الباحث : حسين إبراهيم شمس الدين
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 40
السنة : خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث : 42
الفلسفات المضافة عمومًا هي نوع من المساءلة لأصول ومبتنيات الأفكار التي تتناولها وتضاف إليها، ففلسفة الأخلاق بناء على هذا، هي فعل المساءلة لقضايا مرتبطة بالبنية التحتية للنظام القيمي والأخلاقي، ويمكن تصنيف أسئلة فلسفة الاخلاق ضمن ثلاثة مستويات أساسية:
1. البنية الأنطولوجية للحكم الاخلاقي
2. البنية الإبستمولوجية للحكم الاخلاقي
3. البنية اللسانية- الدلالية للحكم الاخلاقي
أما في البنية الأنطولوجية فإن البحث يتركز حول علاقة الحكم القيمي/ الأخلاقي بالواقعية الوجودية، فهل يرتبط الحكم بقبح الظلم مثلًا أو قبح الكذب أو حسن العدل وحسن الصدق بالواقعية التكوينية؟ ومن أي سنخ الارتباط هو: هل العلاقة هي علية أو علاقة أولوية وحسن فقط؟ هل النظام العام للوجود هو الذي يقتضي نوعًا من النظم الأخلاقي، أم أن هذه المسألة جاءت نتيجة اضطرار وحاجة اجتماعية على سبيل المثال؟
وأما بالنسبة للبنية الابستمولوجية، فتكون المساءلة للنظام القيمي من جهة أصل وجود واقعية قيمية لنا أن نصيبها، وأنه هل توجد في الحقيقة آليات استدلالية خاصة بالنظام القيمي والحكم الأخلاقي؟ أم المسألة تابعة لمجرد المشاعر والوجدان الذي قد يقال بأنه في جزء كبير منه نسبي ويختلف من مجتمع إلى آخر، ومن ثم ما هي درجة المطابقة بين الحكم نفسه والواقعية القيمية؟
وأخيرًا بالنسبة للبنية اللسانية للحكم الأخلاقي يأتي الكلام حول ماهية الجمل الاخلاقية، وهل هي جمل انشائية محضة أم لها بعد خبري؟ وإذا كانت انشائية فهل يصدق عليها حكم معياري بحيث يصح وصفها بالصدق أو الكذب أو لا يمكن؟ وبالتالي إذا كانت الأخلاق لا تخبر عن واقعية فعلى أي أساس يبنى عليها «علم» مع أن العلم لا بد أن يكون علمًا بمعلوم له واقعية؟
هذه الأصناف من الأسئلة البنيوية هي التي بنيت عليها فلسفة الأخلاق، ولا نكون مبالغين إذا ادعينا أن كل المدارس في فلسفة الاخلاق ترجع إلى اتخاذ موقف تجاه القضايا والأحكام الاخلاقية في أحد هذه المستويات الثلاثة.
ثم إن هذه المستويات الثلاثة – الانطولوجية والابستمولوجية واللسانية- مترتبة على بعضها ولا يمكن أخذ مواقف في بعضها يتعارض مع المواقف في الأخرى، بل إن الموقف الذي نتبناه في الرؤية الانطولوجية للقيم لا بد أن يكون مؤثرًا في موقفنا الابستمولوجي واللساني.
على سبيل المثال، بعض المذاهب في فلسفة الاخلاق تدعي أن القضايا الأخلاقية ليس لها واقعية وراء ما هو موجود في الأذهان، فلا يقولون بالبعد الانطولوجي الواقعي للمنظومة القيمية، ويعتبرون أن هذا النظام نشأ نتيجة اضطرار اجتماعي أو نتيجة بيولوجيا الإنسان المتطور وبحسب اقتضاءات الانتخاب الطبيعي، كما قد يستوحى من نظرية العقد الاجتماعي في فلسفة الاخلاق ونظرية الأخلاق التطورية، فعلى هذين القولين، لا يمكن القول بوجود حتمية قيمية كالحتمية الواقعية، بخلاف فلسفة الاخلاق التي تؤمن بالواقعية الاخلاقية وأنها في الحقيقة ترتكز على واقعية انطولوجية حتمية، من قبيل الغاية الإنسانية وأن الإنسان من حيث فطرته وأصل وجوده طالب تكوينًا لشؤون وجودية يتلبس بها، قد يعبر عنها أحيانًا بالمقامات الروحية أو المعنوية أو المنازل الأخروية وغير ذلك، وكما يكون طالبًا تكوينًا على نحو العطش التكويني الجسماني الطالب لواقعية الماء، فإنه يكون كذلك بالنسبة للنظم القيمي بحيث يكون تابعًا لواقعية الغاية والمنازل والمقامات والكمال الأقصى له.
وكذلك الأمر بالنسبة لبحث الاستدلال القيمي أو ما يطلق عليه أحيانًا «التعليل الاخلاقي» والذي يدخل ضمن سياق ابستمولوجيا الحكم القيمي، فلعل بعض المذاهب في الفكر الغربي وجدت أن الواقعية الادراكية للقيمة الاخلاقية لا معنى لها، وبالتالي لا مفر من القول بنسبية القيم، وأنه لا يوجد شيء اسمه «النظام القيمي المتعالي» على القوميات والأعراق والجغرافيا والزمان، وأن القيم والاخلاق ليست من الأمور التي نستدل عليها سواء أكان في مواقف فردية أم في قواعد عامة، فالمنفعة مثلًا هي المحدد لمدى حجية أو مطلوبية سلوك ما، بخلاف ما نجده واضحًا في النظام القيمي الإسلامي الذي يعتبر أن التعليل الاخلاقي قائم على أصول استدلالية تبعًا لوجود واقعية خارجية تحكم الفضائل والرذائل، كما تقدمت الإشارة إليه.
وأخيرًا بالنسبة للمستوى الثالث من مساءلات فلسفة الاخلاق، أي اللسانيات القيمية، فبعض المذاهب ذهبت إلى أن القضايا التي نعبر بها عن الفضائل والقيم والاخلاق ليست من قبيل القضايا الإخبارية، بل هي نحو من إنشاء الطلب أو النهي، فمرجع قول القائل «الظلم قبيح» يعني «لا تفعل الظلم» وبالتالي هي لا تخبر عن واقع، بخلاف المذهب الإسلامي الفلسفي الذي يرى أن القضايا الأخلاقية وإن أمكن صياغتها بصيغ إنشائية لكن لها منشأ تكويني خارجي، فالقبح والحسن، والفضيلة والرذيلة، إنما هي تعبير عن ارتباط واقعي بين الإنسان وغايته، يتم إظهارها بهذه الجمل، ومن ثم فإن أي أمر أخلاقي يخبر عن ارتباط بين الغاية القصوى للإنسان وبين فعله وممارساته ونياته ومن هنا يكون إما صادقًا أو كاذبًا.
وعليه ففي الفكر الإسلامي، نجد أن فلسفة الأخلاق راعت السير المنطقي لهذه المستويات، حيث قد قدمت الإجابات المتمحورة حول «الواقعية»، فنحن أمام واقعية أنطولوجية وواقعية ابستمولوجية وواقعية دلالية -لسانية يطرحها الفلاسفة والمتكلمون الإسلاميون عمومًا، بحيث نجد أن عبارة «العدل حسن» أو «العدل فضيلة أخلاقية» تحمل معنى إخباريًا دالًا بحيث يصح وصفها بأحد الاعتبارات بالصدق ومن ثم فهي من الناحية الابستمولوجية قابلة للتعليل والبرهنة، وليست وليد حاجة اجتماعية فقط، وكذلك فإن تعليلها يكون من خلال إثبات مطابقتها لنفس الأمر غير الخاضع لاعتبار المعتبرين.
وقد صرّح الحكماء بهذا البعد للأخلاق، سواء أكان المقصود منه بعد الأخلاق في منشأها أم في مآلاتها وغاياتها وفق ما تظهر عليه في الآخرة، حيث قال ملا هادي السبزواري في بعض كلماته: «إن مطالب حكمة تهذيب الأخلاق أحوال الموجود الطبيعي الذي هو النفس المتعلقة بعالم الطبيعة ومن هذه الجهة يبحث عنها الحكيم الطبيعي أيضا»[2]. ويظهر من هذه الكلمة إدخاله البحث الأخلاقي في الحكمة الباحثة عن الواقع والوجود من جهة بحثه عن واقعية الأخلاق في تأثيرها على النفس.
وكذا بالنسبة لمآلات الأخلاق يقول: «الصور [الأخروية] هناك من لوازم الأخلاق والملكات الحاصلة من تكرر الأعمال والحركات التي هاهنا»[3].
ومن الإشارات اللطيفة في هذا المجال ما ذكره العلامة الحلي عند تقسيمه لموضوعات العلوم حيث قال إن موضوع العلم الاخلاقي هو النفس في قواها، وهي بمنزلة علم الطب في بحثها عن هذه القوى وإن كان من حيثيتين مختلفتين، قال: «إما أن لا يكون الموضوع شيئا واحدا بل يكون شيئين مختلفين فإما أن يكون بينهما تشارك في البعض أو لا يكون فإن كان فهو مثل الطب و الأخلاق فإن موضوعهما يشتركان في البحث عن القوى الإنسانية لكن عن جهتين مختلفتين و لذلك يقع لبعض مسائلهما اتحاد في الموضوع»[4].
ختامًا، يتجلى لنا أن النقاش المحوري في فلسفة الأخلاق يدور حول طبيعة القيم ومصدرها ومعيارها. وقد اتضح أن المذاهب الأخلاقية المختلفة تتفرع بناءً على موقفها من الأسئلة الأنطولوجية (هل للأخلاق واقعية مستقلة ونفس أمر؟)، والإبستمولوجية (كيف نعرف الصواب والخطأ؟)، واللسانية (ماذا تعني العبارات الأخلاقية؟).
ويبرز من هذا التحليل أن الموقف من هذه المستويات مترابط لا ينفصل؛ فالإيمان بواقعية القيم الأنطولوجية يقتضي الإقرار بإمكانية معرفتها وإخبارية عباراتها. وفي مقابل النظريات التي اختزلت الأخلاق في المنفعة أو العقد الاجتماعي أو التعبير عن الانفعالات، يقدم التراث الفلسفي الإسلامي رؤية تؤسس للأخلاق على واقعية وجودية، تجعل من الفضائل والرذائل تعبيراً عن حقيقة ارتباط الإنسان بغايته التكوينية في سيره نحو الكمال.
وهكذا، تظهر فلسفة الأخلاق كخريطة طريق وجودية واقعية، تحدد معالم السلوك الإنساني انطلاقاً من رؤية شاملة لطبيعة الإنسان وموقعيه في هذا العالم، وغايته من الوجود، مؤكدة أن الحكم الأخلاقي ليس مجرد اصطلاح اجتماعي او سيكولوجي او حتى بيولوجي – كما يذهب إليه القائل بفلسفة الأخلاق التطورية- عابر، بل هو انعكاس لحقائق تكوينية ثابتة، تجعل من السلوك الفاضل سبيلاً إلى تحقيق الذات وإدراك الغاية من الخلق.
---------------------------
[1]. مدير تحرير مجلة الاستغراب
[2]. صدرالدين شيرازى، محمد بن ابراهيم، الشواهد الربوبية فى المناهج السلوكية، مؤسسة التاريخ العربي - بيروت، 1417 هـ.ق. (حاشية ملا هادي السبزواري، 2: 402)
[3]. صدرالدين شيرازى، محمد بن ابراهيم، الشواهد الربوبية فى المناهج السلوكية، مؤسسة التاريخ العربي - بيروت، 1417 هـ.ق. 2: 547(حاشية ملا هادي السبزواري، 2: 547)
[4]. العلامة الحلي، حسن بن يوسف، الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد، 218، بيدار - قم،الطبعة الخامسة، 1371 هـ.ش.