البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب اليقظة: مرشد للروحانية بلا دين

الباحث :  إدارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  39
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 24 / 2025
عدد زيارات البحث :  290
تحميل  ( 677.166 KB )
معلومات النشر:
اسم الكتاب: اليقظة: مرشد للروحانية بلا دين
المؤلّف: سام هاريس
النّاشر: Simon & Schuster
مكان النّشر: USA
سنة النّشر: 2015
عدد الصّفحات: 170 صفحة

مقدمة
يقدم في هذا العرض مراجعة للكتاب المؤثر "اليقظة: مرشد للروحانية بلا دين" للكاتب سام هاريس. يستعرض النص رحلة الكتاب الاستكشافية في عالم الروحانية بعيدًا عن الأطر الدينية التقليدية، متمركزة حول مفاهيم الوعي ووهم الذات وقوة التأمل. كما حالونا أن نلقي الضوء على الحجج التي يقدمها الكتاب لدعم فكرة إمكانية تحقيق السعادة والتحرر من خلال الوسائل التجريبية كاليقظة الذهنية. وأولم نغفل عن تقديم نظرة نقدية تبرز بعض الثغرات الفلسفية والعملية في أطروحة هاريس.

الفصل الأول: الروحانية
كيف يمكن أن تزداد سعادة الإنسان عندما تُزال كل مصادر المتعة المادية والتشتت؟ هذا السؤال يدفعنا إلى استكشاف طبيعة الرفاهية الحقيقية، والتي قد تكمن في تغيير جودة الذهن نفسه. لطالما كنت غافلًا عن مدى اختلاف الحياة إذا تحوّل وعيي، حتى أدركت أن كل ما نسعى إليه يحمل وعدًا زائفًا بأننا، بمجرد تحقيقه، سنتمكن أخيرًا من الاسترخاء والعيش في الحاضر. لكن الحقيقة هي أننا نبحث عن السعادة دون أن نعلم أننا، في العمق، نسعى فقط إلى العودة إلى رضى اللحظة الحالية.

تجربتي مع عقار MDMA كشفت لي شيئًا عميقًا: شعرت بحب لا محدود لصديقي، ليس لأن الحب نما، بل لأن الحواجز التي تحجبه زالت. لأول مرة في حياتي، شعرت بالعقلانية الحقيقية. هذه التجربة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل هناك أبعاد أعمق للحالة الإنسانية لا تعترف بها الثقافة العلمانية أو العلم المادي؟ يشير الأمر إلى أن 20% من الأمريكيين يصفون أنفسهم بأنهم «روحانيون ولكن غير متدينين»، مما يدل على بحثٍ متجدد عن المعنى خارج الأطر التقليدية.

الروحانية، في جوهرها، هي محاولة لإحضار الذهن إلى الحاضر، سواء عبر التأمل، أو المخدرات النفسية، أو غيرها من الوسائل. وهذا الكتاب يدعوك إلى اختبار هذه الأفكار بنفسك، إذ إن كل ما فيه قابل للتحقق تجريبيًا. تُظهر الأبحاث أن التأمل يُحدث تغييرات طويلة الأمد في الانتباه والعاطفة والإدراك، بل ويُغيّر بنية الدماغ ووظائفه. لكن الموضوع الرئيسي هنا هو أن الشعور بـ«الأنا» قد يكون وهمًا، والروحانية الحقيقية تكمن في اختراق هذا الوهم.
الأدوات التي تحرِّرنا من سطوة الذات يمكن أن تكون مستقلّة عن الدين. فمن الممكن أن نختبر لحظات من الحرية من إحساسنا بالذات، حتى لو كانت عابرة. عندما ندرك أن التغير المستمر لا يمكن أن يكون مصدرًا للرضى الدائم، يبدأ الكثيرون في التساؤل: هل هناك سعادة أعمق من مجرد السعي للمتعة وتجنّب الألم؟ هل يمكن للإنسان أن يكون سعيدًا قبل تحقيق رغباته، وحتى وسط المعاناة؟

على عكس العديد من الملحدين، قضيت جزءًا كبيرًا من حياتي أبحث عن تجارب من النوع الذي ألهم نشوء الأديان. إدراكنا للتجربة هو ما يحدد شعورنا تجاهها، ومعظم ثقافتنا الإنسانية نتاجٌ لصراعنا بين الألم والمتعة. لكن الممارس الروحي الحقيقي يكتشف إمكانية الشعور بالارتياح دون سبب، ولو لوهلة. هذه الرفاهية الخالية من الذات موجودة في كل لحظة، ويمكن اختبارها دون الحاجة إلى الإيمان بالمعتقدات الدينية.

في المقابل، تفرض الأديان التقليدية قبول معتقدات غير مبررة، بينما تقدم تعاليم مثل «بالِي كانُون» – الأكثر موثوقية في البوذية – مسارًا تجريبيًا خاليًا من الخرافات. ومن السخرية أن يبحث الغربيون عن التنوير في الشرق بينما يسعى الشرقيون إلى الفرص الاقتصادية في الغرب! كثيرون في الغرب يرون أن البوذية ليست دينًا يعتمد على الإيمان، بل منهجًا عمليًا لفهم العقل.
الطريقة التي نستخدم بها انتباهنا هي التي تحدد من نكون. مجرد الانتباه إلى طبيعة العقل، وإلى أسباب المعاناة النفسية، وملاحظة التجربة بلحظتها، يكفي للسير في الطريق الروحي دون حاجة إلى الإيمان بأي شيء. الرفاهية النفسية لا تتطلّب بالضرورة إحساسًا قويًا بالذات، بل إدراكًا أن «الآن هو دائمًا». ومع ذلك، ننجح في تجنب السعادة أثناء سعينا لها، مما يجعلنا أقل رضًى مما يمكن أن نكون عليه.

للمبتدئين، تُعد تقنية «فيباسانا» (أو «اليقظة الذهنية») مدخلًا مثاليًا. هذه الممارسة، التي تعني «الوعي الواضح»، ليست مجموعة من الخرافات، بل تعدّ دليلًا تجريبيًا لتحرير العقل من المعاناة. الهدف هو الخروج من غيبوبة الأفكار المتكررة، ووقف ردود الفعل التلقائية، لنجد العقل منفتحًا كالسماء، مدركًا للحاضر دون جهد.
المشكلة ليست في الأفكار نفسها، بل في عدم إدراكنا أننا نفكر. نبحث عن الرضا في ما هو زائل، بينما يكمن الحل في إدراك زوال الأشياء بصدق. العقل – وليس الظروف – هو ما يحدد جودة حياتنا. إنه أساس كل تجاربنا، وكل ما نقدمه للآخرين، ولذا فإن تدريبه هو أهم استثمار ممكن. عندما نصحّح رؤيتنا المشوَّهة للواقع، نختبر حريةً من المعاناة غير الضرورية، ونكتشف أن السعادة الحقيقية كانت هنا طوال الوقت، في اللحظة الحالية.

الفصل الثاني: لغز الوعي
في صميم الحياة الروحية يكمن التحقيق في طبيعة الوعي نفسه، وتغيير محتواه من خلال تدريب متعمد. فكل تجاربنا، من أعمق لحظات اليقظة إلى أحلام النوم الغامضة، ليست سوى تعبيرات متغيرة لهذا الوعي الذي نحمله منذ المهد إلى اللحد. نحن لسنا مجرد أفكار أو مشاعر عابرة، بل نحن الوعي الذي يختبرها، والذي يظل هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها. فبينما قد نشكّ في كل شيء حولنا، يبقى الوعي نفسه هو الشيء الوحيد في هذا الكون الذي لا يمكن أن يكون وهمًا.
هذه الرؤية تضعنا أمام سؤال جوهري: إذا كنّا بالفعل هذا الوعي الخالص، وليس مجرد محتواه المتقلب، فكيف يمكننا أن نعيش هذه الحقيقة في حياتنا اليومية؟ وكيف يمكن لتدريب الذهن أن يحول تجربتنا من الداخل؟ الإجابة تكمن في إدراك أن كل لحظة هي فرصة للاستيقاظ من سبات الأفكار التلقائية، والعيش بانفتاح كامل على الحاضر، حيث لا يوجد سوى الوعي ومحتواه دون انقسام، ودون وهم.

الفصل الثالث: لغز الذات
نعيش جميعًا تحت وهم ذات ثابتة، نشعر أن تجربتنا للعالم تشير إلى وجود «أنا» متجذّرة فينا. نبحث بلا كلل عن الإشباع، بينما نرزح تحت رحمة التجربة المتغيرة التي لا تعرف الثبات. لكن الحقيقة المذهلة تكمن في أن هذه الذات التي نعتبرها جوهر وجودنا ليست سوى وهم ينكشف عند التمعّن الدقيق، وهو ما يمكن إدراكه من خلال ممارسات التأمل والوعي اليقظ.
في الحقيقة، لا توجد ذات ثابتة تُنقل من لحظة إلى أخرى. كل ما نعتبره شخصيًا، كل ما يميز وعيي عن وعي الآخرين، لا يتعلق بالوعي نفسه بل بمحتواه المتغير. الوعي هو ذلك السياق الشفاف الذي تظهر فيه موضوعات التجربة - صوت المرور في الخارج، إحساس الظهر على الكرسي، تدفّق الأفكار والمشاعر. من المنظور الشخصي، لا يوجد سوى الوعي ومحتواه، وهما الشيئان الوحيدان الموجودان حقًا.

ما نسميه «الهوية الشخصية» ليس سوى استمرارية نفسية من لحظة إلى أخرى، سلسلة من التجارب المرتبطة ببعضها عبر الذاكرة. هذه الذات التي نتمسك بها ليست موجودة في أي مكان يمكن تحديده، لكن غيابها يمكن إدراكه، وعندما يحدث ذلك، يزول الشعور بوجود ذات منفصلة، لتترك وراءها حرية ومساحة لا حدود لهما.
كل لحظة في يومنا، بل في حياتنا كلها، تمنحنا خيارًا أساسيًا: أن نكون مسترخين ومتجاوبين مع ما يظهر، أو أن نعاني بلا داعٍ بسبب تمسكنا بأوهام الذات. عندما نتعلم ملاحظة كيف تسبق الأفكار المشاعر، وكيف تهيئ المشاعر السلبية بدورها أنماط تفكير تحافظ على نفسها، نكتشف طريقًا نحو التحرر. رؤية هذه الحقيقة بوضوح قد تكون الفرق بين تجربة عابرة للغضب أو الخوف أو الاكتئاب، وبين معاناة تمتد لأيام أو أسابيع أو حتى أشهر.

المصدر الرئيسي لمعاناتنا يكمن في الفشل بإدراك أن الأفكار مجرد مظاهر في الوعي، وليست تعبيرًا عن ذات منفصلة تعيش داخل الرأس. الاعتقاد بأننا «مفكّرو أفكارنا»، أي عدم إدراك الطبيعة العابرة للتجارب الذهنية، هو الوهم الذي ينتج تقريبًا كل أنواع الصراعات البشرية والتعاسة.
لكن هناك بصيص أمل في هذه الرؤية: فما لا يصمد أمام الفحص الدقيق، ما لا يمكن العثور عليه عند البحث عنه بصدق، لا يمكن أن يكون حقيقيًا. وعندما ندرك هذا، نكتشف أن ممارسة الامتنان -التفكير فيما نكنّ له الشكر- يمكن أن تزيد من مشاعر الرفاه، وتقوّي دوافعنا، وتغير نظرتنا نحو المستقبل. ليس هذا فحسب، بل نكتشف أن كل لحظة تحمل في طياتها إمكانية للاستيقاظ من حلم الذات المنفصلة، والعيش في حرية حقيقية تتجاوز حدود الأنا الوهمية.

الفصل الرابع: التأمّل
تشير الأبحاث العلمية إلى أن السعادة لا تكمن في هروب العقل، بل في حضوره الكامل. فقد وجدت إحدى الدراسات أن الناس يكونون أقل سعادة عندما تتيه عقولهم، حتى لو كانت أفكارهم ممتعة. هذا التيه الذهني ليس بريئًا، خاصة عندما نعرف أن التوتر - وخصوصًا في مرحلة الطفولة المبكرة - يمكن أن يغير بنية الدماغ بشكل دائم. لكن الأمل ليس بعيدًا؛ فالعلم يخبرنا أن خمس دقائق فقط من التأمل اليومي لمدة خمسة أسابيع يمكن أن تزيد النشاط في مناطق الدماغ المرتبطة بالمشاعر الإيجابية.

اليقظة الذهنية[2] ليست مجرد ممارسة لتهدئة العقل، بل هي أداة قوية لتحسين الصحة الجسدية والنفسية. فهي تعزز وظيفة المناعة، تنظم ضغط الدم، تخفض مستويات الكورتيزول، وتقلل من القلق والاكتئاب والعصاب. كما تساعد على ضبط السلوك وترتبط بشعور أعمق بالرفاه. لكن هل الهدف الوحيد من هذه الممارسات هو تحسين المزاج؟
الحكمة الروحية العميقة تقول إن الهدف الأسمى يتجاوز مجرد الشعور الجيد؛ إنه التحرر من وهم الذات. كما يقول رامانا مهارشي: «المُفكّر هو الأنا. والأنا، إن تم السعي وراءه، سيختفي تلقائيًا.» ويضيف: «الواقع هو ببساطة زوال الأنا. دمّر الأنا من خلال البحث عن هويته. ولأنه ليس كيانًا حقيقيًا، فسيزول تلقائيًا، وسيتجلّى الواقع بنفسه».

هنا نجد تقاطعًا مدهشًا بين العلم والفلسفة الروحية. فكلاهما يشيران إلى أن ما نسميه «الأنا» ليس سوى ظهور وهمي داخل الوعي. الوعي نفسه هو الشرط الأساسي لكل تجربة، وهو حقل غير منقسم، حرّ، ونقي في جوهره، رغم تغير محتواه باستمرار. «الشيء الذي يعي الحزن ليس حزينًا. والذي يعي الخوف ليس خائفًا».
في هذا السياق، تبرز تعاليم الدزوغتشين[3] والأدفايتا[4] كأقرب المسارات إلى هذه البصيرة. فكما يُقال في الدزوغتشين: «اللا-ذات ليست سمة 'عميقة' من الوعي. إنها على السطح مباشرة.» لكن الخطر يكمن في أن يصبح التأمّل نفسه وسيلة لهروب جديد، وسيلة لتجاهل الحقيقة بدلًا من اكتشافها. فالكثير من الممارسات التأمّلية قد تتحوّل إلى محاولات لإخفاء الواقع بدلًا من رؤيته بوضوح.
الحل؟ احتضان محتوى الوعي في كل لحظة، دون هروب أو مقاومة. هذه الممارسة تُدرّب الذهن على الاستجابة بمرونة للمحن، بدلًا من الانجرار وراء ردود الفعل التلقائية. عندما نتعلم أن نرى الأنا كظاهرة عابرة في حقل الوعي، نكتشف أن التحرر ليس في الهروب من التجربة، بل في حضورها الكامل - دون التماهي معها.

هكذا، يجتمع العلم والروحانية في رسالة واحدة: السعادة الحقيقية ليست في الشتات الذهني، ولا في القمع العاطفي، بل في اليقظة التي ترى كل شيء كما هو... وتتحرر منه في نفس اللحظة.

الفصل الخامس : المعلمون الروحيون، الموت، المخدرات، وألغاز أخرى
في عالم البحث عن الحكمة، نجد أن لقب «المعلّم الروحي» أو «المرشد» قد يكون مجرّد انعكاس[5] لإجلال الأتباع، لا دليلًا على الحكمة الحقيقية أو الاستقامة الأخلاقية. هذه العلاقة المقدسة بين التلميذ والمعلم، رغم إمكانياتها الهائلة للنمو الروحي، تحمل في طياتها مخاطر جسيمة - من الاستغلال العاطفي والمالي إلى الانتهاكات الجنسية، مما يجعل الحكمة الحقيقية تكمن في الحذر الواعي.
في بعض التقاليد الروحية، تتحول أدوات التحرر إلى وسائل قمع، حيث يُعاد تفسير أي اعتراض أو شك من التلميذ على أنه «خوف» أو «تعلق»، مما يسهل عملية التلاعب النفسي. وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لمسارات التحرر أن تتحول إلى قيود جديدة؟
الحقيقة أن كثيرين يلجأون إلى الزهد والروحانية ليس كاختيار حر، بل كلجوء من الفشل في العالم المادي، مستخدمين التعاليم الروحية كغطاء لقلة الطموح أو الهروب من الواقع. لكن الروحانية الحقيقية لا تعني الهروب، بل المواجهة الشجاعة - مواجهة حقيقة أن الملل ليس صفة في الأشياء، بل هو غياب للانتباه الحي.

الممارسون الحقيقيون للتأمل ليسوا أولئك الذين يطالبون بالتبجيل، بل الذين يساعدون الآخرين على كشف طبقات وعيهم. ولحسن الحظ، ليس علينا بلوغ نهاية الطريق لنذوق ثماره - مجرد البدء برحلة الوعي يكفي لتحقيق تحول ملموس.
من منظور التجربة المباشرة، نكتشف أن «الذات» التي نعتقدها ثابتة ليست سوى وهم - ما يوجد حقًا هو الوعي ومحتوياته المتغيرة. هذا الإدراق يمكن بلوغه حتى دون مخدرات، فكل ما يظهر تحت تأثير مواد مثل LSD هو إمكانية كامنة في الدماغ نفسه. هذه التجارب، رغم إمكانيتها في إظهار أعماق من الطمأنينة غير المألوفة في الوعي اليومي، تبقى مجرد بوابات، وليست الوجهة النهائية.
جوهر التقدم الروحي الحقيقي يكمن في التحرر التدريجي من التعلّق بالمحتوى الذهني، الأفكار العابرة، المشاعر المتقلبة، والرغبات الدائمة. إنها رحلة لا تتطلّب إنكار العالم، بل فهمه بشكل أعمق، حيث يصبح كل لحظة فرصة للاستيقاظ من أوهام الذات، والوجود في حيوية اللحظة الحاضرة، بوعي حر وقلب منفتح.

الخاتمة:
يعتقد معظم الناس أن الدين يقدم شيئًا فريدًا لا يمكن العثور عليه خارج أطره المحددة، ويقدّم نوعًا من الحكمة أو الخلاص الذي لا يتوفر بأي طريقة أخرى. لكن الحقيقة الأعمق تكمن في أن جودة حياتك، في سير الأحداث الطبيعي، تتحدد في النهاية بطريقة عمل عقلك وإدراكك، وليس فقط بالمعتقدات أو الطقوس الخارجية.
الروحانية الحقيقية لا تبدأ بالبحث عن تجارب خارقة، بل بتقدير العادي واليومي. ففي هذا التقدير البسيط للحظة الحاضرة، قد نكتشف فجأة بوابات إلى ما هو غير عادي - رؤى وتجارب تتجاوز المألوف. كل لحظة من الوعي الحاضر تحمل في طياتها عمقًا لا يُقاس، مهما بدت عادية أو مكرورة.

والأهم من ذلك، أنه رغم كل عيوبك ونقائصك، هناك شيء فيك الآن - في هذه اللحظة بالذات - نقي وسليم. هذا الجوهر لا يحتاج إلى وسيط أو معتقد خارجي ليكتشفه، بل هو متاح لك مباشرة، إذا ما توقفت وأدرت انتباهك إلى الداخل. إنه نداء صامت ينتظر منك فقط أن تفتح عينيك وتنظر، ليس إلى الخارج، بل إلى حقيقة وجودك كما هو، هنا والآن.
هذه الرؤية لا تلغي قيمة الدين، لكنها تذكرنا أن العمق الروحي الحقيقي لا يعتمد على الانتماء الخارجي، بل على الاستيقاظ الداخلي. ففي النهاية، سواء عبر الدين أو خارج إطاره، المسار الجوهري يبقى واحدًا: أن نتعلم رؤية ما هو أمامنا، وما فينا، بوضوح كامل، دون حواجز أو أوهام.

ملاحظات نقدية:
الكتاب يقدم رؤية جديدة لادينية للاهتمام حول السعادة والوعي والروحانيات، لكنه لا يخلو من ثغرات فلسفية وعملية تستحق النقاش. هنا بعض النقاط النقدية الرئيسية:

1. تبسيط مفهوم «السعادة» و«الرضى»
يدّعي الكتاب أن السعادة الحقيقية تكمن في «اللحظة الحالية» وخارج إطار المتعة المادية، لكنه يتجاهل أن البشر كائنات معقّدة تتأثر سعادتها بعوامل متشابكة: بيولوجية، واجتماعية، واقتصادية. فكرة أن «التأمّل» أو «اختراق وهم الذات» كافٍ لتحقيق السعادة الدائمة قد تكون مثاليةً أكثر من اللازم. فحتى أعمق الممارسين الروحيين يعانون من الألم، والمرض، وفقدان الأحباء، ولا يمكن اختزال معاناتهم في مجرد «عدم وعي كافٍ».

2. تجاهل دور السياق الثقافي والاجتماعي
التركيز على «التحرر من الذات» قد يكون مفيدًا لفرد يعيش في بيئة مستقرة، لكنه قد يصبح هروبًا من مواجهة الظلم أو الاضطهاد في سياقات أخرى. بعض الفلسفات الشرقية (مثل البوذية) نشأت في مجتمعات تقليدية ذات شبكات أمان اجتماعي، بينما يعيش الإنسان المعاصر في عالم معقد يتطلب أحيانًا تعزيز الذات لا تفكيكها. الروحانية التي تتجاهل العدالة الاجتماعية قد تتحول إلى مسكّنٍ نفسي بدلًا من أن تكون حلًا جذريًا.

3. الاعتماد على تجارب مخدرة كدليل
الاستشهاد بتجربة MDMA كمثال على «الحب غير المشروط» أو «العقلانية الحقيقية» مشكوك فيه علميًا. المواد المخدرة تخلق حالات مؤقتة لا تعكس بالضرورة حقيقة الوعي، بل تشوّهه بطريقة قد تبدو عميقة. الاعتماد على مثل هذه التجارب يذكرنا بأخطاء حركة «الثقافة المضادة» في الستينيات، التي[6] روّجت للمخدرات كطريق مختصر للتنوير، بينما أدّت في كثير من الأحيان إلى إدمان وانهيارات نفسية.

4. نزعة اختزالية تجاه الدين
الانتقاد الموجه للأديان (مثل المسيحية والإسلام) باعتمادها على «معتقدات غير عقلانية» يتجاهل أن هذه الأديان ليست مجرد مجموعات عقائدية، بل أنظمة أخلاقية واجتماعية وحضارية ساهمت في تشكيل العالم. كما أن فكرة أن البوذية «علمانية» أو «غير دينية» تبسيط خاطئ، فالكارما والتقمص مثلًا جزء أساسي من المعتقد البوذي التقليدي، ولا يمكن فصلها عن ممارساته الروحية.

5. تفاؤل مفرط بشأن «اليقظة الذهنية»
رغم فوائد التأمّل المُثبتة علميًا، فإن تحويله إلى حل سحري لكل المشكلات النفسية يبالغ في قدراته. بعض الدراسات تشير إلى أن التأمل قد يؤدي إلى تفاقم القلق أو الذهان لدى بعض الأشخاص. كما أن التركيز على «الحاضر» قد يُضعف القدرة على التخطيط للمستقبل أو التعلم من الماضي، وهما مهارتان ضروريتان للحياة العملية.
كما أن الكتاب يركز على العقل كـ«مصدر لكل المعاناة»، لكنه يتجاهل دور الابعاد الحيوية، الهرمونات، والصحة الجسدية في تحديد المزاج. السعادة ليست مجرد «إدراك»، بل هي أيضًا نتاج لنوم كافٍ، تغذية سليمة، وعلاقات اجتماعية داعمة.

6. إهمال الجذور الثقافية:
الفكرة القائلة بأن الوعي يمكن فصله عن محتواه هي في الأساس مفهوم غربي معاصر متأثر بـ:
- الرومانسية الألمانية
- التأويلات الاستشراقية للبوذية
- حركات نيوايج في القرن العشرين
وليس فهمًا عالميًا أو[7]متجاوزًا للثقافات كما يوحي النص.

--------------------------------
[1]. Waking Up: A Guide to Spirituality Without Religion
[2]. Mindfulness
[3]. Dzogchen
[4]. Advaita
[5]. Guru
[6]. Counterculture
[7]. New Age