الباحث : د. حسن جبريل عبد النعيم
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 41
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : March / 10 / 2026
عدد زيارات البحث : 262
الخلاصة
يهدف هذا البحث إلى تحليل المدرسة السلوكية في كِلتا نسختيها؛ السيكولوجية (واطسون، سكينر)، والفلسفية (رايل، كارناب)، وتقويمهما نقديًا من منظور فلسفي إسلامي. فبينما ترفع السلوكية النفسية شعار «دراسة السلوك الظاهر» القابل للملاحظة فقط، متجاهلةً العمليات العقليّة الداخليّة، تأخذ السلوكية الفلسفية منحًى أكثر جذرية بتنكّرها لوجود هذه الحالات العقلية من الأساس، واختزالها إيّاها في أنماط سلوكية.
يعرض البحث أولًا الأسس والتطوّرات التاريخية لكل منهما، ثم ينتقل إلى قراءة نقدية تكشف عن قصورهما الجوهري في فهم السلوك الإنساني. يستند هذا النقد إلى التحليل الفلسفي الإسلامي للفعل الإرادي الذي يبيّن أن السلوك الحقيقي ينبع من سلسلة مترابطة من المراحل الداخلية (التصور، التصديق، الشوق، الإرادة) تسبق الحركة الظاهرة. ويخلص البحث إلى أن النموذج السلوكي، بتركيزه الحصري على المُلاحَظ والمادي، يقدّم صورة مشوَّهة ومبتورة للإنسان، معجزًا عن تفسير التعقيد والقيم الكامنة وراء سلوكه، مؤكِّدًا على ضرورة استعادة البعد المعنوي والعقلي في أي فهم شامل للظاهرة الإنسانية.
الكلمات المفتاحية: السلوكية، السلوكية النفسية، السلوكية الفلسفية، العقل والجسد، نقد السلوكية، الفلسفة الإسلامية، الفعل الاختياري.
مُقدّمة
مُنذ بدايات التفكير الفلسفي والعلمي المُتمركز حول طبيعة الإنسان، ظلّت مَسألة العلاقة بين العقل والسلوك واحدة من أكثر التساؤلات إلحاحًا وإثارة للجدل. فمثلًا، لا يزال تعريف علم النفس بوصفه «دراسة السلوك» موضع نقاش فلسفي وعلمي لا يتوقف، حيث تتعدّد الآراء حول القيود المفروضة على هذا المفهوم وطبيعته. ففي إطار علم النفس، ظهرت السلوكيّة[2] بوصفها نموذج تجريبي يركّز على تحليل السلوك القابل للملاحظة، متجاهلةً أي شيء لا يقبل القياس. من جهةٍ أخرى، على الجانب الفلسفي، تحوّلت السلوكيّة إلى نظرية معرفيّة تؤكد أنّ مُناقشة الحالات العقليّة ليست سِوى حديث عن ميول سلوكيّة، ممّا جعلها تتعارض مع المفاهيم العقلانيّة والتجريبيّة التقليديّة. وبالرغم من اختلاف السياقات، يتفق كلا المنظورين -النفسي والفلسفي- على أنّ «السلوك» هو جوهر المشروع السلوكي، وأساس لفهم الظاهرة الإنسانيّة؛ لذلك يجب أن يبدأ أي تقويم نقدي للسلوكيّة بمناقشة هذا المفهوم، وتحليل مكانته، وفحص كفاءته في تشكيل رؤية شاملة عن العقل والإنسان[3].
وإذا أردنا اختصار مفهوم السلوكيّة في عبارة واحدة، أمكن القول إنها «نزعة ترى أنّ حالات العقل وسماته ليست سِوى ميول سلوكيّة يُمكن مُلاحظتها». فقد بدأت السلوكيّة في علم النفس من الدعوة إلى ضرورة استبدال التحليل الاستبطاني لوعي الإنسان بدراسة سلوكه بطرق أكثر منهجيّة. أمّا في الفلسفة، فقد تمثّلت السلوكيّة في محاولة لبناء نظرية متماسكة تُعيد تعريف العقل من منظور سلوكي، جاعلة من الحالات العقليّة أنماطًا من الأفعال السلوكيّة التي يمكن رصدها لدى الكائنات الحية. ووفق هذا التصوّر، يمكن اعتبار الخوف ميلًا للهروب، والغضب ميلًا للتدمير، والرغبة ميلًا للتفضيل، والإيمان ميلًا للموافقة، إلخ، بحيث يتحوّل عالم العقل إلى مجموعة من الميول القابلة للوصف أو التحليل في ضوء الأفعال التي تصدر عن الكائن الحي[4].
سوف نعتمد في تناول هذا الموضوع على منهجين أساسيين: المنهج التحليلي والمنهج النقدي. سيتم توظيف المنهج التحليلي بهدف تفكيك وتحليل العناصر المكوّنة للموضوع، وفي مقدمتها السلوك وما يرتبط به من أبعاد نظريّة وتجريبيّة. أمّا المنهج النقدي، فسوف يُستخدم لتقويم ومُناقشة المواقف التي قدّمتها كلٌّ من السلوكيّة النفسيّة والسلوكيّة الفلسفيّة.
القسم الأول: قراءة توصيفية للسلوكية النفسية والفلسفية
أولًا: السلوك: التعريف والطبيعة
قبل أن نستعرض وجهات نظر المدرسة النفسيّة والأخرى الفلسفيّة حول النزعة السلوكيّة والأفكار المثارة حولها، علينا أولًا تعريف السلوك. فماذا يُقصد بالسلوك؟
يُشير مُصطلح السلوك[5] إلى مجموع أفعال الكائن العضوي الداخليّة والخارجيّة، والتفاعل بين الكائن وبيئته الماديّة والاجتماعيّة. والسلوك هو مختلف أنواع الأنشطة التي يقوم بها الإنسان والحيوان[6]، أو حتى الأنظمة الميكانيكيّة (الآلة)[7]. وعند تعريف السلوك، يجب التمييز بين مفهوم «الفعل» وبين «أداء شيء معين»، على الرغم من أن الفارق بينهما قد لا يكون واضحًا في بعض الأحيان. على سبيل المثال، إذا قام شخص ما بشدّ ذراعي ورفعها إلى الأعلى، فإن الحركة الأساسيّة لرفع الذراع لا يعدُّ شيئًا أفعله، ولا يمثّل سلوكًا أقوم به (لكنْ شدُّ الذراع بحد ذاته هو سلوك). وفي المقابل، عندما أكون أنا من أرفع ذراعي، أي أنني تسبّبت في رفعه، عندها يصبح هذا فعلًا أقوم به أو أمارسه، ويكون جزءًا من سلوكي. ليس من الضروري أن يُفهم الفعل على أنه شيء يتم بـ«نيّة» أو «قصد»، بل يكفي أن يكون ناتجًا عن أحداث داخليّة تؤثّر على سلوك الكائن. على سبيل المثال، عندما يتحرّك روبوت نحو طاولة ويأخذ كتابًا، فإن ما يقوم به يُعتبر سلوكًا، سواء أدرَك ذلك أم لا، أو إن كان لديه هدف محدد. ومن جهة أخرى، إذا تعرّض الروبوت لطلق ناري، فإن هذا لا يُعدُّ سلوكًا، بل هو حادث خارجي وقع له[8].
بناءً على هذا التعريف، يُمكننا أن استنتاج أنّ السلوك يتألّف من الأفعال التي تقوم بها الكائنات الحيّة أو الآلات، بالإضافة إلى التفاعلات مع البيئة المحيطة، ومع الكائنات الأخرى أيضًا، لكن عندما نتناول موضوع السلوكيّة أو النزعة السلوكيّة، يُطرح السؤال حول كيفيّة ظهور هذه الفكرة كاتجاه كان له تأثير واضح وعميق في تفسير العلاقة بين العقل والجسد، وهذا ما سنكتشفه عند الحديث عن هذه العلاقة.
وبالتالي، فإنّ مسألة «العقل/ الجسد» في فلسفة القرن العشرين بدأت مع السلوكيّة، وهي حركة سيطرت على التفكير الفلسفي حول العقل في النصف الأول من القرن العشرين. ورغم أن السلوكيّة قدّمت بديلًا أصيلًا لكلًّ من الثنائيّة والماديّة التقليديتين، إلّا أنّ شعبيتها لم تكن بالشيء غير المتوقّع على الإطلاق. وعلى الرغم من ظهور النظريات السلوكيّة في عدة أنواع مختلفة؛ إلا أن جميعها يحاول بطريقةٍ ما فهم العقل من منظور السلوك الفيزيقي (الجسدي). وفي الوقت الذي أدرك فيه الفلاسفة قبل ظهور السلوكيّة أن هناك علاقة وثيقة بين العقل والسلوك؛ فقد تم اعتبار هذا الارتباط دليلًا بطبيعته. وبالتالي، فإن رغبتي في الشرب تُشير إلى أنني أشعر بالعطش، وكذلك أنيني ومعاناتي دليلٌ على شعوري بالألم. وفي المقابل، أصرَّ السلوكيون على ضرورة النظر إلى العلاقة بين الحالات العقليّة والسلوك الجسدي بطريقة مختلفة، حيث لا ينبغي اعتبارها دلائل، بل تكوين أو تشكُّل. بالنسبة للسلوكي، لا ينبغي النظر إلى السلوك الجسدي على أنه مظهر من مظاهر بعض الحالات العقليّة الداخليّة. وعوضًا عن ذلك، فإن القيام بمثل هذا السلوك هو ما يعكس الحالة العقليّة المُرتبطة به[9].
ثانيًا: السيكولوجيا التجريبيّة والاستبطان
لا شك في أنّ موضوع دراسة العقل كان متعلِّقًا بالفلسفة لفترة طويلة حتى حلول القرن التاسع عشر، عندما ظهرت «السيكولوجيا التجريبيّة» أو ما يُطلق عليها «علم النفس التجريبيّ». وفي ذلك الوقت، بدأ «فيلهلم فونت»[10] (1832-1920)، وطلابه تطبيق أساليب مختبريّة لدراسة العمليات العقليّة بشكل أكثر تنظيمًا[11]. إحدى الأساليب المستخدمة في ذلك كانت الاستبطان[12]، وهو عبارة عن التوجّه نحو الداخل لاستكشاف المعلومات التي تمرّ عبر الوعي. على سبيل المثال، الأحاسيس التي نشعر بها عند رؤية زهرة؛ لذا اقترح فونت دراسة التجارب الحسيّة عن طريق الاستبطان[13]؛ إذ كان الهدف من البرنامج هو تحليل الوعي بهدف اكتشاف العناصر الأساسيّة والقوانين التي تربط هذه العناصر ببعضها. كما قام فونت بإجراء تجارب مُصمّمة بعناية، حيث كان المراقبون المتدرّبون يستنبطون حالاتهم العقليّة ويقدّمون تقارير عن مُلاحظاتهم[14].
وعندما كان فونت وأتباعه يعتقدون أنّ علم النفس يجب أن يُركّز على الوظائف العقليّة ذات المرتبة الأقل[15]، حيث كان اهتمامهم يدور حول التجارب التي تبحث في الصور العقليّة، كان «هيرمان إبنغهاوس»[16] (1850-1909) مشغولًا بتصميم تجارب تدرس الذاكرة[17]. ولم تكن أبحاث إبنغهاوس تقتصر على الذاكرة كنتاج أو كحاصل لعمليات التذكّر والحفظ والاسترجاع، بل أظهرت أيضًا بعض القوانين العامة التي تؤثّر على كيفيّة تكوين الاستجابات الحسيّة لدى البشر، وكذلك كيفيّة اكتسابهم للتجارب الفرديّة[18]. كما أنّ أوزوالد كولب[19] (1862-1915) وأتباعه، مثل إبنغهاوس، كانوا يؤمنون أنّ البحث التجريبي حوّل الوظائف الإدراكيّة ذات المرتبة العُليا[20]، مثل التفكير، له أهميّة كبيرة في علم النفس؛ ولذلك كانت مدارس لايبزيغ (فونت) وفورتسبورغ (كولب) ترتكزان بشكل أساسي على جوانب معينة من العقل[21].
ومع ذلك، أدّت بعض الأمور في بداية القرن العشرين إلى تراجع التقليد الاستبطاني لعدة أسباب، أهمّها[22]:
من الواضح أن العديد من مظاهر الحياة العقليّة يتعسّر فهمها من خلال الاستبطان. على سبيل المثال، لا يمكن دراسة كيفيّة إنتاج اللغة وفهمها بمُجرّد التفكير في الذات.
إنّ الاستبطان ليس بالعملية الموثوقة، سواء قام به أي شخص. فالبشر عادةً ما يُخطئون في التعرّف على حالاتهم العقليّة، وخاصةً إذا كانوا غير مُدرّبين. في حين يميل المراقبون المدرّبون إلى إدراك الأمور أو الملاحظات بما يتناسب مع توقّعاتهم. بالإضافة إلى ذلك، بما أن الاستبطان هو عملية عقليّة، فإنه يؤثّر على العمليات العقليّة نفسها التي يتم التفكير فيها. على سبيل المثال، عندما تُفكِّر في شعور الغضب لديك، قد تصبح أكثر هدوءًا، وبالتالي تُقلّل من غضبك، أو قد تشعر بغضب أكبر.
إنّ وكيل الاستبطان (الشخص الذي يقوم بالتأمّل الباطني) هو الذي يواجه النتائج مباشرة من هذه العملية. بالتالي، إذا تعارضت آراء المراقبين، فلا توجد وسيلة لطرف ثالث لحلّ هذه النزاعات. وعلى الرغم من أن الظروف التي يتمّ فيها الاستبطان يمكن أن تُلبي متطلَّبات كثيرة، إلّا أنّ الاستبطان نفسه لا يستطيع القيام بذلك.
ثالثًا: السلوكيّة النفسيّة والطريق إلى العلم الإيجابي
قام «واطسون» بدحض شرعيّة الاستبطان كأداة نفسيّة، حيث أشار إلى أنّه لكي يصبح علم النفس علمًا إيجابيًا، يجب أن يركّز فقط على السلوك الذي يمكن مُلاحظته (أو رؤيته). وبذلك، غيّر واطسون من تصوّر عِلم النفس، الذي كان يُعتبر عِلم الوعي، وبدّله إلى عِلم السلوك البشري[23]. ورغم هذا الرأي، تمسّك واطسون برفض فكرة اعتقاد ثنائيّة العقل والجسد (انفصال العقل عن الجسد) لصالح الماديّة (العقل والجسد كيان واحد)، فقد شدّد على ضرورة أن يتجاهل علماء النفس لِما يُعرف بـ «بقايا الإرث القديم من الفرضيّات التأمليّة». إلّا أنّه في مؤلّفاته يطرح أفكارًا تُشير ليس فقط إلى تأييده للماديّة، بل إلى إنكاره وجود حالات وعمليات واعية أيضًا، حتى أنه يقول في بعض الأحيان «تخيّل أن هناك شيئًا يُدعى حياة عقليّة»؛ لذا لا يدعو «واطسون» علماء النفس فقط لعدم استعمال كلمات معينة مثل الوعي، والحالات العقليّة، والعقل، بل يشمل ذلك جميع المصطلحات الذاتيّة، مثل الإحساس، والإدراك الحسي، والتصوّر، والرغبة، والهدف.. إلخ. ويبدو أن السبب في ذلك هو اعتقاده بعدم وجود حالات وعي تُناسب هذه المُصطلحات[24].
قام واطسون بتطبيق عدة تجارب على الرُضع والأطفال الصغار، وهي تجارب ترفضها لجان الأخلاقيّات اليوم؛ بهدف إثبات وجود أقواس إنعكاسيّة فطريّة لدى الأطفال. وقد أظهر أنّ عوامل بيئيّة معينة، مثل الضوضاء، يمكن أن تسبّب رد فعل يتمثّل بالخوف لدى الطفل[25]. وبذلك، يجب على علم النفس أن يُركّز على دراسة العلاقة بين المثير والاستجابة السلوكيّة التي يمكن ملاحظتها[26]. علاوة على ذلك، لم يعتبر واطسون التفكير نوعًا من الكلام غير المنطوق[27]، ممّا جعل السلوكيّة تختلف عن الاتجاهات السابقة في علم النفس من خلال تغيير محور البحث التجريبي من البشر إلى الحيوانات.
ثمّة سلوكيّ نفسيّ آخر أكثر فاعليّة بعد واطسون، وهو «بي. إف. سكينر»[28] (1990-1904)، الذي كان مهتمًّا بمعرفة أفضل الأساليب لتكييف الانعكاسيّات الشرطية عن طريق جهاز يُعرَف اليوم باسم «صندوق سكينر»[29]، والذي يمكن من خلاله وضع الفئران. كان الصندوق يحتوي على رافعة تسمح للفئران بالضغط عليها، والتي يمكن ضبطها لإصدار حبيبات الطعام عند الاستخدام. وقد استطاع سكينر تعديل سلوك الفئران من خلال تغيير الظروف التي تجعل من ضغط الرافعة يؤدي إلى الحصول على الطعام.
وعلى عكس نمط التكيُّف البافلوفي التقليدي، كان التعديل السلوكي لدى سكينر مرتبطًا ليس فقط بالمثير الذي يحدث قبل السلوك (مثل جرس الرنين)، ولكن بالمثير البيئي الذي يأتي بعد السلوك أيضًا. وقد أطلق سكينر على هذا النوع من التكيُّف اسم «التكيُّف الفعّال»[30]، وقدّم نظرية توضح كيف يمكن التأثير بشكل أفضل على التكيُّف الفعّال عن طريق التحكّم في التعزيزات الإيجابيّة والسلبيّة لممارسات معينة[31]، والتي تعتمد على مقدار وجود أو عدم وجود تعزيزات (مكافآت) أو عقوبات، الأمر الذي يمكن أن يفسِّر كافة أنواع السلوك البشري. تم استخدام تحليل سكينر التجريبي للسلوك في مجموعة متنوّعة من الظواهر النفسيّة، مثل التعلُّم، واكتساب اللُّغة، وحلّ المشكلات[32]. ثم أشار إلى أن هذا النوع من التكيُّف يمكن استخدامه وتطبيقه بشكل أوسع كأداة للتغيير الاجتماعي. فمثلًا، أشار إلى أن التعامل مع السلوك الإجرامي يمكن أن يكون أكثر فعاليّة من خلال أساليب التعديل السلوكي بدلًا من استخدام العقوبات مثل الحبس[33].
لم يغفل سكينر الدافع الذي يقف وراء منهجيته في السلوك. فهو لم يعمل على توسيع مفهوم السلوك ليشمل العمليات التي تحدث في الجهاز العصبي المركزي. ووفقًا له، فإن السلوك الذي يمكن أن نلحظه أنا وأنت يمثّل سلوك الكائن، وأن مهمة علماء النفس هي إيجاد قوانين تربط ذلك السلوك بالتغيُّرات البيئيّة. وهو يعترف سواء بشكل ثابت أم لا، بما يسمّيه «الأحداث الخاصة»[34] أو «السلوك غير المنبعث»[35]، والذي يتضمّن تجارب مثل التخيُّل، والأحلام، وكل ما هو غير موجود أصلًا. وبهذا الرأي، يُعيد سكينر إدراج التقارير الاستبطانيّة[36]، ورغم أنه أسماها «السلوك اللفظي»[37]، إلّا أنّه يميل للاعتراف بأنها تعابير، قائلًا: «إنّ التقرير اللفظي هو رد فعل على حدث خاص يمكن اعتباره مصدرًا للمعلومات»[38]. وبناءً على هذا الرأي، قام بعض علماء النفس برفض السلوكيّة الراديكاليّة. على سبيل المثال، كان «إدوارد تولمان» يعتقد أن فهم السلوك يحتاج إلى النظر في الغاية والهدف من ذلك السلوك، واعتقد عام 1932 أن كل سلوك يتّجه نحو هدف معين، مثل هدف الفأر الذي يبحث عن الطعام داخل المتاهة[39]. لكن السؤال الآن هو: كيف ولماذا تعرّض هذا النوع من السلوكيّة للنقد؟
رابعًا: السلوكيّة الفلسفيّة والتفسير المنطقي للحالات العقليّة
تجسّد الرأي الآخر بشأن مسألة العقل والجسد في نوع آخر من السلوكيّة، وهي السلوكيّة الفلسفيّة[40]. هذه المدرسة تُركّز على أنّ الطريقة الملائمة للتعبير عن الأحداث العقليّة تكون من خلال السلوك الذي يُمكن مُلاحظته، والذي يقوم به الكائن الحي. وبما أنّ السلوك الموضوعيّ يُعدُّ بمثابة جانب قابل للقياس في العالم المادي، عندئذٍ يمكن اعتبار السلوكيّة -بمعناها الدقيق- نوعًا من الماديّة التي توفّر رؤية مختلفة رغم أنها تمثّل وجهة نظر متمايّزة؛ إذ يختلف السلوكيون بشكل ملحوظ مع الماديين عندما يسعون إلى اختزال الأحداث العقليّة إلى سلوكيّات أو ميول بدلًا من التركيز على الأحداث الفيسيولوجيّة العصبيّة؛ إذ يتفادى السلوكيون التفسيرات العصبيّة، ليس لأنّهم لا يعتقدون بأهميّة تأثير الأحداث العصبيّة، بل لأنّهم يرون أن السلوك يوفّر مستوى تحليلي أكثر ملاءمة ووضوحًا. وعليه، دفعت الحركة السلوكيّة الراديكاليّة نحو إعادة تعريف الدراسة العلميّة للعقل ليكون دراسة علمية للسلوك. وبالفعل، على مدار سنوات عديدة، تمكّن السلوكيون من تغيير مسار عِلم النفس[41]. والسؤال الآن: كيف نظرت السلوكيّة الفلسفيّة للسلوك بوصفه انعكاسًا للحالات العقليّة الداخليّة؟
بناءً على السلوكيّة الفلسفيّة، فإنّ المصطلحات التي نستخدمها في لُغتنا للإشارة إلى الحالات العقليّة هي في الواقع مُجرد مواضع مُلائمة للإشارة إلى أنواع مُعقدة من السلوك. فمثلًا، عندما نقول أنّ «تيلي تشعر بألم في أسنانها»، فإنّ ما نعنيه حقًا هو أن تيلي تبدو عابسة، وتصدر أصوات أنين، وتمسك بفكّها، وتريد الذهاب إلى طبيب الأسنان... إلخ. ووفقًا لهذا النمط السلوكي، فإن خصائص الحالات العقليّة ترتبط بأنواع السلوك، حيث يتمّ تعريف معنى مُصطلحات الحالة العقليّة بناءً على السلوك[42]؛ لذا فإن السلوكيّة الفلسفيّة أو المنطقيّة، كما يُقال عليها أحيانًا، هي نظرية تركّز على معنى الجُمل أو العبارات التي تحتوي على تعابير عقليّة، مثل «دييغو يُعاني من ألم في الأسنان» أو «صوفيا تعتقد أنّ السماء ستمطر». قد يبدو أن معنى هذه الجُمل النفسيّة يرتبط بحالات عقليّة داخليّة -مثل ألم دييغو واعتقاد صوفيا- إلّا أن السلوكيّين المناطقة لا يوافقون ذلك. حيث يرى هؤلاء أن معنى مثل هذه الجُمل يجمع بين الوقائع السلوكيّة حول دييغو وصوفيا، أي الوقائع المتعلّقة بالسلوك الذي يظهره هؤلاء الأفراد أو الذي قد يظهرونه[43].
بناءً عليه، تُعدّ السلوكيّة الفلسفيّة بمثابة وجهة نظر تحليليّة، كما أنها نظرية جوهريّة تدور حول فهم ماهيّة الحالات العقليّة[44]، والتي قد صاغها «الوضعيون المناطقة»[45]، مثل «كارناب»[46]، «هِمبل»[47]، «آير»[48]. إذ يؤكد هؤلاء على أنّ الجُمل التي تحتوي على مفاهيم عقليّة لها دلالات واضحة؛ وبالتالي يمكن تحويلها إلى مجموعة من الجُمل التي يمكن «التحقُّق»[49] منها علنًا (القابلة للإثبات[50]، والقابلة للاختبار[51])، والتي تصف سلوكيّات وعمليات جسديّة (بما في ذلك الأفعال السلوكيّة اللفظيّة). وقد استندت السلوكيّة الفلسفيّة إلى المخاوف من عملية الاختزال أيضًا، والتي عبّرت عنها نظريّات الوضعيّة المنطقيّة حول الماديّة ووحدة العلوم (كما يُفضّل بعض الوضعيين تسميتها)، بسبب الفرضية القائلة بأن علم النفس (من خلال التحليل السلوكي) يمكن اختزاله في الأخير إلى الفيزياء. ومن الممكن التعبير عن جميع جُمله، تمامًا كما هو الحال مع الجُمل الفيزيائيّة، بلغة واسعة وشاملة للغاية[52].
يطرح السلوكي الفلسفي، نظرًا إلى عدم وجود وسيلة من حيث المبدأ لاختبار الحالات الداخليّة مثل الآلام والمعتقدات، اقتراحًا مفاده أن الجُمل النفسيّة تتطلّب شروط تحقّق مُماثلة بشكل مباشر لتلك التي نظرنا فيها في مثال درجة الحرارة، حيث يتم التحقُّق من الجُمل النفسيّة بناءً على الأحداث السلوكيّة. على سبيل المثال، تتضمّن شروط التحقّق للقول بأنّ دييغو يشعر بآلام في الأسنان، جُملًا اختباريّة ماديّة مثل:
دييغو يبدو غاضبًا ويقوم بحكّ فمه.
عندما تم سؤال دييغو «ما الأمر؟!»، أجاب بشكل قاطع «أشعر بألم في أسناني».
دييغو لديه تورّم في لثّته وأسنان يظهر منها العصب.
وفقًا للسلوكيّ الفلسفيّ، لا يجب استخدام المصطلحات العقليّة لوصف الحالات العقليّة الداخليّة. من جهة أخرى، فإن المعنى وراء الجُمل التي تعتمد على هذه المصطلحات يقوم على الحقائق المتعلّقة بالسلوك[53]. ولهذا السبب، تُعرف هذه السلوكيّة بأنها منطقيّة؛ لأنها تعتمد على الروابط الواضحة المحتملة بين التعابير النفسيّة والتعابير التي تتعلّق بالسلوك. وفي الأساس، فهي تدّعي إمكانيّة تحويل الجُمل النفسيّة إلى جُمل تُشير بشكل واضح إلى إنكار وجود أحداث نفسيّة داخليّة، ولكنها تُشير إلى عناصر يمكن ملاحظتها من سلوك الفرد وظروفه الجسديّة[54].
القسم الثاني: قراءة نقدية للسلوكية النفسية والفلسفية
أولًا: تعريف السلوك الاختياري
تمثّل إشكاليّة تعريف السلوك أحد أوجه القصور الجوهريّة في المدرستين السلوكيّتين النفسيّة والفلسفيّة. فتعريفهما له يظلّ سطحيًا واختزاليًا، قاصرًا عن إدراك التعقيد الذي تنطوي عليه عمليّة صدور الفعل الإرادي عن الإنسان. بينما يقدّم التراث الفلسفي الإسلامي تحليلًا دقيقًا متعدّد المراحل للفاعل بالاختيار، وهو ما يُظهِر تهافت التعريف السلوكي للسلوك.
يميّز فلاسفة الإسلام، كابن سينا والمحقق الطوسي وغيرهما، بين نوعين من الفاعلين[55]:
الفاعل بالطبع: وهو الكائن الذي يصدر فعله بشكل آليّ، دافعًا بقوانين الطبيعة الفيزيائيّة والكيميائيّة، كسقوط الحجر أو احتراق النار. وهذا النوع من الفعل هو ما تركّز عليه السلوكيّة عندما تدرس الاستجابات الانعكاسيّة والسلوك المشروط عند الإنسان والحيوان.
الفاعل بالاختيار: وهو الإنسان الذي يتّصف بالإرادة والوعي. ولا يصدر السلوك الإرادي الحقيقي عنه إلا عبر سلسلة مترابطة من العلل القريبة والبعيدة التي تُشكّل معًا مراحل الفعل الاختياري. وهذه المراحل هي:
العلم والإدراك: حيث يبدأ الفعل بمعرفة الفاعل بالشيء أولًا (تصور). فلا يمكن أن ينبعث سلوكٌ تجاه شيء مجهول. ثم التصديق بوجود المنفعة: ثم لا بدّ من حكم عقليّ يترجّح به ذلك الفعل على غيره، ذلك بالتصديق بمنفعته أو خيره أو جماله. وهذه مرحلة حكميّة تقويميّة تسبق أيّ نزوع.
الشوق والنزوع : وهو الميل نحو الفعل أو الترك بحسب متعلّق العلم إن كان خيرًا وشهوة أو أمرًا مرغوبًا عنه.
الإرادة: وهي الشوق المتأكّد تجاه ذلك المعلوم المُصدَّق بمنفعته. وهو الذي يحصل بعد تمام الشوق والميل ويليه الفعل مباشرة.
انبعاث القدرة وإحداث الفعل: أخيرًا، تنبعث القدرة الحركيّة في الجوارح لتُترجم تلك الإرادة الداخليّة إلى سلوكٍ ظاهرٍ ومُلاحَظ.
وقد عبّر المحقّق الطوسي عن هذه الأمور في شرحه على الإشارات والتنبيهات للشيخ الرئيس ابن سينا، حيث قال:« اعلم أنّ لهذه الحركات [الإرادية] مبادئ أربعة مترتّبة: أبعدها عن الحركات هو القوى المدركة. [...] وتليها: قوّة الشوق، فإنّها تنبعث عن القوى المدركة، وتنشعب: إلى شوق نحو طلب إنّما ينبعث عن إدراك الملاءمة في الشيء اللذيذ أو النافع، إدراكًا مطابقًا أو غير مطابق، وتسمّى شهوة. وإلى شوق نحو دفع وغلبة إنّما تنبعث عن إدراك منافاة في الشيء المكروه أو الضارّ، وتسمّى غضبًا. [...] ويليها: الإجماع، وهو العزم الذي ينجزم بعد التردّد في الفعل والترك، وهو المسمّى بالإرادة والكراهة. [...] وتليها: القوّة المنبثّة في مبادئ العضل، المحرّكة للأعضاء».[56]
في ضوء هذا التحليل الدقيق، يتّضح قصور التعريف السلوكي من عدة وجوه:
التركيز على النهاية وإغفال البداية: السلوكيّة تختزل السلوك في مرحلتيه الأخيرتين فقط: النزوع (الذي تختزله في «الميل السلوكي» أو «الاستعداد») والحركة الظاهرة (الاستجابة). بينما تتجاهل تمامًا المرحلتين الأساسيّتين والأوليّتين: العلم والتصديق.
تجريد السلوك من بُعده المعرفي والقيمي: بإغفالها لمرحلة التصديق بوجود المنفعة، تُفْرغ السلوكيّة الفعل من بُعده المعرفي-القيمي. فالفعل الإنساني، في الرؤية الإسلاميّة، ليس مجرّد ردّ فعل على مثير، بل هو استجابة مُقيَّمة تنبع من إدراكٍ لمعنًى وقيمة. هذا ما يفسّر سلوكيات مثل التضحية والإيثار، التي لا يمكن فهمها في الإطار السلوكي المادي.
الخلط بين الفاعل بالطبع والفاعل بالاختيار: باختزالها الإنسان في سلوكه الظاهر، تعامل السلوكيّة الفاعل بالاختيار (الإنسان) على أنّه فاعل بالطبع (آلة)، متجاهلةً الفارق الجوهري بينهما، وهو وجود الإرادة الواعية المستندة إلى المعرفة والتقويم.
عجز عن تفسير التعقيد والدقة في السلوك الإنساني: يُظهر التحليل الإسلامي سبب تعقيد السلوك الإنساني ومرونته؛ فهو نتاج سلسلة من العمليات الداخليّة (علم، تصديق، شوق). بينما يقدّم النموذج السلوكي (المثير-الاستجابة) تفسيرًا آليًا يَعجز عن تفسير الإبداع والتفكير الاستراتيجي طويل المدى، الذي يتطلّب تخطيطًا قائمًا على التصديقات المعقّدة حول المستقبل.
يُبيّن هذا النقد أنّ التعريف السلوكي للسلوك، بتركيزه الحصري على المُلاحَظ والمادّي، يُقدّم صورةً مشوّهةً ومبتورةً للفعل الإنساني. إنّه يُغفل العلل العقلية والمعنوية التي تسبق الفعل وتُوجّهه، وهي علل حقيقيّة في الرؤية الفلسفية الإسلاميّة، لا يمكن اختزالها في فيزيولوجيا الدماغ أو في الأنماط السلوكيّة. وبذلك، فإنّ أيّ فهمٍ حقيقيّ للسلوك الإنساني لا يمكن أن يكتمل دون استعادة هذه المراتب الداخليّة للفعل -العلم، التصديق، الشوق- والتي تمنح السلوك معناه الإنسانيّ الأصيل.
ثانيًا: نقد الأساس الفلسفي للسلوكية النفسية
السلوكية النفسية تمتدّ بجذورها إلى الأصول الفلسفية الوضعية، وبالتالي فإن النقد الأساسي يتوجّه إلى الإغراق في الوضعية، فقد كان أحد التأثيرات التاريخيّة المؤثّرة في نشوء السلوكية النفسية هو مذهب الوضعيّة الذي لعب دورًا مهمًّا في القرن التاسع عشر. فقد كان هذا المذهب، الذي دافع عنه كلٌّ من أوغست كونت[57] (1798-1857) وإرنست ماخ (1838-1916)، بمثابة ردّ فعل على الميتافيزيقا التأمُّلية، والتوجّهات الثيولوجيّة[58] (اللاهوتيّة) التي أثّرت على الفلسفة آنذاك. فقد اعتقد الوضعيون أنّ البحث الفكري الأصيل، أو ما يُعرف بـ «العِلم الإيجابي»[59]، يجب أن يُركّز على الأشياء التي يُمكن مُلاحظتها (رؤيتها) فقط. من جهةٍ أخرى، فإن المذهب الذي يطرح كيانات أو عمليّات قد تتجاوز ما يمكن رصده بالحواس يُعدُّ بمثابة علم زائف»[60]. ومع مرور الوقت، أصبح يُنظر إلى العلم الإيجابي، الذي يُعتبر مجموعة من المعارف، بوصفه تجسيدًا للتقدّم البشري وقوّة العقل[61].
يمثّل التأثير المهمّ الآخر على السلوكيّة النفسيّة ما قام به عمل إيفان بافلوف[62] (1849-1936). كان بافلوف عالِمًا روسيًا مهتمًّا بالفسيولوجيا، وقد أسّس نظرية تُسمى الأقواس الانعكاسيّة [63]؛ إذ اعتبر أنّه من الضروري فهم العلاقة بين المثير البيئيّ والاستجابة السلوكيّة[64] من خلال هذه الأقواس.
على هذا الأساس، أدّى ازدهار علم النفس، وظهور مذهب الوضعيّة، وتطوّر نظرية بافلوف في الأقواس الانعكاسيّة إلى تحوّل نموذجي في علم النفس بفضل عالِم النفس الأمريكي جون واطسون[65] (1878-1958)، مؤسّس السلوكيّة النفسيّة[66]. فقد كان هدف واطسون هو بناء علم موضوعي وتجريبي للسلوك بدلًا من العقل يمكن أن يُعدّ فرعًا من العلوم الطبيعيّة، ويهدف نظريًّا إلى التنبّؤ بالسلوك والتحكُّم فيه. ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، اعتقد واطسون أنّه من الضروري على عالِم النفس أن يبتعد كليًا عن الاستبطان أو التأمّل الباطني، لِما يتّسم بالذاتيّة ويبتعد تمامًا عن الموضوعيّة؛ فالأحاسيس شيءٌ خاص، بينما السلوك شيءٌ عام يمكن ملاحظته موضوعيًا، وقياسه أيضًا. وعليه، يجب أن يُركّز العلم على دراسة الحقائق العامة التي تقبل للمُلاحظة من قِبل أي باحث[67].
وبالفعل، هذا ما انتهجه واطسون، وهو الهدف الرئيس للوضعيين، والذي يتمثّل في أنّ العلم الإيجابي هو الذي يتناول كل ما يمكن ملاحظته أو رؤيته.
وفي الحقيقة إن هذه الأسس التي قامت عليها الوضعية تتعارض مع أسس التفكير الفلسفي الدقيق، فإن رفض ما لا يكون علميًا ماديًا أو تجريبيًا هو بمثابة إطلاق رصاصة الموت على نفس العلوم التجريبية، فإن أي تجربة لا تكتمل عناصرها إلّا بافتراضات مسبقة؛ أوّلها الإقرار بقانون العلية وقانون استحالة التناقض وقانون استحالة الدور وغير ذلك من القوانين التي هي بنفسها إذا طبقناها ستؤدّي إلى القول بثبوت ما ليس بمادي أو تجريبي، فعلى سبيل المثال إن إثبات وجود الله تعالى إنّما يعتمد على جملة من مبادئ يسلّم بها حتى التجريبي، وإن لم يكن واعيًا حين التجربة بها، من أمثال الإقرار بالواقعية، والإقرار باستحالة تسلسل العلل، والإقرار بقانون العلّية، وبالتالي فإن أصل هذا الاختزال مرفوض، ولا يؤدّي إلّا إلى هدم أصول العلم الذي أسموه غير زائف.
وقد أشار إلى هذه الفكرة العديد من الفلاسفة والمفكّرين، أمثال السيد محمد باقر الصدر، حيث يقول:« إنّ نفس هذه القاعدة : (التجربة هي المقياس الأساسي لتمييز الحقيقة) هل هي معرفة أوّلية حصل عليها الإنسان من دون تجربة سابقة؟ أو أنّها بدورها -أيضًا- كسائر المعارف البشرية ليست فطرية ولا ضرورية؟ فإذا كانت معرفة أوّلية سابقة على التجربة بطل المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالمعارف الأوّلية، وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلّة عن التجربة، وإذا كانت هذه المعرفة محتاجة إلى تجربة سابقة، فمعنى ذلك أنّا لا ندرك في بداية الأمر أنّ التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق، فكيف يمكن البرهنة على صحّته واعتباره مقياسًا بتجربة ما دامت غير مضمونة الصدق بعد؟ !
[...] إنّ مبدأ العلّية لا يمكن إثباته عن طريق المذهب التجريبي، فكما أن النظرية الحسّية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة تصوّرية، كذلك المذهب التجريبي يعجز عن البرهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة تصديقية. فإن التجربة لا يمكنها أن توضّح لنا إلّا التعاقب بين ظواهر معيّنة، فنعرف عن طريقها أن الماء يغلي إذا صار حارًّا بدرجة مئة، وأنّه يتجمّد حين تنخفض درجة حرارته إلى الصفر. وأمّا سببية إحدى الظاهرتين للأخرى والضرورة القائمة بينهما، فهي ممّا لا تكشفها وسائل التجربة، مهما كانت دقيقة ومهما كرّرنا استعمالها، وإذا انهار مبدأ العلّية انهارت جميع العلوم الطبيعية»[68]
ثالثًا: السلوكية الفلسفية في شراك اللايقين واللاعلم
السلوكية الفلسفية كما تقدم، هي نظرية أو موقف فلسفي حول طبيعة العقل والحالات العقلية، تهدف إلى الإجابة على «مشكلة العقل-الجسد» في الفلسفة: ما هي العلاقة بين حالتنا العقلية (مثل الألم، الاعتقاد، الرغبة) وبين جسدنا المادي؟ بحيث تركز في محاولتها للإجابة على هذا الأمر على معنى ومغزى اللغة التي نستخدمها لوصف حالاتنا العقلية.
تأخذ السلوكية الفلسفية موقفًا أكثر جذرية من طبيعة الأمور غير السلوكية كالمشاعر والأفكار، حيث تقف موقفًا راديكاليًا، وليس معنى ذلك أننا لا نستطيع دراستها علميًا وحسب، بل لا وجود لها ككيانات مستقلة داخلية على الإطلاق، فتُعرِّف الحالات العقلية بشكل كامل من خلال السلوك أو الاستعداد للسلوك. ليس «الألم» مجرّد إحساس داخلي سرّي، بل هو مجموعة من السلوكيات والاستعدادات مثل الصراخ، عند الألم، وفي النهاية هي تقول إن الحالات العقلية ليست سوى أنماط من السلوك.
النقد الأساسي الموجّه إلى هذا الموقف الفلسفي هو أنه لا بد لنا أن نسأل: ما هو المقصود من عدم وجود المنشأ الداخلي للسلوك؟ هل المقصود هو إنكاره واقعيًا أو استبعاده علميًا ومعرفيًا؟
فإن كان المقصود هو إنكاره بالكلية، فهو مخالف لبديهيات المعرفة والوجدان، إذ ليست اللغة إلا تعبيرًا عن الحالات التي يستبطنها الكائن البشري قبل النطق بها، بل إن اللغة أصلًا قد تكون لغة نفسية داخلية يستعملها الكائن البشري للتفكير والتأمل، وهذا ما يمكن أن نسميه أصالة المعنى مقابل اللغة، وتقدم الوجدان والحالات الداخلية على السلوك والنطق الظاهري، ومن اللطيف في هذا المجال ما ذكره السيد العلامة الطباطبائي في أصل اللغة ونشوئها وأنها تابعة للمعنى، حيث قال:« الإنسان يتوصّل إلى اللغات بوضع المعاني نفسها وعرضها على المخاطب أولّا، ثم وضع الألفاظ في محلّها بالاعتبار؛ بإعطاء حدودها إيّاها بحكم الوهم، فتكون الألفاظ وجودات للمعاني بالعرض»[69]. وبهذا لا يمكن بوجه إنكار المناشئ المعنوية الباطنية للسلوك وللفظ.
وأما إذا كان المراد هو غضّ النظر العلمي عن المناشئ مع الإقرار بوجودها، فهو من الناحية المنهجية والفلسفية خاطئ تمامًا، وذلك أنه لما عُلم كون الجمل والتعبيرات هي سلوك في واقعها، وإن كان سلوكًا لفظيًا، والسلوك كما تبيّن لاحقًا له علل قريبة وبعيدة ترجع إلى التصوّر والتصديق، ومن ثمّ إلى الشوق والإرادة، فلا يمكن معرفة السلوك –لفظيًا كان أو غير لفظي- مع غض النظر عن علله؛ لأنّ ذوات الأسباب لا تُعرَف إلّا بأسبابها، وكل معرفة من دون ملاحظة الأسباب هي معرفة بالعرض ودخول في متاهة اللايقين واللاأعم بالضرورة، ولا تكون معرفة للشيء بالذات من حيث هويته الذاتية، ولذا أسسوا في علم المنطق قاعدة ذكرها ابن سينا في برهان الشفاء حيث قال:« العلم اليقيني بكل ما له سبب من جهة سببه»[70].
خاتمة
بعد هذا التحليل والتقويم، يمكن القول إن البحث قد كشف عن أن المدرسة السلوكية، بشقّيها النفسي والفلسفي، على الرغم من مساهمتها في تركيز الانتباه على أهمية السلوك المُلاحَظ ومناهج البحث الوضعي، إلّا أنها قدّمت تصورًا قاصرًا ومشوّهًا عن الطبيعة الحقيقية للإنسان.
فالسلوكية النفسية، برفضها لكل ما هو غير مادي، وقعت في فخّ الاختزال المادي، مجرِّدة السلوك الإنساني من أبعاده المعرفية والقيمية التي تميّزه. بينما سقطت السلوكية الفلسفية في فخّ الإنكار الجذري، حين اعتبرت الحالات العقلية مجرّد أوهام مصاحبة للسلوك، منكرةً الوجدان والفطرة.
وقد أثبتت القراءة النقدية المستندة إلى الفلسفة الإسلامية تفوّقها في تشخيص هذا القصور، حيث بيّن تحليلها الدقيق لمراحل الفعل الاختياري أن السلوك الظاهر ما هو إلّا النتيجة الأخيرة لسلسلة معقّدة من العمليّات العقليّة والروحية الداخلية (التصور، التصديق، الشوق، الإرادة). وهذا يثبت أن أيّ نموذج تفسيري يُغفل هذه المراتب الداخلية يكون عاجزًا حتمًا عن فهم دوافع السلوك الإنساني وتعقيداته، خاصة ما يتعلّق منه بالقيم السامية كالتضحية والإيثار.
وعليه، فإن الخلاصة الرئيسة التي حاولنا تقديمها في هذا البحث هي أن الفهم الشامل والصائب للإنسان ولظاهرة السلوك لديه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نموذج تكاملي، يعترف بالبُعد المادي والسلوكي دون أن يُنكِر أو يهمّش الأبعاد العقلية والمعنوية التي تُشكّل جوهر الإنسانية ومصدر أفعالها الحقيقية.
لائحة المصادر والمراجع
ابن سينا، برهان الشفاء، مکتبة آية الله العظمی المرعشي النجفي (ره)، إيران- قم، 1405ه.
الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصيّة للشهيد الصدر، قم- إيران، 1427ه.
الطباطبائي، محمد حسين، حاشية الكفاية، بنياد علمي وفكري علامه طباطبائي، إيران- قم، دون تاريخ.
الطوسي، محمد بن محمد، شرح الإشارات والتنبيهات، بوستان کتاب قم (انتشارات دفتر تبليغات اسلامی حوزه علميه قم)، قم - ايران، 1386 ه.ش.
عبد الخالق، أحمد محمد وعبد الفتاح محمد دويدار، علم النفس (أصوله ومبادئه)، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1999م.
عبد الحميد، صلاح، دراسات في الفكر السيكولوجي، أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، الطبعة الأولى، الجيزة، 2019م.
قطب، خالد، فلسفة العلم التطبيقية «الفلسفة تبحث عن آفاق جديدة داخل العلم»، المكتبة الأكاديمية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2011م
Kind, Amy, The Mind-Body Problem in 20Th Century Philosophy, In: Philosophy of Mind in the Twentieth and Twenty–First Centuries, Edited by: Amy Kind, Routledge, London, 2019.
Mundle, C. W. K, Philosophical Behaviourism, In: Knowledge and Necessity, Edited by: G. N. A. Vesey, Macmillan St Martin’s Press, 1970.
Kim, Jaegwon, Philosophy of Mind, Westview Press, 3ed, 2011.
Carter, Matt, Minds and Computers, "An Introduction to the Philosophy of Artificial Intelligence," Edinburgh University Press, 2007.
Hocutt, Max, "Behaviorism, Philosophical.," Encyclopedia of Cognitive Science, 2006.
Singer, Michae, The Legacy of Positivism, Palgrave Macmillan, 2005.
Thagard, Paul, Mind, The MIT press, 2ed, 2005.
Kitchener, Richard F., "Behavior and Behaviorism.," Behaviorism, 1977.
Audi, Robert, The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge University Press, 1999.
Sternberg, Robert J., Cognitive Psychology, Wadsworth Cengage Learning, 5ed, Australia, 2009.
Palmer, Stephen E., Visual Awareness, In: Foundations of Cognitive Psychology, Edited by: Levitin, Daniel J., The MIT Press, 2002.
--------------------------------------------
[1]. مُدرس فلسفة العلم ومناهج البحث بكلية الآداب بقنا، جامعة جنوب الوادي، مصر.
[2]. behaviorism
[3]. Kitchener, "Behavior and Behaviorism.," 11
[4]. Hocutt, "Behaviorism, Philosophical.," 1
[5]. behavior
[6]. عبد الخالق و دويدار، علم النفس (أصوله ومبادئه)، 53.
[7]. mechanical systems
[8]. Kim, Philosophy of Mind, 66.
[9]. Kind, "The Mind – Body Problem in 20TH Century Philosophy," 53.
[10]. W. Wundt
[11]. Thagard, Mind, 6
[12]. يُعدُّ الاستبطان أو التأمُّل الباطني منهج البحث المفضّل لدى البنيويين، ويتلخّص هذا المنهج في ملاحظة الفرد الدقيقة لإدراكاته ومشاعره وخبراته وانفعالاته ملاحظة متعمدة صريحة تهدف إلى وصف هذه الحالات وتسجيل الملاحظات وتحليلها. انظر: عبد الخالق ودويدار: علم النفس، 49.
[13]. Sternberg, Cognitive Psychology, 6.
[14]. Carter, Minds and Computers "An Introduction to the Philosophy of Artificial Intelligence," 17.
[15]. lower-order
[16]. H. Ebbinghaus
[17]. Ibid., 18.
[18]. عبد الحميد، دراسات في الفكر السيكولوجي، 128.
[19]. O. Külpe
[20]. higher-order
[21]. Carter, Minds and Computers, 19.
[22]. Ibid., 19-20.
[23]. Ibid., 21.
[24]. Mundle, "Philosophical Behaviourism," 120
[25]. Carter, Minds and Computers, 21.
[26]. Thagard, Mind, 6.
[27]. Subvocalized
[28]. Skinner
[29]. skinner box
[30]. operant conditioning
[31]. Carter: Minds and Computers, 21:22.
[32]. Sternberg, Cognitive Psychology, 9.
[33]. Carter, Minds and Computers, 22
[34]. private events
[35]. unemitted behaviour
[36]. introspective reports
[37]. verbal behaviour
[38]. Mundle, "Philosophical Behaviourism," 123.
[39]. Sternberg, Cognitive Psychology, 9.
[40]. philosophical behaviorism
[41]. Palmer, "Visual Awareness," 7.
[42]. Carter, Minds and Computers, 23.
[43]. Kind, "The Mind-Body Problem In 20Th-Century Philosophy," 54.
[44]. Carter, Minds and Computers, 23.
[45]. logical positivists
[46]. Carnap
[47]. Hempel
[48]. Ayer
[49]. يُعد «مبدأ القابلية للتحقق» Verifiability Principle الأساس الذي نميّز من خلاله عبارة ما بأنها ذات معنى أم خالية منه أو زائفة، وقد وضعت التجريبية المنطقية عبارات الميتافيزيقا والأخلاق والدين ضمن سلة العبارات الزائفة التي لا يمكن الركون إليها لإحداث تقدم علمي، والسبب في عدم علمية هذه العبارات أنها لا يمكن التحقُّق منها تجريبيًا.
انظر: قطب، فلسفة العلم التطبيقية، 36
[50]. confirmable
[51]. testable
[52]. Audi, The Cambridge Dictionary of Philosophy, 77.
[53]. Kind, "The Mind-Body Problem In 20Th-Century Philosophy," 54:55.
[54]. Kim: Philosophy of Mind, 68.
[55]. هناك أكثر من هذين النوعين من الفواعل، كالفاعل بالقسر والفاعل بالعناية وغيرهما، ولكننا ذكرنا الفاعل بالطبع لأنه يكفي في بيان المراد.
[56]. الطوسي، شرح الإشارات والتنبيهات، 2: 515- 516
[57]. A. Comte
[58]. theological conjecture
[59]. positive science
[60]. pseudoscience
[61]. Singer, The Legacy of Positivism, 9.
[62]. I. Pavlov
[63]. عبارة عن مسار يسلكه رد الفعل خلال عملية نقل السيال العصبي، حيث تبدأ عملية النقل عند إثارة هذا القوس.
[64]. behavioural response
[65]. J. Watson
[66]. Ibid., 20
[67]. عبد الخالق ودويدار، علم النفس، 52، 53.
[68]. الصدر، فلسفتنا، 91-94
[69]. الطباطبائي، حاشية الكفاية، 1: 19
[70]. ابن سينا، برهان الشفاء، 72