البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عقوبة الإعدام في ضوء فلسفتي الحقوق والأخلاق

الباحث :  د. حسين سليمان
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  40
السنة :  خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث :  70
تحميل  ( 419.724 KB )
الخلاصة
يتناول هذا البحث إشكالية عقوبة الإعدام من منظور فلسفي مزدوج، يربط بين فلسفة الحقوق وفلسفة الأخلاق، عبر دراسة مقارنة بين المنظومتين الوضعية والإسلامية.
وينطلق من تحليل نقدي لأطروحات «بكّاريا» والاتجاه الوضعي، الذي يؤسّس الحق على تعاقد نسبي، ويرى في العقوبة أداةً نفعيةً للردع، في مقابل الرؤية الإسلامية التي تؤسّس للحق والعقوبة على مرجعية إلهية مطلقة، وتوازن بين الردع، والعدالة، والعفو.
وقد اعتمد البحث المنهج التحليلي- المقارن، مع توظيف مدخل الحكمة المتعالية لفهم العلاقة بين الشرّ، والعقوبة، والنظام الكوني الأكمل.
وخلُص إلى أنّ عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية لا تُعدّ نقضًا للكرامة أو اعتداءً على الحق بالحياة، بل هي تجلٍّ من تجلّيات العدالة الوجودية، حين تُمارَس ضمن شروطها الشرعية، بما يبرز تفوّق الرؤية الإسلامية في الجمع بين القانون والأخلاق، وبين الحق والرحمة.

الكلمات المفتاحية: عقوبة الإعدام، فلسفة العقوبة، الشريعة الإسلامية، بكّاريا، الحق في الحياة، الكرامة، الحكمة المتعالية.

المقدمة
تُعدّ عقوبة الإعدام من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الفكر القانوني والأخلاقي المعاصر، لما ينطوي عليه هذا الجدل من تداخلٍ بين الاعتبارات الحقوقية والفلسفية والدينية، وتباينٍ في منطلقات المدارس الفكرية وتوجّهاتها. فالخلاف بشأنها لا يقتصر على البُعد الإجرائي أو الجنائي، بل يمتدّ إلى عمق المرجعية التي يُشتقّ منها مفهوم «الحق»، وإلى الصورة التي نرسمها للإنسان والعدالة والمجتمع.
وبينما تُقارب الفلسفات الوضعية الحديثة – كما عند «بكّاريا» – هذه العقوبة من منظورٍ نفعيٍ يركّز على تحقيق المصلحة المجتمعية وتجنّب الضرر العام، ويعدّها انتهاكًا لكرامة الإنسان، تنطلق الشريعة الإسلامية من رؤية أخلاقية وحقوقية متكاملة، تجعل من العقوبة – ومنها الإعدام – أداةً لتحقيق العدالة الوجودية، ضمن منظومةٍ تقوم على الحق الإلهي، والكرامة الإنسانية المتعالية، والمقاصد الكونية.
ينتمي هذا البحث إلى حقل الدراسات البين - مناهجية، إذ يجمع بين أدوات فلسفة الحقوق (كالمرجعية، والمشروعية، ووظيفة العقوبة)، وأدوات فلسفة الأخلاق (كالعدالة، والكرامة، والغاية، ومفهومَي الخير والشر)، في محاولةٍ لفتح أفقٍ جديدٍ لفهم فلسفة العقوبة عمومًا، وعقوبة الإعدام خصوصًا، بوصفها نقطة تقاطع مركزية بين القانون والأخلاق.
وينطلق البحث من فرضية مركزية مفادها: أنّ القصاص في الشريعة الإسلامية ليس انتهاكًا للكرامة أو الحق في الحياة، بل هو تجسيدٌ للعدل الأخلاقي والحق الوجودي، بوصفه مظهرًا من مظاهر النظام الأكمل، وامتدادًا لحركة الرحمة الإلهية التي تهدف إلى حفظ النظام، وردع العدوان، وتحقيق الإصلاح.

المبحث الأول: نقد بكّاريا لعقوبة الإعدام
تُعدّ عقوبة الإعدام من أكثر العقوبات إثارةً للجدل في الفلسفة القانونية المعاصرة، لما تطرحه من تعارضٍ ظاهرٍ بين بعض صور تحقيق العدالة (كالقصاص) وبين مبادئ الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان كما تُفهَم في الفلسفات الغربية الحديثة. وفي خضمّ هذا النقاش الذي يجمع بين البُعدين القانوني والأخلاقي، يبرز المفكّر الإيطالي «تشيزاري بكّاريا» بوصفه من أوائل الفلاسفة الذين وجّهوا نقدًا شاملًا لعقوبة الإعدام، انطلاقًا من رؤيةٍ فلسفيةٍ أخلاقية، عبّر عنها في مؤلّفه «رسالة في الجرائم والعقوبات»، الذي كان له تأثيرٌ عميقٌ في تشكيل فلسفة القانون الجنائي الحديث[2].
ولا يقتصر موقف «بكّاريا» على رفض الإعدام بوصفه إجراءً قانونيًا، بل يتعدّاه إلى مساءلة الأسس الفلسفية للعقوبة عمومًا، من حيث مشروعيّتها الأخلاقية، وفعاليّتها كوسيلة للردع، وانسجامها مع جوهر العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان.

وفي هذا المبحث، نعرض أبرز ملامح هذا الموقف عبر امرين:
• فلسفة بكّاريا في أصل العقوبات،
• موقفه الرافض لعقوبة الإعدام.
ويأتي هذا العرض التحليلي تمهيدًا لبيان حدود التصوّر الوضعي للعقوبة، تمهيدًا لمقارنته لاحقًا بمقاربة إسلامية تُعيد طرح المسألة من منظور ديني وفلسفي مختلف.

أولًا: فلسفة بكّاريا في أصل العقوبات
1. العقد الاجتماعي
تقوم فلسفة «بكّاريا» في أصل العقوبات على فكرة أنّ القوانين ليست سوى شروط وضعها أفراد أحرار يعيشون في مجتمع تسيطر عليه حالة من الصراع المستمر، حيث لا يمكن للإنسان أن يتمتّع بحريّة مطلقة دون تهديد لحريّات الآخرين وسلامتهم؛ لذلك يُضحّي بجزءٍ من حريّته الشخصية مقابل الحصول على الطمأنينة والسلام داخل النظام الاجتماعي[3]. ينطوي هذا التنازل، على جوهر مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه سيادة الأمّة وشرعية الدولة[4].
ويقع على عاتق الحاكم مسؤولية حماية هذه الحريّات والمحافظة عليها، ممّا يؤكّد وجود علاقة متبادلة ضمنية بين الأفراد والدولة، تقوم على هذا التنازل الموضوعي الذي يعترف به «بكّاريا» كضرورة لاستمرار النظام الاجتماعي ومنع حالة الفوضى والصراع الدائم.
ويترتّب على ذلك أنّ سلطة المجتمع في العقاب هي نتاج لما تنازل عنه الأفراد من حقوق عبر العقد الاجتماعي.
وبناءً عليه، فإنّ كلّ عقوبة تتجاوز الحدّ الضروري لحماية المجتمع وضمان استقراره تُعدّ عقوبة غير عادلة، ومخالفة لجوهر العقد الاجتماعي ذاته.
ويقود هذا التصوّر إلى نتيجتين أساسيّتين:
- التخفيف من قسوة العقوبات باعتبار أنّ الغاية منها ليست الانتقام بل الوقاية والحماية.
- تحقيق المساواة أمام نصوص التجريم والعقاب، إذ إنّ الأفراد جميعًا متساوون في الجزء الذي تنازلوا عنه من حقوقهم عندما أسّسوا سلطة المجتمع لممارسة العقاب[5].

2. الأساس النفعي
اعتمد «بكّاريا» في تأسيس شرعية العقوبة على أساس نفعي صرف، لا تُبرَّر إلّا بمدى قدرتها على تحقيق منفعة عامّة. وقد عبّر عن ذلك بقوله: «كل عقاب غير ناتج عن ضرورة قصوى، بقول مونتيسكيو، هو ظالم»[6]. ما يعني أنّ الأساس الوحيد الذي يمكن أن يُبرّر تدخّل الدولة في معاقبة الأفراد هو الضرورة التي تفرضها مصلحة المجتمع في حفظ النظام والأمن.
وهذا التصوّر النفعي يستند إلى رؤية تعاقدية للحياة الاجتماعية التي ذكرناها سابقًا؛ إذ يرى «بكّاريا» أنّ الأفراد، حين تخلّوا عن جزءٍ من حريّاتهم في سبيل تأسيس الدولة، لم يتنازلوا عنها إلّا ضمن حدود معيّنة، لأجل ضمان الحريّات المتبقّية[7].

3. مبدأ الضرورة
يترتّب على نظرية العقد الاجتماعي نتائج مهمّة في مجال مشروعية العقوبة، إذ تنبع سلطة الدولة في إنزال العقاب من الحقوق التي تنازل عنها الأفراد بمحض إرادتهم عند قيام العقد الاجتماعي. وبناءً عليه، فإنّ أيّ عقوبة تتجاوز الحدّ الضروري لحماية المجتمع وضمان استقراره تُعدّ مجافية للعدالة، ومخالفة لروح هذا العقد[8].
وفي هذا الإطار، تندمج فكرة الضرورة في صميم الفلسفة النفعية للعقوبة. إذ لا تُعدّ مبدًا قانونيًا فحسب، بل معيارًا عمليًا لقياس جدوى العقوبة، فالمعيار ليس شدّة العقوبة، بل ضرورتها لتحقيق أهداف اجتماعية محدّدة، كالردع العام أو حماية الأمن.
من هنا، يرفض «بكّاريا» كلّ العقوبات التي لا تُفضي إلى نتائج ملموسة، كالتعذيب أو العقوبات المفرطة؛ مؤكّدًا أنّ العقوبة لا تستمدّ فعاليّتها من فظاعتها، بل من انتظامها ويقين تطبيقها. ويشدّد على أن: «العقاب الأكيد، ولو كان معتدلًا، يفيد ويعلّم أكثر من الخوف من عقاب أكبر ولكنّه غير أكيد»[9].
فالإنسان بطبعه يتأثّر بالعقوبة المتوقّعة أكثر من العقوبة القاسية غير المتحقّقة، ممّا يُعزّز من مكانة النفعية كأساس شرعي للعقوبة.
وهكذا، تصبح الضرورة مقياسًا مزدوجًا: تحدّد مشروعية العقوبة من جهة، وفعاليّتها الاجتماعية من جهة أخرى، بما يجعل من الفلسفة النفعية أداةً لتقنين العقوبة وتقييد السلطة العقابية.

4. الطبيعة الحسّية للعقوبة
وإذا كانت الضرورة تمثّل في نظر «بكّاريا» المعيار الأساس لقياس مشروعية العقوبة وفعاليتها، فإنّ تطبيق هذا المعيار لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه الكائن المعنيّ بالعقوبة. من هنا، يسلّط بكّاريا الضوء على البُعد الحسّي في تلقّي العقاب، باعتباره مفتاحًا لفهم سلوك الأفراد وضبطه.
يؤسّس «بكّاريا» لنظرية عقابية تنطلق من فهم واقعي للطبيعة البشرية، ومفادها أنّ غالبية الناس لا تضبط سلوكها استنادًا إلى مبادئ أخلاقية ثابتة، بل تتأثّر مباشرةً بالمثيرات الحسّية والانفعالات القوية. وانطلاقًا من هذا الفهم، يرى «بكّاريا» أنّ العقوبة يجب أن تترك أثرًا مباشرًا على الحواس، وأن تكون محسوسة وواضحة بما يكفي لردع الأفراد عن ارتكاب الجريمة. ويصرّح في هذا السياق: «من الضروري إيجاد إلزامات مادية لمحاربة روح التسلّط في وجدان الفرد ولعدم السماح له بالعيش مجدّدًا في فوضى العالم القديم. هذه الإلزامات الحسّية ليست إلّا العقوبات المتّخذة ضدّ الذين يخرقون القانون»[10].
تنطوي هذه الرؤية على رفضٍ للبدائل التربوية أو الوعظية، إذ يرى «بكّاريا» أنها لا تكفي لضبط السلوك الإنساني؛ نظرًا لتقلّب الوجدان البشري[11]. فالعقوبة، في نظره، ليست وسيلةً إصلاحيةً بالدرجة الأولى، بل هي وسيلة لضبط الانفعالات الغريزية عبر الإلزام الحسّي، الذي يضع الفرد في مواجهة حقيقية مع نتائج أفعاله.
ومن هذه الزاوية، يتّصل الطابع الحسّي للعقوبة بـ مبدأ الفعاليّة، الذي يراه «بكّاريا» شرطًا جوهريًا لأيّ سياسة عقابية ناجعة. حيث يوضح أنّ فعاليّة العقوبة لا تعتمد على شدّتها، بل على يقين تطبيقها واستمرارها وانتظامها[12].
ومن هنا، يشدّد على ضرورة بناء نظام قانوني صارم يسهر على تطبيق العقوبات بانتظام، بما يجعلها حاضرةً دومًا في وعي الأفراد بوصفها نتيجة حتمية لكلّ سلوك إجرامي.
وعليه، فإنّ تجانس العقوبة مع الطبيعة الحسّية للإنسان من جهة، وشرط اليقين من جهة أخرى، يكرّس الطابع العملي للعقوبة بوصفها أداةً اجتماعيةً للردع لا وسيلةً للانتقام أو التطهير. وكل عقوبة تفشل في أن تكون محسوسة وفعّالة في آنٍ، تفقد، في نظر «بكّاريا»، مشروعيّتها؛ لأنّها تعجز عن تحقيق غايتها الأساسية، وهي الوقاية من الجرائم عبر تنظيم السلوك الإنساني تنظيمًا عقلانيًا.

5. هدف العقوبات
يرى «بكّاريا» أنّ الهدف من العقوبات لا يتمثّل في ممارسة القهر أو إنزال العذاب بالأفراد، ولا في الاقتصاص الانفعالي من جريمة وقعت وانتهى زمنها. ويطرح في هذا السياق تساؤلات جوهرية تُعبّر عن تحوّل نوعي في فهم وظيفة العقوبة: هل يجوز لجسمٍ سياسيٍّ رشيدٍ أن يجعل من العقوبة وسيلةً لتهدئة الانفعالات المجتمعية، وتفادي ما قد يترتّب عليها من ردود فعل سلبية؟ وهل يمكن للعقوبة أن تُسهِم في إزالة مظاهر القسوة غير المجدية، والحماقة، والتعصّب، التي قد تمارسها أنظمة استبدادية أو قوى هشّة تتستّر خلف العنف؟
ويُضيف أنّ صرخةً بائسةً، مهما كانت مدوّية، لا تستطيع استرجاع الزمن أو محو الفعل المرتكب. لذا، فإنّ الغاية الحقيقية للعقوبة تكمن في منع الجاني من تكرار الإضرار بالمجتمع، وفي تقديم مثالٍ رادعٍ للآخرين يحول دون ارتكاب أفعال مماثلة.
وبناءً عليه، يجب أن تكون العقوبات وكيفيّة تنفيذها محكومة بمعايير دقيقة، تراعي طبيعة الجريمة وخطورتها، بحيث تُحدِث أثرًا طويل الأمد في وعي الأفراد ووجدانهم، دون أن تُلحِق بالمحكوم عليهم أذىً جسديًا مفرطًا، بل تبقى ضمن حدود الضرورة التي يُبرّرها تحقيق الردع والعدالة[13].

ثانيًا: عقوبة الإعدام عند بكّاريا: نقد المشروعية والفعالية
1. نقد مشروعية الإعدام
يطرح «بكّاريا» إشكالية جوهرية مفادها: من يملك الحق في أن يُنهي حياة إنسانٍ باسم القانون؟
وفق التصوّر الجمهوري للدولة، حيث تُعدّ السيادة تجسيدًا للإرادة العامّة، ويُفترض بالقانون أن يضمن الحريّات الفردية ويصون الكرامة الإنسانية، يغدو من غير المنطقي أن يملك أيّ إنسان سلطة إعدام غيره، أو أن يُفوّض هذا الحق إلى الدولة. فلو لم يكن الفرد، بحسب القيم القانونية والأخلاقية، حرًّا في إنهاء حياته، فكيف يُسمَح له أن يتنازل عن هذا الحق لمؤسّسة الدولة؟
وهنا يبرز التناقض: فبينما يُفترض بالقانون أن يكون وسيلةً لحماية الإنسان من القتل والعنف، نجده في بعض صوره يتّخذ شكل القتل المشروع باسم العدالة. هذا التناقض يدفع «بكّاريا» إلى اعتبار أنّ الإعدام لا يمكن تبريره لا بشرعية الدولة ولا بمبادئ العقد الاجتماعي. بل إنّ استمراره يعكس، في نظره، صراعًا مكبوتًا بين الفرد والجماعة، حيث تتحوّل العدالة من وسيلة لحماية الحريّة إلى وسيلة لإلغائها باسم «المصلحة العامّة»[14].

2. الإعدام بين الردع والأخلاق القانونية
يُشكّل مبدأ الردع العام إحدى الركائز الجوهرية في الفكر الجنائي، لا سيّما لدى «بكّاريا»، الذي رأى في العقوبة وسيلةً لتحفيز الامتثال للقانون، لا لتكفير الجريمة بحدّ ذاتها. غير أنّه في الوقت نفسه، شكّك في فعالية الإعدام كوسيلة ردعية، مُشيرًا إلى محدودية تأثير العنف القضائي في الحدّ من الجريمة. فقد أظهرت التجارب التاريخية، من روما القديمة إلى روسيا القيصرية، أنّ كثافة الإعدامات لم تكن كفيلةً بكبح الجريمة، بل ظلّت هذه المجتمعات مسرحًا للجريمة والعنف رغم قسوة العقوبات. وهو ما يُشير إلى ضعف الجدوى الردعية للعنف القضائي. إذ إنّ الانفعالات التي يُثيرها مشهد الإعدام – كالخوف أو الاشمئزاز أو حتى الشفقة – تبقى انفعالات لحظية سُرعان ما تتبدّد، فلا تؤسّس وعيًا قانونيًا راسخًا.
الردع الفعّال يتطلّب أثرًا نفسيًا طويل الأمد، لا صدمة آنيّة؛ ذلك أنّ الإنسان يتأثّر على نحو أعمق بالتجارب المتكرّرة ذات الأثر التراكمي، أكثر ممّا يتأثّر بصدمات عنيفة وفجائية. ومن هنا، فإنّ الردع الحقيقي لا يكمن في العقوبة الصادمة لمرّة واحدة، بل في استمراريّة التجربة العقابية وقدرتها على تشكيل وعي جماعي راسخ. من هنا يبرز السجن المؤبّد كبديل أكثر انسجامًا مع طبيعة الإنسان، إذ يقدّم تجربة قاسية مستمرّة، تشكّل نموذجًا حيًّا للعقوبة، يسهل مراقبته وتذكّره. بخلاف الإعدام، الذي يختزل العقوبة في لحظة تنتهي بسرعة. كما أنّ السجن المؤبّد يُجنّب الدولة مغبّة الخطأ غير القابل للتدارك، ويُعيد رسم صورة القانون بوصفه أداة إصلاح وتأديب، لا وسيلة انتقام واستئصال. وبالتالي، فإنّ الاقتصار على الإعدام يستلزم تكراره لضمان أثره، ما يُدخل النظام القانوني في حلقة عنف متكرّر. بينما يقدّم السجن المؤبّد ردعًا عقلانيًا، يُعزّز احترام القانون بوصفه نظامًا أخلاقيًا عادلًا ومستقرًّا[15].

3. الإعدام كأداة استبداد
لا يُمثّل الإعدام، في نظر «بكّاريا»، مجرّد عقوبة جنائية، بل يكشف عن الوجه الخفي للسلطة حين تتحوّل العدالة إلى أداة للقهر، لا إلى مبدأ لحماية الحقوق. ففي كثيرٍ من الحالات، لا يُنظَر إلى الحكم بالإعدام بوصفه تحقيقًا للعدالة، بل كتعبيرٍ عن إرادة استبدادية تمارس سلطتها المطلقة تحت غطاء القانون. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: فبينما يُفترَض أنّ القوانين تعكس الإرادة العامّة وتعبّر عن صوت الشعب، نجد أنّ عقوبة الإعدام، بما تحمله من قسوة نهائية، تُثير في نفوس الأفراد شعورًا بالاشمئزاز، وتُحدِث قطيعةً أخلاقيةً بينهم وبين السلطة القضائية.
يُشير «بكّاريا» إلى أنّ المجرم، في كثيرٍ من الأحيان، لا يجد مبرّرًا للامتثال لقوانين لا تضمن له العدالة الاجتماعية، بل تُكرّس التفاوت بين الفئات، وتُوظَّف لقمع الفقراء باسم النظام. ففي ظلّ غياب المساواة والرحمة، يغدو التمرّد مبرّرًا نفسيًا عند بعض الجُناة الذين يرون في الجريمة وسيلةً لاستعادة شعورهم بالكرامة والحريّة، ولو مؤقّتًا. أمّا الإعدام، فيمثّل بالنسبة لهم نهاية سريعة لا تعبّر عن عدالة بقدر ما تعكس رغبة الدولة في استعراض قوّتها[16].

كما أنّ تنفيذ حكم الإعدام، وإن تمّ باسم الشعب، فإنّه لا يحظى غالبًا بتأييد وجداني حقيقي، بل يولّد في نفوس المشاهدين شعورًا بالشفقة أو النفور من الجلّاد، رغم كونه مجرد منفّذ للقانون. هذا الشعور الأخلاقي العميق يُظهر أنّ ضمير المجتمع أرقى من النصّ القانوني في كثيرٍ من الأحيان، وأنّ العدالة لا تُقاس بشرعية العقوبة فحسب، بل بقبولها الوجداني أيضًا.
وبناءً على هذه الرؤية، يرى «بكّاريا» أنّ الاستمرار في تطبيق عقوبة الإعدام لا يُعبّر عن حكمة الدولة، بل عن عجزها عن ابتكار نظام عقابي أكثر إنسانية وفعالية. وإذا كان التاريخ قد عرف فترات توقّفت فيها بعض الأمم عن ممارسة الإعدام، فإنّ هذه الفترات تمثّل لحظات نادرة من التنوّر الأخلاقي، سرعان ما تتوارى أمام ضجيج المصالح والسلطات؛ لذلك لا بدّ من أن يرتفع صوت العقل والحكمة فوق صوت العنف، وأن يُدرِك المشرّعون أنّ السلطة الحقيقية لا تقوم على إزهاق الأرواح، بل على رعاية الإنسان وبناء مجتمع عادل يحترم الكرامة حتى في العقاب[17].
في الختام قدّم «تشيزاري بكّاريا» نقدًا فلسفيًا وأخلاقيًا متينًا لعقوبة الإعدام، انطلق من فلسفة العقد الاجتماعي التي تقيّد سلطة الدولة ضمن حدود التنازل الطوعي عن الحقوق من قبل الأفراد، ومن المبادئ النفعية التي تقتضي أن تكون العقوبة ضرورية وفعّالة لتحقيق الصالح العام. ربط بين مشروعية العقوبة وضرورة تحقيق الردع بعيدًا عن القسوة والعنف اللامبرر، مؤكدًا أنّ العقوبة يجب أن تكون محسوسة ومتوقّعة لإحداث أثر فعلي على سلوك الإنسان.
ورفض «بكّاريا» عقوبة الإعدام باعتبارها لا تستوفي شروط الشرعية والفعالية، إذ تُناقض – في نظره – الغاية من السلطة القانونية التي وُجِدت لصون الحقوق لا لإزهاقها. وقد بيّن ضعف أثر الإعدام كوسيلة للردع، نظرًا لطبيعته العنيفة والفجائية، مقارنةً بالعقوبات المستمرّة مثل السجن المؤبّد، التي تترك أثرًا قانونيًا وأخلاقيًا أشدّ رسوخًا. كما رأى أنّ مشهد الإعدام يُثير انفعالات مؤقّتة عابرة كالخوف والاشمئزاز، دون أن يُؤسّس لوعي قانوني أو أخلاقي دائم، بل يُفضي إلى القطيعة بين المجتمع والسلطة القضائية.

وقد انطلق في نقده من منطلقين متداخلين:
• منفعيًا: لأنّ الإعدام لا يُحقّق الغاية العملية للعقوبة، وهي ردع الجريمة وضمان الأمن، بل قد يؤدّي إلى نتائج عكسية عبر إثارة العنف.
• أخلاقيًا: لأنّه يشكّل انتهاكًا للحق الطبيعي في الحياة، وهو حقٌّ لم يُفوَّض للدولة في العقد الاجتماعي، ومن ثمّ فإنّ القتل باسم القانون يُعدّ تجاوزًا للسلطة التي ينبغي أن تبقى ضامنة للعدالة، لا أداةً للاستبداد.
وهكذا، بعد أن عرضنا في هذا الفصل نقد «بكّاريا» لعقوبة الإعدام، يتجلّى مأزق فلسفي وأخلاقي عميق في التصوّر الوضعي للعقوبة، حين تُنتزَع الحقوق من أُسُسها الغائية، ويُختزَل مفهوم العدالة في النفع العام أو القبول الاجتماعي. وهذا ما يحتّم علينا البحث عن تصوّر بديل يتجاوز النسبية، ويُعيد الاعتبار لقدسية الحق ومكانة الإنسان، من خلال رؤية توحيدية تتأسّس على مرجعية إلهية وتوازن بين العدالة والرحمة.
ومن هذا المنطلق، يأتي الفصل الثاني لعرض موقف الشريعة الإسلامية من عقوبة الإعدام، انطلاقًا من أصولها العقدية ومقاصدها الأخلاقية، في إطار نظام كوني متكامل يتجاوز المفاهيم القانونية المجرّدة، ويقدّم رؤية شاملة للعدالة.

المبحث الثاني: عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية
تنبني الرؤية الغربية الحديثة للحقوق – كما يتّضح من آراء «بكّاريا» ومدرسة القانون الوضعي عمومًا – على أساس تعاقدي يربط بين الأفراد وفقًا لتوافقهم الاجتماعي. وبهذا تُعدّ الحقوق نسبية ومتغيّرة، تتحدّد مشروعيّتها بناءً على إرادة الجماعة. ومن هذا المنطلق، قد يُفهَم رفض عقوبة الإعدام في بعض السياقات الثقافية بوصفه خيارًا اجتماعيًا غير ملزِم لغيره.
في المقابل، تقوم الرؤية الإسلامية على مرجعية إلهية تنطلق من أنّ الحقوق والواجبات تُستمدّ من الوحي، وتخضع لمعيار إلهي ثابت، لا لمعادلات التوافق أو المصلحة المتقلّبة. وبالتالي فإنّ مشروعية العقوبات – ومنها الإعدام – تُبنى على مقاصد الشريعة التي تجمع بين حفظ النفس والعدالة والرحمة[18].
ومن هذا الفارق الجوهري، ينشأ اختلاف عميق في فهم غاية العقوبة، ومعنى الكرامة الإنسانية، وحدود حق الحياة. فبينما تسعى بعض النماذج الوضعية إلى إلغاء العقوبة باسم الرحمة، ترى الشريعة الإسلامية أنّ الرحمة الحقّة لا تنفصل عن العدالة، وأنّ بعض صور العقاب الصارم قد تكون مظهرًا من مظاهر الحكمة الإلهية، متى ما وُضِعت في موضعها الصحيح.
يسعى هذا الفصل إلى تقديم مقاربة فلسفية وأخلاقية لعقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية، لا كردٍّ على الانتقادات، بل بوصفها منظومة متكاملة تجمع بين الردع والإصلاح، وبين الحق الفردي والمصلحة العامّة، ضمن رؤية كونية ترى الإنسان خليفةً لله تعالى، وتحفظ كرامته بما يحميه من الظلم والعدوان.

وينقسم المبحث إلى ثلاثة نقاط رئيسة:
• يتناول الأمر الأول فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية، من حيث غاياتها الأخلاقية والاجتماعية، وموقعها من مفهومي العدالة والرحمة.
• ويعرض الأمر الثاني تشريع القصاص في حالات القتل العمد، موضحًا أبعاده الاجتماعية والروحية، وجدلية العفو والقصاص، وحدود الحق في الحياة.
• أمّا الأمر الثالث، فيمدّ النقاش إلى فضاء الحكمة المتعالية، حيث يُعاد تأصيل مفهوم العقوبة من منظور فلسفة الوجود، بما يبيّن أنّ بعض «الشرور الظاهرية»، كالإعدام، يمكن أن تكون ضرورة وجودية لتحقيق الخير العام في النظام الأكمل.

أولًا: فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية
1. تحقيق العدالة
تهدف العقوبة إلى إعادة التوازن الذي اختلّ بوقوع الجريمة، فالعدالة تقتضي التسوية بين الفعل وجزائه، والقصاص مثالٌ واضحٌ على ذلك، إذ يُعامَل الجاني من جنس ما اقترفه، بما يُرضي شعور المجتمع والمجني عليه معًا.
وقد شدّد عددٌ من الفلاسفة البارزين على أهميّة البُعد الأخلاقي للعدالة في العقوبة. فقد رأى الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» أنّ الغاية الأساسية من العقوبة ليست الردع أو الإصلاح، بل إرضاء الشعور الفطري بالعدالة الكامن في ضمير الإنسان. ولتأكيد هذا المعنى، ضرب مثلًا شهيرًا قال فيه: «لو قرّر مجتمعٌ يعيش على جزيرة أن يغادرها ويتفرّق، لوجب عليه قبل الرحيل أن ينفّذ حكم الإعدام بحقّ من صدر في حقّه هذا الحكم، إرضاءً للشعور بالعدالة»[19].
وفي السياق نفسه، يؤكّد «مونتيسكيو» أنّ الكائن العاقل، إذا اعتدى على نظيره، فإنّ مقتضى العدالة أن يُعاقَب بما يماثل فعله في نوع الجرم ومقدار الضرر[20].
ويستند هذا التصوّر إلى أنّ الجريمة تُحدِث اختلالًا في التوازن الاجتماعي، وتمسّ الشعور الجمعي بالعدالة، ما يقتضي ردًّا قانونيًا يُعيد هذا التوازن. فالعقوبة ليست انتقامًا، بل استعادةً للعدالة عبر مقابلة الشرّ بجزاءٍ مناسبٍ، وإعلاءً لقيمة القانون في المجتمع[21].
ومن هذا التصوّر الأخلاقي للعقوبة ينتقل بعض المفكّرين إلى قراءة فلسفية أعمق لمفهوم الجزاء، بوصفه ضرورة وجودية لإعادة التوازن. فمن الناحية الفلسفية يمكن اعتبار الجزاء نوعًا من التماثل الوجودي مع الجريمة، أي أنه انتهاك للانتهاك، وتوازنٌ في القيمة، لا من حيث الظاهر أو الدافع الشخصي، بل من حيث المعنى الكوني للعدل. وهذا المفهوم، وإن كان يُمارَس في بداياته على شكل انتقام بدائي، إلّا أنّ قيام الدولة وتحوّل السلطة إلى مؤسّسة قانونية يجعل من العقوبة فعلًا عادلًا، يُعيد النظام دون أن يولّد انتهاكًا جديدًا[22].
وفي هذا السياق، تتميّز الشريعة الإسلامية بأنّها لم تقتصر على تقنين العقوبة، بل رفعتها من مستوى الانتقام إلى مقام العدالة الإلهية، إذ قيّدتها بشروط شرعية تُراعي التوبة، والإصلاح، والرحمة، مع المحافظة على كرامة الإنسان وحق الجماعة في الأمان. وهنا يتجلّى الفارق بين العقوبة كأداة انتقام شخصي، وبين العقوبة كوسيلة لإحقاق العدالة ضمن منظومة إلهية رحيمة.

2. الردع العام
يقوم الردع العام على تحذير عامّة الناس من ارتكاب الجرائم عبر التهديد بالعقوبة. وقد أشار الفقهاء إلى هذا المقصد بقولهم: إنّ العقوبات زواجر قبل الفعل، وجوابر بعده[23].
يقول تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[24].
وعلى الرغم من وضوح الوظيفة الردعية لهذا المفهوم، فقد وُجِّهت إليه انتقادات عدّة، تراوحت بين الاعتراض على شدّة العقوبة بوصفها قسوةً غير مبرّرة، وبين التشكيك في جدواها الردعية.
إلّا أنّ هذه الاعتراضات لا تصمد أمام التحليل المتأنّي؛ فالشدّة لا تُعدّ ظلمًا متى ما اقترنت بالمصلحة العامّة وحفظ النفوس، بل قد تكون من مقتضيات العدالة ذاتها.
وأمّا الادّعاء بعدم فعالية عقوبة الإعدام في تقليص الجرائم، فلا يعدو كونه فرضية ظنيّة قائمة على التخمين. إذ لا يمكن الجزم بأنّ عدد الجرائم في مجتمع يطبّق هذه العقوبة سيكون هو نفسه في حال إلغائها، كما لا يوجد دليل قاطع على أنّ انخفاض معدّلات الجريمة – إن حصل – هو نتيجة لإلغاء العقوبة، لا إلى عوامل اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أخرى.
إنّ القول بعبثية العقوبة من حيث الردع دون دليل حاسم أو قياس علمي دقيق، يُبقي النقاش في دائرة الحدس لا اليقين، ممّا يضعف وجاهة الاعتراض عليها من هذا المنظور[25].
وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ معيار الردع لا يقتضي التشديد المطلق في العقوبة، بل يوجب التوازن بين الشدّة والفعالية. فحيث يتحقّق الردع بعقوبةٍ أخف، لا مسوّغ لزيادتها، إذ تصبح حينئذٍ بلا جدوى. أمّا إذا لم يتحقّق الردع إلّا بعقوبةٍ أشد، فلا يصحّ التخفيف منها؛ لأنّ في ذلك إخلالًا بالمقصود منها.
وهذا المنهج العقلاني في تحديد مقدار العقوبة يُظهر بوضوح دور المنفعة الاجتماعية في تبرير العقوبة وتقديرها، وهو ما تبنّاه فقهاء الشريعة الإسلامية منذ قرون.

3. الردع الخاص (الإصلاح والتأهيل)
الردع الخاص يعني إصلاح الجاني، وتعديل سلوكه ليعود عضوًا صالحًا في المجتمع. ويتحقّق ذلك في العقوبات غير النهائية (كالسجن)، حيث تُصمَّم على أساس التهذيب، لا الانتقام.

شروط الردع الخاص:
- تفريد العقوبة أو تخصيصها بحسب شخصيّة الجاني وظروفه الخاصّة، إذ ليس من العدالة التسوية بين غير المتساوين. وتُمارَس هذه العدالة من خلال السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي، كتخفيف العقوبة أو وقف تنفيذها أو اختيار بديلٍ مناسبٍ لها، وهو ما يُضفي على العقوبة طابعًا واقعيًا وإنسانيًا[26].
- مراعاة الكرامة الإنسانية أثناء تنفيذ العقوبة،
- استمرار الرعاية بعد العقوبة.
لا تُبنى العقوبة في الشريعة الإسلامية على أثرها في المجتمع فقط، بل على أساس تحقيق العدالة الإلهية أولًا، ثمّ ردع الجريمة، ثمّ إصلاح الجاني. فالعقوبة ليست شرًّا لا بدّ منه، بل هي مظهرٌ من مظاهر رحمة التشريع وعدله.
في المقابل، فإنّ «بكّاريا»، في رفضه للعقوبات القاسية، يختزل وظيفة العقوبة في الردع فقط، مُغفلًا بُعدها الأخلاقي ودورها في تهذيب النفس وإشباع الشعور بالعدالة. بل إنّه ينتقد العقوبات الدينية أو الرمزية التي لا يرى لها تأثيرًا مباشرًا على السلوك، ممّا يعكس ضيق أفق تصوّره للإنسان، إذ يراه كائنًا لا يتحرّك إلّا بدافع المنفعة أو الانفعال، وهو ما يكشف عن رؤية اختزالية لطبيعة الإنسان، تتجاهل حقيقته الوجودية الكاملة كمرآةٍ للأسماء الإلهية، وخليفةٍ مُكلّفٍ بالسير نحو الكمال في رحلته إلى الحق.

وبهذا، يمكن القول إنّ فلسفة العقوبة في الإسلام أشمل وأعمق، إذ تجمع بين القانون والأخلاق، وبين الحق والرحمة. بينما تبقى نظرية «بكّاريا» – على أهميّتها الإصلاحية في سياقها – قاصرة عن الإحاطة بوظيفة العقوبة؛ لأنّها تنطلق من تصوّر مادي محض للإنسان والمجتمع.

ثانيًا: القتل العمد من منظور الشريعة
1. البُعد الوجودي والاجتماعي للقتل العمد
تُعدّ جريمة القتل العمد من أخطر الاعتداءات التي تمسّ بنية المجتمع في عمقها الوجودي والأخلاقي، إذ لا تقتصر على إزهاق نفسٍ واحدةٍ، بل تُسهِم في زعزعة النظام القيمي والقانوني الذي يقوم عليه المجتمع. وقد عبّر النصّ القرآني عن هذا المعنى بقوله: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾[27]، في تصويرٍ بليغٍ يدلّ على خطورة الجريمة من حيث أثرها الاجتماعي، لا الفردي فقط. فالقاتل لا يُهلِك نفسًا فحسب، بل «يسنّ القتل» ويؤسّس لمناخٍ من العدوان يهدّد الأمن الجمعي، ويقوّض الثقة التي تمثّل حجر الزاوية في العمران البشري.

ولا يقتصر هذا التصوّر على حدود الإدانة الأخلاقية، بل يلامس ما يمكن تسميته بـ«الخطر الوجودي» الذي يُنتجه التجرّؤ على حرمة النفس البشرية، إذ تنظر الشريعة إلى القاتل – في بعض الموارد – كما لو أنّه قتل الناس جميعًا، في تجلٍّ رمزيٍّ يجسّد فداحة الجريمة وخطرها الكارثي على وحدة المجتمع[28].
في هذا السياق، يبرز تحليل الفيلسوف الألماني «هيجل» للجريمة باعتبارها لا تمسّ الضحية المباشرة فقط، بل تضرب جوهر النظام القانوني للمجتمع المدني. حيث يرى أنّ الجريمة ليست مجرّد انتهاك لحقٍّ فرديٍّ، بل هي اعتداءٌ على النظام الكلّي للقانون، الذي لا يقوم فقط على حماية الأفراد، بل هو تمظهرٌ للإرادة الكليّة التي تمتلك وجودًا راسخًا في ذاتها. ولذلك، فإنّ الجريمة الواحدة تمثّل خرقًا لهذا الكلّ، وتبعًا لذلك، فإنّ سائر أعضاء المجتمع يشعرون بالأذى، حتى لو لم تُصبهم الجريمة بشكل مباشر، فإنّ أثرها ينعكس على التصوّر الجمعي للحق والقانون[29].

2. تشريع القصاص: حماية لا انتقام
القصاص في الشريعة الإسلامية لا يُفهَم بوصفه نظامًا انتقاميًا، بل يُمثّل تجسيدًا لفطرة الإنسان السويّ في ردّ العدوان وصَون الحياة. فالقتل العمد العدواني يُوجِب القصاص، لا على نحوٍ مطلقٍ، بل ضمن شروط وضوابط دقيقة تراعي مقاصد الشريعة وتمنع الجور والتعسّف[30].
ومن هذا المنظور، فإنّ القصاص لا يُمثّل تكرارًا للفعل الإجرامي، بل هو حمايةٌ للمجتمع، وردعٌ للمعتدين، وقطعٌ لدابر الجريمة، وتحقيقٌ للعدل ضمن إطارٍ منظّمٍ يوازن بين الحق والرحمة. فالآية الكريمة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾[31]، تُبرِز أنّ القصاص تشريعٌ للحياة، لا لنقضها، إذ يستتبّ به أمن المجتمع وتُحقَن به الدماء[32].
تنظر الشريعة إلى النفس البشرية من خلال ميزان التوحيد، فقتل النفس البريئة يُعدّ انتهاكًا صارخًا للكرامة التي كرّم الله بها الإنسان، وله تبعات جسيمة في الدنيا والآخرة، تمسّ النظامين الحقوقي والروحي معًا. ومن ثمّ، فالقصاص لا يُعبّر عن كراهية الإنسان، بل عن صيانة لكرامته، وإقامة للتوازن بين حماية الأبرياء وردع الجناة.
فليست كلّ رحمة محمودة، ولا كلّ شفقة فضيلة؛ إذ قد تعني الرحمة بالجاني المتعدّي ظلمًا للضحية وتفريطًا في حقوق الأبرياء[33]. فالعدالة تقتضي الشدّة أحيانًا، دون أن يُفقِد ذلك الرحمة جوهرها، بل قد يُجسدّها في أعلى مظاهرها: الإنصاف المقرون بالحكمة. غير أنّ هذا التوازن غائب في نظرية «بكّاريا»، التي أولت الجاني معظم الاهتمام وأغفلت حق الضحية.
وتشير الآية أيضًا إلى أنّ القصاص لا ينبع من نزعة انتقامية، بل من منظومة أخلاقية دقيقة تحقّق العدالة دون تجاوز. فمبدأ «استيفاء المثل» أي النفس بالنفس، لا أكثر، يمنع الغلو في العقوبة ويحفظ ميزان القسط.
في هذا الإطار، يتّضح أنّ القصاص ليس فعلًا غريزيًا، بل تشريع عقلاني يُراد به ضمان استقرار المجتمع، من خلال ردع الجريمة واستيفاء الحقوق في حدودٍ منضبطة. وهكذا، يتكامل التصوّر الإسلامي للقصاص بوصفه نظامًا يُحقّق الردع والعدالة، لا التشفّي والانتقام، ويؤسّس لبيئة آمنة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة.

3. العفو والقصاص: جدلية الحق والفضل
تولي الشريعة الإسلامية منزلةً رفيعةً لمبدأ العفو، وتُعِدّه خيارًا أخلاقيًّا ساميًا لا يقلّ شأنًا عن العدالة، بل يتجاوزه في مراتبه القيمية من حيث الأثر التربوي والاجتماعي. فالعفو ليس مجرّد تنازل عن حق، بل هو فعلٌ تأسيسيٌّ في بناء مجتمع أخلاقي متماسك، يوازن بين ردّ العدوان ومقاومته بالحسنى[34]. وقد وردت في هذا المعنى آيات قرآنية عديدة، تفتح المجال أمام المظلوم لاختيار سبيل الصفح، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾[35]، و﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[36].
في هذا السياق، يظهر العفو في التصوّر الإسلامي لا بوصفه علامة على الضعف، بل كخيار نابع من الوعي، والتربية، والتزكية النفسية. فالشريعة حين أقرّت مبدأ القصاص لم تجعله حكمًا إلزاميًا مطلقًا، بل منحته كحقٍّ لأولياء الدم، لهم أن يُعمِلوه أو يتنازلوا عنه، ضمن منظومةٍ مرنةٍ تشمل العفو والدية، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾[37]. تُشير هذه الآية إلى تخفيف إلهي ورحمة ربّانية، تجعل من العفو فعلًا يرتقي بصاحبه إلى مقام الإحسان، وتُكسِبه بُعدًا تطهيريًّا وكفّاريًّا، لا لمرتكب الجرم فحسب، بل لوليّ الدم أيضًا، الذي يعلو فوق مشاعر الانتقام ليُسهِم في ترميم المجتمع وبنائه على أسس الرحمة والتسامح[38].
إنّ الموازنة بين العفو والقصاص تكشف عن رؤية قرآنية عميقة تُكرّس احترام العدالة، لكنّها تدعو في الوقت ذاته إلى الارتقاء إلى مقام الفضل، بما يعزّز روح التراحم والتسامح، ويساهم في بناء مجتمع سليم أخلاقيًا، يعلو فيه خيار العفو على الانتصاف.

4. نظرة الإسلام إلى حق الحياة: بين الإطلاق والتقييد
يُعدّ حق الحياة في الرؤية الإسلامية من الحقوق الفطرية والطبيعية المسلَّم بها، إذ يُشكّل هذا الحق الأساس الذي تُبنى عليه حركة الإنسان التكاملية في هذا العالم. فلو لم يُقرّ الإسلام بهذا الحق، لما أمكن للإنسان أن يواصل مسيرته نحو الكمال، ولأصبح خَلقُه عبثًا لا يحقّق الغاية التي خُلِق من أجلها، والمتمثّلة في الوصول إلى المقام الإنساني الرفيع.
رغم أهميّة حقّ الحياة، تبرز إشكالية محورية: هل هو حقٌّ مطلقٌ في الإسلام؟ الجواب: لا. فالحقّ في الحياة ليس مطلقًا، بل مشروطٌ بتحقيق الغاية التي من أجلها وُهِب الإنسان هذا الحق. فإذا كانت الحياة تُعين على بلوغ هذا الهدف دون إضرارٍ بالنفس أو بالآخرين، يظلّ الحقّ محفوظًا. أمّا إذا تحوّلت إلى مصدر ضررٍ للنفس أو للمجتمع، فقد يُقيَّد هذا الحق أو يُسلَب في بعض الحالات.

وفي الفكر الإسلامي، يرتكز تثبيت هذا الحق على برهان عقلي وشرعي واضح، إذ تُعدّ الحياة وسيلة لا غاية، وسبيلًا لتحقيق التكامل ونيل الرحمة الإلهية الأبدية. فإذا تعارضت حياة الفرد مع هذا الهدف وفقدت مبرّرها العقلي والشرعي، فإنّ الإسلام لا يُقرّ ببقائها لمجرّد البقاء، بل يضعها ضمن إطار المصلحة العليا للمجتمع والهدف النهائي للخلق.
وبناءً عليه، تُبيح الشريعة في بعض الحالات تقييد حق الحياة، ومنها تطبيق عقوبة الإعدام كوسيلة لحماية المجتمع وتحقيق العدالة، لا كونه انتهاكًا مطلقًا لهذا الحق. ومن هنا، يستند اعتراض المدافعين عن حقوق الإنسان على حكم الإعدام من عدم إدراكهم لهذه المنطلقات الفلسفية والروحية الإسلامية، حيث يفترضون ثبات حق الحياة دون مبرّر عقلي أو شرعي يُؤسّس لهذا الإطلاق.
ومن هذا المنظور، فإنّ القول المشهور في القرآن الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾[39]، يُشير إلى أنّ موت المجرم – في مواضع محدّدة – هو حياةٌ لغيره، وهو ما يؤكّد أنّ حق الحياة ليس حقًّا مطلقًا، بل هو مقيّدٌ بحدود العقل والمصلحة والعدالة.

5. الكرامة الإنسانية وعقوبة الإعدام: تفكيك المعيار الغربي
تحتلّ الكرامة الإنسانية في الرؤية الإسلامية موقعًا مركزيًا لا يقلّ أهميةً عن الحق في الحياة، بل تُعدّ شرطًا أساسيًا لتحقّق إنسانية الفرد وتكامله الروحي والاجتماعي. فالكرامة هنا ليست قيمة تجريدية، بل هي ضرورة وجودية تمكّن الإنسان من السير في درب التزكية والاستخلاف، وقد أولى الإسلام هذا المفهوم اهتمامًا بالغًا، إلى درجة أنّ بعض الروايات شبّهت حرمة المؤمن بحرمة الكعبة، واعتبرت إهانته بمثابة إعلان حرب على كبرياء الله تعالى[40].

وعلى هذا الأساس، فإنّ المنظومة الإسلامية لا ترى في العقوبات الصارمة، كعقوبة الإعدام، انتهاكًا لكرامة الإنسان، بل تعدُّها تعبيرًا عن عدالة إلهية تُوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الجاني والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإنّ رفض بعض المجتمعات، ومنها المجتمعات الإسلامية، لإلغاء عقوبة الإعدام، لا يقوم على نزعة انتقامية أو افتقار إلى الرحمة، بل من فهم مغاير لمعنى الكرامة والعدالة، قائم على منظومة قيميّة اختارتها هذه المجتمعات بحريّة، وعبّرت عنها في ثقافتها ودساتيرها ومؤسّساتها.

وإذا كانت المرجعية النهائية لحقوق الإنسان – بحسب الخطاب الغربي ذاته – تعود إلى «إرادة الإنسان» و«اختيارات الشعوب»، فإنّ احترام هذه الإرادة يقتضي قبول الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان، ما دامت نابعة من منظومة عقلانية واجتماعية متكاملة، لا من أهواء طارئة أو مصالح سياسية. أمّا اعتبار عقوبة الإعدام مناقضة للكرامة الإنسانية على نحوٍ مطلقٍ، فهو افتراض لرؤية معيارية أحادية لا تقبل التعدّد الثقافي، ويُناقض في جوهره الأسس الفلسفية للحداثة الغربية نفسها، التي قامت – نظريًا على الأقل – على النسبيّة، والتعدّد، وحريّة الاختيار.

ثالثًا: تأصيل فلسفي لعقوبة الإعدام
استكمالًا للبحث في فلسفة العقوبة وموقع العدالة فيها، قد يُطرح سؤالٌ جوهريٌّ يتجاوز القانون الوضعي ومفاهيم الردع أو الإصلاح، وهو: ما هي الغاية القصوى للعقوبة في بُنية الوجود؟ وهل يُعدّ إنزال العقوبة القاسية، كالإعدام، نقضًا للعدالة أو وفاءً بحقيقتها الكونية؟
هذا السؤال ينقلنا من دائرة فلسفة القانون بالمفهوم الحديث، إلى فضاء أرحب، هو فلسفة الوجود وأخلاق الخلق في الحكمة المتعالية، حيث تُقارَب العقوبة من خلال النظام الأكمل والغاية الكونية لا من زاوية الأثر الاجتماعي فقط.

1. عقوبة الإعدام والشرّ العرضي
تُركّز الفلسفات القانونية الغربية على النتائج المترتبّة على العقوبة (كالردع والإصلاح)، في حين تسعى الحكمة المتعالية إلى تبرير إمكان وقوع الشر، ومنه العقوبة القاسية، ضمن منظومة وجودية كاملة الحكمة.

وفي هذا السياق، تظهر مسألتان مترابطتان:
- مفهوم الشر وأنواعه، وسبب وجوده في عالم الخلق،
- فكرة «النظام الأحسن الممكن»، وضرورة بعض صور الفساد والموت لتحقيق النظام الأكمل.
والغاية من هذا التمديد الفلسفي ليس التنظير المجرّد، بل بيان أنّ بعض العقوبات، كعقوبة الإعدام، لا يمكن فهم عدالتها إلّا في ضوء تصوّر وجودي أشمل، يرى أنّ ما يُعدّ شرًّا في الظاهر قد يكون وسيلةً لتحقيق الخير الأسمى في الباطن، بما يسمح في إعادة فهم عقوبة الإعدام كضرورة وجودية في إطار النظام الأكمل.

2. مفهوم الشرّ في نظام الوجود الممكن
الشرّ في نظام الوجود يُصنَّف إلى نوعين:
شرور عدمية: وهي ما يُنسَب إلى النقص أو القصور في القابل أو إلى غياب الفعل، وليست من جنس الفعل الاختياري؛ لأنّ العدم لا يصدر عن فاعلٍ مختارٍ باعتبار أنّه لا وجود له بذاته، بل هو غياب الوجود.
شرور وجودية: وهي أفعال أو أشياء قد تُعدّ شرًّا من جهة، لكن لها جهة خير ومنفعة من حيث غاياتها وأصل نظامها، كالنار والغضب والسم والقصاص، فهي ليست شرورًا مطلقة. بالتالي، فإنّ ما يُسمّى شرًّا ليس ذاتيًا مطلقًا، بل عرضيًا نسبيًا، بلحاظ المآل أو السياق[41].

3. النظام الأحسن وعدم إمكان وجود نظام أفضل
تنطلق الحكمة المتعالية من فرضية كونية مركزية: أنّ هذا العالم هو «أحسن الممكنات»، ويُبنى هذا التصوّر على عددٍ من المبادئ العقلية:
- الله تعالى غير متناهٍ في العلم والقدرة والفيض،
- لا يصدر عنه إلّا الأكمل، وما لا يحتاج إلى مادة أو لا يعترضه مانعٌ فهو يفيض عنه بمجرّد الإمكان،
- إذا وُجدت الشرور، فهي ضرورة لتوليد صور أعلى في سلسلة الوجود،
ولو افترضنا إمكان وجود نظام أفضل، لكان عدم إيجاده يناقض كمال الخالق[42].

4. التفاوت والتضاد كضرورة كونية
يؤكّد «صدر الدين الشيرازي» أنّ التفاوت بين الموجودات والتضادّ بين قواها هو شرطٌ ضروريٌّ لحركة الوجود نحو الكمال. فالتضادّ الموجود في هذا العالم ليس خللًا، بل ضرورة تُفضي إلى دوام الفيض وتحقيق الاستكمال. ومن هذا المنطلق، فإنّ ما يظهر شرًّا على المستوى الفردي ليس إلّا عنصرًا منسجمًا مع النظام الكوني العام، حيث يشكّل الشرّ النسبي مدخلًا إلى الخير العام[43].

5. الموت وانفساخ الصور في نظام الخلقة
يُعدّ الموت، في نظر الجمهور، الشرّ الأعظم، لكنّه في نظام الحكمة ليس إلّا انتقالًا من نشأةٍ إلى أخرى. فلو رُفِع الموت من عالم الطبيعة، لاشتدّ على الناس العيش وضاق بهم المكان، حتى ليعجزوا عن التنفّس والحركة والمعاش. إنّ خلاص الإنسان من عالم الآفات والمحن، ورجوعه إلى حضرة الرحمة، هو من صور الرحمة الإلهية الخفيّة.

كذلك تتحوّل المادة بالموت من صورة أدنى إلى أخرى أكمل، وتتحرّر النفس من قيد البدن، فلا يتحقّق كمالها إلّا بهذا الانفصال الذي يمهّد لسيرها في معارج الترقّي[44].
فالتحلّل والانفصال والفناء ليست شرورًا في ذاتها، بل أدوات ترقية للكائنات في سلسلة الكمال.

6. عقوبة الإعدام في ضوء الحكمة الإلهية
انطلاقًا من هذا التصوّر الكوني، يمكن فهم عقوبة الإعدام ضمن هذه النقاط:
- عقوبة الإعدام، من هذا المنظور، لا يمكن الحكم عليها بالشرّ المطلق؛ لأنّها قد تتحقّق ضمن نظام العدالة كوسيلة لردع أو إصلاح، ما دامت تُمارَس في موضعها الشرعي وبالتقدير العادل. أمّا إذا خرجت عن موضعها أو استُعمِلت بغير وجه حق، فإنّ الضرر الناشئ عنها لا يعود إلى ذاتها، بل إلى الخلل في الفهم أو التطبيق.
- تمثّل استيفاءً لحق الجماعة، وتحقيقًا للعدالة في سياق التفاوت والتضاد.
- تدخل ضمن النظام الذي يُراعي خير المجموع لا ضرر الفرد العرضي. فكما لا يُعقَل أن نُلغي النار بسبب احتمال احتراق أحد، لا يصحّ إبطال القصاص لمجرّد احتمال الخطأ، بل يُعالَج الخلل بتحسين الإجراءات القضائية لا بنقض الأصل.
وعليه، إنّ فهم عقوبة الإعدام ضمن إطار الفلسفة الوجودية والحكمة المتعالية يسمح بإعادة النظر في ما يُسمّى بالعقوبة القاسية، لا بوصفها نقضًا للعدالة أو انتهاكًا لحقوق الإنسان، إنما بوصفها ضرورة تكوينية وتشريعية ضمن نظام الخلق. وحين يُمارَس القصاص وفق الضوابط الشرعية الدقيقة، يغدو تجلّيًا للعدالة، لا نفيًا لها. فالخير الغالب يقتضي الإبقاء على هذه العقوبة ضمن إطارٍ منظّمٍ صارمٍ، كما هو الحال في الشريعة الإسلامية، التي نقلت القصاص من دائرة الانتقام إلى دائرة العدالة الكونية والرحمة التشريعية.
وفي الختام، يتجلّى من دراسة عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية خلافٌ جوهري مع المواقف الغربية الحديثة، لا يقتصر على اختلافٍ في الأحكام، بل يتّصل بجوهر المرجعية الأخلاقية والغاية من العقوبة. ففي حين تستند الرؤية الغربية إلى تعاقد اجتماعي نسبي، تتغيّر معه الحقوق والعقوبات، تبقى الشريعة الإسلامية متجذّرة في مرجعية إلهية ثابتة، تنطلق من مقاصد عليا تجمع بين العدالة والرحمة، وتحفظ كرامة الإنسان وأمن المجتمع.
تجمع الشريعة في فلسفة العقوبة بين تحقيق العدالة بإعادة التوازن، والردع الخاص والعام، مع مراعاة الكرامة الإنسانية التي لا تتعارض مع تطبيق العقوبات الصارمة حين تقتضي الحكمة ذلك. أمّا تشريع القصاص فيشكّل حماية اجتماعية وروحية متكاملة، لا انتقامًا، ويتيح العفو كخيار أخلاقي يعزّز التراحم والتسامح.
وأخيرًا، يضع التأصيل الفلسفي لعقوبة الإعدام ضمن حكمة وجودية أشمل، يرى في بعض «الشرور الظاهرية» ضرورة لتحقيق الخير الأسمى في نظام الوجود الأكمل. هذا التصوّر يفتح نافذة لفهم العقوبة القاسية، لا كانتهاك مطلق للكرامة أو للحق في الحياة، بل كضرورة شرعية واجتماعية تتواءم مع حكمة التشريع الإلهي.

الخاتمة
تبيّن من خلال هذا البحث أنّ الجدل حول عقوبة الإعدام يتجاوز السجال القانوني الصرف، ليتوغّل في عمق الفلسفة الحقوقية والأخلاقية، حيث تتكشّف الفوارق الجوهرية بين الرؤيتين الوضعية والإسلامية لمفاهيم الحياة، والعدالة، والكرامة، والعقوبة. فالفكر الوضعي – ممثَّلًا بـ «بكّاريا» – يقارب العقوبة من منظور نفعي- ردعي صرف، يختزل الإنسان في كائنٍ تُحدَّد حقوقه من خلال تعاقد اجتماعي قابل للتغيير. بينما ينطلق التصوّر الإسلامي من مرجعية إلهية تجعل من الحق مفهومًا متعاليًا، وتؤسّس لفلسفة عقوبة ترتكز على العدالة الوجودية، والقصاص المقاصدي، والعفو الأخلاقي.
لقد أظهر البحث أنّ عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية ليست فعلًا انتقاميًا، بل هي تجلٍّ من تجلّيات منظومة رحيمة وعاقلة، تُوازن بين ردع الجريمة، وتحقيق العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وحماية المجتمع. كما بيّن أنّ التصوّر الإسلامي لا يلغي مفهوم الكرامة أو الحق في الحياة، بل يُقيّدهما بضوابط عقلية وشرعية تتّسق مع الغاية من الخلق ووجهة الوجود الإنساني، خلافًا للطرح الغربي الذي يُفرِط أحيانًا في إطلاق هذه المفاهيم دون معيارٍ ثابت.
وفي ضوء مقاربة الحكمة المتعالية، يتّضح أنّ العقوبة – بما في ذلك الإعدام – لا تُعدّ شرًّا ذاتيًّا، بل ضرورةً وجوديةً، تتكامل مع النظام الأكمل، متى وُضِعت في موضعها، وأُجريت بميزان العدالة. ومن هنا، تبرز فلسفة العقوبة في الإسلام كمجالٍ ثريٍّ لفهم العلاقة بين القانون والأخلاق، وكوسيلةً لتجاوز الرؤية الأحادية التي تتبنّاها بعض الخطابات الحقوقية باسم الكونية، دون مراعاة التعدّد الفلسفي والثقافي في فهم مفهومَي العدالة والحق.
وبذلك، يدعو هذا البحث إلى إعادة النظر في الخطاب الحقوقي المعاصر، من خلال انفتاحٍ حقيقيٍّ على المرجعيات غير الغربية، والاعتراف بثراء المنظومة الإسلامية، بوصفها حاملًا مشروعًا لفلسفة حقوق إنسان منسجمة مع الأخلاق، والعقل، والمقاصد العليا للوجود.

قائمة المصادر
1. القرآن الكريم.
2. بدوي، عبد الرحمن، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1996.
3. بكّاريا، تشيزاري، رسالة في الجرائم والعقوبات، دار النهار، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 2008.
4. جوادي آملي، عبدالله، خمس رسائل، دار الصفوة، بيروت- لبنان.
5. حبتور، فهد، التفريد القضائي للعقوبة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان- الأردن، الطبعة الأولى.
6. روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار القلم، بيروت- لبنان.
7. الشاذلي، فتّوح، أساسيات علم الإجرام والعقاب، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى.
8. الشيرازي، صدرالدين محمد، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، المجلّد الثالث، تعليقات هادي السبزواري، صحّحه واعتنى به محسن عقيل، دار المحجّة البيضاء، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 2011.
9. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، المجلّد الأول، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم- إيران.
10. عالية، سمير، المدخل لدراسة القانون والشريعة، نظرية القاعدة القانونية والقاعدة الشرعية، دراسة مقارنة، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، 2002.
11. عودة، عبد القادر، التشريع الجنائي الإسلامي- مقارنًا بالقانون الوضعي، الجزء الأول، دار الكاتب العربي، بيروت- لبنان.
12. القهوجي، علي، شرح قانون العقوبات، القسم العام، المسؤولية الجنائية والجزاء الجنائي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 2009.
13. مصباح اليزدي، محمد تقي، النظرية الحقوقية في الإسلام، الجزء الأول، ترجمة وليد منعم، أشرف على الترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، دار الولاء، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية، 2010.
14. مطهّري، مرتضى، التربية والتعليم في الإسلام، دار الهادي، بيروت- لبنان، الطبعة الرابعة، 2005.
15. مونتيسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، مؤسّسة هنداوي سي آي سي، المملكة المتّحدة.

---------------------------------------------------
[1]. دكتوراه في الحقوق- دراسات عليا في الشريعة الإسلامية
[2]. وُلد «تشيزاري بونزانا ماركيز بكّاريا» في مدينة ميلانو عام 1738، وتوفّي فيها عام 1794، ويُعدّ من أبرز مفكّري عصر التنوير في إيطاليا. تأثّر بكتابات «مونتسكيو» وبالفكر الموسوعي الفرنسي، لا سيما «الأنسكلوبيديين»، وقد ظهر اهتمامه المُبكِر بمسألة العدالة في النظام القضائي بشكلٍ جليٍّ في مؤلّفه الشهير «رسالة في الجرائم والعقوبات» الذي نُشِر سنة 1764، حين لم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره.
في هذا الكتاب، وضع «بكّاريا» أسس التفكير الحديث في مجال القانون الجنائي، حيث استعان بحجج فلسفية قديمة، لكنّه صاغها ضمن رؤية عقلانية جديدة، مفصولة عن الإطار الديني السائد آنذاك. دعا إلى إصلاح النظام العقابي من خلال إرساء مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، ورفض بشدّة الممارسات العقابية الوحشية، ولا سيّما التعذيب وعقوبة الإعدام، معتبرًا إيّاها ممارسات بربرية لا تحقّق الردع الفعلي، بل تمثّل جريمة قضائية بحدّ ذاتها. وقد لاقى هذا العمل رواجًا واسعًا فور صدوره، حيث تُرجم بسرعة فائقة إلى عددٍ كبيرٍ من اللغات الأوروبية، أبرزها الفرنسية والإنجليزية، ما ساهم في ترسيخ تأثير «بكّاريا» في الفكر القانوني الأوروبي، وجعل من رسالته مرجعًا حاسمًا في نقاشات العدالة الجنائية الحديثة.
[3]. بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 23.
[4]. يُراجَع: روسو، في العقد الاجتماعي، 48 وما بعدها.
[5]. الشاذلي، أساسيات علم الإجرام والعقاب، 336.
[6]. بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 25.
[7]. م. ن، 26.
[8]. الشاذلي، أساسيات علم الإجرام والعقاب، 336.
[9]. بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 93.
[10]. بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 23.
[11]. يُراجَع: م. ن، 23.
[12]. م. ن، 93.
[13]. بكّاريا، المرجع السابق، ص 53.
[14]. يُراجَع: بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 97.
[15]. بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 99.
[16]. م. ن، 102.
[17]. يُراجَع: بكّاريا، رسالة في الجرائم والعقوبات، 104.
[18]. يُراجع: مصباح اليزدي، النظرية الحقوقية في الإسلام، 1: 122.
[19]. عالية، المدخل لدراسة القانون والشريعة، نظرية القاعدة القانونية والقاعدة الشرعية، دراسة مقارنة، 99.
[20]. يُراجَع: مونتيسكيو، روح الشرائع، 50.
[21]. القهوجي، شرح قانون العقوبات، القسم العام، المسؤولية الجنائية والجزاء الجنائي، 176.
[22]. بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، 72-73.
[23]. يُراجَع: عودة، التشريع الجنائي الإسلامي- مقارنًا بالقانون الوضعي، 1: 609.
[24]. النور: 2.
[25]. يُراجَع: الشاذلي، أساسيات علم الإجرام والعقاب، 369.
[26]. حبتور، التفريد القضائي للعقوبة، 37.
[27]. المائدة: 32.
[28]. جوادي آملي، خمس رسائل، 8-9.
[29]. يُراجَع: بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، 138.
[30]. يُراجَع: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1: 435 وما بعدها.
[31]. البقرة: 179.
[32]. مطهّري، التربية والتعليم في الإسلام، 212.
[33]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 438.
[34]. يُراجَع: جوادي آملي، خمس رسائل، 19 وما بعدها.
[35]. الشورى: 40.
[36]. فُصِّلت: 34.
[37]. البقرة: 178.
[38]. جوادي آملي، خمس رسائل، 22.
[39]. البقرة: 179.
[40]. مصباح اليزدي، النظرية الحقوقية في الإسلام، 304.
[41]. يُراجَع: الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، 3: 53 وما بعدها.
[42]. يُراجَع: م. ن، 63.
[43]. الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، 6: 52.
[44]. يُراجَع: م. ن، 56 وما بعدها.