البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دراسة نقدية للنزعة التناغمية عند موريتس شليك حول المسؤولية الأخلاقية

الباحث :  د. كرامت ورزدار
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  40
السنة :  خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث :  40
تحميل  ( 497.780 KB )
الملخص
إن المسألة الأصلية في هذه المقالة عبارة عن بحث ومناقشة النزعة التناغمية عند موريتس شليك في حقل المسؤولية الأخلاقية، وإن الغاية منها هي إثبات عدم جدوائية نظريته وتهافتها في هذا الشأن. يقف موريتس شليك من خلال نفيه لضرورة «إمكان البدائل» في القبول بـ «المسؤولية الأخلاقية» وجهًا لوجه أمام ثلاثة تحدّيات، وهي: تقديم تعريف تناغمي عن المسؤولية الأخلاقية، وتعريف وشرح النزعة التناغمية وشعور العامل بالمسؤولية، وتطابق مصاديق هذين الأمرين مع بعضهما. وقد عرّف المسؤولية الأخلاقية بـ «ظرفية خلق الدوافع من طريق الثواب أو العقاب». وعلى هذا الأساس فإن العامل (أ) مسؤول عن الفعل (ب) لو ـ ومجرّد لو ـ أوجد لديه إعمال الثواب أو العقاب دافعًا بحيث يؤدّي به في الموارد المشابهة في المستقبل إلى القيام أو عدم القيام بالأفعال المشابهة لـ (ب). وقد عمد موريتس شليك ـ بعد بيان هذا التعريف الاستشرافي عن «الشعور بمسؤولية»ـ إلى تعريف العامل بتحقّق «الرغبات الطبيعية»، وسعى في الختام إلى بيان تطابق مصاديق هذين المفهومين مع بعضهما. وسوف نسعى في هذه المقالة ـ من خلال بيان ثلاثة أمثلة نقضية ـ إلى إثبات أن نظرية موريتس شليك، أولًا: تعاني ـ خلافًا لمدّعاه ـ من عدم التناغم، وإن مصاديق تعريفه للمسؤولية الأخلاقية والشعور بالمسؤولية لا تتطابق مع بعضها. وثانيًا: إن تعريف «تحقق الرغبات الطبيعية» تعريف ناقص ولا يكون مانعًا للأغيار. وثالثًا: إن تعريف موريتس شليك للمسؤولية الأخلاقية ليس جامعًا للأفراد؛ وذلك إذ يمكن لنا أن نتصوّر عاملًا لا يسمح لنا بأيّ تأثير من طريق الثواب أو العقاب، إلا أن العُرف المشترك يرصد لنا أعلى درجات المسؤولية في هذا الشأن. ومن خلال بيان هذه الموارد الثلاثة من النقض، يتّضح لنا أن نظرية موريتس شليك في هذه المسألة لا يمكن تأييدها أو الدفاع عنها بحال.

الكلمات المفتاحية: المسؤولية الأخلاقية، النزعة التناغمية، الثواب والعقاب، الاتجاه الاستشرافي، الدافع، موريتس شليك.

المقدمة
إن مسألة ماهية ووجود «المسؤولية الأخلاقية»[4] في النشاطات الإنسانية وشروط تحققها، تعدّ واحدة من المسائل الجوهرية الفلسفية ولا سيّما في فلسفة الأخلاق، وفلسفة الحقوق والإلهيات، وقد أثارت في المرحلة المعاصرة الكثير من النقاش والجدل. إن هذا البحث لا يقتصر على حقل الأبحاث الانتزاعية الفلسفية فحسب؛ بل ويترك تأثيره حتى في العلاقات اليومية بين الناس أيضًا؛ وذلك لأن تلبية وقبول المسؤولية تعمل على بناء القسم الرئيس من العلاقات الإنسانية في مختلف الحقول الفردية والأسرية والاجتماعية والعالمية[5]. وبعبارة أخرى: إن الأحكام الأخلاقية والحقوقية في حقل أعمالنا ونشاطنا ونشاط الآخرين، وكذلك اللوم والثناء والعقاب والثواب في قبال الأفعال التي تصنع القسم الأعظم من العلاقات الإنسانية في مختلف الحقول، إنما تقوم على أساس القبول بالمسؤولية الأخلاقية[6].

في المرحلة المعاصرة قد أدّت نسبة «المسؤولية الأخلاقية» تجاه «الإرادة الحرّة»[7] و«النزعة الحتمية السببية»[8] إلى ظهور مختلف الآراء الفلسفية حول «المسؤولية الأخلاقية» في الغرب[9]. إن عدم التناغمية رأي يذهب استنادًا إلى «الحدس العرفي»[10] إلى اعتبار وجود «الإمكانات البديلة» في لحظة الإرادة شرطًا في «المسؤولية الأخلاقية»، ويرون أن هذا لا ينسجم مع النزعة السببية الحتمية[11]. كما تنقسم اللاتناغمية بدورها إلى مجموعتين، وهما: اللاتناغمية المرنة[12]، واللاتناغمية الصلبة[13]. إن أصحاب النزعة التناغمية المرنة يرون أن القبول بالمسؤولية إنما يتعارض مع النزعة التعيّنية فقط[14]؛ وبالتالي فإنهم يسعون إلى بيان تناغمية هذين الأمرين من خلال النزعة التعيّنية؛ أما أصحاب اللاتناغمية الصلبة فهم يرون أن الإرادة الحرّة والمسؤولية الأخلاقية لا تنسجم مع النزعة السببية الحتمية ولا مع عدم النزعة السببية الحتمية؛ وبالتالي فإنهم ينكرون الإرادة الحرّة والمسؤولية الأخلاقية[15].
وفي قبال هذا التيار تقع طائفة شبه التناغميين والتناغميين. ويقع أشباه التناغميين في قبال عدم التناغميين على نحو أكيد. يرى هؤلاء المفكرون أنه لا ينبغي ربط مصير الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية بالنزعة الحتمية السببية أو عدمها السائدة في العالم[16]. بما يتطابق مع النزعة شبه التناغمية، تنسجم الإرادة الحرّة والمسؤولية الأخلاقية مع النزعة الحتمية السببية كما تنسجم مع عدمها أيضًا[17].

إن أصحاب النزعة التناغمية يقعون في قبال أصحاب النزعة اللاتناغمية، وهم بصدد إثبات التناغم بين المسؤولية الأخلاقية والنزعة الحتمية السببية من طريق نفي لزوم الإمكانات البديلة للقبول بـ «المسؤولية الأخلاقية»[18]. يذهب أكثر أصحاب النزعة التناغمية إلى الاعتقاد بأن القبول بالنزعة الحتمية السببية يمثّل شرطًا لازمًا للمسؤولية الأخلاقية؛ وذلك لأنه من خلال نقض النزعة الحتمية السببية والتشكيك في أصل ضرورة العلية، فإن الذي يسود الأعمال والنشاطات البشرية إنما هو «الحظ» و«الصدفة» فقط، وهذا الأمر يقوّض الإرادة الحرّة والمسؤولية الأخلاقية للإنسان في قبال أفعاله بشكل كامل[19].
إن أصحاب النزعة التناغمية في إثبات وتوضيح نظريتهم، يواجهون ثلاثة تحدّيات رئيسة، وهي: أ: تقديم تعريف للمسؤولية الأخلاقية، بحيث لا يقوم على الإمكانات البديلة. ب: بيان النزعة التناغمية للشعور النفسي العامل في الحصول على الإرادة الحرّة في القيام بالأفعال. ج: إظهار تطابق مصاديق تعريف النزعة التناغمية للمسؤولية الأخلاقية، مع مصاديق الشعور النفسي للعامل في الحصول على الإرادة الحرّة.

إن التحدّي الثاني هو التحدّي الأهم الماثل أمام أصحاب النزعة التناغمية. وبعبارة أخرى: إن الناس إنما يقبلون بمسؤولية الفعل حيث يعتبرون أنفسهم من الناحية النفسية مالكين لإرادة حرّة في القيام بذلك الفعل؛ بمعنى أنهم في لحظة إرادة ذلك الفعل كان يمكنهم عدم إرادة ذلك الفعل[20]. وعلى هذا الأساس، لم يكن يتعيّن على أصحاب النزعة التناغمية أن يقدّموا تعريفًا دون الاستناد إلى الإمكانات البديلة عن المسؤولية الأخلاقية فحسب، بل ويجب عليهم أن يقدّموا تفسيرًا ذا نزعة تناغمية عن هذا الحدس بين الناس أيضًا.

إن المسألة الأساسية في هذه المقالة عبارة عن نقد ومناقشة الرأي التناغمي للفيلسوف والفيزيائي الألماني موريتس شليك[21] (1882ـ 1936م) في حقل «المسؤولية الأخلاقية» وإجاباته عن هذه التحديات الثلاثة. إن الكثير من الأشخاص يعرفون موريتس شليك بوصفه مؤسسًا لحلقة فيينا والوضعية المنطقية فقط[22]، ويعرفونه من خلال نزعته التجريبية في الأبحاث الخاصّة بفلسفة العلم؛ ولكنه بالإضافة إلى الدور الصارخ الذي لعبه في تنمية هذه المدرسة الفلسفية وتطويرها من خلال آرائه المعرفية والإبستمولوجية، كانت له آراء خاصّة في حقل المسائل الأخلاقية التي ذكرها في كتاب «مسائل علم الأخلاق»[23]. لقد تعرّض موريتس شليك في الفصل السابع من هذا الكتاب ـ في مقالة تحت عنوان «متى يكون الإنسان مسؤولًا؟[24]»[25] ـ إلى بيان آرائه الخاصة والتناغمية في حقل الإرادة الحرّة والمسؤولية الأخلاقية.

يُعدّ موريتس شليك في حقل نسبة الإرادة الحرّة والنزعة الحتمية السببية من أنصار النزعة التناغمية. حيثإنه من خلال إنكار شرط الإمكانات البديلة[26] لا يرى ضرورة لمثل هذا الشرط من أجل تحقق الإرادة الحرّة والمسؤولية الأخلاقية، وقد سعى ـ من خلال الإجابة عن التحديات الثلاثة المذكورة ـ إلى الدفاع عن نظريته. إن تعريف موريتس شليك للمسؤولية الأخلاقية قد أدّى إلى ظهور الاتجاه الحديث في العالم الغربي تجاه هذه المسألة التي تعرف حاليًا بعنوان «الاتجاه الاستشرافي نحو المسؤولية الأخلاقية»[27]‌.[28]
وحيث إن كاتب السطور قد تعرّض في بحث آخر إلى نقد نظرية النزعة التناغمية لموريتس شليك في حقل الإرادة الحرة، فسوف يجتنب في هذه المقالة نقد مباني نزعته التناغمية. إن فرضية كاتب السطور هي أنه حتى مع القبول بمباني موريتس شليك في حقل الإرادة الحرة، تبقى نظريته في باب «المسؤولية الأخلاقية» عرضة لعدم التناغم الداخلي ولا يمكن الدفاع عنها. ومن أجل إثبات هذه الفرضية يعمل كاتب السطور أولًا ـ من خلال الاستفادة من الأسلوب التوصيفي/ التحليلي ـ على شرح مباني النزعة التناغمية لموريتس شليك على نحو الإجمال، ثم من خلال بيان تقرير جامع عن رؤيته في حقل المسؤولية الأخلاقية يعمل ـ من خلال ثلاثة أمثلة نقضية ـ على بيان اللوازم المنطقية غير المقبولة لنظرية موريتس شليك وعدم جدوائية طرق حلّه في هذا الشأن.

1. سابقة البحث
على الرغم من أهمية الآراء الأنطولوجية والإبستمولوجية والقيَمية لموريتس شليك، وتأثير هذه الآراء في تأسيس الوضعية المنطقية، لا يوجد ـ للأسف الشديد ـ بحث أو تحقيق باللغة الفارسية[29] حول آرائه سوى مقالة واحدة تحت عنوان «مفهوم واقعيت نزد موريتس شليك»؛ ولكن هناك أبحاث في شرح ونقد مختلف الآراء في حقل المسؤولية الأخلاقية عند المفكرين الغربيين المعاصرين عمومًا، وفيما يلي نقدّم تقريرًا بهذه الآراء. لقد كتب الأستاذ علي رضا صياد منصور في مقالتين له (1393 ه‍ ش، و1396 ه‍ ش)[30] في بحث رأي إيمانوئيل لويناس في حقل المسؤولية الأخلاقية، ودافع عن نظريته متماهيًا معه في باب انفتاح الأنا بالنسبة إلى الآخر. وقد تعرّض كل من الأستاذ حبيبي وجوادي (1394 ه‍ ش)[31] إلى بحث تفسير جون مارتن فيشر للمسؤولية الأخلاقية في ضوء مفهوم «الضبط الإرشادي». وقامت كل من السيدة زهراء خزاعي والسيدة فاطمة تمدن فرد في مقالة لهما (1397 ه‍ ش)[32] ببحث رأي توم نيجل حول علاقة الحظ والمسؤولية الأخلاقية، وفي مقالة أخرى (1399 ه‍ ش) تعرّضا إلى بحث رأي مايكل زيمرمن، وعملا على نقد آراء هذين المفكّرين. وقد تعرّض الأستاذ روح الله حق شناس (1398 ه‍ ش)[33] إلى إمكان استقلال المسؤولية الأخلاقية عن الإرادة الحرة. كما عمدت الأستاذة فاطمة تمدّن فرد في مقالة أخرى لها (1399 ه‍ ش)[34] إلى نقد النظرية التناغمية لبرنارد وليمز في حقل المسؤولية الأخلاقية. وقد تعرّض كل من الأستاذ محمد أمين خوانساري وهادي صادقي (1400 ه‍ ش)[35] إلى شرح نظرية إيمانوئيل كانط في حقل «المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخرين». وقد تعرّض الأستاذ مهدي شقاقي في مقالة له (1402 ه‍ ش)[36] من زاوية أخرى إلى بيان المعلومات الكاذبة عن قصد والمسؤولية الأخلاقية. وقام كل من الأستاذ سعيد عدالت جو وعلي أرشد رياحي (1398 ه‍ ش)[37] بنقد نظرية إيمانوئيل وأورجاس في حقل المسؤولية الأخلاقية؛ وهي ذات النظرية التي تحدّث عنها الأستاذ علي زاده بدوره في مقالته (1400 ه‍ ش) أيضًا، وعمل على نقدها في ضوء مثال المداخلات الأربعة لبربوم.
لم يتم التعرّض في أيّ واحدة من هذه المقالات والأبحاث إلى تحليل وشرح آراء موريتس شليك في حقل المسؤولية الأخلاقية ونقدها. كما لم يتمّ العمل في أيّ واحد من هذه الدراسات على تحليل ونقد «الاتجاه الاستشرافي نحو المسؤولية الأخلاقية» الذي يعود بجذوره إلى آراء موريتس شليك وله الكثير من الأنصار حاليًا[38]، ويبدو أن هذه المقالة هي الأولى من نوعها؛ حيث تمّ إنجازها في حقل تحليل ونقد هذا الاتجاه.

2. بحث إجمالي حول نظرية النزعة التناغمية لموريتس شليك في حقل الإرادة الحرّة
لقد بدأ موريتس شليك بحثه حول «المسؤولية الأخلاقية» بتحليل مفردات من قبيل «القانون»، و«النزعة الحتمية السببية»، و«أصل العلية»، و«الإجبار»، و«الحرية». يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأن معرفة «أصل العلية» تمثّل الخطوة الأولى في بيان المسألة؛ إذ هناك بين «أصل العلية» و«النزعة الحتمية السببية» نوع من علاقة التماهي؛ بمعنى أن مفهوم قضية «إن العالم ضروري ومتعين» هو ذات مفهوم قضية «إن أصل العلية قائم في العالم». ومن هنا فإننا في معرفة النزعة الحتمية السببية نحتاج إلى تحليل أصل العلية. يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأن أصل العليّة يشرح إمكان تفسير الظواهر من خلال الرجوع إلى القوانين الكلية. وبعبارة أخرى: إن أصل العلية يتضمن معنى أن تكون أحداث العالم تابعة للقوانين الكلية، وأن تظهر في ضوء هذا النوع من القوانين[39]. إن أصل العلية ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ هو الفرضية السابقة لجميع العلوم؛ وذلك لأن العلم ليس سوى تفسير ظواهر العالم في ضوء القوانين الكلية؛ وإن كان في حقل العالم الخارجي وأحداثه يذهب إلى القول بالواقعية[40].

يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأن الخطأ الأول في بيان مسألة الإرادة الحرّة إنما ينشأ من الخلط بين معنيين لمفهوم «القانون»[41]. إن للفظ القانون معنيين مختلفين ومستقلّين عن بعضهما تمامًا، فإن المعنى الأول للقانون عبارة عن مجموعة من القضايا الإنشائية الآمرة والناهية التي يتمّ وضعها من قِبل شخص أو مجموعة من الأشخاص أو من قِبل مؤسسة ما. إن هذه القوانين التي تسمّى بـ«القوانين المعيارية»[42] عبارة عن القوانين التي تضع لسلوك الناس سلسلة من «الواجبات والمحظورات»[43]؛ وأما المعنى الثاني للقانون فهو عبارة عن المعنى الذي يتمّ توظيفه في العلوم التجريبية ولا يمثّل وصفة لما يجب أن يكون عليه سلوك الشيء، بل إن هذا اللفظ يدلّ على قضية خبرية وكلية، حيث يكون مفادها توصيف لكيفية سلوك الشيء في الواقع[44]. إن هذه القوانين التي تسمّى بـ«القوانين التوصيفية»[45] أو «القوانين الطبيعية»[46] إنما تضع بين أيدينا مجرّد توصيف لما يقع[47].
إن التمييز بين مفهومي القانون في حقل الظواهر المتنوّعة ومن بينها «الإرادة الإنسانية» يُعدّ أمرًا ضروريًا من وجهة نظر موريتس شليك. إن «الإرادة» بوصفها واحدة من ظواهر هذا العالم يمكن أن تقع موردًا لـ«التفسير العلّي»[48] من قبيل بعض القوانين التي تمّ اكتشافها أو التي سوف يتمّ اكتشافها في المستقبل، ومثل هذا الأمر لا يعني الإجبار. وهو يرى أن عبارة «إن الإرادة الإنسانية تتبع القوانين النفسية» لا تعني أن الإنسان في إرادته مكره على التبعية لهذه القوانين. إن هذه القوانين في الواقع تمثل توصيفًا لكيفية ظهور إرادة الإنسان وتعمل على بيان نشاطه الإرادي، لا أنها تقسر الإنسان على هذه الإرادة. إن هذه القوانين تصف إرادة الإنسان كما نصف القوانين الميكانيكية السماوية لحركة السيارات[49].

إن لفظ «الإجبار» لا يستعمل -من وجهة نظر موريتس شليك- في الأساس في حقل القوانين التوصيفية أبدًا. وفي العُرف المشترك لا تسمى الظواهر في تبعيّتها للقوانين التوصيفية مجبرة أبدًا. إن الإجبار إنما يكون له مفهوم فيما لو تخلّف الأمر عن تحقيق رغبته الطبيعية، فهو يرى أن الإجبار إنما يتحقّق حيث يتخلّف الشخص عن تحقيق رغباته الطبيعية. وفي الواقع كلما حال مانع ما دون تحقق الرغبة الطبيعية للإنسان، يكون هذا المانع قد أجبره على ذلك. ومن هنا لو أن الشخص كان مقيّدًا بالأغلال والسلاسل أو عندما يهدده شخص آخر بقوّة السلاح ويجبره على فعل شيء، فسوف يكون في فعله لذلك الشيء مكرهًا، بشرط أنه لم يكن ليقوم بفعل ذلك الشيء لولا وجود هذا العنصر القاسر له[50].
إن موريتس شليك بعد بحث مفهوم الإجبار ينتقل إلى بحث مسألة نسبة حرية الإرادة ونزعة اللاتعيّن. إن وجود القوانين الطبيعية ـ من وجهة نظره ـ يمثّل تفسيرًا آخر للنزعة الحتمية السببية؛ بمعنى أن عالمنا عالم متعيّن، فيما لو ـ ومجرّد فيما لو ـ كانت حركات هذا العالم قابلة للتفسير العلّي في ضوء القوانين الطبيعية التي تكون معتبرة بشكل عام. ومن خلال هذا التفسير للنزعة الحتمية السببية، يتضح معنى النزعة غير الحتمية السببية أيضًا. إن النزعة غير الحتمية السببية تقع في قبال أصل العلية. إن العالم إنما لا يكون متعيّنًا فيما لو ـ ومجرّد فيما لو ـ لم يكن أصل العلية موجودًا في ذلك العالم، ولا يمكن تفسير حركات ذلك العالم في ضوء القوانين المعتبرة بشكل عام.

إن «الحرية» مفهوم يُستعمل في قبال «الإجبار». ويرى موريتس شليك أنه كما لا يوجد أيّ ارتباط منطقي بين الإجبار والنزعة الحتمية السببية، كذلك لا يوجد أيّ ارتباط منطقي بين الحرية وعدم الحتمية السببية أيضًا. وهو يذهب إلى الاعتقاد بأن الخلط بين الإجبار والضرورة العلّية وتبعيّة كِلا هذين المفهومين لبعضهما قد تسلّل إلى مفاهيمهما المتضادّة أيضًا. ومن هنا فقد ظنّ بعض الفلاسفة بأن هناك ارتباطًا مباشرًا بين الحرية وعدم النزعة الحتمية السببية. وفي الواقع فإن الحرية إنما يكون لها معنى من وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة، حيث لا يمكن بيان الأفعال البشرية في ضوء القوانين العلّية والكلية. وبالتالي فإن إثبات عدم النزعة الحتمية السببية ضروري من أجل الحفاظ على حرية الإنسان. يرى موريتس شليك أن الإرادة الحرة ليست غير ذات نسبة مباشرة مع النزعة التعيّنية فحسب، بل إن الإرادة الحرّة وقبول المسؤولية في حالة وجود عالم غير متعيّن سوف يكون أمرًا ليس له معنى من الأساس. وهو يرى أن الأمر الوحيد الذي يبقى بعد نفي أصل العلية والقوانين الكلية إنما هو الحظ فقط. وبعد نفي الارتباط العلّي بين دوافع العامل ومعتقدات، فسوف تكون أفعاله ثمرة الحظ والصدفة فقط، ومثل هذا الأمر إنما ينفي المسؤولية والحرية بشكل كامل[51].
وبعبارة أخرى: لو لم يكن هناك أيّ دليل على مثل هذا السلوك، هل يمكن القول إن لهذا العامل حظًا من الإرادة الحرّة؟ إن فرضيّتنا الوحيدة في المثال المذكور ـ من وجهة نظر موريتس شليك. هي القول بأن بعض الاختلالات النفسية اللاشعورية هي العلّة لمثل هذا الأمر، وفي هذه الحالة لن يكون هناك مَن يعتبره مسؤولًا عن ذلك الفعل يقينًا[52]. يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد في تفسير عمل ما إلى أننا كلّما اكتشفنا المزيد من الأدلّة والدوافع لدى العامل، فإننا نعتبره أكثر حرية بالنسبة إلى أعماله، وكلما وجدنا شواهد تحفيزية أقل، نكون بذلك قد سلبنا الحرية والمسؤولية عنه. والآن بعد القبول بالنزعة غير الحتمية السببية وفصل دور العلّية للحالات النفسية بالنسبة إلى الفعل، سوف يتمّ سلب الحرية والمسؤولية عن الفرد بشكل كامل. وعلى هذا الأساس فإن النزعة غير الحتمية السببية تستلزم الإجبار وسلب المسؤولية بشكل كامل[53].

3. فهم المسؤولية الأخلاقية في ضوء مفهوم العقاب / الثواب
إن موريتس شليك بعد تحليل معنى مفردات من قبيل: الإجبار والحرية، تعرّض إلى بحث حول المسؤولية الأخلاقية. فما هو مرادنا من كلمة المسؤولية عندما نستعملها في اللغة العرفية وننسبها إلى شخص بعينه، وما هي الغاية التي نرمي إليها من وراء ذلك؟ وبعبارة أخرى: ما الذي نريد بيانه عندما نقول: إن العامل (أ) مسؤول عن القيام بالفعل (ب)؟
إن أهم استعمال لكلمة المسؤولية في العُرف ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ هو العثور على شخص تجب مؤاخذته ومعاقبته بسبب قيامه بفعل خاطئ، وفي الواقع فإن هذه المفردة أكثر استعمالًا في حقل الأعمال التي يكون الفاعل فيها مستحقًّا للوم والعقاب، وأقلّ استعمالًا في حقل تلك المجموعة من الأفعال الصالحة التي يستحق فاعلها المدح والثواب.
«إن على القاضي أن يكتشف من هو المسؤول عن فعل معيّن ليتمكّن من معاقبته. ونحن قلّما نميل إلى الخوض في هذا الموضوع القائل: من هو الشخص الذي يستحقّ الثواب على عمل، ولا نعرف أيّ شخص بعينه يمكن أن نرصده لمثل هذه الوظيفة»[54].

لقد عمد موريتس شليك في ضوء هذا التحليل إلى تحويل السؤال القائل: «من هو المسؤول؟» إلى السؤال القائل: «من هو الذي يُعاقب؟». ومن هنا فإن أسلوب معرفة الشخص المستحقّ للعقاب، سوف يكون في حكم معرفة الشخص المسؤول، وهذا الأمر يستلزم معرفة ماهية العقاب والغاية منه. يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأن الرأي الثالث في حقل «العقاب» كذلك ناظر إلى العمل السابق. وبعبارة أخرى: نحن نعتبر «العقاب» ردّة فعل ردعيّة في إطار التدارك الطبيعي للفعل الذي صدر في الزمن السابق. إن هذه الرؤية تعتبر ـ من وجهة نظره غير حضارية ـ وقاسية؛ وذلك لأنه يستلزم معالجة جرح بجرح آخر، أو تدارك حزن من خلال التسبّب بحزن أكبر[55].
يذعن موريتس شليك بأن منشأ العقاب ربما يكون هو الدافع نحو الانتقام، ولكنه لا يراه المنشأ الأخير للعقاب. إن ظهور الدافع نحو الانتقام لدى البشر ينشأ في حدّ ذاته من رغبة غريزية، وإن هذه الرغبة تعود إلى القضاء على العلة أو العلل العملية التي تسببت في معاناتنا وإيلامنا. إن المنتقم ـ في الواقع ـ يسعى إلى القضاء على أسباب وعلل العمل الخاطئ. إن هذا التحليل ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ يوصلنا إلى الغاية النهائية من العقاب. وهو يرى أن الهدف الأخير من العقاب عبارة عن:
«عمل تربوي في إطار الردع عن تكرار الفعل (من قبل الفاعل)، والحدّ شيئًا ما من ارتكاب فعل مماثل (بثّ الرعب) من قبل الآخرين»[56].
كما يقدّم موريتس شليك عن مسألة الثواب تقريرًا استشرافيًا أيضًا، ويرى أن الثواب ليس ناظرًا إلى عمل تمّ القيام به الزمن الماضي، بل إن غايته النهائية إنما هي إيجاد الحافز والدافع لدى العامل والفاعل وسائر العوامل الإنسانية، وكذلك إحداث الرغبة لديهم من أجل مواصلة القيام بمثل هذه الأعمال. وبعبارة أخرى: إن غايتنا من إعطاء الثواب لـ (أ) على القيام بالعمل (ب)، هو تشجيع (أ) وكذلك سائر العوامل الإنسانية من أجل القيام بالعمل (ب) والأعمال المشابهة لـ (ب).

4. عدم نسبة المسؤولية إلى العامل البعيد
اتضح حتى الآن أن موريتس شليك قد عمد إلى تحويل السؤال عن العامل المسؤول إلى السؤال عن إيجاد فاعل الخطأ الذي يستحقّ العقاب. إن عبارة العامل الخاطئ. من وجهة نظره. تنطوي على غموض، أو إنها في الحدّ الأدنى تحتوي على معنيين، فتارة يكون المراد من هذه العبارة هو جميع العلل التي تقع في ظهور الفعل الخاطئ في السلسلة العلّية الطولية له، وتارة تدلّ هذه العبارة على العامل المباشر للفعل فقط.
يذهب موريتس شليك إلى التمييز بين هذين المعنيين، ويعمل على تعريف العامل المسؤول بأنه هو العامل المباشر. إن أحد علل القيام بالعمل الخاطئ باسم (ب) ـ من وجهة نظره ـ من قبل (أ) قد يكون هما والدا (أ) بل وحتى أجداده. وعلى أساس هذا التحليل فإن الشخص (أ) ـ الذي يكون له دور العلة المباشرة في القيام بالفعل (ب) ـ قد وقع تحت تأثير شخصية جدّه أو جدّته، ولكن هل يمكن معاقبة جدّ أو جدة (أ) على ارتكابه للفعل (ب)؟ وكذلك يمكن لرجال الدولة من خلال وضع القوانين أو نشر الثقافات المنحطّة أن يلعبوا دورًا ملحوظًا في ارتكاب أفراد المجتمع للجرائم. فهل يمكن نسبة ارتكاب الجريمة المعينة من قبل المواطن (أ) إلى رجال الدولة، وعدم اعتبار (أ) مسؤولًا عن تلك الجريمة التي ارتكبها (أو اعتبار المواطن ورجل الدولة ـ في الحدّ الأدنى ـ مسؤولين عن ارتكاب تلك الجريمة)؟

إن هذا الأمر ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ ليس خاطئًا فحسب، بل هو غير قابل للتفيذ في الكثير من الموارد أيضًا. إنه في الواقع لا ينكر دوار العوامل والأسباب البعيدة وغير المباشرة، ولكنه يرى أن اتصاف هذه العوامل بالمسؤولية في قبال الفعل (ب)، ما دامت لم تعمد إلى الإجبار والقسر في وجود العامل المباشر (أ) فلا يكون صحيحًا. وفي الواقع فإن الأسباب البعيدة إذا كانت قد أجبرت العامل والسبب المباشر على ارتكاب الفعل (ب) فسوف تكون مسؤولة عن ارتكاب العمل (ب)؛ وفي غير هذه الحالة لن يكون المسؤول عن ارتكاب الفعل (ب) سوى الفاعل (أ) فقط. يضاف إلى ذلك أن تحميل المسؤولية على عاتق الأسباب والعوامل البعيدة واعتبارها شريكة في ارتكاب الجريمة، لا يكون قابلًا للتنفيذ في الكثير من الحالات؛ إذ لا نمتلك أدوات قياس تحدّد نصيب كل واحد من هذه الأسباب ومقدار مشاركتها في ارتكاب الفعل (ب)، وكذلك فإننا في الكثير من الموارد لا نستطيع الوصول إلى تلك الأسباب[57].
يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأننا إنما نستطيع تحميل الأسباب البعيدة جريرة ارتكاب الفعل (ب) من قبل الشخص (أ)، فيما لو أمكن لنا تحديد مقدار وحجم الدور الذي لعبته هذه الأسباب في ارتكاب الفعل (ب)، وكذلك فيما لو أمكن الوصول إلى تلك الأسباب من أجل معاقبتها أو إشراكها في العقاب على ارتكاب الفعل (ب). وهو يرى أننا في الغالب نعجز عن تحقيق هذه الشروط؛ من ذلك لنفترض ـ على سبيل المثال ـ أن شخصية جدّ أو جدّة (أ) وطريقة تربيتهما له كان لها دور في ارتكاب الشخص (أ) للفعل (ب)؛ ولكننا لسنا عاجزين عن تحديد مقدار دور شخصية وتربية هذين الجدّين فحسب، بل وإنهما في الكثير من الأحيان لا يكونان على قيد الحياة عند ارتكاب الشخص (أ) للفعل (ب)، وبالتالي يستحيل إنزال العقاب بهما. وفي ضوء هذا التحليل يذهب موريتس شليك إلى اعتبار العامل المباشر هو المسؤول عن ارتكاب الفعل الخاطئ دون سواه.

5. التعريف الاستشرافي للمسؤولية الأخلاقية عند موريتس شليك
سبق أن ذكرنا أن موريتس شليك يرى أن الغاية من العقاب أو الثواب إنما تأتي في إطار الردع عن تكرار العمل أو الأعمال الخاطئة (في حالة العقاب)، أو التشجيع والحثّ على تكرار الفعل أو الأفعال الصالحة (في حالة الثواب)؛ ومن هنا فإن العامل المسؤول ـ من وجهة نظره ـ هو الذي: «يعتمل الدافع والحافز في داخله ليقترن باليقين ليمنعه من القيام بعمل ما، أو أن يشجعه على القيام بعمل ما بحسب المورد»[58].

وفي الواقع فإن العامل المسؤول هو العامل الذي يقوم خلق الحافز أو الدافع لديه من طرق العقاب أو الثواب (المقرون ـ بطبيعة الحال ـ مع اليقين بالعقاب أو الثواب) بردعه عن ارتكاب الفعل القبيح في المستقبل، أو تشجيعه على القيام بالفعل الصالح؛ وعلى هذا الأساس فإن العامل المسؤول هو النقطة الصحيحة لخلق الدافع. وعلى حد تعبير ديفد سوني إن العقاب يخلق لديه أسبابًا تحفيزية[59]. إن هذا التعريف ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ لا يبقي أيّ أمر ملغّز أو مبهم في حقل المسؤولية الأخلاقية. وفي تحديد المسؤول الأخلاقي عن فعل لا نحتاج لغير العثور على شخص يجب تشجيعه أو معاقبته[60].
إن هذا الاتجاه الاستشرافي تجاه المسؤولية الأخلاقية يؤدّي إلى ظهور نزعة تحمل ذات هذا العنوان. وإن المفكر الأهم الذي دافع عن هذا الاتجاه بعد موريتس شليك هو جي. جي. سي. سمارت. إن نسبة المسؤولية الأخلاقية إلى عامل صرف ـ من وجهة نظر سمارت ـ تستلزم هذا المعنى، وهو أنه لو تمّ إعداد حافز له لترك هذا الفعل، لكان قد تخلّى عن ارتكاب ذلك الفعل[61]؛ وعلى هذا الأساس فإن المسؤولية الأخلاقية في هذا الاتجاه إنما تكون بمعنى وجود استعداد لدى العامل، وإنه في ضوء ذلك الاستعداد يكون العقاب والثواب مؤثّرًا في دوافعه، ويؤدّي إلى تغيير أفعاله في المستقبل.

في ضوء ما تقدّم فإننا لا نعتبر الشخص المجنون مسؤولًا عن أفعاله؛ وذلك لأنه لا يبدي أيّ تغيير تجاه توفير الرادع من طريق العقاب، أو خلق الحافز من طريق الثواب. وفي الواقع فإن السبب في عدم مسؤولية المجنون تجاه أفعاله هو أنه لن يكون للعقاب أو الثواب أيّ تأثير في تغيير أفعاله في المستقبل. وعلى حدّ تعبير موريتس شليك:
«حيث لا تستطيع نفسه المضطربة أن تستجيب لهذا التأثير؛ لأن وظيفته الطبيعية عاطلة عن العمل، فإن السعي إلى التأثير فيه من طريق الوعد أو الوعيد سوف يكون سعيًا طائشًا وعبثيًا»[62].
ولهذا السبب فإننا في التعاطي مع المجنون لا نسعى إلى خلق الرادع أو الحافز لديه، وإنما نسعى إلى معالجته. وبلغة الاستعارة والمجاز: نحن نعتبر مرضه هو المسؤول عن الأفعال التي تصدر عنه، ونسعى إلى القضاء على أسباب ظهور هذا المرض. وهكذا فإننا لا نعتبر الشخص (أ) الذي قام بالفعل (ب) تحت تأثير التهديد بالقتل من قبل (ج) مسؤولًا عن ارتكابه للفعل (ب)، بل نلوم الفرد (ج) الذي سدّد فوّهة مسدسه إلى رأس (أ) ليجبره على القيام بالفعل (ب)؛ وذلك لأن معاقبة الشخص (أ) لن تخلق لديه تأثيرًا رادعًا وحافزًا بعد أن كان في الأساس مكرهًا على القيام بالفعل (ب). وبعبارة أخرى: حتى لو عاقبنا الشخص على فعله، وتعرّض مرّة أخرى لذات الموقف، فإنه سوف يعيد ارتكاب الفعل (ب) مرّة أخرى، وبالتالي فإن شرط المسؤولية لن يصدق في مورده؛ وأما لو خلقنا الحافز والدافع لدى الشخص (ج) من طريق معاقبته، فسوف نتمكّن من ردعه عن تكرار هذا الفعل وأن نسيطر عليه؛ وعلى هذا الأساس فإن الشخص الذي يجب علينا معاقبته إنما هو الشخص (ج) وليس (أ)[63]‌.[64]

6. تفسير موريتس شليك للشعور النفسي بالمسؤولية
بعد أن فرغ موريتس شليك من تقديم تعريفه العيني للمسؤولية الأخلاقية، انتقل إلى بحث المشكلة الثانية. في ضوء هذه المشكلة يكون كل تعريف للمسؤولية الأخلاقية لا يقوم على أساس الإرادة الحرة والإمكانات البديلة، على خلاف الشعور النفسي والداخلي للعامل وشهوده للإرادة الحرّة. إن موريتس شليك مدرك لأهمية هذه المشكلة، وهو يرى أن الجواب عن هذا السؤال القائل: «متى يشعر الفرد بالمسؤولية؟» يحظى بأهمية أكبر بالقياس إلى الجواب عن السؤال القائل: «من هو المسؤول؟». ومن هنا فإنه يسعى ـ من خلال تقديم تعريف عن النزعة التناغمية في الشعور بالمسؤولية ـ إلى بحث تناغم وانطباق هذين التعريفين اللذين يقدّمهما.
يرى موريتس شليك إن الشرط الأول في إيجاد الشعور بالمسؤولية لدى الشخص (أ)، عبارة عن إدراكه لحقيقة أنه قد حظي بالاهتمام في قيامه بفعل معيّن بشكل صحيح، وأنه كان الفاعل الحقيقي لذلك الفعل. وبعبارة أخرى: يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأن (أ) إنما يعتبر نفسه هو الفاعل الحقيقي لـ (ب) فيما لو:

1. كان الشخص الذي قام بتوفير لوازم القيام بالفعل (ب) هو (أ).
2. أن يكون (أ) مدركًا لهذا الأمر، وهو أنه قد قام بالفعل (ب) على نحو الاستقلال وإبداعه الخاص[65].
يقول موريتس شليك إن الشرط الثاني هو شرط الحرية، وهو يرى أن هذا الشرط، والذي نعني به إدراك الفاعل والعامل لحريته (الشعور بالقيام بالفعل بشكل حر) في القيام بالفعل (ب) هو الشرط في المسؤولية الأخلاقية. إن موريتس شليك يرفض تفسير الشعور بالمسؤولية بالإرادة الحرّة. وهو يرى أن الشعور بحرية العمل إنما هو الشعور بالقيام بفعل ما على أساس رغبات ذات الشخص، وبعبارة أخرى: إن العامل لو قام بفعل شيء في ضوء رغبته الخاصة ولم تقم قوّة خارجية بإجباره على فعل شيء، سوف يكون مالكًا لهذا الشعور. يذهب موريتس شليك إلى الاعتقاد بأن هذا الشعور هو ذات شعور القيام بالعمل على نحو آخر في حالة الرغبة والإرادة. وفي الحقيقة والواقع أن يكون العامل (أ) عند قيامه بالفعل (ب) مدركًا لهذا الشعور، وهو أنه لو أراد لما قام بالفعل (ب)، يكون الشرط الثاني قد تحقق[66].

إن هذا التعبير ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ لا يتعارض مع النزعة التعيّنية أبدًا؛ وذلك لأنه يعتقد بوجوب التفريق بين القضيتين أدناه:

1. لو كنت أريد لَقمت بالعمل على نحو آخر.
2. كان بمقدوري أن أقوم بالعمل على نحو آخر.
إن الذي يخلق لدينا الشعور بالحرية ـ من وجهة نظر موريتس شليك. هو القضية رقم (1)، وليس القضية رقم (2). إن القائلين بعدم التناغمية[67] يذهبون خطأ من الشعور بحرية العامل وشهود النفس للناس إلى استنتاج القضية (2)؛ بيد أن الشعور بالحرية يتم تحويله إلى القضية رقم (1)، أي إلى قضية شرطية، بحيث لا يكون صدقها متوقفًا على صدق المقدّم. وبعبارة أخرى: إن القدرة على تحقق رغبة غير تلك الرغبة المتحقّقة، ليست هي الشرط في الشعور بالحرية. يمكن لي أن أكون مفتقرًا لمثل هذه القدرة، وتكون القضية الشرطية رقم (1) بدورها صادقة في الوقت نفسه أيضًا. إن هذه القضية إنما تثبت أنني لو كنت مالكًا لرغبات ودوافع أخرى، لربما كنت أعمل على نحو آخر؛ ولكنها لا تقول في ظل الشروط الداخلية والخارجية لهذا التماهي كان بمقدوري أن أريد شيئًا آخر.

في ضوء هذا التحليل لا يكون هذا النوع من الشعور مستلزمًا للقبول بالنزعة اللاتعيّنية، والإمكانات البديلة وإنكار أصل العلية؛ وإنما هو مجرّد بيان لهذه الحقيقة، وهي أنني أستطيع أن أفعل ما أشاء وأن أعمل كما أشاء؛ بيد أن هذا الشعور لا يجيب عن السؤال القائل: هل كان بمقدوري أن أريد شيئًا آخر أم لا؟ وعلى هذا الأساس فإن تفسير «العمل على نحو آخر» في فلسفة موريتس شليك، يعود إلى القيام بعمل على أساس القوانين الإرادية الأخرى.
«إن الشعور بالمسؤولية يفترض أني قد قمت بالعمل بكامل حريتي، ويفترض أن رغباتي هي التي أجبرتني (على القيام بالعمل). بسبب هذا الشعور للأنا التائقة والمشتاقة أتعرّض للوم على سلوكي وأفعالي، أو أن أعاتب نفسي عليها، وبذلك فإني أعترف وأقرّ بأنه كان من الممكن أن أقوم بالعمل على خلاف ذلك. وهذا يعني أن سلوكًا وفعلًا آخر يتناغم مع القوانين الإرادية. وأنا بدوري أتمنّى وجود مثل هذا الحافز والدافع، وأتحمّل الألم (الحسرة والحزن) الناشئ من سلوكي وعملي، كي أمتنع من تكراره»[68].

إن موريتس شليك يذهب في نهاية المطاف إلى القول بأن توجيه العتاب للنفس إنما هو بمنزلة إعمال الدافع والحافز من أجل تحسين السلوك والفعل. إن اللوم والعتاب إنما يعمل بشكل صحيح فيما لو عمل من خلال خلق الحافز على إبعاد العامل في الحالات المماثلة عن القيام بالفعل الخاطئ. إن الشخص الذي يقوم بفعل شيء تحت ضغط التعذيب لا يشعر بالذنب والندم، ولا ينبغي له أن يمتلك مثل هذا الشعور؛ وذلك لأنه في الشرائط والظروف المماثلة وفي ضوء القوانين الإرادية سوف يعود إلى القيام بذات ذلك الفعل أيضًا؛ وعلى هذا الأساس:

«إن الشعور بالمسؤولية يعني إدراك وفهم هذا الموضوع وهو أن المسارات النفسية لذات الشخص تعمل على بلورة نقطة يجب أن يتمّ فيها توظيف الدوافع لتكون هي الحاكمة على الأفعال الجسدية للشخص»[69].
بعد هذا التحليل ينتقل موريتس شليك إلى المصاديق ليثبت تطابق هذا التعريف الذي يقوم بتقديمه مع الشعور النفسي للعامل. عندما يقوم الشخص (أ) تحت ضغط التعذيب أو بفعل التهديد بالقتل، بفعل الشيء (ب)، لا يمتلك تجاه قيامه بذلك الفعل شعورًا بالمسؤولية، ومن ناحية أخرى فإنه كذلك غير مسؤول بلحاظ التعريف العيني أيضًا؛ وذلك لأن تدخل الشخص الآخر هو الذي حمله وأجبره على فعل ذلك الشيء؛ وأما إذا كان الشخص (أ) قد قام بفعله على أساس رغبته الطبيعية، فإنه يشعر بالمسؤولية تجاه ذلك الفعل، ومن ناحية أخرى فإن العقاب أو التهديد بالعقاب سوف يؤدّي به إلى إعادة النظر في تكرار هذا الفعل. وعلى هذا الأساس فإن موريتس شليك يستنتج أن تعريفه العيني يتطابق مع الشعور بالمسؤولية.

7. تحليل وتلخيص رأي موريتس شليك حول المسؤولية الأخلاقية
قبل نقد الرأي الاستشرافي لموريتس شليك، نتعرّض لتحليل وتلخيص رؤيته. يمكن في ضوء رأيه في حقل نسبة المسؤولية الأخلاقية (العقاب/ الثواب)، تلخيص تعريفه على النحو الآتي:
«إن الفاعل (أ) مسؤول عن القيام بالفعل (ب)، وإذا كان ـ ومجرّد إذا كان ـ التهديد بمعاقبة (أ) يؤدّي به إلى عدم القيام بـ (ب)، أو أن يؤدي تشجيع وثواب (أ) إلى قيامه بالفعل (ب)».

وبشكل عام إذا كان الفعل (ب) فعلًا خاطئًا، يتم التهديد عليه بالعقاب، وإن كان فعلًا حسنًا، يتمّ التشجيع على فعله. وبطبيعة الحال قد تكون هناك موارد معكوسة يؤدّي فيها التهديد بالعقاب أو إنزال العقاب بحق (أ) إلى دفعه ليكون أكثر عزمًا وتصميمًا على ارتكاب الفعل (ب)، أو أن يؤدّي به التشجيع على ذلك الفعل إلى التهاون والتراخي في القيام به. وإنما المهم في البين هو ردة فعل الشخص (أ) تجاه التهديد والترغيب، وكذلك تجاه العقاب والثواب. إذا كانت هذه الأمور تؤثّر في دوافع الشخص (أ) تجاه القيام أو عدم القيام بالفعل (ب)، فسوف يكون مسؤولًا، وأما إذا لم يكن للعقاب والثواب أيّ تأثير فيه، فلن يكون مسؤولًا. وعلى هذا الأساس، حيث لا يكون للعقاب أو الثواب تأثير في مسار القيام بأفعاله في المستقبل، فلن يكون هذا الشخص مسؤولًا عن القيام أو عدم القيام بالفعل (ب).

ثم يستطرد موريس شليك بعد ذلك ليؤكّد على أن صدق تعريفه العيني رهن بالتطابق المصداقي لهذا التعريف مع تعريفه لشعور العامل بالمسؤولية. ولهذا الغرض يجب عليه أن يثبت أنه كلّما كان العامل باللحاظ العيني مسؤولًا عن القيام بالفعل (ب)، فإنه يشعر تجاه فعله بالمسؤولية، والعكس صحيح أيضًا. إن موريتش شليك يرى أن الشعور بالمسؤولية يعني شعور العامل بالحرية. وهو يرى أن الإجبار والإكراه إنما يُستعمل حيث يكون للشخص (أ) رغبة في القيام بالفعل (ب)؛ ولكن على أن يكون هناك متدخّل آخر هو الذي يجبره على القيام بالعمل (ج). إن القوانين النفسية هي قوانين طبيعية، ولا تقوم بإجبار شخص على القيام بفعل ما، وإنما هي مجرّد بيان للمسار الطبيعي لتحقيق الرغبات الطبيعية. وعلى هذا الأساس فإن الشعور بالمسؤولية ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ تحتوي على مثل هذه البنية:
«إن الشخص (أ) يعتبر نفسه مسؤولًا عن القيام بالفعل (ب)، ولو أن (أ) ـ ومجرّد لو أن (أ) ـ كان راغبًا على نحو طبيعي بالقيام بالفعل (ب)، وصارت الرغبة الطبيعية لدى (أ) سببًا لقيامه بالفعل (ب)».
وفيما يلي سوف نذكر ثلاثة أمثلة نثبت بها تناقض تظرية موريتس شليك في حقل القبول بالمسؤولية، وإن التعريفين اللذين يقدّمهما في هذا الشأن متهافتان.

النقد الأول لنظرية موريتش شليك: عدم تناغم الرغبة الطبيعية مع التعريف العيني
نأخذ هذه الحالة الافتراضية لنقض تناغمية التعريفين اللذين يذكرهما موريتس شليك: الشخص (أ) على عجلة من أمره بسبب رغبته في الوصول إلى موعد للتوقيع على عقد عمل مهم للغاية، وهو الآن واقف خلف الإشارة الحمراء. هناك أمامه في الطريق ثلاثة تقاطعات وفي كل تقاطع هناك إشارات ضوئية، وقد تمّ تنظيم كل إشارة ضوئية في الأيام السابقة ليتم تحويلها بعد كل خمس دقائق، ولكن في ذلك اليوم تمّ تغيير وقت التحويل ليكون بعد كل عشر دقائق، الأمر الذي سيجعل (أ) يصل إلى الموعد بعد تأخير يستغرق خمس عشرة دقيقة، وقد يؤدّي به ذلك إلى خسارة الوظيفة. إن الرغبة الطبيعية لدى (أ) تدعوه إلى اجتياز الإشارة الحمراء. بيد أن الخوف من فرض الغرامة عليه لا يمنعه من تلبية هذه الرغبة الطبيعية، ولذلك فإنه في ضوء رغبته يتجاوز الإشارة الحمراء الأولى، وفور ذلك تصله رسالة نصية على هاتفه النقال تخبره بأن عليه أن يدفع غرامة قدرها مئتي ألف دينار بسبب تجاوز الإشارة الحمراء، مع ملاحظة تؤكد له أن اجتيازه للإشارة الحمراء مرّة ثانية سوف يعرّضه لعقوبة أكبر وقد يتمّ سحب رخصة السياقة منه وإيقاف سيارته. إن الشخص (أ) يشعر بالسوء لأنه قد حصل على غرامة. ثم ينتهي به المطاف إلى الإشارة الحمراء الثانية، وعلى الرغم من وجود رغبته الطبيعية للوصول إلى موعد توقيع العقد في الوقت المحدد، ولكن تهديده بالعقاب (الغرامة المضاعفة وسحب الرخصة) يجبره على التوقف خلف الإشارة الحمراء.

في ضوء هذا المثال، يمكن إعادة صياغة الحالة الأول على النحو الآتي:
1. إن (أ) يمتلك رغبة طبيعية في اجتياز الإشارة الحمراء، وبالتالي فإنه يشعر بالمسؤولية تجاه هذا الفعل.
2. إن التهديد بالعقاب لا يحول دون اجتياز (أ) للإشارة الحمراء، وبالتالي فإن التهديد بالعقاب لن يكون له تأثير في عمل (أ).
3. بالنظر إلى أن التهديد بالعقاب لا يمنع (أ) من اجتياز الإشارة الحمراء، وعليه لو أن (أ) قام باجتياز الإشارة الحمراء، فإنه لن يكون مسؤولًا عن قيامه بذلك.
4. لو أن (أ) قام باجتياز الإشارة الحمراء، فإنه لن يكون مسؤولًا عن ذلك.

النتيجة: إن (أ) يشعر بالمسؤولية تجاه عمله، في حين أنه في ضوء التعريف العيني يكون فاقدًا للمسؤولية.
قد يذهب موريتس شليك في الجواب عن هذا الإشكال إلى التأكيد على رؤيته الاستشرافية. وعلى هذا الأساس فإن التهديد بالعقاب وإن لم يكن له تأثير في توقف (أ) خلف الإشارة الحمراء، ولكن حيث إن التعرّض للعقاب يؤدّي إلى تغيير سلوك (أ) في المستقبل، فإن (أ) يكون مسؤولًا تجاه اجتياز الإشارة الحمراء الأولى. في الواقع لو أن (أ) قام بالفعل (ب)، وبعد تعرّضه للعقاب تجاه قيامه بذلك الفعل والتهديد بالعقاب مجددًا في الظروف المماثلة الأخرى، لن يقوم بأعمال مماثلة لـ (ب)، يكون (أ) مسؤولًا تجاهه. وعلى هذا الأساس تكون القضية رقم (3) خاطئة، وبالتالي يكون (أ) بدوره شاعرًا بالمسؤولية حقًا، كما يكون مسؤولًا بلحاظ التعريف العيني أيضًا، ولا يوجد تعارض في البين.

مع افتراض هذا النوع من الجواب من قبل موريتس شليك، ننتقل إلى بحث الحالة الثانية:
1. إن (أ) يمتلك رغبة طبيعية في اجتياز الإشارة الحمراء، ونتيجة لذلك فإنه في التوقف خلفها يشعر بالإكراه.
2. لو أن التهديد بالعقاب أدّى بـ (أ) إلى الوقوف خلف الإشارة الحمراء، وسوف يكرر ذلك في المستقبل، عندها يكون (أ) مسؤولًا عن الوقوف خلف الإشارة الحمراء.

3. لو أن (أ) وقف خلف الإشارة الحمراء، فهو مسؤول عن ذلك.
في ضوء هذا التحليل حيث أدّى التهديد بالعقاب إلى توقف (أ) خلف الإشارة الحمراء، فإن (أ) سوف يكون مسؤولًا عن ذلك؛ ولكن من جهة أخرى فإن هذا التهديد بالعقاب هو الذي أدّى إلى أن يتدخّل في الرغبة الطبيعية لدى (أ). وعلى هذا الأساس فإن (أ) لا يرى نفسه مسؤولًا عن هذا التوقّف. وعلى هذا الأساس لو أن (أ) وصل إلى موعد عمله متأخّرًا، فإنه لن يلوم نفسه؛ وذلك لأنه لا يعتبر نفسه مسؤولًا عن الوقوف خلف الإشارة الحمراء. ولو أن شخصًا سعى إلى توجيه اللوم لـ (أ) على تأخّره، فإنه سيروي له الظروف التي أجبرَته على التأخّر لإثبات عدم تقصيره في هذا الشأن. إن الوقوف خلف الإشارة الحمراء قد فُرض على (أ)، وإنه قد قام بذلك مكرهًا. وعلى هذا الأساس فإن شرط الشعور بالمسؤولية غير متوفّر في الحالة الثانية؛ بيد أن التعريف العيني يصدق على فعل (أ).

بالنظر إلى هاتين الحالتين يتبيّن تهافت كلام موريتس شليك بشكل واضح. إن التعريف العيني لموريتس شليك للمسؤولية إما أن يدلّ على الحالة الأولى أو يدلّ على الحالة الثانية، وفي كلتا الحالتين سوف يظهر تهافت بين الشعور بالمسؤولية والتعريف العيني للمسؤولية. فهو من جهة يؤكد على أنه حيث يكون الشخص مستحقًّا للعقاب (أي حيث تترك العقوبة تأثيرًا في فعله)، فنحن ننسب المسؤولية إليه؛ ولكن من جهة أخرى إنما يجب أن نتقبّل المسؤولية حيث نعمل على طبق رغباتنا الطبيعية. إن الشخص (أ) ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ لو أُكره على فعل شيء تحت ضغط التهديد بالقتل، فإنه لن يكون مسؤولًا عن الفعل الذي يرتكبه، ولكنه لا يلتفت إلى أن العقوبات على المخالفات المرورية في الحالة الثانية يحمّل الوقوف خلف الإشارة الحمراء على عاتق (أ). فهو في كلتا الحالتين يتخلّف عن تحقيق رغبته الطبيعية.

النقد الثاني لنظرية موريتس شليك: الانحراف العلّي في تحقيق الرغبات الطبيعية
يبدو أن بمقدورنا إعادة صياغة مثال موريتس شليك ـ في مورد الشخص الذي يقع ضحية لشخص يضطرّه إلى القيام بفعل خلافًا لرغبته تحت ضغط السلاح ـ بحيث يؤدّي ذلك إلى حدوث التهافت في نظريته. ولكي يتضح هذا التهافت نأخذ الفرضية أدناه بنظر الاعتبار:

إن السيد (أ) يشغل منصب نائب المدير العام في شركة للاستثمار. يرغب السيد (أ) بعزل المدير العام عن منصبه ليحلّ محله ويصبح هو المدير العام بدلًا منه. هناك أعداء لدودون للمدير العام يتربّصون به الدوائر ويسعون إلى إقصائه من منصبه. يحصل السيد (أ) على وثائق تدين المدير العام بالاختلاس، وفي الوقت نفسه يحصل أعداء المدير العام على هذه الوثائق ذاتها أيضًا. إن السيد (أ) يبحث عن فرصة لينشر هذه الوثائق كي يتمّ عزل المدير العام عن منصبه، لكي يحلّ محلّه، ولكن خوفه من المدير العام يمنعه من القيام بهذا الفعل. إن وثائق الاختلاس موجودة في خزانة الشركة في صندوق مقفل ومفتاحه موجود عند السيد (أ). وذات يوم تهجم جماعة مسلحة من أعداء المدير العام على الشركة، وتعمل على إكراه السيد (أ) تحت التهديد بقوة السلاح وتجبره على تسليمها الوثائق الموجودة في الخزانة أو يتعرّض للقتل. وحيث يشعر السيد (أ) بالسعادة والفرح بهذا الأمر، فإنه يفتح الخزانة ويسلّمهم الوثائق بكامل رغبته، ثم تقوم هذه الجماعة بنشر الوثائق، وبذلك يتمّ عزل المدير العام من منصبه.
إن اختلاف هذا المثال عن المثال الذي يذكره موريتس شليك يكمن في أن الشخص (أ) في مثاله يقوم تحت ضغط التهديد بفعل لا يتوافق مع رغبته الطبيعية، وأما في المثال أعلاه فإن الشخص (أ) يقوم تحت ضغط السلاح بفعل يتطابق مع رغبته الطبيعية. في ضوء تعريف موريتس شليك:

1. إن الشخص (أ) قام بفعل على أساس تحقق طبيعة رغباته، وعليه فإنه يجب أن يشعر بالمسؤولية تجاه قيامه بمثل هذا الفعل.
2. إن التعريف العيني لموريتس شليك لتقبّل المسؤولية لا يصدق في باب فعل (أ)؛ وذلك لأن معاقبته لن يكون لها تأثير في أفعاله في الحالات المماثلة. وبالتالي فإن معاقبته أو تهديده بالعقاب لن يوجد دافعًا لديه. وعلى هذا الأساس فإنه لن يكون مسؤولًا تجاه هذا الفعل.

إن هذه المفارقة بالإضافة إلى بيان التهافت بين التعريف العيني والشعور بالمسؤولية، تثبت نقص تعريف موريتس شليك في حقل الشعور بالمسؤولية أيضًا. إن تحقيق الرغبات الطبيعية للإنسان ـ من وجهة نظره ـ يرادف الشعور بالحرية والشعور بالمسؤولية. وعلى هذا الأساس لو لم يتدخّل مانع يحول دون تحقّق الرغبات الطبيعية، فإن العامل يكون مسؤولًا عن الفعل الحاصل؛ إلا أن هذا المثال يثبت أن مجرّد التدخّل في مسار تحقق الرغبات الطبيعية لا يكفي في تقبّل المسؤولية؛ بل إن العوامل الدخيلة لا يجب أن تحول ـ من طريق الإجبارـ دون مسار تحقق الرغبات، وأن تظهر عملًا آخر على خلاف الرغبات فحسب، بل ولا ينبغي أن تتدخل في مسار تحقق الرغبات وظهور فعل متطابق مع الرغبات أيضًا.
وبعبارة أخرى: لو أن الرغبات الطبيعية لدى شخص قد ظهرت وتبلورت بفعل تدخّل عامل خارجي في إطار فعل معيّن، فسوف يتمّ التشكيك بمسؤولية الشخص تجاه ذلك الفعل، وإن العامل لن يكون مسؤولًا عن فعله إلا إذا قام به على أساس دوافعه الخاصة فقط.

النقد الثالث لنظرية موريتس شليك: عدم جامعية التعريف العيني
عمدنا في النقدين أعلاه إلى إثبات أن التعريف العيني والتعريف النفسي لموريتس شليك للمسؤولية الأخلاقية لا يتطابقان مع بعضهما. وفي النقد الثالث سوف نعمل ـ من خلال مثال نقضي ـ على إثبات أن (أ) يشعر بأنه مسؤول تجاه عمله، والعرف المشترك بدوره يعتبره مسؤولًا عن ذلك العمل أيضًا، في حين أن التعريف العيني لموريتس شليك لا يصدُق على عمل (أ). وللوصول إلى هذه الغاية نأخذ الحالة الافتراضية الآتية:

إن (أ) ناشط اجتماعي يعترض على وجود قانون اجتماعي عنصري يميّز بين أفراد مجتمعه، ولا يكتفي وحده بالتمرّد على ذلك القانون فحسب، بل ويدعو الآخرين إلى التمرّد عليه أيضًا. ولن تؤثر أيّ عقوبة أو تهديد على قراره. إن رغبته الطبيعية (دوافعه ومعتقداته) من القوّة بحيث لا يمكن لأي عقاب بما في ذلك الإعدام أن يدفعه نحو التخلّي عن الاعتراض على ذلك القانون المشين. كما أنه لا يبالي بجميع أنواع الترغيب والترهيب أيضًا. وعلى هذا الأساس لا يكون هناك تأثير لأي عقاب ولا ثواب ولا حتى أيّ تهديد أو ترغيب في نشاطه وعمله. في ضوء هذا المثال:

1. إن (أ) يرغب في القيام بالاعتراض على نحو طبيعي.
2. إن التهديد بالعقاب لا يدفع (أ) نحو التخلّي عن الاعتراض.
3. لو أن التهديد بالعقاب لا يؤدّي به إلى التخلّي عن الاعتراض، فلن يكون مسؤولًا عن عدم الاعتراض.
4. لو اعترض (أ)، فإنه لا يكون مسؤولًا عن القيام به.

إن هذا المثال يبيّن أن مثال المجنون الذي يذكره موريتس شليك في غاية السطحية والسذاجة. إن المجنون ـ من وجهة نظره ـ غير مسؤول؛ وذلك لأنه لا يسمح لنا بأن نخلق له أي دافع من طريق العقاب، وبالتالي فإننا لا نعتبر المجنون مسؤولًا. إن الشخص (أ) في المثال أعلاه هو مثل المجنون تمامًا؛ إذ لا يسمح لنا بإيجاد الدافع لديه. إن الرغبة الطبيعية والمستقلة لدى (أ) نحو الاعتراض والتمرّد والعصيان المدني إنما تنبثق من وجدانه وضميره، ولا يمكن لأي تهديد أن يؤثّر في قراراته؛ وعلى هذا الأساس فإنه بدوره لا يكون مسؤولًا عن نشاطاته أيضًا؛ في حين أن (أ) ليس وحده هو الذي يشعر بأنه مسؤول عن أعماله فحسب، بل حتى العُرف المشترك بدوره يعتبره مسؤولًا عن أعماله أيضًا.

وبشكل عام يبدو أننا في أغلب الأحيان إنما ننسب أكبر المسؤولية إلى (أ)، حيث لا نستطيع تغيير وجهة نظره بأيّ شكل من الأشكال؛ من ذلك لنفترض ـ مثلًا ـ أن هذا الشخص (أ) كان هو المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، وإن القانون الذي يعترض عليه هو قانون الآبارتايد أو التمييز العنصري. نحن نشيد بمانديلا؛ إذ إنه لم يتخلّ عن الاعتراض على هذا القانون المجحف رغم كل التهيدات والمخاطر التي تعرّض لها من التعذيب وأنواع العقواب ولم تؤثر فيه حتى المغريات التي عُرضت عليه من أجل التخلّي عن مبادئه أيضًا، حتى تمكن في نهاية المطاف من تحقيق مطالبه. ونحن بدورنا نعتبره الزعيم والمسؤول الأصلي للنضال ومقاومة التمييز والفصل العنصري في بلاده؛ لأنه قاوم جميع العوامل الخارجية التي كانت تسعى إلى ثنيه عن مواصلة المقاومة. وحيث لم تتمكن الضغوط الخارجية من التأثير فيه ولم تحمله على تغيير قناعاته وقراراته، فنحن نعتبره هو الفاعل الحقيقي لأعماله ونشاطته وننسب إليه أعلى درجات المسؤولية في هذا الشأن.
بهذا المثال النقضي يتّضح أن التعريف العيني والتعريف النفسي لموريتس شليك عن المسؤولية الأخلاقية ليسا غير متطابقين على بعضهما، بل إن تعريفه العيني يعدّ في ضوء استعمال العُرف المشترك لمفردة المسؤولية بدوره ناقصًا وغير جامع للأفراد. وفي مقام الخلاصة يمكن القول: حتى لو قبلنا بالمباني التناغمية لموريتس شليك يبقى تعريفه الأول للمسؤولية الأخلاقية غير مانع من دخول الأغيار، كما أن تعريفه الثاني بدوره ليس جامعًا للأفراد أيضًا. وإن الأهم من هذين النقدين هو وجود التعارض والتهافت الداخلي في نظريته. ونتيجة لذلك لا يمكن الدفاع عن رأيه في خصوص هذه المسألة.

النتيجة
لقد عمل الفيزيائي والفيلسوف الألماني الشهير موريتس شليك في كتابه «مسائل علم الأخلاق» على الدفاع عن نظريته التناغمية، وتفسير المسؤولية الأخلاقية في ضوء هذه النظرية. إن المسؤولية الأخلاقية ـ من وجهة نظره ـ تعني وجود ظرفية واستعداد في نفس العامل من أجل إيجاد الدافع من طريق العقاب والثواب. في ضوء هذا التعريف يعدّ العامل مسؤولًا عن الفعل (ب)، ولو كان ـ ومجرّد لو كان ـ إعمال العقاب/ الثواب يخلق لديه الدافع بحيث يكون سببًا في الموارد المماثلة في المستقبل لعدم القيام/ القيام بما يشبه الفعل (ب).
إن هذا التعريف ـ من وجهة نظر موريتس شليك ـ يتناغم ويتطابق مع الشعور بالمسؤولية في نفس الإنسان. وقد عمد إلى تفسير الشعور بالمسؤولية بـتحقّق الرغبات الطبيعية. وعلى هذا الأساس، كلما كان الإنسان شاعرًا بالمسؤولية تجاه القيام بفعل ما، فإن التعريف العيني يصدق عليه أيضًا، وحيثما لا يكون هذا التعريف صادقًا في فعل معيّن، يكون الإنسان بدوره شاعرًا بالمسؤولية تجاه القيام بذلك الفعل أيضًا.

وقد أثبتنا في هذه المقالة ـ من خلال ذكر ثلاثة أمثلة نقضية ـ أن رأي موريتس شليك في مورد المسؤولية الأخلاقية حتى لو افترضنا القبول بنظريته في النزعة التناغمية، يعاني من عدم التناغم، وفي النتيجة لا يمكن الدفاع عنه. في ضوء حالة المثال الأول، لو أن المسؤولية الأخلاقية تعود إلى العمل السابق، فإن تعريف موريتس شليك لا يصدق على العامل؛ وذلك لأنه حيادي بالنسبة إلى العقاب، ولو كانت المسؤولية الأخلاقية تعود إلى العمل اللاحق، فإن تعريف موريتس شليك للشعور بالمسؤولية لا يصدق على العامل المذكور. ونتيجة لذلك فإن تعريف موريتس شليك لقبول المسؤولية لا يتطابق دائمًا مع الشعور بالمسؤولية.
وفي ضوء المثال الثاني حيث يحصل العامل على تحقيق رغباته الطبيعية تحت تأثير تدخل خارجي، يجب أن يكون لديه شعور بالمسؤولية؛ في حين لا العامل يشعر في نفسه بالمسؤولية، ولا العُرف المشترك يعتبره مسؤولًا من الناحية الأخلاقية عن ذلك العمل. وفي حالة المثال الثالث، كذلك بالإضافة إلى عدم تناغم تعريفي موريتس شليك، قد اتضح أن التعريف العيني لموريتس للمسؤولية الأخلاقية ليس جامعًا للأفراد؛ إذ يمكن تصوّر عامل لا يسمح لنا بأيّ تأثير من طريق العقاب/ الثواب؛ بيد أن العُرف المشترك يرى له أكبر درجات ومراتب المسؤولية الأخلاقية. ومن خلال بيان هذه النواقص الثلاثة قد اتضح أن نظرية موريتس شليك فيما يتعلق بالمسألة الأخلاقية لا يمكن الدفاع عنها.

قائمة المصادر
تمدن فرد، فاطمة (1399 ه‍ ش)، «نگاه متفاوت برنارد ويليامز به مسئوليت أخلاقي»، مجلة: پژوهش‌هاي فلسفي / كلامي، العدد: 22 (84)، ص 119 ـ 143.
حبيبي، سليمان ومحسن جوادي، (1394 ه‍ ش)، «تبيين فلسفي مسئوليت اخلاقي از ديدگاه جان مارتين فيشر»، مجلة: پژوهش‌هاي اخلاقي، العدد: 5 (3)، ص 35 ـ 54.
حق شناس، روح الله (1398 ه‍ ش)، «بررسي إمكان استقلال مسئوليت أخلاقي از إراده‌ي آزاد در رويكرد نگرش‌هاي واكنشي»، مجلة: انديشه‌ي ديني، العدد: 19 (17)، ص 43 ـ 70.
خزاعي، زهراء و فاطمة تمدّن فرد(1397 ه‍ ش)، «رابطه‌ي شانس و مسئوليت اخلاقي در نكاه تامس نيكل»، مجلة: فصلنامه‌ي انديشه‌ي ديني، العدد: 18 (3)، ص 61 ـ 84.
ـــــــــــــ(1399 ه‍ ش)، شانس و مسئوليت اخلاقي در نگاه مايكل جي. زيمرمن، مجلة: متافيزيك، العدد: 12 (29)، ص 62 ـ 45.
خوانساري، محمد أمين و هادي صادقي(1400 ه‍ ش)، «مسئوليت اخلاقي در قبال ديگران از منظر رويكرد وظيفه‌گرايانه‌ي كانت»، مجلة: فصلنامه‌ي علمي / تروجي اخلاق، العدد: 11 (41)، (العدد المتسلسل: 63)، ص 127 ـ 154.
شقاقي، مهدي (1402 ه‍ ش)، «اطلاعات كاذب عمدي و مسئوليت اخلاقي: مطالعه‌اي در فلسفه‌ي اخلاق»، تأملات فلسفي، العدد: 13 (30)، ص 279 ـ 328.
صياد منصور، علي رضا (1396 ه‍ ش)، «روايت لويناس از مسئوليت اخلاقي به مثابه‌ي واقعيت انضمامي من»، گريزناپذير و تقارن ناپذير، مجلة: شناخت، العدد: 10 (2)، (العدد المتسلسل: 77)، ص 197 ـ 218.
صياد منصور، علي رضا و حميد طالب زاده(1393 ه‍ ش)، «مسئوليت اخلاقي در انديشه امانوئل لويناس»، مجلة: پژوهش‌هاي فلسفي، السنة الثامنة، العدد: 14، ص 165 ـ 182.
عباسيان چالشتري، محمد علي (1401 ه‍ ش)، انگيزش اخلاقي، جهات تناسب و برخي دلالت‌هاي فلسفه‌ی ديني آن‌ها، تأملات اخلاقي، 3 (4)، (العدد المتسلسل: 12)، ص 25 ـ 44.

عدالت جو، سعيد و علي أرشد رياحي(1398 ه‍ ش)، «تجديد نظرگرائي درباره اراده‌ي آزاد و مسئوليت اخلاقي از ديدگاه امانوئل وارگاس»، مجلة: شناخت، العدد: 12 (2) (العدد المتسلسل: 81)، ص 185 ـ 208.
علي زاده، بهرام (1400 ه‍ ش)، «بازنگرش‌گرائي در باب مسئوليت اخلاقي، متافيزيك»، السنة الثالثة عشرة، العدد: 31، ص 19 ـ 35، 1400 ه‍ ش.
13. Arneson, Richard. (2003). "The Smart Theory of Moral Responsibility and Desert," in: Serena Olsaretti (ed.), Desert and Justice, Oxford: Clarendon Press, pp. 233 – 258.
14. Ayer, A. J. (1954). "Freedom and Necessity", in his Philosophical Essays, New York: St. Martin’s Press: 3 – 20; reprinted in: Watson (ed.), 1982, pp. 15 – 23.
15. Bernstein, Mark. (2002). "Fatalism." in: the Oxford Handbook of Free Will. Robert Kane, Ed., Oxford: Oxford University Press. pp 65 - 81.
16. Coates, D. Justin. (2020). "Hard incompatibilism and the participant attitude", Canadian Journal of Philosophy, Volume 49 Issue 2, pp. 208 – 229.
17. Fischer, J. M & Ravizza, M. (1998). Responsibility and Control: A Theory of Moral Responsibility. New York: Cambridge University Press.
18. Fischer, J. M. (2012). Semicompatibilism and Its Rivals. The Journal of Ethics, 16, pp. 117 - 143.
19. Frankfurt, H. (1969). Alternate Possibilities and Moral Responsibility. Journal of Philosophy, 66, pp. 829 - 839.
20. Franklin, C. E. (2018). "a Minimal Libertarianism: Free Will and the Promise of Reduction", Oxford University Press.
21. Hempel, Carl G. and Paul Oppenheim (1948) "Studies in the Logic of Explanation", Philosophy of Science, 15(2): 135 – 175.
22. Hobart, R. E (1934). "Free Will as Involving Indeterminism and Inconceivable Without It", Mind, 43: 1 – 27.
23. McKenna, Michael (2012). Responsibility and Globally Manipulated Agents, Philosophical Topics, 32 (1 / 2): 169 – 192.
24. Pereboom, Derk (2001). Living without Free Will. Cambridge: Cambridge University Press.
25. Raz, Joseph (1994). "Ethics in The Public Domain", Oxford: Clarendon Press.
26. Salmon, Wesley C. (1984). "Scientific Explanation and the Causal Structure of the World", Princeton University Press.
27. Schlick, M. (1939). "Problems of Ethics", David Rynin (trans.), New York: PrenticeHall.
28. Schlick, M. (1974). "General Theory of Knowledge", Albert E. Blumberg (trans.), New York: Springer.
29. ــــــــــــــ. (1978). "Philosophical Papers", vol. 1: (1909 – 1922), Mulder, Henk L., van de VeldeSchlick, B. F. B. (eds.), Springer.
30. Smart, J. J. C. (1961). "Free-Will, Praise and Blame", Mind, 70 (279): 291 – 306.
31. Stroud, Barry (1977). "Hume", London: Routledge.
32. Van Inwagen, Peter (1975). "The Incompatibility of Free Will and Determinism", Philosophical Studies, 27 (3): 185 – 199.
33. Zimmerman, Michael J. (1988). An Essay on Moral Responsibility, Totowa, NJ: Rowman and Littlefield.

-------------------------------------------
[1]. الكلمة الفارسية المستخدَمة في النص الأصلي هي «سازگارگروانه»، وبالإمكان ترجمتها بطرق متعددة، مثل «الإنسياقية المفرطة» أو «التناغمية»، وغير ذلك، وتم اختيار لفظة التناغمية لدلالتها وعدم تعقيدها.
[2]. سبق لهذه المقالة أن نُشرت في الأصل باللغة الفارسية تحت عنوان (بررسي انتقادي رويكرد سازگارگروانه‌ی موريس شليك به مسئوليت اخلاقي)، في مجلة تأمّلات أخلاقي الفصلية، الدورة الرابعة، العدد الثالث (العدد المتسلسل: 15)، خريف عام 1402 ه‍ ش، الصفحات: 23 ـ 44. تعريب: حسن علي مطر
[3]. أستاذ في حقل الفلسفة والكلام الإسلامي في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية في جامعة طهران.
[4]. Moral responsibility
[5]. Zimmerman, An Essay on Moral Responsibility, 61 – 62.
[6]. McKenna, Responsibility and Globally Manipulated Agents, 16 – 17.
[7]. Free will
[8]. Causal determinism
[9]. Bernstein, "Fatalism.", 67.
[10]. folk intuition.
[11]. Van Inwagen, "The Incompatibility of Free Will and Determinism", 55 – 105; Pereboom, Living Without Free Will, 127 - 154.
[12]. Soft incompatibilists.
[13]. Hard incompatibilists.
[14]. Franklin, "A Minimal Libertarianism: Free Will and the Promise of Reduction", 59 – 85.
[15]. Coates, "Hard Incompatibilism and the Participant Attitude", 208 – 229, 208 – 229.
[16]. Fischer, Semicompatibilism and Its Rivals, 117 – 143, 117 – 143.
[17]. Fischer & Ravizza, Responsibility and Control: A Theory of Moral Responsibility, 253 – 254.
[18]. Frankfurt, Alternate Possibilities and Moral Responsibility, 829 – 839, 829 – 839.
[19]. Hobart, "Free Will as Involving Indeterminism and Inconceivable Without It", 1 – 27; Ayer, "Freedom and Necessity", 15 – 23.
[20]. علي زاده، بازنگرش‌گرائي در باب مسئوليت اخلاقي، 20 ـ 27.
[21]. Moritz Schlick
[22]. Logical positivism
[23]. Problems of ethics
[24]. When Is a Man Responsible
[25]. Schlick, "Problems of Ethics", 143 – 159.
[26]. Alternative Possibilities
[27]. Forward-looking approaches to moral responsibility.
[28]. Arneson, "The Smart Theory of Moral Responsibility and Desert", 233 – 258.
[29]. وهي لغة المقالة الأصلية (المحرر)
[30]. صياد منصور وطالب زاده، «مسئوليت اخلاقي در انديشه امانوئل لويناس»، 165 ـ 182؛ صياد منصور، «روايت لويناس از مسئوليت اخلاقي به مثابه‌ي واقعيت انضمامي من، گريزناپذير و تقارن ناپذير»، 197 ـ 218.
[31]. حبيبي وجوادي، «تبيين فلسفي مسئوليت اخلاقي از ديدگاه جان مارتين فيشر»، 35 ـ 54.
[32]. خزاعي وتمدّن فرد، «رابطه‌ي شانس و مسئوليت اخلاقي در نكاه تامس نيكل»، 61 ـ 84. وانظر أيضًا: خزاعي وتمدّن فرد، «شانس و مسئوليت اخلاقي در نگاه مايكل جي. زيمرمن»، 62 ـ 45.
[33]. حق شناس، «بررسي إمكان استقلال مسئوليت أخلاقي از إراده‌ي آزاد در رويكرد نگرش‌هاي واكنشي»، 43 ـ 70.
[34]. تمدن فرد، «نگاه متفاوت برنارد ويليامز به مسئوليت أخلاقي»، 119 ـ 143.
[35]. خوانساري وصادقي، «مسئوليت اخلاقي در قبال ديگران از منظر رويكرد وظيفه‌گرايانه‌ي كانت»، 127 ـ 154.
[36]. شقاقي، «اطلاعات كاذب عمدي و مسئوليت اخلاقي: مطالعه‌اي در فلسفه‌ي اخلاق»، 279 ـ 328.
[37]. عدالت جو وأرشد رياحي، «تجديد نظرگرائي درباره اراده‌ي آزاد و مسئوليت اخلاقي از ديدگاه امانوئل وارگاس»، 185 ـ 208.
[38]. Arneson, "The Smart Theory of Moral Responsibility and Desert", 233 – 258.
[39]. Schlick, "Problems of Ethics", 144.
[40]. Schlick, "General Theory of Knowledge", 497.
[41]. Law.
[42]. Normative law.
[43]. Raz, "Ethics in The Public Domain", 195 – 238.
[44]. Hempel, and Oppenheim, "Studies in the Logic of Explanation", 139.
[45]. Descriptive law.
[46]. Natural law.
[47]. Schlick, "Philosophical Papers", 9 – 15.
[48]. Causal explanation.
[49]. Schlick, "Problems of Ethics", 147 – 148.
[50]. Ibid., 150 – 151.
[51]. Schlick, "Problems of Ethics", 157 – 158.
[52]. Stroud, "Hume", 149.
[53]. Schlick, "Problems of Ethics", 157 – 158.
[54]. Schlick, "Problems of Ethics", 151.
[55]. Ibid., 152.
[56]. Ibid.
[57]. Schlick, "Problems of Ethics", 152 - 153.
[58]. Ibid., 152.
[59]. عباسيان چالشتري، انگيزش اخلاقي، جهات تناسب و برخي دلالت‌هاي فلسفه‌ي ديني آن‌ها، 31 ـ 32.
[60]. Schlick, "Problems of Ethics", 152.
[61]. Smart, "Free-Will, Praise and Blame", 292 – 306.
[62]. Schlick, "Problems of Ethics", 153.
[63]. ورد في الأصل (ب) وهو على ما يبدو من سهو القلم.
[64]. Ibid., 153.
[65]. Schlick, "Problems of Ethics", 154.
[66]. Ibid., 153 - 154.
[67]. Incompatibilists
[68]. Schlick, "Problems of Ethics", 155.
[69]. Ibid., 153.