الباحث : السيد عبد الرؤوف أفضلي
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 40
السنة : خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث : 53
الخلاصة:
لقد كانت الأخلاق حاضرة وظاهرة في حياة الإنسان على الدوام، وقد تركت تأثيرها في سلوكه بشكل وآخر. ولتفسير الأخلاق يتم العمل نوعًا ما على توظيف الدين، بيد أن الملحدين الجدُد ـ ومن بينهم ريتشارد دوكينز ـ يسعون إلى إحداث شرخ بين الدين والأخلاق، ويعملون على بيان الأخلاق استنادًا إلى معطيات العلوم التجريبية. لقد سعينا في هذه المقالة ـ التي تمّ تدوينها في ضوء الأسلوب التوصيفي/ التحليلي ـ إلى العمل أولًا على بيان نظرية الأخلاق التطورية لريتشارد دوكينز من خلال الاستناد إلى أعماله وإيضاح تفسيراته، ثم سعينا بعد ذلك إلى نقد نظريته في ضوء أفكار الفلاسفة، ولا سيما المتكلمين المسلمين منهم. وحيث إن هذه النظرية تمثّل نوعًا من أنواع الواقعية الأخلاقية، فإنها تعدّ جديرة بالملاحظة، ولكنها تواجه الكثير من التحدّيات المتنوّعة. ومن بين الانتقادات المهمّة الواردة على هذه النظرية: عدم إثبات فرضية تشارلز دارون، وعدم التضاد بين الدين والأخلاق، والسقوط في فخ النسبية، ونقاط الضعف المنطقية للاستدلال، وعدم الجامعية وما إلى ذلك.
الكلمات المفتاحية: الأخلاق التطورية، العلم والدين، نظرية التكامل، تشارلز دارون، ريتشارد دوكينز.
المقدمة
يذهب ريتشارد دوكينز إلى الاعتقاد بعدم إمكان تفسير الأخلاق بالاستناد إلى الدين؛ وذلك لأن الأخلاق أقدم من الدين. وحيث تكون الأخلاق متقدمة على الدين، وتكون الأخلاق موجودة قبل أن يظهر الدين، لن يكون بمقدور الدين ـ بطبيعة الحال ـ أن يُفسّر الأخلاق، وإلا لزم من ذلك تقدّم الشيء على نفسه، وهو محال. يضاف إلى ذلك أن بعض تعبيرات ريتشارد دوكينز قد تحكي عن التباين بين الدين والأخلاق[3]، ولكن يبدو أن الاتجاه الأصلي يقوم على أساس التضاد بين الدين والأخلاق. وعلى الرغم من أن بعض الأديان تؤمن بالأخلاق، بل وتدعي أن الأخلاق تحظى بأهمية عالية عندها، ولكن ريتشارد دوكينز يزعم أن الوضع ليس على هذا المنوال دائمًا، وأن الدين ليس في موضع يمكّنه من التناغم مع الأخلاق.
إن الدور المحوري في الأديان محجوز للإله، وإن صفات الله الأخلاقية من شأنها أن تكون نموذجًا يُحتذى من قبل العباد، ولكننا نعلم أن صفات الله لا يمكن الدفاع عنها من الناحية الأخلاقية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ لو أخذنا إله الإنجيل بنظر الاعتبار، سوف نجد أنه يتّصف بصفات لا تنسجم مع القيَم الأخلاقية أبدًا. فهو حسود ومتكبّر وظالم وغليظ القلب ومنتقم وسفّاك للدماء وعنصري وقاتل للأطفال، وحاقد على المرأة، ومجرم، وما إلى ذلك من الصفات الأخرى. ولو أن شخصًا عاديًا قد حمل هذه الصفات، فسوف نرفضه، وسوف نعمل على طرده من بيننا لدواعٍ أخلاقية، ولكن كيف يمكن لإله الأديان أن يتّصف بهذه الصفات، ومع ذلك نعتبره بوصفه خالقًا وقدوة ولا نطرح هذا السؤال، ونقول: كيف يمكن لهذه الصفات أن لا تتنافى مع الأخلاق؟[4] وعلى هذا الأساس فإن الأخلاق يجب أن تمتلك الاستقلال ولا تحتاج إلى دعامة، أو يجب أن نبحث لها عن دعامة أخرى. إن الاستقلال الأخلاقي ـ من وجهة نظر دوكينز ـ وإن كان أمرًا ممكنًا، وقد دافع عن ذلك فلاسفة من أمثال إيمانوئيل كانط[5]، ولكن يمكن الحصول لها على تفسير أحيائي أو تطوري أيضًا. يرى ريتشارد دوكينز أنّه كما يمكن العمل على تجزئة وتحليل الدين في ضوء التعاليم الداروينية، يمكن العمل كذلك على تحليل وبيان الأخلاق في ضوء المفاهيم الداروينية أيضًا[6].
على الرغم من أن أصل نظرية الأخلاق التطورية ليست من مختصّات ريتشارد دوكينز، وإنه قد سبق لأشخاص ـ من أمثال روبرت هايند[7] في كتابه (لماذا الحسن حسن؟)، ومايكل شيرمر[8] في كتابه (العلم الحسن والقبيح)، وروبرت بروكمان[9] في كتابه (هل يمكن للحسن أن يكون من دون الله؟)، ومارك هاوسر[10] في كتاب (الأذهان الأخلاقية) ـ قد استدلوا لصالح الأخلاق التطورية بالتفصيل، ولكننا سوف نتعرّف هنا على قراءة ريتشارد دوكينز لهذه النظرية. ولحسن الحظ فقد تمّ التعرّض في بعض الأعمال باللغة الفارسية[11] لموضوع الأخلاق التطورية لريتشارد دوكينز، ولكن حيث إن هذه الأعمال إما أنها تسعى إلى نسبة الأخلاق إلى الجينات، ولكنها لا تقول كيف أمكن للجينات أن توجد الأخلاق[12]، أو أنها تتحدّث عن الآلية الأخلاقية للدين دون أصل منشأ الأخلاق[13]، أو أنها تتحدّث عن النشاط الأخلاقي للدين دون نقده[14]، فإنها لا تغنينا عن كتابة هذه المقالة. لقد عملنا في هذه المقالة ـ بالإضافة إلى السعي إلى تقديم تفسير قابل للفهم لنظرية ريتشارد دوكينز استنادًا إلى أعماله ومن خلال الاستعانة بالمفاهيم المحليةـ على بيان بعض الانتقادات الجديدة في حقل النقد عبر الاستفادة من الانتقادات البنّاءة للمتكلمين المسلمين ولا سيّما منهم آية الله الشيخ الشهيد مرتضى المطهري وآية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي.
مدّعى نظرية الأخلاق التطورية
يذهب ريتشارد دوكينز إلى الظن بأن الدراسات تثبت أن الأخلاق والمفاهيم الأخلاقية يمكن تفسيرها في ضوء نظرية التطور، وإن الأمثلة المقدّمة في هذا الشأن تثبت هذا الأمر. إن الشيء في نظرية التطور إنما يمكن له أن يبقى فيما لو كان هو الأصلح من حيث الانتخاب الطبيعي، وأن يتمكّن من التأقلم مع الظروف، وأن يكون مفيدًا ونافعًا. وبالنظر إلى أن الأخلاق يمكن لها أن تؤثّر في بقاء الفرد بنحو من الأنحاء، إذن يمكن لها أن تقع موردًا لتأييد الانتقاء الطبيعي. وعلى هذا الأساس يمكن لنا بل ويجب علينا أن نمتلك أخلاقًا تطورية أو داروينية. قد يظن بعض الأشخاص أن نظرية دارون القائلة بأن التطور يسير بتوجيه من الانتقاء الطبيعي، غير مناسبة لتفسير محاسن من قبيل: الأخلاق والشرف والعطف والتراحم. نعم يمكن للانتقاء الطبيعي أن يفسّر الجوع والخوف والشهوة الجنسية؛ وذلك لأن جميع هذه الأمور تساعد بشكل مباشر على بقاء أو حفظ جيناتنا، بيد أن الأمور التي هي من قبيل: التضحية والإحسان والإيثار، ليست من هذا النمط. عندما نشاهد يتيمًا يبكي، أو عجوزًا فقدت أولادها وذويها ولم يعد لها أحد يؤنس وحدتها ويسكن وحشتها، أو نرى حيوانًا يعاني، فإننا نتألم لهذه المشاهد. لماذا يوجد هذا الشعور لدينا؟ وما هي الفلسفة الوجودية لهذا الشعور؟ وهل يمكن تقديم تفسير تطوري له؟ ما هو الشيء الذي يمنحنا هذا الشعور والدافع القوي لكي نرسل المساعدات النقدية والعينية إلى الضحايا والمنكوبين بالزلزال الذي ضرب بلدة في نقطة نائية من العالم لا أمل لنا برؤيتها في حياتنا أبدًا؟ من أين ينشأ هذا الشعور بضرورة الإحسان إلى الآخرين والتعاطف معهم؟ أو هل الإحسان يتنافى مع نظرية «الجين الأناني»؟ يجيب ريتشارد دوكينز عن هذا السؤال بالنفي، وأنه لا يوجد أيّ تعارض بين الإحسان والجين الأناني. فكما أن الاختيار الطبيعي يبرّر وجود الجين الأناني، فإنه يعمل كذلك على تبرير وجود دوافع الإحسان والتعاطف أيضًا[15].
تفسير الأخلاق التطورية
دور الصفات الأخلاقية في بقاء الإنسان
يرى ريتشارد دوكينز أن بعض أفعالنا الأخلاقية تتألف من الإحسان إلى الأقارب والأرحام. وقد وردت التوصية في الأديان السماوية ـ ومن بينها الإسلام ـ بالإحسان إلى الأقربين أو ما يُصطلح عليه بـ «صلة الأرحام» كثيرًا. وتبلغ أهمية صلة الرحم في الإسلام حدًا بحيث ورد التأكيد عليها في الكثير من آيات القرآن الكريم[16]، وقد ورد في القرآن لعنُ الذين يقطعون أرحامهم ولا يصِلُونهم[17]. كما ورد الاهتمام في الروايات بموضوع صلة الأرحام كثيرًا، إلى الحد الذي عُدّ معه ترك صلة الرحم أو قطع الرحم بوصفه من أكبر الذنوب والمعاصي بعد الشرك بالله[18].
ولكن ما هي فلسفة صلة الرحم؟ ولماذا يجب علينا أن نحسن للأقربين والأرحام؟ يرى ريتشارد دوكينز أنه من الواجب علينا أن نحسن للأقارب من الناحية الأخلاقية؛ وذلك لأن هذا الأمر يساعد على بقاء الإنسان وتكثير نسله. نعلم جميعًا أن الجينات أنانية وأنها تقوم بفعل كل شيء من أجل بقائها وبقاء حاملها، سواء أكان هذا الفعل هو القضاء على الجينات المنافسة لدى الخصوم أو العمل على تقوية الفرد الحامل للجينات المماثلة. وإن من بين طرق تقوية الفرد الحامل للجين الوراثي المماثل هو إجباره على القيام بالأعمال الفدائية والإحسان إلى الأقربين والتضحية من أجلهم. إن الإحسان إلى الأرحام يبدو في الظاهر إيثارًا، ولكنه في الواقع والباطن هو عمل أناني ويؤدّي إلى تكثير الجينات المشابهة للفرد المضحي، غاية ما هنالك أن الإحسان إلى الأقربين قد يؤذي في الحدّ الأدنى إلى الفرد نفسه. وبعبارة أخرى: قد يتضرر الفرد المحسن في هذا المسار، وقد يتلاشى في نهاية المطاف، بيد أن عمله وإحسانه هذا سوف يكون سببًا في أن تحصل الجينات المماثلة لجيناته وأن تنتشر في وجود الأرحام والأقربين، ويمكن لها أن تنمو، وبهذه الطريقة يُكتب لها التكاثر. وإن تكثير الجينات المشابهة لجينات الفرد المضحي، إنما هو في الواقع تكثير لجينات الفرد نفسه. وعلى هذا الأساس فإن الجينات من خلال إيجاد صفة الإيثار لدى الفرد من أجل أرحامه، إنما تعمل في الواقع على إعداد الأرضية لتكثير الفرد لنفسه[19].
إن الجزء الآخر يتألف من الأفعال الأخلاقية من وجهة نظر ريتشارد دوكينز تجاه الغرباء أو الأجانب ومن غير الأرحام. تذهب الكثير من المدارس الأخلاقية ـ ومن بينها المدرسة الأخلاقية للإسلام ـ إلى التأكيد على الإحسان إلى الآخرين ومن بينهم غير الأقارب، وقد ورد الأمر بذلك في الكثير من آيات القرآن الكريم[20]. في حين أن الشخص المحسن ورد عنه في بعض آيات القرآن الكريم أنه آمنٌ من الخوف من الله سبحانه وتعالى[21]، وفي ضوء بعض الآيات نجد المحسنين على طريق الهداية، وإنهم سوف يصلون في نهاية المطاف إلى الفوز والفلاح[22].
وقد ورد الحديث في الروايات عن الإحسان بوصفه من أفضل المتاع إلى الآخرة[23]، وأنه رأس الإيمان[24]، والدليل على الإيمان الصحيح[25]، وأنه السبب في رفع المكانة والمنزلة[26] وما إلى ذلك. ولكن لماذا يجب الإحسان إلى الآخرين؟ وما هي الحكمة من الإحسان إلى الآخرين؟ إن السبب في إيجاد هذا النوع من الصفات الأخلاقية لدى الفرد يكون ـ من وجهة نظر ريتشارد دوكينز ـ من قبل جينات المساومة أو توقع الفعل المتقابل. إن فاعل الخير أو المضحّي من خلال قيامه بأفعال الخير والإحسان إنما يحصّن نفسه ويوفر لها ضمانة في المستقبل؛ وذلك لأنه يعلم أن الإحسان والإيثار تجاه الآخرين سوف يحملهم على ردّ الجميل إليه في المستقبل. فإذا كان يساعد ضحايا الحوادث الطبيعية من قبيل الأعاصير والزلازل والسيول وما إلى ذلك، فإن الآخرين سوف يساعدونه في المستقبل إذا تعرّض إلى أحداث طبيعية مماثلة. وبالتالي فإن تضحيته سوف تعود في المستقبل لمصلحته، وسوف تشكّل ضمانة لبقائه. إن جانبًا من نشاطاتنا الأخلاقية قد تندرج ضمن هذا النوع من الأفعال. قد لا يفكر الشخص بمثل هذا الجزاء عند قيامه بهذا النوع من أفعال الخير، ولكن الناس من الناحية العملية يردّون على الإحسان بالإحسان. عندما يمدّ شخص يد العون لآخر أثناء ضائقته، فسوف يحصل على ردّ جميله من قبل الآخرين قطعًا. وعلى هذا الأساس فإن القيام بمثل هذه الأفعال الأخلاقية وإن كانت لا تبدو في ظاهر الأمر لمصلحتنا على المدى القريب، ولكنها في الواقع سوف تعود بالنفع علينا في المدى البعيد وسوف تؤدّي إلى بقائنا[27].
يُضاف إلى ذلك أن هذا النوع من الأفعال قد يأتي بدافع من طلب الشهرة. قد يكتسب الأشخاص شهرتهم لأسباب مختلفة؛ فقد يشتهر بعضهم بسبب القيام بأفعال الخير من قبيل: التضحية والسخاء والبذل والعطاء، ولكن هناك أشخاص يشتهرون بسبب الأفعال القبيحة، من قبيل: البخل والكذب وما إلى ذلك، ولكن حيث إن الاشتهار بسبب أفعال الخير ينطوي على نتائج حسنة وطيّبة في المجتمع، ويكون سببًا في حصول الأشخاص المشتهرين بهذه الأفعال على الكثير من المزايا والمنافع، فإن الحصول على الشهرة من طريق القيام بأفعال الخير، يمكن أن يكون مؤثرًا في تقوية حياته وحياة المقرّبين منه؛ ولهذا السبب يمكن للجينات أن تميل إلى إيجاد هذا النوع من الأفعال لدى الأفراد، وبذلك تعمل على ضمان بقائها واستمرارها[28].
وبالتالي فإن هذا النوع من الأفعال لا يأتي بهدف المساومة أو طلب الشهرة، وإنما بدافع السلطة وزيادة القوّة. والسبب الآخر الذي يذكره ريتشارد دوكينز نقلًا عن بعض المفكّرين للقيام بالأفعال الأخلاقية هو أن الفرد يروم التفاخر بهذه الطريقة واستعراض قدراته وإمكاناته. إن الشخص الذي يقيم مأدبات كبيرة ويبالغ في إكرام الضيوف وإطعام الطعام، قد يتعيّن عليه أن ينفق شيئًا من أمواله، ولكنه بذلك يبني لنفسه مجدًا اجتماعيًا عريضًا، ويمهدّ ذلك إلى بسط سيطرته وسلطته على الآخرين[29].
إن الوجه الأخير يبدو على شيء من الغرابة من بين الوجوه الأخرى، بيد أن هذا شيء تكشف النقاب عنه دراسات المفكرين. إن القيام بهذه الأفعال من منطلق هذه الدوافع لا يقتصر على الإنسان فقط، بل هو شائع حتى بين الحيوانات أيضًا. يقال إن هناك نوعًا من الطيور ـ مثل سائر الطيور الصغيرة الأخرى ـ يقوم عند شعوره بالخطر بإصدار أصوات تحذيرية، ويجلب الطعام لأبناء نوعه. من الطبيعي عندما يقوم أحد الطيور بمهمة الحراسة فإنه يعمل على إنقاذ أرواح الطيور الأخرى، ولكن ممّا لا شك فيه أنه يعرّض روحه للخطر. وكذلك عندما يقوم الطير ببذل طعامه الذي يحتاج إليه ويقدّمه للطيور الأخرى من فصيلته، صحيح أنه يعمل بذلك على مساعدة الآخرين ويبقي على أرواحها، ولكنه يعرّض نفسه للخطر، وقد يؤدّي به الأمر إذا استمرّ طويلًا إلى سوء التغذية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يقول: لماذا يبادر هذا الطير إلى القيام بهذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر؟ وهل هناك من سبب يفسّر لنا ذلك؟ لو أردنا أن نحلل هذه الظاهرة في ضوء نظرية التطور، يجب القول بأن هذا الفعل من قبل الطيور قد يكون سببه أحد هذين الأمرين أو كلاهما. إن الأمر الأول الذي يخطر على الذهن هو العمل المتبادل. فقد يقوم أحد الطيور بهذا الفعل لصالح سائر الطيور الأخرى، كي تردّ له هذه الطيور جميله في المستقبل أيضًا. والسبب الآخر الذي قد يخطر إلى الذهن هو أن هذا العمل قد يكون من قبيل تقديم الخدمة للأقربين. إن الطير بفعله هذا إنما يخدم الطيور الأخرى من فصيلته، وبذلك فإنه يعمل على تكثير جينه ونسله، وهذا الأمر ينسجم تمامًا مع نظرية التطور، بيد أن هناك باحث في هذا الشأن أجرى تحقيقًا وذكر رأيًا آخر مختلفًا تمامًا. فهو يرى أن الطائر المضحّي من خلال تعريض نفسه للخطر والقيام بالمجازفة إنما يريد في الواقع فرض سلطته على الآخرين، ويروم بهذه الطريقة ترسيخ هيمنته عليها. ومن الطبيعي أن ترسيخ هيمنة وسيطرة كائن ما على سائر الكائنات الحيّة الأخرى، يعني تفوّقه على الآخرين وامتلاكه للمزيد من المزايا والقدرات، وبالتالي فإن هذا الأمر سيؤدّي إلى استمرار بقائه وبقاء نسله أيضًا[30].
في مرحلة ما قبل التاريخ، كان الناس يعيشون تحت ظروف تصبّ بشدّة لصالح تطور جميع الأنواع الأربعة لحبّ أبناء النوع أو حبّ الآخر. حيث كان أسلافنا يعيشون في القرى ضمن مجموعات هائمة ومفكّكة مثل القرود، والتي كانت إلى حدّ ما منفصلة عن الجماعات أو القرى المجاورة. إن أغلب أعضاء المجموعة كان لهم بالقياس إلى المجموعات الأخرى قرابات وأرحام أقرب إلى بعضها. وقد كانت هذه فرصة سانحة للعمل على تكامل النوع بين الأقربين. وكان بعض الأعضاء في مجموعة أو عدّة مجموعات ـ سواء أكان بينها صلة قربى أو لم تكن ـ يضطر طوال حياته لأساب مختلفة إلى اللقاء فيما بينهم مرارًا وتكرارًا. وقد كانت هذه ظروف مثالية لتطور النوع بشكل متبادل. كما كانت هذه الظروف مثالية من أجل إيجاد الشهرة في حبّ النوع، وهي بالإضافة إلى ذلك ظروف مثالية لنشر السخاء والبذل والعطاء الواضح أيضًا[31].
قد يقال: إذا كانت هذه العناصر الأربعة وحدها هي السبب في حب النوع، فيجب القول بأننا نعيش الآن في مدن كبيرة بحيث يمكن أن نرى اليوم شخصًا ثم لا نراه في المستقبل أبدًا، وعليه ينبغي أن لا يكون لدينا حبّ لأبناء النوع؛ وذلك إذ لا يوجد في هذا النوع من المدن إمكان لتحقق النشاط المتبادل، ولا تواجد أواصر للقربى في البين. إن طلب الشهرة والقدرة والسلطة ليس لها محلّ من الإعراب في هذا النوع من المدن؛ إذ إن إمكان اللقاء الثاني ضئيل جدًا. وعليه لا ينبغي اليوم أن نشاهد ظاهرة حبّ النوع، ولكننا نرى أن الواقع ليس كذلك، وأن حب النوع حاليًا إذا لم يكن أكثر ممّا كان عليه في السابق فهو ليس بأقل منه قطعًا.
يذهب ريتشارد دوكينز في هذا النوع من الموارد إلى الاعتقاد بأنه من قبيل «سوء التوجيه». كثيرًا ما نشاهد هذا النوع من الانخداع أو الانحراف والشذوذ في الخطة عن مسارها في الطبيعة. إن الرغبة الجنسية إنما هي في الأصل لتكثير النسل، ولكننا لا نرى تحقق ذلك من الناحية العملية دائمًا، فهناك الكثير من الذين يستخدمون وسائل منع الحمل أو يكونون من المصابين بالعقم، ولكنهم مع ذلك يميلون إلى ممارسة العملية الجنسية أيضًا. إن الانتخاب الطبيعي ـ على حدّ تعبير ريتشارد دوكينز ـ قد أقرّ أصل الرغبة الجنسية من أجل تكثير النسل، في حين أننا نرى في بعض الحالات توظيف هذه الرغبة لغير هذا الغرض. وعليه فإن الموارد التي نبحثها هي من هذا القبيل. فإن الانتخاب الطبيعي لأصل حبّ أبناء النوع ـ على سبيل المثال ـ قد أُقرّ من أجل العمل المتبادل أو لخدمة الأقربين، ولكن قد يحدث أحيانًا أن يتجاوز هذا الحبّ حدوده ويسري إلى موارد غير تلك المشار إليها[32].
تفسير تطورية الأمور المفيدة في البقاء
في ضوء نظرية التطور هناك تفسير تطوري لكل شيء يلعب دورًا في بقاء الكائن الحي واستمراره، ويعمل الانتخاب الطبيعي على تأييده. وهذا هو الشيء الذي يقرّ به ريتشارد دوكينز، وقد استدلّ في ضوء ذلك على أن الصفات الأخلاقية تلعب دورًا بارزًا في بقاء واستمرار نسل الإنسان، ويكون الانتخاب الطبيعي هو الذي عمل على إيجاده[33]. لو أن ريتشارد دوكينز كان قد شكك في هذه الكبرى الكلية أو أنه كان يرفضها، لما كان بمقدوره أن يتحدّث بهذه الثقة والقطع حول دور الصفات الأخلاقية في بقاء الإنسان ونسله أبدًا. يزعم ريتشارد دوكينز أن كل شيء نافع ومفيد يكون الانتخاب الطبيعي قد أوجده. إن مراد ريتشارد دوكينز من «الفائدة» هي الفائدة في بقاء الجينات، وإن المراد من الجينات ليس هو جين الكائن المفيد والنافع فحسب؛ إذ الكائن النافع يمكن أن يكون مؤثرًا في بقاء الجينات الأخرى أيضًا، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه على أن الفائدة في الدرجة الأولى يجب أن تكون لذات الشخص النافع والمفيد وتكثيره[34]. إن الانتخاب الطبيعي -من وجهة نظر ريتشارد دوكينز- يمكنه أن يعمل على تفسير وبيان أمور من قبيل: الجوع والعطش والخوف والرغبة الجنسية؛ وذلك لأن هذه الأمور يمكن أن تلعب دورًا مباشرًا في بقاء الكائن الحي[35].
وعلى هذا الأساس، فإن كل شيء يكون له دور بشكل وآخر في بقاء الكائن الحيّ واستمراره، يمكن أن ينطوي على تفسير تطوري، ويمكن للانتخاب الطبيعي أن يعمل على بيانه وتفسيره. إن المنفعة والأنانية مفيدة للغاية. إن الكائنات التي لها إمكان الاستمرار في نظرية التطوري هي التي تكون أولًا: نافعة، وثانيًا: أنانية. وبطبيعة الحال فإن أنانية الكائن الحيّ يمكن أن يكون على حساب أرواح سائر الكائنات الحيّة الأخرى[36]. إن أوضح طريق تضمن تلك الجينات بقاءها الأناني من خلاله على حساب زوال الكائنات الأخرى، هو بأن تعمل هذه الجينات على إكراه الأفراد على الأنانية. إن الجينات من خلال حمل العناصر الحاملة لها على الأنانية تعمل على ضمان بقائها الأناني. وإن بقاء العناصر الحاملة للجينات سوف يؤدّي ـ بطبيعة الحال ـ إلى بقاء ذات الجينات أيضًا. وليس هناك مرشد واحد في البين طبعًا. فتارة تعمل الجينات على ضمان بقائها من طريق دفع حواملها نحو الصيرورة الأنانية، وتارة تقوم بذلك من طريق إرادة الآخر. وبعبارة أخرى: إن بقاء واستمرار الجينات لا يكون من طريق الأنانية وحب الذات فقط، بل قد يكون من اللازم تحقيق هذه الغاية من طريق حبّ الآخرين[37].
التفسير التطوري للتحلّي بالأخلاق
اتضح فيما مرّ أولًا: أن الأخلاق يمكن أن تلعب دورًا فريدًا وفذًّا في بقاء الإنسان وتكثير نسله، وثانيًا: إن كل شيء يكون نافعًا ويمكن أن يظهر هذه المنفعة في أمر بقاء الكائنات الحية وتكثيرها يكون له تفسير تطوري. وعلى هذا الأساس نحصل بشكل طبيعي على نتيجة مفادها أن الأخلاق لها تفسير تطوري، ولكي نكون أخلاقيين لا نحتاج إلى التمسّك بأذيال الدين. إذ يمكن لنا من دون الاستناد إلى الدين أن نعمل على بيان الأخلاق من خلال الاعتماد على نظرية التطور.
يعمل ريتشارد دوكينز ـ في تعريف عامل إيجاد الصفات الأخلاقية لدى الأفراد ـ على استعمال تعبيرين مختلفين. فتارة يستعمل كلمة «الجين»، وتارة أخرى يستعمل كلمة «الانتخاب الطبيعي». فهو تارة يقول: إن «الجين» يعمل على إيجاد صفات من قبيل التضحية والإيثار لدى الأفراد. وتارة أخرى يقول: إن الاختيار الطبيعي هو الذي يقوم بهذا الدور. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه في العبارة أدناه يتحدّث عن «الجين»، إذ يقول:
«إن الجين الذي يعمل على برمجة العناصر المنفردة لكي تحمي أقرباءها الجينيين يحتمل أن يعمل من الناحية الإحصائية على تكثير نسخ عن ذاته لمصلحة ذاته. إن أعداد هذا الجين يمكن أن تبلغ في المخزن الجيني حدًّا من الكثرة بحيث يتحول حب النوع القريب إلى أمر عادي»[38].
وبطبيعة الحال فإنه يستعمل في بعض الأحيان عبارة «الانتخاب الطبيعي»، ويقول:
«إن الانتخاب الطبيعي في الأحقاب الزمنية لأسلافنا الذين كانوا يعيشون في الأزمنة السحيقة ضمن جماعات صغيرة وثابتة، من قبيل: القرود، قد عمل على برمجة رغباتنا في حبّ أبناء النوع في ذهننا، بالإضافة إلى الرغبة الجنسية، والجوع، والشعور بالخوف من الغرباء وهكذا»[39].
هناك اختلاف بحسب الظاهر بين هاتين العبارتين؛ وذلك لأن الاختيار الطبيعي مفهوم انتزاعي فلسفي، في حين أن «الجين» مفهوم ماهوي، ولكن حيث لا يكون المصداق إلا شيئًا واحدًا، وهو ذلك العنصر الحي والمسؤول عن إدارة الأمور، يتم التعبير عنه تارة بـ «الجين»، وتارة أخرى بـ «الانتخاب الطبيعي». كأن نعبّر عن الماء ـ على سبيل المثال ـ تارة بـ «الماء»، وتارة أخرى بـ «علة الرطوبة».
الانتقادات والتحديات
ردّ نظرية التضاد بين الدين والأخلاق
كما سبق أن ذكرنا فإن الملحدين الجدد ـ ومن بينهم ريتشارد دوكينز ـ يقولون في بحث العلاقة بين الدين والأخلاق بالتضاد، والدين والأخلاق من وجهة نظرهم لا ينتميان إلى حقلين مستقلين فحسب، بل إنهما ينتميان إلى حقلين متعارضين أيضًا؛ بحيث إن وجود أحدهما يؤدّي في نهاية المطاف إلى نفي الآخر. إن الدين من وجهة نظر الملحدين الجدد، ومن بينهم ريتشارد دوكينز، قد لا يكون سببًا ومصدرًا لجميع الجرائم والشرور في العالم، ولكن لا شك في أنه مصدر لجميع الحروب وموارد العنف. يذهب ريتشارد دوكينز إلى الاعتقاد بأنه لو لم يكن الدين موجودًا، لكنّا قد شهدنا سيادة الصلح والوئام والحبّ في العالم، وما كان هناك من أثر للعمليات الانتحارية، وأحداث الحادي عشر من أيلول، والحروب الصليبية، وتقسيم الهند، والحرب بين إسرائيل وفلسطين، وحرب البوسنة، والإبادات الجماعية، وقتل اليهود بوصفهم قتلة السيد المسيح، ومسألة إيرلندا الشمالية، وجرائم الشرف، والتبشير، وظهور الجماعات الدينية المتطرّفة، وقطع الرؤوس على الملأ، وظاهرة الجلد والرجم وما إلى ذلك[40]. ويزعم ريتشارد دوكينز بأن الكتب المقدّسة لدى الأديان والتي تتضمّن التعاليم التطبيقية والطقوسية الخاصة بها، ليست هي الأخرى بأفضل حال من الناحية الأخلاقية، فإن هذه النصوص بدورها زاخرة بالمفاهيم الهدّامة وغير الأخلاقية أيضًا. فلو أخذنا الإنجيل بوصفه كتاب الدين المسيحي المقدّس بنظر الاعتبار، فسوف نجده مفعمًا بالتعاليم غير الأخلاقية. يذهب ريتشارد دوكينز إلى الظن بأنه بناء على تعاليم هذا الكتاب ـ خلافًا لما يقترحه القانون الذهبي للأخلاق ـ يوجد هناك فرق بين الأصدقاء والخصوم، ويجب التعامل مع الأصدقاء بالحسنى، وأما الخصوم فلا بأس في التعامل معهم بسوء. وبناء على هذا الأصل يباح قتل غير المسيحيين والعمل على استعبادهم. إن هذا النوع من الأخلاقيات لو تمّ تزويد الأفراد به على نطاق واسع، وتمّ اعتناقه وتبنّيه من قبلهم، فمن الطبيعي أنه سوف يؤدّي إلى تبعات لا يمكن تداركها أو الحدّ من أضرارها[41].
في نقد التضاد بين الدين والأخلاق يمكن بيان النقاط أدناه:
أ. هناك مفاهيم في الدين يتمّ التأكيد عليها في حقل الأخلاق أيضًا. فإذا كان هناك من تعارض بين الدين والأخلاق، فكيف يمكن العثور على هذا النوع من المفاهيم في الدين وفي الأخلاق أيضًا؟ لقد تمّ التأكيد في الدين على مفاهيم من قبيل: العدل[42]، والإحسان[43]، والعفو[44]، والكرامة الإنسانية[45]، وما إلى ذلك. إن ذات هذه المفاهيم يتم ذكرها دون أدنى تغيير من قبل أتباع الأخلاق ومن بينهم الملحدين أيضًا[46]. فلو لم يكن هناك قاسم مشترك بين الأخلاق والدين، فكيف أمكن لكل من الدين والأخلاق أن يؤكدا على المفاهيم المشتركة؟
ب. ربما كان الدين المسيحي ـ من خلال تأكيده المفرط على مفاهيم من قبيل الحبّ والرأفة[47] ـ قد أدّى إلى إيجاد هذا الفهم الخاطئ القائل بأن الدين يدعو إلى الضعف والخور، وهذا الأمر لا ينسجم مع الأخلاق الرفيعة، وأما في الأديان الأخرى من قبيل الإسلام فلا توجد أرضية لهذا النوع من الفهم. إن الدين الإسلامي كما يؤكد على مفاهيم من قبيل: الحبّ[48]، والرأفة[49]، والإحسان[50]، فإنه يؤكد كذلك في الوقت نفسه على مفاهيم من قبيل: العزّة[51]، والقوّة[52]، وما إلى ذلك أيضًا. وعلى هذا الأساس لا يمكن اتهام الإسلام بالعمل على نشر أخلاق الضعف.
ج. إن الأخلاق ـ في ضوء بعض الآراء ـ لا تتعارض مع الدين أبدًا، بل وهي جزء من الدين، وإنها والدين شيء واحد. إن الأخلاق العلمانية ـ على أساس هذا الرأي ـ وإن كانت ممكنة في الجملة، بيد أن الأخلاق بالمعنى الحقيقي للكلمة لا يمكن لها أن تتحقق من دون الدين. إن الدين يمدّ الأخلاق بالحياة سواء في مقام الثبوت أو في مقام الإثبات. وإن المفاهيم الأخلاقية تعبّر عن الارتباط بين الأفعال الاختيارية للإنسان وبين سعادته النهائية. وإن السعادة النهائية هي التي يرسم الدين معالمها لنا[53].
د. إن الأخلاق ـ في ضوء بعض الآراء ـ ليست جزءًا من الدين فحسب وأنها متحدة مع الدين، بل وإن الأخلاق ليس لها معنى أو مفهوم من دون الدين أيضًا. إن أمورًا من قبيل الشرف والكرامة والسخاء ونظائرها لا يكون لها معنى محصلًا بمعزل عن الدين، وذلك لأنها من الأمور المعنوية، والأمور المعنوية لا يمكن بيانها بواسطة الفلسفة. يضاف إلى ذلك أن الأخلاق تعني التبعية للفطرة، والفطرة في حدّ ذاتها هي نوع من القوانين الإلهية، ومن هنا فإن الأشخاص حتى إذا لم يحصلوا على نعمة التشرّف باعتناق الدين، وقاموا بالأفعال الحسنة استجابة لنداء الفطرة، سوف يستحقون الثواب من الناحية الدينية أيضًا[54].
السقوط في محذور النسبية
إن رأي ريتشارد دوكينز القائم على أساس تطورية الأخلاق، يقوده سواء شاء أم أبى نحو النسبية الأخلاقية، والتي هي نوع من النسبية المعرفية؛ وذلك لأن الأخلاق إذا كانت تقوم على أساس التطور فقط ـ في ضوء بيان ريتشارد دوكينز ـ فلن يكون لها دعامة ثابتة، وإن مبناها على أفضل الأحوال سوف يكون عبارة حاجة الإنسان، وحيث إن حاجة الإنسان في تغيّر دائم بالنظر إلى تغيّر الأوضاع والأحوال، يمكن القول في نهاية المطاف إن الأخلاق بدورها متغيّرة أيضًا. وبالتالي إذا كانت الأخلاق قائمة على حاجة الإنسان، عندها يجب القول إن الأصول الأخلاقية لن تكون بدورها ثابتة ومستقرة أيضًا، وإذا لم تكن لدينا أصول ثابتة، فسوف نواجه الكثير من الإشكالات والتحديات.
أ. إذا كانت الأخلاق نسبية، فلا ينبغي أن تكون لدينا أصول أخلاقية ثابتة ودائمة، بيد أن التأمل في الأمور يثبت لنا في الحدّ الأدنى وجود بعض الأصول الأخلاقية الثابتة والدائمة عند جميع الثقافات وفي جميع الظروف والشرائط، من قبيل: العدل، والإحسان، والعفو وما إلى ذلك[55]. وهناك من بين المدارس الأخلاقية ـ من قبيل مدرسة القائلين بمبدأ السعادة واللذة، والقائلين بالوجدان[56]، وأتباع المدرسة الكانطية[57] ـ ترى أن الأصول الأخلاقية مطلقة.
ب. إذا كانت الأخلاق نسبية فإن هذا الأمر في الواقع يعود سببه إلى النسبية المعرفية[58] التي تكون جميع الأمور في ضوئها نسبية، وإذا كانت جميع الأمور نسبية، فماذا سيكون حكم القضية القائلة: «إن الأخلاق نسبية»؟ إذا قلنا إن هذه القضية هي الأخرى نسبية أيضًا، عندها لن تكون هذه القضية مشتملة على قانون علمي؛ لأنها سوف تصدق في بعض الموارد، ولن تصدق في موارد أخرى. وأما إذا قلنا بأن هذه القضية ليست نسبية، نكون في الحدّ الأدنى قد حصلنا على قضية أو قانون علمي كلي ولن يكون هذا القانون خاضعًا لتأثير النسبية. وعليه لا يمكن الادّعاء بأن جميع الأمور ـ بما في ذلك الأخلاق ـ نسبية[59].
ج. إذا كانت الأخلاق نسبية، فإن هذا الأمر ـ كما سبق أن أشرنا ـ يعود سببه إلى أن الأخلاق تقع ضمن النسبية المعرفية، بيد أن النسبية المعرفية ـ التي تكون في ضوئها جميع الأمور نسبية ـ غير مقبولة؛ إذ لدينا في هذا العالم، الكثير من القضايا المطلقة والتي لا موضع للنسبية فيها. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ فإن أمورًا من قبيل المعادلات الرياضية أو الأمور التي هي من قبيل الرياضيات، ليس للنسبية طريق إليها. فلو قلنا: إن اجتماع النقيضين محال، أو اجتماع الضدين محال، أو إن الكل أكبر من الجزء، أو إن الواحد زائدًا على أربعة يساوي خمسة، تكون جميع هذه الأمور دائمة، ولن تتغير تحت تأثير الظروف والشرائط أبدًا[60].
د. لو قبلنا بالنسبية الأخلاقية، فإن أيّ خطأ أخلاقي سوف يكون قابلًا للتبرير، ولن يعود هناك إمكان للنقد في البين. إن الإشكال الأهم الذي يرد على القول بالنسبية الأخلاقية هو أن النسبية تعني القبول بالأخطاء الأخلاقية الواضحة. والإشكال هنا يقول لو إننا قبلنا بأن المعتقدات والأفعال إنما تكون صحيحة أو خاطئة بالنسبة إلى رأي أخلاقي خاص، فسوف يمكن تبرير كل شيء تقريبًا. نحن نضطر إلى التخلي عن هذه الرؤية القائلة بأن بعض الأفعال خاطئة بشكل بحت. وكذلك لا يمكن لنا تبرير هذه الرؤية وهي أن بعض أشكال الحياة بوضوح ومن دون نقاش أفضل من غيرها، حتى وإن كان جميع الناس يعتقدون ذلك تقريبًا. يذهب النسبيون إلى الاعتقاد بأن الناقدين يقولون: يجب اعتبار عقائد أصحاب العبيد والنازيين صحيحة، ويجب تصحيح أفعالهم في ضوء الأطر المفهومية والأخلاقية لديهم، ولا يمكن لأحد أن يثبت أن آراءهم خاطئة أو أنها غير صحيحة من الناحية الأخلاقية، أو أن هناك رأي أفضل من رأيهم[61].
ه. لو قبلنا بالنسبية الأخلاقية، فسوف يؤدّي ذلك إلى معضلة التناقض. إن من بين الإشكالات المعيارية على النسبية المعرفية ـ التي يتمّ بيانها في بعض الأحيان في قبال النسبية الأخلاقية ـ هي أن هذه المدرسة تعمل على نقض وإبطال نفسها بنفسها أو هي متهافتة ومتناقضة. إن الفكرة الجوهرية الكامنة وراء هذا الإشكال هي أن القائلين بالنسبية الأخلاقية لا يمكنهم في أيّ موقف رسمي ما بعد أخلاقي، اجتناب التعهد الضمني ببعض المعايير والقيَم الأساسية، وإنهم يفترضون هذا التعهد في ذات عملية الاستدلال على النسبية الأخلاقية. وعلى هذا الأساس يكون محتوى هذه النظرية معارضًا للعمل على تأييدها أو الدفاع عنها. وقد عمد يورغن هابرماس إلى توسع دائرة هذا النوع من الاستدلال مدعيًا أن كل شخص يشارك في الخطاب والحوار العقلاني، يعمل من طريق هذا الفعل على إظهار تعهّده بالقيم الخاصّة المتعلّقة بالمفهوم المعياري للعقلانية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه يؤمن بالقيَم التي هي من قبيل: الصدق أو الرؤية المنفتحة بشكل مطلق[62].
و. يضاف إلى ذلك أن أمورًا من قبيل الاهتمام المفرط والمبالغ به بالنسبة إلى التنوّع الثقافي، والغفلة عن الاختلافات التي يمكن أن توجد ضمن الثقافة الواحدة، وما إلى ذلك، تعدّ من بين الانتقادات التي يوردها الناقدون في مورد النسبية الأخلاقية[63].
السقوط في محذور الجبر
إذا كان مبنى الأخلاق عبارة عن نظرية تشارلز دارون، فسوف يلزم من ذلك القول بالجبر؛ وذلك لأن الأخلاق حيث يكون منشؤها الجينات الوراثية ـ كما يزعم ريتشارد دوكينز ـ فإن الأفعال الأخلاقية سوف تقع تحت تأثير الجينات، ولن يكون لها صلة بالحرية والاختيار. إن الشخص الذي يقوم بأعمال البرّ والخير، ويقوم ـ على سبيل المثال ـ بالإيثار والتضحية والفداء أو يحول دون وقوع الظلم، إنما يقوم بهذه الأمور تحت تأثير جينٍ خاص. ولا يكون للاختيار والإرادة أيّ دور في أفعاله وسلوكياته. وكذلك الشخص الذي يرتكب الأفعال القبيحة ويقوم ـ على سبيل المثال ـ بظلم الآخرين أو الشخص الذي يقتل شخصًا بغير حق، فإن هذا النوع من الأعمال لا يكون بتدخّل من الإرادة، بل إن سببه هو الجينات الوراثية. وعلى هذا الأساس لا يمكن توجيه اللوم والعتاب إلى القاتل، ولا يمكن توجيه المدح والثناء إلى المحسن؛ إذ لم يقم أيّ منهما بما قام به عن إرادة واختيار منه، وإنما قام به بدافع من الجبر والإكراه، والجبر ليس شيئًا يمكن الدفاع عنه. وهناك إشكالات وانتقادات ترد على القول بالجبر، نشير إلى بعضها في السطور الآتية:
أ. لو قبلنا بنظرية الجبر، فسوف نقع في تعارض مع الوجدان. نحن ندرك بالوجدان أننا نمتلك الإرادة والاختيار، ولهذا السبب فإننا ننسب أفعالنا إلى أنفسنا لا إلى الأمور والأشياء الأخرى. عندما نأخذ قرارًا بالمشاركة في الاختبار أو نشدّ الرحال ونذهب في سفر، سوف يقول أحدنا: سوف أشارك في الاختبار أو سوف أذهب في سفر إلى ذلك البلد. فلو أن هذه الأفعال كانت تصدر من قبل شخص آخر، فلا ينبغي أن ننسبها إلى أنفسنا. وعليه فإننا حيث ندرك أننا نحن الفاعلون لأفعالنا، ولا يشك في ذلك ذهن غير مشوب بالشبهات، فإن هذا خير دليل على أننا نتمتع بالإرادة والاختيار. ونحن ـ على حدّ تعبير الخواجة نصير الدين الطوسي ـ ندرك هذا الأمر بالوجدان، حيث نجد أنفسنا أحرارًا بداهة، وفي ذلك يقول العلامة الحلي: «والضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا»[64].
ب. لو أننا كنا مجبرين، ولا نقوم بأفعالنا باختيارنا وإرادتنا، إذن سوف تكون جميع التكاليف لغوًا، وبالتالي سوف يكون الثواب والعقاب عبثًا أيضًا. فحيث لا تصدر أفعالنا عنا باختيارنا ولا يكون لنا دور فيها، فلماذا يجب أن نكون مكلفين بالقيام بالأفعال إذن؟ ففي حالة الجبر لن يكون للتكليف على جميع المستويات أيّ معنًى محصّل أبدًا. كما لن يكون لتكاليف الشرع أيّ معنى ومفهوم أيضًا؛ لأنها لا تكون في مثل هذه الحالة منسجمة مع العدالة الإلهية[65]. كما أن تكاليف الأشخاص العاديين بدورهم بالنسبة إلى بعضهم هي الأخرى سوف تكون فاقدة للمعنى أيضًا. والدليل على هذا الأمر واضح. فنحن لا دور لنا في أفعالنا، وإن نسبتنا إلى أفعالنا كنسبة الأشياء إلى أفعالها، فكما لا معنى للحديث عن التكليف بالنسبة إلى الأشياء، كذلك لا يمكن الاستفادة من هذه المقولات في باب الإنسان أيضًا. وكذلك لا ينبغي لأمور من قبيل: الاختبار والابتلاء والوعد والعهد والميثاق أن يتمّ استخدامها في مورد الإنسان أيضًا، ولكننا نرى استعمال هذه الأمور في لسان العُرف والشرع كثيرًا[66].
ج. لو كان الإنسان مثل الحيوان يقوم بأفعاله تحت تأثير قانون الجبر والإكراه، فيجب أن تكون حياته في هذه الحالة مثل حياة الحيوان أيضًا، ويجب أن تكون عرضة للمنعطفات والتقلبات، ويجب عليه أن يتبع نموذجًا واحدًا رتيبًا، ولكننا نعلم أن الأمر ليس كذلك؛ فإن حياة الإنسان ـ خلافًا لحياة الحيوان ـ تكون عرضة للتقدّم تارة وللتخلّف والتأخر تارة أخرى؛ وإن كان في المجموع يسلك مسارًا تكامليًا. إن حياة النحل لم تتغيّر وبقيت على حالها كما كانت منذ آلاف السنين، دون أن تتغير آليتها أو شكلها الهندسي، هذا في حين أن حياة الإنسان قد تغيّرت وشهدت تحوّلًا بشكل كبير. كان الإنسان في فترة من الزمن يعيش في الكهوف ويستر جسده العاري بأوراق الشجر ويعيش معتمدًا على الصيد، وأما اليوم فقد وصل إلى مرحلة مختلفة إلى حدّ كبير. فلم يعد يمكن المقارنة بين ما هو عليه الآن في مأكله وملبسه ومسكنه وما كان عليه أسلافه في الأزمنة الغابرة. إن هذا التغيّر بالإضافة إلى كونه دليلًا على أمور أخرى، فهو يثبت أن الإنسان مختار، وأنه يواصل سلوك مساره التكاملي عبر القراءة واختيار أفضل البدائل.
د. صحيح أنه قد ثبت في ضوء ما توصّلت إليه مختلف العلوم، أن هناك الكثير من العوامل المتنوّعة من قبيل الوراثة وترشح الغدد ـ الذي يحدث تحت تأثير الطعام والأدوية والعقاقير الخاصة ـ وكذلك العوامل البيئية والاجتماعية، التي تؤثّر في تبلور إرادة الإنسان، وإن اختلاف سلوك الإنسان تابع لاختلاف هذه العوامل؛ وقد ورد تأييد هذه الأمور في النصوص الدينية بشكل وآخر أيضًا، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن القبول بالاختيار والإرادة الحرّة لا يعني إنكار وإلغاء تأثير هذه العوامل، بل يعني أنه على الرغم من وجود جميع هذه العوامل، يمكن للإنسان أن يقاوم تأثيرها، وعند التزاحم والتعارض بين مختلف الدوافع يعمد إلى اختيار واحد من بينها. وبطبيعة الحال فإن بعض هذه العوامل يكون من القوّة أحيانًا بحيث تكون مقاومته في غاية الصعوبة، ولكن في المقابل فإن لهذا النوع من المقاومة والاختيار تأثيرًا أكبر في الكمال وزيادة استحقاق الأجر والثواب؛ كما أن الحماس الفذّ وغيره من الظروف الصعبة يؤدّي إلى تخفيف الذنب والعقاب[67].
الضعف المنطقي للاستدلال
يبدو أن أدلة ريتشارد دوكينز على علمية الأخلاق، لا تستند إلى المعايير المنطقية اللازم توفرها في الاستدلال.
إن استدلال ريتشارد دوكينز بدوره غير قابل للدفاع ـ من الزاوية المنطقية ـ أيضًا. فهو في ضوء الاستقراء الناقص الذي قام به، قد وصل إلى هذه النتيجة، وهي أن جميع الصفات الأخلاقية لها منشأ جيني. هل يمكن من مجرّد تذوّق عدد من حبات البرتقال المقتطف من أرض خاصة وملاحظة أنها حامضة، أن نستنتج أن طعم جميع البرتقال في تلك المنطقة حامض أيضًا؟ وهل يمكن من خلال مشاهدة حُسن أخلاق بضعة أشخاص في بلد أو عرق خاص أن نستنتج أن جميع أبناء ذلك البلد أو ذلك العرق يتحلّى بالأخلاق الحسنة؟ إن علماء المنطق لا يقبلون بهذا النوع من الاستنتاجات ويعملون على رفضها، ولكن هذا ما قام به ريتشارد دوكينز في نظريته الأخلاقية، فقد عمد إلى بحث بضع صفات أخلاقية معدودة، وتوصّل من خلالها إلى نتيجة مفادها أن هذه الصفات لها منشأ جيني، ومن خلال الاستناد إلى هذا الاستقراء الناقص وصل إلى نتيجة كلية وهي أن لجميع الصفات الأخلاقية منشأ جيني. إذا كانت الصفات الأخلاقية ذات منشأ جيني بالكامل، إذن كيف يمكن تفسير صفات من قبيل التضحية والإيثار التي تتعارض مع بقاء الجين لدى الشخص المضحّي والذي يؤْثر الآخرين على نفسه؟ يقول ريتشارد دوكينز: إن الجين هو الذي يخلق الصفات الأخلاقية في وجودنا لكي يضمن بقاءنا بهذه الطريقة، بيد أننا نعلم أن هذا المطلب لا يصدق في مورد الشخص المؤْثِر الذي يضحّي بنفسه ويدافع عن الآخرين. وقد تنبّه ريتشاره دوكينز بنفسه إلى هذا الأمر، ولكنه يقول إن هذا المورد من قبيل الشذوذ الجيني، بمعنى أنه من الموارد التي لم يصل الجين فيها إلى غايته، وعلى حدّ تعبيره يحدث هناك نوع من «سوء التوجيه»[68]، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن هذا الأمر إذا حدث في بعض الموارد المعدودة، ربما أمكن تجاوزه، ولكن عندما يحدث هذا الأمر بكثرة وعلى نطاق واسع جدًا، عندها لا يمكن تفسير ذلك. وإن صفات من قبيل السخاء والإحسان والدفاع عن المظلوم ومواجهة الظالم وما إلى ذلك، تعدّ بأجمعها من هذا القبيل.
عدم إثبات نظرية تشارلز دارون
لا بدّ من الاعتراف بأن المبنى والنظرة الداروينية هي النظرة الغالبة حاليًا. إن نظرية التطور أو بقاء الأصلح هي السائدة لا في خصوص الكائنات الحية، بل وحتى في غير الكائنات الحيّة أيضًا. وقد أكد الكثير من أنصار الديمقراطية والليبرالية على هذا الأمر وقالوا بوجوب الإبقاء على حرية الأفكار، ولا ينبغي الخوف على مستقبل البشرية من الحفاظ على حرية الأفكار؛ إذ هناك يد خفية اسمها «التطور» أو «بقاء الأصلح» تسيطر على الأفكار وتعمل على تشذيبها وتختار من بين الأفكار ما هو «الأصلح» والأقدر على التطوّر والازدهار، وأن يكون من بين الخصوم والمنافسين هو الأقوى والأكثر مقبولية، وعلى الرغم من ذلك كله لا بدّ من الاعتراف بأن هذا الرأي لا يزال مجرّد فرضية، ولا يزال أمامه الكثير من الاختبارات اللازمة ليتحوّل إلى نظرية علمية متكاملة الأركان. صحيح أن هناك الكثير من المؤشرات والشواهد لصالح هذه النظرية، وبالنظر إلى تلك الشواهد يمكن القول بإمكان هذه الفرضية، ولا يلزم من افتراض وقوعها محال، ولكن ما لم تخرج هذه الفرضية من بوتقة الاختبار بنجاح، لا يمكن اعتبارها نظرية علمية ثابتة والعمل على إقامة أبنية معرفية على أساسها[69].
إذا كان الجين منشأ للأخلاق الحميدة فما هو منشأ الأخلاق البذيئة؟
يذهب ريتشارد دوكينز إلى الاعتقاد بأن «الجين» هو منشأ الصفات الأخلاقية. وقد ذهب به الظن إلى الزعم بأن الجين بالنظر إلى أصل البقاء يعمل على إيجاد بعض الصفات في الإنسان ويقوم بتظهيرها بحيث تكون مؤثرة في بقائه. وإن الصفات التي لا يكون لها دور في بقاء الإنسان، لن يكون لها إمكان الاستمرار بسبب عدم فائدتها. بيد أن هذه النظرية تواجه الكثير من التحديات. ومن بين هذه التحديات أن هذا الاستقراء ـ على ما مرّت الإشارة إليه ـ استقراء ناقص. وأما التحدّي الآخر فهو أن الصفات الإنسانية ليست صالحة وحسنة دائمًا. وإنما بعض الصفات الإنسانية، من قبيل: العدل والشجاعة والكرم والصدق حسنة، ولكن هناك في البين صفات أخرى قبيحة وطالحة أيضًا، من قبيل: الظلم والجبن والبخل والنفاق وما إلى ذلك. يذهب ريتشارد دوكينز إلى الاعتقاد بأن منشأ الأخلاق الحسنة هو «الجين». والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان منشأ الأخلاق الحسنة هو «الجين»، إذن ما هو منشأ الأخلاق القبيحة والصفات المرذولة؟ فهل الرذائل الأخلاقية لا منشأ لها؟ وإذا كان لها منشأ فما هو هذا المنشأ؟ وهل المنشأ لها شيء آخر غير «الجين»؟ أو المنشأ الأخلاقي لها مثل الفضائل الأخلاقية هو «الجين» أيضًا؟ لا شيء من هذه الخيارات يخلو من الإشكال. فإن قلنا: إن الأخلاق القبيحة ليس لها منشأ، يكون هذا الكلام من دون دليل. إذ كيف يمكن القول بأن الأخلاق القبيحة لا منشأ لها، والحال أننا نعتقد بأن الأخلاق الحسنة لها منشأ؟ أفليست الأخلاق القبيحة هي في حدّ ذاتها نوع من الأخلاق مثل الأخلاق الحسنة؟
وعلى هذا الأساس لو قلنا إن الأخلاق الحسنة لها منشأ، وأما الأخلاق القبيحة فلا منشأ له، فسوف ينطوي هذا الكلام في حدّ ذاته على تناقض؛ إذ إن كلا هذين النوعين هما من الأخلاق فهما من سنخ واحد. فكيف يمكن أن نقول إن الأخلاق الحسنة لها منشأ، والأخلاق القبيحة ليس لها منشأ؟ والخيار الثاني بدوره لا يخلو من الإشكال أيضًا؛ إذ في ضوء هذا الخيار يكون للأخلاق القبيحة منشأ آخر غير جيني. ولو قبلنا بذلك فسوف ينتقض رأي ريتشارد دوكينز القائم على القول بوجود منشأ جيني للأخلاق، بمعنى أنه قد تمّ العثور على مورد هو من الأخلاق ولكنه لا ينتمي إلى الجين بصلة. إن هذا الخيار يعني نقض النظرية الأخلاقية لريتشارد دوكينز ولا ينسجم معها. والخيار الثالث بدوره لا يمكن أن يخلو من الإشكال أيضًا، فعلى أساس هذا الخيار يكون منشأ الأخلاق القبيحة هو الجين أيضًا كما هو الحال في منشأ الأخلاق الحسنة. فلو قبلنا بهذا الخيار فإن تفسير الصفات الأخلاقية سوف يواجه إشكالًا؛ إذ لو أمكن للجين أن يفسّر الصفات الحسنة، لن يكون بمقدوره في الوقت نفسه أن يعمل على تفسير الصفات القبيحة أيضًا؛ وذلك لأن الصفات القبيحة بحكم النقيض للصفات الحسنة. والاستدلال لا يمكنه أن يعمل على تفسير أصل قضية ما ويعمل في الوقت نفسه على تفسير نقيضها أيضًا. فإذا كان الدليل لصالح أصل القضية، فسوف يبقى نقيضها من دون دليل، وإذا كان الدليل لصالح النقيض فسوف يبقى أصل القضية من دون دليل. وعلى هذا الأساس لا يمكن العمل على إثبات أصل قضية ما بدليل واحد، والدفاع عن نقيضها في ذات الوقت. بالنظر إلى هذا التحليل يمكن القول بعدم تمامية النظرية الأخلاقية لريتشارد دوكينز؛ إذ لو أمكن على ـ فرض المحال ـ بيان منشأ الأخلاق الحسنة استنادًا إلى هذا الرأي، لا يمكن من خلال التمسّك بهذا البيان تفسير الأخلاق القبيحة أيضًا. إن الأخلاق القبيحة ليست أمرًا افتراضيًا ليس له نصيب من الواقع، بل هناك الكثير من الناس الذين يعانون من الاتصاف بالأخلاق البذيئة.
الخلاصة
لقد تناولنا في هذه المقالة بحث مقولة الأخلاق التطورية من وجهة نظر الملحد المعاصر المعروف ريتشارد دوكينز. يذهب دوكينز إلى الاعتقاد بأن الأخلاق أمر ضروري وأنه لولا الأخلاق لما استقرّ حجر على حجر، ولكن لابدّ من الالتفات إلى أن الأخلاق ـ من وجهة نظره ـ ليست غير تابعة للدين فحسب، بل وهي في تعارض مع الدين أيضًا. إن الدين ـ من وجهة نظره ـ لا يشكل أرضية مناسبة لتطوير الأخلاق، بل وإنه في الكثير من الأحيان يعمل على تشويه الأخلاق ويلحق بها ضررًا كبيرًا. وفي الوقت الذي نجد فيه سام هاريس ـ من بين الملحدين الآخرين ـ قد أقام نظريته الأخلاقية على علم الأعصاب، ذهب ريتشارد دوكينز إلى إقامة نظريته الأخلاقية على أساس فرضية التطور أو علم الأحياء. وقد سعينا في هذه المقالةـ ضمن بيان مدعيات ريتشارد دوكينز مع بيان تفسيراته في هذا الشأن ـ إلى نقد نظريته، وبالنظر إلى الانتقادات المذكورة وصلنا إلى نتيجة مفادها أولًا: إن الأخلاق لا يمكن فصلها عن الدين. وثانيًا: لو سلّمنا جدلًا إمكان الفصل بين الدين والأخلاق، إلا أن استمرار الأخلاق غير ممكن من دون أخذ الدين بنظر الاعتبار. وإذا ما تجاوزنا هذه الإشكالات فإن الأخلاق الداروينية بالإضافة إلى ابتلائها ببعض التحديات من قبيل الجبر والنسبية وعدم العلمية وما إلى ذلك من التحديات الأخرى، تواجه بعض الإشكالات الأخرى، من قبيل عدم إثبات الفرضية الداروينية وعدم جامعيتها أيضًا.
قائمة المصادر
1. القرآن الكريم.
2. التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم انتشارات دفتر تبليغات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، قم، 1387 ه ش.
3. آية اللهي، حميد رضا، وآخرون، بررسي انتقادي زايتگايست اخلاقي داوكينز، مجلة جستارهاي فلسفه دين، العدد: 2، ص 1 ـ 21، 1395 ه ش.
4. روسو، ژان ژاك، إميل يا آموزش و پرورش، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام حسين زيرك زاده، انتشارات شركت سهامي چهر، 1360 ه ش.
5. الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، انتشارات الشريف الرضي، قم، 1364 ه ش.
6. الشيخ الصدوق، محمد بن علي، الخصال، انتشارات جامعة المدرسين، قم، 1403 ه.
7.، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، انتشارات الشريف الرضي، قم، 1364 ه ش.
8. الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر (العلامة الحلي)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1413 ه.
9. الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، انتشارات دار الحديث، قم، 1376 ه ش.
10. كانت، إيمانوئل، بنياد ما بعد الطبيعه اخلاق، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت وعلي قيصري، انتشارات خوارزمي، طهران، 1369 ه ش.
11.، تمهيدات؛ مقدمهاي براي هر ما بعد الطبيعه كه به عنوان علم عرضه شود، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام علي حداد عادل، مركز نشر دانشگاهي، طهران، 1367 ه ش.
12. قلي زاده، أمر الله، كاركرد اخلاقي دين با تكيه بر ديدگاه ريچارد داوكينز وآليستر مك گراث، مجلة: أخلاق پژوهي، العدد: 12، ص 73 ـ 97، 1400 ه ش.
13. مصباح اليزدي، محمد تقي، انسان شناسي، مؤسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني، قم، 1392 ه ش.
14.، آموزش عقايد، شركت چاپ و نشر بين الملل سازمان تبليغات اسلامي، طهران، 1377 ه ش.
15.، فلسفه اخلاق، انتشارات مؤسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني، قم، 1391 ه ش.
16. المطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 1، انتشارات صدرا، طهران، 1384 ه ش.
17.، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 22، انتشارات صدرا، طهران، 1395 ه ش.
18. موسوي، السيد محمود وآخرون، أخلاق در أسارت ژنها، بررسي نظريات ريچارد داوكينز در مورد أخلاق مبتني بر نظريه تكامل، مجلة: پژوهشنامه اخلاق، العدد: 21، ص 61 ـ 76، 1392 ه ش.
19. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407 ه.
20. العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403 ه.
21. Bible. (n.d.). Luke 6: 29. Retrieved from https: //biblehub.com/luke/6-29.htm.
22. Dawkins, R. (2006). The God Delusion. London: Bantam Press.
23. Dennett, D. C. (2006). Breaking the spell: Religion as a natural phenomenon, Penguin Books.
24. Westacott, E. (2023). Moral Relativism. In Internet Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https: //iep.utm.edu/moral-re/
25. Westacott, E. (2024). Cognitive relativism. In Internet Encyclopedia of Philosophy.Retrieved November 4, 2023, from https: //iep.utm.edu/cognitive-relativism-truth/.
--------------------------------------
[1]. سبق لهذه المقالة أن صدرت بلغتها الفارسية الأصل تحت عنوان (نقد نظريه أخلاق تكاملي ريچارد داوكينز با تأكيد بر انديشه إلهي دانان مسلمان) في مجلة: فصلنامه أخلاق پژوهي، السنة السابعة، العدد: 7 (22)، ربيع عام: 1403 ه ش. ص 123 ـ 142.
تعريب: حسن علي مطر الهاشمي
[2]. أستاذ مساعد في قسم الفلسفة والعرفان في جامعة المصطفى العالمية، قم / إيران.
[3]. Dawkins, The God Delusion, 206 – 207.
[4]. Ibid., 31.
[5]. Ibid., 224.
[6]. Ibid., 207.
[7]. Robert Hinde
[8]. Michael Shermer
[9]. Robert Bruckman
[10]. Marc Hauser
[11]. وذلك لأن أصل هذه المقالة باللغة الفارسية (المحرر)
[12]. انظر: آية اللهي وآخرون، بررسي انتقادي زايتگايست اخلاقي داوكينز، 1.
[13]. انظر: قلي زاده، كاركرد اخلاقي دين با تكيه بر ديدگاه ريچارد داوكينز وآليستر مك گراث، 73.
[14]. انظر: موسوي وآخرون، أخلاق در أسارت ژنها، بررسي نظريات ريچارد داوكينز در مورد أخلاق مبتني بر نظريه تكامل، 61.
[15]. Dawkins, The God Delusion, 215.
[16]. النساء: 1؛ البقرة: 83؛ النور: 22.
[17]. محمد: 22 ـ 23.
[18]. الكليني، الكافي، 2: 289؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، 69: 106.
[19]. Dawkins, The God Delusion, 216.
[20]. المائدة: 2؛ الطلاق: 7؛ الإنسان: 8، وغير ذلك من الآيات الأخرى.
[21]. البقرة: 274.
[22]. لقمان: 4 ـ 5.
[23]. الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، 497.
[24]. التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، 383.
[25]. الشيخ الصدوق، الخصال، 103.
[26]. الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، 148.
[27]. Dawkins, The God Delusion, 219.
[28]. Ibid., 219 - 220.
[29]. Ibid., 220.
[30]. Ibid., 219.
[31]. Ibid., 220.
[32]. Ibid., 221.
[33]. Ibid., 219 – 220.
[34]. Ibid., 165.
[35]. "Natural selection can easily explain hunger, fear and sexulust, all of which straightforwardly contribute to our survival or the preservation of our genes" (Ibid., 215).
[36]. Ibid., 165.
[37]. Ibid., 216.
[38]. Ibid., 216.
[39]. Ibid., 221.
[40]. Ibid., 1 – 2.
[41]. Ibid., 258.
[42]. المائدة: 9.
[43]. الرحمن: 60.
[44]. البقرة: 237.
[45]. الإسراء: 70.
[46]. Dennett, Breaking the spell: Religion as a natural phenomenon, 305.
[47]. "If someone slaps you on one cheek, turn to them the other also. If someone takes your coat, do not withhold your shirt from them" (Luke, 6: 29).
[48]. إن الحبّ الذي يرد الحديث عنه في الإسلام هو ـ بطبيعة الحال ـ موجّه إلى حدّ ما، ويبدو أنه لا يشمل الجميع. فقد ورد الحديث في القرآن الكريم عن حبّ الله للصابرين (آل عمران: 146)، والمتوكلين (آل عمران: 159)، والمحسنين (آل عمران: 134)، والتوابين (البقرة: 222) ونظائر ذلك.
[49]. التوبة: 128.
[50]. الرحمن: 60.
[51]. المنافقون: 63.
[52]. الأنفال: 8.
[53]. مصباح اليزدي، فلسفه اخلاق، 333.
[54]. المطهري، مجموعه آثار، 552 ـ 565.
[55]. مصباح اليزدي، فلسفه اخلاق، 333.
[56]. روسو، إميل يا آموزش و پرورش، 201 ـ 202.
[57]. كانت، بنياد ما بعد الطبيعه اخلاق، 20 ـ 27.
[58]. cognitive relativism
[59]. Westacott, Cognitive relativism.
[60]. كانت، إيمانوئل، تمهيدات؛ مقدمهاي براي هر ما بعد الطبيعه كه به عنوان علم عرضه شود، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام علي حداد عادل، الفقرة: 7، مركز نشر دانشگاهي، طهران، 1367 ه ش.
[61]. Westacott, Moral Relativism.
[62]. Ibid.
[63]. Ibid.
[64]. الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، 308.
[65]. الشهرستاني، الملل والنحل، 1: 61.
[66]. مصباح اليزدي، انسان شناسي، 101 ـ 103.
[67]. مصباح اليزدي، آموزش عقايد، 141.
[68]. misfiring
[69]. المطهري، مجموعه آثار، 1: 514 ـ 515.