البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

البراجماتيَّة الأخلاقيَّة عند وليم جيمس (دراسة تحليلية نقدية)

الباحث :  علا عبد الله خطيب
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  40
السنة :  خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث :  66
تحميل  ( 505.534 KB )
الخلاصة
بُنيت البراجماتيَّة الأخلاقيَّة على نظرية المعرفة البراجماتيَّة التي ذهبت إلى أن معنى الفكرة يتوقّف على آثارها العمليَّة في حياة الإنسان، فكل فكرة لا تتحوّل عند صاحبها إلى سلوك ناجح في دنيا الواقع فهي باطلة، ومثل هذا يُقال في كافّة القيم والمعتقدات الدينية، فالصواب والحق والخير تقاس بمقياس العمل المنتج وليس بمنطق العقل المجرّد.
ومن ثم، أنتجت البراجماتيَّة أخلاقًا شاذّة برّرت احتلال الآخر ونهب ثرواته وخيراته، وأسّست لسيادة الإباحية والعنف والجريمة، واستهانت بالمقدّس وجعلته مرهونًا بالمنفعة والمصلحة؛ إذ كان الاعتقاد بإله أو بدين ما أولى من عدم الاعتقاد؛ لأنه احتمال قد يقود إلى نفع، في حين أنه لا نفع يُرجى من وراء عدم الاعتقاد. فترك جيمس -بذلك- القيمة الذاتية للأشياء ونظر إلى النتائج المترتبة عليها، مما عرَّض مذهبه لكثير من أوجه النقد التي كادت أن تهدم المذهب من أساسه.

الكلمات المفتاحية: البراجماتيَّة، الأخلاق، المعرفة، الدين، وليم جيمس.

مقدمة
تعدّ البراجماتيَّة أول إسهام فلسفي أمريكي أدلى به مفكّرو العالم الجديد في البناء الفلسفي المعاصر، لكنه تجاوز حدود أمريكا ووجد له أنصارًا كثيرين في أوروبا وفي شتّى أنحاء العالم، ولقد سار في ركاب سيادة أمريكا السياسية والاقتصادية والعسكرية على مناطق كثيرة في عالم اليوم. وقد زعم أنصار هذه النزعة أن هدفهم الأول هو تغيير العالم، وإعادة تنظيمه، وتحقيق السعادة للإنسان. وكان وليم جيمس أحد كبار ممثلي هذه الاتجاه الذي تميز بالتعبير عن مكانة الجوانب الأخلاقية والدينية في الفلسفة البراجماتيَّة؛ حيث رأى أن الخير يقوم في إشباع مطالب الإنسان وتحقيق رغباته؛ أي أن الإنسان يمكنه أن يعتنق مذهبًا أخلاقيًا أو دينيًا ليس لوجاهته النظرية المجردة، وإنما لكونه يمثّل مطلبًا حياتيًّا وعمليًا. فمعيار الأخلاقية عند جيمس ورفاقه من البراجماتيين هو نتائج الأفعال، والمنفعة هي المحكّ الوحيد لصدق الأحكام وصواب الأفكار وليس العقل.
ومن ثم وُجّهت إلى هذه النزعة كثيرًا من أوجه النقد لعلّ أهمّها أنَّها نزعة لا أخلاقيَّة لأنها تزكي الأنانية على حساب الغيرية؛ فالغاية فيها هي المنفعة والمصلحة وليست المُثل العليا المطلقة، ولارتباطها الوثيق بالحرب ونهب ثروات الشعوب المستضعفة، وارتباطها بالإجرام والعنف، وأن الدين فيها بلا قدسية وإنما تكمن منفعته فيما يُنتجه.

وللتناول الجيد لتحليل هذه النزعة ونقدها قسّمنا هذا البحث إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة؛ تضمّنت المقدمة: أهمية البحث، وإشكاليّاته، وتساؤلاته، ومبرّراته، ومباحثه، ومناهجه. وتناول المبحث الأول: معنى البراجماتيَّة ونشأتها وأصولها ومنابعها. في حين تناول المبحث الثاني: مبادئ الأخلاق البراجماتيَّة. ليتناول المبحث الثالث: المعرفة وإرادة الاعتقاد عند وليم جيمس. في حين دار المبحث الرابع حول: الدين وعلاقته بالأخلاق عند وليم جيمس. ليأتي المبحث الخامس بعنوان: البراجماتيَّة في ميزان النقد. ثم تضمنت الخاتمة أهم النتائج التي توصّل إليها البحث.
ولمعالجة هذا الموضوعات تم استخدام المنهج التحليلي لتحليل رؤى وليم جيمس ونصوصه، بغية الوقوف على حقيقة معناها ومبتغاها، كما لعب المنهج المقارن دورًا كبيرًا في هذا البحث الذي عمل على مقارنة آراء وليم جيمس بغيره من الفلاسفة على مدار تاريخ الفلسفة من المثاليين والتجريبيين. كما يبقى المذهب النقدي ضرورة لا بدّ منها لأيّ رأي بشري لبيان مواضع الضعف والقوة فيه، وبيان ما يمكن أن يُترك وما يمكن أن يبقى لنبني عليه؛ فآراء البشر تتطور وتتجاوز نقائصها بالنقد.

المبحث الأول: معنى البراجماتيَّة ونشأتها وأصولها ومنابعها
إنَّ أول من استخدم لفظ «البراجماتيَّة[2]» كمفهوم فلسفي هو الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس[3] سنة 1878 في مقال له بعنوان «كيف نجعل أفكارنا واضحة» الذي نُشر في عدد يناير من تلك السنة لمجلة "Popular Science Monthly"، وأراد به أنه لكي نصل إلى الوضوح التام في أفكارنا عن موضوع ما، فإننا لا نحتاج إلا إلى اعتبار ما قد يترتّب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي قد يتضمّنها الشيء أو الموضوع. وقد اشتقّه بيرس من الكلمة اليونانية πραγμα بمعنى العمل، والتي تؤخذ منها كلمتا «مزاولة» «وعملي»[4]. ويُعبَّر عنه بالإنكليزية بكلمة action، أي: عمل، فعل، تصرف، سلوك، نشاط، فعاليَّة. أو affair، أي: مسألة، أمر، شأن: تجاريًّا كان أم سياسيًّا أم مهنيًّا، أو غير ذلك. ويُعبَّر عنها في العربية بـ: «الذرائعيَّة»، أو «العمليَّة»، أو «العَمَلانِيَّة»، أو «الأداتية»، وبنحو ذلك من الألفاظ حسب اختلاف الترجمة أو التوجّهات المختلفة في إطار هذه الفلسفة التي تهتمّ بالعمل على حساب النظر.

لكن لا يعني ذلك أن هذا المصطلح وليد القرن التاسع عشر، بل إننا نجد له جذورًا ضاربة في التاريخ؛ حيث يُذكر عن المؤرخ اليوناني بوليبيوس[5] أنَّه سمَّى كتاباته بـ"pragmatic": مما يدلُّ على أنه كان يهدف إلى أن تكون مفيدة ونافعة للقرّاء. أمَّا من حيث معنى المفهوم الذي يركّز على النتائج دون الدوافع أو البواعث لتقويم الفعل معرفيًا وأخلاقيًا، فإننا يمكن أن نعود بهذا المفهوم إلى السفسطائيين الذي جعلوا من الإنسان الفرد مقياسًا لكل شيء، ونسبوا الحقيقة إلى ما تدركه حواس الإنسان، وبالتالي فالحقيقة نسبية متعدّدة، تختلف من فرد إلى آخر، والفعل يكون صوابًا أو خيّرًا حسب ما يعود على كل فرد من نفع أو خير أو فائدة. وهذا يعني أن الصواب أو الخير بالنسبة إلى كل إنسان هو أن يفعل ما يلتذّ، أو ما يحلو له ويروقه، أي أن الفضيلة هي لذّة الفرد[6]؛ ولذلك فسّر كثير من نقّاد الفلسفة البراجماتية كلمة «نافع» عندهم بأنه لا معنى آخر لها إلا المصلحة الذاتية[7].

كما نجد أن البراجماتيَّة قد تأثّرت بالفلسفة الأبيقوريّة التي رأت أن الفكرة تكون صادقة متى حقّقت نجاحًا عمليًّا في الواقع، فهي ترفض أن يكون العلم لأجل العلم في حد ذاته، وإنما يُطلب العلم لنتائجه النافعة، وهنا نجد التأثّر الواضح للبراجماتية التي ترى أن «الفكرة مفيدة لأنها صحيحة أو أنها صحيحة لأنها مفيدة»[8]. فالأبيقورية ترى أن الإنسان يسعى نحو ما يحقق له لذة أو خيرًا أو نفعًا ويبتعد عن كل ما ينتج ألمًا أو شرًّا أو ضررًا. وهذا ما تقوله البراجماتيَّة اليوم بالفعل؛ حيث صارت الفكرة عندهم مثل السلعة تكمن قيمتها فيما تجلبه من ثمن، مما جعل هربرت شنيدر يسخر من البراجماتيين بقوله: «إن رد الحقيقة إلى المنفعة هو كأننا نصيح: الدفع فورًا، الدفع فورًا، في مجال ليس فيه دفع فوري بالطريقة التي يتطلّبها الولاء، والتي يفترضها كل بحث علمي»[9].

وإذا ما انتقلنا من الفلسفة القديمة إلى الفلسفة الحديثة نجد أن مذهب المنفعة العامة، الذي كان من أشهر أنصاره الفيلسوفان الإنجليزيان جيرمي بنتام[10]، وجون ستيوارت مل[11]، هو المذهب الذي جعل من تحقيق المنفعة مبدًا، وتوفير أكبر قسط من السعادة قاعدة، والاتفاق بين المنفعة الفردية والمنفعة العامة غاية. فالأفعال الصالحة عند النفعيين هي التي توصل إلى السعادة، والأفعال السيئة هي التي توصل إلى الشقاء. ومعنى السعادة: اللذة الخالية من الألم، ومعنى الشقاء: هو الألم الخالي من اللذّة، والسعادة والمنفعة متّحدتان ذاتًا[12]. وانتهى هذا المذهب إلى أن المنفعة تكون حقيقية وصادقة أكثر كلّما شملت عددًا أكبر من الناس وحقّقت أكبر سعادة. ولذلك كانت كل الأفعال التي يقوم بها الانسان غايتها تحصيل لذات وتقويمها يكون بنتائجها وليس لدوافعها وبواعثها. وعليه كانت الفضيلة هي التوفيق بين مصلحة الذات ومصلحة المجتمع حتى نحصل على أكبر نسبة من اللذات للشخص نفسه، ومن هنا أصبحت الحياة الأخلاقية هي الوسيلة المؤدية إلى الوصول إلى غايات الإنسان. وهذه الفكرة امتدت مع الفلسفة البراجماتيَّة التي تعتبر المنفعة ما يجلب السعادة والخير للإنسان.

ولذلك كان وليم جيمس شديد الإعجاب بسلفه «جون ستيوارت مل» أكبر أعلام النفعية التقليدية، حتى أنه أهدى كتابه «البراجماتيَّة» إلى ذِكر مل الذي أخذ عنه وضوح العقل البراجماتي لأول مرة، وتخيل أنه لو كان حيًا إلى عهده لكان قائد هذه الحركة العمليَّة![13].

ومع بداية القرن التاسع عشر بدأ الفكر الفلسفي يُعرِض عن الفلسفة الميتافيزيقية ويبحث عن فلسفة جديدة تناسب عصر الثورة الصناعية، فلسفة توظّف العقل لصالح العمل دون النظر، وترى أنَّه على العقل أن ينصرف عن التفكير في المبادئ والأوليات ويتجه بالبحث إلى النتائج والغايات. وصدق الفكرة- عندهم- معناه: التحقّق من منفعتها عن طريق التجربة، ولذلك فإن توضيح معنى أي فكرة وبيان صحّتها وتكوينها إنما يكون بالقياس إلى آثارها العمليَّة في حياة الإنسان. وكل فكرة لا تنتهي إلى سلوك عملي في دنيا الواقع، تعدّ فكرة باطلة لا معنى لها. وقد استبعد البراجماتيون أي فكرة فلسفية مجردة لا يمكن أن ينتج عنها سلوك عملي[14]. مما جعل أحد نقّاد البراجماتية يقول: «إن فلسفة تقود إلى مثل هذه النتائج لا بد أنها فلسفة سقيمة»[15].

وقال كلارينس إرفينج لويس (1883-1964) ببراجماتية تصورية باعتبار أن كلًّا منّا لديه مبادئ للتفسير ومقولات قبلية يزوّدنا بها العقل، ننسّق بها ونؤول التجربة الحسية، ونختار بينها على أساس براجماتي، أي أن المخزون من هذه التصوّرات لدى كل منّا يرتهن به رفضنا أو قبولنا لأي شيء، وقبولنا ورفضنا مشروطان بالحاجات والأهداف الاجتماعية الخاصة والعامة[16]. أما البراجماتيَّة المطلقة فهي فلسفة جوزيا رويس (1855-1916) الدينية، وتقول إن الفكرة يجب أن تتطابق مع الموضوع، وأن الأفكار والنظريات والمعارف والنتائج والغايات أدوات أو وسائل أو ذرائع لبلوغ أهداف جديدة، ولتوضيح وتعديل المعايير والغايات في ضوء الخبرات المتراكمة للفرد والمجتمع[17]. كما أن هناك البراجماتيَّة الجديدة عند الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي[18] التي لم تقف عند تلك المواقف الكلاسيكية من الفكر والحياة والمجتمع، بل تعدّت ذلك إلى تجديد الفكر البراجماتي المعاصر عبر الانفتاح على التيارات العلمية والفلسفية الأوروبية، وتجلّى ذلك في اهتمام البراجماتيَّة الجديدة بفلسفة المستقبل؛ حيث لا يسأل الفيلسوف عن كيفية نشوء الأفكار ولا عن مصدرها، إنما يسأل عن نتائجها العمليَّة التي يمكن أن تقودنا إلى تغيير الواقع نحو الأفضل.
ومن هنا كان تعريف البراجماتيَّة كما جاء في المعجم الفلسفي «مذهب يرى أن معيار صدق الآراء والأفكار إنما هو في قيمة عواقبها عملًا. وأن المعرفة أداة لخدمة مطالب الحياة، وأن صدق قضية ما هو كونها مفيدة. وله صور في الفلسفة، والدين، والأخلاق، والاجتماع. والبراجماتي بوجه عام: وصف لكل من يهدف إلى النجاح، أو إلى منفعة خاصة»[19].

وقد قدَّم فلاسفة البراجماتيَّة تعريفات متقاربة لها؛ فعرفها «تشارلز بيرس» تعريفًا إجرائيًا؛ حيث رأى أننا لكي نتأكّد من وضوح أي فكرة، فعلينا أن ننظر في الآثار والنتائج العمليَّة التي تحققها في الواقع، سواء أكانت هذه النتائج مباشرة أو غير مباشرة[20]. أما «جون ديوي» فقد وصف البراجماتيَّة بأنها فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج. أما «البراجماتيَّة» فهي تدع الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع وقد يطلق عليها من منظور (جون ديوي) مصطلح (أداتية)، حيث يقول: «إن المعرفة أداة للعمل ووسيلة للتجربة»[21]، فالفكرة أداة فعل لديه.

أما عن وليم جيمس الذي وصف براجماتيته بأنها تجريبية متطرّفة، فرأى أن الطريقة البراجماتيَّة هي في الأصل، وبصفة أولية، طريقة لحسم المنازعات الميتافيزيقية التي لولاها وبدونها ما كانت أن تنتهي. هل العالم واحد أم متعدّد؟ أهو مسيّر أم مخيّر؟! مادّي أم روحاني؟ أي من هذه الأفكار قد يحمل في طيّاته أو لا يحمل خيرًا للعالم، والمنازعات بشأن مثل هذه الأفكار لا تنتهي. والطريقة البراجماتيَّة هي محاولة تفسير كل فكرة بتتبّع واقتفاء أثر نتائجها العمليَّة كلا على حدة[22].
وهكذا تبدو البراجماتيَّة عند أنصارها اتجاهًا لتحويل النظر بعيدًا عن الأشياء الأوّلية: المبادئ، النواميس، الفئات، الحتميات المسلّم بها، وتوجيه النظر نحو الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الآثار، الوقائع، الحقائق. فترى أن الحقيقي ليس شيئًا سوى النافع، الموافق، المطلوب في سبيل تفكيرنا، تمامًا كما في الصواب ليس سوى الموافق، النافع، المطلوب في سبيل مسلكنا العملي.

المبحث الثاني: مبادئ الأخلاق البراجماتيَّة
لا يمكن فصل موقف وليم جيمس الأخلاقي عن موقفه المعرفي؛ فمقياس النجاح في النتائج العمليَّة والذي جعله جيمس مقياسًا للحق هو نفسه معيار الأخلاق بالنسبة له، إذ إن النافع هو الأخلاقي كما أن المفيد هو الصواب، ومن ثم يصبح الإنسان هو مقياس ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، فليست هناك مبادئ أخلاقية ثابتة أو مطلقة، ولكنها مبادئ نسبية متغيّرة، فها هم يعودون إلى الأخلاق السفسطائية في أوضح صورها.
إنَّ وليم جيمس لم يقم بتحديد المُثل العليا التي ينبغي للإنسان أن يناضل من أجل تحقيقها، انطلاقًا من أن القول بها لا معنى له، فالحياة متجدّدة والحقيقة متغيرة ليس لها ثبات ولا مطلقية؛ لذلك ترك جيمس الباب مفتوحًا للأفراد، كل فرد له الحق في أن يبني قيمه التي تتناسب مع حاجاته وأغراضه، محقّقة له النفع والفائدة، فالذي يُلزِم الإنسان خلقيًّا هو الإنسان نفسه، فلا وازع هناك لهذا الإنسان ولا رادع من ضمير، أو دين، أو مجتمع، أو عادات، أو تقاليد. فهو يترك مجالًا واسعًا لاختبار السلوك بتجربة نتائجه العملية! ولذلك اتُّهم «جيمس» بالنزعة الذاتية، اتهمه «برادلي» و«رويس» ومثاليون موضوعيون آخرون، كما هاجمه «بيرس» والعلماء الطبيعيون. ومن ثم كان على جيمس أن يحذر من تعريف «العملي» تعريفًا عمليًا مسرفًا[23].

الإنسان هو مصدر الإلزام الخلقي
يرتدّ الإلزام الخلقي عند وليم جيمس إلى الإنسان، فهو معيار ما هو خيِّر، وهو معيار ما هو شر، فالخير هو ما يحقّق نتيجة طيبة للشخص الذي يقوم بالفعل، والشر هو ما ينتج عنه ألم أو شرّ لصاحب الفعل؛ فلا يأتي الإنسان فعلًا من الأفعال إلا وقد توخّى ما ينجم عن فعله من نتائج وآثار، فإن كانت النتائج الناجمة عنه لاذّة أو مؤدية إلى مصلحة أو سعادة للمرء أقدم على الفعل راضيًا مختارًا، وإن كانت الآثار المترتبة على الفعل مثيرة للألم أو مؤدية إلى الشقاء ومفضية إلى عرقلة المصالح، انصرف عن الفعل وأشفق من ارتكابه.

وقد اعتبر «جيمس» مذهبه العملي نظرية أبستمولوجية في ماهية الحق، ومنهجًا فلسفيًا لإقرار الحقيقة واتفاق الرأي بصددها. فإذا كان أتباع المذهب الصوري أو النزعة المنطقية من الرياضيين والمناطقة يرون أن الحق معنى مطلق يقوم مستقلًا عن الإنسان وتجاربه، أو صفة عينية تقوم في الموجودات مستقلّة عن وجود عقل يدركها أو عدم وجوده. فإن أصحاب المذهب العملي يرفضون هذا التصور وينكرون إمكان وجود حقائق موضوعية وقيم مطلقة، ويعتبرون الحقيقة اختراع شيء جديد وليس اكتشاف شيء موجود، ومقياسها يقوم في مدى نفعها في دنيا العمل، إذ ليس للحياة من هدف إلّا العمل المنتج[24].

من هنا وجب أن يُسخَّر العقل في تيسير حياة الإنسان وإشباع رغباته وألّا يشغل نفسه بالبحث في حقائق الأشياء وطبائع الموجودات إلا متى حقّق البحث نفعًا، بل أوجب على الإنسان أن يهتم بوضع الخطط التي تمكّننا من السيطرة على الأشياء وتسخيرها لصالح الإنسان، ويصدق الحكم بمقدار ما تشهد التجربة بفائدته عقليًا وعمليًا، ومن هنا كان معيار الصواب هو المنفعة أو العمل المنتج وليس حكم العقل النظري؛ إن الفكرة الصادقة هي التي تعمل بنجاح في تجاربنا في الحياة، إذ ليس الحق إلا مجرد حادث يعرض لفكرة فتصبح صحيحة بما تحقق من عمل، وشاهد الصدق فيها قدرتها على تمكيننا من السيطرة على الأشياء، إن الفكرة خطة للعمل أو مشروع له، ومحك الصواب والخطأ هو القيمة الفورية في تجارب الحياة[25].
وبذلك لا يختلف البراجماتيون عن السوفسطائيين في اعتبار كل منهما أن مقياس الخيرية والشرّية في مجال الأخلاق هو نفسه معيار الحق والباطل أو الصواب والخطأ في مجال المعرفة، هو منفعة الإنسان. لكن البراجماتيين اختلفوا عن السوفسطائيين في أنهم ردّوا القيم إلى الإنسان بصفة عامة، وليس إلى الإنسان الفرد، فاصطبغت بذلك تجربتهم بصبغة اجتماعية. لكن ماذا لو تعارض صالح الفرد مع صالح الجماعة؟ هنا حسب البراجماتيين يقدَّم صالح الفرد على صالح الجماعة؛ فما هي إلا عودة مقنعة إلى السوفسطائيين أكثر منها إلى مبدأ أصحاب المنفعة العامة. وهو الرأي الذي يؤكّده هربرت شنيدر الذي أكّد على أن كلمة «نافع عن البراجماتيين ليس لها معنى آخر إلا المصلحة الذاتية»[26].

وقد حاول «جون ديوي» أن يدرأ هذا الاتهام؛ فرأى أن الأخلاق عنده تعتبر الفرد غاية في ذاته وليس وسيلة إلى تحقيق غاية، وباهتمامنا بكل فرد نهتم برفاهية الجماعة التي يعيش الفرد في ظلّها، وصالح الفرد من الناس كوحدة اجتماعية هو المقياس الأقصى للخير والشر، لأن ما يغني حياة الفرد ويخصّبها لا بدّ أن يساهم في إثراء حياة الجماعة وإخصابها، إن الفردية – كما يقول ديوي- نتاج اجتماعي، ولا أحد يتميّز بالفردية الصادقة ما لم يكن عضوًا في جماعة[27].

مبدأ التفاؤل الخلقي
لمّا كان الإنسان هو مقياس كل شيء عند «وليم جيمس» كان التفاؤل والتشاؤم شيئين إنسانيين، فيرى أن «العالم ليس خيرًا في ذاته ولا شرًا، وإنما يصبح خيرًا باعتقادنا أن العالم كذلك أو شرًا إذا اعتقدنا أنه شر»[28]. أي أن الإنسان إذا اعتقد بأن العالم خير وسلك في الحياة وفق اعتقاده هذا، فإن العالم يصبح خيرًا بحق، وإذا اعتقد بالتشاؤم أي أن العالم شر وسلك وفق ذلك، فإن العالم يصبح شرًا؛ أي أن صفة التفاؤل والتشاؤم جزء من حياة الإنسان الخلقية، فكل ما يؤمن به باعتباره خيرًا سيكون خيرًا حتمًا، وكل ما يؤمن به على أنه شر فهو حتمًا سيكون لديه فكرة شريرة، ولكن يمكنه التغلّب عليه.

ثم يضرب لنا جيمس مثلًا على التفاؤل بصديقه الكاتب وولت وايتمان[29] الذي ملأ الكون بالفرح والسرور حينما ملأ التفاؤل قلبه ولم يترك مكانًا لشعور آخر؛ حين كتب يقول: «ما ألذّ استنشاق الهواء وما أحلاه، ما أجذل النطق، والمشي، والقبض باليد على الأشياء.... إنني أخفق طربًا للعقل، ولجمال الأرض، وكل ما ينبت فيها... ولا أرى ما يدعو للحزن والبكاء»[30]. كما يضرب مثلًا للتشاؤم بمعاصره Jemes Thomson وما سطّره في كتابه «مدينة الليل المخيف». وما جاء به من عبارات هي غاية في الحزن والاكتئاب «أيها الإخوان المشتركون في الحياة المريرة، إن مدة البقاء فيها ليست بالطويلة، فلا بدّ أن ننجو منها بعد سنوات قليلة... ولكن إذا لم تقدر أن تستمر في تلك الحياة المريرة، فلك أن تنهيها عند المشيئة من غير أن تخشى صحوًا بعد وفاة»[31].
ويعتقد جيمس أن الإنسان سليم العقل ينظر إلى الأشياء على أنها حسنة وخيّرة، أما المريض فينظر إليها على أنها شر في ذاتها. ويصبح الإنسان متفائلًا إذا اعتقد بخير العالم؛ لأنه سوف يجد العالم يلبّي رغباته، ويخدمه، وسيرفع عنه الاضطراب والقلق. وحينئذ لن يفكر في الشر، وسيعتبر أنه شيء غير موجود أو سيتجاهله على الأقل[32]. بل يقول جيمس: «يمكنك أن تجعل الشر خيرًا بتغيير بسيط في الموقف الداخلي للإنسان المتوقِّع للشر»[33].

وبهذا يصل وليم جيمس إلى غايته الأخلاقية من هذا المبدأ، فيرى أنه ما دامت الإرادة هي التي تخلق إلى حد كبير ذلك العالم الذي نعيش فيه، فإنه علينا أن نقول إن العالم خيّر؛ لأنه ليس إلّا ما نجعل منه وإنّا لجاعلون منه شيئًا خيّرًا. أما التشاؤم عند جيمس فليس سوى «مرض ديني» يسبّبه ذلك التناقض بين حوادث الطبيعة وبين الرغبة في الاعتقاد بأن هناك وراء تلك الطبيعة قوة أخرى روحية ليست الطبيعة إلا مظهرًا لها[34].
وترى الباحثة أن هذا مبدأ غريب للغاية، فكيف يمكننا أن ننظر إلى الشر ونعتقد أنه خير فيصبح خيرًا؟! وكيف أن الذي ينظر إلى الأشياء على أنها خير يكون سليمًا أما الذي ينظر إليها على أنها شر فهو مريض؟! أعتقد أن الخير خير في ذاته، وأن الشر شر في ذاته بغض النظر عن رؤية الإنسان لهذا الأمر على أنه خير أو أنه شر. إن القيمة الحقيقية للفعل الخلقي تكمن في بواعثه ودوافعه لا في نتائجه ومنافعه.

مبدأ حرية الإرادة
لما كان «وليم جيمس» من أنصار النزعة التعددية، فإن القول بالتعدد يستلزم بالضرورة الأخذ بفكرة انعدام الحتمية، أو القول بالحرية. فالمذهب الواحدي يكون فيه نظام الكون محددًا ومنضبطًا بحيث ترتبط أجزاؤه لتشكّل الكل، وكل شيء في هذا الكون له عمله المقيد بضوابط واضحة، والماضي فيه يؤدّي حتمًا إلى الحاضر، والمستقبل نتيجة حتمية لهذا الحاضر. إن الحرية عند جيمس جِدة وصدفة، كما أنها اختيار بين ممكنات محضة. والعالم الذي يتخيله جيمس هو عالم واقعي فيه موضع للممكنات. ولكن إذا كانت الجِدة هي عبارة عن إمكانية حقيقية في هذا العالم، فذلك لأن الكون المتكثّر هو الذي يتلاءم وحده مع القول بنشاط أخلاقي إرادي[35].
فالحرية –عند جيمس- هي الوسيلة الوحيدة لتحطيم هذا الكون إلى أجزاء خيّرة وأجزاء شريرة، تمهيدًا لمناصرة الأولى على الثانية[36]. ومن هنا يرتبط دفاع جيمس عن الحرية برغبته في صيانة حقوق الأخلاق أمام الكون، مما يدلّنا بوضوح على أن مذهبه في الحرية وثيق الصلة بنزعته الأخلاقية ومذهبه في التحسين. وحتى حينما يدافع جيمس عن فكرة «الإمكان» فإنه لا يدافع عن هذه الفكرة من وجهة نظر ميتافيزيقية صرفة، بل من وجهة نظر أخلاقية، باعتبار أن الإمكان شرط للحرية والجِدة[37].

لذلك لم تكن نظرة جيمس إلى العقل Mind بوصفه «جوهرًا»، بل بوصفه فاعلية ونشاطًا، ومن ثم تكون الإرادة العاقلة هي تلك التي تحول الأفكار والقناعات من مجرد أفكار نظرية إلى نشاط وفاعلية موجودة بالفعل على أرض الواقع، ومعنى هذا أن كلّ فعل إرادي إنما هو مجرّد نموذج لذلك الفعل الذهني الحركي الذي حوّلته الإرادة الحرة من الفكر المجرد إلى الفاعلية الواقعية. ومن ثم يصبح الإنسان حرًّا يختار أفعاله، يحقق ما يريد ويرفض ما لا يريد، وليس مجبرًا في القيام بفعل لا يريده، مع الوضع في الاعتبار أنه يختار الفعل الذي يفيده ويحسن وضعه[38].

والإنسان -عند وليم جيمس- حر، تلك مُسَلَّمة لا يمكن البرهنة عليها عقليًا أو ميتافيزيقيًا- وإنما يمكن الاستفادة منها، فمستقبل الإنسان ليس نتاجًا حتميًا لماضيه، بل هو غامض مبهم لا يمكن استنتاجه من الماضي، ولذلك على الإنسان في كل لحظة أن يعيد بناء التفكر في الذات والقدرة على الاستفادة من الواقع الراهن بشتّى الطرق. إنَّ النظر إلى الماضي المجيد قد يجعل الإنسان يقع في وهم التغنّي بالمجد التليد دون النظر إلى واقعه أو مستقبله، كما أنه قد يدفعه إلى مواصلة المجد والقدرة على استئناف الإبداع، أو ما يسميه جيمس أحيانًا بـ«قدرتنا الخالقة». والرؤية الثانية هي الأصوب عند «جيمس»؛ لأنه ستحقق له النفع. ولن يستطيع الإنسان اختيار واحدة منهما إلّا لو كان حرًا.
وهكذا وظَّف جيمس مبدأ الحرية حسب مذهبه التعددي ونزعته الأخلاقية التَحَسُنِيَّة من جهة، وبمذهبه السيكولوجي ونزعته الإرادية من جهة أخرى. وقد رأى بعضٌ أنّه يحمد لجيمس أن قال بحرية الإنسان، وأن له إرادة حرّة يمكنها أن تصنع مستقبلًا واعدًا، لكن الأمر في الحقيقة غير ذلك فالحرية مقيّدة باختيار النافع أو المفيد... وهذه حرية براجماتية خالصة لن تُرضي سوى أتباعها.

المبحث الثالث: المعرفة وإرادة الاعتقاد عند وليم جيمس
سبق القول إن البراجماتيَّة في أصلها نظرية في المعرفة؛ حيث إنها رأت أن الحقيقة ليست مطلقة، بل متغيّرة وفقًا للسياق والتجربة، وربط وليم جيمس ذلك بالأخلاق حينما قال: «إنه لا يمكن أن يكون هناك حق مطلق في الأحكام الخلقية، كما أنه ليس هناك حق مطلق في المسائل الطبيعية، حتى ينقرض هذا النوع الإنساني، وتنتهي أفعاله وتصرّفاته»[39].

كما أن المعرفة عند البراجماتيين معرفة بَعدية، حيث لا يعترف وليم جيمس بوجود معرفة أوّلية في العقل. فالمعرفة مصدرها التجربة، والحقيقة لديه ليست مطلقة، بل هي نسبية متغيرة بتغيّر خبرة الإنسان، وهي مرتبطة بمدى تطبيقها عمليًا؛ فالفكرة الصادقة هي الفكرة الناجحة عمليًا لخدمة الإنسان في دنيا الخبرة المباشرة؛ ولذلك لا يمكن الحكم على فكرة بالصدق أو بالكذب بشكل منفصل أو متجاوز للتجربة. فالفكرة الصادقة لا تستمدّ صدقها من ذاتها، بل هي من النتائج التي تؤدّي إليها، وعلى ذلك فمعيار صدق الفكرة من عدمه هو النتائج العمليَّة المرتبطة بالإنسان ومتطلَّباته.

أمَّا عن الاعتقاد فيرى وليم جيمس أن الاعتقاد هو بداية كل موقف، فلسفيًّا كان أم غير فلسفي، والعمل هو نتاج لفكرة ما نؤمن بها، فالاعتقاد كما يرى وليم جيمس: هو المبدأ الأول الذي يسبق الفعل، ذلك أن الاعتقاد بصحّة فكرة يعدّ دافعًا قويًّا من أجل تحقيقها. ولذا فوليم جيمس يرى أنه ليس في استطاعتنا أن نحيا أو نفكر دون قدر من الإيمان أو الاعتقاد، فالاعتقاد في حقيقته مجرد فرض ناجح، وهو نفسه عامل فعّال من عوامل تحقيق ما نؤمن به أو نعتقده. وبذلك يكون وليم جيمس قد آمن بشكل مطلق بأن طبيعتنا غير العقلية تؤثّر وبشكل كبير في معظم آرائنا ومعتقداتنا، فالاعتقاد ما هو إلا تعبير عن رغبة وجدانية تدخل فيها بعض العناصر الإرادية، وأخرى اجتماعية، فجيمس يرى أن قيمة معتقداتنا لا تُقاس بمعرفة الأصل الذي صدرت عنه، بل تقاس بمعرفة ما إذا كانت هذه الفروض ناجحة تؤدي بنا إلى نتائج مُرضِية، وهذا - في واقعه وحقيقته- امتداد لنظريته في المعرفة[40].
وقد برهن جيمس في محاضرة بعنوان «إرادة الاعتقاد» التي ألقاها في نادي الجمعيات الفلسفية لجامعتي ييل وبراون في أمريكا، على أنه لنا الحق في أن نعتقد ببعض الموضوعات الدينية، على الرغم من أنه قد لا يكون لدينا من الأدلة المنطقية ما يكفي لإقناع قوانا[41]. وأن المنطق والتفكير الخالص، على الرغم من أهميتهما من الناحية النظرية، إلا أنهما ليسا الشيئين الوحيدين اللذين يُوجِدان اعتقادنا في الواقع[42].

وبناء على ما سبق يقرّر وليم جيمس بأن الاعتقاد بإله أو بدين ما أولى من عدم الاعتقاد؛ لأنه احتمال قد يقود إلى نفع، في حين أن لا نفع يُرجى من وراء عدم الاعتقاد. ومن ثم يجب أن تكون لدينا إرادة في الاعتقاد تدفعنا نحو الاعتقاد بغض النظر عن أن يكون هناك تدليلًا عقليا أم لا. يقول جيمس: «إذا كان الدين حقًا، ولم تكن براهينه كافية، فإنني لا أرغب أن أضيع الفرصة الوحيدة التي قد تجعلني في الجانب المنتصر، وتعتمد تلك الفرصةعلى رغبتي في المخاطرة طبعًا، وفي العمل على افتراض أن ميولي النفسية التي تنظر إلى العالم نظرة دينية ميول ملهمة وحقة»[43]. فالاعتقاد قد يحمل الخير والنفع في أن نقيضه لا يحمل أي خير على الإطلاق.

من خلال هذا نقول إن جيمس يقر بأن الاعتقاد عنصر أساسي في طبيعة الإنسان، وأن الإيمان مطلب مشروع للإنسان، وقد فشلت الفلسفة اللاهوتية والمطلقة في إقرار العقائد الدينية، وبالتالي فإن العقل لا يقرّ العقائد، وإنما وجدان الإنسان هو الذي يوصل إلى الاعتقاد الديني. وهو الأمر الذي يؤكّده جيمس مرارًا وبصيغ شتّى ومتعددة؛ إذ يقول في ختام محاضرته عن «إرادة الاعتقاد»: «إذا فضَّل امرؤ أن يعرض عن الله وعن المستقبل، فليس يقدر أحد على منعه، ولا يقدر أحد أن يبيّن له قطعًا أنه مخطئ، وإذا ما رأى أحد العكس، ثم تصرّف حسب ما رأى، فلست أظن أن أحدًا يقدر أن يبرهن على أنه خاطئ، وكل امرئ يفعل حسب ما يظنه حسنًا، وإن أخطأ فعلى نفسه، ونحن واقفون على طريق في جبل محصور بين عاصفة من الثلوج من ناحية، وبين ضباب كثيف من ناحية أخرى، ويظهر لنا أحيانًا من بين ثنايا هذا الظلام شعاع ضئيل يكشف لنا طرقًا قد تكون مضللة وغير هادية. فإذا وقفنا ولم نتحرّك فسوف يقتلنا البرد، وإذا أخذنا الطريق المعوجّ، فقد تتقطع منا الأوصال، ونحن لا نعلم يقينًا إذا كان هناك طريق مستقيم. فما الذي يلزم أن نفعله؟ فلنكن أقوياء بواسل ولنفعل ما نراه حسنًا، ولنرج أن ندرك ما هو حسن، ثم لنتقبل ما يأتي به الدهر، وإذا كان الموت هو النهاية الحتمية فسوف لا نواجه ميتة أفضل من هذه الميتة»[44].
وهكذا يدعو جيمس إلى تفعيل «إرادة الاعتقاد» تلك الإرادة التي لا يمكن أن تقوم على معرفة علمية موضوعية للحقيقة الموضوعية، فهذا لا يهم! إن ما يهم هو أن تكون لدينا الإرادة التي تؤكّد كل معتقد يمكن استغلاله والانتفاع من ورائه متى اعتنقه الإنسان، فيكون هذا هو الشاهد على صدقه![45].

فقيمة الاعتقاد تتوقّف على ما قد يترتّب عليها من نفع يعود على الإنسان. ومن ثم يرى جميس أن الاعتقاد يترتّب عليه نفع بدرجة أكبر من توقّع أي خير قد يعود على الإنسان من عدم الاعتقاد. وكأنّه يعود مرة أخرى إلى رهان بسكال الشهير الذي يصوّر الإيمان وعدم الإيمان بقرص رهان له وجهان، يمثّل الوجه الأول: وجه الإيمان بالله وبالبعث والسعادة الأبدية أو الجحيم الأبدي، ووجه آخر يمثل عدم الإيمان والفناء التام. فإذا كان الوجه الثاني فلم أخسر شيئًا، أما إذا كان الوجه الأول فأنا بين سعادة أبدية أو جحيم أبدي، والعاقل هو الذي يختار السعادة الأبدية ويفضّلها على الجحيم الأبدي. وهكذا أفسح جيمس - كما يقول شنيدر - مجالًا واسًعا لاختبار الاعتقاد المزعوم بتجربة نتائجه العملية[46].
ولا شكّ في أن العقيدة الدينية أرفع وأقدس من أن يتم التعامل معها بلغة المراهنين والمقامرين، فإنها تقوم على امتثال وتسليم وإذعان لله تعالى برضى قلبي واقتناع عقلي. وأنها حين يتم التعامل معها بمنطق المقامرة والمراهنة وبمنطق المكسب والخسارة، فإنها تكون قد ألقت بآخر سهم من سهامها. وهنا تدعونا هذا المقاربة النقدية إلى بحث موضوع علاقة الدين بالأخلاق عند وليم جيمس.

المبحث الرابع: الدين وعلاقته بالأخلاق عند وليم جيمس
لا تعدّ هذه النقطة مقاربة افترضتها الباحثة، لكنها نقطة فعلية رأى وليم جيمس أن عليه بالضرورة بحثها ومعالجتها لما تحمله من إشكالية فحواها أنّه إذا كان منطق النفع أو الضرر هو المنطق الذي يحكم البراجماتيَّة، فكيف يكون شكل الأخلاق التي تقوم في جانب كبير منها على الإيثار والتضحية في ظل سيادة هذا المنطق النفعي الأناني في حقيقته وجوهره؟

بداية يجب أن نعرف: بأي إله وأي دين كان يعتقد وليم جيمس؟ حتى يتسنّى لنا فهم العلاقة بينه وبين الأخلاق؛ فإذا رجعنا إلى جيمس وجدناه -أولًا- يقرر أن فكرة الله تُعدّ فكرة صحيحة إذا كان مفعولها يسري في سلوك الفرد بصورة إيجابية، يقول جيمس: «إذا كان فرض الله يعمل إكفاء ورضى بأوسع معاني الكلمة، فهو فرض صحيح، ومهما تكن الصعوبات المتخلفة منه، فالخبرة تومئ إلى أن الفرض يعمل إكفاءً ورضى، وما في ذلك أدنى ريب، وأن المشكلة هي بناؤه وتحديده وتصميمه وإنجازه بحيث يلتحم التحامًا يتّسم بطابع الكفاية والإرضاء، في مقاومة الحقائق العاملة الأخرى»[47]. فهو إذن يؤمن بوجود إله واحد ويرفض القول بتعدّد الإلهة[48]. لكنه يرى أن هذا الإله الواحد ليس هو المتحكّم الوحيد بمصير العالم! إذ يرى «أن الله ليس إلا واحدًا بين معاونين كثيرين في وسط جمهرة من مشكّلي (أو صائغي) مصير هذا الكون الأعظم»[49]. وهو أمر غير مقبول تماما؛ إذ إن الله سبحانه على كل شيء قدير، فعلى جيمس وأمثاله ينطبق قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]

أما عن الدين؛ فقد أجاب جيمس عندما سُئل عن حقيقة الدين، فقال: «لست أدري هل هو حقيقي أم لا، ولذا سأضعه موضع التجربة[50]. وقد أثبتت التجربة أن الدين له فوائده العمليَّة. إذن تبيّن له بعد التجربة أنه حقيقي وأنه ذو نفع عملي. لكنه ميَّز بين نوعين من الدين، الأديان السماوية والديانة الشخصية، يقول: «سأتجاهل الدين السماوي تمامًا في المحاضرات، ولن أعنى كثيرًا باللاهوت، ولا بالأفكار حول الآلهة ذاتها، وسأحدّد نفسي ما وسعني الجهد بالديانة الشخصية البسيطة»[51]. ذاهبًا إلى أن الدائرة العلمية لا تشمل عقائد آبائنا في الوحي، وفي العرافة، وفي ظهور الخيالات، وفي المعجزات والكرامات التي تظهر على أيدي الأنبياء والأولياء، وفي الاستجابة للدعوات، وفي العلوم الإلهامية، وفي كل ما شابه ذلك، وترى أنها خيالات لا أصل لها[52].
ومن ثم، يتّضح لنا أن وليم جيمس لا يعترف بالديانات السماوية، وإنّما يقرّ بالديانة الشخصية القائمة على التجربة الفردية، لهذا نجده من خلال بعض المحاضرات التي كان يلقيها على المستمعين يتّبع أسلوبًا خاصًا من الخطاب يتخلّل قلوبهم في مجال الدين ويؤثّر فيهم. إن ما جعل «جيمس» يهتم بالدين دافع ذاتي فردي يتمتع برؤية خاصة كونها راحة نفسية، لهذا نجده في إحدى تعريفاته للدين يقول إنه عبارة عن «مجموعة وجدانات وأفعال وتجارب يعاينها الأفراد في وحدتهم كلما أدركوا أنهم على علاقة مع أي شيء يعتبر إلهيًّا»، ويعرّفه أيضًا بأنه «الاعتقاد بعالم غير منظور وأن خيرنا الأسمى كائن في إيجاد الملاءمة الناجحة بيننا وبين ذلك العالم»[53].
أي أنَّ الدين عند وليم جيمس ليس إلا تجربة ذاتية فردية، أو هو أمر شخصي يتّصل بالحياة، وكلٌّ منّا يعيش بحسب مزاجه الخاص ليحقق هذه التجربة الفردية. ووفقًا لنظرته البراجماتيَّة فإن الدين الحقيقي عنده هو الذي يترك أثارًا حسنة تحقّق السعادة والطمأنينة في حياة الفرد. والمتديّن هو القديس الذي يكون تديّنه صحيحًا ومجزيًا، وتكون انفعالاته حسنة في حياته.

أمَّا عن الأخلاق فلم يبدأ جيمس بتحديد المُثل العليا من أجل تحقيقها كأي فيلسوف أخلاقي مثالي، وإنما ترك لكل فرد أن يفهم هذه المُثل على قدر استطاعته واكتفى هو بالتوجيه فحسب. أي أنه لم يعتن بوضع مبادئ عامة محددة لنظرية أخلاقية كما فعل أصحاب المذاهب الأخلاقية الأخرى؛ إذ أنكر علم الأخلاق العقلي المطلق الذي يتضمن مواعظ وإرشادات عن المجاهدة الأخلاقية ونبذ الرذائل، أو تلقّي الإنسان لقواعد خالدة وقوانين ثابتة، فهو يرى أن مثل هذا العلم لا معنى له، وإنما المصدر الحقيقي لعلم الأخلاق هو الإنسان، ذلك الكائن الخُلقي الوحيد في العالم؛ ولذا كان الإنسان هو مصدر الخير والشر والفضيلة والرذيلة، ومن ثم أمكن لجيمس أن يقول: «إن الإنسان هو الخالق الوحيد للقيم في ذلك العالم، وليس للأشياء من قيمة خلقية إلا باعتباره هو»[54].
يتّضح من ذلك أن القيم الأخلاقية عند «وليم جيمس» نسبيّة تتوقّف على الأغراض التي تستهدفها؛ إذ إنّها مجّرد وسائل لتحقيق غايات قيّمة في ذاتها، هي الخيرات بوجه عام. ومن هنا تحدّدت نظرتهم النفعية للقيم الأخلاقية بصفة خاصة، ولغيرها من القيم بصفة عامة.

وعلى هذا الأساس النفعي تقبل البراجماتيَّة – كما بدت عند وليم جيمس- القيم الدينية والأخلاقية، لا على أساس صحّتها المنطقية، وإنما على أساس فائدتها العمليَّة في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الناس، وما لها من أثر طيّب في حياة الأفراد، هذا لأنّ المنفعة العمليَّة هي مقياس الحق والباطل، والصدق مرادف للمنفعة العمليَّة، والتفكير الصادق هو النافع عمليًا، والخير والحق كذلك عبارة عن كل ما يحقق نفعًا للناس، ويعمل على إشباع رغباتهم وحاجاتهم!

وهو الأمر الذي استدعى مزيدًا من صور النقد لهذا المذهب التي جاءت من «برتراند رسل» و«جون ماكوري» و«إميل بوترو» و«هربرت شنيدر»... وغيرهم؛ إذ رأى «رسل» – على سبيل المثال لا الحصر- أن قول البراجماتيين «إن الاعتقاد بالله حقّ متى حقّق للناس السعادة» هو قول أقرب إلى الإحسان منه إلى التفلسف الصحيح، وذلك لأن هذا الرأي لا يُقنع مؤمنًا مخلصًا في إيمانه؛ لأن هذا المؤمن لا يطمئنّ إلّا متى استراح إلى وجود موضوع لعبادته وإيمانه، إنه لا يقول: إني إذا آمنت بالله سعدت؛ ولكنه يقول: إني أؤمن بالله، ومن أجل هذا فأنا سعيد، فالسعادة في نظره ليست علّة إيمانية، وإنما هي ثمرة الإيمان بمعبود لا يشك مؤمن في وجوده، إن الاعتقاد بوجود الله في نظر المؤمن مستقلّ عمّا يحتمل أن يترتّب على وجوده من نتائج[55]. وبناء على هذه النظرية التي تقوّم الفعل على نتائجه يرى العديد من النقاد أن الوقوف على كافة التفاصيل التي تخصّ نتائج الفعل من الصعوبة تحديدها بدقة؛ إذ إن النتائج القريبة من الممكن أن نقف عليها لكن من الصعوبة بمكان أن نحدد النتائج البعيدة أو ما يترتّب على تلك النتائج.

المبحث الخامس: البراجماتيَّة في ميزان النقد
إذا وضعنا المذهب البراجماتي عند وليم جيمس في ميزان النقد، فإنّنا نجد أنه مع النقد الشديد الذي تم توجيهه إلى هذا المذهب، إلّا أن بعض الباحثين قد رأى أن له بعض الميزات؛ منها أنه عمل على تقويض تلك المذاهب المثالية المطلقة التي طالما أرادت أن تخضع الواقع بخصبه وثرائه وجِدَته لطائفة من المبادئ العقلية الجامدة. فمن أفضال المذهب البراجماتي كما يرى د. زكريا إبراهيم أنه أظهرنا بوضوح على الطابع الإنساني للحقيقة، فبيّن لنا بذلك أنه ليس ثمة وقائع مطلقة تاّمة الصنع منذ الأزل، بل إن هناك وقائع مرنة يساهم الفكر البشري في استحداثها، بمعنى أن الحقيقة والعلم يصنعان ويخلقان، ولا يوضعان مرة واحدة وإلى الأبد[56]. وحَمدَ د. مصطفى حلمي لـ«جيمس» أنه بعث الأمل الذي يحفّزنا على تحدّي الشر وغلبته، ويَهَبُنا الشجاعة (على أن نأخذ الدنيا غلابًا)، وحثّنا على ترقية العالم، لأنه في وسعنا أن ننهض بترقيته بفضل إرادتنا[57].

ويبدو أن الأمر قد اختلط على د. زكريا إبراهيم فوضع الثابت مع المتغير في سلة واحدة، فلا شك أن هناك حقائق مطلقة ثابتة لا تتغير، وأن هناك حقائق متغيرة نسبية. ولا يمكن التضحية بأي من الحقيقتين لصالح الأخرى؛ فإذا ضحّينا بالمتغيّر من أجل الثابت تجمّدت الحقائق، وإذا ضحّينا بالثابت من أجل المتغير لم تعد هناك حقيقة واحدة يتّفق حولها الناس. كما يرد د. مصطفى حلمي على ما ذهب إليه د. زكريا إبراهيم قائلًا: «إننا إذ نعتقد بثبات القيم والمبادئ في بداية الطريق، ثم نمضي بإرادتنا لتحقيقها، وإذا فرض وفشلنا في الوصول إلى الهدف، فلنعد النظر في طريقنا، إذ ليس العيب في المبدأ، ولكن العيب فينا وفي مبدأنا»[58].

ومع ذلك يأخذ د. زكريا إبراهيم على البراجماتيَّة نظرتها إلى الحقيقة من منظور النفع والضرر؛ فيرى أنه يستحيل تطبيق نظرية جيمس في الحقيقة على الحقائق العلمية مثلًا، إذا صح أن الحقائق العلمية هي حقائق غير شخصية لا تقيم للأهواء الخاصة أي وزن، ولا تأبه بالرغبات الشخصية في كثير أو قليل. إن وليم جيمس ليريد أن يقلب رأسًا على عقب معظم آرائنا التقليدية، فهو يقول لنا إننا لا نهرب لأننا نخاف، بل نحن نخاف لأننا نهرب، ونحن لا نستفيد من أي فكرة لأنها حقيقية، بل هي حقيقية لأننا نستفيد منها، وهلم جرًّا... وهذا معيار بعيد عن الحقيقة إلى حد بعيد؛ فالحق إذا أُريد أن يكون حقًا، كان من الضروري أن يكون مستقلًا تمام الاستقلال عن قبولنا الخاص ورضانا الشخصي، بل عن قبول الناس قاطبة، ورضى البشر أجمعين. أمَّا إذا جعلنا غايتنا القصوى، وقاعدتنا الموجهة، هي خير الإنسان ومصلحة البشرية، فإننا لا بد هابطون بالحقيقة إلى مستوى الرأي النافع، وفي هذا إفلاس للحقيقة وقضاء مبرم على الحق[59].
كما يؤخذ على البراجماتيَّة أنها مهما بدت للحقيقة من قوة إقناعية فلا بد أن تفقده في اللحظة نفسها التي تبدو على أنه مجرد وسيلة. ومعنى أن هذا أن الحقيقة لا تكون ممكنة إلّا إذا نظر إليها على أنها غاية في ذاتها. وأما حيث تعد الحقيقة مجرد وسيلة أو واسطة فلن يكون هناك موضع للحديث عن الحقيقة بمعنى الكلمة[60].

وإذا كان وليم جيمس يرى أن (الحق) إنما هو فرض عملي، أي مجرد أداة يختبر بها (تصوره) السابق، فإن هذا يخالف ما ذهب إليه أغلب الفلاسفة من أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابتة خارج مقولتي (الزمان) و(المكان). كما يرى د. مصطفى حلمي أن وليم جيمس يخلط خلطًا معيبًا بين المبادئ والأهداف؛ حيث يصبّها في قالب (المنفعة)، بينما التفكير السليم يقتضي العكس، أي الإيمان بالفكرة والعقيدة أولًا عن اقتناع وتثبّت بقيمتها الذاتية، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات، فضلًا عن افتقاد (المنافع) وهذا هو منهج الأنبياء والرسل[61].
ومهما كانت نية وليم جيمس ومهما بلغت حوافزه ذات الطابع الأخلاقي، فإن صدى فلسفته كانت متعارضة مع نواياه، فقد فوجئ بإخوانه الأمريكيين يندفعون إلى تكديس الثروات، وأخذ يلومهم (لأنهم يعبدون تلك الآلهة الفاجرة التي تدعى «النجاح»). إن هذا هو المصير المحتوم والنتيجة المنطقية لفلسفة تعظّم المنفعة وتزدري الفكرة الثابتة والقيم المطلقة[62].

كما أنّه يصبح من غير المعقول أن تكون إرادة الاعتقاد هي التي تكوّن ماهية الدين، بينما الدين في صميمه هو اتجاه الذهن إلى أكثر الأشياء موضوعية وواقعية. إن الله (تعالى) لن يكون شيئًا على الإطلاق، إن لم يكن هو ذلك المبدأ الأسمى الذي نستند إليه ونعتمد عليه. وليس من الصحيح أن الاعتقاد يكون صحيحًا بقدر ما يجيء نافعًا ومفيدًا، فإن الاعتقاد الذي نتخيّره بحسب هوانا المطلق وإرادتنا المتعسّفة لن يكون من الاعتقاد في شيء. كما تُرفض نظرة وليم جيمس إلى الدين؛ لأنه يجعل من «الشعور» أو «العاطفة» روح الدين، كأن الروح الدينية هي مجرد نزعة وجدانية فحسب. ولكن من الواجب أن نلاحظ أن المعتقدات والطقوس والفرائض هي من الدين بمثابة الجسد من الروح؛ ونحن نعلم أنه ليس ثمة حياة في هذا العالم للأرواح المتّحدة بأجسام أو المتجسّدة في أبدان. وفضلًا عن ذلك فإن جيمس يجعل من الدين مجرّد تجربة حيّة تزيد من خصب حياتنا الشعورية، ولكن هل الدين هو مجرد عامل ذاتي تنحصر مهمته في إمدادنا بمجموعة من المشاعر والوجدانات؟ يبدو هنا أن نظرية جيمس في الدين قد استبعدت نهائيًا فكرة «الموضوعية» من مجال الإيمان، ولكن الإيمان بالله يتضمّن الاعتقاد بوجود ذلك الإله، بغض النظر عن إيماننا به. فلا بد إذن من تكملة الإيمان الديني بطابع موضوعي يجعل منه معرفة موضوعية، إلى جانب كونه شعورًا ذاتيًا وحياة شخصية[63].
كما أن الفلسفة البراجماتيَّة كما ظهرت عند وليم جيمس كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحرة، ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق، واستفحلت أخطاره التي تتضح- كما يرى د. فؤاد زكريا الذي ربط بين البراجماتيَّة والرأسمالية- في ثلاثة:

1. اللاأخلاقية: بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد. ولكنها – كفضائل- ليست مقصودة لذاتها، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير. وتظهر اللاأخلاقية بوضوح في أساليب الدعاية والاعلان التي أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من هذا النظام. وأخيرًا، فإن طبيعة المُنافسة الرأسمالية تُشكِل في حدِّ ذاتها دليلًا بالِغًا على مدى اللاأخلاقية الكامنة في هذا النظام. ففي تعامُل الرأسمالِيِّين بعضهم مع بعض لا يتورَّع أحدُهم عن اتِّباع كلِّ الأساليب من أجل سحْق الآخر، ولا يقِف أيُّ وازِعٍ في وَجه رغبتِه في التوسُّع[64]. ولذلك يقول «رسل» عن تلك الأخلاق التي يمكن أن تنشأ عن رؤية وليم جيمس البراجماتيَّة: «والأخلاق التي تنجم إذا أُخذت هذه النظرية مأخذ الجد هي أخلاق شاذّة للغاية»[65]. ويصفها شنيدر بأنها «أخلاق سقيمة»[66].
2. الارتباط بالحرب: إذ ما دامت المنفعة هي الغاية، فلا شك في أن الحرب هي الوسيلة الأولى حينما تتضارب المصالح والمنافع.
3. الانحرافات السلوكية: إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة من شأنه تمجيد العنف الذي أصبح مُشكلة قومية بالنسبة إلى بلدٍ كالولايات المتحدة، حيث تزداد مُعدَّلات الجريمة ارتفاعًا عامًا بعد عام. ولا يُمكن بالطبع أن يَزعُم أحد أن ظاهرة الإجرام وَليدَة النظام الرأسمالي، إذ إنَّ الظاهرة ذاتها قديمة قِدَم المجتمع الإنساني، ولكن الكثيرين يؤمنون بأن الاتِّساع الهائل في نطاق الجريمة قد تَولَّد عن المجتمع الرأسمالي عندما بلَغَ أقصى دَرَجات نُموِّه، ويُدلِّلون على ذلك بأن أكثر الدول الرأسمالية تقدُّمًا، وهي الولايات المُتحدة، هي التي تنتشِر فيها الجريمة بأعلى النِّسَب، وبأشدِّ أنواع التنظيم والتدبير إتقانًا[67].
وإلى هنا تنتهي تلك المقاربة التحليلية النقدية للبراجماتية الأخلاقية عند وليم جيمس، بما لها وما عليها، بوصفها اتجاهًا فلسفيًّا غربيًّا معاصرًا تتبنّاه الولايات المتحدة الأمريكية وتسير بموجبه في تعاملاتها الفردية والجماعية وعلى المستوى الدولي.
انتهت هذه الدراسة حول «البراجماتيَّة الأخلاقية عند وليم جيمس» إلى مجموعة من النتائج، لعل أهمها ما يلي:

أولًا: بُنيت الأخلاق البراجماتيَّة على نظرية المعرفة عند البراجماتيين، فكانت القيم الأخلاقية والدينية تُقبل لا على أساس صحّتها المنطقية، وإنما على أساس فائدتها العمليَّة؛ لأن هذه المنفعة العمليَّة هي مقياس الحقّ والباطل. والصدق مرادف للمنفعة العمليَّة، والتفكير الصادق هو النافع عمليًا، والخير والحق هو كل ما يحقّق نفعًا للناس، ويعمل على إشباع رغباتهم وحاجاتهم! وهو الأمر الذي حدا بالفيلسوف الإنجليزي «رسل» ليرى أن أي أخلاق تقوم على هذه المبادئ هي محض أخلاق شاذّة للغاية لا يقبلها معظم البشر؛ لأن الأخلاق في حقيقتها تقوم على الإيثار والتضحية وحب الآخر، وليس على تحقيق المنفعة المرتبط بالأثرة والأنانية.
ثانيًا: إن البراجماتيَّة في نظرتها إلى مقياس صحّة الأفكار تختلف مع المنطق الوضعي الذي يبدأ بالواقع باعتبار أنّ العالم يتكون من أشياء، وباعتبار أنّ الألفاظ أسماء لتلك الأشياء، وبناء على ذلك نستطيع أن نعرف ما إذا كان الكلام صحيحًا أو باطلًا بالرجوع إلى عالم الأشياء الواقعية؛ فإذا كانت الألفاظ مطابقة للواقع كانت صحيحة، أما البراجماتيَّة فتضع مقياس الصحة والخطأ في النفع المادي الذي تحقّقه هذه الفكرة أو تلك، فالفكرة عندهم -ولا سيما عند وليم جيمس- مثل السلعة تكمن قيمتها فيما تجلبه من ثمن.
ثالثًا: لم يكن (الله) -سبحانه وتعالى- عند وليم جيمس هو المفهوم الدالّ على (الإله المعبود) المعروف في الأديان السماوية، وإنما كان إلهًا بمعنى آخر، إله يتوسل به إلى غاية أعلى منه ﴿تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا﴾، وهذه الغاية هي السعادة. ويترتّب على هذا أنه إذا استطاع الإنسان أن يصل إلى السعادة بطريق آخر فلا داعيَ عنده للإيمان بالله. وفي الحقيقة هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ فالمؤمن لا يقول إني إذا آمنت بالله سعدت، ولكنه يقول إني أؤمن بالله ومن أجل هذا فأنا سعيد... إن الاعتقاد بوجود الله – تعالى- في نظر المؤمن الصادق مستقلّ عما يُحتمل أن يترتّب على وجوده من نتائج وآثار.
رابعًا: تعامل جيمس مع الاعتقاد الديني والإلهي بمنطق المقامرين، بمعنى أن الاعتقاد بدين ما أو الاعتقاد بالله - يقينًا - سيحقق لنا نفعًا أفضل من عدم الاعتقاد، فلماذا نترك كفّة المكسب لصالح كفّة الخسارة. ولا شك أن العقيدة الدينية أرفع وأقدس من أن يتم التعامل معها بلغة المراهنين والمقامرين، فإنها تقوم على امتثال وتسليم وإذعان لله تعالى برضى قلبي واقتناع عقلي. وأنه حين يتم التعامل معها بمنطق المقامرة والمراهنة وبمنطق المكسب والخسارة فإنها تكون قد ألقت بآخر سهم من سهامها.
خامسًا: أدت البراجماتيَّة كفلسفة تبحث عن المنفعة في المقام الأول، وتتنكّر للأخلاق التي تقوم على الإيثار والتضحية وحب الآخرين، إلى أن ولَّدَت عند الغرب الأمريكي – التي تعبر عنه البراجماتيَّة- حوافز قوية لامتلاك القوة بلغت بهم شأوًا بعيدًا في مجال الثروة والقوة وتطوير الصناعة والعلوم والتكنولوجيا، لكنها أدّت إلى تنكر الغربي أيضًا للجوانب الروحية والإيمانية والأخلاقية والإنسانية وإلى تبديد الإنسان والبيئة، وتعريض الوجود البشري إلى خطر الإبادة، فضلًا عما نتج عنه ذلك من علاقات ظالمة بين الشعوب القوية والشعوب الضعيفة. فلم يتورّع الأمريكي عن تدمير العراق وأفغانستان ما دام ذلك سيعود عليهم بالنفع والاستيلاء على الثروات النفطية والعلمية والأثرية. كما أدى ذلك - في الوقت نفسه- إلى شعور الإنسان الغربي – بالرغم من كل شيء- بالوحدة والخوف والقلق والاضطراب والخواء الداخلي.

قائمة المصادر
1. إمام عبد الفتاح إمام، فلسفة الأخلاق، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، د.ت.
2. جيمس، وليم، إرادة الاعتقاد، ترجمة محمود حب الله، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1946.
3.، البراجماتية، ترجمة محمد علي العريان، مراجعة زكي نجيب محمود، القاهرة، المجلس القومي للترجمة، 2008.
4.، العقل والدين، ترجمة محمود حسب الله، القاهرة، وكالة الصحافة العربية(ناشرون)، 2021.
5. الحفني، عبد المنعم، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، القاهرة، مكتبة مدبولي، الطبعة الثالثة، 2000.
6. حلمي، مصطفى، الإسلام والمذاهب الفلسفية المعاصرة، الإسكندرية، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، ط3، 1986.
7. رسل، برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية، ك3، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012.
8. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، الجزء الأول، القاهرة، مكتبة مصر، 1968.
9. زكريا، فؤاد، الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية، القاهرة، مكتبة هنداوي، 2019.
10. زيدان، محمود فهمي، وليم جيمس، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، ط 1، 2005.
11. الشرقاوي، محمد عبد الله وأحمد جاد، محاضرات في الفلسفة العامة، القاهرة، المتحدة للنشر، 1995-1996.
12. شنيدر، هربرت، تاريخ الفلسفة الأمريكية، ترجمة: محمد فتحي الشنيطي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1964.
13. الشنيطي، فتحي، وليم جيمس، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1957.
14. صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، ج2، بيروت، دار الكتاب اللبناني/ مكتبة المدرسة، 1982.
15. الطويل توفيق، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، القاهرة، دار النهضة المصرية، 1953.
16. عويضة، كامل محمد، وليم جيمس رائد المذهب البرغماتي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1993.
17. مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، تصدير إبراهيم مدكور، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1983.
18. المحمداوي، علي عبود، موسوعة الأبحاث الفلسفية، منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف، د.ت.
19. المرهج، علي عبد الهادي، الفلسفة البراغماتية: أصولها ومبادئها، دار الكتب العلمية، بيروت، 2008.

-----------------------------------------------
[1]. باحثة مصرية
[2]. Pragmatism
[3]. Charles Peirce (1839-1914)
[4]. جيمس، البراجماتيَّة، 64-65.
[5]. Polybius (d. 120 BC)
[6]. إمام عبد الفتاح إمام، فلسفة الأخلاق، 83.
[7]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[8]. المرهج، الفلسفة البراغماتية: أصولها ومبادئها،39.
[9]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[10]. Jeremy Bentham (1748-1832)
[11]. John Stuart Mill (1806-1873)
[12]. صليبا، المعجم الفلسفي،2: 499.
[13]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 260.
[14]. الشرقاوي وجاد، محاضرات في الفلسفة العامة، 172-173.
[15]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[16]. الحفني، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، 151.
[17]. م. ن، 367.
[18]. R.Rorty (1931-2007)
[19]. مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، 32.
[20]. جيمس، البراجماتيَّة، 65-66.
[21]. مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، 50.
[22]. جيمس، البراجماتيَّة، 63-64.
[23]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[24]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 261.
[25]. م. ن، 261-262.
[26]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[27]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 269.
[28]. عويضة، وليم جيمس رائد المذهب البرغماتي، 72.
[29]. Walt Whitman
[30]. جيمس، إرادة الاعتقاد، 109.
[31]. م. ن، 111.
[32]. عويضة، وليم جيمس رائد المذهب البرغماتي، 73
[33]. م. ن، 73.
[34]. جيمس، إرادة الاعتقاد، 116.
[35]. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، 1: 44.
[36]. م. ن، 44.
[37]. م. ن، 44-45.
[38]. المحمداوي، موسوعة الأبحاث الفلسفية، 274.
[39]. جيمس، إرادة الاعتقاد، 79.
[40]. الشنيطي، وليم جيمس، 169.
[41]. جيمس، العقل والدين، 5.
[42]. م. ن، 17.
[43]. م. ن، 36.
[44]. م. ن،40.
[45]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 271.
[46]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[47]. جيمس، البراجماتيَّة، 347-348.
[48]. جيمس، إرادة الاعتقاد، 53.
[49]. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، 53.
[50]. الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 274.
[51]. جيمس، إرادة الاعتقاد،31.
[52]. م. ن، 33.
[53]. فهمي زيدان، وليم جيمس، 126.
[54]. م. ن، 182-183.
[55]. رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، 409.
[56]. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، 54.
[57]. حلمي، الإسلام والمذاهب الفلسفية المعاصرة، 174.
[58]. م. ن.
[59]. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، 54-55
[60]. م. ن، 55
[61]. حلمي، الإسلام والمذاهب الفلسفية المعاصرة، 175.
[62]. م. ن، 175.
[63]. زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، 57.
[64]. زكريا، الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية، 44-45.
[65]. رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، 405.
[66]. شنيدر، تاريخ الفلسفة الأمريكية، 353.
[67]. زكريا، الجوانب الفكرية في مختلف النظم الاجتماعية، 47.