البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أكثر شعوب العالم غرابة؟

الباحث :  جوزيف هينريك ، ستيفن ج. هاينه، آرا نورينزايان
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  41
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 10 / 2026
عدد زيارات البحث :  172
تحميل  ( 704.005 KB )
الخلاصة
ينشر علماء السلوك بانتظام ادّعاءاتٍ واسعةً حول علم النفس والسلوك الإنساني في أبرز المجلات العلميّة في العالم، استنادًا إلى عيناتٍ مستمدّة بالكامل من مجتمعاتٍ غربيّةٍ متعلّمةٍ صناعيّةٍ غنيّةٍ وديمقراطيّةٍ (WEIRD ). ويفترض الباحثون – ضمنًا في الغالب – أنّ التنوّع بين الجماعات البشريّة محدود، أو أنّ هذه «العينات المعياريّة» تمثّل النوع الإنساني بقدر ما تمثّله أيّ جماعةٍ أخرى. فهل هذه الافتراضات مبرّرة؟ إنّ مراجعتنا لقاعدة البيانات المقارنة في مختلف فروع العلوم السلوكيّة تُظهر وجود تباينٍ كبيرٍ في النتائج التجريبيّة بين الجماعات، كما تُظهر أنّ أفراد المجتمعات الـ WEIRD يُعَدّون، على نحوٍ خاصّ، استثناءً ملحوظًا قياسًا ببقيّة النوع البشري – إذ يشكّلون في كثيرٍ من الحالات حالاتٍ شاذّةً عن القاعدة. وبوجهٍ عامّ، تشير هذه الأنماط التجريبيّة إلى ضرورة أن نتوخّى مزيدًا من الحذر عند معالجة مسائل الطبيعة الإنسانيّة على أساس بياناتٍ مستمدّةٍ من شريحةٍ محدودةٍ وغريبةٍ نسبيًّا من البشريّة. ونختتم باقتراح سبلٍ لإعادة تنظيم العلوم السلوكيّة بنيويًّا بما يمكّنها من مواجهة هذه التحدّيات على نحوٍ أفضل.

الكلمات المفتاحيّة: الاقتصاد السلوكيّ، البحث عبر الثقافات، علم النفس الثقافيّ، الثقافة، علم النفس التطوّريّ، التجارب، الصلاحيّة الخارجيّة، قابليّة التعميم، الكونيّات الإنسانيّة، التنوّع السكّانيّ.

1. المقدّمة
إنّ دراساتٍ متعمّقةً حول مجتمعاتٍ تُوصَف عادةً بالغريبة، وهي مجالُ الأنثروبولوجيا تاريخيًّا، تُعَدّ ضروريّةً لفهم التنوّع السلوكيّ والنفسيّ الإنسانيّ. غير أنّ هذه المقالة لا تتناول تلك الشعوب، بل تتناول جماعةً أكثرَ غرابةً حقًّا: إنها تتناول الناس المنتمين إلى مجتمعاتٍ غربيّةٍ متعلّمةٍ صناعيّةٍ غنيّةٍ وديمقراطيّةٍ (WEIRD) . وبوجهٍ خاصّ، تتناول طلاب الجامعات الغربيّين، ولا سيّما الأمريكيّين منهم، الذين يشكّلون القسم الأكبر من قاعدة البيانات في فروع علم النفس التجريبيّ وعلوم الإدراك والاقتصاد، فضلًا عن الحقول المتصلة بها (ويُشار إليها لاحقًا مجتمعةً بالعلوم السلوكيّة). ونظرًا إلى أنّ المعرفة العلميّة حول علم النفس الإنسانيّ ترتكز في الغالب على نتائج مستمدّة من هذه الشريحة الفرعيّة، نتساءل: إلى أيّ حدٍّ يمكن اعتبار هذه العيّنات النموذجيّة مُمثّلةً للبشر جميعًا في ضوء قاعدة البيانات المقارنة المتاحة؟ وما مدى مشروعيّة افتراض الباحثين عموميّةً نوعيّةً على مستوى الإنسان استنادًا إلى نتائجهم؟ في هذه الدراسة، نستعرض الأدلّة التي توضّح كيف يقارن الأفراد المنتمون إلى مجتمعات الـ «WEIRD» بسائر الجماعات البشريّة.

لقد تناولنا هذا السؤال من خلال إعداد مراجعةٍ تجريبيّةٍ للدراسات التي تضمّنت مقارناتٍ تجريبيّةً واسعة النطاق حول متغيّراتٍ نفسيّةٍ أو سلوكيّةٍ مهمّة. ومع أنّ مثل هذه الدراسات الواسعة تُعدّ غنيّةً بالمعلومات، إلّا أنّها نادرةٌ نسبيًّا، ولا سيّما إذا ما قورنت بكثرة الادّعاءات التي تُعمَّم نتائجها على النوع الإنسانيّ بأسره. وفي الحالات التي غابت فيها مثل هذه المشاريع المقارِنة، اعتمدنا على مجموعاتٍ كبيرةٍ من الدراسات التي قارنت بين جماعتين أو ثلاث جماعاتٍ بشريّة، واستندنا، متى ما توفّرت، إلى التحليلات التجميعيّة (Meta-Analyses) .
إنّ دراستنا لمدى تمثيليّة الأفراد المنتمين إلى مجتمعات الـ «WEIRD» تظلّ بالضرورة محدودةً بقدر محدوديّة قاعدة البيانات المتاحة حاليًّا. وقد نظّمنا عرضنا في سلسلةٍ من المقارنات المتدرّجة (التلسكوبيّة) التي تُظهِر، في كلّ مستوى من مستويات المقارنة، موقعَ أفراد هذه المجتمعات بالنسبة إلى الجماعات المرجعيّة المتوفّرة. ففي المستوى الأوّل، نقارن بين أفراد المجتمعات الصناعيّة الحديثة وأفراد المجتمعات الصغيرة النطاق. وفي المستوى الثاني من هذا التدرّج، نقارن بين أبناء المجتمعات الغربيّة وأبناء المجتمعات الصناعيّة غير الغربيّة. ثمّ نقارن في المستوى الثالث بين الأمريكيّين وسائر أبناء المجتمعات الغربيّة. وأخيرًا، نقارن بين الأمريكيّين المتعلّمين في الجامعات وغير المتعلّمين جامعيًّا، أو بين طلبة الجامعات والراشدين من غير الطلبة، بحسب نوع البيانات المتوفّرة. وفي كلّ مستوى من هذه المستويات، نعرض الظواهر السلوكيّة والنفسيّة التي تتوافر عنها بياناتٌ مقارِنة، ونقيّم موقع أفراد الـ «WEIRD» مقارنةً بسائر العينات.

2. الخلفية
قبل الشروع في عرض مقارناتنا المتدرّجة، نستعرض ملاحظتين أساسيتين تتعلّقان بالأدبيّات القائمة: (1) إنّ قاعدة البيانات في العلوم السلوكية مستمدّة من شريحةٍ شديدة الضيق من التنوّع البشري؛ (2) إنّ علماء السلوك يفترضون، على الأقل على نحوٍ ضمني، أنّ نتائج هذه الشريحة الضيّقة قابلة للتعميم على النوع الإنساني كله.

2. 1. قاعدة البيانات في العلوم السلوكية ضيّقة
من هم الأشخاص الذين تُجرى عليهم دراسات العلوم السلوكية؟ تكشف دراسةٌ حديثة لأهمّ المجلات في ستّة فروع من فروع علم النفس خلال المدة من 2003 إلى 2007 أنّ 68% من المشاركين في الدراسات ينتمون إلى الولايات المتحدة، وأنّ 96% من عيّنات المشاركين ينحدرون من دولٍ صناعيةٍ غربية، وتحديدًا في أميركا الشمالية وأوروبا، إضافةً إلى أستراليا و[كيان]إسرائيل. ويبدو أنّ هذا التوزيع يعكس في معظمه الدول التي يقيم فيها الباحثون أنفسهم، إذ إنّ 73% من الباحثين الأوائل يعملون في جامعاتٍ أميركية، و99% يعملون في جامعاتٍ غربية. وهذا يعني أنّ 96% من عيّنات علم النفس مستمدّة من دولٍ لا تمثّل سوى 12% من سكّان العالم.

ومع ذلك، فإنّ أسلوب اختيار العيّنات في الدراسات التجريبية ليس تمثيليًّا حتى داخل العالم الغربي نفسه، ففي مجلة «Journal of Personality and Social Psychology» ، وهي أبرز مجلة في علم النفس الاجتماعي –وهو الفرع الذي يُفترض به، من حيث المبدأ، أن يكون الأكثر اهتمامًا بخلفيّات المشاركين– تبيّن أنّ 67% من العينات الأميركية (و80% من العينات في الدول الأخرى) تتكوّن حصريًا من طلاب المرحلة الجامعية في مساقات علم النفس. وبعبارة أخرى، فإنّ احتمال اختيار طالبٍ جامعي أميركي عشوائيًا ليكون مشاركًا في الأبحاث أعلى بأكثر من 4,000 مرّة من احتمال اختيار شخصٍ عشوائي من خارج الغرب. وإضافة إلى ذلك، لم ينخفض الاعتماد على عينات طلاب المرحلة الجامعية بمرور الزمن. وبذلك، فإنّ هذه الدراسات لا تزال تستمدّ بياناتها من شريحةٍ سكانيةٍ محدودة جدًا داخل كل بلد.
وإلى جانب علم النفس وعلوم الإدراك، لا تبدو عيّنات المشاركين في الاقتصاد التجريبيّ وعلوم اتّخاذ القرار أكثر تنوّعًا؛ فهي كذلك ما تزال خاضعة لهيمنة المشاركين الغربيّين، ولا سيّما طلّاب الجامعات. ومع ذلك، وللإنصاف، فقد بدأ الحقل الناشئ للاقتصاد التجريبيّ اتخاذ خطواتٍ لمعالجة مشكلة ضيق العيّنات.
وخلاصة القول، إنّ قاعدة البيانات المتاحة في هذه الحقول لا تعكس التنوّع البشريّ في مداه الحقيقي، بل إنّ ما ندرسه في الغالب هو طبيعة الإنسان الـ «WEIRD»، أي شريحة ضيّقة ومحتملة الخصوصيّة من النوع البشري.

2. 2. غالبًا ما يفترض الباحثون شموليّة نتائجهم
إنّ الاقتصار على عيّنةٍ محدودة من البشر لم يكن ليشكّل مشكلةً كبيرة لو أنّ الباحثين حصروا استنتاجاتهم ضمن حدود الجماعات التي استقوا منها بياناتهم. غير أنّ علماء السلوك، على الرغم من ضيق عيّناتهم، يسعون في كثير من الأحيان إلى استخلاص استنتاجاتٍ حول الذهن والسلوك الإنساني بوصفه كلًّا. وهذا الانتقال الاستدلالي نادرًا ما يُمتحَن أو يُدافع عنه –مع وجود استثناءاتٍ مهمّة– على الرغم من غياب أيّ جهدٍ منهجيٍّ واسع لتقويم مدى قابلية تعميم نتائج عينات (WEIRD) على النوع الإنساني. إنّ هذا القصور في اليقظة المعرفية يكشف عن افتراضٍ سائدٍ، وإن كان ضمنيًا، مفاده أنّ النتائج المستخلصة من عيّنةٍ بشريةٍ ما ستنطبق على البشر عمومًا، وكأنّ الإنسان الراشد في أيّ دراسة هو نظيرُ أيّ إنسان راشدٍ آخر.

تنشر أهمّ الدوريات العلمية والكتب الجامعية بصورةٍ متكرّرة نتائج أبحاثٍ تزعم قابلية التعميم على «البشر» أو «الناس»، مع أنّها مستندة بالكامل إلى دراسات أُجريت على طلّابٍ جامعيين من مجتمعات «WEIRD» . وفي كبريات المجلات مثل «Nature» و «Science» ، يمدّد الباحثون نتائجهم المستخلصة من عيّنات طلاب الجامعة لتشمل النوع الإنساني بأسره، وغالبًا ما يُعلِنون هذا التعميم في عناوين أبحاثهم، من غير حتى حاشيةٍ تحذيرية بشأن هذا الانتقال الاستدلالي.
وفي علم النفس، يكون كثير من هذا التعميم ضمنيًا؛ فالمقالة النموذجية لا تزعم صراحةً أنّها تتناول «البشر»، بل تكتفي بوصف انحيازٍ في اتّخاذ القرار، أو عمليةٍ نفسية، أو مجموعةٍ من الارتباطات، من دون التطرّق إلى مسألة قابلية التعميم، رغم أنّ النتائج تُنسب كثيرًا إلى «الناس» عمومًا. وفي الغالب لا تتضمّن المقالات أيّ معلوماتٍ سكّانية عن المشاركين باستثناء العمر والجنس. وقد ظهر في السنوات الأخيرة اتّجاهٌ لإضافة تحفّظات من قبيل «على الأقل في الثقافات الغربية»، غير أنّ النزعة إلى التعميم على النوع الإنساني ما تزال قويّة وراسخة.

متى يكون من المبرَّر علميًا تعميم النتائج المستخلصة من عيّنة ضيّقة على النوع الإنساني بأسره؟ يمكن الدفاع عن ذلك في حالتين أساسيتين:
أولًا: إذا توفّرت أدلّة تجريبية قويّة تُشير إلى أن مقدار التنوّع بين الجماعات البشرية في مجالٍ معيّن محدود جدًّا، فيجوز عندئذٍ الاستنتاج بحذر بوجود عمليات نفسية شاملة اعتمادًا على عيّنة واحدة. ثانيًا: يمكن القول إنّه ما دامت العيّنات المستعملة مأخوذة من مركز التوزيع البشري، فإنّ التعميم لن يكون مشكلةً كبيرة؛ إذ ستكون النتيجة المستخلصة قريبةً من الاتجاه المركزي للنوع الإنساني. وفي ما يلي، وبناءً على هذين الافتراضين، نستعرض الأدلّة المتوفّرة بشأن مدى تمثيل نتائج الأبحاث على مجتمعات «WEIRD» لبقيّة البشر.

3. المقارنة الأولى: المجتمعات الصناعية مقابل المجتمعات الصغيرة النطاق
نبدأ هنا بعرض الأدلّة التي تُظهر وجود فروقٍ بين جماعات تنتمي إلى مجتمعات صناعية وأخرى صغيرة النطاق في بعض المجالات النفسية التي تبدو أساسية وبسيطة، ثم نعرض أبحاثًا أخرى تُشير إلى وجود أنماطٍ نفسية مشتركة تتجاوز هذا الانقسام.

3. 1. الإدراك البصري
قد يفترض بعض القرّاء أنّ المهام الإدراكية المرتبطة بالعمليات المعرفية «البسيطة» أو «الأولية»، مثل الرؤية، لا ينبغي أن تُظهر اختلافًا كبيرًا عبر البشر. غير أنّ فريقًا متعدّد الاختصاصات من علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس قام في ستينات القرن العشرين بجمع بياناتٍ منهجية حول قابلية الأطفال والبالغين في طيف واسع من المجتمعات البشرية للتأثّر بخمس «خدعٍ بصرية معيارية». ونركّز هنا على النتائج المقارنة المتعلّقة بالخدعة البصرية الشهيرة مولر-لاير، نظرًا لمكانتها المركزية في الكتب التعليمية، ولدورها البارز بوصفها المثال الحاسم عند فودور على ما يسمّيه عدم نفاذ العمليات المعرفية العليا إلى الأنظمة الإدراكية في النقاشات المتعلّقة بنموذج وحدات الإدراك. وتجدر الإشارة، مع ذلك، إلى أنّ التنوّع بين الجماعات البشرية في قابلية التأثّر بالخدع البصرية لا يقتصر على خدعة مولر-لاير، بل يظهر كذلك في خدعة ساندر والأوهام الرأسية-الأفقية.
تُبرز نتائج بعض الدراسات ثلاثَ نقاطٍ بحثيّة مهمّة. أوّلًا، تشير هذه المعطيات إلى أنّ عمليةً تبدو بديهيّة وبسيطة مثل الإدراك البصري يمكن أن تُظهِر قدرًا كبيرًا من التباين بين الجماعات البشرية. وإذا أمكن لعمليةٍ إدراكية بهذه الدرجة من الأساس أن تختلف، فبأيّ العمليات النفسية يمكننا أن نزعم اليقين بعدم اختلافها؟ ولا يتمثّل الأمر في مجرّد تغيّر شدّة التأثير الخداعي بين الجماعات، بل إنّ الخداع ذاته غير قابل للكشف في جماعتيْن من أصل العيّنات المدروسة. ثانيًا، يقع كلٌّ من طلاب الجامعات الأميركيين والأطفال عند الطرف الأقصى من التوزيع، حيث يُظهرون فروقًا ذات دلالة مقارنة بجميع الجماعات الأخرى، في حين لا يمكن تمييز كثيرٍ من الجماعات الأخرى بعضها عن بعض. وبما أنّ الأطفال يُظهرون منذ البداية فروقًا واسعة على مستوى الجماعات، فلا يمكن الزعم بأنّ الدراسات النمائية قادرةٌ على أن تكون بديلًا عن الدراسات المقارِنة عبر مجتمعاتٍ إنسانية متنوّعة، فمن المرجّح أن تكون المسارات النمائية للأطفال متباينةً أصلًا باختلاف البيئات والمجتمعات. ثالثًا وأخيرًا، تُبيّن هذه الحالة كيف يمكن للتنوّع على مستوى الجماعات أن يُسهم في كشف طبيعة العملية النفسية ذاتها، الأمر الذي قد يظلّ خفيًا لو لم تتوافَر دراساتٌ مقارِنة عابرة للسياقات الثقافية.

3. 2. الإنصاف والتعاون في اتخاذ القرارات الاقتصادية
بحلول منتصف تسعينات القرن العشرين، بدأ عدد من الباحثين يجادلون بأنّ مجموعةً من النتائج التجريبية الراسخة في الاقتصاد السلوكي تُعدّ دليلًا على وجود منظومة من الدوافع التطورية الشاملة. وتحتل لعبة الاقتراح موقع الصدارة بين هذه التجارب؛ إذ يُمنَح فيها شخصان مجهولان مبلغًا حقيقيًا من المال في تفاعلٍ يُجرى لمرة واحدة. يقدّم الطرف الأول، المسمّى المقترِح، جزءًا من المبلغ للطرف الثاني، المسمّى المستجيب. ويتعيّن على المستجيب أن يقرّر قبول العرض أو رفضه. فإذا قبل، يحصل على المبلغ المعروض ويأخذ المقترِح المتبقّي؛ أمّا إذا رفض، فيعود الطرفان بخسارة كاملة (صفرًا). إذا كانت دوافع الأفراد مصلحيةً محضة، فمن المتوقّع أن يقبل المستجيب أي عرضٍ إيجابي مهما كان ضئيلًا؛ وإذ يدرك المقترح ذلك، فمن المفترض أن يقدّم أقل مبلغٍ غير صفري. غير أنّ نتائج الدراسات المستندة إلى عيناتٍ من مجتمعات صناعية كان معظمها من طلاب الجامعات في أميركا وأوروبا وآسيا، أظهرت أنّ المقترحين غالبًا ما يعرضون ما بين 40% و50% من إجمالي المبلغ، مع بروز عرض الـ 50% بوصفه القيمة الأكثر شيوعًا، في حين تُرفَض العروض التي تقلّ عن 30% في كثيرٍ من الأحيان.

استنادًا إلى هذه النتيجة التجريبية التي بدت متينة، قدّم نواك وآخرون (200) تحليلًا تطوّريًا للعبة الاقتراح. ولدى نمذجة اللعبة كما تُجرى فعليًا، لم يحصلوا على نتائج تُشبه أداء طلاب الجامعات. ولكن عندما أضافوا معلوماتٍ سمْعيّة تتعلق بالسمعة، بحيث يستطيع اللاعبون معرفة سلوك شركائهم مع لاعبين آخرين في جولاتٍ سابقة، أصبحت النتائج المتوقّعة ضمن نطاق ما يفعله طلاب الجامعات عادةً. وخلص الباحثون إلى أنّ اللعبة تكشف عن قدرات تطورية نوعيّة لدى البشر على الإنصاف ومعاقبة الظلم في المواقف التي تتأثّر فيها السمعة. ولأنّ لعبة الاقتراح تُجرى لمرة واحدة في صورتها الاعتيادية ومن دون معلوماتٍ سمْعيّة، افترض نواك وزملاؤه أنّ المشاركين يستمرون في تقديم عروض عادلة ورفض عروض ظالمة؛ لأنّ جهازهم الدافعي تطوّر في سياقاتٍ تختلف عن السياقات التجريبية المصطنعة، حيث كانت السمعة ذات أثرٍ مباشر في البقاء والمواءمة. بهذا المعنى، لا يكون الإنسان – في هذه الظروف المختبرية – مهيّأً لتجاهل أثر السمعة بالكامل في اتخاذ القرار.
غير أنّ الأعمال المقارِنة الحديثة غيّرت هذه الصورة بشكلٍ جذري. فقد نفّذت دراستان موحّدتان (نسمّيهما هنا المرحلة الأولى والمرحلة الثانية) تجارب لعبة الاقتراح وأدواتٍ تجريبيةٍ أخرى على آلاف المشاركين من 23 مجتمعًا صغير النطاق شملت جماعاتٍ من الصيادين، والمزارعين البسيطين، والرعاة، والمزارعين للاكتفاء الذاتي، في أفريقيا والأمازون وأوقيانوسيا وسيبيريا وغينيا الجديدة. وأظهرت ثلاث مقاييسٍ تجريبية مختلفة أنّ أفراد المجتمعات الصناعية يقعون باستمرار عند الطرف الأقصى لتوزيع النوع البشري في هذه الألعاب. وللمفارقة، فإنّ بعض المجتمعات الصغيرة جدًا –حيث تكون الحياة الاجتماعية تفاعلية وجهًا لوجه– قدّمت عروضًا منخفضة ولم ترفض عروضًا مجحفة، أي على نحوٍ يشبه تحليلات نواك وزملائه قبل إضافة عنصر السمعة.

3.3. الاستدلال البيولوجي الشعبي
تشير دراسات حديثة في مجتمعاتٍ صغيرة النطاق إلى أنّ عددًا من الاستنتاجات المحوريّة المتداولة حول تطوّر وتنظيم التصنيف والاستدلال البيولوجي الشعبي لدى الإنسان ليست صالحة على مستوى النوع البشري، بل تبدو مقيّدة بالسكان الحضريين غير المتخصّصين في المجتمعات الصناعية. ورغم الحاجة إلى مزيدٍ من البحث، فإنّ الشواهد المتوفّرة تُظهر أنّ المشاركين النموذجيين في الدراسات، أي أطفال أسر الـ «WEIRD» ، يطوّرون استدلالاتهم البيولوجية في بيئة ثقافيّة وخبرويّة فقيرة مقارنة بأطفال المجتمعات الصغيرة النطاق، وكذلك مقارنة بسياق النموّ المعرفي في التاريخ التطوري للإنسان. ويؤدّي ذلك إلى تشويه النمط النمائي المعرفي مفترض العمومية، وإلى تشكيل منظومات استدلالية مغايرة تمامًا لما يُرى لاحقًا عند البالغين من مجتمعات الـ «WEIRD» .

اعتمد علماء الإدراك نظريةً نمائية مؤثّرة (رغم الجدل المستمر حولها)، مستخدمين أطفالًا من مراكز حضرية أميركية، وغالبًا من محيط الجامعات، ومفاد هذه النظرية أنّ الاستدلال الفولكلوري البيولوجي يتولّد أساسًا من الاستدلال الفولكلوري النفسي. ووفق هذه النظرية، قبل سن السابعة، يستدلّ الأطفال الحضريون حول الظواهر البيولوجية بتمديدٍ تشبيهي ينطلق من الإنسان باعتباره نقطة مرجعية أولى. وفي الفترة بين السابعة والعاشرة، يحدث تحوّل مفاهيمي إلى النمط المعرفي الراشد، حيث يُنظر إلى البشر بوصفهم نوعًا حيوانيًا واحدًا ضمن شبكة الأنواع الأخرى. وتستند هذه النظرية إلى ثلاث نتائج متكرّرة بين الأطفال الحضريين في الولايات المتحدة: (1) إنّ الاستدلال من الإنسان نحو الكائنات الأخرى أقوى من الاستدلال بالاتجاه المعاكس؛ (2) أنّ الاستدلال من الإنسان إلى الثدييات أقوى من الاستدلال من الثدييات إلى الإنسان؛ و(3) أنّ الأطفال ينتهكون أحكامهم التشابهية نفسها بشكلٍ لافت؛ إذ يمنحون استدلالًا أقوى من الإنسان إلى الحشرات مقارنة بالاستدلال من الحشرات إلى النحل.

لكن حين جرى فحص الاستدلال الأحيائي الشعبي لدى أطفالٍ في مجتمعات ريفية من السكّان الأصليين في ويسكونسن، وكذلك لدى أطفال المايا في يوكاتان بالمكسيك، لم يظهر أيٌّ من الأنماط التجريبية الثلاثة التي بُنيت عليها النظرية السابقة. بل أظهرت النتائج أنّ إدماج فئة الإنسان في منظومة الاستدلال البيولوجي يحدث في وقتٍ متأخّر نسبيًا لدى الأطفال الحضريين مقارنة بالأطفال في تلك المجتمعات. وتشير البيانات إلى أنّ امتلاك معرفة خلفية عن الأنواع الحيّة شرط أساسي لتطبيق الاستدلال على البنى التصنيفية الهرمية. ففي البيئات الريفية، يكون الاحتكاك بعالم الطبيعة -خبرةً واهتمامًا- أمرًا يوميًا، لا يمكن تجنّبه، وجزءًا بنيويًا من عملية التنشئة الثقافية.
وعليه، يبدو أنّ نمط التمركز الإنساني الذي يُلاحظ لدى الأطفال الحضريين الأميركيين هو نتاج فقرٍ ثقافي معرفي تجاه الكائنات الطبيعية، وليس نمطًا بشريًا عالميًا. فالكائن الحي الوحيد الذي يملك الأطفال الحضريون معرفة ملموسة عنه هو الإنسان، ومن ثَمَّ يصبح الإنسان محور الاستدلال بشكلٍ شبه آلي. وإذ تُعدّ البيئة الحضرية الحديثة غير طبيعية تطوريًا قياسًا إلى معظم التاريخ البشري، فإنّ أيّ نتائج مستخلصة من أطفالٍ نشأوا في بيئة معرفية فقيرة كهذه يجب التعامل معها بحذرٍ شديد. وفي الحقيقة، إنّ دراسة التطور المعرفي للفولكلور البيولوجي لدى أطفال المدن تكاد تعادل -استعارةً- دراسة علم البصر لدى أشخاص تربّوا في الظلام. في الواقع، تبدو دراسة التطوّر المعرفي للفولكلور البيولوجي لدى الأطفال الحضريين أشبهَ بدراسة النموّ الجسدي الطبيعي عند أطفالٍ يعانون من سوء التغذية.

3. 4. الإدراك المكاني
تختلف المجتمعات البشريّة في أدواتها اللغويّة وفي ممارساتها الثقافيّة المرتبطة بتمثيل الاتجاهات في الفضاء المادي والتواصل حولها، وكذلك في التعبير عن (1) الاتجاهات المكانيّة، و(2) طيف الألوان، و(3) مقادير الأعداد الصحيحة. وتشير بعض الأدلة إلى أنّ هذه الفروق في المحتوى الثقافي قد تؤثّر في بعض جوانب المعالجة المعرفيّة غير اللغويّة. ونركّز هنا على الإدراك المكاني تحديدًا، إذ تُعدّ الدلائل في هذا المجال أكثر إثارة للانتباه. وكما سبقت الإشارة، يبدو أنّ المجتمعات الصناعية تقع على أحد الأطراف القصوى في هذا المتّصل الخاص بالإدراك المكاني. وتُظهر الجماعات البشريّة اختلافات في كيفية فهم الاتجاهات والتعامل مع تحديد الموقع في الفضاء، ويُحتمل أن تكون هذه الاختلافات متأثّرة بالأنظمة اللغويّة المستخدمة في ترميز المرجعيات المكانيّة.
يفضّل متحدثو اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات الهندوأوروبيّة استخدامَ نظامٍ مرجعي محوره الذات لتحديد موقع الأشياء في الفضاء، أي بالرجوع إلى موقع المتكلّم نفسه، مثل قولهم: يقف الرجل إلى يمين سارية العَلَم. وعلى النقيض من ذلك، تميل كثير من اللغات –وربما معظمها– إلى اعتماد نظام مرجعي محوره الموضوع، ويأتي هذا النظام في صورتين رئيستين. فبعض اللغات، مثل لغة «Guugu Yimithirr» (وهي لغة أستراليّة) ولغة «Tzeltal» (إحدى لغات المايا)، تستخدم نظامًا مرجعيًّا جيومحوريًا يعتمد على الاتجاهات الكونيّة الأربعة، مثل قولهم: الرجل يقع غرب المنزل. أمّا الصورة الأخرى من النظام الموضوعي، فهي مقاربة مرتكزة إلى الشيء نفسه، يتم فيها تحديد موقع الأشياء في الفضاء بالاعتماد على نظام إحداثي مرتبط بالشيء محلّ الوصف، كأن يُقال: الرجل خلف المنزل. وعندما تمتلك اللغات أنظمةً قادرة على ترميز جميع هذه الأطر المرجعيّة المكانيّة، فإنها غالبًا ما تمنح أحدها أولوية على حساب غيره. ومع ذلك، فإنّ حقيقة افتقاد بعض اللغات لنظام أو أكثر من هذه الأنظمة تشير إلى أنّ اجتماع الأطر الثلاثة في اللغات المعاصرة قد يكون نتاجًا لتراكمٍ ثقافي طويل الأمد.
وفي دراسة تناولت الأنظمة المرجعيّة المكانيّة في 20 لغة تنتمي إلى مجتمعات شتّى – تشمل مجتمعات الصيادين-القطّافين، والبستنة، والزراعة، والمجتمعات الصناعية – لم تُظهر سوى ثلاث لغات اعتمادًا حصريًا على النظام المتمحور حول الذات بوصفه الإطار المفضل الوحيد. وقد كانت جميع هذه اللغات الثلاث منتمية إلى مجتمعات صناعية، وهي: اليابانية والإنجليزية والهولندية.
ولو اقتصر البحث في الإدراك المكاني على عيّنات «WEIRD» (مثل الولايات المتحدة وأوروبا)، لربما خلص الباحث إلى أن الأطفال يبدأون بانحيازٍ مطلق، ثم ينتقلون طبيعيًا مع النضج إلى انحيازٍ نسبي. إلّا أن هذه النتيجة لن تكون صالحة للتعميم على كثير من الجماعات البشريّة، وقد تكون مجرد انعكاس لدراسة أفراد ينتمون إلى بيئات ثقافية شديدة الخصوصية. وتُظهر المقارنات اللاحقة دلائل إضافية تشير إلى أنّ أفراد مجتمعات «WEIRD» قد يكونون، في الواقع، حالة استثنائية حتى بالمقارنة مع معظم المجتمعات الصناعية الأخرى، من حيث تفضيلهم النسبيّ في الاستدلال المكاني.

3. 5. خلاصة التباين الأول
على الرغم من وجود مجالات متعدّدة تُظهر فيها معطيات المجتمعات الصغيرة تشابهًا مع ما يظهر في المجتمعات الصناعية، فإنّ المشاريع المقارِنة التي تناولت الخدع البصرية والدوافع الاجتماعية المرتبطة بالعدل والمعرفة الشعبية للكائنات الحية والإدراك المكاني تشير جميعها إلى أنّ المجتمعات الصناعية تُعدّ حالات شاذة مقارنةً بغيرها. وبناءً على ذلك، يبدو من الإشكالي أن تُعمَّم نتائج المجتمعات الصناعية على الطبيعة البشرية عمومًا في غياب أدلّة تجريبية داعمة.

4. التباين الثاني: المجتمعات الغربية في مقابل غير الغربية
في هذا التباين الثاني، نستعرض الأدلة التي تقارن بين المجتمعات الغربية وغير الغربية. وسنركّز هنا على أربعة من أكثر المجالات تناولًا في الأبحاث، وهي التمثّلات المستقلّة للذات في مقابل التمثّلات المتداخلة معها وما يرتبط بها من دوافع، ثم التفكير التحليلي في مقابل التفكير الكلّي، وأخيرًا التفكير الأخلاقي. وسنعود بإيجاز أيضًا إلى موضوع الإدراك المكاني.

4. 1. الذات المستقلة والذات المتداخلة
تناولت أعداد كبيرة من الدراسات النفسية طبيعة تصوّر الذات. وتنبع أهمية هذا التصوّر من دوره في تنظيم المعلومات التي يمتلكها الأفراد عن أنفسهم، وتوجيه انتباههم نحو المعطيات التي يرونها ذات صلة، وصياغة دوافعهم، والتأثير في طريقتهم في تقويم المواقف التي تشكّل خبراتهم الانفعالية، فضلًا عن دوره في توجيه اختياراتهم لشركاء العلاقات الاجتماعية. وقد طرح ماركوس وكيتاياما تصوّرًا مفاده أنّ تصوّر الذات يتّخذ أشكالًا تقع على خط متّصل يمتدّ بين قطبين يسمّيان الذات المستقلّة والذات المتداخلة، ويرتبطان بمفهوم الفردانية–الجمعية. فهل ينظر الأفراد إلى أنفسهم في المقام الأول بوصفهم ذواتًا قائمة بذاتها يفهمونها ككيانات مستقلة وفاعلة تتكوّن أساسًا من عناصر داخلية مثل المواقف والسمات الشخصية والقدرات؟ أم أنّهم ينظرون إلى ذواتهم بوصفها كياناتٍ توجد من خلال العلاقات، متشابكةً مع الآخرين داخل شبكات اجتماعية تُلزِمهم بأدوار ومسؤوليات متبادلة؟ إنّ الدرجة التي يدرك فيها الأشخاص ذواتهم على نحوٍ يقترب من أحد هذين القطبين، المستقلّ أو المتداخل، تُحدث آثارًا عميقة في انفعالاتهم ومعارفهم ودوافعهم.

وقد أكّدت أعداد كبيرة من الدراسات أنّ الغربيين أكثر ميلًا إلى تبنّي تصوّر مستقلّ للذات مقارنة بغير الغربيين. فعلى سبيل المثال، تكشف البحوث المعتمدة على اختبار العشرين عبارة أنّ الأفراد في المجتمعات الغربية، مثل الأستراليين والأمريكيين والكنديين والسويديين، أكثر ميلًا إلى فهم ذواتهم من خلال الخصائص النفسية الداخلية، كالسمات الشخصية والمواقف، وأقل ميلًا إلى فهمها من خلال الأدوار والعلاقات، مقارنةً بأفراد ينتمون إلى مجتمعات غير غربية مثل الأمريكيين الأصليين وسكان جزر كوك والماساي والسمبورو (وهما جماعتان رعويتان في إفريقيا) والمالايو والشرق آسيويين. وتقدّم دراسات أخرى اعتمدت مقاييس مختلفة أدلة تؤكّد الاتجاه نفسه، وهو أنّ الغربيين أكثر ميلًا إلى الذات المستقلة وأقل ميلًا إلى الذات المتداخلة مقارنةً بغيرهم من الشعوب. وتتقاطع هذه المعطيات مع كثير من المشاهدات الإثنوغرافية، ومنها ما ذكره غيرتز الذي يرى أنّ الذات الغربية فكرة غريبة نسبيًا في سياق ثقافات العالم. وترتبط تصوّرات الذات بأنماط نفسية عديدة. فعلى سبيل المثال، يميل أصحاب الذات المستقلّة إلى إظهار ثلاث سمات كبرى: الأولى التحيّز الإيجابي نحو الذات، والثانية منح قيمة عالية للاختيار الشخصي، والثالثة زيادة الدافع إلى التميّز بدلًا من الاندماج. وتمثّل كل سمة من هذه السمات مجالًا بحثيًا مستقلًّا، وسنتناولها واحدة تلو الأخرى.

4. 2. التفكير التحليلي في مقابل التفكير الكلّي
لقد قورنت أنماط التفكير المفضّلة عبر جماعات بشرية مختلفة. وقد ركّزت معظم البحوث على المقارنة بين المجتمعات الغربية (الأمريكية والكندية والأوروبية الغربية) والمجتمعات الشرقية (الصينية واليابانية والكورية) من حيث اعتمادها النسبي على ما يُعرف بالتفكير الكلّي في مقابل التفكير التحليلي. غير أن أدلّة متزايدة قادمة من مجتمعات غير غربية تشير إلى أنّ الفاصل الأساسي لا يقوم بين الشرق والغرب فحسب، بل بين الغرب من جهة، ومعظم شعوب العالم الأخرى من جهة ثانية، بما في ذلك جماعات متنوعة مثل العرب والمالايو والروس. وقد سُجّل هذا الانقسام أيضًا لدى جماعات أخرى كالمزارعين في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وكذلك لدى مجتمعات الجمع والبقاء المستقرّة، ما يشير إلى انقسام عالمي أوسع نطاقًا من مجرد ثنائية شرق–غرب.
ينطوي التفكير الكلّي على توجيه الانتباه إلى السياق بوصفه وحدة متكاملة، بما في ذلك ملاحظة العلاقات بين العنصر المركزي والمحيط، مع تفضيل تفسير الأحداث والتنبّؤ بها على أساس تلك العلاقات. أمّا التفكير التحليلي فيعتمد على فصل العناصر عن سياقاتها، والتركيز على خصائصها الداخلية، وتفضيل استخدام القواعد التصنيفية في تفسير السلوك والتنبؤ به. ويستند هذا التمييز بين العادات الذهنية إلى تقسيم نظري بين نظامين للاستدلال، فأحد النظامين ترابطي وتعكس عملياته الذهنية التشابه والتزامن (أي ما إذا كان مثيران يشتركان في سمات إدراكية أو يظهران معًا في الزمن)، في حين يعتمد النظام الآخر على تمثيلات رمزية مجرّدة، وتعكس عملياته بنية قائمة على القواعد.

وعلى الرغم من أنّ كلا النظامين المعرفيين متاح لدى جميع البالغين الأسوياء، فإنّ البيئات المختلفة والخبرات والممارسات الثقافية قد تدفع إلى الاعتماد على أحدهما أكثر من الآخر، الأمر الذي يفضي إلى اختلافات سكانية في تبنّي الاستراتيجيات المعرفية لمعالجة المشكلات نفسها. وتُظهر الأدلة المتزايدة أنّ العامل الرئيس الذي يؤثّر في بروز التفكير التحليلي في مقابل التفكير الكلّي هو تصوّر الذات السائد في كل مجتمع. فتصوّر الذات المستقل يعزّز المعالجة التحليلية، في حين يعزّز تصوّر الذات المتداخل المعالجة الكلّية. كما تُظهر المقارنات الجغرافية أنّ المناطق التي ينتشر فيها تصوّر الذات المتداخل تميل إلى مستويات أعلى من المعالجة الكلّية، كما في المقارنات بين الإيطاليين الشماليين والجنوبيين، وبين سكان هوكايدو واليابانيين في البر الرئيسي، وبين الأوروبيين الغربيين والشرقيين.
وفوق ذلك، يُعدّ النمط التحليلي ذا قيمة أعلى في السياقات الغربية، في حين يحظى النمط الكلّي بقيمة أعلى في السياقات الشرق آسيوية، ما يؤدي إلى اختلاف الأحكام المعيارية حول الاستراتيجيات المعرفية بين تلك المجتمعات. وتشير نتائج الأبحاث إلى أنّ الغربيين، مقارنةً بجماعات غير غربية متنوعة، يميلون إلى التالي:

أولًا: تركيز الانتباه على العناصر أكثر من الحقول.
وثانيًا: تفسير السلوك بطرق منزوعة عن السياق.
وثالثًا: الاعتماد على القواعد أكثر من العلاقات القائمة على التشابه في تصنيف العناصر.
كما تبيّن أنّ قدرة شرق آسيويين على استرجاع العناصر أضعف من مثيلاتها لدى الأمريكيين عندما تتغير الخلفيّة المحيطة بالعنصر، وهو ما يدلّ على أنّ الشرق آسيويين يوجّهون انتباههم إلى المجال الكلي بدرجة أكبر. وقد ظهر هذا الفارق في الانتباه أيضًا عبر دراسات حركات العين الارتدادية باستخدام أجهزة تتبّع العين، حيث ثبت أنّ الأمريكيين يثبّتون أنظارهم مدة أطول على العناصر المركزية، في حين يركّز شرق آسيويين النظر مدة أطول على الخلفية. وفوق ذلك، أظهرت الدراسات أنّ الشرق آسيويين والغربيين يُظهرون تنشيطًا دماغيًا مختلفًا عند أدائهم المهمات المعرفية نفسها، بما ينسجم مع الفروق المتوقّعة في الاستراتيجيات المعرفية الثقافية.

4. 3. التفكير الأخلاقي
إنّ إحدى القضايا المحورية في أدبيات النمو هي دراسة الكيفية التي يكتسب بها الإنسان الأسس المعرفية للتفكير الأخلاقي. ويُعدّ المنظور الأكثر تأثيرًا في هذا الحقل هو منظور كولبرغ، الذي يرى أنّ القدرة على التفكير الأخلاقي تتوقّف على قدرات معرفية تنمو تدريجيًا مع النضج. وقد افترض كولبرغ أنّ الأفراد يمرّون بالمراحل نفسها على ثلاثة مستويات متعاقبة. يبدأ الأطفال من المستوى ما قبل التقليدي، حيث يُفهم الصواب والخطأ على أساس معياري داخلي يرتبط بالنتائج الجسدية أو اللذّاتية للأفعال. ثم ينتقلون إلى المستوى التقليدي، حيث تُبنى الأحكام الأخلاقية على معايير خارجية، كالمعايير التي تحفظ النظام الاجتماعي للجماعة. وفي مرحلة لاحقة، يبلغ بعض الأفراد المستوى ما بعد التقليدي، حيث لا تعود المعايير الخارجية هي المرجع في الحكم على الصواب والخطأ، بل تُستبدل بمبادئ أخلاقية مجردة تتعلق بالعدالة والحقوق الفردية، وهي المبادئ التي يقوم عليها النهج الأخلاقي في الدساتير الغربية الحديثة.

وعلى الرغم من أنّ مستويات كولبرغ الثلاثة تظهر كلّها في المجتمعات «WEIRD»، فإنّ أبحاثًا لاحقة كثيرة كشفت عن ندرة الأدلة على وجود التفكير الأخلاقي ما بعد التقليدي في المجتمعات الأخرى. وقد أظهر تحليل بعدي أُجري على بيانات من 27 دولة أنّ التفكير ما بعد التقليدي يظهر بصورة منتظمة في العيّنات الغربية الحضرية، في حين لم يُعثر على أيّ دليل على هذا النمط من التفكير في المجتمعات الصغيرة. ولا يقتصر الأمر على عامل التعليم، إذ لا يبدو أنّ مجرد التعليم الرسمي العالي كفيل بإنتاج هذا المستوى من التفكير. فهناك مجتمعات غير غربية عالية التعليم لا تُظهر التفكير ما بعد التقليدي. فعلى سبيل المثال، سجّل أعضاء هيئة التدريس في جامعة الكويت درجات أدنى على اختبارات كولبرغ من المتوسطات الغربية المعروفة، ولم يُظهر الأساتذة الأكبر سنًا أي تفوّق على الأصغر سنًا، على خلاف النمط المرصود في الغرب.
تشير أبحاث علم النفس الأخلاقي إلى أنّ المشاركين الغربيين المعتادين يعتمدون أساسًا على مبادئ العدالة ومبادئ عدم الإيذاء/الرعاية في إصدار الأحكام الأخلاقية. غير أنّ دراسات حديثة تُظهر أنّ الراشدين غير الغربيين والمحافظين الدينيين في الغرب يستندون إلى مدى أوسع من المبادئ الأخلاقية يتجاوز هذين البعدين.
وقد اقترح شويدر وزملاؤه أنّه بالإضافة إلى الأخلاق القائمة على العدالة، التي أطلقوا عليها أخلاق الاستقلال، توجد منظومتان أخريان تنتشران خارج الغرب؛ الأولى أخلاق الجماعة، حيث تنبع الأخلاق من الوفاء بالالتزامات المتبادلة المرتبطة بالدور الاجتماعي للفرد داخل النظام الجمعي. والثانية أخلاق القداسة، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه حاملًا لشيء مقدّس، وتُبنى الأخلاق على وجوب الامتناع عن السلوكيات التي تُعدّ مهينة أو مناقضة لتلك القداسة.

4. 4. خلاصة التباين الثاني
على الرغم من الأنماط المتماسكة التي تظهر في المجتمعات الصناعية، فإن الغربيين يبرزون بوصفهم حالات شاذّة ومتطرّفة على عدد من الأبعاد المحورية. والتجارب التي عُرضت هنا كثيرة، وتنتمي إلى تخصّصات مختلفة، وتستخدم أساليب متنوّعة، وغالبًا ما تُجمع ضمن قواعد بيانات مقارنة موحّدة. وإنّ كثيرًا من هذه الفروق لا يتعلّق بحجم الأثر فحسب، بل يكشف اختلافات نوعية، تشمل انعكاس الاتجاه أو ظهور أنماط جديدة مثل الاستدلال المكاني غير المتمركز حول الذات.

5. التباين الثالث: الأمريكيون المعاصرون في مقابل بقية الغرب
فيما سبق، عُقدت المقارنة بين مجتمعات «WEIRD» والمجتمعات غير الغربية، غير أنه نظرًا لهيمنة البحوث الأمريكية في علم النفس والعلوم السلوكية عمومًا، فإن من المهمّ تقويم مدى تقارب المعطيات الأمريكية مع بيانات المجتمعات الغربية الأخرى. ويُطرح هنا سؤال محوري: هل يصحّ تعميم النتائج المستمدّة من الأمريكيين على بقيّة الغرب؟ من المؤكّد أن الأمريكيين بشر مثل غيرهم، وسيشتركون مع بني الإنسان في كثير من الخصائص النفسية. ومع ذلك، لا تتوفر حتى الآن برامج بحثية منهجية واسعة تقارن الأمريكيين على نحو مباشر ببقية الغربيين؛ لذا جُمعت المعطيات في هذا الباب من مصادر متعددة.

5. 1. الفردانية والظواهر النفسية المرتبطة بها
يتميّز الأمريكيون عن غيرهم من الغربيين في الظواهر المرتبطة بتصوّر الذات المستقلّ وبالفردانية. وتُظهر تحليلات عديدة، اعتمدت طرائق متنوعة، أن الأمريكيين هم في المتوسّط أكثر الشعوب فردانية على مستوى العالم. وهذه الملاحظة ليست جديدة، إذ تعود جذورها على الأقل إلى كتابات دو توكفيل عام 1835. وقد تعود الطبيعة الفردانية اللافتة للأمريكيين إلى منظومة فكرية تشدّد على الحرية والاكتفاء الذاتي، وإلى ممارسات في التعليم وتربية الأطفال تسهم في ترسيخ هذا الإحساس بالاستقلالية منذ المراحل الأولى للنمو. فعلى سبيل المثال، كان الآباء الأمريكيون وحدهم، في دراسة شملت مئة مجتمع، الذين يهيئون غرفة نوم منفصلة للرضيع ما يعكس أن الطفل الأمريكي ينشأ منذ لحظات حياته الأولى في بيئة تؤكّد استقلاله».

تبدو الفردانية المتطرفة لدى الأمريكيين جلية في عدد كبير من المؤشرات السكانية والسياسية. ففي كتاب «American Exceptionalism»، يورد عالم الاجتماع سيمور مارتن ليبست قائمة طويلة بالسمات التي تجعل الأمريكيين فريدين في العالم الغربي. وبحسب ما أظهرته استطلاعاته آنذاك، كان الأمريكيون مقارنة بالمجتمعات الصناعية الغربية الأخرى الأكثر وطنية، والأكثر لجوءًا إلى القضاء، والأكثر انخراطًا في العمل الخيري، والأكثر نزعة شعبوية، إذ تضم البلاد أكبر عدد من المناصب الانتخابية وأعلى وتيرة للانتخابات، رغم أن نسبة المشاركة في التصويت تعد من الأدنى. وكان الأمريكيون أيضًا من الأكثر تفاؤلًا والأقل وعيًا بالطبقة الاجتماعية. وهم الأكثر ارتيادًا للكنائس في السياق البروتستانتي، والأكثر تمسكًا بالتوجّهات الدينية الأصولية في العالم المسيحي، والأرجح في النظر إلى العالم من منظور أخلاقي مطلق. وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة أعلى الدول الصناعية الكبرى في معدلات الجريمة، وفي متوسط ساعات العمل، وفي نسب الطلاق، وفي معدلات التطوع، وفي نسبة الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي، وفي الإنتاجية، وفي الناتج المحلّي الإجمالي، وفي نسبة الفقر، وفي عدم المساواة في الدخل، بينما كان الأمريكيون الأقل دعمًا للتدخّلات الحكومية. وتُعدّ الولايات المتحدة الدولة الصناعية الوحيدة التي لم تشهد حركة اشتراكية فاعلة في تاريخها، كما كانت آخر من طبّق أنظمة وطنية للتقاعد والتأمين ضد البطالة وحوادث العمل، ولا تزال حتى زمن تأليف المصدر الدولة الصناعية الوحيدة التي لا تمتلك نظامًا وطنيًا للتأمين الصحي أو إعانات أسرية عامة. وتكشف هذه المؤشّرات مجتمعة عن أسباب تدفع إلى الاعتقاد بأن الأمريكيين يختلفون عن بقية الغربيين، كما لاحظه دو توكفيل منذ وقت مبكر.
وبالنظر إلى مركزية تصوّر الذات في العمليّات النفسية، فمن الطبيعي أن يظهر تأثير التركيز الأمريكي الاستثنائي على الفردانية والاستقلال في طيف واسع من الظواهر المرتبطة بالذات. فعلى سبيل المثال، يلعب تصور الذات دورًا مؤثرًا في اتخاذ القرار. ورغم أن الغربيين عمومًا يثمّنون الاختيار أكثر من غير الغربيين، فإن الأمريكيين يقطعون شوطًا أبعد في ذلك، ويفضّلون امتلاك فرص اختيار أكثر مقارنةً بالغربيين الآخرين. فمثلًا، في استطلاع شمل أفرادًا من ست دول غربية، كان الأمريكيون وحدهم ممن فضّلوا الحصول على خمسين نكهة من الآيس كريم بدل عشر فقط. وبالمثل، يفضّل الأمريكيون (ومعهم البريطانيون) تنوّعًا أكبر في قوائم الطعام في المطاعم الفاخرة مقارنة بغيرهم من الأوروبيين. ويتّضح الفارق بصورة أشد عند النظر إلى حجم الخيارات المتاحة ودافعية الأفراد لممارستها في الولايات المتحدة مقارنة ببقية الغرب.

5. 2. خلاصة التباين الثالث
لا توجد إلا دراسات محدودة سعت صراحة إلى مقارنة الأمريكيين بغيرهم من الغربيين في الظواهر النفسية والسلوكية. ومع ذلك، فإن الظواهر التي توفرت عنها بيانات كافية للمقارنة العابرة للمجتمعات تكشف أن المشاركين الأمريكيين يمثلون حالات استثنائية حتى ضمن العينة الغربية نفسها، فهم شذوذ داخل شذوذ.

6. التباين الرابع: المشاركون الأمريكيون المعاصرون في مقابل الأمريكيين الآخرين
تكشف التباينات السابقة أن مجتمعات «WEIRD» كثيرًا ما تشغل المواقع الطرفية في توزيعات الظواهر النفسية والسلوكية. ومع ذلك، يشير عدد من الباحثين إلى ضرورة التنبه إلى أن غالبية الدراسات السلوكية على غير الإكلينيكيين في أمريكا الشمالية تُجرى على طلبة الجامعات، وضمن علم النفس تحديدًا، فإن المشاركين غالبًا ما يكونون من تخصص علم النفس أو من دارسي المقررات التمهيدية فيه. وبالنسبة إلى الأطفال، فهم في الغالب أبناء أسر ميسورة عالية المكانة الاجتماعية والاقتصادية. وهذا يشير إلى وجود أبعاد اجتماعية واقتصادية وديموغرافية كافية لطرح احتمال أن تكون هذه العيّنة غير ممثّلة لبقية الأمريكيين. لكن يبقى السؤال: هل هي كذلك فعلًا؟

6. 1. المقارنات بين الراشدين الأمريكيين المعاصرين
يختلف الأمريكيون ذوو التعليم العالي عن غيرهم من الأمريكيين في جوانب مهمة ومتعددة. وفي الفقرات التالية، تُعرض نتائج من علم النفس الاجتماعي أولًا، ثم من الاقتصاد السلوكي.

6. 1. 1. نتائج من علم النفس الاجتماعي
في عدد من الظواهر التي سبقت الإشارة إليها، والتي ظهر فيها الأمريكيون في موقع طرفيٍّ على المستوى العالمي، يتبيّن أن الأمريكيين ذوي التعليم العالي يشغلون موقعًا أشدّ تطرفًا مقارنة بالأمريكيين الأقل تعليمًا. ويمكن توضيح ذلك من خلال ثمانية أمثلة رئيسية.
على الرغم من ثبوت ميل الأمريكيين من خريجي الجامعات إلى تبرير اختياراتهم في عشرات دراسات التنافر المعرفي بعد اتخاذ القرار، فقد وجد سنِبيب وماركوس أن الراشدين من غير الجامعيين لا يُظهرون هذا النمط.
مع أن الأمريكيين عمومًا يُعدّون الأكثر فردانية عالميًا، يسجل طلاب الجامعات في الولايات المتحدة درجات أعلى من غير الجامعيين في بعض مقاييس الفردانية، ولا سيما تلك المرتبطة بتحقيق الذات والتميّز والسيطرة الداخلية.
لوحظ أن دوافع الامتثال أضعف لدى الأمريكيين الجامعيين مقارنة بالأمريكيين من غير الجامعيين ، وقد بدت سلوكيات الفئة الأخيرة أقرب إلى ما سُجّل لدى عيّنات من شرق آسيا.
تُظهر المعطيات أن الراشدين غير الجامعيين مندمجون في شبكات اجتماعية أكثر إحكامًا وتنظيمًا من تلك التي يعيش ضمنها طلاب الجامعات، ما يثير تساؤلًا حول مدى قابلية نتائج البحوث المتعلّقة بتشكّل العلاقات وتفكّكها والتبعية المتبادلة بين الأفراد المستندة إلى عيّنات طلابية، للتعميم على المجتمع الأوسع.
كشفت دراسة واسعة شملت عيّنة من عموم السكان في جنوب شرقي ميشيغان أن أبناء الطبقة العاملة أكثر ميلًا إلى التداخل الاجتماعي والتفكير الكلي مقارنة بأبناء الطبقة الوسطى.
يتبلور التفكير الأخلاقي لدى الأمريكيين الجامعيين في إطار أخلاق الاستقلال، في حين يستخدم الأمريكيون من غير الجامعيين منظومتي أخلاق الجماعة وأخلاق القداسة. وتظهر فروق مشابهة بين الليبراليين والمحافظين داخل المجتمع الأمريكي.

يستجيب طلاب الجامعات الأمريكيون على نحو أكثر إيجابية تجاه الجماعات الأخرى في المجتمع، ويبدون دعمًا أكبر للتنوّع العرقي، ويميلون إلى تغطية المواقف السلبية أو تبريرها مقارنة بالراشدين الأمريكيين من غير الطلاب. وتكتسب هذه الفروق أهمية إضافية؛ لأن نسبة الدراسات النفسية حول التحيّز التي تعتمد حصريًا على العيّنات الطلابية ارتفعت خلال العقدين الماضيين من 82.7% إلى 91.6%، وهذه النسبة أعلى ضمن الدوريات الأرفع تأثيرًا في علم النفس الاجتماعي .
يكشف تحليل بعدي أن طلاب الجامعات (وأغلبهم أمريكيون) يُظهرون مستويات أعلى من الدفاع عن الرؤية الثقافية عند التذكير بالموت «r = 0.36» مقارنة بغيرهم من الراشدين غير الجامعيين «r = 0.25»وعلى نطاق أوسع، يكشف تحليل بعدي من الدرجة الثانية، شمل أكثر من 650,000 مشارك في أكثر من 7,000 دراسة، أن طلاب الجامعات والراشدين غير الطلاب اختلفوا من حيث الاتجاه أو الحجم في نحو نصف الظواهر المدروسة، من أحكام واتجاهات وتصوّرات جندرية ورغبة في الظهور الاجتماعي. كما أظهرت بحوث أخرى أن الطلاب الأمريكيين أكثر ضبطًا للذات ، وأكثر قابلية لتغيير المواقف ، وأكثر تعرّضًا للتأثّر الاجتماعي مقارنة بغير الطلاب الراشدين.

6. 1. 2. نتائج من الاقتصاد السلوكي
تظهر فروق ثابتة وغير بسيطة بين طلاب الجامعات والراشدين في دراسات الاقتصاد السلوكي. فمقارنة بعينات راشدة متنوّعة وأحيانًا ممثّلة للمجتمع، يتبيّن أن المشاركين من طلاب الجامعات يشغلون الحدّ الأدنى للسلوك الاجتماعي في المقاييس التجريبية التي تتناول الثقة والعدالة والتعاون ومعاقبة عدم الإنصاف أو ضعف المساهمة الجماعية. فعلى سبيل المثال، في لعبة الإنذار النهائي ولعبة الدكتاتور، قدّم الأمريكيون من غير الطلاب، في الريف والمدينة معًا، عروضًا أعلى بكثير من عروض طلاب الجامعات. ويبدو الفارق أوضح في لعبة الدكتاتور، إذ قدّم الراشدون الأمريكيون من ولاية ميزوري ما معدله 47% من مجموع العائد، في حين قدّم طلاب السنة الجامعية الأولى 32% فقط، وهي نسبة تقع ضمن المدى الشائع لنتائج الطلاب في هذه اللعبة. وتنسجم هذه العروض المرتفعة نسبيًا لدى غير الطلاب مع ما ظهر في عينات راشدة أخرى داخل الولايات المتحدة ، ما يشير إلى أن النتائج الشاذة هي نتائج الطلاب لا نتائج الراشدين. وبالمثل، تُظهر دراسات أحدث قارنت بين الطلاب وبين عيّنات راشدة ممثّلة أو متنوّعة باستخدام لعبة الثقة ولعبة الإنذار النهائي ولعبة المنافع العامة، أن طلاب الجامعات يشغلون الحدّ الأدنى من مقاييس السلوك الاجتماعي. وفي الواقع، يبدو أن كون الفرد طالبًا جامعيًا أو شابًا متعلّمًا يمثّل أحد المتغيرات الديموغرافية القليلة التي تفسّر جانبًا من التباين داخل المجتمع الواحد. تشير أبحاث الاقتصاد السلوكي إلى أن بعض الدوافع والتفضيلات لا تزال في طور النمو أو التشكّل الثقافي داخل الفئة العمرية التي تضمّ طلاب الجامعات. فعروض المشاركين في لعبة الإنذار النهائي تتغيّر عبر سنوات الدراسة الجامعية، إذ يقدّم طلاب السنة الأولى عروضًا أقل من طلاب السنوات المتقدمة. وتبيّن دراسات أخرى أن هذه العروض لا تستقرّ عند مستويات الراشدين إلّا في حدود الرابعة والعشرين من العمر، وبعد ذلك تبقى مستقرة إلى أن يبلغ الأفراد مرحلة الشيخوخة. وفي لعبة الثقة، ترتفع مستويات الثقة والموثوقية مع التقدّم في العمر حتى تستقر تقريبًا عند حدود الثلاثين.

وقد يساعد هذا النوع من النتائج على تفسير سبب تباين آثار المعالجات التجريبية باختلاف نوع العيّنة، حيث يظهِر الطلاب أعلى درجات الحساسية. فمثلًا، حين تُجرى لعبة الدكتاتور باستخدام إجراءات تجريبية مزدوجة التعمية، بحيث لا يعرف الباحث مقدار العطاء الفردي، تكون آثار المعالجة أضعف بكثير بين الراشدين غير الطلاب، وأحيانًا لا تظهر أي آثار في عيّنات راشدة خارج الولايات المتحدة. وبالمثل، أدّت محفّزات دينية غير واعية إلى زيادة العطاء في لعبة الدكتاتور لدى عيّنة طلّابية كندية تشمل المتديّنين وغير المتديّنين معًا، لكن التأثير ذاته لم يظهر عند اختبار راشدين غير طلاب، إذ لم يُسجل أي أثر لدى غير المتدينين.
وفي بعض المقاييس الاقتصادية، مثل المساهمة في لعبة المنافع العامة، يبدو سلوك طلاب الجامعات مشابهًا في النوع لسلوك الراشدين، وإن كان أقل تعاونًا. غير أنه في مجال واحد على الأقل، حتى الآن، ظهر اختلاف نوعي مثير، وهو غياب ظاهرة رُصدت عند الراشدين في المجتمع نفسه. فكما سبقت الإشارة في سياق المجتمعات الصغيرة، وجد الباحثون في لعبة الإنذار النهائي ميلًا واضحًا في عدد من المجتمعات لرفض عروض تزيد على خمسين في المئة من مجموع العائد، وهي ظاهرة لم تُسجّل لدى طلاب الجامعات سابقًا، ولم يتوقّعها الباحثون أصلًا. وتشير دراسات حديثة، باستخدام عيّنات راشدة ممثّلة، إلى ظهور هذا الميل نحو رفض العروض المفرطة في الإنصاف ضمن مجتمعات غربية، على الرغم من أنه أضعف بكثير مما رُصد في بعض المجتمعات غير الغربية.

6. 2. المقارنات بين الفئات الفرعية من الأطفال الأمريكيين
مع أن دراسة الأطفال تمثّل مدخلًا مهمًّا للكشف عن الخصائص الإنسانية العامة، فإن هذا النهج لا ينجح تمامًا في تجاوز التحدّيات المنهجية؛ لأن البحوث التنموية تميل في الغالب إلى التركّز على أطفال الطبقات المتوسطة والعليا في الولايات المتحدة. وتظهر شواهد حديثة أن فروق الاستدلال المكاني بين الذكور والإناث، وهي من أشهر النتائج الراسخة في الأدبيات النفسية، لا تنسحب على الأطفال الأمريكيين ذوي الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدنّي. ففي تجربتين مكانيّتين طُبّقتا أربع مرات خلال سنتين على 547 طفلًا في الصفين الثاني والثالث الابتدائي، لم تظهر لدى الأطفال منخفضي الوضع الاجتماعي والاقتصادي الفروقُ نفسها المرصودة لدى أطفال الطبقتين المتوسطة والعليا في شيكاغو. وعند وضع هذه النتائج إلى جانب الدراسات التي لم تجد فروقًا بين الجنسين في المهام المكانية لدى مجتمعات الصيادين الرحّل، يتبيّن أن أي نظرية متماسكة تفسّر الفروق المكانية بين الجنسين يجب أن توضّح سبب غياب هذه الفروق عند الأطفال الفقراء في شيكاغو وعند جماعات الصيد والترحال.

وتقدّم بحوث الذكاء المستندة إلى أدوات التحليل في الوراثة السلوكية صورة مشابهة. فالأدبيات السائدة خلصت منذ زمن إلى أن معامل الوراثة في الذكاء مرتفع، وأن تأثير البيئة المشتركة داخل الأسرة ضعيف نسبيًا. غير أن دراسة أُجريت على توائم بعمر سبع سنوات ينتمون إلى مستويات اقتصادية واجتماعية متفاوتة، تُظهر أن الأثر النسبي لكل من الوراثة والبيئة المشتركة يختلف اختلافًا جذريًا بين الأطفال مرتفعي الوضع الاجتماعي والاقتصادي وأترابهم منخفضي الوضع الاجتماعي. ففي الفئة الأولى، حيث التجانس البيئي كبير، فسّرت الفروق الجينية ما بين 70% و80% من التباين، ولم تسهم البيئة المشتركة بأكثر من 10%. أما في الفئة الثانية، حيث تتّسع الفروق البيئية المؤثّرة في الذكاء، فقد فسّرت العوامل الجينيّة ما بين 0% و10% فقط، بينما فسّرت البيئة المشتركة نحو 60% من التباين. وتشير هذه النتائج إلى أن جزءًا كبيرًا مما نعتقد أننا نعرفه عن الوراثة السلوكية قد يكون مضلّلًا، بحكم أن البيانات المتداولة تتركّز بصورة غير متوازنة على مجتمعات «WEIRD» وأطفالها.
وتبرز المشكلة نفسها في ميدان الوراثة بوجه عام. فكثير من النتائج الجينية لا يُعاد إنتاجها عند اختبارها في عيّنات ثانية، إلى درجة أن مجلة «Nature Genetics» باتت تشترط دعم النتائج ببيانات مستقاة من عيّنتين مستقلّتين على الأقل. ويمكن لعيّنات محدودة جغرافيًا أن تولّد علاقات مضلّلة بين النمط الجيني والنمط الظاهري لسببين رئيسيين؛ أولّهما أن نسب توزّع الطفرات الجينية تختلف بين المناطق تبعًا لمسارات الهجرات والتاريخ الانتقائي للسكان، مما يعني أن العلاقة الجينية المرصودة في منطقة معينة قد لا تتكرر في منطقة أخرى بسبب تفاعلها مع متغيرات جينية مختلفة في كل منطقة. وثانيهما أن الجين نفسه قد يُعبَّر عنه بصورة مختلفة عبر المجتمعات. وقد أظهرت دراسة حديثة أن متغيّرًا خاصًا بمستقبل السيروتونين (5-HTR1A) ارتبط بزيادة الانتباه إلى العناصر المركزية لدى الأمريكيين، في حين ارتبط المتغيّر نفسه بانخفاض الانتباه إلى العناصر المركزية لدى الكوريين. ومن الواضح أن الباحث سيخرج باستنتاجات مختلفة حول وظيفة هذا المتغير تبعًا لمكان العيّنة. وهكذا فإنّ الفهم الأدقّ للتوريث والعلاقات بين الجينات والسمات يتطلّب مقارنة القياسات عبر بيئات وسكّان متنوعين.

6. 3. مقارنة الأمريكيين المعاصرين بالأجيال السابقة
قد يكون الأمريكيون المعاصرون على قدر من التفرّد النفسي لا يقتصر على مقارنتهم بمجتمعات أخرى، بل يمتد حتى إلى مقارنة أنفسهم بأسلافهم قبل خمسين أو مئة عام، فقد رصدت دراسات متعدّدة تغيرات واضحة في المجتمع الأمريكي خلال العقود الأخيرة، من أبرزها تنامي النزعة الفردانية كما يظهر في أساليب الحياة الانعزالية، والاعتماد المتزايد على أنشطة تتمحور حول الفرد، إلى جانب انخفاض المشاركة في الأنشطة الجماعية، وارتفاع مستويات تقدير الذات، وتراجع الحاجة إلى القبول الاجتماعي. وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن السمات الاستثنائية التي تميّز الأمريكيين في هذه المجالات، والتي سبق عرضها، قد تكون ظاهرة حديثة نسبيًا وليست نمطًا تاريخيًا راسخًا. فعلى سبيل المثال، وجد روزين أن مواقف طلاب الجامعات الهنود المعاصرين تجاه التقاليد أقرب إلى مواقف أجداد الأمريكيين منها إلى مواقف طلاب الجامعات الأمريكيين المعاصرين. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات لترسيخ الاستنتاجات النهائية، فإن هذه المؤشرات الأولية تثير الشكوك في قابلية تعميم نتائج البحوث المعتمدة على الطلاب الأمريكيين المعاصرين - وعلى مجتمعات «WEIRD» بوجه عام - حتى على طلاب الجامعات الأمريكيين في العقود الماضية.

ويبدو الدليل الأقوى على التغيّر الزمني في مجال الذكاء. فقد بيّن فلين أن معدلات الذكاء ارتفعت في النصف الأخير من القرن الماضي بمقدار 18 نقطة في المتوسّط ضمن الدول الصناعية التي وُفرت عنها البيانات الكافية، وأن هذا الارتفاع يعود بصورة أساسية إلى ارتفاع الدرجات في الاختبارات الفرعية التحليلية. وتُعدّ هذه النتيجة لافتة في ضوء ما أشارت إليه أبحاث حديثة حول فرادة الأسلوب التحليلي لدى الغربيين. وإذا صحّت هذه الاتجاهات، فمن المعقول افتراض أن الأمريكيين قبل نصف قرن أو قرن كامل ربما كانوا يفكّرون بطريقة أقرب بكثير إلى بقية شعوب العالم غير الغربي مقارنة بالأمريكيين المعاصرين.

6. 4. أوجه التشابه بين المشاركين النموذجيين في التجارب وبقية الأمريكيين
من المتوقّع أن يكون المشاركون الأمريكيون النموذجيون في الدراسات النفسية مشابهين لسواهم من الأمريكيين في جوانب عديدة. غير أنّ المشكلة تكمن في عدم وضوح المجالات التي يُفترض أن تظهر فيها هذه التشابهات بجلاء. فنحن نعتقد أن الفروق القائمة بين المجموعتين كافية لإثارة القلق بشأن التعميم غير المتحفّظ على أفكار الأمريكيين وسلوكهم بوصفهم جماعة واحدة. وقد أُجريت دراسات قليلة فقط تعمّدت المقارنة الصريحة بين طلاب الجامعات أو الأمريكيين من ذوي التعليم العالي وبين غير الدارسين حاليًا أو غير الحاصلين على تعليم جامعي أصلًا، وذلك على مقاييس نفسية متعدّدة. وتوجد أيضًا تحليلات بعدية تضم بيانات من عيّنات طلابية وغير طلابية، وتتناول هذه المسألة جزئيًا. ومع أن هذه التحليلات لا تحدّد عادة الأصل القومي للمشاركين، فمن المرجّح أن أغلبهم أمريكيون. وتشير بعض هذه التحليلات إلى تقارب كبير بين العيّنتين؛ فمثلًا، أظهر التحليل البعدي من الدرجة الثانية المشار إليه سابقًا تشابهًا بين العينتين في نحو نصف الظواهر المدروسة. كما لم تُظهر العلاقة بين أساليب الإسناد والاكتئاب والعلاقات بين النوايا والمواقف والمعايير أي فروق تُذكر بين العينتين. وفي هذه الحالات لا يبدو أن هناك إشكالًا في التعميم من العينات الطلابية إلى غير الطلاب، ما قد يدلّ على أن التعليم الجامعي، أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي بوجه أعم، ليس ذا صلة بهذه الظواهر.
ومع ذلك، تكشف بيانات أخرى عن فروق بين المشاركين النموذجيين وبقية الأمريكيين في مجالات غير متوقّعة. ففي بعض هذه المجالات، مثل الفردانية، والتفكير الأخلاقي، والدفاع عن الرؤية الثقافية عند التذكير بالموت، والتصوّرات المتعلقة بالاختيار، تُظهر بيانات طلاب الجامعات الأمريكيين انحرافات أشد من الأنماط المرصودة في المجتمعات غير الغربية. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن طلاب الجامعات الأمريكيين المعاصرين أبعد عن متوسط هذه الأبعاد من أسلافهم قبل بضعة عقود. وهكذا، قد يكون المشاركون النموذجيون حالات متطرفة داخل جماعة تُعد هي نفسها متطرّفة عالميًا.

7. المناقشة العامة
كما تُظهر التباينات الأربعة السابقة، فإن المشاركين المنتمين إلى مجتمعات «WEIRD» يُعدّون حالات غير اعتيادية على المستوى العالمي في عدد من الجوانب المحورية. وفي هذا القسم نعرض أولًا أبرز النتائج والدلالات المترتّبة على المراجعة التجريبية السابقة، ثم نتناول اعتراضين شائعين على أطروحتنا القائلة بأن المشاركين من مجتمعات «WEIRD» يمثّلون حالات متطرّفة بصورة متكرّرة، وأخيرًا نقترح بعض التوصيات التي قد تساعد العلوم السلوكية على مواجهة هذه التحدّيات.
تُظهر الأدلة التجريبية المتراكمة، المستقاة من أساليب متنوعة تنتمي إلى تخصّصات متعددة، أن هناك قدرًا كبيرًا من التباين النفسي والسلوكي بين التجمّعات البشرية. وكما رأينا، يظهر بعض هذا التباين في اختلاف حجم التأثيرات والدوافع والانحيازات، بينما يظهر بعضه الآخر في وجود تأثيرات أو انحيازات في بعض المجتمعات دون غيرها، مثل العقاب المضاد للمجتمع وخداع مولر-لاير، أو في الاتجاه الذي تسلكه الظاهرة ذاتها، كما في تفضيل الأسلوب التحليلي مقابل الأسلوب الكلّي في التفكير. وقد تكون الأصول السببية لهذه الفروق السكانية متعددة، وتشمل المرونة السلوكية في الاستجابة لبيئات متباينة، أو الآثار فوق الجينية، أو المسارات المنفصلة للتطور الثقافي، أو حتى التوزيع التفاضلي لبعض الجينات بين الجماعات تبعًا لاختلاف المسارات التطورية. ومع تعدد هذه الاحتمالات السببية، فإن مجرد الوقوف على هذا التباين واسع النطاق ينبغي أن يكون كافيًا لإعادة توجيه مسارات البحث العلمي.

وفي المقابل، حددنا أيضًا مجالات واسعة تظهر فيها تشابهات لافتة بين التجمعات البشرية. وقد تشير هذه التشابهات إلى تكيفات تتطور بشكل موثوق عبر الأفراد، كما في نظرية العقل، أو إلى نتائج جانبية لتكيّفات فطرية، كما في بعض أنماط التفكير الديني، أو إلى ابتكارات مستقلّة أو استجابات متعلمة انتشرت عالميًا لقيمتها المنفعية، مثل أنظمة العدّ، والرقص، وطرائق الطهي، وتقنيات إشعال النار. ولا شك لدينا في أن هناك الكثير من المشتركات الإنسانية العامة التي لم تُذكر هنا، مثل إدراك الحركة، وتفضيل الطعم الحلو، والتجميع الذهني، والتعوّد، وحساب العمق. غير أن قواعد البيانات المتاحة حتى الآن لا توفر قياسات فردية كافية لمقارنة التشابهات والفروق على نطاق واسع بين المجتمعات.
واللافت أن كثيرًا من العمليات النفسية التي تُظهر تباينات حادّة بين المجتمعات هي عمليات يُنظر إليها تقليديًا بوصفها عمليات نفسية أساسية. فقد كشف ما عُرض من نتائج عن تباينات في جوانب الإدراك البصري والذاكرة والانتباه ودوافع العدالة والتصنيف والاستقراء والإدراك المكاني وتعظيم الذات والتفكير الأخلاقي والاستجابات الدفاعية عند استحضار فكرة الموت وتقديرات معامل الوراثة في الذكاء. وهذه المجالات لا تنحصر في العالم الاجتماعي، بل تمتد لتشمل البيئة الاجتماعية وغير الاجتماعية على السواء، ولا تبدو أقل أساسية من المجالات التي رُصدت فيها تشابهات واسعة. وعليه، لا نجد في هذه المرحلة مبررًا قويًا لإطلاق أحكام مسبقة حول مدى أساسية أو عالمية أي عملية نفسية قبل إخضاعها لمقارنات ممنهجة بين المجتمعات.

لا يوفر تطبيق النظرية التطورية أساسًا لإطلاق أحكام مسبقة حول العمليات النفسية بوصفها عمليات أساسية أو جوهرية بصورة عامة. فالنظرية التطورية أداة قوية لتوليد الفرضيات واستبعادها، إلا أنها، على الرغم من قوتها (أو ربما بسببها)، خصبة إلى حد مفرط، إذ تنتج فرضيات متنافسة متعددة تتوقف تنبؤاتها أحيانًا على عناصر مجهولة أو محل جدل من البيئات السلفية. ومن ثم، فإن الفصل بين الفرضيات التطورية المتنافسة يتطلّب في كثير من الأحيان عملًا مقارنًا. وإضافة إلى ذلك، تُظهر البحوث النظرية بشكل متزايد أن الانتقاء الطبيعي قد دعم تكيّفات نمائية تتيح للإنسان، ولغيره من الأنواع، التكيّف غير الجيني مع البيئات المحلية.
ورغم أننا لا نملك حتى الآن طريقة مبدئية للتنبّؤ المسبق بما إذا كانت عملية نفسية أو سلوكًا معينًا سيتشابه عبر التجمعات البشرية في غياب البحوث المقارنة، فإن وجود معايير تساعد على توقّع الكلية سيكون ذا فائدة كبيرة للمجال. وفيما يلي مناقشة لبعض المعايير الممكنة.

أولًا: قد تكون هناك مجالات يمكن للباحثين أن يتوقّعوا فيها درجة أعلى من العمومية مقارنة بغيرها. ونحن نرى أن درجة الكليّة تختلف على الأرجح بين المجالات، وإن لم يُبرهَن ذلك بصورة حاسمة بعد. فكثير من الباحثين (ومن ضمنهم نحن) لديهم انطباع بأن مجالات معرفية مثل الانتباه والذاكرة والإدراك البصري قد تنطوي على تباين أقل بين المجتمعات. ومع ذلك، فإن مراجعتنا للبيانات لا تدعم هذا الانطباع.
ثانيًا: قد يُظن أن بعض الظواهر أكثر جوهرية عندما تُقاس على المستوى الفسيولوجي أو الجيني، مثل العلاقات بين النمط الجيني والنمط الظاهري أو نشاط الدماغ. غير أنه ينبغي التذكير بأن الجينات نفسها يمكن أن تُعبّر بصورة مختلفة بين المجتمعات، وبأن المهمة المعرفية ذاتها يمكن أن ترتبط بأنماط عصبية مختلفة بين التجمعات.
ثالثًا: قد تكون هناك حالات يمكن فيها التعميم بين ظواهر يُعتقد أنها كونية. فعلى سبيل المثال، إذا كانت مظاهر الفخر متشابهة على نحو لافت بين التجمعات البشرية، فقد يُستنتج أن المظاهر القريبة منها مفهوميًا، مثل مظاهر الخجل، ستكون بدورها متشابهة بين المجتمعات.
رابعًا: قد يُفهم أن إثبات ظاهرة معينة في أنواع أخرى، كالجرذان أو الحمام، يدل على كليتها لدى البشر. ورغم أن هذا قد يكون صحيحًا في بعض الحالات، فقد جادل عدد من الباحثين بأن التفاعل بين الثقافة والجينات قد شكّل التطور الإنساني بصورة لا نظير لها في الأنواع الأخرى، وأن جزءًا من هذه العملية ربما يتضمن نقل تفضيلات وقدرات كانت مشفرة جينيًا إلى المجال الثقافي، كما في تفضيل بعض التوابل.
خامسًا: قد يُفترض أن الظواهر التي تُلاحظ لدى الرضع أكثر كلية من الظواهر التي تظهر في مراحل عمرية لاحقة. ونحن نرجّح صحة ذلك في العديد من الحالات، غير أنه من الممكن أيضًا أن تُعاد صياغة الانحيازات المبكرة عبر التطور اللاحق. ويُعد إثبات وجود ظاهرة معينة لدى الأطفال والراشدين داخل المجتمع نفسه دليلًا قويًا يرفع احتمال الكلية، غير أن البيئات المختلفة قد تعيد تشكيل السلوكيات الراشدة بعيدًا عن الأنماط الأولية، كما هو الحال في نتائج الإدراك المكاني لدى القردة والأطفال والراشدين. وأخيرًا، قد يُظن أن بعض المناطق الدماغية أقل تأثرًّا بالخبرة، بحيث إذا ارتبطت ظاهرة معيّنة بهذه المناطق أمكن توقّع درجة أعلى من الكلية.
مهما تكن المبادئ ذات الصلة، فإن من الأهداف العلمية المهمّة تطويرُ نظريات قادرة على التنبّؤ بالعناصر التي تتطوّر بصورة موثوقة عبر البيئات الإنسانية الاعتيادية، وتلك التي تتغيّر محلّيًا (مع التركيز على الكيفية والأسباب وراء هذا التغير). ونلاحظ أن العلماء السلوكيين بالغوا غالبًا في الثقة بكون الظواهر التي يدرسونها ظواهر عامة، غير أن هذه المراجعة تكشف أن حدسنا حول ما هو كليّ لم يكن موفَّقًا. ونرى أن هذا المقال يفسر سبب ذلك: فمعظم العلماء ينتمون إلى مجتمعات «WEIRD» أو تدربّوا في بيئات فكرية من هذا النوع. ومن ثم، فإن أي معايير ناجعة للتنبّؤ بالكلّية ينبغي أن تستند إلى بيانات تجريبية واسعة. ونترقّب ظهور معطيات مستقبلية تُسهم في تحديد معايير تساعد على استشراف الكونية في البحوث اللاحقة.

لائحة المصادر والمراجع:
Al-Shehab, Ali. 2002. "A Cross-Cultural Study of the Development of Moral Judgments in Kuwait." Journal of Cross-Cultural Psychology 33 (6): 630–637.
Arnett, Jeffrey Jensen. 2008. "The Neglected 95%: Why American Psychology Needs to Become Less American." American Psychologist 63 (7): 602–614.
Atran, Scott, et al. 2001. "Folkbiology Doesn’t Come from Folkpsychology: Evidence from Yukatek Maya in Cross-Cultural Perspective." Journal of Cognition and Culture 1 (1): 3–42.
Baek, Young Min. 2002. "A Comparative Study of Moral Development of Korean and British Children." Journal of Moral Education 31 (4): 373–391.
Barrett, H. Clark. 2006 . "Modularity and [:]Design [and] Reincarnation." In The Innate Mind: Culture and Cognition, edited by Peter Carruthers, Stephen Laurence, and Stephen Stich, 199–217. New York: Oxford University Press.
Bellemare, Charles, and Sabine Kröger. 2007. "On Representative Social Capital." European Economic Review, 51 (1): 183–202.
Bellemare, Charles, et al. 2008. "Measuring Inequity Aversion in a Heterogeneous Population Using Experimental Decisions and Subjective Probabilities." Econometrica, 76 (4): 815–839.
Berry, John W. 1966. "Temne and Eskimo Perceptual Skills." International Journal of Psychology, 1 (3): 207–229.
Bouchard, Thomas J. 2004. "Genetic Influence on Human Psychological Traits: A Survey." Current Directions in Psychological Science 13 (4): 148–151.
Buchtel, Emma E., and Ara Norenzayan. 2008. "Which Should You Use, Intuition or Logic? Cultural Differences in Injunctive Norms About Reasoning." Asian Journal of Social Psychology 11 (4): 264–273.
Burke, Brian L., et al. 2010. "Two Decades of Terror Management Theory: A Meta-Analysis of Mortality Salience Research." Personality and Social Psychology Review, 14 (2): 155–195.
Burton, Roger V., and John W. M. Whiting. 1961. "The Absent Father and Cross-Sex Identity." Merrill-Palmer Quarterly of Behavior and Development, 7 (2): 85–95.
Camerer, Colin. 2003. Behavioral Game Theory: Experiments in Strategic Interaction, Princeton, NJ: Princeton University Press.
Carey, Susan. 1985. Conceptual Change in Childhood. Cambridge, MA: MIT Press.
ـــــــــــــــــــــــــ. 1995, On the Origin of Causal Understanding.[A] " In Causal Cognition: A Multidisciplinary Debate, edited by Dan Sperber, David Premack, and Ann James Premack, 268–302. Oxford: Clarendon Press.
Carpenter, Jeffrey P., et al, 2005. "Cooperation, Trust, and Social Capital in Southeast Asian Urban Slums." Journal of Economic Behavior & Organization, 58 (2): 201–222.
Carpenter, Jeffrey P., et al, 2008. "Altruistic Behavior in a Representative Dictator Experiment." Experimental Economics, 11 (3): 282–298.
Carter, John R., and Michael D. Irons. 1991. "Are Economists Different, and If So, Why?", Journal of Economic Perspectives, 5 (2): 171–177.
Cavalli-Sforza, Luigi Luca, et al, 1994. The History and Geography of Human Genes. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Chua, Hannah et al, 2005. "Cultural Variation in Eye Movements During Scene Perception." Proceedings of the National Academy of Sciences 102 (35): 12629–12633.
D’Andrade, Roy G. 1995. The Development of Cognitive Anthropology. Cambridge: Cambridge University Press.
Egas, Martijn, and Arno Riedl. 2008. "The Economics of Altruistic Punishment and the Maintenance of Cooperation." Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences, 275 (1637): 871–878.
Farley, Frank, Neil J. Cohen, and Charles N. Coombs. 1981. "The Cross-Cultural Generalizability of the Theory of Reasoned Action." Journal of Cross-Cultural Psychology, 12 (4): 463–476.
Fehr, Ernst, and John A. List. 2004. "The Hidden Costs and Returns of Incentives—Trust and Trustworthiness Among Ceos." Journal of the European Economic Association 2 (5): 743–771.
Fehr, Ernst, and Simon Gächter. 1998. "Reciprocity and Economics: The Economic Implications of Homo Reciprocans." European Economic Review, 42 (3–5): 845–859.
Fessler, Daniel M. T. 1999. "Toward an Understanding of the Universality of Second Order Emotions." In Beyond Nature or Nurture: Biocultural Approaches to the Emotions, edited by Alexander Laban Hinton, 75–116. New York: Cambridge University Press.
Flynn, James R. 1987. "Massive IQ Gains in 14 Nations: What IQ Tests Really Measure." Psychological Bulletin 101 (2): 171–191.
ـــــــــــــــــــــــــ. 2007. What Is Intelligence? Beyond the Flynn Effect. Cambridge: Cambridge University Press.
Fodor, Jerry A, The Modularity of Mind: An Essay on Faculty Psychology. Cambridge, MA: MIT Press, 1983.
Geertz, Clifford. 1975. "On the Nature of Anthropological Understanding." American Scientist 63 (1): 47–53.
Gordon, Peter. 2004. "Numerical Cognition Without Words: Evidence from Amazonia." Science 306 (5695): 496–499.
Gutchess, Angela H., et al. 2006. "Cultural Differences in Neural Function Associated with Object Processing." Cognitive, Affective, & Behavioral Neuroscience 6 (2): 102–109.
Guth, Werner, et al, 2003, "Fairness in the Mail and Opportunism in the Internet: A Newspaper Experiment on Ultimatum Bargaining." German Economic Review 4 (2): 243–265, .
Haidt, Jonathan, and Jesse Graham. 2007. "When Morality Opposes Justice: Conservatives Have Moral Intuitions That Liberals May Not Recognize." Social Justice Research 20 (1): 98–116.
Haidt, Jonathan, et al. 1993. "Affect, Culture, and Morality, or Is It Wrong to Eat Your Dog?" Journal of Personality and Social Psychology, 65 (4): 613–628.
Heine, Steven J. 2008. Cultural Psychology. New York: W. W. Norton & Company.
Henrich, Joseph, and Natalie Henrich. 2007. Why Humans Cooperate: A Cultural and Evolutionary Explanation. Oxford: Oxford University Press.
Henrich, Joseph, et al. 2005. ""Economic Man" in Cross-Cultural Perspective: Behavioral Experiments in 15 Small-Scale Societies." Behavioral and Brain Sciences 28 (6): 795–855.
Henrich, Joseph, et al. 2010. "Markets, Religion, Community Size, and the Evolution of Fairness and Punishment." Science, 327 (5972): 1480–1484.
Henrich, Joseph, et al. 2004. Foundations of Human Sociality: Economic Experiments and Ethnographic Evidence from Fifteen Small-Scale Societies. Oxford: Oxford University Press.
Henrich, Joseph. 2008. "A Cultural Species." In Explaining Culture Scientifically, edited by Melissa J. Brown, 184–210. Seattle: University of Washington Press.
Hoffman, Elizabeth, et al. 1998. "Behavioral Foundations of Reciprocity: Experimental Economics and Evolutionary Psychology." Economic Inquiry 36 (3): 335–352.
Hofstede, Geert. 1980. Culture’s Consequences: International Differences in Work-Related Values. Beverly Hills, CA: Sage Publications.
Hyde, Janet Shibley. 1981. "How Large Are Cognitive Gender Differences? A Meta-Analysis Using !W² and D.." American Psychologist, 36 (8): 892–901.
Iyengar, Sheena S., and Sanford E. DeVoe. 2003. "Rethinking the Value of Choice: Considering Cultural Mediators of Intrinsic Motivation." In Nebraska Symposium on Motivation, Vol. 49, Cross-Cultural Differences in Perspectives on the Self, edited by Virginia Murphy-Berman and John J. Berman, 129–174. Lincoln: University of Nebraska Press.
Jensen, Lene Arnett. 1997. "Different Worldviews, Different Morals: America’s Culture War Divide." Human Development 40 (6): 325–344.
Kay, Paul. 2005. "Color Categories Are Not Arbitrary." Cross-Cultural Research 39 (1): 39–55.
Kim, Heejung S., and David K. Sherman. In Press. "Culture and Social Support." American Psychologist.
Kim, Heejung S., and Hazel Rose Markus. 1999. "Deviance or Uniqueness, Harmony or Conformity? A Cultural Analysis." Journal of Personality and Social Psychology 77 (4): 785–800.
Kohlberg, Lawrence, 1976. Moral Stages and Moralization: The Cognitive- Developmental Approach. In Moral Development and Behavior: Theory, Research, and Social Issues, edited by Thomas Lickona, 31–53. New York: Holt, Rinehart and Winston.
Kohlberg, Lawrence, 1981, The Philosophy of Moral Development: Moral Stages and the Idea of Justice. San Francisco: Harper & Row.
ـــــــــــــــــــــــــ. 1971. "From Is to Ought: How to Commit the Naturalistic Fallacy and Get Away with It in the Study of Moral Development." In Cognitive Development and Epistemology, edited by Theodore Mischel, 151–235. New York: Academic Press.
Krosnick, Jon A., and Duane F. Alwin. 1989. "Aging and Susceptibility to Attitude Change." Journal of Personality and Social Psychology 57 (3): 416–425.
Kuhn, Manford H., and Thomas S. McPartland. 1954. "An Empirical Investigation of Self-Attitudes." American Sociological Review 19 (1): 68–76.
Kusserow, Adrie. 1999. "De-Homogenizing American Individualism: Socializing Hard and Soft Individualism in Manhattan and Queens." Ethos 27 (2): 210–234.
Lamont, Michèle. 2000. The Dignity of Working Men: Morality and the Boundaries of Race, Class, and Immigration. New York: Russell Sage Foundation.
Lancy, David F. 2008. The Anthropology of Childhood : Cherubs, Chattel , Changelings . Cambridge: Cambridge University Press.
Lesorogol, Carolyn K., and Jean Ensminger. Under Review. "The Effect of Anonymity on Prosocial Behavior: Evidence from the Field."
Levine, Susan C., et al. 2005. "Early Sex Differences in Spatial Skill." Developmental Psychology 35 (4): 940–949.
Levinson, Stephen C. 2003. Space in Language and Cognition: Explorations in Cognitive Diversity. Cambridge: Cambridge University Press.
Lewis, Charlie. 1995. "Aging and Social Support." In The Social Psychology of Aging, edited by Margaret S. Archer, 123–145. Oxford: Blackwell.
Lipset, Seymour Martin. 1996. American Exceptionalism: A Double-Edged Sword. New York: W. W. Norton & Company.
Majid, Asifa, et al. 2004. "Can Language Restructure Cognition? The Case for Space." Trends in Cognitive Sciences 8 (3): 108–114.
Mann, Virginia A., et al 1990. "Sex Differences in Cognitive Abilities: A Cross-Cultural Perspective." Neuropsychologia 28 (10): 1063–1077.
Markus, Hazel R., and Shinobu Kitayama. 1991. "Culture and the Self: Implications for Cognition, Emotion, and Motivation." Psychological Review 98 (2): 224–253.
Masuda, Takahiko, and Richard E. Nisbett. 2001. "Attending Holistically Versus Analytically: Comparing the Context Sensitivity of Japanese and Americans." Journal of Personality and Social Psychology, 81 (5): 922–934.
May, Robert M. 1997. "The Scientific Wealth of Nations." Science, 275 (5301): 793–796.
McCauley, Rob2/9/2026 4:47:52 PMert N., and Joseph Henrich. 2006. "Susceptibility to the Müller-Lyer Illusion, Theory-Neutral Observation, and the Diachronic Penetrability of the Visual Input System." Philosophical Psychology 19 (1): 1–23.
Medin, Douglas L., and Scott Atran. 2004. "The Native Mind: Biological Categorization and Reasoning in Development and Across Cultures." Psychological Review 111 (4): 960–983.
Miller, Joan G., and David M. Bersoff. 1992. "Culture and Moral Judgment: How Are Conflicts Between Justice and Interpersonal Responsibilities Resolved?" Journal of Personality and Social Psychology 62 (4): 541–554.
Miller, Joan G., et al, 1990. "Perceptions of Social Responsibilities in India and in the United States: Moral Imperatives or Personal Decisions?" Journal of Personality and Social Psychology 58 (1): 33–47.
Morling, Beth, and Mariska Lamoreaux. 2008. "Measuring Culture Outside the Head: A Meta-Analysis of Individualism—Collectivism in Cultural Products." Personality and Social Psychology Review 12 (3): 199–221.
Na, Jinkyung, Shinobu Kitayama, and Michael E. W. Varnum. In press. "Spontaneous Trait Inference Is Culture-Specific: Behavioral and Neural Evidence." Psychological Science.
Neisser, Ulric. 1963. "The Multiplicity of Thought." British Journal of Psychology, 54 (1): 1–14.
Nisbett, Richard E, 2009. Intelligence and How to Get It: Why Schools and Cultures Count. New York: W. W. Norton & Company.
ـــــــــــــــــــــــــ. 2003. The Geography of Thought: How Asians and Westerners Think Differently... and Why. New York: Free Press.
Norenzayan , Ara, et al. N.d. "The Origins of Cultural Differences in Cognition: Evidence for the Social Orientation Hypothesis." Unpublished Manuscript.
Norenzayan, Ara, and Steven J. Heine. 2005. "Psychological Universals: What Are They and How Can We Know?" Psychological Bulletin 131 (5): 763–784.
Norenzayan, Ara, et al, 2007. "Cultural Similarities and Differences in Social Inference: Evidence from Behavioral Predictions and Lay Theories of Behavior." Personality and Social Psychology Bulletin 33 (8): 1090–1104.
Norenzayan, Ara. 2006. "Evolution and Transmitted Culture." Psychological Inquiry 17 (2): 123–128.
Oyserman, Daphna, and Spike W. S. Lee. 2008. "Does Culture Influence What and How We Think? Effects of Priming Individualism and Collectivism." Psychological Bulletin 134 (2): 311–342.
Oyserman, Daphna, et al. 2002. "Rethinking Individualism and Collectivism: Evaluation of Theoretical Assumptions and Meta-Analyses." Psychological Bulletin 128 (1): 3–72.
Pasupathi, Monisha. 1999. "Age Differences in Response to Conformity Pressure for Emotional and Nonemotional Material." Psychology and Aging 14 (1): 170–174.
Peng, Kaiping, and Richard E. Nisbett. 1999. "Culture, Dialectics, and Reasoning About Contradiction." American Psychologist, 54 (9): 741–754.
Peterson, Robert A, 2001, "On the Use of College Students in Social Science Research: Insights from a Second-Order Meta-Analysis." Journal of Consumer Research 28 (3): 450–461,
Putnam, Robert D. 2000. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster.
Reifman, Alan, et al. 1989. "The Self-Monitoring Scale: A Factorial Comparison Among Students and Nonstudents." Personality and Individual Differences 10 (6): 657–663.
Richerson, Peter J., and Robert Boyd. 2005. Not by Genes Alone: How Culture Transformed Human Evolution. Chicago: University of Chicago Press.
Roberson, Debi, et al. 2000. "Color Categories Are Not Universal: Replications and New Evidence from a Stone-Age Culture." Journal of Experimental Psychology: General 129 (3): 369–398.
Rogoff, Barbara. 2003. The Cultural Nature of Human Development. Oxford: Oxford University Press.
Ross, Norbert, et al. 2003. "Cultural and Experiential Differences in the Development of Folkbiological Induction." Cognitive Development 18 (1): 25–47.
Rozin, Paul, et al, 2006. "European and American Perspectives on the Meaning of Natural." Appetite, 47 (1): 108–117.
Rozin, Paul. 2001. "Social Psychology and Science: Some Lessons from Solomon Asch." Personality and Social Psychology Review 5 (1): 2–14.
ـــــــــــــــــــــــــ. 2003. "Five Potential Principles for Understanding Cultural Differences in Relation to Individual Differences." Journal of Research in Personality 37 (3): 273–283.
Savani, Krishna, et al, 2008. "The Unanticipated Interpersonal and Societal Consequences of Choice: Victim Blaming and Reduced Support for the Public Good." Psychological Science 22 (6): 795–802.
Sears, David O. 1986. "College Sophomores in the Laboratory: Influences of a Narrow Data Base on Social Psychology’s View of Human Nature." Journal of Personality and Social Psychology 51 (3): 515–530.
Segall, Marshall H.,et al. 1966, The Influence of Culture on Visual Perception. Indianapolis, IN: Bobbs-Merrill.
Shariff, Azim F., and Ara Norenzayan. 2007. "God Is Watching You: Priming God Concepts Increases Prosocial Behavior in an Anonymous Economic Game." Psychological Science 18 (9): 803–809.
Sheth, Jagdish N. 1970. "Are There Differences in Dissonance Reduction Behavior Between Students and Housewives?" Journal of Marketing Research 7 (2): 243–245.
Shweder, Richard A., et al, 1997. "The ‘Big Three’ of Morality (Autonomy, Community, Divinity) and the ‘Big Three’ Explanations of Suffering." In Morality and Health, edited by Allan M. Brandt and Paul Rozin, 119–169. New York: Routledge.
Sloman, Steven A. 1996. "The Empirical Case for Two Systems of Reasoning." Psychological Bulletin 119 (1): 3–22.
Snarey, John R. 1985. "Cross-Cultural Universality of Social-Moral Development: A Critical Review of Kohlbergian Research." Psychological Bulletin 97 (2): 202–232.
Snibbe, Alana Conner, and Hazel Rose Markus. 2005. "You Can’t Always Get What You Want: Educational Attainment, Agency, and Choice." Journal of Personality and Social Psychology, 88 (4): 703–720.
Stephens, Nicole M., et al. 2007. "When Choice Does Not Equal Freedom: A Sociocultural Analysis [and] of Agency in Working-Class American Contexts." Social Psychological and Personality Science 1 (1): 33–41.
Sutter, Matthias, and Martin G. Kocher. 2007a. "Trust and Trustworthiness Across Different Age Groups." Games and Economic Behavior 59 (2): 364–382.
Sweeney, Paul D., et al, 1986. "Attributional Style in Depression: A Meta-Analytic Review." Journal of Personality and Social Psychology 50 (5): 974–991.
Triandis, Harry C. 1989. "The Self and Social Behavior in Differing Cultural Contexts." Psychological Review 96 (3): 506–520.
Triandis, Harry C. 1994. Culture and Social Behavior. New York: McGraw-Hill.
Turkheimer, Eric, et al, 2003. "Socioeconomic Status Modifies Heritability of IQ in Young Children." Psychological Science 14 (6): 623–628.
Twenge, Jean M., and Changuk Im. 2007. "Changes in the Need for Social Approval, 1958–2001." Journal of Research in Personality 41 (1): 171–189.
Twenge, Jean M., and W. Keith Campbell. 2001. "Age and Birth Cohort Differences in Self-Esteem: A Cross-Temporal Meta-Analysis." Personality and Social Psychology Review 5 (4): 321–344.
Varnum, Michael E. W., et al, 2008. "The Origin of Cultural Differences in Cognition: Evidence for the Social Orientation Hypothesis." Current Directions in Psychological Science 19 (1): 9–13.
Vohs, Kathleen D., et al, 2008. "The Psychological Consequences of Money." Science 318 (5802): 1154–1156.
Voyer, Daniel, et al, 1995. "Magnitude of Sex Differences in Spatial Abilities: A Meta-Analysis and Consideration of Critical Variables." Psychological Bulletin 117 (2): 250–270.
Wallace, Björn, et al. 2007. "A Note on the Effect of Numerical Ability on the Ultimatum Game." Economics Letters 96 (1): 33–38.
Waxman, Sandra R., and Douglas L. Medin. 2007. "Experience and Cultural Models Matter: Placing Firm Limits on Childhood Anthropocentrism." Human Development 50 (1): 23–30.
Wintre, Maxine Gallander, et al, 2001 "Psychologists’ Response to Criticisms About Research Based on Undergraduate Participants: A Developmental Perspective." Canadian Psychology 42 (3): 216–225, .
Witkin, Herman A., and John W. Berry. 1975. "Psychological Differentiation in Cross-Cultural Perspective." Journal of Cross-Cultural Psychology 6 (1): 5–78.