البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العدالة في فلسفة الأخلاق: الصيرورة الغربية والفكر الإسلامي

الباحث :  ندوة مع الشيخ أحمد واعظي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  40
السنة :  خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث :  50
تحميل  ( 306.314 KB )
المقدمة
أقامت مجلة الاستغراب لقاءً حواريًا مع الشيخ أحمد واعظي وهو من الأساتذة المعروفين في قم المشرفة والمختصّ في مباحث مرتبطة بفلسفة الأخلاق، ولا سيما مباحث العدالة، لديه كتابات متعدّدة في هذا المجال.
تُلخِّص الندوة تطور مفهوم العدالة في الفكرين الغربي والإسلامي. بدءًا من الفكر اليوناني، حيث تناول أفلاطون العدالة كفضيلة يحكم بها الفلاسفة العارفون بالخير المطلق، بينما قسّم أرسطو العدالة إلى توزيعية تعتمد على الاستحقاق والفضيلة، وعقابية ترتبط بالجزاء.
في العصر الحديث، شهد المفهوم تحولات جذرية مع صعود الفردانية والليبرالية، حيث تراجعت العدالة كقيمة أخلاقية شاملة لتصبح مرتبطة بالحقوق الفردية والمصالح الوطنية.
كم ذكرت تميز الفكر الغربي المعاصر بتعدد الآراء حول العدالة، بين من يربطها بالحاجة الأساسية، أو الاستحقاق، أو المساواة التعويضية، أو المنفعة العامة. أما في الفكر الإسلامي، فتُعد العدالة (القسط) غاية أساسية من إرسال الرسل، لكن التنظير الإسلامي في مجال العدالة الاجتماعية لا يزال محدودًا مقارنةً بالتراث النصي الغني.
السؤال الأول: كيف كانت بدايات ظهور مفهوم «العدالة» إذا أردنا أن نرصده في الفكر اليوناني القديم؟ وما هي تقلّباته في القرون الوسطى والحداثة؟ هل تغيرت دلالاته ومعانيه في الفكر الغربي المعاصر؟

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. أشكركم أيها الأحبة على حضوركم في هذه الحلقة الحوارية. إن لمفهوم العدل معنى لغويًا يمكن بحثه والحديث عن جذوره في مختلف اللغات، بيد أن العدل في الغالب عبارة عن مصطلح، وعندما يكون مصطلحًا، فيجب أن نرى ما هو التصوّر الذي يحمله المنظّر أو أيّ صاحب فكرة تجاه هذا المصطلح، وما هو التقرير الذي يقدّمه عن هذا المصطلح؟ والحقيقة هي أن هناك الكثير من الآراء فيما يتعلق بمصطلح العدل. لا سيّما إذا كان المراد من العدل هو العدل الاجتماعي أو العدل في التوزيع. كما جاء في سؤالكم فإن العدل من تلك المفردات التي تحتوي على سياق تاريخي طويل جدًا، ولكن يمكن القول بشأن العدل بوصفه قيمة اجتماعية أننا فيما يتعلّق باليونان قديمًا ـ على ما أشرتم إليه ـ نواجه تيارين أصليين، وهما: التيار السفسطائي الذي لم يكن أصحابه في الحقيقة والواقع يؤمنون بالقيَم والأفكار المعرفية أبدًا، وكانوا ينكرون جميع الفلسفات والنشاطات المعرفية ولا يقرّون بإمكان المعرفة بوصفها أمرًا متطابقًا مع الواقع. وكانوا يعتبرون جميع هذه الجهود العلمية والمعرفية في الواقع مجرّد ألفاظ خطابية، وكانوا يذهبون بشكل وآخر إلى إنكار إمكان الواقع أو المعرفة. في مثل هذا الفضاء نكون أمام تيار من الفلاسفة الذين يذهبون في الواقع إلى إمكان المعرفة وحبّ المعرفة، ويعتبرون المعرفة أمرًا يمكن الحصول عليه. وفي ذلك الفهم السوفسطائي حيث تكون المعرفة أمرًا بعيد المنال، وتتحول إلى مجرّد شعارات خطابية وتلاعب بالألفاظ والكلمات، عندها يتضح أنه ليس هناك موضع من الإعراب لشيء باسم العدل بوصفه قيمة وحقيقة اجتماعية. فلا موضع للمعرفة ناهيك عن القيَم؟ وفي مثل هذا الفضاء يذهب الفلاسفة ـ بطبيعة الحال ـ إلى اعتبار بحث العدل بوصفه خيرًا وبوصفه فضيلة. وقد تعرّض أفلاطون في آثاره إلى بحث مفهوم العدل. وقد تعرّض في كتاب الجمهورية لبحث العدل، ثم جاء أرسطو وقام بإظهار العدل على هذه الشاكلة. أقول باختصار شديد: في المنظومة الفكرية لأفلاطون يتمّ الوصول إلى نظام سياسي يحكمه الفيلسوف، ويتحوّل في الواقع إلى مدافع يدعو إلى تنصيب الحكيم والفيلسوف على رأس وهرم السلطة السياسية، وإن الدعامة النظرية لهذا النظام السياسي عبارة عن حقيقة أنّ أفلاطون يرى أن الذين يكونون في رأس السلطة يجب أن يكونوا من ذوي المعرفة بالخير والسعادة والعدل، لا أن يكتفوا بالظن والتصوّر. بمعنى أنه في المنظومة المعرفية لأفلاطون يتم التفريق بين النظام المعرفي وبين الرأي الذاتي. إن الذي يكون في معرض ذهن الأشخاص العاديين إنما هو الظنون والتصوّرات، وأما أولئك الذين يتمكّنون في مثال الكهف من الخروج من بئر الطبيعة، وبدلًا من رؤية ظلال الحقائق، يقومون بمشاهدة ذات الحقائق وعالم المُثُل، فهؤلاء هم الذين يستحقون الجلوس في هرم السلطة وإدارة المجتمع، لماذا؟ لأن بسط الخير والسعادة في المجتمع، وتطبيق العدل في المجتمع، لا يمكن تحقيقه إلا من قبل أشخاص قد شاهدوا وأدركوا مثال الخير والعدل بأنفسهم. بمعنى الأشخاص الذين شاهدوا حقيقة الخير المتمثلة بالله تعالى؛ وذلك لأن مثال المُثُل هو مثال الخير. إن مثال جميع المُثُل، في تفكير أفلاطون، هو مثال الخير ومثال العدل. ومن باب واحد من المُثُل أن يكون قد أدرك الحقيقة، وهذا الأمر فيما يتعلق بأفلاطون.

وأما بالنسبة إلى أرسطو فإنه يعمل على تقسيم العدل إلى قسمين، وهما: العدل في التوزيع[1]، والعدل في العقوبة والجزاء[2]. إن الذي يجول في رؤية أرسطو بشأن العدالة التوزيعية، هو أن الخيرات والإمكانات والمواهب في المجتمع يجب أن يتمّ توزيعها على أساس فضيلة الأشخاص وتفاوت الأفراد في الفضيلة والاستحقاق. إن الأشخاص لا يتساوون في الفضيلة والاستحقاق. لماذا؟ لأن حصص جهود الأفراد في المسائل والأعمال الاجتماعية ليست على شاكلة واحدة. إن مشاركة ومساهمة بعض الأشخاص في المسائل الاجتماعية والمسائل السياسية، والمسائل التي ترتبط بسعادة أغلب أفراد المجتمع وخيرهم يكون أكثر من الآخرين، ويكون تأثيرهم أكبر من سواهم، وبذلك يكون فضلهم أكثر من غيرهم من الذين يكونون أقل حظًّا في الاضطلاع بالنشاط الاجتماعي وتحسين الظروف الاجتماعية، وعليه يجب أن يحصل هؤلاء على نصيب أقل من نصيب المجموعة الأولى؛ وذلك لأن تعريف أرسطو للعدالة كالآتي: التعامل مع المتكافئات بشكل متكافئ، ومع غير المتكافئات بشكل غير متكافئ. وعليه لا يكون الأشخاص متكافئين. لماذا؟ لأنهم يختلفون في الفضائل. كيف تتفاوت الفضائل؟ تختلف الفضائل بحسب مساهمتهم ومشاركتهم في النشاطات الاجتماعية. إن الأمر يشبه ما لو ذهبت مجموعة من الصيادين في عرض البحر، وقاموا بتوزيع الأعمال والمهام؛ فمنهم من يعمل على قيادة دفّة السفينة، ومنهم من يعمل على رفع الأشرعة أو إنزالها، ومنهم من يلقي بالشباك في البحر، ومجموعة تعمل على سحبها وإفراغ حمولتها، ومجموعة تقوم بتنظيف الأسماك التي يتمّ صيدها، وباختصار يجب على أفراد هذه المجموعة القيام بمهام متعددة. وليس الأمر كما لو أن هناك بعض أفراد هذه المجموعة لم يقوموا بأيّ مجهود ضمن فريق الصيد، ولم يؤدّوا أيّ دور في هذا النشاط الجماعي، ثم بعد أن يتم صيد الأسماك يطالبون بحصتهم بحجة العدالة في التوزيع المتكافئ. فهل هذا هو العمل الصائب والمعقول، أم الصحيح هو القول بحصول كل شخص من الربح بمقدار مساهمته ونشاطه واكتسابه للفضيلة في هذا النشاط الجماعي؟ هذا هو الرأي الذي ذكره أرسطو بشأن العدل في التوزيع. بيد أننا لو بحثنا الآن في تاريخ التفكير الغربي في خصوص بحث العدل، فسوف نجد مصطلح العدالة التوزيعية[3] شائعًا على نطاق واسع، وقد تمّ تأسيس الكثير من النظريات حول العدل في التوزيع. ولكن هل بذلك المعنى الذي أراده أرسطو؟ لا قطعًا! فقد حدثت فيه تحوّلات تاريخية، وهناك اليوم اختلافات واضحة جدًا بين العدالة التوزيعية بشكلها الراهن والعدالة التوزيعية المذكورة في كلمات أرسطو، وحاليًا لا يوجد أي دور أو حظ للفضيلة فيما يتعلّق باستحقاقات من هذا النوع بحيث تكون منبثقة عن نشاطات ذات الشخص بجهوده الخاصّة. عندما يتم الحديث حاليًا بشأن نظريات العدالة التوزيعية حول محور الرفاه -على سبيل المثال- أو حول محور الضمان الاجتماعي أو رعاية الأشخاص المغمورين في المجتمع، لا يتمّ في هذا التوزيع بلحاظ مقدار ما قام به الأشخاص من الجهود ... فحتى لو كان الشخص قد تقاعس عن ممارسة أيّ عمل أو نشاط بسبب تكاسله وقلّة همّته في القيام بالمهام الاجتماعية، سوف يكون على الرغم من ذلك مشمولًا بقانون الرعاية الاجتماعية أيضًا. فربما كان الشخص مريضًا أو معاقًا، وهناك بعض الأشخاص الذين يعانون من الفقر لأيّ سبب من الأسباب، أو كانوا عاطلين. يقال في هذا الشأن: إن العدالة التوزيعية تقتضي جباية قسم من ثروات المجتمع أو جزء من ثروات الأغنياء من طريق مضاعفة الضرائب عليهم، وتوزيعها بين هؤلاء الفقراء والعاطلين عن العمل. وعليه فإن النظرة الحالية إلى مسألة العدل والعدالة التوزيعية تختلف عن الفهم القديم لهذه المسألة. لماذا حدثت هذه التحولات؟ لقد حدث ذلك بسبب الأحداث والتحوّلات الفكرية التي ظهرت في البلدان الغربية.

السؤال الثاني: ما هي امتدادات مبحث العدالة في الفكر الغربي الحديث؟ وهل يكتسب مفهوم «العدالة» موقعًا محوريًّا أم هامشيًّا في الفلسفة الغربية الحديثة؟
الجواب: إن للفكر الغربي المعاصر بحثًا طويلًا وعريضًا سواء في شكله المتمثّل في الفكر الفلسفي أو في شكله المتمثّل في الفكر الاجتماعي أو في شكله المتمثّل في الفكر الاجتماعي / السياسي. هناك صور متعدّدة في هذا الشأن، وعليه فإننا لا نستطيع أن نطلق حكمًا واحدًا ونقول ـ على سبيل المثال ـ إن بحث العدل يلعب في جميع هذه الحقول من التفكير المعاصر دورًا محوريًا وأساسيًا؛ فليس الأمر كذلك. ففي بعض المجالات تكون للعدالة محورية وتحظى بالرعاية والاهتمام. وفي بعض المجالات الأخرى لا يكون الأمر كذلك. ففي خصوص الفكر السياسي المعاصر في الغرب، والتفكير السياسي والفلسفة السياسية المعاصرة في الغرب، نجد أن الإنصاف والحق في بيان المسألة هو أن مفهوم العدالة بعد تأليف كتاب (نظرية العدالة)[4] لمؤلفه جان رولز، والذي صدر عام 1971م، قد اتخذ طابعًا جديدًا، حيث أدّى هذا الكتاب وفكر جان رولز إلى تحريك المياه الراكدة وتحوّل مسألة العدالة الاجتماعية والتفكير حول مفهوم العدل إلى أهم بحث في المحافل العلمية الخاصة بحقل الفلسفة السياسية وفي حقل فلسفة الأخلاق، بفعل أن ذات العدالة وذات مفهوم العدل بوصفه فضيلة أخلاقية، بل وبوصفه قيمة اجتماعية وقيمة أخلاقية عالية، كانت على الدوام ولا تزال حتى الآن تقع موردًا للتأمّلات النظرية، حيث يتمّ التعرّض إلى بحث بعض المسائل حول العدالة بحسب المصطلح في حقل فلسفة الأخلاق، ويتمّ تأليف بعض الكتب والمقالات في هذا الشأن أيضًا. ويكون التحليل الفلسفي فيها -بطبيعة الحال- حول ذات العدالة ومنشأ قيمة العدالة. ولكن عندما نخرج من هذين الحقلين وندخل في الحقول الأخرى لا تكون المسألة على مثل هذا اللون الصارخ. وفي حقل فلسفة الحقوق هناك بحسب القاعدة أرضية للأبحاث المرتبطة بالعدالة أيضًا. وفي حقل الدراسات السياسية في العلاقات الدولية، كذلك توجد هناك أرضية لهذا البحث أيضًا، إذ على الرغم من أن الغالب حاليًا في حقل الدراسات السياسية هي الآراء البراغماتية الناظرة إلى السلطة والهيمنة، حيث خفّ بريق تلك الأنظمة القيَميّة في حقل العلاقات الدولية إلى حدّ كبير، بمعنى أن الحقيقة هي أن الغلبة في العلاقات الدولية ـ حتى في فضاء التفكير الليبرالي ـ تكون للرؤية المحافظة بالمقارنة مع الفضاء الليبرالي بشكل كبير. ثم إنه حتى في فضاء التفكير الليبرالي على الرغم من طرح بحث الحريات وحقوق الإنسان، وتناول بحث القيَم الليبرالية إلى حدّ ما لأيّ سبب من الأسباب، بيد أن الحقيقة هي أن تلك الأبحاث المرتبطة بالقيَم لا تكون هي الحاكمة عندما يصل الأمر إلى حقل العلاقات الدولية. هناك فضاء براغماتي ومحافظ بشكل كامل وهو يعمل في الغالب على رعاية المصالح الوطنية[5]؛ حيث تقوم كل سلطة بتنظيم علاقاتها الدولية في ضوء المحافظة على مصالحها الوطنية وسلطتها وما إلى ذلك. وعلى كل حال لا يزال هناك متّسع للحديث عن العدل في المحافل الأكاديمية، ولكن من الشطط أن نظنّ أن هذا العدل يمثّل محورًا في جميع الحقول وجميع المجالات الفكرية؛ إذ الأمر في الواقع ليس كذلك أبدًا. وفي الأساس لو أردت أن أتكلّم بشكل أكثر واقعية، يتعيّن عليّ القول بأن العدل في الفضاء الفكري الغربي المعاصر في مختلف الحقول قد سقط عن مكانته التي كان يتمتّع بها في السابق. ففي مرحلة ما كان العدل يمثّل قيمة عامّة في كافة الحقول ويحظى بالرعاية والاهتمام، وأما اليوم فيتمّ طرح وبيان القيَم الخاصة في كل حقل من الحقول. بمعنى أنه فما يتعلق بالمثال الذي ذكرته آنفًا يتمّ بيان القيَم في حقل العلاقات الدولية، وفي حقل الحقوق، وفي مختلف حقول الاقتصاد، وفي الأبعاد المختلفة. ولم يعد الأمر بوصفه التزامًا عامًا تجاه العدل بوصفه نموذجًا ومعيارًا وقاعدة[6] بحيث يسعى الجميع إلى اتخاذها أساسًا لتنظيراتهم واتخاذ قراراتهم وترتيب علاقاتهم الاجتماعية في ضوئها. فالذي يحدث حاليًا في الغرب أنهم حتى إذا أرادوا بيان القيَم في حقل من الحقول، فإن هذه القيَم هي في الغالب قيَم عرفية منبثقة من المصالح أو ما يتمّ تشخيصه بوصفه من الأولويات، وإن هذه المطالب التي تتحول إلى مطالب متحرّكة وغير مستقرّة تتغيّر في الفضاءات المختلفة بحسب تغيّر العرف والعلاقات. فلم يعد الأمر كما كان عليه مفهوم العدل في السابق، حيث يتربّع هذا المفهوم على رأس النظام القيَمي وتسليطه على مختلف الحقول. ومن هنا فإنكم ترون وجود معارضين جدّيين بالنسبة إلى العدالة الاجتماعية في فضاء التفكير الليبرالي بشكل عام؛ ولذلك يتم الفصل في فضاء التفكير الليبرالي بين مفهوم العدل[7] وبين العدالة الاجتماعية[8]. إنهم يؤمنون بالعدل؛ بمعنى أنكم لا تستطيعون العثور في تاريخ الفكر على شخص يصرّح بمخالفته للعدل وموافقته على الظلم، ولكن يمكنكم العثور في فضاء التفكير الليبرالي على الكثير من المفكّرين الذين يخالفون العدالة الاجتماعية[9]. لماذا؟ لأنهم يقولون إنه لو أريد لكل نموذج أو مثال أن يكون ثابتًا ومستقرًّا في العلاقات الاجتماعية تحت مُسمّى العدالة الاجتماعية، فإن الكثير من الأصول الليبرالية سوف تتداعى ولا يبقى لها موضع من الإعراب. فإن هؤلاء المفكّرين الليبراليين من أمثال: فردريك هايك وروبرت نوزك وأضرابهما من المفكّرين الليبراليين البارزين في العصر الراهن على سبيل المثال، يذهبون إلى الاعتقاد بأن نظام التنافس الحر في السوق الرأسمالي هو الذي يضمن تحقق النظام العادل بشكل تلقائي، وإن المضمار إنما هو مضمار تنافس. ولا شك في أن هناك من يربح وهناك من يخسر في مجال التنافس، ولا يحق لنا التدخّل -بذريعة العدالة الاجتماعية- في السوق الحرّ للتنافس الرأسمالي، وأن نضاعف الضرائب على الأشخاص الناجحين والرابحين في مضمار التنافس، ونأخذ من أرصدتهم ونحدّ من فاعليّتهم الاقتصادية، ونأخذ أموالهم ونعمل على إعادة توزيع الثروة[10]، ونعطيها إلى الأشخاص الفاشلين والخاسرين؛ لأن هذا يعدّ سرقة وإجحافًا بحق الأشخاص الناجحين والأثرياء من أفراد المجتمع. إن هذا الأمر يُشبه إلى حدّ كبير أن نقيم مسابقة للجري؛ حيث يفوز بعض المتسابقين ويتقدمون على الآخرين، وتكون الجائزة من حقه، ولكننا مع ذلك نقول: كلا، إن العدل يقتضي العمل على عدم إعطاء الجائزة للشخص الفائز، وإنما يجب توزيعها على جميع المتسابقين بالتساوي! مع أن هذا المضمار إنما هو مضمار تنافسي، ومن طبيعة التنافس أن يتفوّق فيه بعض المتسابقين على الآخرين، دون أن يكون هناك ظلم بحق الخاسرين. وعليه ليس الأمر كما لو أن مسألة العدالة ـ ولا سيّما منها العدالة الاجتماعية ـ تمثل المحور في جميع أبعاد التفكير الغربي المعاصر. أجل، قد تمّ أخذ هذه المسألة في حقل الفلسفة السياسية على نحو جاد، ومنذ ما بعد عصر جان رولز وفي الربع الأخير من القرن العشرين للميلاد، كان البحث الأكثر محورية وجاذبية وجدلية، ويتمّ تأليف الكثير من الكتب بشأنه ويتمّ التحقيق حوله هو بحث العدالة الاجتماعية. وجرى في هذا الشأن تقديم الكثير من الآراء والنظريات من قبل المؤيدين والمعارضين، ولكن ليس الأمر كما لو أن بمقدورك أن تأتي وتقول بأن بحث العدل يُعدّ بحثًا أساسيًا ومحوريًا في جميع الحقول، بما في ذلك الحقل الهرمنيوطيقي والأبستمولوجي والدلالات المعرفية وفلسفة الدين وفلسفة الثقافة وفلسفة العلوم الاجتماعية، بل وحتى في حقل الحقوق والعلاقات الدولية لا يكون الأمر كذلك. بمعنى أنه قلّ بريق هذا البحث بوصفه نموذجًا ومعيارًا وقاعدة[11] عامة وشاملة يتم الاهتمام بها في جميع الموارد.

السؤال الثالث: ما هي سمات العدالة في الأبحاث النظرية في الفكر الغربي حاليًا؟
الجواب: نشاهد في التفكير الغربي تطوّرًا تاريخيًا بالنسبة إلى مسألة العدل. ففي السابق وفي التفكير الغربي التقليدي كان هناك فهم أخلاقي / سياسي عن العدل، أما اليوم فهناك فهم اجتماعي / سياسي تامّ عن العدل، ففي السابق وفي أعمال المفكّرين التقليديين والذين سبق لي أن أشرت من بينهم إلى أفلاطون وأرسطو، وفي الفضاء الفكري الإسلامي يمكنكم النظر إلى مؤلفات الفارابي والمحقق نصير الدين الطوسي، فقد أقام هؤلاء بالإضافة إلى المفكرين الغربيين في الفهم التقليدي ارتباطًا بين العدل والأنظمة السياسية العادلة والنظام السياسي المطلوب وبين الخير والسعادة الفردية، بمعنى أن النظم السياسي والعلاقات الاجتماعية وممارسة الحكم والسلطة وإقامة العدل، إنما كانت بأجمعها مقدّمة من أجل إيصال الإنسان إلى السعادة وتلك الغاية والفضيلة التي يمكنه الوصول إليها. ليكون بعد ذلك واجدًا لتلك الفضيلة والسعادة الفردية. بمعنى أن العدل يجب أن يسود في المجتمع، ولماذا يجب أن تكون العدالة هي السائدة في المجتمع؟ الجواب هو: إنه من طريق العدل يمكن لنا الوصول إلى السعادة. ولماذا يجب أن يقوم هناك نظام سياسي مطلوب؟ لأن الإنسان بمعزل عن المجتمع السياسي، وبمعزل عن المشاركة في المجتمع السياسي، لا يمكنه الوصول إلى سعادته وخيره. بمعنى أنه في التفكير الغربي التقليدي كان هناك ارتباط بين البُعد الأخلاقي المتمثّل بالوصول إلى السعادة والخير والكمال، وبين البُعد السياسي المتمثّل بالنظام السياسي ومسألة استقرار العدالة. بمعنى أن فهم العدل كان مرتبطًا بالفضيلة والسعادة، كما أن فهم الأخلاق بدوره كان كذلك أيضًا. بمعنى أن الأخلاق كان يتمّ بيانها بوصفها ضامنة لتحقيق الخير والسعادة. أي أن الأخلاق مرتبطة بالفضائل الإنسانية؛ وحيث إن الإنسان كائن يتّصف بالفضائل ويمكنه اكتساب الفضائل، نكون إذن بحاجة إلى شيء باسم الأخلاق. بمعنى أن الفضائل الفردية في التفكير التقليدي كانت هي المبرّرة للأخلاق، وهي التي تؤسّس للمباني الأخلاقية والعقلانية الكامنة من ورائها أصلًا. بمعنى أنه حيث يكون الإنسان كائنًا يمكنه الحصول على الفضائل الأخلاقية؛ إذن فهو بحاجة ماسّة إلى الأخلاق، وعليه تكون الأخلاق أمرًا ضروريًا. وهكذا الأمر بالنسبة إلى بحث العدل أيضًا، وحيث إن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى سعادته إلا من طريق النظام السياسي العادل، وإلا من طريق بناء المدينة الفاضلة؛ إذن تكون المدينة الفاضلة أمرًا ضروريًا ولازمًا. إن العدل أمر واجب وضروري، وهذا هو ما يذهب إليه الفهم التقليدي. ولكننا كلّما ابتعدنا عن المرحلة التقليدية واقتربنا من المرحلة الحديثة نشهد -بفعل الأحداث والتحوّلات الواقعة في المرحلة الحديثة- حالة من الانقطاع التدريجي بين الإنسان والفضائل، وتتغيّر النظرة إلى الإنسان؛ بمعنى أن فهم الإنسان الحديث سوف يكون مختلفًا عن فهم الإنسان في المرحلة السابقة؛ ولذلك سوف تكون النظرة إلى مفهوم العدل بدورها مختلفة أيضًا. وهكذا يصبح فهم العدل عبارة عن فهم اجتماعي / سياسي[12] خالص. ولا يعود هناك دور للأخلاق في البين. كما لا تلعب الفضائل الأخرى دورًا في تبرير الأخلاق في المرحلة الحديثة أيضًا. لقد ألّف ماكين تاير كتابًا يحمل عنوان (ما بعد الفضيلة)[13]. يقول هذا الكتاب في بعض مواضعه: إن جميع الجهود التي بذلها المفكرون في تبرير الأخلاق، وجميع محاولاتهم في الدفاع النظري عن الأخلاق قد ذهبت سُدى؛ لأنهم قد تخلّوا عن النظر إلى الإنسان بوصفه شخصًا يتحلّى بالفضائل. عندما تعمل على تجريد الإنسان من الفضيلة، وتكون نظرتك إليه بوصفه شخصًا صاحب حق، كما هو الحال الشائع حاليًا في المرحلة الحديثة حيث يكون الإنسان الحديث في منظار الرؤية الليبرالية عبارة عن كائن صاحب حق. فسوف يقوم كل شيء على أساس هذا المحور. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن النظام السياسي الأفضل هو النظام الذي يستطيع حماية الإنسان ودعمه في الوصول إلى حقوقه الفردية. فما الذي يكون من القيَم الاجتماعية؟ إنها عبارة عن الحقوق والحريات الفردية والملكية؛ وذلك أنك إذا ألغيت الفضائل، كيف يكون بمقدورك العمل بعد ذلك على تبرير الحياة الأخلاقية؟ لماذا يجب عليك أن تكون كائنًا أخلاقيًا؟ ولماذا يتعيّن عليك أن تلتزم بالقضايا الأخلاقية. إذا لم يكن هناك ارتباط بين الإنسان والفضائل، لا يكون تبرير الأخلاق أمرًا ممكنًا.

بمعنى أن الأخلاق تصبح بلا دعامة؛ وذلك لأن معرفة الانسان أضحت غير واقعية. إن العدالة التي يتحدّث عنها التفكير الغربي المعاصر أو الفكر الحديث، إنما هي نتيجة تلك التحوّلات الفكرية التي حدثت في الغرب. إن هذه التحوّلات الفكرية وجهت مفهوم العدالة من الناحية العملية إلى ناحية محدّدة تختلف عمّا كانت عليه في السابق. ولو أردت الإشارة باختصار فإن المرحلة المعاصرة قد شهدت وقائع بحث ميّزت الإنسان الحديث من الإنسان ما قبل الحديث في وجوه مختلفة. إن الإنسان ما قبل الحداثة كان إنسانًا يُعدّ الالتزام الديني بالنسبة إليه في غاية الأهمية. وكانت تقوى الروح بالنسبة إليه في غاية الأهمية. وكان ينظر بسلبية إلى الحياة الدنيوية والاستغراق في الحياة الدنيا والمبالغة في الاستمتاع وطلب اللذة، وقد كان يتّجه في الغالب نحو الآخرة وتعالي الروح وتقوى النفس، كان يعتبر النشاط الاقتصادي الذي يتجاوز حدود الحاجة مضمونًا، وكانت له مثل هذه الرؤية الخاصّة. إن هذه الرؤية قد تغيّرت في المرحلة الحديثة. وحصل الفرد على مركزيّة، واكتسبت حقوق الفرد محورية. وتحليل هذا الأمر يستغرق وقتًا طويلًا جدًا. فما الذي حدث حتى أصبح الفرد مهمًا، وأصبحت العقود مهمّة، واكتسبت الحقوق أهمية؟ إن لهذه الأمور جذورًا مختلفة. ولها جذور فكرية وجذور اقتصادية. ولنذكر مثالًا على ذلك قد لا يخطر على أذهان الكثيرين، ولكن عندما ظهرت الحركة البروتستانتية على أساس ثورة الإصلاح الديني، واتفق هذا التيار البروتستانتي مع النظام الرأسمالي إلى حدّ كبير؛ بحيث أصبحت البروتستانتية وكأنها تمثّل الفلسفة الدينية للرأسمالية.

وبعد ذلك وقعت الثورة الصناعية. واتسعت دائرة الإنتاج الاقتصادي على نطاق واسع، وبالتالي فقد حدث نموّ اقتصادي، وبذلك صار هناك إقبال نحو الدنيا، واستثمار للطبيعة، وإقبال نحو المزيد من إنتاج الثروة. وبعد الثورة الصناعية ازدهرت صناعة الآلات والأدوات وارتفعت وتيرة الإنتاج. إن هذه الحاجة إلى هذا الأمر قد نشأت من أنهم قد عملوا على مراكمة الثروة. إن تراكم الإنتاج قد اقتضى بأن يقوم هؤلاء بإنشاء عقود مع بلدان أخرى من أجل بيع وتصدير منتجاتهم. وأصبحت هذه العقود مهمّة. واكتسب الأشخاص أهمية. وأصبحت حقوقهم مهمة. في ضوء الاهتمام والالتزام بهذه العقود حصل الأفراد على أهمية وأصبحت عقودهم مهمة، وأضحت عهودهم مهمة، وصارت صيانة هذه العقود مستلزمة لصيانة الأشخاص المنتجين والمستهلكين. وبالتدريج ظهرت هذه العقود واحترام الفرد في الفضاء السياسي. وأصبحت العقود الاجتماعية مهمة، كما أصبحت العقود السياسية مهمة، واكتسب الأشخاص أهمية، وأضحت حقوقهم مهمّة. إن هذه الحقوق الثابتة للأفراد لم تعد تقتصر على الفضاء الاقتصادي فقط، وإنما اكتسبت أهمية في الفضاء السياسي وفي الفضاء الاجتماعي أيضًا. وتبلورت الفردانية على نحو أكبر. وفي قبال طغاة ما قبل الحداثة حيث كان الدين مهمًا، كانت النزعة الأخروية مهمّة أيضًا. وهنا أصبح الفرد مهمًا واكتسبت مطالب الفرد ورغباته أهمية، وأضحت مصالح الفرد مهمّة. وبعدها حيث نمضي قدمًا إلى الأمام تتغيّر النظرة إلى الفقر. بمعنى أنه حيث أصبح الأشخاص مهمّين، فقد أصبح فقر الأشخاص بدوره مهمًا أيضًا. واكتسبت المساواة الذاتية بين الأفراد ترجمة أخلاقية، بمعنى أن المساواة بين الأفراد أصبحت مهمة من الناحية القيَميّة والأخلاقية أيضًا، وحيث أصبحت المساواة بين الأفراد مهمة من الناحية القيَميّة والأخلاقية، فقد أصبحت حماية الأفراد مهمّة أيضًا، وبعد ذلك فإن الشرخ الاجتماعي الذي تسبّبت به الثورة الصناعية وأدّى إلى ازدهار الرأسمالية، زاد من خطر طغيان الطبقة العمالية والطبقة الفقيرة ضدّ الأغنياء. وحيث وُجد هذا الشرخ الطبقي أدّى الخوف من التحوّل والثورة الاجتماعية بهم إلى الاتجاه نحو الضمان الاجتماعي. وأنه يتّجهوا إلى التوزيع العادل، ولم تعد هناك أهمية لما إذا كان الشخص يتصف بالفضائل أم لا. وإنما يكفي أن يكون الشخص فقيرًا ليكون مهمًا. ولأجل أن لا يتّسع هذا الشرخ الاجتماعي، ولكي لا يؤدّي إلى الطغيان الاجتماعي، فقد أدّى وقوع هذه الأحداث إلى تغيير النظرة نحو العدل، وأضحت العدالة في التوزيع مهمّة، وأصبحت الدولة التي تنشر الرفاه مهمة. بل حدث تحوّل حتى في الليبرالية ذاتها أيضًا؛ بمعنى أن الليبرالية التقليدية قد أخلَت مكانها لصالح الليبرالية الحديثة؛ لتطالب الليبرالية الحديثة بإقامة الدولة التي تنشر الرفاه. وعلى هذا الأساس فقد أدّت سلسلة من التحوّلات الدينية والصناعية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية إلى تبلور العدالة المعاصرة في إطار العدالة في التوزيع، وشاعت نظريات العدالة التوزيعية لتصبح مطروحة ومألوفة في الفضاء الفكري الليبرالي. في حين لم تكن هذه الأبحاث مطروحة في فضاء الفكر الليبرالي التقليدي أبدًا. هذه تحوّلات فكرية، حيث أدّت التحوّلات الاجتماعية والسياسية شيئًا فشيئًا إلى إيصال هذا المفهوم من العدالة إلى هنا.

السؤال الرابع: ما هي المصادر التي يعتمدها الفكر الغربي المعاصر في تحديد مفهوم العدالة الاجتماعية ومصداقها؟
الجواب: فيما يتعلّق بموقع العدل والرؤية إلى العدالة في الفكر الغربي المعاصر، لا بدّ من الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أننا نواجه تعدّدية جادّة للغاية. تعدّد في الآراء والأفكار. هناك لدينا في حقل العدالة الاجتماعية معارضين جادّين -كما سبق أن ذكرت- فإن هناك إنكار في الأساس لأيّ فهم للعدالة الاجتماعية. إنهم يخالفون هذا الأمر بوضوح، ويوجد هناك بالمناسبة تيار مقولب باسم اليمين الجديد أو الليبراليين الجدد، وأصحاب النزعة الاختيارية الذين هم في الواقع إصدار جديد ونسخة منقحة عن الليبرالية التقليدية. إن هؤلاء يخالفون بحث العدالة الاجتماعية بشدّة، وأريد هنا تسمية بعض الدول والحكومات شديدة القرب من هذه الرؤية، وهي دولة رونالد ريغن في الولايات المتحدة الأمريكية ودولة مارغريت تاتشر في المملكة البريطانية المتحدة، حيث تمثّلان رمز الليبرالية ولا تبديان أيّ اهتمام بالعدالة الاجتماعية، أو أيّ تنظير حول العدالة الاجتماعية. وإلى جوار ذلك لدينا في هذه الناحية مجموعة من الأشخاص الذين يتحدّثون عن العدالة عبر الأجيال. ليست العدالة للجيل الراهن فحسب، بل وللأجيال القادمة أيضًا. أو يتحدّثون عن العدالة العالمية[14]. إن هؤلاء يمثّلون بضعة أشخاص، وليسوا من الكثرة بحيث يشكّلون تيارًا واسعًا وعريضًا في الفكر الغربي المعاصر، فلدينا من المخالفين الجادّين للعدالة الاجتماعية وصولًا إلى الطرف الآخر من الطيف الذي يدعو إلى العدالة العالمية أو العدالة بين الأجيال. وعليه فإن الآراء مختلفة جدًا. وحتى في ذات العدالة الاجتماعية نواجه كثرة في الآراء أيضًا. وإن من بين الأسباب الجادّة في هذه التعددية، هو السؤال عن ماهية مبنى ومعيار العدالة أصلًا؟ هناك من يربط العدل بالحاجة، ويقول إن العدالة إنما تكون مطلوبة لتلبية الاحتياجات الأساسية[15]. ولكن هناك من لا يبدي أيّ اهتمام بالحاجة أبدًا، وإنما يربط مسألة العدل بالرفاه والتكافؤ. وهناك من يربطها بمسألة المساواة،[16] والتوزيع المتساوي. وعمّا إذا كانت هذه المساواة هي في حدّ ذاتها من نوع المساواة البسيطة أو المعقدة، يوجد هناك أبحاث كثيرة. حيث هناك من يؤكد على بحث الاستحقاق ويقول إن مبنى العدل هو أن يتمّ توزيع الإمكانات بحسب قابلية الأشخاص وكفاءتهم. وهناك من يقول إن توزيع الإمكانات يجب أن يكون بحسب استحقاق الأفراد. بمعنى أنهم يفصلون بين الاستحقاق[17] وبين الكفاءة[18]. وهذا في حدّ ذاته يمثّل تعدّدًا في الآراء. بل أقول أكثر من ذلك، فإننا نشاهد حتى بين هؤلاء الذين يطالبون بالمساواة والذين يؤكّدون على مسألة أصل المساواة بوصفها أساسًا للعدالة، هناك تعدد في الآراء أيضًا. من ذلك -على سبيل المثال- أن لدينا مجموعتين من المطالبين بالمساواة؛ فهناك من دعاة المساواة من ينظر في ذلك إلى الحظ، وهؤلاء يقولون إنّه إذا كان منشأ عدم المساواة هو حُسن الحظ وسوء الحظ، فيجب العمل على جبران هذا النوع من عدم المساواة بشكل وآخر، وإن العدل يقتضي جبران ذلك بنحو من الأنحاء. وأما إذا لم يكن لعدم المساوة أيّ صلة بحُسن الحظ وسوء الحظ، وإنما كان يعود سببه إلى سوء تدبير الفرد، فلا يوجد هنالك أيّ إشكال في عدم المساواة في هذا المورد. من ذلك -على سبيل المثال- أن هناك عددًا من الأشخاص في المجتمع لا يحصلون إلا على القليل من المنافع؛ وذلك لأنهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن عمل. وينفقون أكثر أموالهم على الملذّات الشخصية. ويقضون أغلب أوقاتهم بالبطالة. وهناك في المقابل أشخاص يكدحون في العمل في الصباح وفي المساء ويدّخرون أموالهم، ولا ينفقونها في اللهو واللعب والملذّات إلا في الحدود المعقولة، لكي يتمكّنوا من استثمارها في ما يعود عليهم بربح أكبر. وعليه نقول إن وضع هؤلاء قد تحسّن كثيرًا، بينما أصبح وضع أولئك سيئًا. فهل يعدّ هذا مخالفًا للعدل؟ ويجب أن نأخذ من أموال هؤلاء الكادحين ونعطيها لأولئك المتقاعسين؟! يقول هؤلاء: لا، فإن هؤلاء قد اختاروا لأنفسهم هذا النوع من الحياة بسوء اختيارهم؛ الأمر الذي أدى بهم إلى المزيد من الفقر يومًا بعد يوم. بينما اختار هؤلاء بحسن تدبيرهم نمطًا آخر من الحياة بحيث يعملون في كل يوم على تحسين أوضاعهم الاقتصادية بشكل أفضل من ذي قبل؛ ولذلك ليس من العدل أن نأخذ من أموال هؤلاء ونعطيها لأولئك. وأما بالنسبة إلى الأحداث والكوارث الطبيعية من قبيل الفيضانات والزلازل والبراكين، فإنها قد تحدث في بعض المناطق ولا تقع في بعض المناطق الأخرى، وفي ذلك لا تكون هناك مساواة ويحدث التبعيض، فهل يمكن لنا من خلال أخذ الضرائب من المناطق غير المنكوبة ونقلها لمساعدة الناس في المناطق المنكوبة، ونعمل بذلك على جبران الأضرار هناك؟ يقولون: أجل، وذلك لأن حُسن أوضاع هؤلاء وسوء وضع أولئك لم يكن باختيارهم، وإنما كان ناشئًا من حسن حظ هؤلاء وسوء حظ أولئك. هذا رأي، وهناك في المقابل رأي آخر بين هؤلاء الذين يطالبون بالمساواة لا ربط له أصلًا بحسن الحظ وسوء الحظ إطلاقًا، من أمثال جان رولز الذي يدعو إلى المساواة النسبية[19]؛ إذ يقولون إن عدم المساواة لا يكون مخالفًا للعدل دائمًا، بل قد يكون عدم المساواة في بعض الحالات عدلًا. وذلك عندما يكون عدم المساواة بحيث ينتهي لمصلحة الأشخاص من ذوي الدخل المحدود مثلًا، وأما إذا لم يكن لمصلحتهم، فسوف يكون عدم المساواة غير عادل. كأن يقوم مصرف -على سبيل المثال- بإقراض المستثمرين قرضًا كبيرًا، ولا يعطي الأشخاص العاديين إلا قرضًا قليلًا. فقد يقول شخص إن هذا غير عادل؛ إذ كيف نعطي هذا الشخص مئة ألف دينار، بينما نعطي لهذا الشخص الآخر ألف دينار فقط؟! إن هذا ليس من العدل في شيء. بيد أن جان رولز لا يرتضي هذا الكلام ويقول بالتفصيل بين موارد المساواة التي تنطوي على ظلم والموارد الأخرى التي لا تنطوي على ظلم. فهو يقول: لو أننا أعطينا هذه القروض غير المتساوية بحيث يعمل الذي أخذ القرض الأكبر على استثماره في إنتاج الأعمال وخلق فرص للعمل ورفع مستوى الإنتاج، بحيث يتمكّن ذوو الدخل المحدود في المجتمع من الحصول على بضائع رخيصة، ويكون ذلك مفيدًا لهم أيضًا. في حين لو أعطينا غير المستثمرين ذات المقدار من القرض لينفقوه على مصالحهم الشخصية، فلن يكون في ذلك عدل، وإنما ينبغي هنا إعطاؤهم قرضًا أقل. وأما إذا كان كلا الشخصين يروم إنفاق القرض على مصالحه الشخصية، ففي مثل هذا المورد بالتحديد تنطوي المحاباة على ظلم، وسوف يكون من غير العدل عدم المساواة في القرض وإعطاء هذا قرضًا كبيرًا وهذا الآخر قرضًا قليلًا. وعليه فإن المعيار هو أن يكون مفيدًا أو لا يكون مفيدًا بالنسبة إلى الأفرد من ذوي الدخل القليل. ومن هنا ليس هناك رأي واحد ومبنى واحد حتى بين هؤلاء المفكّرين الذين يطالبون بالمساواة. وعليه فإننا نواجه في التفكير الغربي المعاصر فيما يتعلّق ببحث العدل مروحة واسعة من التكثّر والتعدد في الآراء والأفكار. إن تلك الرؤية الشمولية والنظرة إلى العدالة العالمية تعدّ من النظريات المطروحة هنا، كما أن العدالة بين الأجيال هي الأخرى واحدة من النظريات المطروحة في هذا المجال، حيث تبدأ الآراء من الأشد إنكارًا للعدالة الاجتماعية إلى القول بتعميم العدالة على جميع ربوع الكرة الأرضية وعلى مستوى العالم أجمع. بيد أن الذي أريد قوله هنا هو أن التعددية غير النسبية. فإن النسبية شيء والتعددية الفكرية شيء آخر. إن الموجود في العدل هو التعددية، ولا وجود للنسبية في البين. هذا رأي وذاك رأي آخر، وهذا موافق وهذا مخالف. وهكذا يمكن لنا رسم المشهد والصورة بحيث يكون لكل واحد من هؤلاء المفكرين مبناه ورؤيته الخاصة. فحتى الأشخاص الذين يدعون إلى المساواة هم من الناحية الموضوعية متكثّرين ومتعدّدين؛ فمنهم من يدعو إلى المساواة في الفرَص، ومنهم من يدعو إلى المساواة في توزيع الإمكانات والمصالح، ومنهم من يدعو إلى المساواة في الرفاه. كما أن ذات المساواة لا يتمّ فهمها بشكل واحد حتى من الناحية الموضوعية.
السؤال الخامس: ما هي فروع البحث في موضوع العدالة في الفكر الإسلامي؟ وهل يمتلك الفكر الإسلامي الحديث أدوات نقد الفكر الغربي في موضوع العدالة؟

إن الفكر الغربي المعاصر في حقل العدل، يتم طرحه غالبًا داخل التراث الفكري الليبرالي. بمعنى أن الكثير من نظريات العدل في التوزيع في البين موجودة ضمن تراث الليبرالية. وأنتم تدركون -بطبيعة الحال- أن ذات التراث الليبرالي قد شهد بعض التحوّلات، بمعنى أن الليبرالية التقليدية واليبرالية الحديثة، وذات تفكير جان رولز ونظرياته في بحث العدل تمثّل بدورها نوعًا من القراءة الليبرالية أيضًا. أي أنها قراءة عن الليبرالية لها من يخالفها على كل حال. وعليه فإن مفهوم العدل لدى الغرب المعاصر يتمّ طرحه وبيانه ضمن إطار الليبرالية. وبطبيعة الحال لو أردنا أن ننظر من الزاوية الإسلامية، فإن الإشكالات التي ترد على نواقص ونقاط ضعف الليبرالية بمجموعها من وجه نظر الإسلام، تتجه إلى هذه النظريات أيضًا؛ وذلك لأن الليبرالية تمثّل إطارًا لهذه النظريات. وهذا الكلام يرد على نحو عام. ولكن علينا الاعتراف والقول: هل عملنا بوصفنا من المفكّرين المسلمين على التنظير في بحث العدل والعدالة الاجتماعية، وهل قدّمنا في هذا الشأن نظرية منقّحة وذات إطار ومبنى أم لا؟ الحقيقة هي أن المفكّرين عندنا سواء في الحقل الفقهي أو في الحقل الفلسفي لم يقوموا بما هو مناسب في بحث العدل والعدالة الاجتماعية وبما يتناسب مع شعائرنا الدينية وتأكيدات القرآن الكريم والسنة المطهّرة وسيرة الأئمة الأطهار وأولياء الدين. لقد بيّن الله سبحانه وتعالى الفلسفة والحكمة والثمرة الاجتماعية للوحي وإرسال الرُسل في الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد، إذ يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[20]. بمعنى أن إرسال الرسل وإنزال الوحي يشتمل على مجموعة من الأهداف الفردية. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[21] هذه هي الأهداف والآثار والفوائد الفردية التي تترتّب على نزول الوحي. ولكن عندما يروم بيان الأهداف والغايات الاجتماعية لنزول الوحي وإرسال الرُسُل فإنه يقول: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾؛ وعليه فإن الدين الذي تكون الغاية الاجتماعية من أبرز أهدافه، يرى أن الهدف من الوحي وإرسال الرُسُل هو إقامة القسط في المجتمع، ويعتبر إقامة القسط جزءًا لا ينفك عن إقامة الدين؛ لأن أقامة الدين بوصفه هدفًا أصليًا حيث ينطوي على بُعد فردي وبُعد اجتماعي أيضًا. فحيث يتم الحديث عن البُعد الاجتماعي، فهل نقوم بالتنظير والبحث العلمي بما يتناسب معه؟ الحقيقة هي أننا لم نقم بذلك. نحن في حقل التفكير الفلسفي الإسلامي إذا أردنا أن نحكم بشكل واضح ـ حيث تمّت الإشارة إلى ذلك في كتاب «بازانديشي عدالت اجتماعي» أيضًا ـ فقد كانت أبحاثنا تصبّ غالبًا في تحليل العدل وبيان مفهوم العدل، ومنشأ قيمة العدل. وأما فيما يتعلق بمسألة كيفية العدل وكيفية بسط العدل، وتأسيس النماذج والأمثلة من أجل تغيير العلاقات الاجتماعية، وجعل هذه العلاقات الاجتماعية عادلة في حقل التعليم والاقتصاد والسياسة، وفي سائر أبعاد الحياة الاجتماعية، فإننا لم نقم بالكثير من التنظيرات المناسبة. وفي الفقه لو أننا بحثنا حول العدل، فقد اقتصر بحثنا على حدود قاعدة نفي الظلم، أو قاعدة العدل والإنصاف، في مسار الاستنباط فقط، وأما في المستوى الاجتماعي العام فلم نقم بما يمكن أن يذكر من الأبحاث، أو كان البحث في هذا الشأن قليلًا جدًا، حيث هناك اقتصار على بعض الإشارات دون أن تكون هناك تغطية علمية شاملة. ففي الفقه -على سبيل المثال- وفي الأصول، وفي أبواب الفقه والأصول، نجد أن التيار الفقهي لدينا يعمل على الإنتاج والبحث. ولكن هل كان هناك في بحث العدل تغطية علمية رسمية في المحافل العلمية في الحوزات وفي جامعات العالم الإسلامي، بحيث يقوم بعض المفكرين الإسلاميين بتغطية هذا البحث تغطية علمية قويّة وجادّة في هذا الشأن، والعمل على التنظير حوله باستمرار؟ لم يتحقّق مثل هذا الأمر بهذا الشكل. وعليه ففي الجانب السلبي والبُعد النقدي بالنسبة إلى ما هو موجود في فضاء التفكير الغربي حول العدل، لدينا أرضيات للعمل والنشاط، ويمكن لنا أن نقوم ببعض النقاشات والأبحاث، وأن نوجّه بعض الانتقادات. ولكن هناك تقصير وقصور في الناحية الإيجابية وتقديم النظريات في هذا الحقل، وكلّي أمل في أن يتم تدارك النقص في هذا الشأن، وأن يتمّ العمل في هذا الفضاء. وعلى المستوى الشخصي حيث أعمل منذ سنوات في مجال بحث العدل أرى أن من بين أهم دوافعي هو العمل على فتح الآفاق، وأن أقوم في الواقع في إنشاء حوار وخطاب نخبوي، ليتم بحث العدل في المحافل العلمية بجدية أكبر، وقد شرعت مؤخرًا بإلقاء درس في موضوع بحث العدالة، حيث أعمل فيه غالبًا على توجيه الخطاب إلى المجتمع العلمي وشريحة النخبة من المفكّرين في فضاء هذه الأبحاث، كيما يطّلعوا على هذه الموضوعات؛ حيث هو بحث شائق ومهم وأساسي، ويُعدّ في الوقت نفسه من أركان الفكر الاجتماعي الإسلامي أيضًا، وإن جميع الآيات القرآنية والروايات والسيرة العملية لأوليائنا إنما كانت تصبّ في بحث العدل.
إننا نخرج في الفقه أحيانًا من رواية أو من آية بمنظومة فكرية أو مجموعة من الاستنباطات والاستنتاجات، ونصل في الواقع إلى بلورة المضامين الفقهية والحقوقية والمقترحات الخاصّة بالعلاقات الاجتماعية. وهكذا كما ترون فإن فقهاءنا يقومون بكل هذه الأبحاث في حقل الاستصحاب انطلاقًا من حديث واحد يقول: «لا تنقض اليقين بالشك». وما أكثر وأوسع الأبواب في الأبحاث العلمية المنعقدة حول رواية واحدة، كما ترون ذلك في فقه المعاملات، كما في الحديث القائل: «المؤمنون عند شروطهم» أو قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[22]، حيث يتم الانطلاق من مقطع لآية أو رواية لتكون مادة لكل هذه الأبحاث والتحقيقات العلمية وتفريع الفروع وتأسيس المفاهيم الفقهية والحقوقية، وإخضاعها للبحث والتحليل، وبذلك يتمّ افتتاح فضاء للبحث والتفكير.
في الختام نقدم للقارئ أهم الأفكار الواردة في هذا الحوار:

العدالة في الفكر القديم
• في الفكر اليوناني القديم، برز تياران؛ السوفسطائيون الذين أنكروا القيم والمعرفة، وفلاسفة أمثال أفلاطون وأرسطو الذين رأوا العدل كقيمة وفضيلة.
• أفلاطون العدل يتحقق بالحكماء الذين شاهدوا الخير المطلق، وهم الأحق بقيادة المجتمع.
• أرسطو قسّم العدل إلى توزيعي وعقابي، واعتبر أن العدالة التوزيعية تقوم على الفضيلة والاستحقاق.


تحولات مفهوم العدالة في الفكر الغربي الحديث
• مع العصر الحديث، فقدت العدالة موقعها المركزي وأصبحت مرتبطة بالحقوق الفردية بدلًا من الفضائل.
• كتاب «نظرية العدالة» لجون رولز (1971) أعاد إحياء البحث في العدالة الاجتماعية.
• تراجع مفهوم العدالة كمفهوم أخلاقي شامل، وأصبح محكومًا بالنفعية والمصالح القومية، خاصة في العلاقات الدولية.

العدالة الاجتماعية والليبرالية
• الفكر الليبرالي ينقسم إلى:
◦ من يؤيد العدالة الاجتماعية أمثال رولز،
◦ من يعارضها بشدة مثل هايك ونوزك الذين يرفضون التدخل في السوق باسم العدالة.

• العدالة الاجتماعية تهدد، وفقًا لهم، مبادئ الحرية الفردية والمنافسة الحرة.
تعدد الآراء حول العدالة في الغرب المعاصر

• لا وجود لرؤية واحدة حول العدالة؛ هناك تباين كبير:
◦ عدالة مبنية على الحاجة،
◦ عدالة مبنية على الاستحقاق أو الكفاءة،
◦ عدالة تهتم بالحظ وسوء الحظ (نظريات المساواة التعويضية)،
◦ مساواة مطلقة أو مساواة مشروطة بالنتائج المفيدة كما عند رولز.

العدالة في الفكر الإسلامي
• النصوص الإسلامية تربط بين الدين وإقامة القسط (العدالة)،
• الفكر الإسلامي إلى الآن لم يقدم بعد نظرية متكاملة للعدالة الاجتماعية رغم غنى النصوص،
• النقد موجود للفكر الغربي، لكن التنظير الإسلامي لا يزال ناقصًا،
• توجد محاولات حالية، لخلق خطاب نخبوي حول العدالة في الفضاء العلمي الإسلامي.

----------------------------------------------
[1]. distributive justice
[2]. retributive justice
[3]. distributive justice
[4]. A theory of justice
[5]. national interest
[6]. norm
[7]. justice
[8]. social justice
[9]. social justice
[10]. redistribution of wealth
[11]. norm
[12]. socio-political
[13]. after virtue
[14]. global social justice
[15]. basic needs
[16]. equality
[17]. dissert
[18]. merit
[19]. relative
[20]. الحديد: 35.
[21]. البقرة: 151؛ آل عمران: 164؛ الجمعة: 2.
[22]. المائدة: 1.