدانية، أو وجودية خالصة، دون حاجةٍ إلى إطار ديني أو لاهوتي، وهو ما يفتح مجالًا واسعًا للتساؤل حول إمكانية بناء روحانية أخلاقية فردانية، قائمة على التفاعل الداخلي والتجربة الحيّة، لا على الامتثال لقواعد خارجية مفروضة، خاصة إذا أخذنا تشخيص رينيه غينو[18] في كتابه «أزمة العالم الحديث» للنزعة الفردية بوصفها إنكارًا لكل مبدأ أسمى وأعلى من الفرد.
إن توصيف الروحانية اللادينية على أنها «نزعة فردانية روحية» منفصلة عن الالتزام الأخلاقي أو الجماعي، ليس مجرد حكم، بل هو تشخيصٌ دقيق للأزمة البنيوية التي يعيشها الإنسان الغربي المعاصر، ولا شك في أن هذه الروحانية، التي قد تحرّرت من مرجعية الدين وسلطة الكنيسة، تُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والمطلق وفق أُطر تأملية وتجريبية شخصية، غالبًا ما تكون غير مُلزِمة أخلاقيًا، ولا تُنتج ميثاقًا جماعيًا أو رؤية وجودية تشاركية.
ولعل أبرز إشكالية في هذا النموذج، هي جعل السمو الروحي بمثابة صحوة أو يقظة يتحرّك الفرد من خلالها نحو ذاته، لا نحو الآخر؛ فيغدو الحضور الأخلاقي مشروطًا بالضمير الفردي عوضًا عن نداء إلهي سامٍ، وهنا لا يُستدعى الآخر بوصفه شريكًا في الخلاص، بل يُختزل في صورة مقياس للتوازن الداخلي، وقد يُستبدل بالعزلة أو الانكفاء، مما يخلق روحانية منغلقة وظيفيًا، تعجز عن إنتاج تضامن جماعي خلّاق خارج حدود الفرد.
ويحاجج أنصار هذا النموذج في أن الروحانية اللادينية لا تُختزل في هذا النمط الفرداني فقط، فهي رغم انفصالها عن الأديان، قد تحمل بُعدًا أخلاقيًا نابعًا من التجربة الإنسانية ذاتها، لا من سلطة غيبية أو جماعة دينية، إذ يلتزم بعض ممارسيها بقضايا البيئة، العدالة الاجتماعية، اللاعنف وحقوق الإنسان، بدافع وجود «روح كونية مشتركة» تتأسس على احترام الحياة، ما يعني بزعمهم إمكانية نشوء أخلاق روحانية بديلة عن الأخلاق الدينية.
ويُقوّض هذا الطرح، من منظور ديني تقليدي، أسس المرجعية المتعالية التي تُضفي الشرعية على القيم الأخلاقية وتمنحها إلزامًا كونيًّا، فالقول بإمكانية بناء أخلاق نابعة من «روح كونية مشتركة» دون العودة إلى مرجعية دينية، ادّعاءٌ نسبي لا يصمد أمام النقد، خاصة في ظل غياب معيار موضوعي أعلى يُوحّد الرؤية الأخلاقية، كما أن الفصل بين الروحانية والأديان قد يُنتِج تصوّرًا مُفرغًا يُفقد التجربة الروحية بعدَها الرمزي والتشريعي. وبالتالي، فإن الأخلاق المستندة إلى الروحانية اللادينية، برغم نُبلها ظاهرًا، إلا أنها تبقى مُعَرَّضة للزوال والتفكك القيمي، وهذا بسبب افتقادها للمعيارية المُطلقة التي يُفترض أن تضمنها الرؤية الدينية للأخلاق.
3. هل تعتقدون أن الروحانية اللادينية، كما ظهرت في أعمال مفكرين غربيين مثل سام هاريس أو إيكهارت تول، تقوم بإفراغ التجربة الروحية من مضمونها الديني التقليدي؟ وما أثر ذلك؟
لقد ارتبط مفهوم التجربة الروحية تاريخيًا بالدين، غير أن الفكر المعاصر شهد تحوّلات لافتة في فهم هذه الظاهرة، كما هو أعمال بعض المفكرين الروحانيين، مثل سام هاريس وإيكهارت تول[19] اللذين سعيا إلى علمنة التجربة الروحية وتفريغها من مضمونها الديني. ففي كتابه «الاستيقاظ: دليل للروحانية بلا دين»[20]، يطرح سام هاريس تصورًا للروحانية العلمانية، بوصفها تجربة ذاتية معمّقة، تستند إلى ممارسات تأملية لكنها منفصلة عن الإيمان بالله أو أي التزامات دينية، أمّا إيكهارت تول، فيقدم فهمًا مستمدًا من البوذية والتصوف المسيحي يقوم على الحضور الذهني[21] وتجاوز الأنا، ويحرّر الروحانية من أي انتماء ديني.
غير أن «الروحاني بلا دين» أو «الروحاني غير المتدين»[22] يرى في هذا الطرح تطويرًا للروحانية لا إفراغًا لها، فالروحانية العلمانية في رأيه، تحافظ على جوهر التجربة الروحية المتمثّل في المعرفة الباطنية الحدسية، لكنها تحرر هذه التجربة من القيود الدينية والدوغمائية. وبهذا المعنى، تُفتح الروحانية أمام أفق كوني جديد وشامل، يتيح حتى للملحدين واللاأدريين[23] خوض تجربة روحية حقيقية دون الحاجة إلى اعتناق عقيدة أو الانخراط في جماعة أو مؤسسة دينية.
ولكن في حقيقة الأمر، ورغم حجج المدافعين عن هذا التوجّه إلّا أن الروحانية اللادينية أو العلمانية تقوم عمليًا بإفراغ للتجربة الروحية من مضمونها الديني. فالتجربة التي كانت في منظور اللاهوتيين وفلاسفة الدين مثل فريدريك شلايرماخر[24] ورودولف أوتو[25]، تمثّل نوعًا من التعاطي الوجودي مع الأمر «القدسي» أو «المتعالي»، قد تحوّلت هنا إلى مجرد تجربة فردية أقرب إلى الرغبة في حياة طيبة أو وسيلة علاج نفسي أو تقنية لتحسين الذات. وبذلك تفقد الروحانية بُعدها المعياري الذي يمنحها التزامًا بحقيقة ميتافيزيقية مطلقة، وتتحوّل إلى ممارسة شخصية فارغة، منفصلة عن العمران البشري الذي أوجده الدين عبر التاريخ، كما أن الواقع قد أثبت عدم قدرة الروحانية اللادينية في شكلها السائل، على الحفاظ على المعنى الميتافيزيقي والأخلاقي الذي شكّل جوهر التجارب الروحية الدينية عبر العصور.
4. ما هي أبرز التناقضات أو الإشكاليات الفلسفية التي ترونها في مشاريع «الروحانية العلمانية» أو «الروحانية دون دين»؟
إن الروحانية العلمانية بوصفها مقاربة حداثية تسعى إلى استعادة مركزية الذات وسموها الباطني، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين الذات والمعنى ضمن فضاء عقلاني لاديني، غير أن هذا المسار رغم طموحه التحرري، لا يخلو من توتر مفاهيمي مزدوج: فمن جهة، يواجه تحديًا في تأسيس شرعية روحية منزوعة من المقدّس، ومن جهة أخرى، يجد نفسه أمام مآزق ومطبّات أنطولوجية تعيد مساءلة المقدمات التي قامت عليها الروحانيات البديلة.
أولى هذه الإشكاليات تتعلّق بسؤال المعنى ذاته؛ إذ حين تُلغي الروحانية العلمانية سلطة الإله وتستبدلها بالخبرة الفردية، فإنها تُعيد تعريف السمو على أنه حالة ذهنية عابرة لا غاية متعالية، وهذا يثير تساؤلًا فلسفيًا محوريًا: هل يمكن للتجربة الروحية المعلمنة أن تحقق آمال وتطلعات البشرية دون أن ترتبط بالدين الإلهي؟ وهل تستطيع التجربة الفردية وحدها أن تمنح الإنسان المعاصر إحساسًا بالاتجاه نحو الطريق الصحيح أم أنها تبقيه أسير الذات؟
تأتي الإشكالية الثانية من البعد الأخلاقي، فبينما كانت الروحانية الدينية ترتبط بالأديان الإلهية، أصبحت الروحانية العلمانية حبيسة الأديان الذاتية المستحدثة، وهنا تتولّد مفارقة حادّة: كيف يبقى السموّ سموًّا إذا لم يتحوّل إلى فعل أخلاقي يتجاوز حدود الفرد؟ وهل يكفي الانسجام الداخلي ليجعل الإنسان خليفة الله في أرضه؟ إن افتقار هذا الشكل من الروحانية إلى الأخلاق الإلهية لن يجعل منه مشروعًا وجوديًّا، بل يهدّده بالتحوّل إلى ممارسة شخصية نفعية براغماتية.
أما على المستوى الإبستيمولوجي، فإن اختزال التجربة الروحية في أنشطة ذهنية عقلية قابلة للقياس والدراسة، مثل التأمّل الباطني وتمارين الوعي ومحاولة تفسيرها عبر علوم الأعصاب، ستُنتج «ميكانيكا روحية» يُصبح الإنسان فيها آلة تأمّل مرتبطة ببرامج تحسين الذات وتنميتها، بدل أن يكون كائنًا يعيش تجربة أنطولوجية حقيقية بمعنى الكلمة.
إضافة إلى ذلك، هناك استمدادات غير معلنة من أديان وضعية وفلسفات شرقية قديمة، فالكثير من مفاهيم وممارسات الروحانية اللادينية مأخوذة مباشرة من الطاوية، البوذية، الغنوصية، وغيرها من المرجعيات البشرية المعاد صياغتها بشريًا، فتبدو الروحانية اللادينية وكأنها بديلٌ عن الدين، ويغدو الحضور الذهني غاية نهائية، بدل أن يكون مقدمة للسير والسلوك إلى الله تعالى كما هو الشأن في الروحانية الإسلامية.
5. يرى بعضٌ أن هذه الروحانية اللادينية تتماهى مع أنماط الاستهلاك الرأسمالي المعاصر، فهل ترون أن «الروحانية الجديدة» أصبحت سلعة؟ وكيف يؤثر ذلك على عمق التجربة الروحية؟
لم تعد «الروحانية الجديدة» في الوقت الحاضر، مجرّد انعطافة مفهومية داخل مساقات الفكر الديني والفلسفي الغربي، بل أضحت جزءًا من منظومة ثقافية واقتصادية أوسع، تقوم على إنتاج المعاني والتصوّرات وفق المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة -بتعبير عالِم الاجتماع آدم بوساماي[26]-. وهكذا، تتحول التجربة الروحية من بحث وجودي عن المطلق إلى سلعة نفسية تُلبّي حاجات الأفراد، وتُسوّق كما تُسوّق المنتجات الصناعية أو الزراعية، أو تُدرج ضمن منظومة الخدمات، في انزياح يجرّد الروح من بعدها الوجودي ويعمل على تشكيلها وفق المنظور المادي الرأسمالي.
لقد أسهم تحوّل الروحانية الجديدة إلى منتج استهلاكي في بروز ما يمكن وصفه بـ «السوبر ماركت الروحي» أو «السوق الروحية»، حيث تخضع الممارسات الروحية فيه لقانون العرض والطلب، وتُعامل بوصفها سلعًا قابلة للتداول.
ولم يعد منظّرو هذه الروحانية مجرد مرشدين روحيين، بل غدوا فاعلين في اقتصاد المعنى، يستغلّون المنصّات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، لتسويق تجاربهم وخبراتهم الروحية كمنتجات استهلاكية، تستهدف جمهورًا متعطشًا لحياة طيبة في عالم سريع الإيقاع. وقد أشار بول هيلاس[27] في إحدى دراساته إلى نماذج من هذه السلع الروحية الرائجة، مثل الريكي[28]، والتأمل[29]، وبعض أشكال العلاج النفسي ذات الطابع الروحي كعلم المنعكسات[30]، فضلًا عن اليوغا[31] التي تُعد من أكثر هذه السلع رواجًا وانتشارًا.
وفي هذا السياق، لم يعد التأمل أو الوعي أو السعي نحو المطلق مجرد ممارسة روحية أو سلوك داخلي، بل صار خدمة رقمية تُقدَّم عبر تطبيقات ذكية، أو دورات تدريبية، أو منتجات رقمية تُسوّق وتُباع. هنا يُستبدل السؤال الأنطولوجي العميق بجمل تسويقية مُفرغة من المعنى، من قبيل: «كن أكثر سكينة في عشر دقائق». وبهذا، يُعاد تشكيل المسار التأملي للفرد وفق رغبة ومزاج المستهلك، بل وأحيانًا وفق الاستراتيجيات التسويقية للعارض، لا وفق مقتضيات الروح ومتطلّباتها الوجودية.
في هذا المضمار، لا تُدان الروحانية اللادينية لكونها انعتاقًا من الدين، بل يُطرح السؤال حول تموضعها داخل السوق، حيث تفقد قدرتها على مساءلة العالم، وتصير أداةً تجميلية تُزيّن أزمات الواقع بدلًا من كشفها أو تقويضها. فبدلًا من أن تكون الروحانية ثورة داخلية على الزمن، تُعاد صياغتها كآلية للتكيّف معه، وعِوَض أن تُسائل الرأسمالية، صارت تُعيد إنتاجها بلغة ناعمة تُخدّر القلق الوجودي للإنسان بدلًا من أن تعالجه وتفكّكه، وأصبحت تطرح السؤال دون أن تُحرّره. إنها روحانية تُفرغ الذات من توتّرها الخلّاق، بعد أن تضعها ضمن مسلك وظيفي يُعزّز الاستقرار لا التحوّل، ويُكرّس الطمأنينة لا اليقظة، في مفارقة انقلاب المقدّس من نداء إلى منتج، ومن قلق إلى راحة، ومن سؤال إلى شعار.
6. إلى أي مدى تساهم الروحانية اللادينية في إضعاف البعد الجماعي والطقوسي للدين، مقابل تعزيز الذات كمرجعية مطلقة؟
تُدرس الطقوس[32] في الأنثروبولوجيا الدينية على أنها ظواهر اجتماعية متجسِّدة داخل جماعات بشرية، لا كممارسات فردية فحسب. إذ تمثّل الطقوس آلية لإعادة إنتاج النسق الثقافي والديني والمعنوي الخاص بالمجتمع، وتُسهم في ترسيخ الهوية الجماعية وإعادة تشكيل العلاقة مع المقدّس.
في الروحانيات الدينية، تتجلّى التجربة الروحية للفرد ضمن طقوس جماعية متكرّرة، تحدّد المقومات الرمزية للجماعة، وتُرسّخ الذاكرة الثقافية المشتركة، وتُفعّل أطر الانتماء الروحي. فالممارسات الطقوسية كصلاة الجماعة، الحج والأعياد الدينية، لا تُختصر في بعدها الشعائري فقط، بل تُشكّل فضاءً اندماجيًا يعمل على تشكيل الذات ضمن نسيج يتجاوز فردانيتها ويُفعّل علاقتها بالمقدّس.
أما في الروحانية اللادينية، فإن الطقوس تتلاشى ويغيب معها الجسد الجماعي، حيث تصبح التجربة الروحية فيها شبه آلية، تُمارَس في عزلة تامة، بلا رمزية جماعية ولا تكرار طقوسي، هذا التفكك يُضعف القدرة على خلق المعاني المشتركة، ويُعزز مرجعية الذات، بل قد يصل الأمر إلى تأليهها، إذ تتحول التجربة إلى عبادة للإله الباطني، في مقابل عبادة الإله الحق الذي تُجسّده كل الأديان التوحيدية. في هذا المقام، تُكرس الروحانية اللادينية تعريف الإنسان بوصفه «كائنًا ذاتيًا»، لا «كائنًا اجتماعيًا»، حيث يُصبح مصدر المعنى داخليًا، ويُستبعد المقدّس من كونه حضورًا جماعيًا لصالح «الوعي الفردي»، وتبرز خطورة تراجع الدين بوصفه نسيجًا جماعيًا متماسكًا، لصالح نماذج روحانية جديدة تُؤلّه الذات.
أخيرًا، فإن تماهي الروحانية اللادينية مع المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة، كما تمّت الإشارة إليه سابقًا، سيؤدي إلى إعادة إنتاج تصوّرات جديدة ضمن إطار اقتصادي وثقافي يُكرّس الفردانية، ويجعل من الطقوس ممارساتٍ قابلة للاستهلاك، بعد أن يصيغها في شكل منتج يُصمَّم حسب الحاجة والرغبة، وهذا مكمن الخطر الذي يهدد الحضارة الإنسانية.
-------------------------------------------
[1]. Spirituality.
[2]. Ontological Vision.
[3]. Doris Reisinger.
[4]. ينظر: روبرت فولر، الروحانية العلمانية، ضمن: فيل زوكرمان وجون آر. شوك (محرران)، المرجع في العلمانية: كتاب أكسفورد، ترجمة: شكري مجاهد، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2023)، ج2، ص ص950-951.
[5]. Ethical Vision.
[6]. Luc Ferry.
[7]. Pierre Hadot.
[8]. La Philosophie comme manière de vivre.
[9]. Reductionist Vision.
[10]. John Paley.
[11]. أنظر مقاله:
«Spirituality and nursing: a reductionist approach», in: Nursing Philosophy 9 (1). 2007, PP. 3-18.
[12]. Samuel Benjamin Harris.
[13]. The Moral Landscape: How Science Can Determine Human Values.
[14]. Emanuel Kant.
[15]. David Hume.
[16]. John Stuart Mill.
[17]. Friedrich Nietzsche.
[18]. René Guénon.
[19]. Eckhart Tolle.
[20]. Waking Up: A Guide to Spirituality Without Religion.
[21]. Mindfulness.
[22]. Spiritual but not religious (SBNR).
[23]. Agnosticism.
[24]. Friedrich Schleiermacher.
[25]. Rudolf Otto.
[26]. Adam Possamai.
[27]. Paul Heelas.
[28]. Reiki.
[29]. Meditation .
[30]. Reflexology.
[31]. Yoga.
[32]. Rituals.