الباحث : السيد عبد الرؤوف أفضلي، عزّ الدين رضا نجاد
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 41
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : March / 10 / 2026
عدد زيارات البحث : 154
إن النظرية القائلة: «إن الله من صنع أذهان البشر» وإن لم تكن من إبداع سيغموند فرويد؛ إذ سبق لهذه النظرية أن كانت مطروحة قبله أيضًا، بيد أنه يُعدّ هو المؤسس والمنظّر النفساني لهذه النظرية. فقد عمد، من خلال الاستناد إلى معطياته النفسانية، إلى إرساء قواعد الإلحاد النفساني ليقول: «إن الله إنما هو مجرّد نتيجة لتوهّم طفولي لا أكثر». وقد استند سيغموند فرويد في وصوله إلى هذه الغاية إلى أسس وقواعد من قبيل: الرؤية العلمية والداروينية والمادية الفيزيقية[3] أيضًا.
لقد أثبتنا في هذه المقالة، التي عمدنا إلى تدوينها بأسلوب تحليلي / توصيفي، أن رؤية سيغموند فرويد تعاني من نقاط ضعف وتحدّيات مهمّة، سواء على أساس المباني أو في أصل رؤيته. ومن بين التحدّيات المهمّة الماثلة أمام رؤيته أنّه على الرغم من كونه علمانيًا في المباني، واعتباره المنهج العلمي هو وحده المنهج والأسلوب الصحيح في الوصول إلى الحقيقة، إلّا أنّه عندما يطرح رؤيته يبدو وكأنّه يغفل عن هذا الأسلوب والمنهج. ثم إنّ رؤيته لا تحتوي على شروط الرؤية العلمية أيضًا؛ وذلك لأنّ من بين شروط الرؤية العلمية إمكان الخضوع للاختبار، وهو ما تفتقر إليه رؤيته. يُضاف إلى ذلك أنه على فرض صحّة رؤيته، فإن هذه الرؤية لا تستلزم القول بنفي وجود الإله.
الكلمات المفتاحية: الإله، الوهم الطفولي، سيغموند فرويد، الإلحاد.
1. المقدمة
على الرغم من اشتهار سيغموند فرويد[4] في الوقت الراهن بوصفه المؤسّس لنظريّة أو شبهة القول إنّ «الإله مجرّد وهم طفولي»، بيد أنّ الدراسات المتأخّرة تثبت أن هذه الشبهة أو ما يُشبهها كانت مطروحة في الأزمنة الضاربة في القِدم نسبيًّا، من ذلك مثلًا أن هناك من يرى أن الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم قد سبق سيغموند فرويد في بيان ما يُشبه هذه الشبهة قبل مئة وخمسين عامًا. يذهب ديفيد هيوم إلى الزعم بأن الإنسان إنّما اخترع مفهوم الدين للدفاع عن نفسه في مواجهة البلايا الطبيعية وتحسين ظروف المواجهة مع الموت، وبعبارة أخرى: ليس للدين جذور غيبيّة، وإنّما يجب البحث عن جذور المذهب داخل خبايا النفس الإنسانية لدى أفراد البشر. إن أذهان الناس هي التي تعمل على اختلاق شيء باسم الدين، وتقوم بتوظيفه بوصفه آليّة دفاعية في مواجهة الأزمات والمخاطر والكوارث والتغلّب على الصعوبات[5].
وكما ذكر بعضهم[6]، وقد أصاب الحق، فإن فيورباخ بدوره قد سبق سيغموند فرويد في القول بأن الدين من صنع أوهام الناس، وإن الإنسان هو الذي يخلق الإله وليس العكس. وكان يرى في شبه الإله بالإنسان سببًا إلى القول بأن الإله، حيث يمثّل تجسيدًا لآمال الإنسان وتطلّعاته التي لم يُكتب لها التحقّق، كان الإله لهذا السبب يُشبه الإنسان إلى حدّ التطابق والتماهي[7].
وعلى هذا الأساس، فإن أصل هذه المسألة، وهي أن الإله من صنع أذهان البشر، ليست شيئًا جديدًا، وإنما كان لها أنماط متنوّعة في الأزمنة القديمة أيضًا. بيد أن الجديد والذي يمكن اعتباره منجزًا لسيغموند فرويد، هو التقرير الخاص الذي قدّمه فرويد في بيان التحليل النفسي لهذه الشبهة والتي قال على أساسها إن الإنسان قد عمل على توظيف الدين بوصفه آلية دفاعية في مواجهة الأخطار والكوارث[8].
هناك الكثير من الأعمال التي تمّ تأليفها بمختلف اللغات حول أعمال سيغموند فرويد، ومن بينها اللغة الإنجليزية والفارسية. وفي اللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى الموسوعات الثقافية ودوائر المعارف التخصصيّة، هناك الكثير من الأعمال المستقلّة والمفردة في هذا الشأن، من قبيل: الإله، وفرويد والدين، ورؤية سيغموند فرويد، والحروب حول الإله، ونقد الانتقادات الأخيرة الموجهة لسيغموند فرويد حول الاعتقاد الديني وما إلى ذلك من العناوين الأخرى الموجودة في متناول الراغبين. ومن بين هذه الأعمال ما تمّت ترجمته إلى اللغة الفارسية[9] أيضًا، ومن بينها: «الإله في تفكير الفلاسفة الغربيين». وقد احتوى هذا الكتاب بدوره - إلى حدّ ما - على تقرير لرأي سيغموند فرويد حول مفهوم الإله والدين أيضًا. وعلاوة على ذلك هناك مقالات أخرى تعرّضت لمناقشة رؤية سيغموند فرويد ونقدها، من قبيل: بحث ونقد اتجاه سيغموند فرويد نحو الدين، ومناقشة ونقد منشأ الدين في رؤية سيغموند فرويد، والدين من زاوية علم النفس ومقارنته بالاتجاه الإسلامي، وما إلى ذلك من العناوين الأخرى أيضًا. إن هذه الأعمال وإن عملت على بيان أصل الشبهة إلى حدّ ما، إلا أنها لم تنطوِ على أيّ إشارة إلى مبانيها وقواعدها أبدًا. سوف نسعى في هذه المقال إلى العمل أولًا على تقرير مباني شبهة سيغموند فرويد، لنقوم بعد ذلك ببيان أصل هذه الشبهة في ضوء أعمال سيغموند فرويد نفسه، لنخلص في نهاية المطاف إلى نقد هذه المباني وتقويمها.
2. مباني شبهة الإله بوصفه وهمًا طفوليًّا
إن شبهة الإله بوصفه وهمًا طفوليًّا، مثل أيّ شبهة أخرى، تقوم على سلسلة من الأسس والفرضيات التي يساعد فهمهما وإدراكها على فهم هذه الشبهة وإدراكها. يمكن لمباني هذه الشبهة أن تكون عبارة عن نظريات وآراء متعدّدة ومتنوّعة، بيد أننا سنكتفي منها هنا بما يتناسب ومقدار الحاجة، بالإشارة إلى بعض أهم هذه المباني والتي تعدّ من أكثرها تأثيرًا.
2 / 1. النزعة العلمية (Scientism)
إننا نواجه في عالم الفكر -كما أشار بعضهم إلى ذلك بحق- مجموعة من الآراء والعقائد المختلفة والمتنوّعة. إن كل واحد من الأفراد والجماعات يعمل على اختيار الآراء والعقائد المنشودة له بما يتناسب مع حاجته الخاصّة، ومن بين هذه الآراء والعقائد هناك الرؤية الفلسفية والرؤية الدينية والرؤية العلمية. وكل واحد من هذه الآراء والعقائد له خصائصه وآليّاته الخاصّة[10].
إذا تتبّعنا آثار فرويد وكلماته، فإنّنا نرى أن من بين هذه الرؤى التكوينية فإنّه يرجح الرؤية التكوينية العلميّة، ويستمر في أبحاثه وفق أصول هذه الرؤية ومبانيها، وهو يرى أن الأسلوب الفلسفي منهج خاطئ؛ وذلك لأن الفلاسفة يتصرّفون في المفاهيم والألفاظ والكلمات بشكل خاطئ، ويعملون على توسيع دائرة معانيها بحيث لا يبقى شيء من معانيها الأولى. وهو يرى أن الفلاسفة يستعملون مفهوم «الإله» في معنى انتزاعي لا صلة له بالحقائق الخارجية؛ ولهذا السبب تجدهم يتبجّحون ويتفاخرون على الآخرين ويقولون لهم: لقد وصلنا إلى مستوى من الواقعية يعجز الآخرون عن الوصول إلى فهمه وإدراكه، وبذلك يتباهون على الآخرين بإيمانهم، وهم بذلك يغفلون عن أن الإله الذي يؤمنون به إنّما هو -بزعم سيغموند فرويد- مجرّد شبح وظلّ يفتقر إلى القدرة والحضور الذي يحظى به آلهة الأديان[11].
يذهب سيغموند فرويد إلى الظن بأنّ هناك من يعتقد صائبًا أن مباني التفكير الديني تفتقر إلى الاستحكام اللازم، ولكن حيث إن الأفكار الدينية تترك تأثيرًا عميقًا في سلوك الإنسان، يجب العمل على اعتبار التفكير الديني وكأنه تفكير صائب. ويرى سيغموند فرويد أن هذا النوع من الاستدلال لا ينفع أحدًا غير الفلاسفة. فإن الفيلسوف هو وحده الذي يستطيع أن يقتنع بعدم صوابية رؤية ما من جهة، وأن يُلزم بها نفسه من جهة أخرى أيضًا. وأما الذين لا يمتلكون رؤية فلسفية فلا يستطيعون أن يُظهروا قناعة بهذا النوع من الأفعال والسلوكيات أبدًا[12].
إن سيغموند فرويد لا يكتفي بالردّ على الرؤية الفلسفية فقط، بل ويردّ حتى على الرؤية والعقيدة الدينية أيضًا[13]. وحيث إن ردّ مقولة الدين من قبل سيغموند فرويد يرتبط بأبحاثنا اللاحقة، فلن نبحث في ذلك في الوقت الراهن.
إن سيغموند فرويد من بين جميع العقائد والآراء المتنوّعة يدافع بشدّة عن الرؤية العلمية والمنهج العلمي ويعتبره وحده الطريق الصحيح في التفكير للوصول إلى الواقع. ومن وجهة نظره فإن جميع ألغاز العالم والكون قد تمّ حلّها في ضربة واحدة، ونحن إنّما نستطيع الوصول إلى كنه واقعية الوجود وحقيقته بمساعدة من العلم. ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن الطريق الوحيد الموثوق والقابل للاعتماد من وجهة نظر سيغموند فرويد في الوصول إلى هذا الأمر المهم هو الاستناد إلى المنهج العلمي والاستفادة منها[14].
لقد صرّح سيغموند فرويد في مواضع مختلفة بالتزامه بالمنهج العلمي والرؤية العلمية، وهو يرى أن الرؤية والعقيدة القائمة على أساس العلم، بغض النظر عن تأكيدها في ضوء العالم الواقعي الخارجي، تشتمل على خصائص سلبية رئيسة من قبيل عدم المخالفة مع الحقيقة ونفي الأوهام أيضًا. وقد ذهب الظن به إلى القول بأنّ كلّ واحد من بني البشر لا يرضى بالواقع الراهن يمكن له البحث عن شيء يفوق هذا الواقع كي يساعده على تحسين ظروف سلامته الذهنية، وهو يستطيع البحث عنه حيثما يمكنه ذلك، ولا ينبغي له الكف عن البحث عنه، ويمكنه أن يواصل طريقه غير العلمي، بيد أننا لا نستطيع التفكير في ضوء تقريره بشكل مختلف[15].
2 / 2. الداروينية (Darwinism)
لقد تأثّر سيغموند فرويد بأفكار تشارلز دارون من جهات متعدّدة، وقد آمن بنظرية دارون القائلة بأن الإنسان منحدر من نسل القِردَة، وليس هناك ما يميّزه من سائر الحيوانات الأخرى على نحو خاص، وقد عبّر عن هذه النظرية بوصفها «خطوة مهمّة في الوصول إلى الحقيقة». وقد زعم أن نظرية التكامل الداروينية عندما تمّ بيانها في بداية الأمر واجهت مقاومة شديدة، ومضى عليها سنوات حتى تمكّنت من العثور على موقعها الحقيقي في الأذهان، وأخذ يتمّ طرحها بعد ذلك بوصفها رؤية تعمل على إظهار الحقيقة والواقع[16].
إن سيغموند فرويد لا يكتفي بتبنّي نظرية التكامل الداروينية بشأن نسل الإنسان فحسب، بل ويعمل على تجزئة أسلوب تبلور المجتمعات البشرية الأولى وتحليلها على أساس رؤية تشارلز دارون أيضًا، فهو يظنّ أنّه كما تصحّ نظرية التكامل الداروينية وتعمل على بيان الحقيقة، فإن رؤيته القائلة بأن المجتمعات البشرية الأولى بدورها كانت تعيش بشكل مشابه لحياة القردة هي الأخرى صائبة أيضًا. بمعنى أنه كما أن حياة القردة كانت تقوم على أساس ذكوري محكوم لسيادة القرد الذكر القوي، فإن المجتمعات البشرية الأولى كانت تقوم على أساس الاعتماد على قوّة رجل مقتدر. وكان هذا الرجل القوي يتولّى زعامة الجماعة وهدايتها، ويواجه التحديات والمخاطر -حتى إذا صدرت عن أبنائه الذكور- بحزم قاطع، وكان هذا الأمر هو الذي يدفع هؤلاء الأبناء الذكور إلى الفرار من المجموعة التي يرأسها أبوهم، وينتقلوا إلى أماكن أخرى ليقيموا لأنفسهم حياة خاصة بهم يحكمون فيها «قطيعًا» آخر، وأن يواصلوا حياتهم من خلال سرقة الإناث من التجمعات الأخرى. وكان في بعض الأحيان يحتدم النزاع بين هؤلاء الإخوة -الهاربين من سطوة أبيهم- حول قيادة المجتمع والاستيلاء على الإناث وتثار المشاكل بينهم. بيد أن هذا الأمر كان يؤدّي في بعض الأحيان إلى استمرار النزاعات والحروب بينهم لفترة طويلة، حتى يقتنعوا أخيرًا بعدم جدوى مواصلة القتال ويأخذوا قرارًا بإيقاف النزاع والحصول على إناث أخريات من خارج مجتمعهم، وأن يبدوا من أنفسهم مرونة أكبر فيما يتعلّق بامتلاك النساء والاستيلاء عليهن[17].
وقد ذهب شرّاح رؤية سيغموند فرويد إلى هذا الاستنباط من آرائه في خصوص كيفية قيام المجتمعات البشرية الأولى أيضًا. وقالوا إن فرويد قد استلهم هذا المعنى من رؤية تشارلز دارون في بيان كيفية تشكيل المجتمعات البشرية الأولى[18].
2 / 3. النزعة الفيزيقية (Physicalism)
إن النزعة الفيزيقية تمثّل رؤية تعتبر كل شيء أمرًا فيزيائيًا، أو من تداعيات وتبعات الأمور الفيزيقية. إن هذه النظرية شبيهة بالنظريات التي تمّ بيانها في الأزمنة السابقة بشأن منشأ الكون والتي على أساس بعضها كان الماء هو المنشأ للكون، وعلى أساس بعضها الآخر كان الوجود عبارة عن أمر ذهني. وكما كانت نظريات تالس أو باركلي حول حقيقة الوجود تعد رؤية اختزالية وتبسيطية تحيل جميع الأشياء إلى عنصر واحد (كالماء أو الفكر مثلًا)، فإن النظرية الفيزيقية بدورها تعدّ نظرية اختزالية تبسيطية تُعدّ جميع الأشياء في ضوئها فيزيائية أو تابعة للأمور الفيزيقية، ولا يوجد هناك شيء خارج الأمور الفيزيقية أبدًا[19]. إن الأمور الذهنية قد تعدّ -في ضوء هذه النظرية- في بادئ الأمر شيئًا منفصلًا عن الأمور الفيزيقية. ولكن بعد التدقيق يتضح أن لا شيء في البين سوى الأمور الفيزيقية. هناك من يرى أن القرن التاسع عشر للميلاد كان هو قرن الهيمنة المثالية، وأما القرن العشرون للميلاد -ولا سيما بعد عقد الستينات- فكان متأثرًا بالفيزيائيين إلى حدّ كبير[20].
إن النزعة الفيزيقية وإن كانت من النظريات الحديثة نسبيًا، وإن سيغموند فرويد وإن لم يصرّح بنزعته الفيزيقية بوصفها واحدة من مبانيه النظرية، بيد أن كلماته توصل المتأمّل فيها إلى الاستنتاج بأنه قد ارتضى هذا الأصل، وأنه يمارس التنظير على أساسها، وإنه في الواقع يروم اختزال الدين وتبسيطه بوصفه أمرًا ماديًا وفيزيائيًا. حتى أنّه قد صرّح في موضع من أعماله قائلًا: كما أن الضرورة تعمل على تبرير معطيات الحضارة البشرية وتفسيرها، فإنها بدورها تعمل على بيان الدين وتفسير ظهوره وانتشاره أيضًا. وبعبارة أخرى: إن ضرورات الحياة هي التي تدفع الإنسان إلى اختلاق الدين واتخاذه وسيلة دفاعية[21]. وحيث يكون سبب وجود الدين ماديًا، فإن الدين نفسه -بمقتضى السنخية بين العلّة والمعلول- سوف يصبح بدوره ماديًا أيضًا.
وكذلك فإنه عندما يساوي بين طريقة تفكير الإنسان المتديّن وبين طريقة تفكير الطفل، حيث يقول: «كما أن الطفل الصغير لا يستطيع التمييز بين الخيال والواقع، فإن الإنسان المتديّن بدوره لا يستطيع الفصل بين الواقع والخيال أيضًا»[22]. فإنه في الواقع يعبّر عن رؤيته بالنسبة إلى الأمور الميتافيزيقة وعدم الإيمان بها. وإن موقفه في خصوص الأحلام والقول بأنها تمثّل تجلّيًا للآمال والحالات الروحية المتجذّرة في مرحلة الطفولة، يُشير بدوره إلى نزعته الاختزالية والتبسيطية والتي على أساسها يتمّ اختزال جميع الأشياء في الأمور الفيزيقية أيضًا[23].
3. بيان الشبهة
يذهب عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد إلى الاعتقاد بأن الإله إنّما هو نتيجة توهّم طفولي يقترفه الإنسان، وليس هناك في الخارج شيء باسم الإله الذي يمكنه فتق الأمور ورتقها. وقد حصل على هذه النظرية من طريق التحليل النفسي وتفسير الظواهر الاجتماعية، ومن بينها الإيمان بالإله على أساس موازين التحليل النفسي. وعلى هذا الأساس فإنّ عمله ينطوي على بُعدين؛ وهما البُعد النفسي، والبُعد الاجتماعي. إن علم النفس من وجهة نظره يقوم على أساس علم الاجتماع. للتعرّف على شبهته يجب العمل أولًا على معرفة كلماته المفتاحية في حقل التحليل النفسي، ثم الانتقال بعد ذلك إلى بيان كيفية استفادته من هذه المفاهيم في تفسير الظواهر الاجتماعية، ومن بينها مسألة الدين ومفهوم الإله.
3 / 1. معطيات التحليل النفسي عند سيغموند فرويد
يذهب سيغموند فرويد إلى الاعتقاد بأن الإنسان يحتوي على بعدين، وهما: البُعد الواعي[24]، والبُعد اللاواعي[25]. وإن مساحة البُعد اللاواعي من نفس الإنسان أكبر وأوسع بكثير من مساحة البُعد الواعي من نفسه. وهناك من يُشبّه هذين البعدين بكتلة الجليد العائمة فوق سطح الماء؛ حيث يمثّل الجزء الظاهر منها البُعد الواعي من نفس الإنسان، وأما الجزء الواقع أسفل الماء -الذي هو أكبر بكثير من الجزء الظاهر منه- فهو يمثّل البعد اللاواعي من نفس الإنسان. وبين هذين البُعدين يقع بُعد برزخي يُعرف بالبُعد شبه الواعي[26]، وهو مخزن الذكريات والإدراكات والأفكار التي لا نعلم بها حينما نكون في لحظة الشعور بالبُعد الواعي، ولكن يمكن لنا أن نحضرها إلى البُعد الواعي بكل سهولة[27]. وقد ذهب سيغموند فرويد إلى تقسيم البُعد الواعي من نفس الإنسان إلى ثلاثة أقسام أصغر حجمًا، وهي: الأنا (ego) ، والأنا الأعلى (super ego) ، والذات (Id) [28].
والذات هي الرغبة والغريزة الجنسية التي تصاحب الإنسان من بداية ولادته، وتظهر لديه في الوهلة الأولى على شكل اللذات الفمويّة والمقعديّة. إن هذا النوع من الرغبات يسوق الإنسان نحو اللذّات الجنسية. على الرغم من استعمال سيغموند فرويد لمصطلح «اللذات الجنسية»، إلّا أنّ مراده من ذلك ليس هو صرف اللذات الجنسية فقط، بل إن هذا المصطلح لديه يشمل جميع أنواع اللذّات. وربما كان سبب استعماله لهذا التعبير هو أن اللذة الجنسية تعدّ من أهم وأبرز أنواع اللذّات. كما أن اللذّة الجنسية بدورها لها أنواع وأقسام أيضًا؛ فإن بعض اللذّات الجنسية مقبول من قبل المجتمعات، وأما بعض أقسام اللذات الجنسية فهي مرفوضة من قبل المجتمعات. إن الرغبة الجنسية تعدّ -من وجهة نظر سيغموند فرويد- معيارًا لجميع اللذات[29].
إن «الأنا الأعلى» عبارة عن القيَم أو الواجبات والمحظورات التي تدخل إلى ذهن الإنسان من طريق الثقافة والمجتمع، وتشكل جزءًا من شخصيته. وإن هذا البُعد من شخصية الإنسان تارة يتلاءم مع البُعد الآخر من شخصيته والتي نعني بها ذاته، وفي هذه الحالة لن تحدث مشكلة في البين، والإنسان في مثل هذه الحالة -إنْ حدث مثل هذا الافتراض- سوف يعيش حياة هادئة لا تنطوي على أيّ هواجس أو مشاكل. ولكن يحدث في بعض الأحيان -كما هو الأمر في الغالب- أن لا يتلاءم هذا البُعد من شخصية الإنسان مع ذاته، بل يكون متعارضًا معها. إن ذات الإنسان تسحبه نحو التلبية المطلقة والمنفلتة لغريزته الجنسية، بيد أن الأنا الأعلى يشكل كابحًا يمنع الإنسان من ذلك. وفي هذا النوع من الموارد يخوض الإنسان في شخصيته نوعًا من التعارض وعدم الانسجام. فالذات تجرّه إلى ناحية وما بعد الأنا يسحبه إلى ناحية أخرى[30].
إن هذه التعارضات لا تستمر على هذه الوتيرة، وإلّا فإنّ شخصية الإنسان سوف تتلاشى، ولا يعود بمقدور الإنسان أن يتّخذ القرار المطلوب في الموارد اللازمة. ومن هنا يتدخّل بُعد آخر من شخصية الإنسان، وهو البُعد الذي يطلق عليه سيغموند فرويد عنوان «الأنا». ومع تدخل الأنا يقع ذلك الجزء من الرغبات الجنسية المقبولة من قبل المجتمع والثقافة الحاكمة موردًا للقبول، ويمكن للإنسان أن يعمل على طبقها، وأن يتّجه نحو تطبيقها، بيد أن ذلك الجزء من الرغبات الجنسية -التي لا تحظى بقبول المجتمع- سوف يتمّ كبحه بطبيعة الحال ويُقضى عليه.
يذهب سيغموند فرويد إلى الاعتقاد بأن الرغبات الجنسية التي يتمّ كبحها لا تفنى تمامًا ولا تزول بشكل كامل. بل إنها تترسّب في مساحة من نفس الإنسان والتي يُعبّر عنها بمنطقة «اللاوعي» وتواصل حياتها هناك بشكل غير محسوس، وتخضع حياة الإنسان لتأثيرها بشكل غير مباشر. قد يدّعي الإنسان أن حياته تدار على وفق رغبته وإرادته، وأنه لا يوجد هناك عامل آخر يؤثر فيها، إلا أن الحقائق تثبت أن الأمر ليس كذلك، وإن حياته تقع على نطاق واسع تحت تأثير الرغبات المكبوتة والتي تقع في لا وعيه ولا شعوره.
لو أن الرغبات المكبوتة واصلت تأثيرها بشكل اعتيادي ولم يحدث خلل في هذا المسار، فلن يحدث إشكال، ويمكن للإنسان أن يواصل حياته الطبيعية والاعتيادية. وإنّما يحدث الإشكال حيث يحدث هناك خلل في مسار تأثير البُعد اللاواعي في البُعد الواعي من نفس الإنسان ويتعرّض هذا المسار إلى الخلل. وعند اختلال المسار الطبيعي لتأثير اللاوعي في وعي الإنسان تحدث مشكلة يعبّر عنها سيغموند فرويد بـ «الاعتلال العصابي» أو «الاضطراب النفسي»[31]. إن علماء النفس من خلال دراستهم للأشخاص -الذين يعانون من الاضطراب النفسي- من طريق التأمّل في طموحاتهم أو الكلمات التي يردّدونها بشكل غير واعٍ، أو الأسماء التي يستذكرونها على نحو لا شعوري أيضًا، يحدّدون بدقّة ما هو ذلك الجزء من الرغبات المكبوتة الذي تعرّض للاختلال في مسار التأثير، ويجب العمل على معالجته[32].
3 / 2. توظيف معطيات التحليل النفسي في تحليل الظواهر الاجتماعية / الدينية
يميل المولود الذكر -في ضوء معطيات التحليل النفسي لسيغموند فرويد- إلى أمّه، بينما تميل البنت إلى أبيها، ولكن لا أحد منهما يستطيع الوصول إلى مآربه بسبب الكوابح المفروضة عليهما؛ فالأب يشكّل عقبة تحول دون وصول الصبي إلى ما يبتغيه من أمّه، والأم بدورها تقف عقبة كأداء تحول دون وصول البنت إلى مبتغاها من أبيها. بيد أنهما في الوقت نفسها يدركان أنهما يحتاجان إلى حماية الوالدين ورعايتهما، ولا سيّما الأب، ولا يمكنهما مواصلة الحياة من دونهما.
وعلى هذا الأساس، فإن الشعور الذي يتناب الطفل الصغير من كلا الجنسين تجاه الوالدين، ولا سيّما الوالد، هو شعور متعارض ومزدوج[33]. بمعنى أن الطفل الصغير يحبّ أباه حبًّا جمًّا ويشعر بالحاجة إليه؛ لأنه يحميه، وهو من ناحية أخرى يبغضه إلى حدّ كبير ويتمنى لو لم يكن موجودًا؛ لأنه يحول دون الوصول إلى أمّه، وبذلك يجد نفسه مضطرًّا إلى تجاهل مشاعره بسبب والده، وأنه مضطر إلى كبح هذه المشاعر، وبذلك فإنه يعمل على نقل هذه المشاعر من دائرة وعيه إلى المساحة اللاواعية من ذهنه ونفسه. وهكذا فإن الصبي يريد من جهة أن يتخلّص من شرّ والده وأن لا يراه عقبة ماثلة أمامه، ومن ناحية أخرى يريد من أبيه أن يقف إلى جانبه وأن يكون قريبًا منه؛ لأنه يحتاج إلى دعمه وحمايته. وبذلك يذهب سيغموند فرويد إلى الاعتقاد بأن الولد الذكر يبغض والده من جهة؛ لأنه يشكّل عقبة تحدّ من قدرته وتحول دون وصوله إلى أمّه، ومن ناحية أخرى يحبّه ويعشقه. وبالنظر إلى هذا المعنى عندما تفقد المرأة زوجها أو عندما تفقد صبيّة أمّها، سوف يشعران بوخز الضمير مخافة أن يكونا قد قصّرا في حق المتوفّى، وأن المتوفّى قد رحل عن هذه الدنيا بفعل تقصيرهما تجاهه[34]. هناك من يرى أن وخز الضمير هذا له سبب، والسبب هو أن المفجوع يحصل على شعور متناقض تجاه المتوفّى؛ فهو من جهة يحبّه ومن جهة أخرى يبغضه وينظر إليه بوصفه عقبة ماثلة أمامه، وهذا الأمر هو الذي يجعله عرضة لوخز الضمير والشعور بالتقصير، وبذلك فإنه يلقي باللوم على نفسه[35].
وقد ذهب سيغموند فرويد إلى الزعم بأننا لو دقّقنا النظر في سلوكيّات المجتمعات الأولى، فسوف ندرك أنها بدورها تنطوي على هذا النوع من التعامل والتعاطي مع الوالدين. فقد كانوا يقتلون آباءهم، وفي الوقت نفسه يشيدون بذكرهم وحمل أسمائهم. وعليه فإن السرّ في إصرارهم على حفظ مكانة آبائهم يعود إلى حاجتهم إلى الآباء[36].
يذهب سيغموند فرويد -تبعًا لتشارلز دارون[37]- إلى الاعتقاد بأن المجتمعات الأولى كانت مجتمعات ذكورية، حيث يرأسها رجل يأخذ القرارات بمفرده. لقد كان هذا الرجل يتمتع بسلطة مطلقة وغير محدودة، ولم يكن بمقدور أحد أن يُخالفه الرأي أو أن يشاركه في امتلاك النساء. وهو من خلال امتلاكه للسلطة والقدرة المطلقة كان يعمل من ناحية على توفير الحماية لسلطته، وكان من ناحية أخرى يعيش هاجس الحفاظ على أمن المجتمع. وكان الأبناء الذكور الذين يعيشون بسبب اعتراضهم بعيدًا عن المجموعة التي يحكمها أبوهم يتّحدون فيما بينهم ويشكّلون حلفًا ويهجمون في يوم ما على المجتمع الخاضع لسلطة أبيهم، وكانوا يقتلونه ويستحوذون على نسائه، ولم يكونوا يكتفون بمجرّد قتل الأب، بل وكانوا يقطّعون أوصاله ويمثّلون بجثمانه ويأكلونه، وبذلك كانوا يزيلون المسافة الفاصلة والبُعد المكاني ويقيمون الاتحاد والعينية بينهم وبينه[38].
أما الشيء الذي حدث في إطار الدين، فلم يكن سوى منح الإله دور الأب. ففي الديانة الطوطمية[39]، التي هي نوع من الأديان البدائية، حلّ الطوطم الذي هو صنف من الحيوان ليقوم بهذا الدور. وإن ذات الشعور المزدوج الذي كان يشعر به الإنسان تجاه الأب أخذ يشعر به تجاه الطوطم[40] بنحو من الأنحاء. فقد كانت القبائل الطوطمية تعمل من جهة على عبادة الطوطم وتعتبره رمزًا لاتحادها وسلطتها وتناغمها وتقوم بتقديسه، وكانت من ناحية أخرى تضحّي به عند الحاجة وتقوم بأكل لحمه[41]. في هذه المرحلة من حياة البشر -كما رأينا ذلك- فإننا شهدنا توسيعًا لمفهوم الأب ليشمل حتى الأشياء المحيطة بنا أيضًا.
وفي الأديان الإبراهيمية والتوحيدية يصبح موقع الأب أوسع مفهومية وأكثر انتزاعية، ويغدو الأب هو الإله الذي خلق السماوات والأرض وتقع جميع الكائنات تحت إرادته واختياره. وقام بنو إسرائيل باعتبار النبي موسى؟ع؟ بوصفه الأب الذي حال دون وصول قومه إلى الملذّات، ولكنهم مع ذلك حافظوا على منزلته بوصفه مرسلًا من قبل الإله؛ وذلك لأنهم بحاجة إلى مثل هذا الأمر.
إن الإنسان يريد لنفسه -كما كان في عهد الصبا تحت رعاية الأب وينعم بالحماية تحت كنفه- أن يواصل حياته اليوم -حيث بلغ أشدّه واشتدّ ساعده- أن يكون له من يرعاه ويحميه، وإن الذي يحميه اليوم ويرعاه هو الإله الذي يبسط سلطانه على العالم، وهكذا يصل الإنسان إلى مرحلة الشعور بالهدوء والطمأنينة، ويتجاهل الأخطار التي تأتي من البيئة والطبيعة ولا يبالي بها[42].
وفي الديانة المسيحية يتكرّر ذات الأمر على نحو آخر؛ ففي المسيحية نجد أن السيد المسيح عيسى؟ع؟ يُعدّ هو الابن والحامي والداعم للمسيحيين؛ ولذلك فإنه يفقد روحه، حيث يجبر مقتل الإله الأب ويحل بدوره محلّ الأب بنحو من الأنحاء[43]. وقد صلبوه لمجرّد أنهم يرون فيه عقبة تحول دون وصولهم إلى الملذّات الدنيوية، ولا يسمح لهم بالعيش على الشكل الذي تهواه قلوبهم وأن يحصلوا على شيء من اللذّات الدنيوية العابرة. بيد أن هؤلاء المسيحيين أنفسهم بسبب هذا الشعور المزدوج والمتناقض تجاه الأب، لم يكونوا يرغبون بالقضاء على الأب بشكل كامل؛ فهم لذلك يصلبون السيد المسيح؟ع؟، ولكنهم في الوقت نفسه يحافظون على مقامه واسمه في مفهوم الإله الأب[44]. ومن هنا فإن سيغموند فرويد يرى في نقاط الشبه الكثيرة بين الأديان البدائية وطقوس الديانة المسيحية أمرًا جديرًا بالاهتمام، ويرى ذلك شيئًا يفوق حدود التوقّع[45].
وهذا ما أقرّ به الشارحون لآراء سيغموند فرويد أيضًا. ومن هنا فإنهم يزعمون أن كلمات فرويد تشير إلى أنه يرى أن الديانة المسيحية تمثّل امتدادًا للديانة الطوطمية وليست شيئًا آخر. إن هذا المسار وإن أمكن ملاحظته في الطفل بشكل أوضح -حيث نرى كيف يريد لأبيه أن يكون موجودًا إلى جنبه وفي الوقت نفسه لا يريد له ذلك- بيد أنه يمكن ملاحظة ذات هذه المفارقة في المجتمعات البدائية وبعد ذلك في الأديان البدائية ولاحقًا في الأديان العالمية (مثل اليهودية والمسيحية) أيضًا[46].
نشاهد في جميع هذه الموارد أن مفهوم الإله ينشأ من وهم طفولي. فالإنسان يريد أن ينعم في الكبر بالدعم والحماية وأن يحصل عليها كما كان يحظى بها في الصغر بواسطة الأب. وفي مرحلة الصغر والصبا كان هذا الدعم يتحقّق من طريق الأب الحقيقي في الأسرة، وأما في مرحلة الكبر والبلوغ فيتحقّق هذا الدعم في إطار الإيمان والاعتقاد بوجود الإله. يذهب سيغموند فرويد إلى الزعم بعدم وجود نزاع في أن حاجة الطفل الصغير إلى الأب تعدّ هي المنشأ لحاجة الإنسان إلى الدين في الكبَر؛ لا سيّما وأن هذه الحاجة لا تقتصر على الاحتياج في مرحلة الطفولة فقط، بل تبقى هذه الحاجة قائمة حتى في مرحلة الكبر بنحو من الأنحاء أيضًا. وبعبارة أخرى: إن ذات الخوف الذي كان هو منشأ الاحتياج إلى الأب في مرحلة الصغر والصبا، موجود في مرحلة الكبر أيضًا. وفي مرحلة الصغر تتمّ تلبية هذه الحاجة بواسطة الأب، وأما في مرحلة الكبر فيحلّ الإله محل الأب ليُلبّي هذه الحاجة[47].
لقد تحدّث سيغموند فرويد في موضع بشأن طريقة حماية الدين للإنسان قائلًا: إن الدين يحافظ على الإنسان بطريقتين، وهما أولًا: إنه يعمل على حمايته ودعمه في مواجهة الأخطار الناشئة من الأسباب والكوارث الطبيعية (من قبيل: السيول والزلازل والبراكين وما إلى ذلك). وثانيًا: يعمل على تقليل الأضرار والآفات التي يتعرّض لها من قبل المجتمع[48].
لقد ذكر سيغموند فرويد في رسالة كتبها ليونغ أن الجذور الأصلية لحاجة الإنسان إلى الدين تعود إلى الاضطراب والحيرة الطفولية التي كان يعاني منها في مرحلة الصبا. وقد كان الطفل يعمل على الخروج من هذه الحيرة باللجوء إلى أبيه والاحتماء به، وأما الكبار والبالغون فإنهم يتجاوزون هذا المأزق من خلال الرجوع إلى التعاليم الدينية والطمأنينة التي يحصلون عليها بهذه الطريقة[49].
إن هذه الطريقة تعدّ من وجهة نظر سيغموند فرويد -كما صرّح بذلك شرّاحه أيضًا- غير صحيحة؛ وذلك لأنها تقوم على أساس وهم اعتباطي لا صلة له بالواقع الخارجي أبدًا. ومن الأفضل للإنسان بدلًا من اللجوء إلى هذا النوع من الأوهام أن يعود إلى حياته العقلانية ويحلّ مشاكله متسلّحًا بسلاح العلم والعقل والبحث والتحقيق. أما التفكير الديني فيُعدّ من وجهة نظره تفكيرًا طفوليًّا؛ إذ يعود هذا النمط من التفكير بجذوره إلى مرحلة الصبا. وأما الإنسان المعاصر، فإنه يستبدل التفكير العلمي بالأفكار الدينية[50]. إن الدين من وجهة نظر سيغموند فرويد يُعدّ مرضًا نفسيًا عامًا ينشأ من عقدة جنسية، وهو يرى أن تداعيات هذا المرض وأعراضه تزول بالتدريج. قد يمكن للدين أن يشغل تفكير الإنسان على المدى القصير، وأما على المدى البعيد فإن العقل والتجربة هما اللذان سوف يُمسكان بمقاليد الأمور[51].
وعلى هذا الأساس فإن مفهوم الإله يُعدّ من وجهة نظر سيغموند فرويد بوصفه وهمًا طفوليًّا يقع فيه الإنسان عند الكبر. إن الطفل الصغير يعاني من الحاجة إلى وجود والده على الدوام بسبب ضعفه وعجزه؛ ولذلك فإنه يشعر بالأمان والاطمئنان عندما يكون أبوه إلى جانبه، وإن كان يعدّ أباه في الوقت نفسه عقبة كأداء تحول دون تحقيق مآربه أيضًا، وذلك لأنه لا يسمح له بتحقيق جميع رغباته وتمنياته. ومن هنا فإن الإنسان البدائي الذي كان يعيش في الغالب مع أفكاره الطفولية، سعى من خلال قتل أبيه واستبداله بالطوطم ثم الإله الميتافيزيقي، إلى إزالة هذه العقبة من طريقه، ولكنه مع ذلك أبقى على والده إلى جانبه بوصفه حاميًا وداعمًا له، ومن هنا نشأ مفهوم الإله الذي يحافظ على الإنسان في مواجهة الأخطار والكوارث الطبيعية، وأن يحميه ويدافع عنه في الشدائد والأزمات الاجتماعية.
4. نقد شبهة سيغموند فرويد
يمكن نقد نظرية أو شبهة سيغموند فرويد من جهات مختلفة. وفيما يلي سوف نشير إلى بعض الانتقادات المهمّة التي يمكن بيانها حول هذه النظرية.
4 / 1. استحالة الدفاع عن أسس نظرية سيغموند فرويد
يتّضح من كلمات سيغموند فرويد -كما سبق أن ذكرنا- أنه قد اختار بعض الأمور، من قبيل: النزعة العلمية، والداروينية، والفيزيقية، بوصفها من المباني والأسس التي تقوم عليها رؤيته ونظريته، أو أن رؤيته بحيث لا يمكن القبول بها أو الدفاع عنها من دون القبول بهذه الأمور. بيد أن التحقيقات تثبت أن جميع هذه المباني لا يمكن الدفاع عنها، بل وإن كل واحد منها عرضة لمختلف الإشكالات أيضًا.
إن العلمانية لا يمكن القبول بها، سواء أكانت بمعنى حصر المنهج الصحيح في المنهج العلمي أو بمعنى بسط منهج العلوم التجريبية على غير العلوم التجريبية[52]. [53] إن المنهج التجريبي يُعدّ واحدًا من بين المناهج، وليس هو وحده المنهج المقبول.
لقد تمّ ذكر أسلوبين في المنطق الإسلامي؛ أحدهما: الأسلوب التجريبي الذي هو الأسلوب الاستقرائي[54] أو التمثيلي، وثانيهما: الأسلوب القياسي أو الأسلوب التعقّلي. إن السير في الأسلوب التجريبي إما أن يكون من الجزئي إلى الكلي وهو الذي يُسمّى بالاستقراء[55]، أو أن يكون من الجزئي إلى الجزئي وهو الذي يُسمّى بالتمثيل[56]. وأما في الأسلوب والمنهج القياسي فيكون السير من الكلي إلى الجزئي[57]. لا يوجد أيّ تناسب وانسجام بين هذين المنهجين أبدًا. يمكن لمدرسة أن تستفيد من الأسلوب التجريبي ويمكن لها في الوقت نفسه أن تستفيد من الأسلوب القياسي أيضًا. إن الاستفادة من هذين الأسلوبين تختلف بالنظر إلى الموقعية والزاوية. فإن اقتضت الموقعية فسوف نستفيد من الأسلوب التجريبي، وإن اقتضت الموقعية الأسلوب القياسي فسوف نستفيد من الأسلوب القياسي. وفي أمور من قبيل المحسوسات، يكون الأسلوب التجريبي مجديًا بشكل أكبر. ومن هنا يجب الاستفادة في هذا النوع من الموارد من هذا الأسلوب. وأما في الأمور الانتزاعية والفلسفية، حيث لا مسرح للحواس فيها، لا مندوحة لنا من الاستفادة من الأسلوب والمنهج القياسي.
وبطبيعة الحال فإن بعض المحققين قد بيّن الاختلاف بين المنهج العقلي والمنهج التجريبي بشكل آخر. إن الاختلاف بين المنهج القياسي والمنهج التجريبي -من وجهة نظر هؤلاء الأشخاص- لا يكمن في الشكل والصورة؛ إذ في كلا الموردين يُستفاد من القياس. غاية ما هنالك أنه في أحدهما يتم توظيف القياس بشكل صحيح، وفي الآخر لا تتمّ هذه الاستفادة بشكل صحيح، وإنما يتمّ ذلك في المضمون والمحتوى. إن محتوى القياس لا يتّسق مع محتوى التجربة. وفي الأسلوب القياسي نستفيد من البديهيات أو الأمور التي تنتهي إلى البديهيات، وأما في الأسلوب التجريبي فنستفيد من الأمور غير البديهية[58].
إن الأمر الذي لا خلاف حوله هنا هو أن الأسلوب والمنهج القياسي والمنهج التجريبي يُعدان منهجين مستقلّين يُكمّل أحدهما الآخر، ويُستعمل كل واحد منهما في موضعه الخاص، وأما أن نعمل على استبدال أحدهما مكان الآخر فلا يُعدّ بالعمل الصائب، وهذا ما ابتلى به سيغموند فرويد وأضرابه.
وأما فيما يتعلق بمبنى الداروينية، فلا بدّ من الإقرار بأن هذه الرؤية لا تزال هي الرؤية الغالبة في وقتنا الراهن. فإن الرؤية الداروينية القائلة بأن البقاء إنما يكون للأصلح لا تجري في خصوص الكائنات الحية فقط، بل وتجري حتى على غير الكائنات الحية أيضًا. يذهب الكثير من أنصار الديمقراطية والليبرالية إلى القول بوجوب الدعوة إلى حرية الأفكار وعدم الخوف من الحرية الفكرية على مستقبل الإنسان؛ وذلك لأن هناك يدًا خفية -نطلق عليها عنوان «البقاء للأصلح»- هي التي تسيطر على الأفكار وتعمل على غربلتها، وتختار من بين الأفكار والآراء خصوص تلك الرؤية التي تنطوي على إمكانية التطور والبقاء وتكون هي الرؤية «الأصلح»، وتكون بالقياس إلى الآراء الأخرى هي الأقوى والأكثر قبولًا[59].
ولكن مع ذلك لا بدّ من الاعتراف بأن هذه الرؤية لا تزال تعدّ مجرّد فرضية ولم تخضع للاختبارات اللازمة التي تحوّلها إلى نظرية علمية منسجمة. صحيح أن هناك سلسلة من المؤيدات الموجودة لصالح هذه النظرية وبالنظر إلى هذه المؤيدات يمكن القول بأن هذه الرؤية قابلة التحقّق، وليس هناك ما يمنع من وقوعها. ولكن في الوقت نفسه ما لم تخرج هذه الفرضية ناجحة من دائرة الاختبار، فلا يمكن اعتبارها بوصفها رؤية علمية ثابتة ولا غبار عليها والعمل على بناء صروح معرفية أخرى على أساسها[60].
لقد تعامل سيغموند فرويد في هذا الشأن مع الداروينية وكأنها نظرية قد اجتازت جميع الاختبارات - التي أمضاها من خلال قبوله بالمنهج العلمي - واحدة بعد أخرى. وبالنظر إلى هذه الرؤية يأخذ سيغموند فرويد هذه النقطة بوصفها مثالًا للمجتمع البدائي في ضوء رؤية تشارلز دارون[61]. ولكن علينا أن نسأل سيغموند فرويد ونقول له: من أين أخذت هذه الرؤية؟ وما هي الطريقة والآلية التي استعنت بها في الوصول إلى هذا الأسلوب؟ وما هو المنهج الذي يمكن الاعتماد عليه في الوصول إلى ما كان عليه نمط حياة المجتمعات البدائية واعتبارها موردًا للبحث والمطالعة؟ إن عدم وجود منهج خاص يسمح بمواصلة البحث حول هذا المطلب يثبت أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون مجرّد حدس ورجم بالغيب، ولا يزال هناك شرخ بعيد يحول دون الوصول إلى الضفّة العلمية[62].
يُضاف إلى ذلك أن هناك شواهد تثبت وجود بعض المجتمعات البدائية التي كانت تعيش على طريقة مغايرة تمامًا عن الأمر الذي يصوّره سيغموند فرويد عن هذه المجتمعات. ففي ضوء بعض الشواهد كانت هناك مجتمعات في الأزمنة الغابرة لا تخضع لحكم الرجال، بل وتعطي مقاليد السلطة للنساء حيث تتولى هذه النساء رئاسة تلك المجتمعات وتمارس الزعامة عليها. ومع هذا الوصف، كيف يمكن القول بأن المجتمعات البدائية كانت مجتمعات ذكورية، وأن النموذج الحاكم عليها هو ذات النموذج الذي يحكم حياة القردة؟[63]
وأما في خصوص مبنى الفيزيقية، فلا بدّ من الإقرار بأن هذا الاتجاه وإن كان له بعض الأتباع وأن تعاليمه آخذة بالاتساع إلى حدّ ما، ولكن لا بدّ من القول بعدم وجود اختلاف كبير بين هذه المدرسة والمدرسة المادية؛ إذ إن أتباع كلتا المدرستين وأنصارهما يؤكّدون على أصالة المادّة أو خصائصها ويعملون على نفي الأمور غير المادية أو يقومون بتهميشها في الحدّ الأدنى. وعلى هذا الأساس، فإن ذات تلك الإشكالات التي تمّ إيرادها على المادية ترد -بعد شيء من الجرح والتعديل- على هذه المدرسة أيضًا. يُضاف إلى ذلك أن الفيزيقية بدورها تحتوي على الكثير من الإشكالات؛ ومن بينها أننا لو قبلنا بهذا الرأي سوف يحدث تناقض بين الأوصاف التي تمّ إدراكها وبين النزعة الفيزيقية.
لنفترض أن الشخص (أ) لا يستطيع التعرّف على العالم الخارجي إلا بواسطة اللون الأبيض والأسود. وقد ظل قابعًا في بيته لفترة طويلة، وهو يهتم بمعرفة العالم من خلال هذين اللونين حصريًا، ولا شك في أنه سوف يحصل بهذه الطريقة على الكثير من المعارف بالنسبة إلى العالم المحيط به. وعليه إذا كانت الفيزيقية صحيحة، فيجب القول بأن معرفته بشأن العالم سوف تكون كاملة، وأنه عندما يخرج من بيته سوف يكون عالمًا بكل شيء حول العالم. بيد أننا نعلم أن الأمر ليس كذلك، وأن هناك الكثير من الأشياء التي لا يعلمها، وإنه لن يطّلع عليها إلا بعد الخروج من البيت والاحتكاك بأنواع الألوان الأخرى.
وعلى هذا الأساس يمكن تلخيص الإشكال على النحو الآتي:
- إن الشخص (أ) كان قبل الخروج من بيته يعلم بجميع الأمور حول العالم.
- إن الشخص (أ) قبل الخروج من بيته لا يعلم جميع الأمور حول العالم (وذلك لأنه بعد التحرر من حصار البيت سوف يتعرّف على الكثير من الأمور التي لم يكن يعلم بها قبل الخروج من البيت).
- وعلى هذا الأساس هناك الكثير من الأمور الصحيحة وفي الوقت نفسه لا تقع ضمن حدود النظرية الفيزيقية[64].
4 / 2. استحالة اختبار فرضية سيغموند فرويد
بالنظر إلى أن سيغموند فرويد يعلن عن أن الأسلوب والمنهج العلمي هو وحده المنهج الصحيح في الوصول إلى النتيجة، ولا يبدي اهتمامًا بالأساليب الفلسفية والعقلية، فيجب أن تكون نظريته بدورها مشتملة على شرائط وضوابط النظرية العلمية أيضًا. وإن من بين الشرائط والضوابط الواضحة في النظرية العلمية وجوب أن تكون قابلة للاختبار. وعليه لو أن النظرية التي تدعي العلمية لم تكن مشتملة على هذا الشرط، ولا يمكن العمل على إخضاعها للاختبار، فيجب التخلّي عن وصف كونها علمية في مثل هذه الحالة. وعليه كيف يمكن اعتبار نظرية ما علمية والحال أنها لا تحتوي على شروط النظرية العلمية؟!
يذهب الكثير من الناقدين لرؤية سيغموند فرويد إلى الاعتقاد بأن رؤيته - سواء حول تبلور المجتمعات البدائية، أو حول عقدة أوديب، أو بشأن رؤيته للدين بوصفه وهمًا طفوليًا - لا تقبل الخضوع للاختبار، ولا يمكن اختبارها مع الحفاظ على الشروط اللازمة التي يجب توفرها في الاختبار الصحيح. عندما تكون النظرية بحيث لا تنسجم أبدًا مع معيار التجربة والاختبار، فكيف يمكن اعتبار تلك النظرية نظرية علمية؟ قد يمكن لهذا النوع من النظريات أن يحتوي على سلسلة من المؤيدات أيضًا، إلا أن مجرّد وجود عدد من المؤيّدات دون أن تتوفر فيها إمكانية الاختبار لا يؤهّل النظرية لكي تندرج ضمن دائرة العلم[65].
لقد ذهب سيغموند فرويد إلى الادعاء بأن المجتمعات البدائية كانت من قبيل قطيع القردة تعيش على الطريقة الذكورية، حيث يتولى قيادة القطيع فيها قرد ذكر قوي. بيد أن هذه الفرضية لا يمكن إثبات صحتها بطريقة علمية[66].
4 / 3. تهافت رؤية سيغموند فرويد
إن رؤية سيغموند فرويد، بالإضافة إلى أنها لا تحتوي على شواهد لإثباتها، يبدو أنها متناقضة ومتهافتة أيضًا. لو كانت فرضية سيغموند فرويد القائمة على القول بأن الدين مجرّد وهم وأن منشأ الدين عبارة عن الحاجة إلى الرعاية والحماية- صحيحة، ففي مثل هذه الحالة يجب -كما أشار بعضهم إلى ذلك مصيبًا- أن يكون جميع الناس مؤمنين وأن يجدوا لذة ومتعة في الإيمان بالله وعبادته. هذا في حين أن الأمر ليس كذلك، وهناك من يستنكف عن مفهوم الإله والعبادة، ويحب أن يكون متحرّرًا، وأن لا يكون لأحد سطوة عليه أو يعمل على كبح جماحه ومؤاخذته عند ارتكاب الخطيئة[67]. إن الملحدين، وعددهم ليس بالقليل، يخشون من فكرة الإله ولا يحبون أن يكون مفهوم الإله موجودًا في قاموسهم. فلو لم يكن مفهوم الإله سوى وهم أو مجرّد أمنية حالمة، فلا ينبغي للناس أن يمتعضوا منها أو يبرموا بها وأن يعملوا جاهدين على إلغاء فكرة الإله من حياتهم. إن الأماني والآمال لا تكون إلا مبعثًا للسعادة والهناء، ويسعى كل إنسان، أيًا كانت هويته أو قبيلته، إلى تحقيق هذا النوع من الأماني والآمال. فلا يوجد سبب يدعو بعض الأفراد إلى الاغتباط بتحقيق الأماني بينما يذهب بعضٌ آخر إلى الامتعاض من تحقيق هذه الأماني. وعلى هذا الأساس فإن ذات أن يشعر بعض الأشخاص بالسعادة من فكرة الإيمان بالله وبعضهم الآخر يمتعض من هذه الفكرة ويحب أن يعيش متحررًا من القيود، خير شاهد على أن الإيمان بالله ليس مجرّد وهم أو أمنية ليس لها أساس. لو كان الإيمان بالله مجرّد أمنية، للزم من ذلك أن لا يكون الإيمان بالله مجرّد أمنية؛ وذلك لأنه من حيث أنه مجرّد أمنية لوجب على الجميع أن يسعى نحو تحقيق هذه الأمنية، وحيث إن الجميع لا يسعى إلى تحقيق هذه الأمنية، فلا يمكن أن يكون الإيمان بوجود الله مجرّد أمنية. ولكننا نعلم أن القول بأن وجود الله وهم وليس وهمًا في الوقت نفسه، سوف ينطوي ذلك على تهافت وتناقض مستحيل، وعلى هذا الأساس لا يكون الإيمان بالله مجرّد أمنية واهية[68].
يُضاف إلى ذلك لو أن العقدة الجنسية كانت هي المبنى والأساس في نشوء الاختلافات، وكانت تؤدّي في نهاية المطاف إلى ظهور الدين، فلماذا كانت هذه العقدة تظهر نفسها في قتل الآباء فقط، بينما نجد هذه المنظومة تخلو من قتل الأمّهات، في حين أن لكل من الآباء والأمهات دورًا في هذا المسار[69]؟[70]
4 / 4. تجاهل سيغموند فرويد لبراهين إثبات وجود الله
هناك العديد من البراهين التي أقيمت على إثبات وجود الإله. وقد يواجه بعض هذه البراهين مجموعة من الإشكالات، بيد أن الكثير من هذه البراهين يخلو من الإشكال. وعليه إذا كان سيغموند فرويد يدّعي نفي وجود الإله، يجب عليه أن يفنّد جميع هذه البراهين واحدًا واحدًا. ولكن سيغموند فرويد لم يقم بشيء من ذلك. وإن عدم قيامه بذلك يضع مشروع الإلحاد النفساني أمام تحدٍّ مهم، ويكون أقصى ما يمكن لفرضيته أن تعمله هو إيجاد نوع من التشكيك والتردّد بشأن وجود الإله لا أكثر.
4 / 5. عدم تهافت نظرية سيغموند فرويد مع وجود الإله
هناك من الناقدين لفكرة سيغموند فرويد من أشار إلى هذه النقطة صائبًا، وهي: إنه على فرض صحّة هذه الفرضية والقول بأن الدين ليس في الحقيقة سوى توهّم طفولي، إلا أن هذا الافتراض لا يؤدّي إلى نتيجة مفادها عدم وجود الله. إن أبحاث سيغموند فرويد إنما يمكن لها أن تثبت مسألة واحدة فقط، وهي أن الدين قد وُجد على أساس الوهم (وحتى هذا المطلب هو موضع شكّ وترديد، ولا يمكن القبول به بالنظر إلى وجود الأدلة والبراهين على ذلك)، بيد أن قيام الدين على وهم لا ينتج منه عدم وجود الإله بحال من الأحوال؛ فإن توجّه الإنسان إلى إثبات أو نفي مسألة ما، لا يُحدث تغييرًا في نظام الوجود. إذ إن توجّه الإنسان إلى نفي وجود الله لا يكون دليلًا على نفي وجود الله في دائرة الوجود، كما أن توجّه الإنسان إلى إثبات وجود الله لا يستلزم إثبات وجود الله في نظام الوجود أيضًا. إن وجود أو عدم الاتجاه لدى الإنسان ليس دليلًا على وجود أو عدم متعلّق ذلك الاتجاه في الخارج. لا يوجد أيّ تلازم منطقي بين هذين الأمرين، ولهذا السبب أشار بعض الناقدين لسيغموند فرويد إلى هذه النقطة مصيبًا، وهي أنه على فرض صحّة رؤية فرويد، وعدم إمكان إيراد إشكال على هذه الفرضية، مع ذلك لا يمكن لنا من الناحية المنطقية أن نستنتج من صوابية فرضيته عدم وجود الله[71].
وعليه لا بدّ من القول: إن ذهاب بعض الأشخاص إلى قرع طبول الإلحاد على إيقاع فرضية سيغموند فرويد، مستنتجين من تعاليمه عدم الإيمان بوجود الله، قد ارتكبوا عملًا خاطئًا، ولا يمكن الدفاع عن فعلتهم من الناحية العلمية والمنطقية.
يُضاف إلى ذلك أن سيغموند فرويد -كما أشار إلى ذلك بعضهم- لم يقم بعدم إنكار وجود الله فحسب، بل وإنه بذلك قد أثبت فطرية مفهوم الإله وبداهته، فلو كانت علاقة الإله بالإنسان من قبيل علاقة الأب بأولاده -كما نصّت على ذلك بعض الأديان- فسوف يكون خير أسلوب في هذه الحالة عبارة عن أن يصل الإنسان في ضوء توجهاته إلى هذه النقطة وأن يقرّ بها في قرارة نفسه. وعندما يصل الإنسان إلى هذه النقطة، وهي أنه بحاجة إلى من يحميه مثل أبيه، وأن الله هو الذي يحميه، فإنه في مثل هذه الحالة سوف يتوجّه نحو الإيمان بوجود الله بشوق ورغبة[72].
وعلى هذا الأساس، فإن التحليل النفسي الذي قام به سيغموند فرويد لا يعني عدم وجود الله، ويمكن لهذا النوع من التحليل النفسي أن يتعايش مع الإيمان بوجود الله، اللهم إلا إذا قيل بعدم وجود دليل على إثبات وجود الله، وأنه ليس هناك سوى دليل واحد على وجود الله، وهو عبارة عن طريقة الناس في الاعتقاد بوجود الله. وبعبارة أخرى: لو جعلنا نفس الاعتقاد بوجود الله دليلًا على وجود الله، ففي مثل هذه الحالة لو تمّ التشكيك بأصل هذا الاعتقاد، فقد لا يأمن الإله الذي تمّ إثباته بهذه الطريقة من آفة التشكيك أيضًا. ولكننا نعلم بأن هناك الكثير من الأدلة على إثبات وجود الله تعالى، وما دامت هذه الأدلة موجودة، فلا يمكن الشك في وجود الله.
5. الخلاصة والنتيجة
لقد عمدنا في هذه المقالة إلى تقرير شبهة سيغموند فرويد القائمة على أساس التحليل النفسي، وقمنا بعد ذلك بنقدها. وقد عملنا في ضوء هذه الغاية أولًا على بيان مباني رؤيته وحصرها، على الرغم من قلة الاهتمام بها. ومن بين أهم مباني رؤيته الإيمان بالعلم والنزعة الداروينية والفيزيقية؛ حيث أثبتنا -من خلال الاستناد إلى الشواهد الموجودة في أعماله- أنه يؤمن بجميع هذه المباني الثلاثة، وأنها تشكّل الفرضيات الذهنية له. إن الإله على أساس شبهة سيغموند فرويد إنما هو نتيجة لتوهّم طفوليّ. وقد أثبت فرويد هذا الأمر من خلال تطبيق معطيات ونتائج تحليله النفساني على المجتمعات البدائية، ثم الأديان التوحيدية بعد ذلك. وقد أثبتنا في هذه المقالة أن مباني فرضيته وأصل رؤيته يواجهان نقاط ضعف وتحدّيات كبيرة. ومن بين هذه التحديات المهمة الأسئلة الجادة التي يتمّ توجيهها إلى مباني رؤيته، وبسبب هذه التشكيكات والأسئلة لا يحظى اليوم أيّ واحد من مباني تفكيره بالمقبولية العامّة. كما أن أصل فرضيته لم تقع موردًا للتسليم. فهو على الرغم من نزعته العلمية في بحث المباني، واعتباره المنهج العلمي هو وحده المنهج الصحيح في الوصول إلى الحقيقة، إلا أن رؤيته تفتقر إلى الشروط الضرورية في الفرضية العلمية، ومن بينها إمكانية الاختبار. ومن بين الإشكالات الأخرى التي يمكن إيرادها على فرضيته، عبارة عن: تهافتها وتناقضها، وعدم خوضه في براهين إثبات وجود الواجب، وإمكان الجمع بين رؤيته ورؤية علماء الإلهيات أيضًا.
لائحة المصادر والمراجع:
ابن سينا، عبد الله، شرح الإشارات والتنبيهات للمحقق الطوسي، ج 3، نشر البلاغة، قم، 1375 ه- ش.
ابن سينا، عبد الله، رسالة أحوال النفس، دار بيبلون، باريس، 2007 م.
أفضلي، السيد عبد الرؤوف (جمعة خان)، «رابطه معرفت وسعادت از ديدگاه ملا صدرا»، مجلة: معارف عقلي، العدد: 14، ص 7 - 32، 1388 ه- ش.
ـــــــــــــــــ، «روش استقرائي از ديدگاه تطبيقي»، مجلة: معرفت فلسفي، العدد: 3، ص 117 - 144، 1387 ه- ش.
السهروردي، يحيى بن حبش، مجموعة مصنفات شيخ اشراق، ج 4، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران، 1375 ه- ش.
شولتز، داون وشولتز سيدني ألن، نظريه هاي شخصيت، ترجمه إلى اللغة الفارسية: يحيى سيد محمدي، مؤسسة نشر ويرايش، طهران، 1384 ه- ش.
عشاقي، حسين، برهان صديقين، مؤسسة پژوهشي حكمت وفلسفه ايران، طهران، 1393 ه- ش.
مصباح اليزدي، محمد تقي، آموزش فلسفه، ج 1، شركت چاپ ونشر بين الملل، طهران، 1379 ه- ش.
المطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 1، و3 و5، انتشارات صدرا، طهران، 1384 ه- ش.
المظفر، محمد رضا، المنطق، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1427 ه-.
مك كواري، جان، تفكر ديني در قرن بيستم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهزاد سالكي، انتشارات أمير كبير، طهران، 1378 ه- ش.
كونگ، هانس، خدا در انديشه فيلسوفان غرب (ج 1)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن قنبري، انتشارات دانشگاه أديان ومذاهب، قم، 1389 ه- ش.
Andrew, Melnyk, "Physicalism" in Routledge Encyclopedia of Philosophy, Available at: https://www.rep.routledge.com/articles/thematic/physicalism/v-1 .
Hume, David, The Natural History of Religion, Available at: http://stoa.usp.br/briannaloch/files/2564/16389/The+Natural+History+of+Religio n+-+David+Hume. pdf.
Kenny, Dianna T, God, Freud and Religion, London and New York: Routledge, 2015.
Feuerbach, L, The Essence of Christianity, forwarded by Rachel V Kohout Lawrence, Walnut: MSAC Philosophy Group, 2008.
Hick, J, Philosophy of Religion, Upper Saddle River NJ: Prentice- Hall, 1990. https://plato.stanford.edu/entries/physicalism/#CasAgaPhyIQuaCon https://www.ocf.berkeley.edu/~jfkihlstrom/PersonalityWeb/Ch8CritiquePsychoa nalysis.htm.
Palmer, Michael, Freud and Jung on Religion, London and New York: Routledge, 1997.
Thurschwell, P. Sigmund Freud, London and New York: Routledge, 2000.
Plantinga, A, Warranted Christian belief, Oxford: Oxford University Press, 2000.
Freud, Sigmund, Totem and Taboo, tr. James Strachey. London and New York: George Routledge & Sons, 1919.
ـــــــــــــــــــــــ, The Interpretation of dreams, PDF, 2010.
ـــــــــــــــــــــــ, Moses and Monotheism, tr. Katherine Jones. [London]: The Hogarth Press and the Institute of Psycho - Analysis, 1939.
ـــــــــــــــــــــــ, The Future of an Illusion, tr. James Strachey. New York: W. NORTON & COMPANY · INC, 1961.
ـــــــــــــــــــــــ, Civilization and Its Discontents, tr. James Strachey, Available at: https://www.stephenhicks.org/wp-content/uploads/2015/10/FreudS CIVILIZATION-AND-ITS-DISCONTENTS-text-final.pdf.
Stenmark, Mikael, "Scientism," in Van Huyssteen, J Wentzel Vrede, Encyclopedia of Science and Religion (2nd ed.), Thomson Gale, 2003.
Stoljar, Daniel, "Physicalism," The Stanford Encyclopedia of Philosophy. (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = https://plato.stanford.edu/ archives/win2017/entries/physicalism/
ـــــــــــــــــــــــــ, Physicalism, London and New York: Routledge, 2010.
Smythe, Thomas W., A Critique of Recent Criticisms of Freud on Religious Belief, Available at: https://file.scirp.org/pdf/OJPP20110100004_26683050.pdf
Westphal, M, Suspicion and Faith: The Religious Uses of Modern Atheism, Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Company, 1993.
Reese, William L, Dictionary of Philosophy of Religion, New Jersey: Humanities Press, 1996,
-------------------------------------------------
[1]. أستاذ مساعد وعضو في اللجنة العلمية في جامعة المصطفى العالمية.
سبق لهذا المقال أن نُشر بلغته الفارسية الأصل تحت عنوان (شبهه خدا به مثابه توهم كودكانه (بررسي ونقد إلحاد روان شناختي فرويد) في مجلة نشرية حكمت اسلامي، السنة العاشرة، العدد: 3، خريف عام 1402 هـ ش، من صفحة 169 إلى صفحة 190.
تعريب: حسن علي مطر
[2]. أستاذ مساعد وعضو في اللجنة العلمية في جامعة المصطفى العالمية.
[3]. Physicalism
[4]. سيغموند فرويد (Sigmund Freud) (1939 - 1856): عالم نمساوي مختصّ في مجال علم الأعصاب، ويعدّ الأب المؤسّس لعلم التحليل النفسي. وُلد في مقاطعة فيريرغ ودرس في مدينة فيينا. وبعد إتمام دراسته الجامعية واصل دراسته في مختلف الحقول، من قبيل: حقل الاختلالات الذهنية، وعلاج اضطرابات النطق والكلام، وعلم الأعصاب التشريحي والميكروسكوبي، وذلك في المستشفى العام في مدينة فيينا. وفي عام 1885 م مارس التدريس في الجامعة، وفي عام 1902 م حصل على لقب الأستاذ. لقد كان سيغموند فرويد طالبًا في علوم الطب، ولكنه نال شهرته في حقل مسائل علم النفس وعلم التحليل النفسي. وقد كانت له نظريات مهمّة في مختلف حقول علم النفس، من قبيل: (دراسة الشخصية، والضمير الواعي، والضمير اللاواعي، وعلم النفس التنموي، والمسائل الجنسية وما إلى ذلك). وقد كانت آراء سيغموند فرويد عرضة لسهام النقد من قبل بعض علماء النفس؛ حيث قالوا إن آراءه إنما تستند إلى مشاهداته فيما يتعلق بتعاطيه مع المرضى، وحاليًا أصبحت هذه الآراء منتهية الصلاحية، ولم تعد مجدية في الوقت الراهن. ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يُنكر ما كان لآرائه من التأثير في العلماء اللاحقين.
(See: William L, Dictionary of Philosophy of Religion, 246).
[5]. See: Hume, The Natural History of Religion, 405.
[6]. See: Dianna, God, Freud and Religion, 112.
[7]. See: Feuerbach, The Essence of Christianity (EC) Forwarded by Rachel V Kohout Lawrence, 8 – 180.
[8]. انظر: كونگ، خدا در انديشه فيلسوفان غرب، 1: 553.
[9]. ذكر الكاتب الترجمات الفارسية باعتبار أن أصل هذه المقالة باللغة الفارسية (المحرر).
[10]. انظر: المطهري، مجموعه آثار، 3: 27 ـ 35.
[11]. See: Sigmund Freud, The Future of an Illusion, 32.
[12]. See: Ibid., 29.
[13]. See: Ibid., 31.
[14]. See: Ibid.
[15]. انظر: كونگ، خدا در انديشه فيلسوفان غرب، 1: 529.
[16]. See: Freud, Moses and Monotheism, 108.
[17]. See: Ibid., 3 – 130.
[18]. See: Kenny, God, Freud and Religion, 64.
[19]. See: Stoljar, "Physicalism," The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL.
[20]. See: Stoljar, Physicalism, 226.
[21]. See: Freud, The Future of an Illusion, iv.
[22]. See: Ibid., 58.
[23]. See: Freud, The Interpretation of dreams, 71.
[24]. conscious.
[25]. unconscious.
[26]. sub-conscious.
[27]. انظر: شولتز، داون وشولتز سيدني ألن، نظريههاي شخصيت، 59.
[28]. See: Reese, Dictionary of Philosophy of Religion, 246.
[29]. See: Ibid.
[30]. See: Ibid.
[31]. neurosis
[32]. See: Reese, Dictionary of Philosophy of Religion, 246.
[33]. ambivalent
[34]. See: Ibid., 69 – 70.
[35]. See: Thurschwell, Sigmund Freud, 166.
[36]. See: Freud, Totem and Taboo, 69 - 70.
[37]. انظر: كونگ، خدا در انديشه فيلسوفان غرب، 1: 518.
[38]. See: Freud, Totem and Taboo, 5 – 164.
[39]. Totemism
[40]. Totem
[41]. See: Thurschwell, Sigmund Freud, 98.
[42]. See: Smythe, A Critique of Recent Criticisms of Freud on Religious Belief, 13. Available at: https://file.scirp.org/pdf/OJPP20110100004_26683050.pdf.
[43]. انظر: كونگ، خدا در انديشه فيلسوفان غرب، 1: 519.
[44]. See: Freud, Totem and Taboo, 59 – 60.
[45]. See: Freud, Moses and Monotheism, 135.
[46]. See: Thurschwell, Sigmund Freud, 5 – 64.
[47]. See: Freud, Civilization and Its Discontents, 6 - 7, Available at: https://www.stephenhicks.org/wp-content/uploads/2015/10/FreudS-CIVILIZATION-AND ITS - DISCONTENTS-text-final.pdf.
[48]. See: Freud The Future of an Illusion, 18.
[49]. See: Palmer, Freud and Jung on Religion. 2.
[50]. See: Thurschwell, Sigmund Freud, 8 – 56.
[51]. انظر: كونگ، خدا در انديشه فيلسوفان غرب، 1: 526 ـ 527.
[52]. See: Stenmark, "Scientism," 783
[53]. نعلم أن التأكيد على الإيمان بالعلم يعني رفض وانتقاص العلوم الأخرى، ومن بينها الفلسفة. وربما كان من بين أسباب إعراض الغربيين عن الفلسفة وتجاهلهم لها عبارة عن نقاط الضعف التي تعاني منها فلسفة الغرب. وكما أشار بعضهم ـمصيبًاـ إلى أن الغرب في الحقيقة متخلّف جدًا عمّا يُسمى بالحكمة الإلهية، وربما لا يمكن لبعض أن يرضى بأن الغرب لم يصل إلى الفلسفة الإلهية الشرقية، ولا سيّما الفلسفة الإسلامية. إن الكثير من المفاهيم الفلسفية التي أثارت صخبًا وضجيجًا هادرًا في أوروبا، كانت من بين المسائل التي تعدّ في الفلسفة الإسلامية من سقط المتاع. حتى أننا نطالع في بعض ترجمات الفلسفة الغربية أمورًا مثيرة للضحك ومع ذلك تعدّ بوصفها من المسائل الفلسفية التي تمخّضت من بنات أفكار الفلاسفة الكبار في أوروبا. كما نطالع بعض المطالب الإلهية التي عجز الفلاسفة الغربيون عن حلها بسبب افتقارهم إلى المعايير الفلسفية الرصينة. ومن الواضح بداهة أن هذا الضعف قد مهّد الأرضية الفكرية لصالح النزعة المادية. (المطهري، مجموعه آثار، 1: 493).
لا يمكن تجاهل الفلسفة. وذلك لأن الفلسفة عادت على البشرية بالكثير من المنافع والفوائد. ومن بين هذه المنافع بيان طرق «السعادة» وأسباب الوصول إليها. إن بحث المعرفة والسعادة من الأبحاث التي شغلت أذهان البشر منذ القدم، بيد أن العثور على الصلة بين المعرفة والسعادة والاستفادة من مقولة المعرفة بوصفها آلية للوصول إلى السعادة، من الأمور التي تمّ بيانها في الحكمة المتعالية بشكل جيد. إن صدر المتألهين بعد شرحه للمفهوم الفلسفي للسعادة، قد ذهب -مثل الكثير من الفلاسفة الآخرين- إلى القول بأن سعادة الإنسان تكمن في الاتحاد مع العقل بالفعل. يرى صدر المتألهين أن لكل شيء كماله الخاص، وإن السعادة في ذلك الشيء رهن بالوصول إلى تلك الغاية. إن غاية الإنسان -من وجهة نظر صدر المتألهين- هي الاتصال بالعقل بالفعل، ومن هنا فإن سعادة الإنسان بدوره رهن في تحقق هذا الأمر أيضًا. إن آلية الوصول إلى مرتبة العقل بالفعل عبارة عن اكتساب المعرفة بالصوَر العقلانية (الفلسفة) والتقوية المتواصلة للمعرفة بشأن هذه الموجودات النورانية. إن هذا الأمر يؤدّي بالتدريج إلى تكامل مادة النفس من خلال القبول بالصوّر العقلية المتكاملة بشكل أكبر وتتحد في نهاية المطاف مع العقل الفعال. وبطبيعة الحال فإن الاتصال بالعقل الفعال -بوصفه العلة الموجدة للنفس- يمهّد الأرضية للبهجة والسعادة واللذة التي لا يمكن وصفها في النفس والتي هي العقل حاليًا. (انظر: أفضلي، «رابطه معرفت وسعادت از ديدگاه ملا صدرا»، 7 ـ 32).
[54]. ربما أمكن ـ بطبيعة الحال ـ تسمية الأسلوب الاستقرائي بالأسلوب التجريبي. بيد أن ذات التجربة في المنطق الإسلامي غير الاستقراء. يمكن للمجرّبات أن تصلح بالنسبة إلى البرهان، وأما المستقرآت فليست كذلك. (للمزيد من الاطلاع، انظر: أفضلي،«روش استقرائي از ديدگاه تطبيقي»، 117 ـ 144).
[55]. انظر: المظفر، المنطق، 264.
[56]. انظر: م. ن، 268.
[57]. انظر: م. ن، 203.
[58]. انظر: مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، 1: 111.
[59]. انظر: كونگ، خدا در انديشه فيلسوفان غرب، 513 ـ 514.
[60]. انظر: المطهري، مجموعه آثار، 1: 514 ـ 515.
[61]. See: Freud. Moses and Monotheism, 130 - 3.
[62]. See: https://www.ocf.berkeley.edu/~jfkihlstrom/PersonalityWeb/Ch8CritiquePsychoanalysis.htm.
[63]. See: Kenny, God, Freud and Religion, 111.
[64]. https://plato.stanford.edu/entries/physicalism/#CasAgaPhyIQuaCon.
وعلاوة على ذلك هناك إشكالات أخرى ترد على النزعة الفيزيقية، ومن بينها:
1. إشكال هامبل: إن كارل جوستاف هامبل فيلسوف ألماني من القرن العشرين للميلاد. وقد ذكر إشكالًا عُرف لاحقًا بـ >لغز هامبلما الذي نعنيه عندما نقول: هناك وجود لكل شيء يندرج ضمن النظرية الفيزيقية؟ هل نريد بالنظرية الفيزيقية هي النظريات التي تعترف بها الفيزياء المعاصرة رسميًا، أو نقصد بها ـ على سبيل المثال ـ فيزياء القرن التاسع عشر للميلاد أو الفيزياء التي سوف يحصل عليها الإنسان في المستقبل؟