البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب الروحانية النازلة...نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون

الباحث :  إدارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  39
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث :  270
تحميل  ( 295.861 KB )
معلومات النشر:
اسم الكتاب: الروحانية النازلة...نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون
المؤلّف: ذهبان مفيدة
النّاشر: المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية
مكان النّشر: النجف الأشرف- العراق
سنة النّشر: 2020
عدد الصفحات: 216 صفحة

مقدمة
نقدم في هذه المراجعة قراءة لأطروحات الفيلسوف رينيه غينون، الذي يشخص أمراض الحضارة الغربية الحديثة ويعدها حضارة مادية منحرفة تفتقر إلى الجوهر الروحي. ويحلل بعمق جذور الأزمة الغربية التي يعود سببها، من منظور غينون، إلى القطيعة مع التراث الميتافيزيقي والمبادئ الروحية الأصيلة الموصولة بالوحي الإلهي. كما يطرح الكتاب رؤية غينون للشرق بوصفه حاملًا للتراث الروحي المنقذ، والقادر على انتشال الغرب من هوة الانهيار الحضاري من خلال إحياء المعرفة التقليدية المقدسة. أخيرًا، يضع غينون نقده الجذري للعلمانية والعقلانية المادية، داعيًا إلى تصحيح المسار عبر العودة إلى البعد الغيبي والمبادئ الثابتة التي هُجرت في العصر الحديث.

الفصل الأوّل: تشخيص رينيه غينون للحضارة الغربّية
الفيلسوف رينيه غينون هو من الفلاسفة الذين كشفوا أوهام الحضارة الغربية وعرّى أوثانها، مستبطنًا كل تجلّياتها ومظاهرها على المستوى المعرفي والاجتماعي والفكري، منتهيًا الى اعتبارها خرافاتٍ للتمويه على الحقيقة الأصيلة الموصولة بالشرائع الربانية.

تصنّف حضارة الغرب الحديث الحضارات تصنيفًا تغذّيه النرجسية الأَنَوية وفق المنظور الهرمي العمودي بدلًا من المنظور الأفقي، بلغة الهندسة الرياضية يمكن أن نمثّل الحضارة الغربية بمركز الدائرة والقطب المحرّك والفاعل، وبقية الحضارات هي الأجزاء التي تدور حول المركز والتي تحتلّ الهامش، حيث انتهى هذا التصنيف إلى جعل الحضارة الغربية أعلى وبقية الحضارات أدنى، لتتجسّد جدلية العبد/ السيّد بالمفهوم الهيغلي، فهذه الأحكام ضخّمت الأنا الحضاري الغربي الذي أصبح مشوبًا بالزهو، منتفخًا غرورًا في مقابل تحجيم الآخر الحضاري، وانتهى هذا التصنيف النرجسي إلى السقوط في وهم سراب الخلود أو البقاء السرمدي، وهو ما الذي جعل الحضارة الغربية الحديثة تمارس قهرًا على الحضارات الأخرى لإجبارها على اتّباع قصديّتها المادية.
ولم تعترف حضارة الغرب الحديث إلّا بالحضارة اليونانية على أنها مهد العلوم والفنون، ما أدّى إلى نشوء ما يطلق عليه غينون اسم التحيّز الكلاسيكي الذي يقصد به النزوع إلى إرجاع أصول كل الحضارات إلى اليونانيين والرومان، حيث إنّ حضارة الغربيين لا تنتمي إلى ما هو أسبق من الفترة اليونانية الرومانية، وتنهل منها فقط في الغالب الأعمّ، من هنا أصبح مُسوّغ التحيّز الكلاسيكي حكما مطلقًا مشحونًا إيديولوجيًّا ليغطّي كل ذلك التنوع والغنى الذي تزخر به الحضارة الإنسانية، فيتحوّل إلى أداةٍ قمعيةٍ إجهاضيةٍ لكل حضارةٍ غَيرها.

في المقابل يعترف بعض الغربيين المنصفين بالإمدادات الشرقية للحضارة الغربية، وبأنّ هناك تشويهًا لحضارات الشرق القديم من طرف بعض مؤرخي الإغريق المسكونين بالمعجزة الإغريقية، كما يذكرون أنّ الكثير من فلاسفة اليونان تأثّروا بما كان سائدًا من قيمٍ في الحضارات الشرقية، وعلى الرغم من الحقيقة التاريخية الساطعة التي دحضت مقولة التحيّز الكلاسيكي مؤكدةً على أنّ كل علوم اليونان وفلسفتهم قد انتقلت إلى الغرب عبر المسلمين الذين كانوا وسطاء وسعاة بريدٍ للحضارة اليونانية، حيث عملوا على تمحيص تراثها وأشبعوها بالروح الشرقية الأصيلة، ومع كل ذلك لم يتنازل الغربيّ عن أسطورة أنهم ورثة الإغريق.
لقد ظلَّت النرجسية الحضارية للغرب تتضخّم، وفي كلّ مرّةٍ تتخذ دِرعًا واقيًا لتحافظ على أوهامها، وكحيلةٍ دفاعيةٍ تخلق عدوًّا وهميًّا هو الخطر الشرقي، في حين أنّ الخطر الحقيقي، في اعتقاد غينون، يكمن في طبيعة الحضارة الغربية، في ماديتها الصرفة، ففي تصور غينون، أدت الأحكام المسبقة، بشكلٍ مباشرٍ، إلى عدم حصول التقارب بين الشرق والغرب، لأنّ الحضارة الغربية تحاول فهم الشرق انطلاقًا من مصطلحات الغرب لا مصطلحات الشرق، أي وفق فهمٍ مبنيٍٍّ على إسقاطٍ تعسّفيٍّ، فما يتعارض مع قيم الحضارة الغربية لا تنظر إليه من زاوية التسامح، بل من زاوية الإقصاء، والتهوين الذي فتّت عضد الحضارات الأخرى.

إذا تقصّينا حال الجوانب الروحية للحضارة الغربية فلا نجد لها أثرًا، فالعلم الحديث أجهز على البقية الباقية منها، حينما أزاح الميتافيزيقا التي يعتبرها ألدّ أعدائه لأنها تبحث في نقيض ما يبحث فيه العلم، وتؤكد وجود ما لا يستطيع العلم التجريبي تأكيده أو نفيه، إذ تتأمّل الميتافيزيقا ما لا يمكن للتجربة اختباره ولا للحواسّ ملاحظته، والأدهى أنّ العلم الحديث قد أعلن القطيعة مع عالم السماء، فقتل الإله ليأخذ هو نفسُه دورَه، فبعد تخلُّص الإنسان من الله سيهيمن على مكان الذات، وبالتالي سيصبح مركز الكون، وهكذا تزامن تفوّق الحضارة الغربية ماديًّا مع تحلّلها روحيًّا وانحرافها، حتى بات كل ما يمثّل تراثًا روحيًّا خالصًا بالمفهوم الغينوني في معرض الإرجاء، إن لم يكن في معرض الإقصاء والتعامي المطلق سواء أكان مقصودًا أم غير مقصودٍ.

هذا البتر المجحف للتراث الروحي جعل الحضارة الغربية الحديثة حضارةً عليلةً، لأنّ الحضارة هي منتوج الإنسانية الروحي والمادي، وغياب أحدهما وطغيان الآخر، سيشكّل حضارةً عرجاءَ.
إنّ الحضارة الحديثة سكبت كل نشاطها في ما هو ماديٌّ صِرف، ما جعلها تجهل كل ما يتعلق بالروحانيات الأصيلة، الأمر الذي جعلها تنكر وجودها، لا لأنها غير موجودةٍ، بل لأنّ هذه الحضارة عجزت عن فهم طبيعة تلك الروحانيات العرفانية.
هذا الهجوم على مملكة السماء أدّى إلى تصاعدٍ مريبٍ لموجة الإلحاد، التي انتهت إلى الإقرار –تحت تأثير النزعة الأخلاقوية- بأن الإنسان يحتاج إلى الأخلاق، ولكنه لا يحتاج إلى الدين، هكذا تم الإعلاء من الأخلاق الإنسانوية، وإنزال الدين إلى مرتبةٍ سفلى في المقابل.
هذا الفهم المشوّه والمغالط للدين، والذي أُلقي به على هامش الحياة، زاد من تفاقم الخواء الروحي في الغرب، فصيّر اليومي المعيش للإنسان الحداثوي، مُفرغًا من روح كل القيم المعنوية ذات الكثافة الروحية، لتحوّله مادية الحضارة الغربية إلى كتلةٍ تنزف بالترف الفائض كغثاء السيل الجارف، لتخرّب العباد والعمران.

إنّ الحضارة الغربية تريد من كلّ الحضارات الأخرى أن توجّه نشاطها إلى الميدان المادي، وإذا لم تفعل ذلك ستتهمها بالانحطاط، وهنا يكمن التناقض المنطقي الذي وقع فيه الغرب الحديث عندما شبّه الحضارة بإنسانٍ ينمو ويتطوّر ويزداد حكمةً ونضجًا وتبصًّرا وذكاءً كلّما ازداد تعلّمًا ومعرفةً، وكأنه لا وجود لاختلافاتٍ فرديةٍ، وكأننا أمام إنسانٍ واحدٍ يتكرر في كلّ فردٍ، في حين أن الطبيعة ذاتها تؤكّد مبدأ الفروق الفردية في التعلّم.
ظلت الحضارات الشرقية، على الرغم ممّا حصل فيها من انتكاساتٍ، محافظةً على جانبها الروحاني، ما جعل غينون ينظر إلى الشرق على أنّه المنقذ الذي سينتشل الحضارة الغربية من الانهيار، لأنّه يمتلك المبادئ الثابتة التي أضاعها الغرب المهووس بالتغيّر والحركة؛ لذلك فالتغيّر الذي حصل في الحضارة الغربية، لا يمكن أن نسمّيه في كليته تقدّمًا، لأنّ التقدّم في مجالٍ لا يعني التفوّق الحضاري.

فكثيرًا ما يُنظر إلى الحضارة الغربية وتقدّمها المادي، الذي تنعكس أصداؤه في كل مناحي الحياة، على أنّه معيارٌ لقياس الذكاء والعبقرية، حتّى إنّنا نعتبر المكتشفين والمخترعين للآلات والأجهزة في مجال التكنولوجيات هم الأرقى ذكاءً، في حين أنّ هؤلاء الأشخاص إذا ما أخرجناهم من مجال صناعة الآلات فإنهم يظهرون بلادةً وتكلّسًا ما يشير إلى أنّ الذكاء لا ينحصر في الاختراعات المادية، بل هناك مجالٌ أسمى يكشف عن ذكاءٍ أعلى هو ميدان الروحانيات المتعالي والمفارق لعالم المادة.

يعتقد غينون أنّ وهم تفوّق الحضارة الغربية في العلم يعود إلى الإيحاء الجماعي الذي يبثّ وينشر الوهم لأنّ الكثير ممن يتلفّظون بتلك الكلمات بأتمّ قناعةٍ، لا يوجد في فكرهم معنًى جليٌّ يتطابق معها، بل يمكن حتى القول إنه: مجرّد التجسيد لآمالٍ عاطفيةٍ متفاوتةِ الإبهام زيادة، ويمارس تمويهًا للحقائق بقلب المفاهيم وتزييف دلالاتها، فتسيطر الكلمة وتخبو الفكرة، وتصبح كلمة علم تستدعي بشكلٍ لاشعوريٍّ كلمة غرب، إنّ العلم الحديث في التصور الغينوني، يقصي المعرفة العرفانية التي تشترط عقلً مستبصرًا يتجاوز الاختبارات التجريبية المحسوسة، فهو بمناهجه المادية قاصرٌ عن إدراك الحقائق الفوق-طبيعية، أي الماوراء-حسية، فكلّ نتائجه تخدم الأغراض الدنيوية، إذ تحرَّر من كل غائيةٍ إلهيةٍ، ولم يربط علومه بالمقاصد الروحية التي حددتها العقائد التقليدية التراثية، والتي تجعل لكلّ معرفةٍ وعلمٍ هدفًا غائيًّا، هو تحقيق الحكمة الإلهية في الأرض، أما العلم الحديث الذي أصبح ماديًّا صِرفًا فهو، بإغراقه في النزعة التحليلية وانتصاره للنسبوية، يضيّع الحكمة الإلهية في الكون، ويجعل العلم المقدّس في خدمة المدنّس، ما أدّى إلى تشويه معنى العلوم التراثية التقليدية الموصولة بالوحي الإلهي.
يتصوَّر غينون العلم الحديث علمًا مليئًا بالمغالطات، بادّعائه أنّ ما لا يمكن التحقق منه تجريبيًّا هو غير موجودٍ، وبدلًا من أن يعترف بعجزه وقصوره أمام تلك العوالم العصيّة على التجريب، والإقرار بأنّها خارج نطاقه وبأنّ مناهجه لا تستطيع الوصول إلى كنهها، فإنّه يصرّح بعدم وجودها، لذلك يعتبر غينون أنّ العلم الغربي درايةٌ جاهلةٌ، فهي درايةٌ فاقدةٌ للمبدأ، كما هو حال كل ما ينتمي إلى الحضارة الغربية الحديثة، فالعلم كما يتصوّره معاصرونا، يقتصر فقط على دراسة ظواهر العالم المحسوس.

لقد انتهى غينون إلى حصر مميزات الفكر الحديث في النقاط التالية:
1. الغياب التام للمعرفة الميتافيزيقية.
2. إنكار كل معرفةٍ غير الدراية العلمية.
3. الحصر التعسّفي للدراية العلمية نفسها في ميادينَ معيّنةٍ وإقصاء غيرها.

الفصل الثاني: فرضية سقوط الحضارة الغربية
لقد تمزّقت حضارة الغرب من الدّاخل وانقسم البيت على نفسه، فلقد بدأ بعض الباحثين يشعرون -على تفاوت الوضوح- بأنّ الأمور لا يمكن لها أن تستمرّ إلى آجالٍ غيرِ محدّدةٍ في نفس الاتجاه، بل بدا الكلام عن إمكانية وقوع إفلاسٍ كامل للحضارة الغربية، على الرغم من أنّه ما كان لأحدٍ أن يجرؤ على التفوّه به قبل أعوامٍ لأنّها وصلت إلى دورة الحياة الأخيرة، إنها دورة الشيخوخة قبل الدخول إلى مرحلة الفناء، شأنها شأن كلّ الكائنات الحية التي تمرّ بلحظتَيِ الميلاد والموت، وقد أشرفت الحضارة الغربية على لحظة الموت.
الرؤية المادية هي التي تهيمن دائمًا على الحضارة الغربية، ولأنّ العصور الوسطى شهدت تقدّمًا روحانيًّا، ولم تكن للنوازع المادية قيمةٌ مقارنةٌ بالمجال الروحاني، فإنّ التأريخ الغربي أسقطها من الحضارة، واعتبرها عصرًا ظلاميًّا، حيث قدّم صورةً أحاديةَ الجانب مبسّطةً عن العصور الوسطى.

لكن رغم سيادة الفقر والشقاء وسوء الأحوال الصحية في كل مكانٍ، فإنّ مجتمعات العصور الوسطى كانت تتمتّع بصحةٍ باطنيةٍ. كان هذا العصر عصر قوة الروح التي من دونها ما كنّا لنفهم الإلهامات التي حملت الإنسان الغربي إلى عصره الحديث، إنّ فرضية انهيار الحضارة الغربية الحديثة ليست هي مآل عصر الحداثة عند غينون، فعصر الحداثة هو تصاعد الأزمة التي ستصل إلى النهاية، لا بداية الأزمة كما يعتقد أنصار ما بعد الحداثة . إنّ بداية السقوط، عند غينون، بدأت مع العصر الكلاسيكي اليوناني، ثم تطورت هذه الحضارة وبدأت تتضخّم وتتأزّم حتى وصلت إلى درجة النهاية في العصر الحديث.
ففي التصوّر الغينوني، الأزمة التي تمرّ بها حضارة الغرب الحديث هي آخر مرحلةٍ من مراحل المانفانتارا، وهي المرحلة الرابعة التي تسمّى بعصر الكالي يوغا، أي العصر المظلم هذا يعني أنّ اليونان تمثّل أرض ميلاد الفلسفة كمنتوجٍ عقلانيٍّ بشريٍّ، حيث نالت الفلسفة حظوةً كبيرةً لدى الإغريق، واعتُبرت بمثابة المنقذ من الأساطير التي قوّضت العقل اليوناني، حيث تمركزت الفلسفة اليونانية على مقولة العقلانية (اللوغوس) في مقابل (الميتوس)، فكانت المهد الأوّل لهذه النزعة.

منحت تجربةُ التفلسف السقراطي الفلسفةَ تلك القدرة الاقتحامية للمعيش اليومي للإنسان الإغريقي واخترقته، وامتدّت الأنا المفكّرة السقراطية في عمق المجتمع الأثيني لتهدم أركانه، وبموت سقراط يعلن انتصار الفلسفة، على أنها ليست بقايا أحلامٍ متشظّيةٍ هاربةٍ من اليومي إلى أبراجها العاجية، مستغرقةٍ في خيالاتها الأسطورية، مستنفذةٍ طاقاتها في اللاّشيء من أجل لا شيءٍ.

إذًا، فانحراف الحضارة الغربية، عند غينون، ليس حديثًا، بل تمتدّ جذوره في أعماق العصر اليوناني، أي في القرن السادس قبل بداية التأريخ المسيحي. ففي التصور الغينوني، بدأ التراث التقليدي يُفقَد في العصر الكلاسيكي قبل الحديث، ففيه انتكست العقائد المقدّسة القديمة التي لم يعد أحد يفهمها، بفعل عدم الفهم ذلك، انتكست إلى الوثنية بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي أنها لم تعد سوى خرافاتٍ وأشياءَ فقدت دلالتها العميقة.
إذًا، فالفلسفة التي وُلدت من رحم الحضارة الغربية وترعرعت فيها، بالنسبة لغينون قد ساهمت في تحريف التراث والتقليد وفي تنكيس الروحانية، والذي أدّى بدوره إلى انحراف الحضارة الغربية. لقد اكتسحت الفوضى حضارة الغرب، بعد أن تمّ التضحية في العصر الوسيط بالحقوق الفردية (حق الفرد) والاجتماعيّة(حق الناس) انتصارًا لحق الله في أن يُعبد ولو بحدّ السيف كما تجسّد في الحروب الصليبية التي اندلعت باسم الربّ لاستعادة قبر المسيح.

أمّا العصر الحديث فقد كان عصرًا انقلابيًّا راديكاليًّا على الله، فاغتُصب حقه في أن يُعبد، انتصارًا لحق الإنسان الفرد في أن يعيش حرًّا بلا إملاءاتٍ لاهوتيةٍ ولا وسائطَ كهنوتيةٍ، فحلّ الإنسان محلّ الإله. كلّ شيءٍ قابلٌ للانتهاك وللاختراق إلّا شيئًا واحدًا لا يمكن أن يُنتهك، هو الإنسان الذي أصبح المقدّس المعبود، ما يوحي بامتداد الديكارتية كمفتتحٍ لعصر الحداثة، عصر الكوجيتو الذي جذّر مركزية الذات، والتي لم تنزح على الرغم من كلّ عمليات الهدم التي طالت هذه المقولة من داخل الحضارة الغربية ومن خارجها، فهي لا زالت صامدةً تقاوم.
إنّ الرؤية التبسيطية للدين أنزلته إلى مستوى العوامّ، تتأوّله بشكلٍ مبتذلٍ، باعتمادها على الظاهر دون الباطن، ما أفقد المسيحية عمقها الجوهري، الذي يُحتاج لفهمه إلى عقلٍ فوق- بشريٍّ، يتجاوز فهم العوامّ للدّين، حيث أصبحت المسيحية بعد الإصلاح الديني وبفعل تأثير البروتيستانتية، دينًا شعبويًّا جماهيريًّا، يتساوى في فهمه العالم والجاهل، الدهماء والصفوة، وهنا ضاعت الحقيقة العليا، وما هذا الانحراف، في نظر غينون، إلّا أحد مظاهر فكرة الديمقراطية التي تقتضي إرادة جعل العلم في متناول كل الناس، والحاجة ليست ملحّةً لملاحظة أنّ هؤلاء التجديديين أنفسهم، كتبعةٍ يلتزمها موقفهم، هم دومًا الأعداء الألداء المشهورون لكل منهاجٍ يهتم بالباطن، وكما هو من المعلوم أن علم الباطن لا يتوجّه إلّا للصفوة، أما البروتيستانتية فقد أعلت من ظاهر الدين، في مقابل انحسار الباطن وتقلّص الاهتمام به. وما ظهور البدع والهرطقات في المسيحية على كثرتها، إلّا دليلٌ على انحراف البروتيستانتية، التي انطلقت من رغبةٍ في الإصلاح الديني، لتنتهي إلى انحرافٍ دينيٍّ أجدبَ ومنكوسٍ، جعل المسيحية دينًا مبتذلًا، وموضوعًا لسخرية للمتهكّمين.
تتصاعد الخطابات الفلسفية المعاصرة والراهنة وهي تصدح مدوّيةً بمقولة نهاية العالم، التي حفلت بها ما بعد الحداثة الفلسفية، لتصبح هاجسًا وفوبيَا فلسفيةً، جعلت بعض الغربيين، على الرغم من غرورهم وكبريائهم الحضاري المزعوم، يعترفون بالحقيقة التي، مهما حُجبت، ستنبجس في النهاية وتخرج من عتمة الظلام إلى النور.

لذلك يتفاءل غينون بعودة الحضارة الغربية إلى المسار السويّ بعدما أدرك الغرب يقينًا وجود خطرٍ حقيقيٍّ، بعد ممارسة جدل الذات مع ذاتها عبر مونولوغٍ حضاريّ (حوار الذات الحضارية مع ذاتها).
وينتقد غينون الفهم الخاطئ وشيوع فكرة نهاية العالم، بالتعميم دون استثناءٍ، فغينون يقرّ بوجود نهايةٍ للعالم لكن لا في شكله الكلياني، بل توجد نهايةٌ مرتقبةٌ ووشيكةُ الوقوع لجزءٍ من هذا العالم، وهي نهاية الحضارة الغربية، وبهذا يصحح غينون السردية الكبرى التي غزت الخطابات الفلسفية الراهنة، التي تصرّح بأننا ولجنا عصر المابعديات بشكلٍ لا مراء فيه، وأصبح الحديث عن النهايات يتنزّل بشكلٍ مكثّفٍ، بعد تفكك النسق الحداثي بكلّ حمولته المثقلة بالعقلانية اليوتوبية، بعدما آل إنسان الحداثة إلى كائنٍ مجوَّفٍ منبوذٍ في الفراغ العدمي، عارٍ من كلّ القيم، لتغدوَ كلّ القيم منكّسةً متشظّيةً، بعدما جففت إنسان الحداثة من كل منابعه الروحانية.

ويعتقد غينون أنّ نهاية الحضارة الغربية، هي نهايةٌ لدورةٍ زمنيةٍ بشريةٍ، وفرضية سقوط الحضارة الغربية إذا ما تحققت، لا يعني أنّ الحضارة الغربية سينتهي حضورها المكاني والزماني، بل ستنتهي زمانيًّا، لتدخل في دورةٍ جديدةٍ، فالتصور الغينوني يتوافق مع الدورة الخلدونية التي تمرّ بها الحضارة (الميلاد – النضوج - الانحطاط)، فما يحدث لهذه الحضارة هو انحرافٌ، وهو ليس مطلقًا، إذ يمكن تلافيه وإصلاحه، وعلاجه، وإعادة الحضارة الغربية إلى المسار السويّ.
إنّ العَسف الذي تمارسه الحضارة الغربية، كما يقول غينون، امتدّ بقوّةٍ إلى الشرق، إذ يكفي أن ننظر إلى الشرقيين في المجتمعات العربية الإسلامية، لنجد أنّ أولئك المغرمين بالحضارة الغربية، يجدون أنّ التماثل مع الغرب هو المنقذ لهم من نكستهم ومن وهنهم، وهو الذي سيرسو بهم في مرفأٍ حضاريٍّ آمنٍ.

الفصل الثالث: بعث التراث الروحي لإنقاذ الحضارة الغربية
يُعدّ التراث من المفاهيم الملتبسة دلاليًّا، إذ أصبح بحكم التشويهات التي اخترقته، مجرَّد مخزونٍ ماضويٍّ تجاوزه الزمن، وفقد صلاحيته ومشروعيته في الحاضر والمستقبل، وكأنّه استكمل دورته الزمنية، وحصل معه كما يحصل مع الكائن الحي (ميلاد - نموّ - موت)، حيث أصبح في المخيال الغربي والشرقي، مرادفًا لذلك المعنى المبتذل الذي يحصره في العادات والتقاليد الموروثة، حتى إنّ كلمة تراث أصبحت تشير إلى كلّ ما هو قديمٌ في مقابل الحديث والمعاصر.
هذا الفهم المغلوط والملتبس للتراث ساهم في تصعيد الأصوات الرافضة له والتي تدعو إلى القطيعة معه للاستمرار في التواجد الآن، وكأن كل رجعةٍ إلى التراث هي تقهقرٌ إلى الوراء، وهنا ظهرت إلى الأفق سجالاتٌ لا تنتهي حول التراث والمعاصرة في الحضارة الشرقية والغربية.

بينما يعرّف غينون التراث بأنه معرفةٌ من طرازٍ فوق-بشريٍّ، أي لا يُعتبر ثراثًا أصيلًا إلا ما كان مرتبطًا بالوحي الإلهي، فكل ما هو من نمطٍ بشريٍّ صِرفٍ لا يصحّ لهذا السبب أن يوصف شرعًا بأنّه تراثيٌّ أصيلٌ. هذا يعني أنّ التراث، عند غينون، هو من طرازٍ روحيٍّ مفارقٍ، لا مادّيّ؛ لذلك فالاستخدامات المتداولة من قبيل التراث الفلسفي والتراث العلمي والتراث الفني...إلخ، هي كلها تسمياتٌ خاطئةٌ، إذ لا يوجد إلّا تراثٌ واحدٌ، هو ذلك الموصول بالشرائع الربانية.
على الرغم من هيمنة الكم على حضارة الغرب الحديث، والتي تنذر بانهياره، إلّا أنّ غينون يتفاءل بإمكانية تلافي هذا السقوط، إذا حصل في أقرب وقتٍ، تغيّرٌ جذريٌّ يصل إلى حد عودةٍ حقيقيةٍ، فإحياء التراث كفيلٌ بتصحيح المسار المنحرف للحضارة الغربية، وبالتالي فإن غينون يعرّف الدين بالقول إنّ الدين يتضمّن بالضرورة ثلاثة عناصر تنتمي إلى نظمٍ مختلفةٍ وهي: العقيدة، والقانون الأخلاقي، والعبادة. وحينما ينقص أحدها فلا مجال للقول بأنّ هناك دينًا بمعنى الكلمة، ويقصد غينون بالعقيدة: الجزء العقلي من الدين، والقانون الأخلاقي: هو الجزء الاجتماعي. والثالث وهو عنصرٌ شعائريٌّ يشترك في كلتا الوظيفتين.

وبناء عليه إنّ الحضارة الغربية، عند غينون، هي حضارةٌ فوضويةٌ لأنها تقتصر على الجانب الكمّيّ في المعارف وتهمل الجانب الكيفي، أي طغيان الجانب التحليلي على حساب التركيبي، وبالتالي فإنّ النتيجة هي الفوضى والتشتّت بسبب الإغراق في التفصيل والتجزئة بدل الوحدة.
وبالتالي، فإنّ غينون ينتهي إلى الإقرار بأنّ الحضارة الغربية قد تطوّرت في مجال معرفة عالم الشهادة فقط، وأشاحت عن معرفة عالم الغيب، بل أنكرت وجوده، وكأنّ العالم يحكم نفسه بنفسه، لذلك وجد غينون أنّ العودة إلى التراث بشقّيْه الديني والميتافيزيقي هي التي ستنقذ حضارة الغرب الحديث؛ لذلك من أجل إنقاذ الحضارة الغربية وإعادتها إلى المسار السوي، لا بد من إصلاح العقلية الحديثة، من خلال تجاوز مأزق التحريف الدلالي للألفاظ الذي يهيمن على حضارة الغرب الحديث، والذي أدى إلى تزييف الكثير من المفاهيم من مثل التراث، والمبادئ، والدين، والذي أدى إلى الخلط بين الدلالة الجوهرية والدلالة العرضية، حيث حصل عدم تمييزٍ بين ما هو حقيقيٌّ (مطلقٌ) وبين ما هو غيرُ حقيقيٍّ (نسبيٌّ متغيرٌ).
وهذا التحريف الدلالي لمفهوم المبادئ، من خلال إضفائها على القوانين العلمية هو الذي أدّى إلى التعميم التعسّفي، كما يعتقد غينون، لمناهج العلوم والحكم عليها بالصلاحية والمشروعية المطلقة ورفض كل ما سواها من مناهجَ، ما أدى إلى الانغلاق في ما يسميه غينون بالفكر المنظوماتي. وكانت النتيجة إنكار قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة أمام كثرة الافتراضات المتناقضة.

إذًا، يمكن القول إنّ غينون قد حرّر مفهوم التراث من تلك التحريفات التي التصقت به، والتي كانت تنظر إليه كمنتوجٍ بشريٍّ، ليصبح، مع غينون، بنيةً رمزيةً ذاتَ طرازٍ روحيٍّ، مستوحاةً من الوحي الإلهي، وموصولةً بعالم السماء، وترتكز على المبادئ القدسية لا العوارض الدنيوية. فلم يعد التراث مع غينون تلك التقاليد والعادات المشكّلة لبنية العقل الجمعي التاريخي الذي تشّكل في الماضي محدَّدًا في زمانٍ ومكانٍ، وانّتهى فيه.

إنّ التراث، بالمفهوم الغينوني، متجاوزٌ لحدود الزمان والمكان، ويتّسم بطابع الكلية، واللاتاريخية، لذلك حاول غينون، من خلال تصحيح المفهوم التراثي، تجاوز التحريفات الدلالية التي تهيمن على الحضارة الغربية، التي انتكست فيها الرموز، وأصبحت العلاقة بين الدوالّ والمدلولات علاقةً عرضيةً تتموقع في النسبيّ، بدلًا من أن تكون جوهريةً ساكنةً في المطلق.

إنّ تفكيك غينون لمرتكزات المجتمع الغربي الحديث مكّنه من كشف الخسارة في كل تجلّياتها، التي تجلّت في الفوضى التي اكتسحته وأدخلته في مرحلة التدهور. لقد خسرت الحضارة الغربية ورقة التفوق المادي التي راهنت عليها، معتبرةً إيّاها مقياسًا للتفوق الحضاري، والمآل كان خسارةً فادحةً، أدخلت الغرب إلى عصر ما بعد الحداثة، حيث العدمية والعبثية بكل مقولاتها تسيّج كيانه وتقذف به إلى مصيرٍ مجهولٍ، بل تنذر بانهياره.
لذلك حاول غينون، على الرغم من كل تلك الفوضى، أن يبحث عن منفذٍ لتلافي انهيار الحضارة الغربية، وكلّه أملٌ في إعادة الحضارة الغربية إلى المسار السوي. وما دامت الأزمة عند غينون روحية في الأساس، فإنّ الحل والعلاج سيكون من طرازٍ روحيٍّ أيضًا، فما فُقد ينبغي أن يُعاد، والذي افتقدته الحضارة الغربية هو الروحانيات؛ لذلك ما عليها إلّا أن تقوم بإعادة بعثها من جديدٍ، لتصحيح العقلية الحديثة والحد من الهيمنة المادية للكم.

فلو فُهم التراث التقليدي الأصيل الموصول بعالم السماء (الشرائع الربانية) الفهم العميق، لأدركت الحضارة الغربية أن التجربة الدينية الحقيقية ليست ممارساتٍ طقسيةً تندرج ضمن عاداتٍ روتينيةٍ تلتبس باليومي بشكلٍ لاشعوريٍّ، بل لعرفت أنّ الروحاني المقدس يعلو في مرتبته على الدنيوي المدنّس، ولعملت على تزويد الدين بما يجعله قادرًا على مواجهة لعنة العصر، في ظل تكالب القوى المادية الشيطانية عليه. وليس على هذه التجربة الروحية، لكي تتأقلم مع الوضع الراهن للإنسانية العليلة، أن تقدّم تنازلاتٍ للدنيوي على حساب المقدّس، ولكن عليها أن تُحرر هذا الأخير من بعض الغرور والاكتفاء الذي تدعيه بعض الممارسات الدينية والتي تختزله في مجرد علاقةٍ بين الله والعبد. إنّ حقيقة الدين تتجاوز علاقة الإنسان بالله إلى علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان، حيث تكتمل العلاقة بين المقدّس والدنيوي، فتكون العلاقة بين السماء والأرض وبين الأرض والسماء في حركتَيْ صعودٍ ونزولٍ، لتكون الغاية الأخيرة هي الصعود النهائي إلى العالم العلوي.
وبحسب غينون يمكن عن طريق الجمع بين التأمل والفعل إعادة إنتاج المعنى الروحاني، وإعادة بعث التراث الغربي المفقود، تحت هيمنة المادية الكمية، لأنّ التأمل يرتبط بالمبادئ، أما الفعل فيرتبط بالمتغيرات (العوارض)، والتأمل موصولٌ بالأعلى أما الفعل فموصولٌ بالأسفل، بالعالم الأرضي، إنّ الحل الذي قدمه غينون لإنقاذ الحضارة الغربية هو العودة إلى الحضارة الشرقية، يقول: «من الضروري أن يكون هناك تواصلٌ مع العقل التقليدي المفعم بالحياة، من أجل إيقاظ ما هو غارقٌ في نوعٍ من السبات، لاستعادة الفهم المفقود. ولنكرِّرْ أيضًا مرةً أخرى: إنّ هذا الأمر، بالذات، هو الذي سيحتاج فيه الغرب إلى معونة الشرق إذا كان يروم العودة إلى الوعي بتقليده الخاص».

فالعودة إلى الشرق، هي الأمل لإعادة بعث التراث الروحي الغربي، الذي اُفتُقد. إنّ الحضارة الشرقية، عند غينون، هي مهد التراث الروحي الذي، على الرغم من ارتداده اليوم، لم ينكسر، بل بقي نافذًا بقوةٍ في الذهنية الشرقية، ولو بشكلٍ متخفٍّ غيرِ بادٍ للعيان، لأنّ هذا التراث الروحي مستلهمٌ من العالم الفوقي المقدّس؛ إنّ ضمور التراث الروحي في الحضارة الشرقية مجرّد عارضٍ، وسنشهد قريبًا ظهوره الجلي مرةً أخرى.
إنّ الاستلهام من الروحانية الشرقية، لا يكون ناجعًا وفعّالًا، إلّا إذا تم تجسير الشقّة بين الشرق والغرب؛ لذلك حلّل غينون طبيعة العلاقة بين الحضارة الشرقية والغربية، محاولًا البحث عن سبلٍ لإنقاذ الحضارة الغربية المنتكسة من الداخل، محاولًا استمداد آليات الإنقاذ الروحي من الحضارة الشرقية.

الحكمة غير البشرية (العلم القدسي) لم تضِع، ولن تضيع. هي محتجبةٌ عن الأبصار فقط، وتحتاج إلى الصفوة بالمفهوم الغينوني لإعادة البعث والإحياء؛ لذلك فالولوج إلى جوفها العميق لا يؤتى لأولئك الموصولين بعالم الظاهر. إنّ غينون نفسه لو لم يكن مشدودًا إلى عالم السماء لما استبان له نور الحق، ولما انتزع الظلمة التي كانت تستغرقه في أسفاره التأمّلية. لقد كان متطلعًا إلى المعرفة، كان يتطلع إلى السماء، يريد أن يخترق الحجب، وأن يكشف القناع، وأن يرفع السواتر، وأن يصل إلى الحق.