الباحث : د.غيضان السيد علي
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 40
السنة : خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث : 96
الخلاصة
يعدّ المذهب النفعي، كما بدا عند جيرمي بنتام وتلميذه جون ستيوارت مل، أبرز ثمار الاهتمام بالعلم التجريبي ومحاولة تطبيقه على دراسة الإنسان في القرن التاسع عشر؛ حيث ذهب أنصار هذا المذهب إلى اعتبار «اللذة» أو «المنفعة» الخير الأقصى أخلاقيًا، فاللذة هي الخير الوحيد، والألم هو الشر الوحيد، مما جعل هذا المذهب صورة منقّحة أو تطويرًا طبيعيًا لفلسفة اللذة؛ لذلك لم يكن غريبًا أن تكون الأنانية عندهم هي مبدأ الحياة الإنسانية؛ مادام الإنسان بطبيعته يبحث عن سعادته الخاصة ولذته الشخصية، ويتفادى تلقائيًا ما يسبب له الضرر دون حاجة من توجيه الآخرين. ومن ثم تحددت القيمة الأخلاقية للفعل في نتائجه وما يترتب عليه من آثار. وقد انتهت هذه المقاربة النقدية لهذا المذهب إلى اعتبار أن اللذة لا تصلح معيارًا للفعل الخلقي، وأن المنفعة اتجاه أناني رغم محاولة أنصاره تطويره ودفع هذه السمة المقيتة عنه. كما أغفل هذا المذهب -باتجاهه إلى اللذة والمنفعة والأنانية- كافة القيم الإنسانية السامية والأخلاق الرفيعة. الأمر الذي أفقده أنصاره، فلم يجد له وارثًا بعد (مل)، وإن بقيت النزعة الحسية حتى اليوم.
الكلمات المفتاحية: اللذة، المنفعة، الأنانية، المذهب النفعي، جيرمي بنتام، جون ستيوارت مل.
مقدمة
نَبَت المذهب النفعي في صورة لذة تختلط بالسعادة وتمتزج بالمنفعة، وتأسس على الأنانية في الغالب، والبحث عن مصلحة الأنا، فأحال العلاقات القائمة بين البشر إلى مجرد علاقات تجارية قائمة على المنفعة فقط، وأنكر العلاقات الوجدانية كالحب والإيثار والتضحية من أجل الآخرين، ونظر إلى الخير بوصفه شيئًا محسوسًا ملموسًا، أو هو على الأصح ظاهرة تقبل الوزن والقياس. ومع ذلك حاول أنصار هذا المذهب الربط بين خير «الفرد» وخير «الجماعة»، فذهبوا إلى أن البحث عن لذّة الآخرين إنما هو خير وسيلة تعين الفرد نفسه على الوصول إلى أكبر قسط ممكن من اللذة، ومعنى هذا أن المنفعة الشخصية وثيقة الصلة بالمنفعة العامة، ما دام الفرد عاجزًا عن الوصول إلى ما هو ضروري لحياته دون الاجتماع بالآخرين والتضامن معهم. وليس الإيثار- هنا في حقيقته- سوى تضحية الفرد بجانب من لذته، في سبيل الحصول على قدر أكبر من اللذة لنفسه، عن طريق العمل على خدمة مصالح الآخرين.
ولهذا المذهب صور مختلفة في تاريخ الفلسفة؛ إذ تمتد جذوره إلى الفلسفة الأبيقورية التي رأت أنه ينبغي أن ينشد الإنسان في كل تصرّف يُقْدم عليه تحقيق لذة أو تفادي ألم، ثم أخذ هذا المذهب في التطور داخل البيئة الغربية حتى تبلور هذا المذهب في أبهى صوره في القرن التاسع عشر مع تزايد الاهتمام بالعلم التجريبي في دراسة الإنسان، حيث تم تحويل دراسة الأخلاق من المنهج التأملي الفلسفي إلى المنهج العلمي التجريبي على يد المدرسة النفعية الإنجليزية أو ما عرفوا فيما بعد بأتباع مذهب المنفعة العامة، وكان من أشهر أعلام هذا المذهب اثنان من أشهر الفلاسفة الإنجليز هما: جيرمي بنتام[2]، وجون ستيوارت مل[3] اللذان أسهما بنصيب وافر في التعريف بالمذهب النفعي في الأخلاق وبيان معالمه وتفاصيله. حيث قدَّم الأول الأنانية على الإيثار، فجعل خدمة الآخرين مجرد واسطة لتحقيق المنفعة الشخصية. وهو الأمر الذي رام الثاني تعديله حتى يدرأ عن المذهب وصمة الأنانية المقيتة، فقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وحمد تضحية الفرد بذاته من أجل الآخرين، فخرج بعيدًا عن حدود المذهب النفعي مما جعل الكثيرين من النقاد أن يضعوا (بنتام) في موضع أسمى من خَلَفهِ (مل) من ناحية الولاء للنزعة الحسية ومسايرة مقتضياتها.
أولًا: المنفعة في اللغة والاصطلاح
النفع – لغةً- هو الخير والإفادة. ونفعه- نفعًا: أفاده وأوصل إليه خيرًا. فهو نافع، ونفَّاع. واستنفع فلانًا أي طلب نفعه، والمنفعة: كل ما ينتفع به. ومنافع الدار: مرافقها. والمنافع العامة: ما كان فيه نفع مشترك بين الناس[4]. والنفعي من الرجال هو من يُؤْثِر المنفعة على كل شيء، والنفعي من الأشياء ما يترتّب عليه النفع، ويرادفه النافع. وقد يطلق (النفعي) على الرجل الذي لا يفكّر في المُثل العليا، ولا يميل إلّا إلى الأرباح المادية[5]. والمنفعة هي خاصّية الشيء التي تجعله ينتج فائدة، أو لذة، أو خيرًا، أو سعادة، أو خاصية الشيء التي تجعله يحمي السعادة من الشقاء، أو الألم، أو الشر، أو البؤس بالنسبة إلى الشخص الذي تتعلق به المنفعة[6].
أمَّا النفعية، أو مذهب المنفعة في الاصطلاح، فهو مذهب يجعل المنفعة مبدأ جميع القيم، علمية كانت أو عملية. وهو المذهب الذي يجعل تحقيق المنفعة مبدًا، وتوفير أكبر قسط من السعادة قاعدة، والاتفاق بين المنفعة الفردية والمنفعة العامة غاية. فالأفعال الصالحة عند النفعيين هي التي توصل إلى السعادة، والأفعال السيئة هي التي توصل إلى الشقاء، ومعنى السعادة: اللذة الخالية من الألم، ومعنى الشقاء: هو الألم الخالي من اللذة، والسعادة والمنفعة متّحدتان ذاتًا[7]. ويسعى مذهب المنفعة العامة إلى التوفيق بين المنفعة الفردية والمنفعة العامة، وإلى تحقيق السعادة التي هي اللذة الخالية من الألم والتي لا تنفصل عن المنفعة[8].
والمنفعة[9] اسم من النفع، ويطلق عليها الفائدة أو الغاية التي تترتّب على الفعل، والنفعي- بطبيعة الحال- ينشد النافع، ويُؤثِر المنفعة على كل شيء[10]. وقد بُني مذهب المنفعة على أساس فلسفي قديم فحواه أن الخير هو اللذة والشر هو الألم، ومن ثم ينشد الإنسان الفاضل تلك الحالة التي يبلغ فيها تفوّق اللذة على الألم أقصى مداه؛ ولذلك عدّه كثير من الباحثين بأنه مذهب لا يخرج عن كونه صورة منقّحة أو تصحيحًا عقليًا لفلسفة اللذة. فإن حساب اللذات (مثلًا) إنما يعني تأخير موعد استحقاق اللذة من أجل صبغ السعادة بصبغة معقولة تتلاءم مع مصلحة كل من الفرد والجماعة[11].
ويعد مذهب المنفعة من أكثر المذاهب الأخلاقية التجريبية شهرة، خاصة أنه كان في صياغته الأولى مذهبًا بسيطًا يطرح بعض الأسئلة البسيطة من قبيل: لماذا تكون بعض الأفعال صحيحة، وبعضها الآخر خاطئًا؟ ولماذا تكون محصلة بعض الأفعال مقبولة على الرغم من أنها لم تلق قبولًا واستحسانًا؟ ولذلك كانت المنفعة، هي أعظم مبدأ للسعادة، فعن طريقها تصبح الأفعال إما صحيحة وإما خاطئة، ويكون الحكم على هذه الأفعال بواسطة النتيجة وكم اللذة، ففي حالة الأفعال الصحيحة تتحقق اللذة ويغيب الألم، أما في حالة الأفعال الخاطئة تُفتقد اللذة ولا يوجد سوى الألم[12].
ويلاحظ مما تقدم أن المفهوم الأساسي لمذهب المنفعة يتمحور حول أن المنفعة هي وحدها الخير الأقصى، والألم وحده هو الشر الأقصى، وينشأ عن ذلك أن الأفعال الإنسانية لا تكون خيرًا إلا متى توقّع صاحبها من ورائها نفعًا، ولهذا يعدّ مذهب المنفعة غائيًا؛ إذ إنه يؤكد بأن صحة وصواب أي فعل يتوقّف على نتائجه، وبهذا توقّفت الأخلاقية على نتائج الأفعال وآثارها، وأصبحت المنفعة مقياس الخيرية[13]، ومن ثم كان مذهب المنفعة هو المذهب القائل: «إن الغاية المثلى للسلوك البشري ينبغي أن تكون أعظم قدر من الخير لأكبر عدد من الناس- مع تعريف الخير- على أساس اللذة أو السعادة»[14].
وقد اتخذ المذهب النفعي صورًا شتى بوصفه مذهبًا ذا جذور ممتدة في تاريخ الفلسفة، يمكننا الإشارة إليها فيما يلي[15]:
1. مذهب المنفعة اللاهوتية[16]: وهو المذهب النفعي كما بدا عند جون جاي[17]، ووليم باليه[18]، وغيرهما ممن جعلوا الله (سبحانه وتعالى) ممثل النفعية في أكمل صورها.
2. مذهب المنفعة الاقتصادي[19]: كما بدا عند آدم سميت[20] وريكاردو[21]، ومالتوس[22] ممن جعلوا غاية الحكومة أن تحقق لمواطنيها أقصى سعادة اقتصادية ممكنة.
3. مذهب المنفعة السياسي[23]: كما وضعه بنتلي[24] الذي جعل «أعظم مقدار من السعاة» مقياسًا للتمييز بين القوانين الطيبة والقوانين السيئة.
4. مذهب المنفعة التجريبي[25]: وهو أشهر صور هذا المذهب وأكثرها تعبيرًا عن فحواه ومعانيه، وهو الذي سوف نهتمّ بالحديث عنه في هذا البحث كما بدا عند جيرمي (بنتام) وجون ستيوارت (مل).
5. مذهب المنفعة التطوري[26]: كما تمثل عند هربرت سبنسر[27] وليزلي ستيفن[28] وغيرهما ممن ردوا النفعية الكاملة إلى التطور.
6. مذهب المنفعة الحدسي أو العقلي[29]: كما بدا عند هنري سدجويك[30] وغيره ممن أقاموا النفعية على أسس حدسية.
7. مذهب المنفعة المثالي[31]: وهو ما نجده عند جورج مور[32] ورشدال[33] وغيرهما من المعاصرين الذين جعلوا الخير أعم من اللذة التي تمسك بها الخُلّص من النفعيين واللذّيين.
8. مذهب المنفعة العملية[34]: ويتجلّى هذا المذهب عند أنصار البرجماتية، كما تبدو عند وليم جيمس[35]، وجون ديوي[36]، وتشارلز بيرس[37]. وغيرهم ممن رأوا أن الحقيقي ليس شيئًا سوى النافع الموافق المطلوب في سبيل تفكيرنا، تمامًا كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافع المطلوب في سبيل مسلكنا العملي.
وقد اتسعت النفعية كفلسفة حتى شملت هذه المجموعة الضخمة من مذاهب الفلاسفة- أخلاقيين كانوا أو غير أخلاقيين- بل أكّد جيرمي (بنتام) أننا إذا استبعدنا اللغو والعبث من نظريات خصوم النفعية ما بقي منها إلا ما يتفق مع مذهبه النفعي! وإلى مثل هذا ذهب المتطرّفون من النفعيين[38]. إلا أن الجدير بالذكر هنا أن المذهب النفعي كان إنجليزيًا في الجوهر والدافع، وأن النصيب الأكبر منه خاصة فيما يتعلق بنظرية الأخلاق قد ارتبط بشكل كبير بالمذهب التجريبي الإنجليزي كما بدا عند بنتام ومل[39].
نخلص مما تقدم أن هذا المذهب يقوم على النظر إلى نتائج الأفعال، فإذا كانت نتيجة الفعل نافعة أو سارّة كان الفعل خيّرًا، وإذا كانت نتيجة الفعل مؤلمة أو مضرّة كان الفعل شريرًا. وحتى يتفادى هذا المذهب الوسم بالأنانية المفرطة جعل غايته، وخاصة عند الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل، هي بلوغ السعادة العظمى لأكبر عدد ممكن حتى يتحقق خير الفرد والجماعة. ولا شك في أن معيار المنفعة -بهذا الشكل- في تعريف الخير والشر أو الصواب والخطأ سيثير مشكلات عدة خاصة في المجال الأخلاقي، وهو الأمر الذي سنتعرض له بالتفصيل في هذه المقاربة النقدية.
ثانيًا: معالم المذهب النفعي في الأخلاق
تتمظهر معالم هذا المذهب -كما تجلّت عند (بنتام) و(مل)- من خلال الإجابة عن سؤالين مهمين يمثّلان الخطوط العريضة لهذا المذهب، أما السؤال الأول، فهو: ما الذي نعنيه بالفعل الصواب؟ في حين يدور السؤال الثاني عن: ما هي النتائج ذات القيمة؟ فإذا أردنا أن نجيب عن السؤال الأول في ضوء المذهب النفعي، فإننا نقول: إن الفعل الصواب هو الفعل الذي يجد الفاعل أنه يؤدي إلى أفضل النتائج من بين كثرة من الأفعال الموجودة أمامه. أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني (ما هي النتائج ذات القيمة؟) فإن الإجابة تكون أن السعادة هي وحدها ذات القيمة، وإذا جمعنا بين الإجابتين فإننا نصل إلى النتيجة الآتية: تكون الأفعال صوابًا بالنسبة إلى ما تحققه من سعادة، وتعدّ خاطئة إن هي أدّت إلى عكس السعادة، فالسعادة هي غاية الأفعال جميعًا.
ومن هنا فإن الفيلسوف النفعي حين يريد أن يعرف ما إذا كان فعل من الأفعال صوابًا أو خطًا. فإن كل ما عليه أن يفعله هو أن ينظر فيما يحدِثه الفعل من نتائج تؤدي إلى السعادة، أو تعوق هذه السعادة، ويكون الفعل صوابًا إذا كانت نتائجه تؤدي إلى السعادة[40]. وهو الأمر الذي ترتّب عليه ما سنبيّنه بوضوح في النقاط التالية:
1. اللذة أو المنفعة هي الخير الأقصى أخلاقيًا
حينما نعرض لمذهب (بنتام) في المنفعة نلاحظ أمرين مهمين: الأول أنه يستخدم اللذة والسعادة بمعنى واحد، إذ يعتبرها مبدأ المنفعة وغاية الحياة الخلقية التي ينبغي على الأفراد والمجتمعات البشرية كلها تحقيقها. والأمر الثاني: إنَّه إذا كان (بنتام) يقول إننا ينبغي علينا أن ننشد تحقيق السعادة، فإنه لا يستخدم هذه الكلمات بمعناها المألوف عند المثاليين أو الحدسيين، لكنه يقول إن الناس بالفعل ينشدون سعادتهم الخاصة، وأن غاية كل كائن ناطق أن يحقق لنفسه أعظم مقدار من السعادة، ومن هنا فإن هذه القيمة مصدرها التجربة وحياة الناس اليومية، وليست هي من الكلمات الخلقية التي اخترعها فيلسوف الأخلاق للتعبير عن أفكاره المتعسّفة على حد تعبيره[41]. فأفعال الناس جميعًا تنشد اللذة أو المنفعة – في نظر (بنتام)- ولن تجد إنسانًا يعمل عملًا ما إلّا وهو منتظر نتيجة فعله، حتى المحاربين في سبيل الوطن بعضهم يسعى إلى إرضاء الله لأجل مصلحته هو، وبعضهم أُجبر على ذلك، والبعض الآخر يدافع عن هذا الوطن من أجل أبنائه وأسرته؛ لأنه يرى أن خلوده مرتبط بهم، والبعض الآخر يسعى إلى ذلك بقصد المباهاة والتفاخر... وهكذا نجد أن المنفعة تكمن وراء كل سلوك ونشاط إنساني[42].
ومن ثم، يخالف النفعيون الفلاسفة المثاليين والحدسيين؛ فإذا كان الفلاسفة المثاليون والحدسيون يعلّقون خيرية الأفعال على بواعثها دون نتائجها، فإن النفعيين من أمثال (بنتام) و(مل) يستخفّون ببواعث الأفعال ويربطون بين الخيرية ونتائجها، وبهذا يرفض النفعيون ما يؤكّده خصومهم من أن الخير يحمل في باطنه جزاءه، وينطوي في طبيعته على مبررات فعله، وجاهر (بنتام) بأن الأخلاقية تفتقر إلى جزاء sanction يغري بالتزامها، وصنّف الجزاءات إلى أربع: بدني جسماني، وسياسي أو قانوني، واجتماعي أو عرفي، وديني إلهي؛ فمن أوقع بالآخرين الأذى نال جزاءه من متاعب الجسم، وعقاب القانون، وسخط المجتمع، وعذاب الجحيم. وعلى عكسه يكون جزاء من يعمل على تحقيق الخير لنفسه وللآخرين[43].
غاية الإنسان – إذن- أن يحقق سعادته ويبتعد عن الألم، ومن هنا تصبح اللذة هي الخير الوحيد، كما يصبح الألم هو الشر الوحيد. يقول (بنتام) في نص مشهور: «لقد وضعت الطبيعة الإنسان تحت سيطرة سيدين مطلقين هما اللذة والألم. فهما يتحكّمان في كافة ما نفعل، وكل ما نقول وكل ما نفكر فيه، ولا يمكن أن يؤدي إلى جهد نبذله للتحرّر منهما إلا بالخضوع لهما وتأكيده، ويعترف مبدأ المنفعة بهذا الخضوع، ويفترضه أساسًا لهذا المذهب الذي يهدف إلى تكوين نسيج السعادة بأيدي العقل والقانون»[44]. أما (مل) فيرى أن اللذة هي الشيء الوحيد الذي يعد مرغوبًا فيه[45]. فغاية هذا المذهب هي تحقيق المنفعة، وهي كل فعل يحقّق أو يُتوقّع أن يحقق لصاحبه أكبر قدر ممكن من اللذة أو المنفعة، وقد اختلف النفعيون حول اللذة، هل هي حسية فقط أم عقلية؟
يرى (بنتام) أن الإنسان، شأنه شأن غيره من الحيوانات الأخرى، يسعى طلبًا للذة ويهرب من الألم معتقدًا أن اللذة هي سعادته، وأنه من خلالها يحقق وجوده إن لم يكن يحقق بقاءه. وأن أهم ما يميز الكائن البشري هو أنه كائن عاقل يحكّم عقله في كل شيء؛ لذلك يمتاز عن الحيوانات فيما يختص بمسألة اللذة في أنه يفاضل بين اللذات، أما الحيوانات الأخرى فلا تملك هذه المفاضلة إنما تسلك وفقًا لغريزتها. أما الإنسان فإنه يعمل عقله بحيث يراعي مصلحته، ويراعي القوانين الشرعية، وعادات المجتمع وتقاليده، وبناء على ذلك كله يحدد سلوكه.
ولهذا فإن ما يميز الشرير عن الفاضل الخيِّر هو أن الفاضل الخيِّر يسعى إلى القيام بالأفعال التي تعود عليه بلذّة دائمة، طارحًا كل لذّة يكون ضررها أكثر من نفعها. أما الشرير فإنه ذلك الكائن الذي يسعى إلى نهب اللذّة بغض النظر عن الظروف المحيطة بها؛ إذ هو إنسان حسي شهواني شأن الأجلاف من البشر الذين يسعون إلى نهب اللذّات دون حساب للعواقب الوخيمة التي يمكن أن تؤدي بهم إلى الهلاك[46]. ومن ثم حاول (مل) أن يتسامى باللذة كمعيار للقيمة؛ فذهب إلى أن اللذات العقلية تسمو على اللذات الحسية[47].
ومن ثم وضع (بنتام) مقياسًا لحساب اللذات، حيث يستطيع الإنسان من خلاله تفضيل لذة على أخرى، واحتوى هذا المقياس على سبعة مستويات صنّفها بعض مؤرخيها إلى أربع مجموعات هي:
أ. الشدة والديمومة: أي يتم تفضيل اللذة بناء على شدّتها ودوامها.
ب. التأكّد من تحقّق اللذة: فالفعل الذي يحقّق اللذّة الآن أفضل من الفعل الذي يحقّقها فيما بعد.
ج. الخصوبة: أي أن ما يحتمل أن يتولّد عنها لذّات أخرى، ثم الصفاء أي تجرّدها من الألم.
د. الشمول أو (السعة): أي عدد الأشخاص الذين يمكن أن يتأثّروا بهذه اللذة.
وبتأسيس الفعل الأخلاقي على اللذة كما بدا عند (بنتام) فإنه بذلك يحيل الحياة الأخلاقية إلى مجرد بحث عن الوسائل دون العناية بإدراك الغاية التي تكمن وراء هذه الوسائل. كما أن النظر إلى أخلاقية الفعل حسب نتائجه سيجعلنا نرجئ الحكم على أي فعل؛ لأنه يستحيل علينا أن نعرف جميع النتائج المترتبة على فعل من الأفعال، فربما تكون النتائج القريبة نافعة أو تحقق لذة لصاحبها في حين تكون النتائج البعيدة عكس ذلك. في حين يبدو القول بأن اللذات تختلف من حيث الكيف إلى جانب اختلافها من حيث الكم، كما قال (مل) فهو قول صحيح؛ لأننا اعتدنا أن نتحدث عن لذات نبيلة رفيعة ولذات دنيئة حقيرة، لكن ما هو المعيار الدقيق الذي نستطيع من خلاله التمييز بين اللذات من خلال الكيف؟ هذا ما لم يبينه لنا فلاسفة المذهب النفعي.
2. الأنانية مبدأ الحياة الإنسانية في المذهب النفعي
إن الإنسان - وفقًا للمذهب النفعي- بطبيعته يبحث عن سعاته الخاصة، ويتفادى تلقائيًا ما يسبّب له الضرر أو الألم، وهو بفطرته أناني نفعي، مهما حاول أن يظهر خلاف ذلك خوفًا من الاستهجان المجتمعي، فليست الغيرية إلا أنانية متنكّرة! والتجربة تشهد بأن الإنسان لا يُقدِم على فعل فيه خير للآخرين إلا متى ناله من وراء هذا الفعل نفع! فنجد أن (بنتام) يحذّرنا دائمًا من أن نتوقّع من الآخرين أن يقوموا بعمل غيري لا مصلحة لهم فيه، إذ يقول (بنتام): «لا تحلم قط بأن الناس سيحرّكون خنصر أصابعهم لخدمتك إلّا إذا كانت منفعتهم بتصرّفهم هذا واضحة أمامهم، إنهم لم يفعلوا ذلك قط، ولن يقدموا على فعله في مقبل أيامهم طالما كانت طبيعتهم البشرية مصوغة من مادتها الراهنة، ولكنهم يقبلون على خدمتك مختارين متى كان في ذلك تحقيق لخدمة أنفسهم، وما أكثر الفرص التي يمكنهم فيها أن يخدموا أنفسهم من خلال خدمتهم لك»[48].
وبناء على ذلك يرى (بنتام) أن مهمة فيلسوف الأخلاق لا ينبغي أن تتمثل في القول: ينبغي على الإنسان أن يفعل كذا، ولا ينبغي عليه أن يفعل كذا، بل تتمثل في القول: إن من طبيعة الإنسان أن يفعل كذا، وإذا كان لهذا الإنسان نفع من وراء إقدامه على السرقة، كان غير مسؤول عن ذلك، إن المسؤول عنه هو الأخصائي في عقاب المجرمين، هو المشرع الجنائي الذي يسيء تقدير العقوبات، أو يكافئ الشرطي النزيه بأقل مما يستحقّ، أما المجرم فإن مردّ شرهه إلى خطأ ينبغي أن يبرئه منه الأخلاقيون، والسكّير لا يُلام على إفراطه في السكر إلا لأنه يبتاع سكره بثمن باهظ، وليس الزاهد الذي يفرّط في حق جسمه بأقل جناية ممن يضر نفسه ويؤذي غيره، ذلك أن الشر هو الشر في نظر الأخلاق. وفي هذا كله ساير (بنتام) نزعته الحسية التي أنكر فيها معيارية الأخلاق واعتبرها علمًا وضعيًا[49].
ولما شعر (بنتام) أن اتصاف مذهبه بالأنانية سوف يمثل مأزقًا حقيقيًا، راح يبحث عن سبيل لتفادي هذا المأزق، فرأى أن الأنانية في الأصل هي الباعث الوحيد الذي يغري الإنسان بالإقدام على أفعاله أو الإحجام عن إتيانها، ولكن التروّي والتبصّر قد علّمه أن مصلحته تقتضي أن «يظهر» أمام الناس بمظهر الذي لا يحفل بمصلحته الشخصية ولا يقيم لها وزنًا، ولكن مجرّد التظاهر قد ينكشف للناس فيبدو صاحبه وكأنه محتال! من هنا خطر له أن من مصلحته أن يكون بالفعل غيريًا في تصرفاته، فيتمسك بالخُلق الذي كان في أول الأمر يتظاهر به![50].
وبهذا الاستدلال العقلي المعقّد توصّل (بنتام) إلى نتيجته التي فسّر بها معنى الغيرية، وقرّر فيها أن المصلحة الذاتية تتطلّب من صاحبها أن يُنشد تحقيق مصلحة المجموع في غير أثرة، وأن هذا هو خير طريق يسلكه إلى تحقيق مصلحته الشخصية[51]. أي أن رغبة الإنسان في أن يشارك غيره لذّاته هو أمر من شأنه أن يعمل على زيادة شعور الفرد باللذة. فنعود مرة أخرى إلى الأنانية عينها.
لذلك سعى (مل) لتدارك هذا الأمر، فنادى بأنه من الواجب على الفرد أن يضحّي بمصلحته وبمنفعته إذا كانت هذه المصلحة لا تؤدّي إلى نفع الآخرين أو إلى سعادتهم؛ لأنه يرى أن السعادة ليست سعادة الفرد، بل سعادة المجموع، سعادة الأفراد جميعًا، الذين يعيشون معًا. ألم يرد على لسان المسيح: «اعمل للآخرين كما تحب أن يعمل الآخرون لكم، وأحب جارك حبّك لنفسك». إن هذين القولين في رأي (مل) دليل قاطع على الأخلاق النفعية التي نادى بها. فهو يرى أن حبي للآخرين حب لنفسي، وفي محافظتي على مصالح الآخرين محافظة على مصلحتي أنا التي فيها نفعي وخيري الشخصي[52]. وبناء على ذلك اعتبر (مل) «المجموع» أسبق على «الفرد» من الناحية الخلقية، وأقرّ مبدأ التضحية حين يكون فيها نفعٌ يعود على أكبر عدد ممكن من الأفراد
ونلاحظ هنا أن (مل) حين حاول تفادي وصمة الأنانية عن المذهب النفعي خرج عن حدود المذهب النفعي، تلك الحدود التي تستبعد أي تضحية لا يجني الفرد ثمارًا لها. وإذا كان (مل) طلب من الفرد أن يسعى إلى خير الجميع حتى وإن كان على حساب نفعه هو فإنه إنما يستند في رأينا في حكمه هذا إلى منطق المذهب العقلي لا إلى منطق المذهب النفعي الذي نادى به أستاذه (بنتام).
3. القيمة الأخلاقية للفعل تتحدّد في نتائجه
يذهب المذهب النفعي- كما سبق أن أشرنا- إلى أن مصدر الإلزام الخلقي يرتدّ إلى جزاءات الأفعال، فالخير ما حقّق منفعة أو لذّة، والشر هو ما حقّق ضررًا أو ألمًا. فمن الواضح أن أصحاب مذهب المنفعة لا يهتمّون بالمقاصد أو النوايا؛ إذ إن كل اهتمامهم موجّه نحو الوقائع أو النتائج؛ أي في الجزاءات التي تترتّب على ممارسة الأفعال، وعلى هذا تكون جزاءات الأفعال هي التي تحدّد قيمة الفعل الأخلاقية. فمثلًا إذا كان جزاء ممارستي فعلًا معينًا هو العقاب والضرر والألم، فإنني أتحاشى تكرار هذا الفعل، بينما أميل إلى ممارسة الأفعال الأخرى التي يكون جزاؤها ثوابًا أو نفعًا ولذة تعود على نفسي. صحيح أن (بنتام) و(مل) كثيرًا ما استخدما لفظ «الخير» ولكنهما يخلعان على هذا المفهوم طابع «العملة» أو «النقد». وآية ذلك أن (بنتام) – مثلًا- حين ينظر إلى (السكّير) فإن كل ما يقوله عنه إنه يشتري «السُّكْر» بثمن باهظ! وكأن هذا هو المأخذ الوحيد الذي يمكن أن يوجَّه إلى «مدمن الخمر»![53].
وعلى الرغم من أن (بنتام) قد حاول أن يدرأ عن مذهبه تهمة الأنانية، فإنّه حاول أن يفسح مكانًا في مذهبه للاهتمام بالسعادة العامة أو رفاهية المجموع، إلّا أننا نراه يسهِب في الحديث عن «الوسائل» المؤدية إلى هذه الغاية، وكأن المقصد الأساسي للفلسفة الخلقية هو القيام ببعض العمليات الحسابية من أجل قياس عدد اللذات، ومقدارها، ومدى امتدادها، ودرجة شمولها (أي عدد المنتفعين)، ولا شكّ في أن هذا الخلط الواضح بين مفهوم «الخير» ومفهوم «المنفعة» هو الذي حدا بجماعة النفعيين إلى تحويل الحياة الأخلاقية بأسرها إلى عملية سعي مستمر وراء «الوسائل» المؤدية إلى «المنفعة»، وكأن من الممكن أن يطلب «النافع» لذاته، دون التفكير في الغاية التي هو نافع لها!
ومعنى هذا أن من شأن فلسفة المنفعة أن تحيل الحياة إلى مجرد بحث عن «الوسائل» دون العناية بإدراك «الغاية» التي تكمن وراء تلك «الوسائل». ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل الغربي المعاصر يصبح مجرّد «عبد للمنفعة»، فهو يجري وراء اللذّات ويسعى وراء المنافع دون أن يفكّر في «الغاية» التي يلتمسها من وراء تلك المنافع أو اللذّات![54]. ولا شك في أن الحياة البشرية حين تستحيل إلى سعي مستمرّ وراء المنفعة أو وراء النافع فإنها عندئذ لن تلبث إلّا أن تفقد معناها الأصلي وقيمتها الحقيقية. ولذلك فلا غرابة من أن يبدو الغربي المعاصر الذي تشبع بالفلسفة النفعية على مدار تاريخه الطويل مفتقرًا تماما إلى الإحساس بالقيم؛ تلك القيم التي تكمن من وراء شتّى الأشياء، وتضفي عليها كل ما لها من معنى أو دلالة.
ومن ثم يمكن توجيه سهام النقد إلى هذه النقطة بالذات؛ حيث إن الاهتمام بالنتيجة دون الباعث أو الاهتمام بشكل الفعل دون حقيقته، أو خضوع الأخلاق للقانون وليس العكس تُعدّ نقطة ضعف ظاهرة في هذا المذهب؛ حيث إنّه ما دام معيار الفعل الخلقي عند أصحاب المنفعة العامة هي النتيجة؛ فإذا كانت النتيجة في صالح الإنسان بحيث يجني منها نفعًا يزيد على ما يلحقه من ضرر كان الفعل خيرًا والسلوك فاضلًا. أما إذا تسبّب الفعل في إلحاق ضرر بصاحبه أو أنه لم يؤدِّ إلى نفع يجنيه من وراء هذا الفعل، كان الفعل لا قيمة له من الناحية الخلقية.
كما أن تحديد قيمة الفعل بنتائجه سيضيّع أفعالًا كثيرة أخلاقية جديرة بالاحترام؛ فالطبيب الذي يجتهد ويبذل قصارى جهده مع مريض، وبعد ذلك يموت المريض، فبالنظر إلى النتيجة وحدها سيصبح ما فعله الطبيب من جهد بلا قيمة أخلاقية. وأن الذي يستطيع أن يغشّ ثم ينجح في الامتحان سيكون عمله هذا عملًا له قيمة أخلاقية، حيث إنه أدى إلى نتيجة النجاح في الامتحان. ولا شك في أن هذا وذاك أبعد ما يكون عن الصواب الأخلاقي لدى الغالبية العظمى من فلاسفة الأخلاق، كما أنه لا يحظى بثقة العقل البشري وتقديره واحترامه.
ثانيًا: نقد مذهب المنفعة العامة بوصفه مذهبًا أخلاقيًا
لا نستطيع أن ننكر ما للذة والألم من مفعول سحري على سلوك الإنسان، كما أننا لا ننكر أن ثمار الفعل أمر يراعيه الإنسان في قيامه بهذا الفعل أو ذاك. ومهما يُقال بشأن احترام الواجب والعمل وفقًا للقانون أو بشأن مراعاة الخير للجميع، فإنّ هذا لا ينفي البتة أن الإنسان يسعى إلى سعادته أولًا، وأنه بطريقة أو بأخرى يجد نفسه ميّالًا إلى القيام بكل الأفعال التي يعتقد أنها تحقّق آماله ورغباته. فمن هذه الناحية نستطيع أن نقول: إن للمذهب النفعي مبرّراته الوجيهة والمقبولة والتي يؤيّدها العقل والواقع، على أن هذا لا يمنع من القول إن ثمة مآخذ عديدة تؤخذ على مذهب المنفعة العامة بوجه عام[55]، ويتمثّل النقد العام لهذا المذهب في ثلاث نقاط رئيسة، هي:
1. اللذة لا تصلح معيارًا أخلاقيًا
يرى المذهب النفعي أن اللذة هي المعيار الخلقي الوحيد، وهي غاية الفعل والباعث إليه، وأن الإنسان يكون سعيدًا بقدر ما يلتذّ بأفعاله. لكننا نرى أن اللذة لا ينبغي أن تكون غاية الفعل أو الإنسان؛ لأن شخصية الإنسان تتكوّن من جوانب شتّى، وما الجانب الجسمي سوى جانب واحد منها، فضلًا عن أن الجانب الحسّي هو جانب مشترك بين الإنسان والحيوان، والأخلاق تكون إنسانية بقدر ارتباطها بما يميز الإنسان عن الحيوان.
كما إنَّ اللذة لا تعدو أن تكون مجرّد وسيلة لبلوغ السعادة، فهي مجرّد تتويج للفعل لا أكثر ولا أقل، ومع أنها مرتبطة بالفعل، إلّا أنها لا ينبغي أن تكون الهدف أو الباعث. إن اللذة غاية فعل الحيوانات، فهل تكون هي بعينها غاية فعل الإنسان الذي يتطلّع إلى قيم عليا، ومثل أعلى ينشده! إن المثل الأعلى أو الخير الأقصى ينبغي أن يكون دائمًا هدفًا يسعى نحوه المجتمع، ولا ينبغي أن نسوي البتة بين هذا الهدف وبين الدافع الفعلي؛ لأننا إذا سوّينا بين الأمرين، لكنّنا بذلك نحكم على المجتمع بالجمود؛ لأن تقدّم المجتمع ورفاهية الجماعة تكمن في الصراع من أجل تحقيق الأفضل لتحقيق المثل الأعلى[56].
كذلك لا يصحّ أن تكون اللذة أو المنفعة هي المعيار الذي يُقاس به الفعل الأخلاقي؛ لأن اللذة من حيث هي لذّة أو المنفعة من حيث هي كذلك لا تبيح للإنسان أن يفرّق بين لذّة وأخرى؛ لأن منطق المذهب النفعي ينصّ على أن اللذّة هي الخير الوحيد فحسب. فإذا كنّا نفاضل بين اللذّات ونفاضل بين المنافع، فإن هذه المفاضلة، كما هو معروف، ينبغي أن تكون على ضوء معيار آخر يفوق اللذّة؛ لأن المفاضلة بين شيئين تتضمّن شيئًا ثالثًا على ضوئه نفاضل بين هذين الشيئين. إذن ينبغي أن يكون هناك معيار آخر غير اللذة أو المنفعة نقيس به خيرية الفعل الخلقي[57]. ويبدو أن النفعيين قد تنبّهوا إلى ذلك. فذهبوا إلى أنه من الواجب على المرء أن يستعين بالعقل والتبصر في المفاضلة بين اللذّات. ومعنى هذا أن اللذة ليست هي المعيار، بل أمر آخر يفوقها جمالًا وجلالًا. إن مذهب المنفعة بوضعه اللذة غايةً للفعل الخلقي إنما يقضي على نفسه بنفسه، من حيث إنه إذا كانت اللذّة، وهي غريزة فطرية في الإنسان، غايةً قصوى، فما الداعي لتأكيده ذلك مع أن كل إنسان يدرك هذا بناء على مذهبهم[58].
ويشير برتراند رسل إلى تلك المغالطة المنطقية التي ساقها (مل) في كتابه «مذهب المنفعة العامة» مستنكرًا على (مل) كيف ظن أنها سليمة؛ إذ يقول (مل): «اللذة هي الشيء الوحيد المرغوب، ومن ثم فاللذة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يُرغب فيه». ومن ثم يعقّب رسل على هذا القول بأن (مل) يبني حجّته على أساس واهٍ، وهو قوله: «إن الأشياء التي يمكن رؤيتها هي الأشياء المرئية بالفعل، والأشياء الوحيدة التي يمكن أن نسمعها هي الأشياء المسموعة بالفعل، وبالمثل الأشياء الوحيدة التي يمكن أن نرغبها هي الأشياء المرغوبة». أي أن الدليل الوحيد الممكن على أن الشيء خير هو أنّ الناس بالفعل يرغبون فيه، والسعادة هي الشيء الوحيد المرغوب فيه لذاته بصرف النظر عما يُحتمل أن ينجم عنه من نتائج أو آثار[59]. لكن (مل) – حسب رسل- لا يبيّن لنا أن شيئًا «يمكن أن يرغب» إذا كان ينبغي أن يكون مرغوبًا، وعلى ذلك «يمكن أن يرغب» هي كلمة تفترض مسبقًا نظرية أخلاقية، فنحن لا نستطيع أن نستدلّ على ما «يمكن أن يرغب» بما هو مرغوب[60].
كما أن المذهب النفعي تحدث عن «اللذة»، و«السعادة»، و«المنفعة» وكأنهم مسمّيات متعدّدة لشيء واحد، رغم وجود اختلافات جوهرية بين المصطلحات الثلاثة؛ حيث إن كل مصطلح من هذه المصطلحات له دلالة خاصة. ومن جهة أخرى ليست اللذّات كلها خيرًا؛ فثمة لذّات ضررها أكثر من نفعها، وثمة آلام يتحمّلها المرء بنفس راضية مطمئنة لما فيها من نفع له. إن من يقوم بعملية جراحية يسعى إلى لذة كبرى مع أن هذه اللذة مفتاحها الألم، ومن يضحي بكل غال وثمين من أجل إنقاذ أسرته وأولاده هو في عرف المذهب النفعي أحمق؛ إذ إن منطق الحساب الخلقي هنا يمنعه من هذه التضحية. وفضلًا عن هذا كله فإن ثمة أفعالًا تجلب للمرء نفعًا كبيرًا مع إنها لا تجعله سعيدًا (المخترعات الحديثة)[61].
كما أنه لو صحَّ ما يذهب إليه (مل) من أن كل فرد لا ينشد في العادة سوى لذته الخاصة؛ لوجب التسليم بمبدأ اللذة الفردية، ولما كان هناك موضع بالتالي للقول بالمنفعة العامة أو التسليم بإمكان البحث عن لذّة الغير. والواقع أن التجربة نفسها توضح لنا أن الناس لا ينشدون اللذّة وحدها، بل هم يقومون بكثير من أوجه النشاط دون أن يضعوا نصب أعينهم دائمًا تحقيق لذّة مباشرة[62]. فاللذّة ليست هي الهدف المباشر للكثير من الأفعال الإنسانية، بل هناك أفعال كثيرة يقوم بها الكثير من الناس وينشدون بها قيمًا عليا رفيعة تقوم على عكس تحقيق اللذة يتم تفضيلها على تلك الأفعال التي تنشد اللذة وحدها.
كما أن أخلاق «المنفعة» القائمة على اللذة تتسبّب في خداع عدد كبير من الناس، خصوصًا من بين أهل الطبقات الكادحة؛ إذ قد يقع في ظنّهم أن أسعد الناس بالضرورة هو ذلك الذي يملك من أسباب «الرفاهية» ما يضمن له تحقيق كل رغباته، وكأن السعادة رهن بتوافر بعض «الوسائل»، ولا شكّ في أن الإنسان الكادح حين يتصور أن الغنيّ يتمتّع بكل ما هو في حاجة إليه، فإنه قد ينسى أو يتناسى أن هناك قيمًا أخرى غير «اللذة» أو «الرفاهية». ومن ثم تحجب فلسفة المنفعة عن أعين الناس الكثير من القيم الرفيعة كالمعرفة، والتذوّق، والثقافة، والفن، وغير ذلك. فيقعون تحت «وهم اللذة» أو «خداع السعادة»، مما قد يدفع بهم نحو الجري-عبثًا- وراء سراب «المنفعة»، ثم سرعان ما يجدون أنفسهم أمام تهاويل برَّاقة لا تخلّف وراءها سوى الإحساس بالخواء أو الفراغ أو الضياع![63].
ثم إن مذهب المنفعة العامة لا يعطي تفسيرًا كلّيًا وشاملًا لشتى مجالات الفعل الخلقي؛ ذلك أن الفعل الذي ينطوي في كثير من الأحيان على التضحية بكل غالٍ وثمين من أجل مبادئ وقيم ومثل عليا لا تنتمي إلى اللذّة ولا تنتمي إليها اللذّة بحال من الأحوال هو من وجهة النظر النفعية «فعل أحمق» يدلّ على «فاعل أحمق». لقد أصبحت التضحية لدى هذا المذهب عملًا غير شرعي. وهو بهذا يخطئ كل الخطأ في أسمى القيم البشرية وأنبلها[64].
2. المنفعة اتجاه أناني رغم محاولات تطويره
قرر أنصار المنفعة أن الإنسان أناني بطبعه يبحث عن مصلحته الخاصة تلقائيًا قبل النظر إلى مصلحة الآخرين، فكيف ينادي أنصار هذا الاتجاه بتأسيس الأخلاق على هذه الأنانية؟ وكيف يكون الإلزام الخلقي مصدره المصلحة الشخصية للفرد؟
حين عالج (بنتام) مشكلة الانتقال من المنفعة الخاصة إلى المنفعة العامة، أقام منفعة المجموع على أساس المنفعة الفردية، وكان مخلصًا في أن يقيم مذهبه الأخلاقي على أساس مذهب اللذة السيكولوجي، ومن ثَمَّ لم يطالب الأنانيَ بالتخلّي عن أنانيته لصالح المجموع، بل أراد أن يوسّع معنى الأنانية حتى تذوب في الغيرية، وتتلاشى في العمل لصالح الآخرين، بشرط ألا ينتهي العمل من أجل المجموع بالقضاء على مصلحة الفرد، فالمصلحة الفردية هي قوام المصلحة العامة، بل إنه حين عرض لموقف الفرد حين يختار بين فعل يحقق لِذَاته لذّة عميقة خصبة، وفعل يحقّق للكثيرين كمية ضئيلة من اللذّة، آثر العمق والشدّة على الشمول الذي يحقّق اللذّة للكثيرين، فكأنه استغنى بهذا عن شطر رئيسي من شعار مذهبه، وهو تحقيق اللذّة «لأكبر عدد من الناس»[65].
وبذلك بدا المذهب النفعي أنانيًا بصورة لافتة للنظر مما استرعى اهتمام «جون ستيوارت مل» الذي حاول تطويره، فرام إخضاع المنفعة الخاصة للمنفعة العامة حتى يتخلّص من وسم ذاك المذهب بالأنانية المقيتة، فقرّر أن مبدأ المنفعة في مذهبه يقتضي من كل فرد أن ينصف غيره ويخلص في طلب منافعه إنصافه لنفسه وإخلاصه في التماس لذَّاته، فيربط بذلك بين سعادته الشخصية وصالح المجموع برباط وثيق لا ينفصم، بحيث يفهم أن قيام سعادته الشخصية لا يتمشّى مع السلوك الذي يتعارض مع الخير العام فحسب، بل يقوم عنده دافع مباشر يحمله على ترقية الخير العام، بحيث يصبح هذا الدافع من البواعث التي تحمله في العادة على إتيان أفعاله، وتملأ العواطف المتّصلة بها فراغًا ملحوظًا في وجود كل كائن حي شاعر[66].
وهنا يجب أن نشير إلى أنّ (مل) قد خرج عن حدود المذهب النفعي، تلك الحدود التي تستبعد قيام الفرد بأي فعل لا يجني ثماره خيرًا ونفعًا، حينما نادى بأنه من الواجب على الفرد أن يضحي بمصلحته وبمنفعته إذا كانت هذه المصلحة لا تؤدي إلى نفع الآخرين أو إلى سعادتهم؛ لأنه يرى أن السعادة ليست سعادة الفرد، بل سعادة جميع الأفراد الذين يعيشون معًا. وبذلك يكون (مل) من وجهة نظرنا قد تجاوز حدود مذهبه النفعي التجريبي الذي أسّسه أستاذه (بنتام) متوجّهًا إلى حدود المذهب العقلي.
ورغم هذه الدعوة التي تترك مساحة للغيرية على حساب الأنانية نجد أنها لا تشفع لهذا المذهب لتمحو عنه سمة الأنانية المتغلغلة في جوهره؛ لأن سعادة المجموع تقوم في جوهرها على أن يشبع كل فرد من أفراد المجموع سعادته الخاصة، فسعادة المجموع عند (مل) تشترط سعادة كل فرد على حدة، فكأنما (مل) يقول: إن سعادة (أ) وسعادة (ب) وسعادة (ج) ... تساوي سعادتهم مجتمعين. ولم يفطن إلى أن أنواع السعادة لا تُجمع على نحو ما تُجمع الأشياء المادية.
في الواقع يبدو هذا المذهب غير مقبول، مهما حاول صاحبه أن يدعمه بالحجج والبراهين، فأي سلطة يمكنها أن تقنع المرء على التضحية بمنفعته في سبيل منفعة المجموع؟ أهي المنفعة كما يرى (مل)؟ ذلك لا يبدو مقنعًا؛ لأن المنفعة تدعو كلًا منّا لإيثار صالحه، كما أن المنفعة العامة ليس لها هذا السلطان. أم هي الواجب والضمير كما يرى المثاليون؟ قد يكون هذا هو الحق، ولكن إن رضيه (بنتام) و(مل) كان ذلك واجبًا لا منفعيًا.
3. الحياة الأخلاقية لا تقوم على اتّباع اللذة، بل على مجاهدة النفس وأهوائها
إن اتجاه النفعيين إلى اللذة والمنفعة والأنانية ليجعلوها أساس الأخلاق جعلهم يهملون القيم الإنسانية السامية، وأهملوا قيمة العقل، ودور الدين، وضوابط المجتمع، وكثيرًا من المُثل الأخلاقية الرفيعة التي تحوز التقدير عند معظم البشر.
كما إنه إذا كانت الحياة الأخلاقية تقوم على مجاهدة النفس والعمل على ضبط الأهواء والشهوات والنزوات، فهي بذلك لا يمكن أن تكمن في إشباع الشهوات والتمتّع باللذّات كما يقول النفعيون. حيث إن فلسفة اللذّة والسعادة تجعل الحياة الأخلاقية هيّنة ليّنة، وتُفقِد صاحبها القدرة على مقاومة نزواته، كما إنها تستبعد فكرة الإلزام أو التكليف من حياة البشر، ومن أجل ذلك لوحظ أن اليونان الذين ربطوا بين الخير والسعادة لم يعرفوا فكرة «الواجب»، وخلت فلسفاتهم من لفظ يعبّر عن الإلزام[67].
وقد قضت الحضارة الإنسانية على الإنسان بأن يرتفع من بدائيته وحيوانيته ويجري سلوكه على البذل والإيثار إلى جانب الأنانية وتوكيد الذات، ولو صحّ أن يقوم مثلنا الأعلى على أساس أن الإنسان بطبيعته ينشد لذّته ما مست الحاجة إلى وضع مذهب أخلاقي يصوّر اللذة غاية ينبغي أن يهدف إليها سلوك الإنسان.
إن فكرة الأخلاقية عند النفعيين تتأسس على أن قيمة الفعل تكمن خارجه وليس في باطنه، فالفعل لا يكون خيرًا في ذاته ولا شرًا في ذاته، وإنما تكمن قيمته الأخلاقية فيما ينتج عنه من آثار يمكن تصنيفها على قائمتي اللذة والألم؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يتحدث النفعيون عن «الشعور بالواجب»، واستمدّوه من الجزاءات التي جعلوها مصدر الأخلاقية الصحيح، ومن هنا كانت سلطة القانون الخلقي عندهم مستمدَّة من سلطة العرف الاجتماعي، والقانون الوضعي، ونحو هذا من سلطات، والفعل الذي يؤدَّى استجابة لهذه السلطات لا يكون خيرًا في ذاته، لأن خيريته مرهونة بنتائجه. وهو الأمر الذي لا يتّسق مع السياق العام لفلسفة الأخلاق التقليدية التي تذهب عكس هذا إلى أن المبدأ الخلقي آيته التجرّد من الهوى؛ فالفضيلة تحمل جزاءها في باطنها.
كما لا يمكن أن تكون اللذّة هي هدف الإنسان وغايته، لأنها هي كذلك عند الحيوان، ولا يمكن أن يتساوى الإنسان بالحيوان، كما أن اللذّات لا تجلب الخير دائمًا؛ فالتجربة البشرية تشهد أن كثيرًا من اللذات تجلب ضررًا، وأن كثيرًا من الآلام تحقق نفعًا، وأن من الأفعال الّلاذّة ما يتأدّى بصاحبه إلى التعاسة، وكثير من الأشياء التي يراها الإنسان نافعة له لا تؤدي إلى السعادة. فما أشقى هؤلاء الذي يعيشون لملذّاتهم، فقد فيبحثون عن إشباعها بلا وازع من دين أو ضمير. وما أتعس هؤلاء الذين يعيشون حياة اللامبالاة والحرية غير المسؤولة. وهذا يعني أن اللذة الفردية، والمنفعة الشخصية لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، بل هما وسيلة فقط لتحقيق غاية، لأنها إذا انقلبت إلى غاية أوصلت الإنسان إلى الطريق المسدود، وانحرفت به إلى الضلال والفساد حتى وإن تحقّقت له بعض اللذّات الظاهرة[68].
بالإضافة إلى ما تقدّم يجدر بنا أن نشير إلى أمر له دلالاته، وهو أن مذهب المنفعة قد أغفل تمامًا عاملًا ذا أهمية بالغة في القياس الخلقي، ألا وهو «القصد» أو «النية»؛ إذ دون هذا العامل الإنساني الخفي، تصبح القيم الأخلاقية مجرد براعة ومهارة في إخفاء الدوافع. كما أرجع هذا المذهب العلاقات القائمة بين البشر إلى مجرّد علاقات تجارية قائمة على المنفعة فقط، وبذلك أنكر العلاقات الوجدانية «كالحب» الذي يربط بين مشاعر وعواطف الناس جميعًا. ومن ثم فلم يستطع هذا المذهب أن يكشف ما بين الأفراد في علاقاتهم من اتفاق وتعارض، فمنفعة الفرد لا تؤدي حتمًا إلى منفعة المجموع، كما أن منفعة المجموع ليست دائمًا نتيجة لمنافع الأفراد[69].
وفي ختام عرضنا النقدي لهذا المذهب أرى أنه لا يصح أن يوضع مذهبًا ضمن المذاهب الأخلاقية؛ لأن الأخلاق في حقيقتها سعي وراء المثل الأعلى، وجهد إرادي ترجو من ورائه الذات تحقيق ما ينبغي أن يكون. إذ إننا لو سلّمنا بأن الإنسان يسعى حتمًا إلى منفعته، وأن سعيه في ذلك ضروري ولازم، فما الداعي إذن للقانون الأخلاقي؟ وإذا اتّفق هذا القانون مع المنفعة، فليس الإنسان بحاجة إلى التنبيه على اتّباعه؛ لأنه بطبيعته يسعى إلى ذلك. حيث إن الأمر الأخلاقي يتلخّص في قولنا «ينبغي عليك أن تفعل كذا»، أو «يجب عليك أن تفعل كذا». ووفقًا لما يذهب إليه المذهب النفعي من أن الخير الأخلاقي هو ما يحقّق لصاحبه لذة أو منفعة، والشر الأخلاقي هو ما ينتج عنه ألم أو ضرر. ومن ثم فلا فائدة ولا جدوى من وراء قولنا «ينبغي أن تفعل» ما دام الإنسان مدفوعًا بطبيعته لفعل ما يحقق له نفعًا أو لذّة ويبتعد تلقائيًا عما يجلب له ألمًا أو ضررًا.
خاتمة
انتهى بنا بحث موضوع المذهب النفعي في الأخلاق (بنتام ومل أنموذجًا) - مقاربة نقدية إلى مجموعة من النتائج المهمة نوجزها فيما يلي:
أولًا: جعل أنصار مذهب المنفعة من اللذة غاية قصوى لأفعال الإنسان، فابتعدوا بمكانة الإنسان السامية التي اختصه بها الله تعالى وفضّله وميّزه على كثير من خلقه؛ حيث إن اللذة أنسب لحياة الحيوان منه لحياة الإنسان الذي لا تستقيم إنسانيته بغير مثل أعلى يدين به، ويميزه عن سائر الكائنات، والمثل الأعلى يكون في العادة تمرّدًا على وضع اجتماعي سيئ، أو تعديلًا لمبادئ هزيلة يتمسّك بها المجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان. ومن هنا بدا خطأ الوضعيين وأمثالهم من النفعيين المتطرفين في التوحيد بين واقع الإنسان وما ينبغي أن يكون عليه حاله، ثم إن الإنسان لا يطلب اللذة إلا وسيلة لغاية تسمو عليها، ولا تكون اللذّة قط غاية قصوى تنتهي عندها آمال الإنسان كما ادّعى النفعيون.
ثانيًا: إن المذهب النفعي مذهب أناني كما بدا في صورته النقية مع (بنتام)، وأن كل محاولات (مل) لتطويره حتى يتخلّص من تلك السمة المذمومة باءت بالفشل، ليس هذا فحسب، ولكنها أفقدت المذهب النفعي نزعته الواقعية الحسية، وهدمت الكثير من مقوّماته. فقد نحا (مل) في منحاه التعديلي منحى العقليين في تصوّره، وإن صبغه بصبغة استقرائية، ولم يقمه على أسس ميتافيزيقية كما يفعل العقليون، وقد فعل (مل) هذا من غير قصد ودون وعي، وتلك سقطته الكبرى التي تمثّلت في محاولته الانتقال من منفعة الفرد إلى منفعة المجموع، وانتقاله من التعبير عما هو كائن إلى تصوير ما ينبغي أن يكون، وقد حفلت برهنته بالمغالطات المنطقية والأخطاء السيكولوجية والأخلاقية التي جعلته مثارًا لحملة شديدة من النقد.
ثالثًا: إن اتجاه النفعيين إلى اللذة والمنفعة والأنانية ليجعلوها أساس الأخلاق، أدى بهم إلى اغفال القيم الإنسانية السامية وطرح الأخلاق الرفيعة، وأهملوا قيمة العقل لصالح الحس، ولم يعطوا أي دور للدين، ولا لضوابط المجتمع، وهدموا في بحثهم الخالص عن اللذة -التي جعلوها الخير الوحيد المرغوب فيه- كافة المثل الأخلاقية التي تحوز التقدير عند كل البشر؛ ولذلك ابتعدوا كثيرًا عن أن يعطوا مصدرًا مقبولًا من مصادر الإلزام الخلقي؛ لأن الأخلاق ليست مجرد حساب نفعي- كما ذهب النفعيون- بل هي سعي وراء المثل الأعلى، وجهد إرادي ترجو من ورائه الذات تحقيق ما ينبغي أن يكون.
رابعًا: إذا كان أنصار المذهب النفعي (بنتام ومل) أرادوا أن يتلافوا عيوب المذاهب الفلسفية العقلية التي تستند إلى معايير صورية محضة، فإنهم لم يبتعدوا كثيرًا عنهم، إذ اعتمدوا على مفاهيم خاوية، كمفهوم السعادة ومفهوم المنفعة ... إلخ، فمفهوم السعادة – كما لاحظ كانط - مفهوم غير محدد، فليس في وسعنا أن نعرف ماهية الخير والشر بالاستناد إليه. وربما كان مفهوم «السعادة العامة» الذي دافع عنه (مل) أكثر غموضًا من مفاهيم الفلاسفة العقليين عن «السعادة»، لأن الفرد قلّما يتمكّن من التعرّف على تلك السعادة العامة التي يرغب فيها سائر الناس. وإذا كان الفرد كثيرًا ما يعجز عن الكشف عن ما هو نافع له شخصيًا، فكيف له أن يهتدي دائمًا إلى معرفة ما هو نافع أو محقّق لسعادة الكل أو المجموع؟!
خامسًا: إن القول بأن اللذة هي معيار الأخلاقية أمر لا يرضي الإنسان العادي، فضلًا عن الفيلسوف المتعمّق الذي يبحث عما ينبغي أن يكون؛ ولذلك فقد المذهب النفعي أنصاره في القرن العشرين، فلم تجد النفعية بعد (مل) وارثًا يتلقى تراثها، ويخلفه في سيادتها على التفكير الأخلاقي بوجه خاص. ولعل هذا -أيضًا- يعود إلى انتشار الفلسفة المثالية التي عبرت ألمانيا إلى بلاد الإنجليز واحتلّت تفكير عدد كبير من أهم مفكّريها يتقدّمهم توماس هل جرين، وإدوارد كيرد، وفرنسيس برادلي، وبرنارد بوزانكيت وغير هؤلاء؛ إذ تكفل دعاة هذه المثالية بتفنيد الحركة النفعية، وتقويض مقوّماتها، وإن بقيت النزعة الحسية قائمة حتى اليوم.
قائمة المصادر
1. إمام عبد الفتاح إمام، فلسفة الأخلاق، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، د. ت.
2. أنور شكري، فايزة، القيم الأخلاقية بين الفلسفة والعلم، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 2006.
3. جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تونس، دار الجنوب للنشر، د.ت.
4. رسل، برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية، ك 3، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 2102.
5. زكريا إبراهيم، المشكلة الخلقية، القاهرة، مكتبة مصر، د. ت.
6. الشرقاوي، حسن محمد، الأخلاق الغربية في الميزان، الإسكندرية، مطابع جريدة السفير، د.ت.
7. صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، ج2، بيروت، دار الكتاب اللبناني/ مكتبة المدرسة، 1982.
8. الطويل، توفيق، الفلسفة الخلقية – نشأتها وتطورها، القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 1967.
9.، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط1، 1953.
10. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، القاهرة، مكتبة سعيد رأفت- جامعة عين شمس، د.ت.
11. مجمع اللغة العربية، المعجم الوجيز، القاهرة، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، 2005-2006. (مادة: نفع).
12. مراد وهبة، المعجم الفلسفي، القاهرة، دار قباء للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1998.
13. هنترميد، الفلسفة- أنواعها ومشكلاتها، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة، نهضة مصر، ط2، 1975.
14. يحيي هويدي، مقدمة في الفلسفة العامة، القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الخامسة، 1968
15. يسري إبراهيم، اتجاهات في فلسفة الأخلاق، القاهرة، دار الهاني للطباعة، د.ت.
16. Flew, Antony, A Dictionary of Philosophy, The Macmillan Press Ltd, London, 1979.
17. Plamenatz, John, The English Utilitarians, Basil Blackwell, Oxford, 1949.
18. Crisp, Roger, Routledge Philosophy Guidebook to Mill on Utilitarianism, New York Fetter Lane, London, Routledge, 1997.
-----------------------------------------------
[1]. باحث مصري، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب
[2]. Jeremy Bentham (1748-1832)
[3]. John Stuart Mill (1806-1873)
[4]. مجمع اللغة العربية، المعجم الوجيز، 628. (مادة: نفع)
[5]. صليبا، المعجم الفلسفي، 2: 499.
[6]. وهبة، المعجم الفلسفي، 675.
[7]. صليبا، المعجم الفلسفي، 2: 499.
[8]. جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، 473.
[9]. Utilite
[10]. صليبا، المعجم الفلسفي، 2: 499.
[11]. زكريا إبراهيم، مبادئ الفلسفة والأخلاق، 113-114.
[12]. Flew, A Dictionary of Philosophy, 361.
[13]. أنور شكري، القيم الأخلاقية بين الفلسفة والعلم، 325.
[14]. هنترميد، الفلسفة- أنواعها ومشكلاتها، 437.
[15]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 25-27.
[16]. Theological Utilitarianism
[17]. J. Gay (1669-1745)
[18]. W. Paley (1743-1805)
[19]. Economical Utilitarianism
[20]. A. Smith (1723-1890)
[21]. D. Ricardo
[22]. T. Malthus (1766-1834)
[23]. Political Utilitarianism
[24]. Bentley
[25]. Empirical Utilitarianism
[26]. Evolutionistic Utilitarianism
[27]. H. Spencer (1820-1903)
[28]. L. Stephen
[29]. Intentional or Rational Utilitarianism
[30]. H. Sidgwick (1838-1900)
[31]. Ideal Utilitarianism
[32]. G. Moor (1873—1958)
[33]. H. Rashdal (1858-1924)
[34]. Pragmatic Utilitarianism
[35]. W. Games(1842-1910)
[36]. J. Dewy (1859-1952)
[37]. C.H. Peirce (1839-1914)
[38]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 27.
[39]. Plamenatz, The English Utilitarians, 1-3.
[40]. إمام عبد الفتاح إمام، فلسفة الأخلاق، 201.
[41]. م. ن، 205.
[42]. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، 213.
[43]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 196-197.
[44]. نقلًا عن: إمام عبد الفتاح إمام، فلسفة الأخلاق، 205.
[45]. م. ن، 209.
[46]. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، 204.
[47]. يسري إبراهيم، اتجاهات في فلسفة الأخلاق، 32.
[48]. نقلًا عن: الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 100.
[49]. م. ن، 104.
[50]. م. ن، 109.
[51]. م. ن، 109.
[52]. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، 210
[53]. زكريا إبراهيم، المشكلة الخلقية، 145.
[54]. م. ن، 150-151.
[55]. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، 214.
[56]. م. ن، 216.
[57]. م. ن، 216.
[58]. م. ن، 217.
[59]. Crisp, Routledge Philosophy Guidebook to Mill on Utilitarianism, 52.
[60]. رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، 362-363.
[61]. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، 217.
[62]. إمام عبد الفتاح إمام، فلسفة الأخلاق، 212.
[63]. زكريا إبراهيم، المشكلة الخلقية، 159-160.
[64]. فيصل بدير عون، دراسات في الفلسفة الخلقية، 217-218.
[65]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 146.
[66]. م. ن، 146-147.
[67]. الطويل، الفلسفة الخلقية – نشأتها وتطورها، 208.
[68]. الشرقاوي، الأخلاق الغربية في الميزان، 182
[69]. هويدي، مقدمة في الفلسفة العامة، 267.