البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب: كتاب التعليل الأخلاقي بين البنيويين والنسبويين

الباحث :  إدارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  40
السنة :  خريف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 30 / 2025
عدد زيارات البحث :  74
تحميل  ( 604.316 KB )
معلومات النشر:
اسم الكتاب: التعليل الأخلاقي بين البنيويين والنسبويين
الكاتب: داليا عبدالله تونسي
ترجمة: نهاد محسن ونهى طنطاوي
دار النشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر
مكان النشر: بيروت
زمان النشر: 2013
عدد الصفحات: 143

تمهيد
يهتمّ الفلاسفة بسبر جوهر الأخلاق ومصدرها والخصائص التي تميّز السلوك الأخلاقي، في حين أن علم النفس الاخلاقي، باعتباره أحد العلوم التجريبية، يهتم بإنتاج معارف وصفية تستند إلى النظريات الفلسفية وتُدخلها في نطاق التطبيق الواقعي.
وتضم أبحاث الأخلاق التي يسعى الفلاسفة وعلماء النفس إلى تقديم مساهماتهم فيها أربع مجموعات من المصطلحات:
1. القيم الأخلاقية moral values: التي تشير إلى المعايير التي يستخدمها الفرد بوصفها مقاييس لتحديد التصرّفات الأخلاقية، ومن أمثلتها المصلحة الشخصية والعدل والحرية والمساواة.
2. التعليل الأخلاقي moral reasoning: ويقصد به العمليات الإدراكية المستخدَمة في اتّخاذ قرارات ذات آثار أخلاقية.
3. التبريرات الأخلاقية moral justifications: ويُقصد به التمييز بين الأسس المنطقية الغائية والتحليلات الالتزامية لتحديد ما هو أخلاقي، أي الموازنة بين عواقب الفعل وضرورة القيام به لكونه أخلاقيًا.
4. السلوكيات الأخلاقية moral behaviors: ويُقصد به الفعل الصادر عن الفرد في موقف يتطلّب نشاطًا ظاهرًا.
يدرك المحلّلون المعاصرون أن الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس، باختلاف توجّهاتهم ومدارسهم الفكرية، هم نتاج مجتمعهم وزمانهم. وتفسيرهم للواقع الاجتماعي يتشكّل من طرق التنشئة الأسرية والاجتماعية التي تربوا عليها، وأثر ذلك على نظرتهم الثقافية نحو العالم.
ويمكن من خلال القراءة المتأنّية للتاريخ الحديث لفلسفة الأخلاق وتقاطعه مع علم النفس الأخلاقي ومفاهيم القيم الأخلاقية في العلوم الاجتماعية تحديد التأثير الواضح للأساس المنطقي التعليلي المتزامن الذي هيمن على هذه المجالات العلمية في القرنين الأخيرين.
وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان تأثير النظرية التطورية لداروين بالغًا على كلٍّ من علم النفس والعلوم الاجتماعية، فقد زاد الميل نحو التفسيرات البيولوجية لأبحاث علم النفس وزاد التركيز على آليات الدماغ الكامنة والوظيفية في ما يتعلّق بالتأقلم النفسي عند وصف العمليات الإدراكية العقلية، وتلك المنهجيات أثّرت بدورها في مجال وضع النظريات الأخلاقية في تلك الحقبة، فذاع صيت الإطلاقية الأخلاقية التي تفترض أنه يمكن من خلال التفكير الواعي والبحث العلمي المنهجي اكتشاف المبادئ الأخلاقية البنّاءة ذات الطابع الكوني التي لا تقتصر على زمان أو مجتمع معين، بخلاف ذلك اتخذ التحوّل في علم الاجتماع الحالي المتأثّر بمناهج الأنسنة أسلوبًا تصنيفيًا يتضمن الاجتهاد في تصنيف التوجّهات الفلسفية التي يستخدمها الأفراد في توظيفهم للأخلاق، ويتّسم هذا المنهج في الأساس بأنه وصفي بطبيعته؛ لأنّه نظام للتصنيف بحد ذاته، فإنه لا يتضمن مرجعيّات مقنّنة يُستند إليها أو معايير عالمية متّفق عليها.

واستنادًا إلى المدرسة النسبية في مجال الأخلاق، يؤكّد التوجّه الأنسني الحديث في علم الاجتماع على الطبيعة الاعتباطية للقيم الاجتماعية، ويقولون إنه لا يوجد أسس يمكن الدفاع عنها لتفضيل مجموعة من القيم على مجموعة أخرى.
ثم إن من أكثر السمات التي تميز المنهجي العلمي هو طبيعته التجريبية، وقد أُجريت العديد من الأبحاث في مجال التربية التي تتناول تطور الحكم الأخلاقي بتبّني المنهج البنيوي المعياري العلمي، وهذا المنهج في مبحث الأخلاق قد لقي حظّه الوافر من النقد من علماء الاجتماع والأنسنة والتوجّهات المنهجية المضادة لمنهج الجبرية البحثي، حيث إن أسلوبه المعياري يفترض أن السلوك الإنساني تحكمه قواعد محّددة يمكن قياسها ويهمل تنوع السياقات وتعقيد التجارب الداخلية للبشر، هذا إلى جانب استبعاد أفكار الاختيار والحرية والسياق الاجتماعي.

هذا التقسيم ثنائي القطب - بين الطرق البنيوية وغير البنيوية- يعرّض أي باحث محايد لموقف صعب، حيث يلزم منه اختيار أحد الجانبين حتى يمكنه اختيار طريقة صحيحة قادرة على التحقيق في مشكلة البحث حول الأخلاق، فإذا اختار الباحث التوافق مع المنهج غير البنيوي الاجتماعي، فيتحتّم عليه الاعتراف بالمنظور النسبي للأخلاق ودحض فكرة وحدة البشر الأخلاقية، ولكن اذا اختار الباحث مواصلة التزامه بنظرية المعرفة الجبرية والتكيّف مع الطريقة البنيوية، حينها يكون من الضروري أن يفكّر بدقّة في مدى مطابقة أنواع الأحداث والمشكلات التي سيدرسها لتحفيز المشاركين في بحثه بناءً على تعريف محدد للأخلاق وذلك لتصميم أدوات البحث المناسبة.

الفصل الأول: نظريات التنشئة الاجتماعية
تأثّر علم الاجتماع في تحليله للتنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالأخلاق بنمط الأفكار السائد في حقبة التطورية الداورينية، حيث يرى أصحاب نظريات التنشئة الاجتماعية أن الأخلاق ترتبط بالقواعد الاجتماعية السائدة، وتميل إلى النسبية الأخلاقية، حيث إن هذه القواعد اعتباطية تمامًا، وأما الباحثون في توجّه النمو الإدراكي الذي يعزّز مدرسة علم نفس السلوك، يؤيّدون الموقف الليبرالي الذي يرى أن الأفراد ليس عليهم الالتزام بالقواعد الاجتماعية العامة إلّا إذا كانت تتّفق مع منظومتهم الفردية الشخصية عن العدالة وحقوق الإنسان.
ويؤكّد أصحاب النظرية الاجتماعية على عدم التميز بين الأخلاق والسلطة؛ لأن امتثالهم للأخلاق مضمون بالقوة أو عن طريق اللاوعي لأسباب مثل الحاجة إلى النظام. في حين يعتقد توجه النمو الإدراكي أن امتثال الفرد أمر إرادي.

وتوضح النظرية الاجتماعية أن الالتزام بالمعايير الثقافية ضرورية من أجل التطور الطبيعي لشخصية الفرد، وعلى عكس نظرية النمو الإدراكي التي تشير إلى أن الأخلاق والسلوك الاجتماعي توجّههما محاولات عقلانية واعية للتعامل مع الصراعات الأخلاقية المصاحبة لأنماط العلاقات الاجتماعية، تشير النظرية الاجتماعية إلى أن هناك دوافع لاواعية وغير خاضعة للتحكّم العقلاني هي التي تحدّد التحيّزات الأخلاقية والسلوك إلى حدّ كبير.
يرى بعض الباحثين أن القبول الواسع التي حظيت به نظرية النمو الإدراكي في علم النفس كانت ردة فعل على التوجّه الوظيفي في منظور النظرية الاجتماعية، بالإضافة إلى ذلك فإن التوجه النشوئي - الدارويني للنظرية الاجتماعية قد تعرض أيضًا للنقد من قبلهم بسبب تأييده للنسبية الأخلاقية التي ينادي بها علماء الانتروبولوجيا.
أما التوجه النشوئي الدارويني في علم نفس النمو الإدراكي المطلقي، فقد وضع رأيًا معاكسًا للغاية، إذ إنه يربط تطور المجتمع البشري بمقدار التقدم المحقّق في الأخلاق، فالعقلانية هي صفة متأصّلة في النزعة الإنسانية لتطوير فكر مستقلّ، ويمكن تصنيف أشكال الفكر الأخلاقي تصاعديًا من حيث البُعد التطوري، من البسيط إلى المعقد.
ولأجل هذا فإن المنظورين الاجتماعي والإنتروبولوجي، المرتبطين بمذهب النسبية الأخلاقية واسع الانتشار، اعتُبرا السبيل الوحيد لتعزيز التسامح وعدم الحكم على الآخرين، وعلى الرغم من ذلك يوجّه العديد من التربويين وعلماء النفس الغربيين انتقادات حادة لمنهج النسبية، ويدّعون أنه مدمّر للغاية لبنية الحضارة الغربية؛ لأنه يؤدي إلى قيام ثقافة سطحية يكون كل شيء فيها مقبولًا.

بالنسبة لنظريات علم نفس النمو الإداركي الأخلاقية، فقد هيمنت نظريّتان أساسيّتان فيه: نظرية بياجيه عن النمو الأخلاقي، ومراحل نمو التعليل الأخلاقي لكولبيرج.
أما بياجيه فقد تجاهل في نظريّته التأثيرات الاجتماعية، واعتبر أن جوهر الأخلاق يتمثّل في الاحترام الذي يبديه الفرد لقانون الأخلاق، وتدور نرية بياجيه حول فكرة أن الأخلاق يمكن أن تأخذ شكلين مختلفين نوعيًا: يعتمد أحدهما على أخلاق التقييد والآخر على أخلاق التعاون، مع ربط أخلاق التقييد بالتقاليد والأعراف، وأخلاق التعاون بجوهر القانون الأخلاقي.

ويعتبر تمييز المفاهيم الأخلاقية من الأعراف والتقاليد النقطة الحاسمة في تطور النمو الإدراكي عند الطفل، من التبعية إلى الاستقلال. وقد وجه بعض الباحثين نقدًا إلى نظرية بياجيه التي اعتبر فيها الترتيب بين أخلاق التقييد والأعراف من جهة وأخلاق التعاون والاستقلال من جهة أخرى ترتيبًا تصاعديًا، حيث ذكر النقّاد أن الفهم الأخلاقي الاستقلالي عند الطفل لا يأتي متتاليًا بعد الفهم العرفي، ولكنه يتواجد متزامنًا معه من الناحية الإدراكية خلال مرحلة الطفولة المبكرة. وهذا النقد يتّفق مع مؤيّدي الإطلاقية الأخلاقية ومع النموذج البنيوي لعلم نفس النمو، والتي تستند إلى القانون الطبيعي.
هذا بالنسبة لبياجيه، وأما بالنسبة للتيار الثاني في علم نفس النمو الإدراكي، وهي مراحل التعليل الأخلاقي عند كولبيرج، حيث انتقد رؤية النظرية الاجتماعية للأخلاق واعتبر أن الاعتقاد بأن الأخلاق مرتبطة حتمًا بالثقافة السائدة، اعتقادًا لاعقلانيًا وتقليديًا، وبالتالي لا بدّ من النظر إلى النمو الأخلاقي على أنه نمو ضمن مراحل متعاقبة.

وضع كولبيرج نظرية تقوم على نظام من ست مراحل للحكم على التعليل الأخلاقي، وهي المراحل التي تنقسم بعد ذلك إلى ثلاث مستويات:
أول مستوى هو مستوى ما قبل التقاليد الذي يتضمن المرحلتين الأولى والثانية، ومن المتوقّع أن يندرج معظم الأطفال وبعض البالغين في أي مجتمع تحت هذا المستوى.
وعلى النقيض يتضمّن المستويان العرفيان المراحل الأربع الباقية والتي من المحتمل أن يتصف بها البالغون أكثر من الأطفال.
وقد نجح كولبيرج في دراسته الطولية هذه في التوصل إلى نتيجة رئيسية، وهي أن نموذج الإدراك الأخلاقي ينمو عند الأطفال بشكل هرمي ثابت متسلسل، وذلك على عكس نتيجة بياجيه التي تنص على أن الأطفال كثيرًا ما يفكّرون في المشكلات الأخلاقية المختلفة بمناطق إطار متقاطعة ومتداخلة وليست حتمية التسلسل.
ومن الانتقادات التي تعرض لها كولبيرج أنه قدم نظرية ذات نهج شكلاني فلسفي، يتجنّب القيم الخاصة للفرد باعتبارها نسبية وذاتية ويشترط أن تكون المبادئ الأخلاقية عامة وقطعية ومجردة. وينتهي به الأمر ليختزل الأخلاق في العدالة السياسية والقانونية ويحصر نفسه في مجال التعليل الأخلاقي الضيق ما يُطلق عليه استدلال العدالة.

وأما عن الأخلاق في الإسلام، فإن المفهوم الغربي الحديث للحرية يتمركز حول الحفاظ على السلام والرخاء العام عن طريق شحذ الفرد الحر في اتجاه المدنية، ولكن منطق هذه القواعد لم يعد يخضع لأي نفوذ موجّه من قبل سلطات مطلقة غير قابلة للمساءلة مثل سلطة الله والمتمثّلة بقوانين تشريعية دينية، وهكذا فإن الأخلاق تكون منفصلة عما اعتاده الناس من قبل حقائق الوحي وسلطة النبوة والتقاليد الدينية واجتماع المجتمع الديني، وقد أدى هذا الانفصال إلى ما يطلق عليه أسلوب التعليل الأخلاقي المعياري لمرحلة ما بعد العرف الذي حل محل الاشكال التقليدية للأخلاق المتأصلة في الدين.
وعلى النقيض يوجد في الإسلام ارتباط وثيق بين الدين والأخلاق، ويظهر هذا بوضوح في الأساليب المعيارية التي تحكم الحياة اليومية للمسلمين. حيث تؤكد الكثير من الآيات القرآنية وأحاديث النبي  على فكرة ارتباط الإيمان بالفعل الأخلاقي. كاعتبار التبسم في وجوه الآخرين صدقة.

في الحقيقة، بدلًا من التعامل مع العبادة على أنها مجموعة من الشعائر الدينية، يمكن للمرء في المنظور الإسلامي اعتبار أن كل فعل يقوم به الإنسان، سواء أكان تجارة أو تناول الطعام أو قراءة كتاب هو مظهر من مظاهر العبادة، طالما أنه خالص تمامًا من النفاق والرياء.
كما تسهم الافتراضات المتعلّقة بحرية الإرادة في تشكيل الأخلاق الإسلامية، فكل فرد في النهاية مخير في اتباع الرشد والهداية الواضحة المنزلة من عند الله أو أن يترك نفسه للضياع في غياهب الضلال. كما أنه من الصعب للغاية التمييز بين الأخلاق والتقاليد أو العادات الاجتماعية أو الأعراف في المجتمعات الإسلامية، فالتحية مثلًا التي لن يختلف أحد على تصنيفها بأنها مسألة عرفية بحتة، لها مدلولاتها الدينية المحددة في الإسلام، كما تنظّمها شعائر دينية محددة وآداب سلوكية.
كما يُعدّ التركيز على سرمدية المبادئ الدينية أحد الاختلافات الرئيسية بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الغربية. ولهذا فالنمو الأخلاقي في الإسلام رحلة شخصية تقوم بها النفس بشكل مستمر وحثيث للبحث عن سبل تحقيق هذه المبادئ وإنها ليست مجرد عملية نمو إدراكي، وبخلاف تصورات كولبيرج فليس هناك منتهى للأخلاق، ولا يوجد مرحلة يصل إليها الفرد ويلتزم بها باستمرار، ولكنها تحتاج إلى عزيمة متجددة دائمًا وجهاد لا ينقطع.

الفصل الثاني: حول التربية الأخلاقية
تهتم التربية الأخلاقية بإكساب الطفل القدرة على التفكير في القرارات الأخلاقية الصائبة والتصرف وفقًا لها. ومع ذلك، فلم تنجح الدراسات والبحوث التي أجريت في علم نفس النمو الأخلاقي في تقديم مساعدة حقيقية لنشر نموذج مترابط وقابل للتطبيق للمناهج الدراسية. ويرجع ذلك إلى نظرة علم النفس الثلاثية للنمو الأخلاقي: المشاعر، الدوافع، والانفعالات.

كما أن سؤال المنهج أرّق الباحثين في أساليب التربية الأخلاقية خاصة في المقارنة والتفضيل بين التوجه الشكلاني والتوجه النسبي في النظر للأخلاق.
يعتقد العديد من المربّين أنه لا بدّ للتربية الأخلاقية من تعزيز قدرات الفرد في إنشاء المعنى وتوليد الخطاب الأخلاقي الذاتي ليتمكّن الفرد من التجرّد من مصالحه الشخصية الخاصة في المواقف ذات الصلة الأخلاقية، لكن النتائج المترتّبة على هذه النظرة المتفائلة لوظيفة التربية الأخلاقية في تمكين الفرد ومنحه سلطة إنشاء الخلق عوضًا عن تلقيه ربما تؤدي إلى نتائج غير مضمونة مثيرة للجدل في زمن تفشّي التعددية الأخلاقية المتطرّفة لما بعد الحداثة.

من المفترض أن التربية الأخلاقية يجب أن تقدّم بعض المساعدة من أجل أن تكون عملية اتخاذ القرار في المواقف ذات الدلالة الأخلاقية التي نواجهها يوميًا في حياتنا بناء على أساس من المبادئ الصريحة أو الضمنية، إلا أن الواقع ليس هكذا دائمًا فالمربون في المجتمعات الغربية لديهم شغف الظهور بمظهر التسامح، ويواجه الأطفال معضلات حقيقية، ولكنهم يتلقّون ضمنًا فكرة أن الفروق بين المواقف الأخلاقية المختلفة ليست ذات قيمة حقيقية؛ لأن كل الخيارات جديرة بالقبول والاهتمام، كل الاختيارات متساوية من حيث الأهمية.

وإذا تجاوزت درجة النسبية الأخلاقية في أساليب التربية الغربية نقطة حرجة، فسيختفي التمييز بين الأخلاقي واللاأخلاقي.
هناك فئة أخرى من الباحثين، وهم مؤيّدو حركة التربية الأخلاقية عن طريق النمذجة؛ حيث يطرحون افتراضات مختلفة عن التدريس والتعليم، ولديهم تصورات متباينة لأسباب حدوث الفشل الأخلاقي بين الشباب في المجتمعات الغربية، وتستند التربية بالنمذجة في الأساس إلى أنشطة ممنهجة وتوظّف أسلوب تعزيز النمذجة الخارجية بهدف تحسين السلوك الأخلاقي، وتؤكد أن الأطفال يتعلّمون من خلال مراقبة الآخرين أكثر من تعلّمهم من طريق المكافأة أو العقاب.

وقد تعرضت النمذجة لبعض الملاحظات، حيث رأى بعضهم أنها تتّسم بالتلقين، وأنه عندما يتلقى الأطفال الأحكام الأخلاقية بشكل سلبي من الكبار، يكون التغيير الناجم ضئيلًا. لا بد للطفل أن يسعى لتمييز آرائه الشخصية.

ملاحظات نقدية
يقدم كتاب «التعليل الأخلاقي بين البنيويين والنسبويين» رؤية تحليلية للجدل الدائر بين المدرستين البنيوية والنسبوية في تفسير الأخلاق والتعليل الأخلاقي، مستعرضًا نظريات بياجيه وكولبيرج والنظريات الاجتماعية والأنثروبولوجية. ورغم قيمة الجهد الواضح في جمع هذه المقارنات وتقديمها، فإن المضمون العام للكتاب يعاني من إشكاليات منهجية ورؤيوية عميقة، خاصة عند قراءته من منظور إسلامي.
أولى هذه الإشكاليات هي القطيعة الضمنية مع المرجعية الدينية كأساس للتأسيس الأخلاقي، فالكتاب يعرض النظريات الغربية بوصفها إطارًا شاملًا لفهم الأخلاق، بينما يتعامل مع الرؤية الإسلامية كمجرد نموذج ثقافي أو تراثي من بين نماذج أخرى. وهذا يتجاهل حقيقة أن الإسلام يقدم نظامًا أخلاقيًا متكاملًا ومستقلًا، قائمًا على الوحي وليس على التطور التاريخي أو الاجتماعي فقط. فالأخلاق في الإسلام ليست نتاجًا للتنشئة الاجتماعية أو التطور الإدراكي فحسب، بل هي جزء من العقيدة والإيمان، ومصدرها النصوص الشرعية الثابتة، وليس العرف أو الاتفاق البشري المتغير.
ثانيًا: إشكالية النسبوية الأخلاقية التي تروج لها الكثير من النظريات الغربية المعاصرة، والتي يعرضها الكتاب دون نقد كافٍ من منظور قيمي واضح. فالنسبوية، التي ترى أن القيم الأخلاقية تختلف باختلاف الثقافات والمجتمعات، تتعارض مع الرؤية الإسلامية التي تؤمن بوجود حقائق أخلاقية مطلقة مصدرها الله تعالى، وهي صالحة لكل زمان ومكان. الإسلام لا ينكر وجود اختلافات في التطبيقات أو الأولويات الأخلاقية بين المجتمعات، لكنه يرفض أن تكون الأخلاق مجرّد انعكاس للعرف أو السلطة أو التطور البيولوجي. الخير والشر ثوابت شرعية، وليست مجرد بناءات اجتماعية قابلة للتغير حسب الظروف.
ثالثًا: النظرة التطورية الخطيرةالتي تتبناها نظريات مثل نظرية كولبيرج، والتي ترى أن التطور الأخلاقي يسير في مراحل ثابتة متصاعدة، حيث يُفترض أن المراحل الأعلى هي الأكثر عقلانية واستقلالية. هذه النظرة تتجاهل أن الاستقلالية لا تعني التحرر من الوحي أو الشريعة، بل تعني القدرة على فهم الوحي وتطبيقه بحكمة ووعي. لذلك، فإن افتراض أن «الاستقلال الأخلاقي» يعني تجاوز الدين أو التقليد هو افتراض غربي لا ينطبق على المنظومة الإسلامية.
رابعًا: إغفال البعد الروحي والتربوي في مناقشة التربية الأخلاقية، فالكتاب يركز على النمذجة والتعزيز والتنشئة الاجتماعية كآليات رئيسية للتربية الأخلاقية، بينما يغفل دور التزكية والإيمان والعبادة في بناء الضمير الأخلاقي. التربية الأخلاقية ليست مسألة إدراك أو محاكاة فقط، بل هي عملية شاملة تشمل القلب والعقل والسلوك، وتستند إلى التقوى والمراقبة الذاتية.
خامسًا: الفصل بين الأخلاق والدين الذي يظهر في الطرح الغربي ويعكسه الكتاب بشكل غير نقدي. ففي الإسلام مثلًا، الأخلاق جزء لا يتجزأ من الدين، بل هي ثمرة الإيمان. لا يوجد فعل أخلاقي بدون نية إيمانية، ولا يوجد إيمان بدون أخلاق. بينما في الكثير من النظريات الغربية، أصبحت الأخلاق مجالًا دنيويًا بحتًا منفصلًا عن الدين، مما أدى إلى أزمة قيمية واضحة في المجتمعات الغربية، كما يشير بعض النقاد حتى في الغرب نفسه.
سادسًا: التركيز على الجانب الفردي في التعليل الأخلاقي على حساب البعد الجماعي والتكاملي. فالنموذج الإسلامي للأخلاق لا يفصل بين الفرد والمجتمع، بل يربط بين صلاح الفرد وصلاح المجتمع، ويؤكد على مفاهيم من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكافل الاجتماعي، والمسؤولية الجماعية. بينما النظريات الغربية تميل إلى الفردانية، مما قد يؤدي إلى انعزال أخلاقي وغياب للمسؤولية المشتركة.
أخيرًا، يظل الكتاب – رغم قيمته الأكاديمية – أسير الرؤية الغربية للعلم والمعرفة، حيث يتم تناول الأخلاق كموضوع للتحليل النفسي والاجتماعي فقط، دون اعتبارٍ كافٍ للأبعاد الميتافيزيقية والروحية التي تعتبر أساسية في الرؤية الإسلامية. وهذا لا يقلل من قيمة الدراسة، لكنه يظهر الحاجة إلى مقاربات نقدية إسلامية عميقة تعيد بناء المفاهيم الأخلاقية من داخل المنظومة الإسلامية، وليس فقط مقارنة النماذج الغربية بالإسلام كنموذج آخر.
لذلك، يمكن القول إن الكتاب، وإن كان مفيدًا في عرضه للاتجاهات الغربية في التعليل الأخلاقي، إلا أنه يظل قاصرًا عن تقديم رؤية متوازنة وشاملة تتجاوز الثنائيات الغربية (نسبوي مقابل مطلق، بنيوي مقابل غير بنيوي).