البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب: كتاب المذاهب الأخلاقية: دراسةٌ ونقد

الباحث :  إدارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  40
السنة :  خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث :  47
تحميل  ( 549.140 KB )
معلومات النشر:
اسم الكتاب: المذاهب الأخلاقيّة: دراسةٌ ونقد
الكاتب: آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي
ترجمة: حيدر الحيدري
دار النشر: مؤسسة الخُلُق العظيم
مكان النشر: العراق
زمان النشر: 2021
عدد الصفحات: 430

مباحث تمهيدية
أهم التصنيفات المطروحة منذ القديم للمدارس الأخلاقية:

1. التصنيف التاريخي
2. التصنيف على اساس نظريات الأخلاق المعيارية
3. التصنيف على أساس الواقعية واللاواقعية
أما بالنسبة إلى التصنيف التاريخي، فلقد نظَرَ بعض المؤلِّفين، في تناولهم للمذاهب الأخلاقيّة، إلى تواليها الزمني وتعاقبها التاريخي، فجرَتْ سيرتهم على البدء بنظريّة سقراط الأخلاقيّة؛ ليتدرّجوا بعدها في مناقشة نظريّات أفلاطون وأرسطو، وباقي تلامذة سقراط وأتباعه. ثم الأخلاق المسيحيّة، وكبار مفكّري القرون الوسطى؛ لينتهوا إلى دراسة نظريّات العصر الحديث.
وفَضْل التصنيف التاريخي للأخلاق على غيره، هو أنّه يزوّدنا بمعلومات لا بأس بها عن النظريّات الأخلاقيّة المتنوّعة والمتعدّدة، وكذا إلى حَدٍّ ما وإنْ على نحو التَّبَع والعَرَض عن حِكَم ظهور النظريّات الأخلاقيّة المختلفة وعِللها، وأحيانًا المتناقضة، لدى مفكّري الغرب. لكنه، في الوقت ذاته، يشكو عيبَين: الأوّل هو أنّ دراستنا للنظريّات الأخلاقيّة وفقًا لترتيب ظهورها الزمني سيُلزِمنا، في كثير من الأحيان، بتكرار المباحث.

والعيب الثاني هو أنّ منشأ اختلاف المذاهب الأخلاقيّة وتشتّتها والسبب الرئيس في تعدّدها وكثرتها لا يتجلّى لنا بوضوح عبر التصنيف التاريخي؛ فلا يتّضح تمامًا على سبيل المثال مكمَن الاختلاف والتباين الأساسي بين مذهب السعادة ومذهب العقد الاجتماعي، أو بين مذهب القوة ونظريّة الأمر الإلهي.

وأما التصنيف على أساس نظريات الأخلاق المعيارية، فبالإمكان تصنيف البحوث المختلفة التي يتسنّى إجراؤها، أو التي أُجريَت من قِبل كثيرمن المفكرين في حقل الأخلاق والنظريّات الخاصّة بها، إلى ثلاث مجاميع:

1. البحوث الوصفية
يعمَد هذا النوع من البحث، كما يبدو من التسمية، إلى توصيف أخلاق الفرد والجماعات والمجتمعات والإخبار عنها، مستعينًا بالأُسلوبين النقلي والتجريبي، لا هدف له من ذلك إلّا معرفة طبيعة السلوك والخلُق الذي يتبنّاه فرد معيّن أو جماعة بعينها، متجنّبًا كلّ تقويم، ومبتعدًا عن أيّ بحث حول صحّة أو خطأ الأحكام والمعايير الخلُقيّة. ومن الجلي أنّ هذا النمط من البحث لا يندرج ضمن دائرة اهتمامنا؛ إذ لسنا في هذا الكتاب في صدد مجرّد التعرُّ ف على ما في الغرب من أخلاق ومذاهب أخلاقيّة، بل نبغي مضافًا إلى التعرّف تقصّي نقائص هذه المذاهب وتفحّص عيوبها، قبل أن نطرح الرأي المعقول الذي يمكن الدفاع عنه.

2. البحوث ما وراء الأخلاقية
يعمل هذا النمط من البحث، بطريق عقلي وفلسفي، على تحليل وبيان المفاهيم والأحكام الأخلاقيّة من منطلقاتِ علم الدلالة، وعلم الوجود، ونظريّة المعرفة مناقشًا، ضمن هذه المجالات، نظريّات أخلاقيّة شتّى.

3. البحوث المعيارية
في هذا النوع من البحث الأخلاقي نفتّش في الحقيقة عن معيار يحدّد حُسن أفعال الإنسان الاختياريّة وقُبح؛ والغاية الرئيسة من البحوث المعياريّة، أو الأمريّة، في حقل الأخلاق هي في الحقيقة إرشاد الناس في قراراتهم والأحكام المتصلة بأفعالهم الاختياريّة في ظروف معيّنة.

وتوضيح ذلك هو أنّنا نواجه، في كلّ وضع نجد أنفسنا فيه، التساؤلَ التالي: ما الذي يصحّ أخلاقيًّا أن نفعله؟ أو نجد أنفسنا مضطرّين للإجابة على السؤال القائل: ما الذي يجب فعله عند التناقضات الأخلاقيّة؟ والإجابة عن مثل هذه التساؤلات هي من مسؤولية الأخلاق المعياريّة والبحوث المعياريّة والأمريّة.
ولقد قسّموا النظريات والمذاهب الأخلاقيّة، انطلاقًا مما تطرحه من معايير لتمييز الحسَن من القبيح والصحيح من الخطأ، إلى قسمين عامَّين: النظريّات الغائيّة، ونظريّات الواجب.

أولًا: النظريات الغائية
الميزان في صحّة أو خطأ سلوكٍ ما، أو في وجوبه أو عدمه، وفقًا للنظريّات الغائيّة، يتمثّل في ما ينجُم عن هذا السلوك من القيم الخارجيّة الواقعة خارج حيّز الأخلاق.

على أنّ الغائيّين اختلفوا حول أنّه ما هي الغاية المطلوبة من الفعل الخلُقي؟ وأنّهما هي الغاية التي نريد التوصّل إليها من هذا الفعل؟ فذهب بعضهم إلى أنّ اللذّة هي غاية السلوك الأخلاقي، واختار قوم القوّة هدفًا له، وجعل آخرون الكمالَ غايةَ غايات هذا السلوك، وهكذا... فقد طُرحَت في هذا الباب رؤى أُخرى أيضًا.

ثانيًا: نظريات الواجب
يُسمّى القسم الثاني من نظريّات الأخلاق المعياريّة نظريّات الواجب؛ وهي تُطلق كما يتّضح من التسمية على النظريّات التي ترى معيار الفعل الخلُقي، وحُسن أفعال الإنسان الاختيارية وقبحها، في اتّساقها وانسجامها مع الواجب المُلزَم به أو عدمه.
وفي تقسيم من نوعٍ آخر تنقسم نظريّات الواجب بدورها إلى طائفتين هما: نظريّات واجب الفعل، ونظريّات واجب القاعدة. ويسعى دعاة نظريّة واجب الفعل إلى تحديد الواجب الأخلاقي للإنسان في كلّ أمرٍ جزئيٍّ وخاصٍّ بينما يؤمن أصحاب نظريّة واجب القاعدة بأنّ لدينا قواعد ومعايير تحدّد لنا الصواب والخطأ.

وأما التصنيف على اساس الواقعية واللاواقعية، وتوضيحه هو أنّه ثمّة آراء متعدّدة طرحها فلاسفة الأخلاق بخصوص حقيقة الجمل الأخلاقيّة؛ فذهب بعضهم إلى كون الأحكام والجمل الأخلاقية من جنس الجمل الإنشائية، وأنّها لا تحكي أيّ حقيقة خارجية. وآمن آخرون في المقابل بأنّ الجمل الأخلاقية هي من صنف الجمل الخبريّة، وأنّها تتحدّث عن عالم الحقيقة. ومما لا شكَّ فيه أنّه لا يسعنا العثور على مذهب لا يقع ضمن أحد هاتين الطائفتين.
ولهذا التصنيف مزايا جمّة، أوّلها أنّنا جعلنا معيار التقسيم أحدَ أهمّ المسائل الأخلاقيّة وأكثرها حسمًا، ألا وهي الواقعية. وثانيها هو أنّنا إذا أنعمنا النظر نجد أنّ أهمّ وأكثر العوامل التأسيسية في صياغة المذاهب الأخلاقيّة في حقل فلسفة الأخلاق يعود تحديدًا إلى هذه المسألة؛ بمعنى أنّ غياب المعرفة الدقيقة للقضايا التصوّريّة والتصديقيّة لعلم الأخلاق هو الذي جرّ إلى نشوء كلّ هذه المذاهب المختلفة.

والمحصّلة: فإنّه استنادًا إلى تلك المباحث، وإلى ما جرى الكلام عنه الآن؛ نرى أنّ الطريق الفضلى لتصنيف النظريّات والمذاهب الأخلاقيّة ودراستها، هي تصنيفها على أساس كونها واقعيّة ولا واقعيّة. وبتعبيرٍ أدقّ فإنّ بعض المذاهب الأخلاقيّة قد جعلت الأحكام والجمل الخلُقيّة من جنس الجمل الإنشائيّة؛ مُخرجةً بذلك إيّاها من منطقة الأحكام والقضايا الواقعيّة التي تقبل الصدق والكذب، في حين رأى بعضها الآخر أنّها من صنف الجمل الخبريّة، وأنّها تحتمل الصدق والكذب.


القسم الأول: المذاهب اللاواقعية
الفصل الأول: المذهب الانفعالي
إنّ المدافعين عن هذه النظريّة لا يصنِّفون الأحكام الأخلاقية في عداد الجُمل الخبريّة، أو (القضايا)؛ وعليه فإنّهم أيضًا لا يقبلون احتمالَها الصدق والكذب، وليس للأحكام والجُمل الأخلاقية في نظرهم من وظيفة أو دور، سوى إظهار أحاسيس المتكلّم الخاصّة، وأحيانًا تحريض أحاسيس مشابهة عند المخاطَب. وبعبارة أُخرى يرى أصحابُ المذهب الانفعالي أنّ الجُمل الأخلاقيّة هي من صنف الجُمل الإنشائيّة، ولا يمكن بحالٍ تحويلها إلى جُمل خبريّة، وأنّها لم توضَع لتبادل المعلومات، وليس لها القدرة على بيان الحقيقة، وأنّه لا إنجاز لها سوى إبراز ما يعتلج في صدر المتكلّم من عواطف خاصّة. والقضايا الأخلاقية بحسب الانفعاليّين قضايا لا معرفيّة ولا واقعية؛ فقولك: (زيدٌ كاذب) يعبّر عن شيء هو إمّا صدق وإمّا كذب، أمّا قولك (الكذب خطأ)، فهو لا يعبّر عن شيء على الإطلاق.

يبدو أنّ ظهور النظريّات اللامعرفية عمومًا، والنظريّة الانفعاليّة خصوصًا يرجع إلى عاملَين رئيسَين: أحدهما طغيان النزعة التجريبيّة على كامل الحقل الفكري الفلاسفة الغرب، والذي نلاحظ أشدّ نماذجه تطرُّفًا في المذهب الوضعي المنطقي في أوائل القرن العشرين، وثانيهما غياب نظريّة منسجمة ومنطقيّة في مجال تحليل القضايا والأحكام الأخلاقيّة؛ وبتعبير آخر: قصور وعدم كفاية النظريّات المتوفّرة في مجال تحليل هذه القضايا.
خلاصة القول: إنّه يتعذّر الاستدلال في حقل المسائل الأخلاقيّة إلّا إذا اتُّخذ النظام القيمي كقضية مفروضة الصحّة نوعًا ما؛ على سبيل المثال: إذا أقرّ الطرف الآخر بالمبدأ القائل: (الظلم قبيح)، كان بإمكاننا إقناعه بالدليل بأنّ (إجهاض الجنين قبيح)؛ وذلك بأن نبيّن له أنّ الإجهاض هو أحد مصاديق الظلم. على أنّه من الجليّ أنّ هذا الفعل مسألة تتّصل بالأمور الواقعة، وليس بالقيمة. فإنّ ما لا نحاول، بل ولا نستطيع، الاستدلال بشأنه هو صحة واعتبار هذه المبادئ الأخلاقيّة نفسها. فنحن لا نقوم إلّا بالثناء عليها، أو بإدانتها، انطلاقًا من أحاسيسنا.
من العيوب الفاحشة لهذه النظريّة هو سعيها استنادًا إلى مبدأ خاطئ في مجال معيار المعنى لاعتبار القضايا الأخلاقية عديمة المعنى، فمبدأ قابلية التحقّق ينطوي على خلل عديدة نُشير فيما يلي إجمالًا إلى بعض منها أوّلًا: يجري وفقًا لهذا المعيار التفريط بأهمّ ركائز المعرفة؛ ألا وهي المعرفة الحضوريّة والبديهيات العقلية التي بغيابها تنعدم تمامًا إمكانيّة إعطاء أيّ توضيح معقول لصحّة الإدراك أو مطابقته للواقع.

ثانيًا: باتخاذ هذا المبدأ جعل الوضعيّون الإدراكَ الحسّي نقطةً لارتكازهم، مع أنّه أشدّ نقاط الإدراك هشاشة، وأخلاها من الاعتبار، وأنّ الإدراك الحسّي هو عرضة للخطأ أكثر من أيّ لونٍ آخر من الإدراك. وبالنظر إلى أنّ الإدراك الحسّي في الحقيقة إنّما يتحقّق في باطن الإنسان؛ فإنّهم قد أوصدوا على أنفسهم الباب أمام إثبات عالم الخارج بشكل منطقي.
ثالثًا: إنّ دعوى كون المفاهيم الأخلاقية والميتافيزيقيّة فارغة وعديمة المحتوى، هي دعوى جزاف واضحة البطلان؛ إذ لو كانت الألفاظ الدّالة على هذه المفاهيم معدومة المعنى بالكلّية لمَا افترقت عن الألفاظ المهمَلة ولاستوَت في النفي والإثبات، في حين أنّ عَدَّ النار علةً للحرارة، أو اعتبار العدل حسنًا على سبيل المثال لا تتساوى أبدًا مع مضادّاتها. وحتّى أُولئك الذين ينكرون أصل العلّيّة، أو لا يرون العدل حسنًا؛ فإنّهم في الواقع ينكرون قضايا قد أدركوا مفاهيمها ومعانيها.

ورابعًا وأخيرًا: على هذا الأساس لن يبقى ثمّة مجال لأيّ قانون علمي بوصفه قضية عامّة وقطعيّة وضروريّة؛ ذلك أنّ هذه الخصائص لا يتسنّى إثباتها حسّيًّا بأيّ حالٍ من الأحوال، وفي أيّ مثالٍ يتمّ إجراء تجربة حسّية، فإنّ كلّ ما سيُستطاع هو إقرار المثال ذاته، وحيثما لا تُجرى تجربة حسية؛ فإنّه يتعيّن الصمت وتحاشي النفي والإثبات مطلقًا.

الخطأ الفادح والمهمّ الآخر الذي وقع فيه الانفعاليّون، هو اعتقادهم بأنّ جميع المفردات الأخلاقيّة تحمل معاني انفعاليّة، والحال أنّ كلمات من مثل: يجب، في الحقيقة أنّ إظهار وإثارة، وصحيح، وخطأ، وما شاكلها تفتقر لمثل هذا المعنى.

الفصل الثاني: المذهب الإرشادي
يوافق المذهب الارشادي المذهب الانفعالي تمامًا في أنّ أصل الخطاب الخلقي وركيزته ليس وصف الواقع والإخبار عن العالم الخارجي. وهو لا يُقرّ بوجهة نظر الطبيعيّين والواقعيّين القائلين بأنّ قوام الأحكام والقضايا الخلُقيّة خبري؛ على أنّهم خلافًا للانفعاليين يرون أنّه من الممكن أن تلعب القضايا والخطابات الأخلاقية دورًا خبريًّا ووصفيًّا كذلك؛ أي إنّه لا يتجاهل بُعدها الوصفي والخبري بالكامل، لكنه يشدّد على أنّ هذا البعد أمرٌ عارضٌ وتابعٌ؛ أو بتعبير آخر: إنّ الخطابات الأخلاقيّة لا تصدر أساسًا لغرض مبادلة المعلومات، أو زيادة المعلومات الحقيقية للمتلَقّين، بل تنهض بدور آخر، وإن تضمّنت، بصورة فرعيّة وجانبيّة، عناصر واقعية ووصفيّة أيضًا.

الأمر الآخر الذي يُميِّز المذهب الإرشادي عن الانفعالي هو أنّه على خلاف الانفعاليين لا يرى المذهب الإرشادي أنّ أصل الخطاب الخلُقي هو في إظهار مشاعر المتحدِّث، أو التأثير على المخاطَب. وعلى الرغم من أنّه من المتيسّر كذلك أن تكون للقضايا الأخلاقيّة مثل هذه الوظيفة، لكنّها هي الأخرى ستكون أمرًا جانبيًّا وتبعًا للحكم الأخلاقي. الوظيفة الأساسيّة والرئيسة للأحاديث والأحكام الخلُقية؛ هي توصية المخاطَب وتوجيهه وتزويده بتعاليم سلوكيّة.

إنّ أحد امتيازات هذه النظريّة على النظريّة الانفعاليّة هو كونها تنظر إلى الأحكام الخلقيّة على أنّها أحكام ذات معنى.
الميزة الإيجابيّة الأخرى لهذه النظريّة هي أنّها ترى الأحكام والخطابات الخلقيّة قابلة للاحتجاج؛ ولهذا فقد تركت الباب أمام النقاش والنزاع الأخلاقيين مشرعًا. فإن قدّمتُ لك نصيحة أخلاقية، فإنّ لك أن تطالبني بالدليل، ثمّ أن تتبيّن إن كانت أدلّتي على كلامي هذا كافية وصائبة أم لا. أمّا على أساس النظريّة الانفعاليّة، فليس ثمّة من محلٍّ للاحتجاج الأخلاقي.
وأما عناصر الضعف لهذه النظرية، فأنها تؤمن بأنّ الخطاب الأخلاقي هو من جنس الخطاب الإرشادي، والحال أنّنا إن أنعمنا النظر؛ لوجدنا الواقع معكوسًا تمامًا. فتنزيل الحكم والخطاب الأخلاقيين إلى مستوى الخطاب الأمري، والظن بأنّ بالإمكان عبر تحليل الأمر -وهو نشاط لغوي خاص- إيضاح كُنه الأخلاق وحقيقة الخطاب الخلُقي هو خطأ فادح لا يُتغاضى عنه.
من الإشكالات الأخرى أنّه يهبط بالجمل الأمريّة التي يراها المرجع النهائي للجُمل الأخلاقيّة إلى حيّز الجمل الإرشاديّة، أو ما يصطلح عليه الأوامر الإرشاديّة والتوجيهيّة، والحال أنّ تأمّلًا في وظائف واستعمالات الجمل الأمريّة؛ يثبت لنا بشكل لا لبس فيه حقيقةَ أنّ الجمل الأمريّة ليست جميعها من جنس الجمل الإرشاديّة. وبعبارة أُخرى: ليس الهدف الرئيس والأساسي من إنشاء الجملة الأمريّة هو دائمًا إيصاء المخاطب وتوجيهه وتزويده بالتعليمات. فالأوامر الامتحانيّة من باب المثال وإن اشتملت ضمنًا وعرَضًا على التوصية، فإنّ الهدف الرئيس من إصدارها شيء آخر، بل إنّ الاستعمال الأساسي لها هو شيء غير الإرشاد والتوجيه.

الفصل الثالث: المذهب الاجتماعي
ذهب إميل دوركايم عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، إلى كون المفاهيم الخلُقيّة قاطبة، من الحسَن والقبيح، والواجب والمحظور، نابعة من المجتمع، ومن إرادة الجماعة؛ وهو لهذا يعرف هذه المفاهيم من منطلق هذه الإرادة، ويحلّل ويبرّر الأحكام الأخلاقيّة على هذا الأساس أيضًا.
ويؤمن إميل دوركايم، انطلاقًا من مسألة الوجدان الجمعي، بأنّ المجتمع لما لم يكن بُدٌّ من وجود الأفراد حقيقة تمتاز في ماهيّتها عن حقائق الأفراد، ويذهب دوركايم إلى الاعتقاد بأنّه لا معنى لأيّ أخلاق في الحالة الانفراديّة؛ بمعنى أنّه لو افترضنا أنّ إنسانًا قد تخيّر لنفسه عيشةً انفراديّة في مكانٍ ما بمعزلٍ عن المجتمع؛ فسوف لا تخضع أفعالُه إلى الأحكام الخلُقيّة.
أضف إلى أنّ دوركايم أساسًا قد ربط إنسانيّة الإنسان بحياته الجماعيّة، وآمن بأنّ الإنسان لا يكون إنسانًا إلّا إذا كان متحضّرًا، وأن لا سبيل لتحضّره إلّا المجتمع.
ثمّ إنّ دوركايم يرى في المجتمع غاية جميع النشاطات الخلُقيّة ومنتهاها، وأنّ المجتمع هو، في حقيقة الأمر، الغاية الرفيعة لكلّ نشاط أخلاقي.
وبالنسبة للنقد المتوجّه إلى هذه النظرية، فإن المجتمع -خلافًا لزعم الاجتماعيّين- ليس مركّبًا حقيقيًّا؛ إذ ليس له آثار وخواصّ حقيقيّة بعيدًا عن وجود الأفراد. فالحقيقة هي أنّه لا حقيقة للمجتمع سوى حقيقة الأفراد، وليس له واقع عيني مستقل. وكلّ الأدلّة المقامة من قِبَل القائلين بأصالة المجتمع لإثبات مدّعاهم هذا مخدوشة، ولم يفلح أيٌّ من الاجتماعيين الدوركايميّين في إثبات الوحدة الحقيقيّة للمجتمع. منتهى ما يتسنّى لنا القبول به هو أنّ للمجتمع وحدة مفهوميّة وماهويّة، لا وحدة شخصيّة وحقيقيّة.

الخلل الآخر الذي يسم المذهب الاجتماعي هو استلزامه النسبيّة الأخلاقيّة. فالحسَن وفقًا لهذه النظريّة هو كل ما ارتضاه أيّ مجتمع، ولا يحقّ لأيما مجتمع وضْعَ أخلاقِ مجتمعٍ آخر وآدابِه وتقاليدِه تحت عدسة النقد والتقويم. فإنْ بدَرَت من مجتمع تصرّفات تُعَدّ غير مَرْضيّة وقبيحة، في نظرنا ونظر مجتمعنا، فلا يحقّ لنا نقد هذا المجتمع ومناوأة معتقداته؛ ليس هذا فحسب، بل علينا أن نطري عليه، ونستحسن فعله كذلك!

الفصل الرابع: مذهب العقد الاجتماعي
إنّ مذهب العقد الاجتماعي في الأخلاق يُطلَق على طائفة من المذاهب والنظريّات الخلقية؛ التي تجعل مصدر الأحكام الأخلاقيّة ومعيار صدق القضايا والأحكام الخلُقيّة وكذبها وتبريرها أو بعض مبادئ هذه الأحكام كالعدل، على أقلّ تقدير في ما يتوافق عليه الأفراد. ويزعم دعاة هذا المذهب أنّه لا يكون المعتقَد، أو الحكم الخلُقي معقولًا وذا وجهٍ مقبول إلّا إذا تواضَع عليه أو استند على قاعدة أو نظام يضمُّه جماعةٌ معينة من الناس تحت ظروف وأحوال خاصّة.

أول ما يمكن توجيهه لهذه النظريّة من نقد، هو أنّ قدرة الأشخاص التقنية والفكريّة، بل والجسديّة هي التي تحدّد ما إذا كان القبول باتفاقٍ معيّن والعمل بموجبه مفيدًا أو لا، فالأقوياء وأصحاب القابليّات الجسديّة العالية يتمتّعون، قياسًا بالضعفاء وهزيلي البنية، بقدرات وطاقات أعظم؛ وهم، لهذا لا يرضخون بسهولة للعقود والعهود التي تنفع الضعفاء.
على أنّ هذه النظريّة تتيح للأقوياء في حال الإمكان استعباد الآخرين والتعدّي على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم؛ وهو ما يجعل حاصل هذه النظريّة شيئًا أشبه بعقد الرِّقّ ولا ينتج عنه ما يَمُتّ إلى الأخلاق والعقود الأخلاقيّة بصلة.
الخلل الآخر الذي يمكن أخذه على هذه النظريّة، هو أنّه لا يُستطاع بموجبها إقامة برهان على أيّ حكمٍ من الأحكام الأخلاقيّة؛ ذلك أنّ من شروط البرهان هو أن تكون مقدّماته ضروريّة ودائميّة وعامّة، وهذه الشروط لا تتحقّق إلّا في مجال القضايا الحقيقيّة، والأحكام المطابقة لنفس الأمر.
المأخذ الآخر الذي يُؤخذ على النظريّة أعلاه هو استلزامها إقرار النسبيّة التامّة والكاملة للأحكام الخلُقيّة؛ ذلك أنّنا إذا بنينا الأحكام الخلقيّة والقيميّة على مطالبات الأفراد وميولهم الجماعية، ورأينا في تحقّق المنافع المتبادلة المعيارَ لأحقيّة الأحكام والقضايا الأخلاقيّة؛ فلا بد أن تخضع أحكامهم هذه للتغيير مع تقلّب مطالباتهم وميولهم، أو ظهور طرق جديدة للوصول إلى منافعهم المتبادلة.

الفصل الخامس: نظرية الأمر الإلهي
إنّ من أعرق النظريّات اللّاواقعيّة في باب الأخلاق، هي نظريّة الأمر الإلهي، وهي نظرية يُجمع القائلون بها وهم طائفة عريضة تضمّ مختلف الفلاسفة والمتكلّمين والمفكّرين، المسلمين وغير المسلمين على أنّ أفعال الإنسان، بعيدًا عن الأمر والنهي الإلهيَّين، لا تقتضي في نفسها أيّ حُسنٍ أو قُبح؛ فإنّ فَهمَ مدلول الحسَن والقبيح والواجب والمحظور وأمثالها، من جهة، يرتبط على أساس هذه النظريّة بأمر الله ونهيه، كما أنّ حُسن أفعال الإنسان الاختياريّة وقُبحها وكونها واجبة ومحظورة، من جهة ثانية، هو بحاجة إلى وجود حكم إلهي. فهذه النظريّة، بتعبيرٍ آخر، تدّعي أنّ المعيار في صواب أفعال الإنسان وخطئها، وحُسنها وقُبحها، هو الإرادة والقانون الإلهيَّين؛ بمعنى أنّ العمل المعيّن، أو النوع الخاص من العمل، لا يكون صوابًا أو خطأً، ولا يصنَّف على أنّه صائب أو خاطئ؛ إلّا إذا أمر الله تعالى به أو نهى عنه.

يبدو لنا أن أفضل حلٍّ لمثل هذه الشبهات، وأنسب ردٍّ عليها؛ هو التمعّن أكثر في معرفة مواضيع الأحكام والقيم الخلُقيّة. فلو تفحّصنا بدقّة؛ لوجدنا أنّ المناط العام للمُثُل الأخلاقيّة هو المصلحة الحقيقية للفرد والجماعة. والمصلحة هي كلّ ما يوجب كمال الإنسان وصلاحه الحقيقيين، وعليه فإنّ الصدق، لمجرّد كونه صدقًا، لا يكون موضوعًا لحكمٍ أخلاقي، بل هو حسَن من جهة أنّه يُنيل صاحبَه الكمال، ويمنحه السعادة، ويحقّق المصلحة الحقيقيّة له ولمجتمعه. ولهذا السبب نفسه؛ فإنّه إذا فقدَ وظيفته هذه في موضعٍ ما، لم يعد بالإمكان جعله موضوعًا لمحمول (حسَن).
وبتعبيرٍ أدقّ: ليس الحسن عنوانًا يُحمل ذاتًا على الصدق بما أنه صدق، بل هو بحاجة إلى حدٍّ وسط؛ فلو سُئل عن علة حُسن الصدق فسنخرج في مقام التعليل بنتيجة مفادها مثلًا أنّ مصالح الأمّة هي رهن قول الصدق، وهذه المسألة بالذات هي الحدّ الوسط، والعلّة لثبوت الحكم لهذا الموضوع.

كما أنّ العلّة معمَّمة ومخصَّصة. فحيثما اقتضت المصلحة الاجتماعيّة كان هذا الحكم حسنًا، ولو بالكذب، وكلّ ما يقود إلى مفسدة اجتماعيّ فهو قبيح، وإن كان صدقًا.

القسم الثاني: المذاهب الواقعية الطبيعية
الفصل الأول: مذهب اللذة
يزعم مذهب اللذّة الأخلاقي أن لا شيء يمكن عَدُّه مطلوبًا أو غير مطلوب ذاتيًا سوى حالات رضى النفس أو عدم رضاها، وبناءً عليه فإنّ بالإمكان تصوير المبدأ الأساسي لهذا المذهب هو أن الفعل الصائب هو الذي يعمل على رجوح كفّة اللذّة على الألم.

إنّ إحدى أبسط نظريّات اللذّة وأكثرها سطحيّة هي النظريّة المنسوبة إلى بعض فلاسفة الإغريق، والتي عُرفت بعناوين مختلفة؛ مثل: المدرسة القورينائيّة، ومذهب اللذّة الحسّيّة البسيط، وعلى أيّ حال فالنظريّة تؤكّد على أنّ كلّ ما له لذّة حسّيّة فهو حسَن ذاتيًّا، وأنّه لا تقاس قيمة أيّ شيء آخر بتاتًا إلّا بهذا المعيار.
فليس من المهمّ أن يتوفّر المرء في حياته على العلم والفضيلة والحريّة والاختيار وأمثال ذلك، بل المهمّ هو مدى ما يتمتّع به من اللذّات الحسّيّة.

لقد عدّ هذا المذهب السعادة واللذّة شيئًا واحدًا، لكنه اعتقد بأنّ الإفراط في اللذّة يفضي إلى الألم، وأنّ تحديد الرغبات هو شرط لإشباعها، على أنّ العنصر الرئيس للسعادة في نظره هو الشعور باللذّة، فلقد آمن بأنّ اللذّة وحدها هي القادرة على تحفيز الإنسان على الاستمرار في الحياة.

إنّ أحد أهم إشكالات هذه المدرسة؛ هو الخلل الذي تشكوه في الأساس من جهة المبنى المعرفي، وهي أنه ليس لنا الوثوق إلّا بأحاسيسنا، المأخذ الثاني الذي يُؤخذ على هذه المدرسة؛ هو أنّه ما أكثر اللذّات الآنيّة العابرة؛ التي تُورِث في المستقبل آلامًا مبرّحة وبلايا جمّة. فالتمادي في شرب الخمر مثلًا يؤدّي إلى ضروب من الأمراض البدنيّة والروحيّة، وما أكثر الآلام الآنيّة، وألوان المعاناة المؤقّتة؛ التي تكون في المستقبل سببًا للراحة والطمأنينة.
كما تخالف هذه النظريّة الفهمَ المتعارَف للأخلاق، بل لا مدلول لها في الحقيقة سوى نفي الأخلاق؛ ذلك أنّ المعنى الذي يُدركه العامّة من الأخلاق هو أنّ بعض صفات الإنسان وأفعاله ممدوح ومحبَّذ، وبعضها الآخر مذموم وغير محبَّذ.
العيب الآخر الذي تُعاب به هذه النظريّة هو: حصرُها اللذّة في اللذّات الدنيويّة والعالَم الحاضر، وتغافلها عن اللذّات الأخرويّة الحقيقيّة الباقية.
الإشكال الآخر الوارد على هذا الرأي هو أنّ هذه اللذّات الآنيّة العابرة ترتبط جميعها بالغرائز، مع أنّ الإنسان غير محدود بهذه الأخيرة. فأحوال الإنسان وشؤونه الوجوديّة أرحب بكثير من دائرة غرائزه الضيقة المحدودة.
ويذكر ضمن نظرية اللذة أيضًا النظرية المنسوبة إلى أبيقور، حيث دمجَ نظرية ديموقريطس الطبيعية بأخلاق القورينائيين، مع أنّه لم يقبل الأولى قبولًا تامًّا، ولم يعتبر الثانية مقبولة كما طرحها القورينائيّون، بل تناول كليهما بالطعن والتعديل.
ولنا أن نحصر نظريّة أبيقور الأخلاقيّة في المبادئ الخمسة التالية:

1. اللذّة تساوي انعدام الألم.
2. اللذّة الروحية، ولأنّها أكثر دوامًا، مُرجَّحة على الجسديّة؛ لذا يمكن الإفادة من اللذّة الروحية والعقليّة؛ لرفع الألم الفعلي، أو عدم الاهتمام به.
3. تقويم اللذّات والآلام ودراستها عقليًّا يتيح لنا التمتّع بعيش تتفوّق فيه اللذّة المستديمة على الألم العابر.
4. لا ينبغي أن نُشبع من ميولنا ورغباتنا البشريّة الجمّة سوى تلك الضروريّة والطبيعية.
5. مع أنّ اللذّة هي الخير الذاتي الوحيد؛ فإنّ بالإمكان اعتبار أُمور أُخرى مثل السعادة، والمصلحة، وأمثالهما أمورًا ذات خير ذرائعي وبالوساطة.

أحد العيوب الأساسيّة لهذا النمط من النظريّات، هو أنّها تحصرحياة الإنسان ولذائذه وآلامه في هذه الحياة الدنيا، أمّا الحياة الآخرة، فإمّا أنّها تنكرها، أو أنّها لا تحسب لها حسابًا في سجلّ اللذّات.
وتأسيسًا على قاعدة أبيقور نفسه، بخصوص المعيار في ترجيح لذّة على أُخرى؛ نستطيع أن نأخذ عليه مأخذًا آخر، فلقد أوصى الناس باجتناب اللذّات الطبيعيّة غير الضروريّة؛ كلذّة الجنس، ومتعة أكل الأفضل، وشرب الأحسن، وما إلى ذلك، وبتحاشي اللذّات غير الطبيعية وغير الضروريّة؛ مثل لذّة الجاه والمنزلة، والحال أنّه هو نفسه قد جعل المعيار في تخيُّر اللذّة طول مدّة الالتذاذ بها، لكنه لربّما وُجِدَ في هذا الصنف –اللذّات الطبيعية غير الضروريّة، أو المتع غير الطبيعيّة وغير الضروريّة- مما يكون طول مدّة الالتذاذ به أطول بكثير من اللذّات الطبيعيّة الضروريّة؛ فهناك مَن يمسك عن الأكل والشرب، مع حاجته الماسّة إلى الطعام والشراب؛ لأنّ اللذّة التي يجنيها من الإنفاق والإيثار، أو التي يكسبها من نتائج ضبط النفس والإمساك تفوق لذّةَ الأكل والشرب بأضعاف، وثمّة مَن يتجرّع الآلام الجسديّة الجسيمة، بل ويضحي بنفسه وبأقرب المقرّبين إليه مقدّمًا حياتَه؛ لينعم بلذّةِ حفظ ماء وجهه، وصون كرامة أُسرته.

النقص الآخر المأخوذ على هذه النظريّة هو تأكيدها على اللذّة الشخصيّة؛ أي: إنّها لا تطرح معيارًا معقولًا ومُتقنًا لمواطن تعارض اللذّة الشخصيّة لفردٍ ما مع لذّات فردٍ آخر، أو جماعة أُخرى.
العيب الآخر الذي يُعاب عليه هذا المذهب هو أنّ معياره الوحيد في ترجيح لذّة على أُخرى هو طول مدّة الالتذاذ، في حين أنّه ما من إنسان إلّا ولمس في حياته مرارًا أنّ بعض اللذّات، وإن قصُرَت مدّتها مقارنةً بأخواتها؛ فإنّها أكثر مطلوبية للإنسان من معظم اللذّات الأخرى الأدوم منها. فكلّنا قد لمسنا أنّ نصف ساعة من المتعة العارمة تكون محبّذة ومرغوبة أكثر من عدّ ة ساعات من المتعة الباهتة أحيانًا.

الفصل الثاني: مذهب المنفعة
فمذهب المنفعة في الحقيقة يقرُّ مبادئ نظريّة اللذّة الأبيقوريّة وقواعدها، لكنه يحرص في الوقت ذاته على تهذيبها من عيوبها ونقائصها.
المأخذ الأساسي على نظريّة المنفعة الأخلاقية هو أنّهم كانوا فرديّين لم يُولوا خيرَ المجتمع ولذّته أيّ أهمّيّة، والحال أنّ التنكّر لمنفعة الآخرين متعذّر. فمن غير الممكن بحال الحديث عن حياة ممتعة ملؤها السكينة والطمأنينة دون وضع خير الآخرين في الحسبان، فطبيعة الإنسان تقتضي أن يعيش حياةً اجتماعيّة، وإنّ هذه الأخيرة تربط مصائر أفراد المجتمع جميعًا ربطًا وثيقًا. وعليه فحتّى لو جعلنا اللذّة الفرديّة هي الأصل؛ فلا بدّ إلى جانب المتع الشخصيّة من وضع منافع الآخرين ولذّاتهم في نظر الاعتبار؛ ذلك أنّه إذا عاش المجتمع عيشةً مزعزعةً قلقةً ولم يجد أفرادُه فيه الأمنَ والسلامَ؛ فسنُسلَب نحن أيضًا هذا الأمن والسلام، أو على الأقل سوف لا نستطيع صيانة أمننا وسلامنا ومنافعنا بشكل فرديٍّ لمدّةٍ طويلة من الزمن.

إنّ المنفعية نظريّة تقول إنّ المعيار النهائي الوحيد للصواب، والخطأ، والإلزام الخلُقي هو مبدأ المنفعة والربح. وفي المراد من مبدأ المنفعة؛ يمكننا القول أيضًا: إنّه لا بدّ دومًا من وضع منفعة الجماعة في نظر الاعتبار، لدى كلِّ سلوكٍ أخلاقيٍّ نقوم به. أو بعبارة أُخرى: إنّ المراد من مبدأ المنفعة هو أنّ علينا، في جميع أعمالنا، أن نسعى لتحقيق أقصى درجة ممكنة من غلبة الخير على الشرّ.
من المآخذ التي كانت عادةً ما تُؤخذ على نظريّة المنفعة وبالخصوص عند بنتام، منذ أوّل عهدها، هو أنّه إذا كان كلّ إنسانٍ بالضرورة طالبًا للَذّته؛ فلا بدّ أن نعتبر البشريّة موجودًا أنانيًّا مُعجَبًا بنفسه.
ومن العيوب الأساسيّة لنظريّة بنتام ومَن عداه من النفعيّين هو تركيزها على المنافع الدنيويّة وإغفالها منافع الآخرة، وتجاهلها الحياة في العالم الآخر، فإن تقرّر جَعْل معيار القيمة الخلُقيّة للفعل في مقدار النفع واللذّة الناجمين عنه، فلماذا إذن لا نجعل نفعه الأخروي في العالم الآخر موضع اهتمامنا أيضًا؟ وإذا كنّا قد اعتبرنا الشدّة والقوّة كأحد معايير قياس اللذّات، أوَليست اللذّات الأخرويّة أشدّ وأقوى مقارنة بالدنيويّة؟ وإذا كنّا أدرجنا دوام لذّة الفعل ومدّة نفعه كأحد الموازين السبعة في وزن مدى منفعة الأفعال، فلماذا لا نضع في الحسبان المنافع واللذّات الأخرويّة؛ التي هي أدوم وأبقى بكثير من أيّ نمطٍ من مثيلاتها الدنيويّة؟ وإذا نحن خصّصنا للخلوص مكانًا، بين معايير حساب المُتع، فهل في ميسورنا العثور على متعة أشدّ خلوصًا وصفاءً من المتع الأخروية؟ بل وهل في الإمكان أساسًا العثور في الدنيا على لذّات خالصة لا يشوبها أيّ ألم؟

المؤاخذة الأخرى التي أُخذتْ على هذه النظريّة هي أن تمسُّك الإنسان في أيّما موقفٍ جزئيٍّ بالمبادئ العامّة، سعيًا لضمان منافعه الشخصيّة؛ يؤدّي إلى خطر إمكانيّة أن يحتجّ عليه أشخاص آخرون في مواقف أُخرى عبر التمسّك بالمبادئ ذاتها. ما يعني أنّ التمسّك بهذه النظريّة، قد يقود إلى خلاف المقصود، ويجرّ إلى سيادة الفوضى الخلُقيّة في المجتمع.

الفصل الثالث: مذهب الإيثار
أحد المذاهب الأخلاقيّة الواقعيّة الأخرى هو مذهب الإيثار، أو ما نستطيع أن نسمّيه أيضًا بالمذهب العاطفي؛ وهو أيضًا يرى واقعيّة الأحكام الخلُقيّة من جنس الواقعيات الطبيعية، ويُرجِع أُصول الحُسْن والقُبح والواجب والمحظور إلى الطبيعة.

تتلخّص فكرة الإيثاريّين في ما يلي:
أوّلًا: لا معنى للأخلاق إلّا في حيّز الحياة الاجتماعيّة؛ بمعنى أنّه لو عاش الإنسان منفردًا دون أن تكون له أيّ صلة بالآخرين؛ لا يكون ثمّة مُتّسَع للأخلاق والأحكام والتقويمات الخلُقيّة.
ثانيًا: إنّ معيار حُسن الأفعال الاجتماعيّة وقُبحها عندهم؛ هو عاطفة إيثار الغير ونكران الذات.
وعلى الرغم من عذوبة هذا المذهب وجذّابيته، فهو يعاني من إشكالات عديدة، نشير في السطور التالية إلى بعضها:

أوّلًا: أنْ نضع العاطفة مناطًا؛ فهذا ما لا سببَ منطقي له. وعلى أيّ حالٍ، فإن كان المراد من العاطفة هو نفع الإنسانِ غيرَه، وإزعاج نفسه، من أجل راحة الآخرين، فإن للحيوانات هذه الصفة أيضًا. فما الذي نعلمه نحن عن أعماق الكلاب وأحوالها الباطنية؛ كي نزعم أنّها لا تلتذّ بالعناية بصغارها؟ إنّا لنشهد آثارَها؛ فلا نجدها تختلف عن الإنسان؛ فتصرّفها مع صغارها يشبه سلوك الإنسان مع أطفاله.
أضف إلى أنّ العاطفيين وكأنّهم تصوروا أنّنا لا نملك إلّا أمرين: العاطفة والغريزة، فأعطَوا الأسبقيّة للعاطفة، وجعلوها معيارًا للأخلاق. والحال أنّنا نملك دوافع غير هاتين أيضًا؛ فإنّ لنا رغبات تفوق الغرائز والعواطف، يجب أن نناقشها هي الأخرى، رغبات نستطيع إدراكها واكتشافها بمساعدة العقل، وإنّ الأخير ليحكُم بأنّها أعظم قيمة.
الخلل الآخر هو أن الأخلاق، وفق هذا المذهب، ستنحصر في المسائل الاجتماعيّة، والعلاقات الفئويّة؛ الأمر الذي سيجعلنا نُخرج ثلاث طوائف أُخرى من الأفعال البشريّة خارج حيّز التقويمات الخلُقيّة؛ وهي الأفعال التي يقوم بها كلّ فردٍ تجاه نفسه، والتي يعود نفعها وضررها عليه هو. والأفعال المتّصلة بعلاقة الإنسان بربّه. وأخيرًا تلك التي يكون متعلَّقُها البيئة بالمعنى العام للكلمة؛ والتي تستوعب الحيوانات، والغابات، والمراعي، والبحار، والمحيطات، وأمثالها.

المذهب الرابع: مذهب القوة
فريدريش نيتشه هو أحد أعظم الفلاسفة والمفكّرين الألمان، حيث استقطب في القرن العشرين انتباه العديد من مفكّري الغرب.
ومع أنّ لهذا الفيلسوف نظريّات خاصّة في محاور شتّى من الفلسفة، يعتقد بعضهم أنّه اكتسب أهمّيّته من البعد الأخلاقي بالدرجة الأولى، وعلى خلفيّة الدور الذي تمنحه نظريّتُه الأخلاقيّة لمفهوم القوّة؛ فقد عُرفت باسم مذهب القوة.
كان نيتشه كارهًا للأخلاق التقليديّة والمسيحيّة عمومًا، إيمانًا منه بإنّ مُثُلَها تناقض القيَم الواقعيّة، بل كان يُسمّي الأخلاق المسيحيّة أخلاق الزوال، ولا يرى لها من ثمار إلّا انحطاط الإنسانيّة والحضارة البشريّة.
يعتقد نيتشه أنّ المسيحيّة وعبر تشجيع الناس على اكتساب صفات من قبيل: الإيثار، والشفقة، والأريحيّة، والتسليم تعمل على قمع الشخصيّة الحقيقيّة للإنسان وإعاقتها عن الازدهار، كما آمنَ بأنّه عوضًا عن الحديث عن المساواة بين الناس؛ لا بدّ أن نفكّر بالإنسان الأعلى، وأن نضع اكتساب القوّة في رأس قائمة غاياتنا الإنسانيّة.
يُعدّ التمييز أحد أهمّ مبادئ نظريّة نيتشه الأخلاقيّة؛ فلقد آمنَ نيتشه بأنّ الناس لا يستوون من أيّ وجهٍ من الوجوه فيما بينهم، وأنّ المناداة بالمساواة ناجمة عن ضعف دُعاة هذا الفكر؛ ولهذا تحديدًا كان يعارض بشدّة النظام الديمقراطي الذي يضع الأرستقراطيين والأقوياء على قدم المساواة مع عامّة الناس.
وانطلاقًا من تفكيره الطبقي هذا، واعتمادًا على هذا التصنيف الذي يطرحه للناس؛ يتحدث نيتشه في معظم مؤلّفاته عن نوعين من الأخلاق: أخلاق السادة، وأخلاق العبيد.

خلاصة القول: إنّ نيتشه يُؤمِن بأنّ علينا، بُغية تمييز فضائل الأخلاق من رذائلها، تَبيُّن الأمور التي تبعث على تقوية الشعور التسلّطي فينا، وتلك التي تُضعِفه. فالأمور التي هي من النوع الأوّل تُعَدّ فضائل، أمّا تلك التي من النوع الثاني فتُعتبر رذائل.
على الرغم مما تنطوي عليه نظريّة نيتشه من مواطن ضعفٍ وخللٍ، فإنّها لا تخلو أيضًا من التفاتات تربويّة؛ فتأكيدها على عزّة الإنسان وكرامته، وهو ما يشدّد عليه ديننا الإسلامي الحنيف كثيرًا، ويُعَد من مواطن قوّة هذه النظريّة.
جاءت آراء نيتشه الأخلاقيّة، في الحقيقة، ردّة فعلٍ ضدّ النظريّات المسيحيّة والرواقيّة المتطرّفة التي لم تكشف بما أكّدت عليه من تعاليم من مثل: الاستسلام لقضاء الله وقدره، وتقديم قراءات خاطئة عنهما إلّا عن الضعف والهوان الخلُقي.
ومع ذلك، فإنّ نيتشه نفسه قد مال -مع الأسف- إلى جادّة التفريط؛ فخالف العقل السليم بمنحه القوّة قيمة مطلقة، واعتباره الرأفةَ والترحّمَ عاريَين عن أيّ قيمة. وبعبارة أُخرى فإنّه محاولة للخلاص من مستنقع الرضوخ والاستسلام للظلم ولكنه سقط في وادي الظلم والجور، فلقد تجاهل ما في العدل والظلم من حُسن وقُبح ذاتيَّين؛ حتّى عَدّ الأفعال العادلة المُنتجة للضعف أو المسبَّبة عنه قبيحة، والأعمال الجائرة التي هي علّة القوة أو معلولها حسَنة.

الفصل الخامس: مذهب التطور
مذهب آخر من المذاهب الواقعيّة الأخلاقيّة، الذي يمكن تصنيفه ضمن النظريّات الواقعيّة الطبيعيّة، هو مذهب التطوّر الذي أبدعَه وأسّسه الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر.
في رأيه كان الإنسان البدائي أنانيًّا، لا يفكّر إلّا بلذّة نفسه؛ ففي المرحلة الأولى من تطوّره كان يريد كلّ شيءٍ وكلّ أحدٍ لنفسه وحسب. ولم يكن في تلك المرحلة محلٌّ للأخلاق والمواعظ الخلُقيّة؛ لأن ذلك الإنسان لم يكن يفكّر إلّا ببقائه، حتّى وإن تحقّقَت غايتُه هذه عبر إبادة الآخرين.
لكنّ البشر وفي إثر قانون التطوّر تطوّروا، فبلغوا مرحلة من النضج والإنسانيّة، أصبحت فيها لذّة الآخرين ومنفعتهم مهمّة عندهم أيضًا؛ فنمَت لديهم روح التعاون والوفاق، وخبا فيهم إلى حدٍّ ما بريق الأنانية، وقوِيَ عوضًا عنه حبّ الآخر ونكران الذات. وعلى أيّة حال فلقد بلغ الإنسان الحالي، بعد طَيِّ مراحل التطوّر هذه، إلى حيث يمتلك رغبتين متضادّتين؛ فهو يهتمّ، من ناحية، بلذّاته ومنافعه الشخصية، ومن ناحية أُخرى فإنّه يحمل مشاعر حبّ الآخر، وإنّ مصالح الآخرين هي الأخرى ذات أهمّيّة لديه. وههنا تُطرح مسألة الأخلاق، ويُفتح الباب أمام المواعظ والتوجيهات الأخلاقيّة؛ هاهنا يُوصَى البشر بالتنازل عن منافعهم لصالح منافع الآخرين، وانتهاج سبيل الإيثار والتضحية التي هي أصل الأخلاق وأساسها.

وفي نهاية المطاف سيصل هذا الإنسان، في مسيرة تطوّره، إلى درجة من الكمال يفكّر فيها تلقائيًّا في الأمّة وينسى نفسه؛ أي سيكون مُؤْثِرًا لغيره بالمعنى الحرفي للكلمة؛ وحينذاك يكون قد بلغ درجة عُليا من التطوّر. ومن الواضح، بالطبع، أنّه في تلك المرحلة أيضًا لن يكون ثمّة محلٌ للأخلاق؛ إذ سيكون البشر، تلقائيًّا وعلى الدوام، مُؤْثِرين على أنفسهم دونما حاجة إلى نصائح أخلاقية.
الخلل الأوّل في هذا المذهب هو أنه مؤسَّس على فرضيّة لم يتمّ إثباتها، فما من دليلٍ قاطعٍ قد أُقيم إلى الآن على صحّة فرضيّة ثبوت قانون التطوّر في الطبيعة أو عدم ثبوته، هذا وإن كانت عند البيولوجيّين فرضيةً مشهورة وتوجُّهًا سائدًا.
حتّى لو سلّمنا بأنّ قانون التطوّر في الطبيعة أمر مفروغ منه وقطعي؛ فلا يتسنى منطقيًّا اعتباره جاريًا في عالم الأخلاق لمجرّد كونه ساريًا في الطبيعة.
بل لو تغاضَينا عن الإشكالين آنفَي الذكر كذلك؛ فإنّ حصيلة هذه النظريّة هي أنّ البشر يحملون، في هذه المرحلة من تطوّرهم، عواطف الإيثار وحبّ الغير.
والإنسان الخَلُوق إنّما هو الذي إذا تزاحمت منافعُه ولذّاته الشخصيّة، مع منافع ولذّات الجماعة آثَرَ جانب الجماعة على نفسه. لكن الكلام المذكور؛ هو عين ما يَدّعيه مذهب الإيثار؛ فالأخير يرى بإيجاز أنّ مناط القيمة الأخلاقيّة للفعل هو صدوره من منطلق إحساس إيثار الغير، ومن ثمّ ستُطرح على هذا المذهب المآخذُ ذاتها المطروحة على ذاك.

الفصل السادس: مذهب الضمير
مذهب آخر من صنف المذاهب الواقعيّة التي تنبع الأخلاق فيها من الأمور الواقعيّة هو مذهب الضمير. فمعيار جميع القيم الأخلاقية ومنشؤها، كما يقوله هذا المذهب عمومًا، هو مطابقتها أو مخالفتها للضمير الخلُقي للإنسان؛ فكلّ ما أقرّه الضمير الأخلاقي للبشر فهو حسَن، وكلّ ما لم يتناغم مع الضمير الأخلاقي، وتسبَّبَ في تأنيبه وعذابه فهو قبيح.

أهمّ وظائف الضمير الخلُقي هي: عدم وقوفه مكتوف اليد أمام الحسَن والقبيح من الأفعال، بل يوبّخ صاحبَه ويؤنّبه إذا ارتكب القبيح.
لهذا المذهب جاذبيّة كبيرة، وهو قد ترك على كتابات وأفكار مفكّري الشرق والمسلمين أيضًا بصَمات عميقة. وإنّ ما زاد في تأثيره؛ هو إمكانية العثور على قرائن تدعمه في العلوم الإسلاميّة أيضًا؛ فهناك في الكتاب والسُّنة تعابير يمكن أن تُطبَّق على ما يدّعيه المذهب، لكننا إن أنعمنا النظر؛ لرأينا أنّ الأخير عاجز هو الآخر عن بيان حقيقة الأخلاق والأخلاقيّات.

فإنّ ما نُطلق عليه الضمير الخلُقي، ونقيم له من القدسيّة الكثير ليس هو قوّة خاصّة في كياننا. فحقيقة القضيّة هي أنّنا إذا حلّلنا الضمير الخلُقي؛ لوجدنا أنّه في البُعد المتصل بمعرفة الحسَن والقبيح العقلُ تحديدًا. فالمعرفة هي وظيفة العقل. أمّا أن يمتدح الإنسانَ على إتيان فعلٍ ما، أو يذمّه عليه، فهذا ما يخضع لتحليل نفسي آخر. فحقيقة الأمر هي أنّ للإنسان ملَكات تنشأ لديه بتظافر العلم والعمل، فالقيم التي عرفها، والتي بات يتبنّاها على مستوى التطبيق قد تحوّلَت لديه رويدًا رويدًا إلى ملَكات؛ فإن أتى بسلوك يناهضها استاءَ وانزعج.

وخلاصة الأمر، فإنّ من الميسور الزعم بأنّ ما يُقال من أنّ الضمير له قدرة الإدراك، وله أيضًا أن يعقد جلسة محاكمة، فيبرّئ الشخص أو يدينه، هو كلام لا يُجدي إلّا للشعر والخطابة، وليس له أيّ أساس فلسفي أو عقلي.

القسم الثالث: المذاهب الواقعية ما بعد الطبيعية
الفصل الأول: الكلبية
آمن أحد أعلام هذا المذهب وهو أنتستانس بأنّ غاية الوجود هي الفضيلة، وأنّ الأخيرة تكمن في نبذ جميع المتع الجسمانيّة والروحانية، كما اعتقد بالعودة إلى الطبيعة، وأفرط في معتقده هذا.

وعلى الرغم من أنّه لم يكن زاهدًا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه كان يبغض الترف واللذّات الجسديّة المتصنَّعة. كما رأى آخرون ينتمون لهذا المذهب الفضيلة في التحرّر من نزوات النفس، ومن هنا يظهر أن الكلبيّة كانت ممارَسةً عمليّة أكثر منها نظريّة وفلسفيّة. فقد آمن أتباعها بأنّ الفضيلة لا هي هبة فطريّة، ولا هي تُكتسب بالعلم، وما من سبيل لاكتسابها إلّا المران والرياضة العمليّة.
من المبادئ الفكريّة الأخرى عند الكلبيّين الدعوة للعودة إلى الطبيعة، و كانوا يحملون تصوّرًا خاصًّا عن الحياة الطبيعية. و بالأحرى: البدائي والغريزي، فكذلك العيش وفقًا للطبيعة يتضمّن السخرية المتعمَّدة من العادات والتقاليد، وأعراف المجتمعات المتحضّرة، وهي سخرية تجسّدَت في ألوان من السلوك الشاذّة؛ التي كثيرًا ما تكون غير محتشمة.
هذا المذهب، هو طريقة ومنهج للعيش، وإنّ بُعدَه النظري والفلسفي باهت جدًّا، ولا قيمة له، والأخلاق الكلبيّة مرتكزة، في الحقيقة، على ضرب من التشاؤم من العالَم، ولا سيّما الحياة الاجتماعيّة.
ومن هنا فإنّ الإشكال الأساسي المأخوذ على هذا المذهب هو نمط رؤيته الكونيّة؛ فنظام الطبيعة، وفقًا للرؤية الكونية الإلهيّة، ليس شرًّا، ولا الحياة الاجتماعيّة بحسبه شرًّا مطلقًا، فالله تبارك وتعالى قد جعل الناس نعمةً بعضهم لبعض، ولا بدّ في حياتهم الاجتماعيّة أن يُفيد كلٌّ منهم من الآخر، وما جميع الشرور والمصائب التي طرأت، وتطرأ على الحياة الاجتماعّية، إلّا بسبب أعمال البشر غير السويّة.

الفصل الثاني: الرواقية
يمكننا إيجاز المبدأ الأساسي لنظريّة الرواقيين الأخلاقيّة بجملة مفادها: تعلَّمْ كيف تكون غير مكترث للتأثيرات الخارجية.
إذ يؤمن الرواقيّون بأنّ ميزان الخير والشرّ هو سَكينةُ النفس، وهذا أحد أوجه اشتراكهم مع الكلبيّة، وبعض الأديان الشرقيّة. ويعتقدون بأنّه على الرغم من أنّ الطبيعة وحوادثها خير في ذات نفسها، فإنّ التعلّق بها يورث الإنسانَ الانزعاج والاضطراب؛ ذلك أنّه طالما تعلّقَ الإنسانُ بشيءٍ وأباحَ له الولوج إلى باطنه؛ خرجَ الشيءُ عن حالته الخارجيّة، وصار في أعماق الإنسان، ومن الطبيعي أن يعمل أيُّ تغييرٍ يطرأ عليه على تشويش بال صاحبه. ولا يعني هذا بالطبع العيش كما يحيا الكلبيّون؛ إذ باستطاعة الإنسان أن يعيش وسط المجتمع، ويتعامل مع الطبيعة، لا بل يتعيّن عليه بناءُ مثل هذه العلاقة معهما، لكن المهمّ هو أن يتصرّف مع أحداث الكون تصرّفَ المحايد، ودونما تزمّت. فيجب على المرء، ما وَسِعَه، التمتّع بنعم الطبيعة غاية التمتّع، فالمهمّ هو أن لا يَنشَدّ إلى الطبيعة وآلائها من أعماقه، ويتعلّق بها فؤادُه.
يندرج الزهد في الدنيا، واللّامبالاة بأنعمها، في جملة النزعات التي كان لها بنحو من الأنحاء بصمات، طفيفة أو عميقة، على جميع المجتمعات البشريّة، بل وفي وسعنا القول: إنّ عناصر من هذا المذهب ماثلة أيضًا في جميع الأديان السماويّة التي تنطوي ولا سيّما النصرانيّة والإسلام على تعاليم تدعو إلى نبذ الدنيا، وعدم التعلّق بمظاهر هذا العالم.

بيد أنّ مبادئ الرواقيّين في الزهد والنأي عن الدنيا، تختلف عن الزهد الإسلامي، فتعلّق العامّة بالأمور الدنيويّة من وجهة نظر الإسلام إنّما يكون مذمومًا إذا ما تعارض مع كمالاتهم المعنويّة والأخرويّة. كما أنّ مذموميّته لأولياء الله هي على خلفية كونه ضربًا من الشرك في المحبّة؛ فلا ينبغي للإنسان أن يتعلّق إلّا بالله، ولا يجوز له أن يفسح في أعماقه المجال لحبٍّ آخر إلى جانب حبّه عزّ وجلّ. فكلّ مَن كان أشدّ قربًا لله كان أعظم محبوبيّةً عند الإنسان، وكلُّ ما يُدني المرءَ من بارئه أكثر؛ تكون محبّتُه في قلبه أكبر.
توصية الرواقيّين باللّامبالاة والتساهل؛ يخالف الفهم السائد للأخلاق، فإنّ غير المكترث لموت صديقه هو في نظر الأغلبيّة غليظ الكبد قاسٍ لا صاحب فضيلة وأخلاق عالية.
كونُ معيار القيمة الخلُقيّة لدى الرواقيّين هو اللّامبالاة. وعدم التأثّر بحوادث الطبيعة؛ يستلزم بالضرورة أن يُصنَّف كلّ فعلٍ يصدر عن لامبالاة وعدم تأثّر، سواء أكان عادلا أم ظالمًا، أن يُصنَّف من الناحية الأخلاقيّة كفعلٍ مَرْضِيٍّ حسَن.

الفصل الثالث: مذهب كانط
يؤمن كانط بأنّه مثلما أنّ هناك في العقل النظري مجموعة من الأحكام البديهيّة المقدَّمة على التجربة، والتي تُعَد قَبْليّة، فإنّه ثمّة في حيّز العقل العملي أيضًا مجموعة أحكام قَبْليّة باستطاعة العقل البشري إدراكها على نحو الاستقلال.
يعتقد كانط أنّ منشأ الواجب الخلُقي هو العقل، وليس التجارب الخارجيّة وما شاكلها. وعليه لا ينبغي أن نلتمس قاعدة الإلزام في طبيعة الإنسان، ولا في ظروف العالم الذي وُضع فيه، بل إنّه لا بدّ أن نبحث عنها بطريقة قبْلِيّة في تصوّرات العقل الخالص وحدها؛ وهذا تحديدًا ما يُبرّر وجود قضايا الأخلاق التركيبيّة القبْلِيّة.

وتأتي أيضًا قضية الإرادة الخيّرة كجزء مهم من نظريته، حيث يذكر أنه لا يوجد شيء يمكن عدُّه خيرًا على وجه الإطلاق ودون قيد، إلّا شيء واحد هو إرادة الخير، وتوضيح ذلك هو أنّه لو أُريد لقانون أخلاقي أن يكون هو الإرادة الخيِّرة.
وعلى أيّ حال، يذهب كانط إلى الاعتقاد بأنّ الإرادة الخيّرة هي وحدها التي تمتلك قيمة ذاتيّة، وما من شيء غيرها في هذا العالم له مثل هذه القيمة. ومن هذا المنطلق فإنّ الشيء الوحيد الذي يستحيل أن يكون شرًّا تحت أيّ ظرف، والذي يكون خيرًا دائمًا دونما أيّ قيد، هو إرادة الخير بالذات. فصلاح الإنسان هو في امتلاكه إرادة خيّرة، وطلاحه هو في توفّره على إرادة شرّيرة.

إنّ نظريّة كانط الأخلاقيّة هي من جنس نظريّات الواجب، لا من نوع النظريّات الغائيّة؛ بمعنى أنّ القيمة الأخلاقيّة لأفعال الأنسان الاختياريّة، كما يرى كانط، ليست مستمَدَّة من نتائجها، بل من قاعدة الفاعل، وهذه القاعدة لا بدّ أن تكون قاعدة الالتزام بالقانون وطاعته؛ حتّى تُضفي قيمةً أخلاقيّة على الأفعال التي تُؤدَّى عن احترام القانون.
من الانتقادات التي وُجِّهَت إلى نظريّة كانط الأخلاقيّة، أو التي يتسنّى توجيهها إليها، هو أنّ الأعمال الخلُقيّة، على هذا الأساس، ستندُر في العالم أيّما ندرة؛ أي: ستتناقص من حيث الكَمّ تناقصًا كبيرًا؛ ذلك أنّه سوف لا يُعثر إلّا على النزر اليسير جدًّا ممّن يأتون بأفعالهم، لا لباعثٍ إلّا طاعة القانون، ودون أن يتأمّلوا من ذلك أيّ مقابل؛ بحيث لا يكترثون للثواب الأخروي أيضًا. في حين أنّ الفهمَ الشائع للأخلاق ليس كذلك.

تأسيسًا على ما تقدّم، فإنّ مفهوم الواجب لا يتبلور دون أخذ الواقع الخارجي والتجريبي في نظر الاعتبار. وبتعبير أدقّ. إنّ مفهوم الواجب هو من جنس المفاهيم الانتزاعيّة الفلسفيّة؛ أي إنّه وإنْ لم يكن له ما بإزائه في الواقع والخارج، فإنّ منشأ انتزاعه هو في الخارج.
الملاحظة المهمّة التي أولاها كانط اهتمامه؛ هي دور النيّة ومحلّها في الأحكام والقيم الخلُقيّة؛ حينما أعلن أنّ مجرّد موافقة الفعل للواجب لا يكفي لتصنيفه فعلًا أخلاقيًّا، بل لا بدّ أيضًا من صدوره بقصد تأدية الواجب. والاهتمام بمسألة النيّة؛ يُعَدّ في الواقع من مواطن قوة نظريّة كانط، هذه المسألة التي ظلّت مُهملة من قِبل معظم مذاهب الغرب الأخلاقيّة.
وعلى الرغم من الأهمّيّة البالغة لمسألة النيّة، وضرورة بسطها في محلّها بكلّ دقّة، نكتفي في هذه السطور بالتطرّق إلى قضية أنّ النيّة هذه لا تنبعث في الإنسان جزافًا وكيفما اتّفق، بل لا بدّ لها من بعض المقدّمات والتمهيدات النفسية الخاصّة. ومهما تكن هذه التمهيدات، فهي بحاجة إلى معلومات؛ أي إنّها مبنيّة على أحكام العقل النظري. وبصياغة أُخرى إنّ إرادتِي أن أعملَ وفقَ ما يُمليه عليَّ الواجب، تأتي من منطلق أنّني أرى هذا التصرف كمالًا لي؛ فإن نيّة الإذعان لقانون العقل إنّما تراود الإنسان؛ إذا كان لاحترام القانون في حساباته قيمة. لكن من أين جاءت قيمة احترام القانون هذه؟ فلو كانت هي الأخرى حُكمًا أخلاقيًّا لوجب التسلسل، وإن كانت أمرًا نظريًّا، وهي كذلك، فهذا الأمر النظري هو أنّ الإنسان يَعُدّ هذا كمالًا له. وعليه فإنّ نيّةً أُخرى تكمن وراء نيّة أداء الواجب؛ وهي إنّني أنوي هذا؛ لأنّني أطلب كمالًا ما.

الفصل الرابع: مذهب السعادة
من المذاهب والنظريّات الواقعيّة في الأخلاق، والتي يمتدّ تاريخها إلى ظهور النظريّات الأخلاقيّة؛ هي نظريّة السعادة التي تبنّاها حكماء الإغريق (سقرط / افلاطون / أرسطو)، وإذ تقوم بين دعاة هذا المذهب اختلافات عديدة، فإنهم يُجمعون على أنّ نَيل السعادة والكمال هو غاية غايات الأخلاق والأحكام الخلُقية. فمنبع القيم الأخلاقيّة، وأصل الفضائل والرذائل الخلُقية قاطبة، بحسب أتباع هذا المذهب، هو سعادة الإنسان وكماله، هذا وإن اختلفوا كثيرًا في مصداق هذه السعادة وهذا الكمال. ثمّ إنّ بعضهم قد ركّز أكثر على الكمال عادًّا السعادة لازمةً له فيما أكد بعضهم الآخر على السعادة معتبرًا إيّاها، بالطبع، ملازمة للكمال. كما أولَت طائفة منهم اهتمامًا أكبر بالجوانب المعنويّة، بينما فضّلت أُ خرى الجوانب المادّيّة عليها. إلى ذلك ركّز بعض أرباب مذهب السعادة على مسألة الحياة الأخرويّة، لا بل رأوها الأصل، في حين لم يُعِرها آخرون كبير اهتمام.

كان أفلاطون يفتّش عن السعادة، ويبغي ضمان الخير الأقصى للإنسان، وهو المتمثّل بتمتّعه بالسعادة. ويكمن خير الإنسان الأقصى في التطوير الحقيقي لشخصيته بوصفه موجودًا أخلاقيًّا عاقلًا، والتهذيب الصحيح للنفس. فعندما تكون النفس الإنسانيّة في الوضع الذي ينبغي أن تكون فيه؛ يكون الإنسان سعيدًا، فإنّ اللذّة، لا يمكن أن تكون الخير الحقيقي للإنسان؛ فحياة اللذّة التي لا يشارك فيها العقل، لن تكون حياة بشريّة، ويشتمل الخير الأقصى للإنسان، أو السعادة بالطبع، على معرفة الله. فالإنسان الذي لا يعرف فعل الله في الكون، ولا يصدّقه؛ لا يمكن أن يكون سعيدًا.

والسعادة بدورها تتأتّى من الأخذ بالفضيلة؛ وهي بمعنى أن يتشبّه الإنسان بالله قدر الإمكان.
أخلاق أرسطو شأن تلك التي لسقراط وأفلاطون أخلاق غائيّة بشكل صريح؛ أي إنّ الأخلاقيّات، بحسب أرسطو، تستقي قيَمها من القيم الخارجيّة.
فالعمل الصائب والصالح في قاموس أرسطو هو الذي يُبْلغ صاحبَه السعادة والخير، لا الذي يكون صائبًا في ذاته، بغضّ النظر عن أيّ اعتبار آخر. فالعمل الصالح هو الذي يوصلنا إلى سعادتنا وخيرنا الحقيقيَّين، والعمل الطالح هو الذي يحرمنا من بلوغ مثل هذه السعادة والخير.
يشير أرسطو، فيما يتّصل بالخير النهائي، إلى أنّه على الرغم من اتفاق الناس جميعًا على أنّ الخير النهائي هو السعادة، لكنهم يختلفون اختلافًا كبيرًا بخصوص حقيقة السعادة والمصداق الحقيقي للخير؛ إذ يرى معظمُ العوام الخيرَ النهائي في اللذّة، ومن أجل هذا تراهم يحبّون العيشة في ضروب الاستمتاع الظاهري.
فيما عَدَّ أرسطو السعادة ملاكَ الخير، وأنّه المراد الفطري للبشر كافّة؛ ولذلك اعتبر طلب السعادة أمرًا لا مناص منه. والفضيلة الأخلاقية هي كلّ ما يُعين الإنسان لبلوغ هذا الهدف الفطري. وأزمع أرسطو تعريف السعادة، وبيان مقوّماتها؛ فكان أن خاض في تحليل مفهومها، وما يحمل الناس جميعًا من تصوّر لهذه الكلمة.
وامتازت نظريّة أرسطو في أنّه اعتبر السعادة أمرًا يظهر في سلوك الإنسان، ونشاطات حياته، فهو جزء لا يتجزّأ من الحياة، وكأنّه هنا قد نظر إلى كلام سقراط؛ الذي دعا إلى أن يكون اهتمامنا بالحياة أبديًّا، وأن نسلك كما لو كنّا نعيش سعداء في حياة سرمديّة. أراد أرسطو توسيع نطاق السعادة، أو إضفاء الأصالة على الحياة الدنيويّة؛ فصار يبحث عن هدف الأخلاق في عالم الدنيا، لا أنّه اعتبر كلّ هذا العالم مقدّمة وراح يفتّش عن هدف وراءه.
ولقد رأى أرسطو، في مراعاة الاعتدال والوسطيّة المعيار الكلّي في تمييز الفضيلة عن الرذيلة، على أنّ أفلاطون هو الآخر، كما لاحظنا، كان قد أَولى العدالة اهتمامًا، غير أنّ أرسطو هو الذي جعلها معيارًا للفضيلة والرذيلة.

أما فيما يتعلق بنقد هذه النطرية، فحاصل الأمر:
لقد ذهب سقراط وأفلاطون إلى أنّ العلم هو العلّة التامّة للعمل، وأنّ الحكمة هي أُمّ الفضائل، وهذا كلام فاسد قطعًا، فما من امرئ إلّا ويُدرك بالوجدان أنّ العلم ليس هو العلّة التامّة للعمل. وعلى الرغم من محاولة بعض دعاة هذا المذهب تسويغَ هذا المُدَّعَى، لكنه تسويغ لا يخلو من تكلّف. وعلى أيّة حال، فناهيك عن التجارب الشخصية لكلّ إنسانٍ، فإنّ آيات الذكر الحكيم تشهد، هي الأخرى، على حقيقة أنّ العلم لا يمكن أن يكون العلّة التامّة للعمل.

العنصر الإيجابي الذي تنطوي عليه نظريّة أرسطو، والذي أقرّه جميع المفكّرين المسلمين تقريبًا؛ هو مسألة الاعتدال، لكن يبدو أنّ هذا المعيار يفتقر إلى الفعّاليّة اللّازمة؛ إذ من المتعذّر معرفة الفضائل والرذائل الأخلاقيّة من خلاله، فوفقًا للتفسير المطروح لنظريّة الاعتدال؛ يتعيّن، بادئ ذي بدء، معرفة قوى الإنسان جميعًا، ومعرفة الغاية النهائيّة، وتحديد العلاقة بين تلك القوى والغاية المنشودة. ومن ثمّ، وبعد اجتياز هذه المراحل جميعًا، لا بدّ من الوقوف على مواطن تعارضها، وفي أيّ ظرف، والطريقة الواجب اتّباعها لرفع التعارض ومراعاة الاعتدال.
المأخذ الآخر الذي يُؤخذ على نظريّة كلٍّ من سقراط وأفلاطون وأرسطو، بل وعلى بعض مَن تبعهم من فلاسفة المسلمين، هو أنّ الكمال الحقيقي للإنسان لا يتوقّف على العلم الاكتسابي فقط. فإنّ كلّ ما يُتعلَّم هو علوم اكتسابيّة، ومع أنّ الأخيرة تُدَعّم القوّة العاقلة، وتُفَعّل استعداداتها، فليس هذا هو مقام الإنسانية كلّه.
فعلى الرغم من أنّ بعضهم يحمل علومًا جمّة، تجده في مرتبة متدنّية جدًّا من الأخلاق والقيم المعنويّة، بل وقد يمتلك بعضٌ آخر علومًا أكثر، ويكون مع ذلك أشدّ هبوطًا وتسافلًا من بعض الجهّال والأمّيين من حيث المرتبة المعنويّة.

الفصل الخامس: نظرية الإسلام الأخلاقية
أوّل مبدأ يُعَدّ ضروريًّا لتبيين النظام الأخلاقي الإسلامي، والمتّصل في واقع الأمر بنظريّة المعرفة؛ هو أنّ القيم الأخلاقيّة مرتكزة على الحقائق العينيّة، فالمفاهيم التي تُتّخَذ في الأخلاق على اعتبار أنّها مفاهيم قيميّة، ليست مستقلّة عن المفاهيم النظريّة والعينية. وبعبارة أخرى الإيديولوجيّة المبنيّة على الرؤية الكونيّة.

وبقبول هذا المبدأ، تبطل الكثير من النظريّات الأخلاقيّة تلقائيًّا؛ وهي النظريّات القائمة على أنّ المفاهيم الأخلاقيّة، هي من صنف المفاهيم التي يُدركها العقل العملي بشكل مباشر، وليس لها أيّ صلةٍ بالحقائق العينية، أو أنّها مفاهيم إنشائيّة لا تحكي الحقائق الخارجيّة، بل تتحقّق بأمرِ آمرٍ ونهيِ ناهٍ، سواء أكان الآمر والناهي هو الله، أو العقل، أو المجتمع، أو أيّ مصدرٍ آخر.
المبدأ الثاني من المبادئ الضروريّة لبيان النظام الأخلاقي الإسلامي، وهو مبدأ فلسفي يرتبط بعلم الوجود، هو أنّ العلاقة بين كلّ علّة ومعلول؛ هي من قبيل علاقة الضرورة بالقياس؛ فإنّ لكلّ علّة هذه الضرورة بالنسبة لمعلولها، وإنّ افتراض ضرورة المعلول يستلزم افتراض ضرورة العلّة. وإنّ العلاقة بين أفعال الإنسان الاختيارية، والنتائج المترتّبة عليها، هي من مصاديق هذا اللون من العلاقة؛ بمعنى أنّ نتائج الفعل الاختياري هي معلولات لهذا الفعل، وإنّ للفعل الاختياري ضرورة بالقياس بالنسبة لهذه النتائج. وما الواجبات والمحظورات الخلُقيّة إلّا تعبيرات عن علاقة الضرورة بالقياس هذه.

المبدأ الثالث في قائمة مبادئ النظام الأخلاقي في الإسلام، والمتعلّق بعلم النفس الفلسفي، هو أنّ للإنسان، مضافًا إلى الجسد، روحًا لها قابليّة الاستقلال والبقاء؛ ما يعني أنْ ليس الإنسان هذا الجسد المادّ ي فحسب، بل إنّ له روحًا تملك أن تبقى إلى الأبد. وبقبول هذا المبدأ يكون لحياة الإنسان بُعدٌ لا نهائي، وعليه فإنّه لا ينبغي بحالٍ أن يتصور تبعات أفعاله منحصرةً ضمن النطاق الضيّق للحياة المادّيّة، بل لا بدّ من الالتفات أيضًا إلى ما تتركه من آثار على سعادة الإنسان وشقائه الأبديَّين، وإنّه لمن هذا المنطلق قد اعتبرنا تجاهلَ الحياة الأخرويّة أحدَ أهمّ المآخذ على بعض المذاهب الأخلاقيّة لدى نقدناها.

ومن أحد المبادئ الموضوعة للأخلاق الإسلامية أنّ الإنسان يستطيع بالالتفات إلى نفسه أن يوجّه فعله نحو الله، أو في الاتجاه المعاكس، وهو لا ينتهي إلى قُرب الله إلّا إذا كان سلوكه ذا وجهة إلهيّة. وحيث إنّ منشأ فعل الإنسان إرادتُه، وحيث إنّه لا إرادة دون معرفة فإنْ كان لمعرفة العبد بالله وكسب رضاه أثناء عبادة العبد باعثٌ إلهي؛ كانت وجهة عبادته إلهية. على أنّ الفؤاد هو الذي يحدّد وجهة سير الإنسان، وإنّ التفات الروح هو الذي يمنح الأفعال وجهتها، ولهذا تنهض النيّة بدورٍ أساسيٍّ في النظام القيمي الإسلامي.

كلّ فعلٍ اختياريٍّ ينبع من التفاتٍ خاصٍّ للنفس، ويُفضي إلى كمال من كمالاتها في مرتبةٍ وشأنٍ خاصَّين، وهذه الكمالات الحاصلة للنفس هي كمالات لذلك الشأن من النفس بالذات، وهي بالطبع كمالات بالمفهوم الفلسفي للكلمة؛ لكنها، ومن حيث توفّر جوهر النفس على مراتب أعلى أيضًا، لا تكون دائمًا ذات أثر في تكامل الأخير، فالأكل مثلًا يؤلّف شأنًا من شؤون المرتبة المادّيّة للنفس، وهو الشأن المتّصل بتناول الطعام، وإنّ لنا أن نَعُدّه كمالًا للنفس في هذه المرتبة المتعلّقة بالبدن، والمرتبطة بهذا الشأن؛ لكنه كمال نسبي، ولا تكون هذه الكمالات بحقٍّ كمالاتٍ للنفسِ حقيقيةً إلّا إذا أثّرَت في جوهر النفس بكلّيته، وبجميع مراتبه المختلفة؛ بمعنى أن يكون لكمالٍ نسبيٍّ في هذه المرتبة وهذا الشأن، أثرٌ في أن تتكامل النفس من حيث كونها موجودًا واحدًا ذا مراتب.
وبالطبع، إنْ حظيَ ما يتّصل بالمراتب الهابطة للنفس باهتمامٍ أصيلٍ؛ فستهبط النفس إلى تلك المرتبة، ومن ثمّ فإنّ حصيلة هذا المبدأ هي أنّ الكمالات النسبيّة المتعلّقة بالقوى الهابطة للنفس لا تكون كمالًا حقيقيًّا للإنسان إلّا إذا ساعدت على سير النفس نحو اللّانهاية، ولم تُوقِفها في مرتبةٍ ما.

ونستنتج من هذا المبدأ أنّ الأفعال الخلُقيّة التي موضوعها الأفعال الاختيارية والتي للإرادة فيها دور إنّ ما تقود إلى كمال النفس من خلال هذه الإرادة بالذات؛ بمعنى أن روح الأفعال الاختياريّة هي النيّة، وإنّه لَمن النفس ذاتها ينبعث دافع النفس على إنجاز هذا العمل. فهذا الالتفات الحاصل من النفس، والباعث لها لتوظيف الجسد لفعل شيءٍ ما، هو الذي يمنح الفعل القيمة، ويمدّه بالتأثير لإنالة النفس الكمال. فلولا الإرادة، ولولا اعتناء النفس بهذا الفعل الجسدي؛ لما أورثَ أيُّ فعلٍ جسديٍّ كمالًا للنفس. ويكشف هذا المبدأ كيف يكون للنيّة أثر في الفعل الخلُقي، ولا سيّما من جهة أنّه يجرّ إلى كمال النفس أيضًا، وإنّه لمن خلال هذا المبدأ يتسنّى لنا توضيح الصلة بين الكمال، ونفس الإنسان، وتكاملها عبر الأفعال الاختياريّة.
اعتمادًا على المبادئ آنفة الذكر؛ يمكننا بيان معيار القيمة بحسب النظريّة الأخلاقيّة الإسلاميّة كما يلي: القيمة الأخلاقيّة للفعل الاختياري للإنسان تَتْبَع تأثير هذا الفعل في نيل صاحبه الكمال الإنساني الحقيقي، فقيمة كلّ فعلٍ هي من مقدار أثره في ذلك الكمال؛ فإن كان أثره سلبيًا، كانت قيمته سلبية، وإن كان تأثيره إيجابيًّا، كانت قيمته إيجابيّة، أمّا إذا لم يكن له فيه من أثر، لا سلبًا ولا إيجابًا، كانت قيمته صفرًا أو متعادلة.

العناصر الرئيسة للنظريّة الأخلاقيّة الإسلاميّة:
1. إنّ نمط تأثير الفعل على كمال النفس هو الذي يحدّد ملاك قيمته.
2. العمل الذي له أبلغ التأثير في أعلى كمالٍ إنسانيٍّ يحظى بأعلى قيمة خلُقيّة. بمعنى أنّ كلّ عملٍ يُورِث تقرّبًا أكبر إلى الله عزّ وجلّ، ويوصل صاحبَه إلى مرتبةٍ أعلى من القرب، يكون ذا قيمة أعظم.
3. العمل الذي يكون له أعظم الأثر في النأي بالإنسان عن الله تبارك وتعالى؛ هو أخسّ الأعمال قيمةً وأقبحُ الرذائل.
4. ولو افترضنا فعلًا وسطًا بين الطرفين يتساوى في المسافة عن كليهما؛ فليس له من تأثيرٍ في سير الإنسان نحو الله تعالى، ولا له من دور في إبعاده عنه عزّ وجلّ، فهو فعل غير ذي قيمة؛ أي إنّ قيمته صفر، ولنقل إنّه من حيث القيمة الخلُقيّة متعادل. وهناك بين هذين الطرفين ما لا نهاية من المراتب.
5. القيم الأخلاقيّة في الأصل تتبع النوايا، لكن بما أنّ كلّ نيّة تتجانس في الأغلب مع نوعٍ أو بضعة أنواع من الأفعال؛ فإنّ صورة الفعل، وحجمه، وكمّيّته، وكيفيّته تتناسب مع تلك النية؛ وعليه فإنّ القيم الأخلاقيّة بالطبع تتناسب مع خصائص الفعل هذه أيضًا. وبصيغةٍ أُخرى فإنّه لا بدّ للفعل الأخلاقي، من ناحية، أن يكون عملًا صالحًا في حدّ ذاته؛ أي أن يكون من شأنه إيصال صاحبه إلى الكمال، ومؤهَّلًا لمثل هذه المهمّة، ومن ناحيةٍ أُخرى أن تكون النيّة من ورائه نيّة صالحة؛ لكي يعود كمالُه إلى النفس.
6. لقد وُضع للقيم في الإسلام حدُّ نصاب. على أنّنا لا يسعنا وضعُ صيغة دقيقة للقيم، ما لم نحِط بما لكلّ فعلٍ من الأفعال من تأثيرات وبصمات على شؤون حياة الإنسان كافّة، فَرديّها واجتماعيّها، وهذا غير متيسّر لنا. من أجل ذلك يتحتّم علينا في كثير من الحالات، بل في معظمها، الاستعانة بالوحي للوقوف على حُسن الأفعال وقُبحها.

يرى القرآن الكريم كمالَ الإنسان النهائي في قربه من الله عزّ وجلّ. وإنْ حلّ لنا القرب للاحظنا أنه ليس المراد منه القرب المكاني ولا الزماني؛ إذ لن تقوم للإنسان مع الله بتاتًا علاقة زمانيّة أو مكانيّة، وإنّ مثل هذه العلاقة لا تكون إلّا بين كائنين جسمانيّين، كائنَين مستقرَّين في ظرف الزمان والمكان. أمّا إذا خرج أحد الطرفين عن ظرف الزمان والمكان؛ فلن تقوم بينه وبين الداخل في هذا الظرف علاقة زمانيّة ومكانية.
الذي يُستشف مما ورد في الكتاب والسنة، وهو ما يتسنّى إخضاعه للتحليل فلسفيًا وعقليًا، هو أنّ روح الإنسان تُقِيم نتيجةً لأعمالٍ خاصّة علاقةً وجوديّة أمتن مع الله تبارك وتعالى، وهذا أمر حقيقي وتكويني، لكنه اكتسابي. ونتيجة لهذه العلاقة يكتسب جوهرُ نفسِ الإنسان ذاته كمالًا أعظم، وكلّما زاد كمال النفس ازدادت لذائذها.
وأمّا فيما يتّصل بمعرفة السبيل الموصلة إلى هذا الكمال، فلا بدّ في تفاصيله من الأخذ من الوحي أيضًا. أمّا ما يمكن طرحه كتحليلٍ عقليٍّ وبشكل عنوانٍ عامٍّ، فإنّ كلّ ما ينأى بالإنسان عن الاستقلال، وحبّ الذات، والشرك بالله يصبّ في اكتساب هذا الكمال. وإنّ ما يقود الإنسان إلى عدم إدراك آصرته الوجوديّة مع الله تبارك وتعالى إدراكًا صحيحًا، ويُضعِف عِلمَه الحضوري به عزّ وجلّ، هو جعل ما سوى الله مستقلًّا عنه، والاهتمام بكلّ ما عدا الله على أنّها موجودات مستقلّة وذات أثر وحدها، وأوّلها الإنسان نفسه.