البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إشكالية الحتمية البيولوجية في تفسير السلوك الإنسانيّ: قراءة نقدية لمدرسة علم النفس التطوّري

الباحث :  د. محمد فاروق حماد جمعه
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  41
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 10 / 2026
عدد زيارات البحث :  705
تحميل  ( 574.899 KB )
الخلاصة
تشكّل الحتمية البيولوجية إشكاليّة محوريّة في علم النفس التطوّريّ الذي يدّعي قدرته على تفسير ظواهر معقّدة كالدين والأخلاق والفنون بردّها إلى آليّات التطوّر البيولوجي والانتخاب الطبيعي. ينطلق هذا التوجّه من افتراض أن العقل البشري ليس لوحًا فارغًا، بل بناءً معقّدًا من وحدات نمطية فطرية تشكّلت فيما يُعرف بـ «بيئة التكيّف التطوّري» خلال العصر الجليدي. وبناءً عليه، يفسّر أنصار هذا الاتجاه السلوك البشري المعاصر بوصفه استجابات تكيفية موروثة لضغوط البقاء والتكاثر في عصور سحيقة.
غير أن هذه المدرسة تواجه انتقادات علمية وفلسفية جوهرية، حيث تؤخذ عليها صعوبة التحقّق التجريبي من فرضيّاتها، واعتمادها المفرط على سرديات تأويليّة واستدلالات افتراضية عن الماضي السحيق، مما يجعل مقولاتها صعبة الاختبار أو التفنيد. كما تثير إشكاليّات أخلاقية وفلسفية نتيجة اختزالها السلوك الإنساني إلى دوائر بيولوجية مغلقة، مما يتناقض مع حرية الإرادة والمسؤولية الأخلاقية.
تكشف الدراسة أن علم النفس التطوّري يبالغ في تبسيط تعقيدات الطبيعة البشرية، متجاهلًا التفاعل الجدلي بين العوامل البيولوجية والقوى الثقافية والبيئية والسياق التاريخي والإرادة الواعية. هذا التجاهل للتفاعل الديناميكي بين الطبيعة والتربية يحوّل الرؤية إلى منظور قاصر، عاجز عن سبر أغوار الإنسان متعدّد الأبعاد، الذي يظلّ أعقد من أن يُحصر في إطار حتمية بيولوجية صارمة.

كلمات مفتاحية: علم النفس التطوّري – نقد الحتمية البيولوجيّة – تفسير السلوك الإنساني – حرية الإرادة – المسؤوليّة الأخلاقية.

مقدمة
شهدت العقود الأخيرة تناميًا ملحوظًا في المؤلَّفات التي تتناول تشارلز داروين ومنظومة أفكاره حول التطوّر بالانتخاب الطبيعي، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والثقافية للعالم الغربي الأنجلو-أمريكي. وقد تجاوز تأثير مصطلحاته مثل «دارويني» و«تطوري» نطاق علم الأحياء ليشمل حقولًا معرفية متنوّعة كالطب، وعلم النفس، والاقتصاد، وعلم الاجتماع. بل امتدّ استخدام هذه المصطلحات لشرح ظواهر شديدة التنوّع، بدءًا من أصل الكون، ووصولًا إلى آليّات توسّع الشركات الرقميّة وتنافس النظريات العلمية، في محاولة لتصوير «المنهجية الداروينية» باعتبارها الأساس الذي تُفهم من خلاله مسارات تطوّر كل شيء، من تكنولوجيا الحواسيب إلى العمليات العقلية للإنسان.
ويُعدّ علم النفس التطوري من أبرز الحقول التي تبنّت هذه الرؤية وأعادت تعريف نفسها تحت مظلَّتها. يدّعي أصحاب هذه النظرية أن بالإمكان تفسير جميع مظاهر السلوك البشري، وبالتالي الثقافة والمجتمع، بالاستناد إلى سِمات ثابتة في الطبيعة البشرية، تشكّلت -وفق زعمهم- بشكلها النهائي خلال عصر البليستوسين المتأخّر، أي قبل عشرات الآلاف من السنين، حين عاش البشر في مجتمعات الصيد والجمع.

ومن أبرز المؤسسين والدعاة لهذه المدرسة كل من علماء النفس ديفيد بوس (David Buss) (ولد 1953)، وليدا كوزمايدز (Leda Cosmides) (ولد 1957)، ومارتن دالي (Martin Daly) (1944-2023)، وستيفن بينكر (Steven Pinker) (ولد 1954)، ومارغو ويلسون (Margo Wilson) (1942-2009)، إضافة إلى عالمي الأنثروبولوجيا دونالد سيمونز (Donald Symons) (ولد 1942) وجون توبي (John Tooby) (ولد 1952). كما يندرج ضمن هذا الإطار عالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins) (ولد 1941). وقد ساهم في انتشار أفكارهم عدد من الكتّاب العلميين البارزين، مثل روبرت رايت (Robert Wright) (ولد 1957) ومات ريدلي (Matt Ridley) (ولد 1958) وهيلينا كرونين (Helena Cronin) (1949-2024)، وغيرهم من الداعمين للنظرية.
غير أن هذه الأفكار التي يروّج لها علم النفس التطوري لم تلقَ قبولًا، بل أثارت سجالًا علميًا وفلسفيًا عميقًا، فقد واجه هذا الحقل انتقادات لاذعة من تخصّصات فلسفية عدّة، تشمل فلسفة البيولوجيا، وفلسفة العلم، وفلسفة العقل والإدراك. تستند هذه الانتقادات إلى أن علم النفس التطوّري يستمدّ أسسه من نظريات علم الأحياء التطوّري حول آليّة تطور الكائنات، ومن نماذج علم النفس المعرفيّ التي تصف عمل العقل، فضلًا عن إشكاليّات منهجيّة في فلسفة العلم تتعلق بمعايير صحة النظريات وقابلية اختبارها، وإشكاليات فلسفية حول طبيعة العقل وعلاقته بالجسد.

فمن وجهة نظر فلاسفة العلم، وخاصة فلاسفة البيولوجيا، ثمّة إجماع على أنّ علم النفس التطوّري يعاني من إشكاليّات منهجية جوهريّة. فمع أنّ أغلب هؤلاء الفلاسفة لا يرفضون مبدأ تطبيق النظرية التطوّرية على النفس البشرية، إلّا أنّهم يتحدّون الطرق والافتراضات المحدّدة التي يعتمد عليها هذا التطبيق. أما فلاسفة العقل والإدراك، فيعترف بعضهم بإمكانية أن يكون هذا الحقل مصدرًا لفرضيات قابلة للاختبار حول البنية المعرفية للعقل، لكنهم في المقابل يوجّهون إليه انتقاداتهم الخاصة، وإن كانت أقلّ شمولًا من تلك التي يقدّمها فلاسفة البيولوجيا. ولا يتوقّف النقد عند هذا الحد، فالفلسفة الأخلاقية تتعامل مع علم النفس التطوري من منظور مزدوج: ترى فيه من ناحية منجمًا للفرضيات حول الأصول التطوّرية للمشاعر والقيم الأخلاقية، وتتحدّاه من ناحية أخرى عندما يقدّم ادّعاءات حول أسس الأخلاق الطبيعية.
تبيّن هذه المعطيات أن المعارضة الفكرية والعلمية الموجّهة ضد علم النفس التطوري ليست هامشية، بل هي معارضة رصينة ذات تاريخ طويل، وتتمثّل في نقّاد بارزين من تخصّصات متنوعة. هؤلاء النقّاد ليسوا مجرّد صحفيين أو كتّاب عاديين، بل ينتمون إلى مجالات علمية دقيقة تشمل فلاسفة العلم المرموقين، وعلماء الأعصاب والبيولوجيا، وعلماء الأنثروبولوجيا. ومن أبرز هؤلاء النقاد الفيلسوف ديفيد بولر (David Buller) (ولد 1949) مؤلّف كتاب «تكييف العقول»، وروبرت ريتشاردسون (Robert C. Richardson) (1949-2020) مؤلّف كتاب «علم النفس التطوري كعلم نفس غير متكيّف»، وبريندان والاس (Brendan Wallace) (ولد 1969) مؤلّف كتاب «فهم داروين بشكل خاطئ: لماذا لن ينجح علم النفس التطوري». يُضاف إليهم نقّاد من مجالات أخرى، مثل عالم الأعصاب ستيفن روز (Steven Rose) (ولد 1938) الذي حرّر كتاب «وأسفاه على داروين المسكين: حجج ضد علم النفس التطوري»، وغيرهم من علماء الأنثروبولوجيا، والبيولوجيا والنسوية، والوراثة، وحتى من علماء النفس التطوري أنفسهم.

وتتمثّل إشكاليّة الدراسة في التساؤلات الآتية: إلى أيّ مدى تستند مدرسة علم النفس التطوري إلى الحتمية البيولوجية كإطار مركزي لتفسير السلوك الإنساني المعقّد؟ وما الأسس البيولوجية والمنهجية التي تقوم عليها فرضيّاتها، ومدى متانتها العلمية؟ كما تتناول الإشكاليّات المنهجية والعلمية التي تواجه هذه المدرسة، وكيفيّة تجاوز خطابها الإطار العلمي إلى استعارات ذات طابع أيديولوجي شبه ديني، يدّعي تقديم تفسير شامل للإنسان والوجود. وأخيرًا، تبحث في التداعيات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية المترتّبة على هذه الرؤية الحتمية، خاصّة فيما يتعلّق بمفاهيم حرّية الإرادة والمسؤولية الأخلاقية والعدالة.
أما عن منهجية الدراسة، فتعتمد على تحليل نقديّ موضوعي متعدّد الأبعاد، يبدأ بفحص الأسس البيولوجية والنظرية لعلم النفس التطوريّ وتفكيك مفاهيمه الأساسية. ثم تنتقل إلى تحليل البُعد المنهجيّ والمعرفيّ، من خلال نقد البنية التحتيّة لهذه المدرسة باستخدام معايير فلسفة العلم، وخاصة معيار القابلية للتكذيب، وكذلك الكشف عن طابعها شبه الديني، ثمّ بتحليل ونقد التداعيات الفكرية والأخلاقية للمنظور الحتميّ.
وبناء على هذا، جاءت أقسام الدراسة في محورين رئيسين، كلّ محور منهما يتكوّن من ثلاثة عناصر، حيث جاء المحور الأوّل بعنوان: الأسس البيولوجية للحتمية في علم النفس التطوري، وقد اشتمل على العناصر الآتية: 1- آلية التكيّف والانتخاب الطبيعي كموجّهٍ للسلوك 2- النموذج الحسابي والمعلوماتي للعقل 3-الوحدات النمطية للعقل. وجاء المحور الثاني بعنوان: نقد البنية المنهجية والمعرفية لعلم النفس التطوري، وقد اشتمل على ثلاث عناصر: 1- مشكلة التحقّق التجريبي وعدم القابلية للتكذيب 2- التداعيات الأخلاقية والسياسية للمنظور الحتميّ البيولوجي. ثم جاءت نتائج الدراسة في ختام البحث.

المحور الأول: الأسس البيولوجية للحتمية في علم النفس التطوريّ
1. آليّة التكيّف والانتخاب الطبيعي كموجّه للسلوك
يُعدّ علم النفس التطوري منهجًا قائمًا على الأسس البيولوجية لدراسة السلوك البشري، حيث يفترض أن الكثير من السلوك البشري يمكن تفسيره من خلال آليّات نفسيّة داخلية تكوّنت كتكيّفات نتيجة للانتقاء الطبيعي. ويهدف هذا المجال إلى فهم السلوك والعقل البشري عبر عدسة التطور البيولوجي، مُركِّزًا على أن العديد من السِمات النفسية والسلوكية المعاصرة قد تطوّرت؛ لأنها ساعدت أسلاف البشر في البقاء والتكاثر في بيئاتهم البدائية، مثل سهول السافانا الأفريقية[2].
فالإنسان، وفقًا لعلم النفس التطوري، يولد بخصائص أساسية في عقله وجسده تشكّلت في «بيئة التكيف التطوري» -مثل حاسوب جديد يحتوي برامج مثبتة مسبقًا- تشمل سمات فسيولوجية ونفسية كالغرائز والعواطف وأنماط التفكير، تعمل الجينات كمصدر لهذه الخصائص، حيث تمثّل «شفرة المصدر» التي تتحكّم في تكوين الإنسان ووظائفه، بدءًا من الصفات الجسدية كلون العينين إلى الاستعدادات النفسية كالخوف من الظلام أو الانجذاب للآخرين. تنتقل هذه الموروثات عبر الأجيال من خلال الجينات، وقد تشكّلت عبر آلاف السنين بفعل الانتقاء الطبيعي؛ لأنها ساعدت الأسلاف على البقاء والتكاثر[3]. على سبيل المثال، يُفسر الخوف الفطري من الأفاعي بأن الأسلاف الذين امتلكوا هذا الاستعداد تفادوا المخاطر وعاشوا لنقل جيناتهم، بينما انقرض الذين لم يمتلكوه، مما جعل هذه السمة تنتشر على نطاق واسع.
ومصطلح بيئة التكيف التطوّري (EEA) يشير إلى مجموعة الظروف والضغوط التكيفية التي شكّلت تطوّر السِمات النفسية والسلوكية للإنسان على مدى ملايين السنين، وخاصة خلال العصر البليستوسيني (العصر الجليدي)، حيث عاش البشر معظم تاريخهم كصيادين وجامعي ثمار. يفترض أنصار علم النفس التطوّري أن العقل البشري المعاصر لا يزال يحتفظ بالعديد من التكيّفات التي تطوّرت في الماضي للتعامل مع تحدّيات تلك البيئة القديمة، حتى مع اختلاف ظروف حياتنا الحالية بشكل جذري.

هذا النهج «الحتمي الجيني»، يتجاهل -كما يؤكّد روبرت ليكليتر (Robert Lickliter) وهنتر هانيكوت (Hunter Honeycutt) - بشكل شبه كامل العوامل غير الجينية، حتى عندما يعترف علماء النفس التطوري بتأثير البيئة، فإنهم يختزلون دورها بأنها مجرّد محفّز أو مشغّل لإطلاق التعليمات التطورية المحدّدة مسبقًا والمفترض وجودها في الجينات على شكل وحدات نمطية كما روج لذلك أحد دعاتهم ستيفن بينكر[4].
يؤكّد عالم النفس التطوري «ديفيد بوس» أن القوانين الطبيعية الأساسية والوقائع البيولوجية ظلت ثابتة عبر الزمن، مثل قوانين الجاذبية، وثنائية الجنسين، وعملية الحمل والولادة والرضاعة، فضلًا عن الحياة الجماعية والتفاوت في صلات القربى والحالات الصحّية والمرضية[5]. كذلك يرى جون ألكوك، أن العديد من السِمات البشرية لا تزال مُلائمة في سياق العالم المعاصر، مما يُظهر أن بيئتنا الحالية ليست «جديدة بالكامل» إذا ما قُورنت ببيئة التكيُّف التطوري الأصلية. فلو كانت الظروف الحديثة مختلفةً جذريًّا عن الماضي، لَأصبحت تلك السمات غير مناسبة، ولواجه الإنسان خطر الانقراض. ومن هذا المُنطلق، يستنتج ألكوك أن العقل البشري لا يزال يعمل وفقًا للأسس والمبادئ التي تطوَّرت عبر الزمن[6].

ولقد ورث علماء النفس التطوري الإطار النظري «للتكيّفيّة» من علم الأحياء الاجتماعي: «والذي ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن السمات النفسية البشرية –مثل السمات الجسدية– هي نتاج للتكيف عبر الانتخاب الطبيعي -تمامًا كما هو الحال مع العديد من الخصائص الجسدية- وأن مبادئ علم الأحياء التطوري المستخدَمة لتفسير أجسادنا تنطبق بنفس القدر على عقولنا»[7].
ويُعرِّف فيلسوف العلم التطوري «إليوت سوبر» الصفة التكيّفية بقوله: «الصفة «G» تُعدّ تكيّفًا لأداء مهمة «T» في مجموعة ما، إذا -وفقط إذا- كان أفراد هذه المجموعة يمتلكون «G» الآن بسبب انتقاء طبيعي حدث في الماضي لصالح هذه الصفة؛ لأنّها منحت ميزة صلاحية من خلال أدائها للمهمة «T» »[8]. تمثل «G» أي سمة في الكائن الحي – كشكل المنقار أو سلوك معين – بينما «T» تمثل الوظيفة التي تؤديها هذه السمة لتعزيز صلاحية الكائن.
غير أن تحديد وظيفة كلّ آليّة ليست بالسهولة التي يصوّرها «إليوت سوبر» وغيره من أنصار علم النفس التطوري، فحتى لو سلمنا بأنّ الآليّات النفسية خاضعة للتكيّف. فهناك ثلاث تحدّيات أشار إليها «برادلي فرانكس» (Bradley Franks) ،[9] تعيق تطبيق هذا المنهج، تنبع جميعها من صعوبة تحديد البيئة التطورية التي نشأت فيها هذه الآليّات بدقّة. وجوهر هذه التحدّيات هو «اللاتحدّدية الوظيفية»، أي عجزنا عن تحديد وظيفة آليّة ما بشكل قاطع من بين بدائل متعدّدة:

أولًا: «مشكلة الفصل»، وهي تظهر عندما تستجيب آليّة ما لشيء «F» وترتبط في الوقت نفسه بشيء آخر «G» . فحين يكون «F» حاضرًا، يكون «G» حاضرًا أيضًا، فتبدو الآليّة مستجيبة لكليهما. والسؤال هنا: هل وظيفة الآلية مرتبطة بـ «F» أم «G» أم كليهما؟ مثال: آلية الاصطياد عند الضفدع تستجيب ليس فقط للذباب، بل أيضًا للنحل وأي جسم صغير متحرّك.
ثانيًا: «مشكلة الدقّة»، وهي لا تتعلّق بتنوّع المثيرات، بل بعدم وضوح تعريف المشكلة التكيّفية ذاتها. فالمشكلة الكبرى قابلة للتقسيم إلى عدد لا نهائيّ من المشكلات الفرعية، دون معيار محدّد لمستوى التحليل المطلوب. مثال: مشكلة «اختيار الشريك» يمكن تفكيكها إلى أسئلة فرعية مثل: متى أكون غير مخلص؟ متى أهجر شريكي؟ متى أساعد إخوتي في إيجاد شريك؟ كل من هذه المشكلات قد يتطلّب آليّة تكيّفية مستقلّة، مما يُصعّب تحديد ما إذا كنّا أمام آليّة واحدة أم عدّة آليّات.
ثالثًا: «مشكلة البيئة»، تلك التي تتعلّق بكيفيّة وصف المجال الذي تعمل فيه الآليّة، حتى بعد الاتفاق على طبيعة المشكلة. المحور هنا هو الاختيار بين الوصف القريب (المعلومات الحسّية المباشرة) والوصف البعيد (الخصائص الفعلية في العالم). مثال: في حالة «تجنّب المفترس»، هل نعرف مجال عمل الآليّة بناءً على منبّهات قريبة، كأنماط على شبكية العين؟ أم بناءً على خصائص بعيدة، كشكل المفترس أو صوته؟ فالوصف القريب قد يكون غير دقيق، بينما الوصف البعيد يثير تساؤلات حول أيّ الخصائص هي الأكثر أهمية.

تُظهر هذه التحدّيات صعوبة تحديد «ما الذي صُمِّمت الآليّة لأجله تحديدًا» عبر التطور، مما يعقّد مهمة علم النفس التطوّري في إرجاع الآليّات النفسيّة المعقّدة إلى مشكلات تكيفيّة محدّدة بوضوح.
من ناحية أخرى، فهناك سلوكيّات «غير تكيّفية» تقلّل فرص البقاء والتكاثر، مما يثير تساؤلات حول علم النفس التطوري الذي يفترض أن السمات البشرية تطوّرت لتعزيز النجاح الإنجابيّ. ومن أمثلتها: المثليّة الجنسية، والانتحار، واستخدام موانع الحمل، وتناول الأطعمة غير الصحّية، والإهمال في ممارسة الرياضة. هذه السلوكيات تُضعف نقل الجينات إلى الأجيال اللاحقة، فإذا كانت آليّاتنا العقلية تطوّرت لإنتاج سلوكيات تكيفية، فكيف نفسّر انتشار هذه السلوكيات غير التكيفية على نطاق واسع؟
في تفسير هذه السلوكيات، يقترح علماء النفس التطوّري أن الجينات المرتبطة بالميول المثلية لدى الذكور قد تعزّز الخصوبة لدى قريباتهم من الإناث. وبالتالي، إذا أنجبت القريبات عددًا أكبر من الأطفال، فسيتم نقل تلك الجينات بشكل غير مباشر[10]. ومع ذلك، تظلّ هذه التفسيرات افتراضية تخمينية إلى حدٍّ كبير، وغير قابلة للملاحظة والاختبار، وتفتقر إلى الدليل الملموس[11].
يربط علم النفس التطوري بشكل وثيق بين بنية العقل البشري وبين نظرية التطور[12]، ووفقًا لذلك لا يُعتبر العقل البشري كيانًا بسيطًا أو عامًّا، بل هو مجموعة معقّدة من الآليّات المعرفية المتخصّصة ومتكاملة الوظائف. وبما أن الانتخاب الطبيعيّ هو العملية الوحيدة المعروفة القادرة على إنتاج هذا التعقيد الوظيفي عندهم، فإن هذه الآليات العقلية، مثل اختيار الشريك، وتجنب المخاطر، والتعاون ضمن المجموعة، تُعدّ في جوهرها تكيّفات تطوّرية، نشأت هذه التكيّفات كاستجابات لمشكلات متكرّرة واجهها الأسلاف في بيئتهم التطورية[13].

ويردّ علماء الأعصاب على هذه الادّعاءات، بأنها تُعدّ ضربًا من التفكير المثالي البنغلوسي[14]. فالقدرات العقلية المعرفية العليا، كالتفكير المجرّد واللغة المعقّدة قد تكون نابعة من تعقيد الدماغ نفسه وتأثير الثقافة، وليس بالضرورة نتيجة تكيّفات تطورية منفصلة. كما أن افتراض وجود وحدات عقليّة نمطيّة «منفصلة» متخصّصة يتطلّب إثباتًا تجريبيًا، وليس مجرّد استدلال من الملاحظات السلوكيّة السطحية، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من هذه السمات قد تكون مكتسبة من خلال التعلّم والبيئة الثقافية، وليست بالضرورة تكيّفات فطرية[15].
ثم إنّ فرضية التكيّف تقوم غالبًا على افتراض أن التطور البشري حدث في بيئة موحدة، بينما يشير النقّاد إلى أنّنا لا نعرف سوى القليل عن البيئة (أو ربما بالبيئات المتعدّدة) التي من المفترض أنه تطور فيها الإنسان العاقل، مما يجعل تفسير سمات محددة على أنها تكيّف مع تلك البيئة أمرًا تخمينيًا للغاية[16].

2. النموذج الحسابي والمعلوماتي للعقل
منذ فجر الحضارة، حاول الفلاسفة والعلماء فكّ لغز العقل البشري بمقارنته بأكثر التقنيات تقدّمًا في عصرهم، فقاموا بتشبيهه في البداية بمنشأة هيدروليكية، ثمّ في عصر النهضة بآلة ميكانيكية معقّدة ذات تروس وزنبركات. ومع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، أصبح العقل يشبه المحرّك البخاري القوي، بينما انتقل التشبيه في القرن العشرين إلى الحاسوب الرقمي الذي يعالج المعلومات ويخزّنها. وفي عصرنا الحالي، فيوصف العقل بأنه شبكة عصبية اصطناعية ضخمة أو نظامٌ يشبه الإنترنت في تعقيده. هذه الاستعارات المتطوّرة، تؤكّد أن العقل البشري أعظم وأعقد من أن يحاصره تشبيه واحد، وأنه يتجاوز كل نموذج نقترحه لفهمه، مما يجعله أعظم ألغاز الوجود.
ولطالما كان علم النفس التطوري هو في الواقع نظرية حول كيفية عمل العقل[17]، فقد بنى علماء النفس التطوري مصداقيتهم على نجاح علماء الأحياء الجزيئية في عزل جينات الأمراض، واقتناعًا منهم بمركزية الجينات، يعتقدون أن العقل سيُختزل في نهاية المطاف إلى خصائص مادّية، وأن علم الوراثة قد مهّد الطريق لفهم أنظمة العقل والسلوك الأكثر تعقيدًا[18].

يرى دعاة علم النفس التطوري أن تفسير السلوك يتم من خلال نهج اختزالي هرميّ يقوم على فكرة أن فهم الأنظمة المعقدة -مثل الكائنات الحية وسلوكها– يتمّ من خلال تفكيكها إلى مكوِّناتها الأساسية (التي هي الجينات)، ودراسة خصائص كل جزء على حدة، أي اعتبار الكل مجرّد مجموع لأجزائه. بيد أنّ عالم الوراثة ريتشارد ليوونتين وعالم الأعصاب ستيفن روز وعالم النفس ليون كامين، يرفضون هذا التبسيط، ويؤكّدون على العكس من ذلك أن «الكل أكبر من مجموع أجزائه». فالجين، على سبيل المثال، يكتسب خصائص جديدة ونوعية عندما يصبح جزءًا من نظام كلي يشمل الجسم، والبيئة، والمجتمع، والثقافة. وبالتالي، لا يمكن فهم دوره بمعزل عن هذا السياق الشامل، مما يعني أن النهج الاختزالي يتسبب في إغفال التفاعلات الجدلية الأكثر تعقيدًا والتي تشكّل السلوك الحقيقي[19].
دمج علم النفس التطوّري «النموذج الحسابي للعقل» مع النظرية التطوّرية، فبعد تطور المنطق الحديث على يد العديد من المناطقة والرياضيين أمثال: جورج بول 1847؛ وفريجه 1879، وبعد صياغة مفهوم الحوسبة على يد آلان تورينج 1936[20]، فقد فسّر الذكاء الاصطناعي المبكر العمليّات المنطقية على أنها إجراءات معالجة معلومات قابلة للتنفيذ ميكانيكيًّا. أدّى هذا في النهاية إلى فكرة أن العمليّات العقلية كالتفكير المنطقي، والحالات العقليّة، كالمعتقدات والرغبات، يمكن تحليلها أيضًا من منظور نحوي بحت. على سبيل المثال، تُصوّر «نظرية العقل الحسابية»، التي طوّرها فلاسفة مثل هيلاري بوتنام (1963) وجيري فودور (1975، 1981)، بأنه يمكن فهم تلك العمليّات والحالات العقلية باستخدام مصطلحات «صرفية» (نحوية) بحتة، وليس بالضرورة مصطلحات «دلالية» (معنوية) [21].

وقد تبنّى علم النفس التطوّري، النموذج الحسابيّ للعقل كنظام لمعالجة المعلومات، كما قدّم لذلك عالِمَا النفس التطوّري ليدا كوزمايدز وجون توبي، وبالتالي أصبح يتعامل مع العقل كمجموعة من «الآلات الحسابية»[22]، أو «آليّات معالجة المعلومات» التي تتلقّى مدخلات من البيئة وتنتج سلوكًا أو تغيرات فسيولوجية كمخرجات[23]. ويضيف هذا المنظور بُعدًا تطوّريًّا، مُوضحًا أن الوظيفة التطورية للدماغ البشري تتمثل في معالجة المعلومات بطرق تُنتج سلوكًا تكيّفيًا. فالعقل وفق هذه الرؤية هو تجسيد لعمل الدماغ الذي يربط بين المدخلات المعلوماتية القادمة من البيئة والمخرجات السلوكية؛ ونتيجة لذلك، لا يُعتبر الدماغ مجرّد شبيه بالحاسوب، بل هو في حقيقته جهاز كمبيوتر قائم بذاته؛ أي نظام مادّي مُصمّم خصّيصًا لمعالجة المعلومات[24].
ورغم شيوع التفسيرات القائمة على «دوائر عصبية» في علم النفس التطوّري، إلّا أنّها تظلّ نظرية وتفتقر إلى الدعم التجريبي المباشر. فتشبيه عمل الدماغ بالكمبيوتر الرقمي، يرفضه كثير من علماء الأعصاب؛ لقصوره في تفسير كيف تنشأ المعاني والمشاعر. فالدماغ البيولوجي أكثر تعقيدًا من أي حاسوب رقمي، حيث يعمل بطريقة تماثلية مستمرّة وتجميعيّة تشبه «التوصيل الحجمي»، وليس بنظام الأصفار والوحدات المنفصلة. ويتميّز الدماغ بقدرات فريدة كالتنظيم الذاتي، والعمل الديناميكي غير الخطيّ، وتوليد الأفكار العفويّة، مما يجعل المحاكاة الرقمية له سطحية وتغفل التعقيد الفسيولوجي الهائل؛ لذا فإنّ الاعتماد المفرط على التشبيهات الحاسوبية يؤدّي إلى تبسيط مخلٍّ ويعيق فهم الطبيعة العضوية الحقيقية للعقل. كما يتجاهل هذا المنظور البيولوجيا العصبية والجزيئيّة للدماغ، حيث لا وجود لـ«شيفرة عصبية رقمية» معقّدة، بينما توجد أدلّة قويّة على أن العمليّات الكيميائيّة العصبية هي التي تشكّل الحالات النفسية الأساسية مثل المشاعر[25].

3. الوحدات النمطية للعقل
إضافة لتبنّي علم النفس التطوّري النموذج الحسابي للعقل، فلقد كانت نظرتهم للعقل البشري بأنه ليس آلة عامة واحدة، بل يتكوّن من آلاف الأنظمة الفرعية المعرفية المستقلّة والمحدّدة المهام فطريًا التي تشبه أجهزة الكمبيوتر والمتخصّصة في مجالات محدّدة، تُسمّى «الوحدات النمطيّة». [26] فالعقل عندهم ليس أداة عامة واحدة قادرة على حل أي مشكلة بطريقة واحدة، بل هو مجموعة ضخمة من «الوحدات» أو «الآلات» الحسابية المتخصّصة والمستقلّة نسبيًّا، التي تكوّنت عبر الزمن، لكلّ وحدة من الوحدات وظيفة لحلّ مشكلة معينة[27]. وأن العقل ليس صفحة بيضاء، كما صرّح بذلك التجريبيون، وعلى رأسهم الفيلسوف التجريبي جون لوك، وإنه أشبه بسكين الجيش السويسري[28]، ويحتوي على عدد كبير من الأجهزة الحاسوبية المتطورة ويحتفظ كلٌّ منهم بوظيفته الخاصة[29].
كما يرون أن هذه الآليّات العقلية المتخصّصة والموجودة بالدماغ (شبه منفصلة)، توارثت خصائص مثل: «أنظمة التعرف على الوجوه والتمييز بينها، وجهاز اكتساب اللغة[30]، وأنظمة قراءة الأفكار، وتوقّع نيّات الآخرين، وتخصّصات الملاحة ومعرفة الاماكن، والتعرّف على حركة وخصائص الكائنات الحية وتمييز المفترس منها، وآليّات كشف الغش أو الخداع، والآليّات التي تتحكّم في الانجذاب الجنسي»[31]. تمامًا مثل شركة فيها العديد من الأقسام، ولكل قسم بداخلها دور معيّن.
فعلى سبيل المثال يُقدم «ديفيندرا سينغ» وحدة كشف نسبة الخصر إلى الورك كواحدة من مجموعة الوحدات التي تحدّد اختيار الذكور للإناث، فيرى أن الرجال يميلون إلى النساء ذوات نسبة محيط الخصر إلى الورك التي تقترب من (0.7)، ويزعم «سينغ» أن مجموعة الكشف والتفضيل هي تكيّفات لاختيار شركاء ذات معدل خصوبة عالية. لذا، يُفسر سلوكنا في اختيار الشريك جزئيًا بالآلية النفسية الكامنة وراء تفضيل نسبة محيط الخصر إلى الورك التي تم اختيارها في بيئات بشرية سالفة[32].

ولقد وجّه عدد من علماء الإدراك النقد لفرضية الوحدات النمطية، مستشهدين بأدلة عصبية على مرونة الدماغ وتغيّرات في الشبكات العصبية استجابةً للمحفِّزات البيئية والتجارب الشخصية[33]. على سبيل المثال، جادل ستيفن كوارتز (Steven Quartz) وتيري سينوفسكي (Terry Sejnowski) بأن النظرة إلى الدماغ كمجموعة من الدوائر المتخصصة، اختيرت كل منها عن طريق الانتقاء الطبيعي وبُنيت وفقًا لـ«مخطط وراثي»، تتناقض مع الأدلة على مرونة نمو القشرة المخّية، وأن مناطق الدماغ قادرة على القيام بوظائف مختلفة[34]. علاوة على ذلك فإن الأبحاث التجريبية والمنطقية لا تدعم تلك الرؤية كما يبيّن «بول شيلدون ديفيز»[35].
كما لا تدعم الأبحاث العصبية الحيوية افتراض علماء النفس التطوري بأن الأنظمة العليا في القشرة المخّية الحديثة المسؤولة عن الوظائف المعقدة ذات وحدات نمطية. وتؤكّد أبحاث علماء الأعصاب، أن المناطق عالية المستوى في القشرة المخّية لا تكون نمطيّة بشكل فطري أو مبرمج مسبقًا، بل إنها تتخصّص وظيفيًا من خلال المرونة الشبكيّة، أي أنّ الدماغ قادر على تغيير هيكله ووظائفه بناءً على التجربة والتعلّم والذاكرة. وحتى وإن بدا الدماغ وكأنه مقسم إلى وحدات متخصّصة، فهذا لا يعني أنه مصمم بشكل فطري أو وراثي ليكون نمطيًا بالكامل[36].
فالدماغ كما بيّن علماء الأعصاب يُظهر قدرة مذهلة على إعادة تشكيل بنيته ووظائفه باستمرار استجابةً للتجارب الحياتية والتعلّم، حيث يمكن للخلايا العصبية تكوين روابط جديدة، بل وإعادة تخصّص المناطق الدماغية لأداء مهام جديدة. تتجلّى هذه المرونة العصبية بشكل واضح في أمثلة مثل قدرة البالغين على «إعادة برمجة» المنطقة المخصّصة للقراءة لأداء وظائف أخرى إذا لم يتعلّموها، أو استخدام المكفوفين للمناطق البصرية في تعزيز حاسّتي السمع واللمس، أو حتى تعويض الأجزاء التالفة من قبل مناطق أخرى. وبالتالي، فإنّ العقل لا يشبه الآلات الثابتة مسبقة البرمجة، بل هو أشبه بمادة قابلة للتشكيل، مما يتعارض مع فكرة الوحدات الثابتة والمغلقة كما ادّعى علم النفس التطوّري.

المحور الثاني: نقد البنية المنهجيّة والمعرفيّة لعلم النفس التطوّري
1. مشكلة التحقّق التجريبيّ
عند فحص ادّعاءات علم النفس التطوّري، نجد أنها لا تخضع لمعيار القابليّة للنقد. فالكثير من فرضيّاتهم التي تسعى إلى تفسير السمات السلوكية البشرية باعتبارها تكيّفات، هي مجرّد «قصص تخمينيّة» تُقدم سرديات قد تبدو في ظاهرها معقولة، لكنها تفتقر للأدلّة التجريبيّة[37].
ومن تلك التفسيرات غير القابلة للتجريب، نجد علماء النفس التطوّري يُفسّرون العديد من السمات السلوكية والحياتية الحالية، بأنها وإن بدت غير مفيدة أو حتى ضارّة في الوقت الراهن، فإنها تشكّلت في الأصل كاستجابات تكيفيّة ناجحة في بيئات ماضية. ويركّز الباحثون منهم أثناء تتبّعهم للأصول التكيّفية، على نمط حياة مجتمعات الصيادين-جامعي الثمار في السافانا الأفريقية. ويقدّم «ستيفن جاي جولد» مثالًا توضيحيًا من كتاب عالم النفس التطوري روبرت رايت «الحيوان الأخلاقي»، مشيرًا إلى أن رغبة الإنسان المعاصر لإدمان تناول الحلويات –التي تساهم اليوم في انتشار السمنة والأمراض المرتبطة بها– كانت في الماضي تكيّفًا حيويًا مفيدًا للأسلاف، حيث كانت تدفعهم للبحث عن الفاكهة الناضجة الغنية بالطاقة. وهذا يفسّر استمرار هذه الرغبة الملحّة رغم عواقبها الصحّية الضارة في بيئتنا المعاصرة[38].

يوجّه «جولد» نقدًا جوهريًا لهذا الادّعاء، واصفًا إيّاه بأنّه مجرّد «تخمين» يفتقر إلى الدليل العلمي؛ نظرًا لأنه غير قابل للتحقق تجريبيًا. فلم يقدّم «رايت» أي براهين عصبية تثبت وجود ما يمكن تسميته «بمركز الحلوى» في الدماغ، ولا أدلّة أحفورية توثّق أنماط التغذية لدى الأسلاف. ثم يتساءل «جولد» كيف لنا أن نتيقن من تفاصيل حياة صيادي أفريقيا قبل مليوني عام؟ لقد خلّف لنا الأسلاف أدوات حجرية وعظامًا فقط، ورغم قدرة الأنثروبولوجيا على استخلاص استنتاجات قيّمة منها، إلّا أن الجوانب الأكثر حسمًا كالبنى الاجتماعية المعقّدة، وتوزيع الأدوار بين الجنسين، والرموز الدينية المبكرة، لا تترك أيّ أثر أحفوري [39]. باختصار، يبالغ علم النفس التطوري في تأكيده على تفسير كل سمة من خلال أسباب تكيّفية، لكن منهجيته تفتقر إلى القابلية للاختبار والتدقيق، مما يضعها خارج الإطار العلمي الصارم. وهذا ما دفع «ديفيد بولر» إلى تأكيده على أن «المبادئ النظرية والمنهجية لعلم النفس التطوري ليست مثيرة للإشكالية فحسب، بل إنه لم يُسفر في الواقع عن أيّ نتائج تجريبية موثوقة، إنها ببساطة لا يمكن إثباتها أو تفنيدها»[40].

ويتساءل عالم الأعصاب «جاك بانكسيب» عن مدى صحّة الادّعاء القائل بأن سلوكياتنا الحالية هي نتاج تكيّفات تطوّرت في عصر البليستوسين (الجليدي)، كما يدّعي أنصار علم النفس التطوري. ويجيب موضحًا أنه رغم إجماع التطوريّين على أن الكائنات الحيّة تمثّل «نصوصًا» تاريخية حيّة تعكس مراحل تطورية سابقة، إلا أنّ البحث العلميّ لا يمكنه عمليًا التعامل إلّا مع العمليات الدماغية/العقلية الموجودة في الكائنات الحية الحالية، سواءً أكانت بشرًا أم حيوانات أخرى. هذه العمليات تمثّل مزيجًا من السِمات الموروثة والتأثيرات البيئيّة التي شكّلتها ظروف النشأة. فما نستطيع ملاحظته مباشرةً لا يتعدّى العمليّات البيولوجية والعقلية الجارية الآن: من خيوط الحمض النووي، إلى البروتينات المسؤولة عن بنائها، ومراحل التطوّر النمائي التي تحدث في بيئات محددة. ويُعترف على نطاق واسع بأن القضايا التاريخية والوظيفية المتعلّقة بهذه العمليات تظلّ بعيدة عن التحليل المباشر[41].

كما يُصنَّف منهج علم النفس التطوّري ضمن ما يُعرف بـ»نبوءة بعد الحدث»، وهو وَهْم إدراكي يشعر فيه الشخص بأنه قد تنبّأ بحدث ما قبل وقوعه، بينما في الحقيقة يكون هذا الاستنتاج قد تشكّل بعد حدوث الحدث. تُصاغ هذه التفسيرات بعبارات عامّة وغامضة، مما يسمح بتطبيقها على وقائع متنوّعة بعد وقوعها. وغالبًا ما يرافق هذا المنهج «تحيّز الإدراك المتأخّر»، أي الميل إلى المبالغة في تقدير إمكانية توقّع النتائج بعد معرفتها فعليًا. هذه الآليّة يستخدمها غالبية العرّافين والمنجّمين، حيث يقدّمون تفسيراتهم فقط بعد تحقّق الأحداث ويدّعون «لقد أخبرتكم بذلك»، رغم أن توقّعاتهم الأصلية كانت غامضة وغير دقيقة[42].
وعلماء النفس التطوري «كالمنجّمين» نجدهم يتنبّؤون بالعديد، أو حتى جميع السلوكيات، بما في ذلك السلوكيّات المتناقضة؛ فنظرًا لمرونة التفسيرات، سيكون هناك دائمًا «قصة تكيّفية» يمكن سردها لتبرير أي سلوك بشري نلاحظه؛ لذلك فإن العديد من السلوكيّات البشرية ستتناسب دائمًا مع بعض الفرضيّات التي يقدمها. وعلى حد تعبير عالم اللغة نعوم تشومسكي: «عندما تجد أن الناس يتعاونون، تقول: حسنًا، هذا يساهم في استمرار جيناتهم». وعلى العكس من ذلك، عندما تجدهم يتقاتلون، تقول: «أوه حقًا، هذا واضح؛ لأنّه يعني أن جيناتهم هي التي تستمر، وليس جينات الآخرين. في الواقع، أيّ شيء تجده تقريبًا يمكنك اختلاق قصة له»[43]. فرغم أن تشومسكي يرى أن هناك جزء فطري واستعدادي لتعلّم اللغة، إلّا أنّه يرفض أن تكون فطرية بمعناها الحتمي الواسع كما قدّمه علم النفس التطوّري.

ويواجه كذلك علم النفس التطوري انتقادات أخرى منهجية عميقة، أبرزها ما يُعرف ب- «إشكالية آلة الزمن»، والتي تشير إلى استحالة التحقّق من الفرضيّات التي يقدّمها هذا العلم حول تطوّر السِمات البشرية في الماضي السحيق، اعتمادًا على مشاهدات معاصرة فقط. فلكل سمة نفسية يُحاول تفسيرها، هناك عدد لا نهائي من التفسيرات البديلة المحتملة. فقد تكون بعض السمات مجرّد نواتج ثانوية لعمليّة التطور، وليست تكيّفات قائمة بذاتها، ومع ذلك فإن كلا التفسيرين –التكيّف والأثر الجانبي– قد يتنبآن بالظاهرة الحالية نفسها. وبما أن العودة إلى الماضي لمراقبة التطور مباشرة مستحيلة، يصبح من المتعذّر فعليًا تحديد الرواية التاريخية الدقيقة من بين سيل التفسيرات المطروحة[44].
ويردّ الباحث التطوري في فلسفة العلوم الإدراكية «دومينيك ميرفي» على هذا الاعتراض من خلال حجّتين رئيسيتين: الأولى تؤكّد أن مجرّد اقتراح تفسيرات بديلة لا يكفي، بل يجب أن تكون هذه التفسيرات قابلة للاختبار وتقدّم توقّعات محدّدة قابلة للتأكّد. والثانية تشير إلى أن تطبيق «إشكالية آلة الزمن» بشكل شامل على العلوم التاريخية الأخرى –مثل علم الكونيات والجيولوجيا– سيقوّضها جميعًا؛ فهذه العلوم تستنتج أحداثًا ماضية (كالانفجار العظيم أو انقراض الديناصورات) من خلال أدلة حاضرة، دون الحاجة إلى آلة زمن[45].

غير أننا نرى أن رد «ميرفي» هذا لا يخلو من ثغرات جوهرية، وقد أدى إلى وقوعه في مغالطتين منطقيتين؛ الأولى «مغالطة الاحتكام إلى النتائج» عندما يطالب التفسيرات البديلة بتقديم أدلّة تجريبية قابلة للاختبار، بينما يُعفى علم النفس التطوّري نفسه من هذا المطلب ذاته. فمعظم فرضيّاته تفتقر إلى أدلّة ملموسة ومباشرة، وتستند في الغالب إلى استدلالات تأمّليّة يصعب اختبارها تجريبيًا. والثانية «مغالطة القياس الزائف»، فالقياس على العلوم الأخرى –مثل علم الكونيات والجيولوجيا– قياس مع الفارق؛ فالأخيرتان تتعاملان مع أحداث مادّية متروكة لها آثار جيولوجية وفلكية ملموسة يمكن قياسها وتحليلها بشكل كمّي، بينما تتعامل فرضيات علم النفس التطوّري مع سمات نفسية مجرّدة ومعقّدة، لا تُترك بصمات مباشرة في السجل الأحفوريّ، مما يجعل فرضيّاته أقلّ مصداقيّة وأكثر عرضة للتأويل. بل إن النظريات التي يستند إليها –كنظرية الانفجار العظيم أو فرضية اصطدام الكويكب- تظلّ هي نفسها غير يقينية بالمعنى المطلق.

ويُقرّ علماء النفس التطوّري أنفسهم، بندرة الأمثلة التي تدعم الأساس الوراثي الجيني للسلوك البشري. كما يُقرّون بالصعوبة البالغة في توضيح الأساس التجريبي للقواعد فوق الجينية عند تطبيقها على السلوك البشري؛ لأنّه من الصعوبة بمكان العثور على سلوكيّات بشريّة محدّدة يمكن إرجاعها بشكل مباشر وقاطع إلى جين واحد أو مجموعة جينات. فالسلوك البشري معقّد للغاية ويتشكّل بتفاعل معقّد بين العوامل الجينيّة، والبيئية، والثقافية، والاجتماعية؛ لذلك الأدلّة الملموسة نادرة. وحتى لو افترضنا وجود هذه القواعد التطوّرية التي توجّه سلوكنا، فإن إثباتها بوسائل تجريبية قابلة للقياس والملاحظة، هو أمر شديد الصعوبة. كيف نثبت أن هناك قاعدة بيولوجية موروثة تدفعنا، على سبيل المثال، لتطوير خوف غريزي من الثعابين؟
وهذا ما يؤكّده أكبر دعاة علم النفس التطوّري بأنفسهم « إدوارد ويلسون» أن نظرية الصلاحية الجينيّة تعتمد حاليًا على بيانات قليلة «ندرة المعلومات»، وأن الفهم العلمي للآليّات التي تربط الجينات بتطوّر السلوك لم تُستكشف بعد، ويُقرّ بأن هذه العيوب مفاهيمية وتقنية وعميقة، وعلى الرغم من هذه الصعوبات الجسيمة، يُصرّ ويلسون على تقديم حججٍ للدفاع عن نظريته، مدّعيًا أنّ العقبات التي تمرّ بها النظرية ليست قاتلة، بل هي عقبات يمكن التغلّب عليها في المستقبل مع تقدّم التقنيات[46].

2. التداعيات الأخلاقية والسياسية للمنظور الحتميّ البيولوجي
لطالما كانت مدرسة علم النفس التطوّري تُرجع السلوك البشري إلى نتاج الانتقاء الطبيعي المحكوم بغرائز بيولوجية هدفها البقاء والتكاثر، فهي بهذا تتجاهل البعد الروحي والغاية الوجودية للإنسان، بينما على العكس من ذلك، يربط المنظور الديني السلوكَ بالقيم والأخلاق، معتبرًا لكل فعل بُعدًا أخلاقيًا. وعلم النفس التطوّري وفق ذلك، لا يقتصر على شرح آلية تطوّر السلوك، بل يقدّم إطارًا لتفسير الأخلاق والنظام الاجتماعي والسياسي. ويعزو الأخلاق البشرية إلى العمليّات البيولوجيّة التطوّرية «الخفيّة»، وينقلها من سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي ليختزلها إلى أسباب جينية وتكيّفيات بيولوجية قديمة[47].
يُطبق علماء النفس التطوري نظريّاتهم على الفروق بين الجنسين، حيث يرى روبن بيكر أن الأنظمة الحالية يجب أن تراعي الاختلافات التطورية بين الجنسين، مدّعيًا أن فطرة النساء تدفعهنّ تلقائيًا إلى تفضيل رعاية الأطفال على العمل الخارجي [48]. وحقيقة الأمر فإن هناك اختلافات حقيقية بين الرجال والنساء، وبالتالي في الأدوار التي تُنسب إلى كلٍّ منهما، لكن هذه الاختلافات ليست ناتجة بصورة عمياء عن التطور، ولا أحد يستطيع أن يثبت ذلك، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وفطرنا على هذا الاختلاف.

ويصوّر دعاة علم النفس التطوّري ظاهرة «الاغتصاب» في هذا الإطار كوسيلة لتعزيز فرص الذكور الإنجابية، مما قد يُفهم كتبرير لهذا الفعل المُشين، ويُحمّل تبعات أخلاقية خطيرة[49]. كما يفسّرون العنف الدولي من منظور الضغوط التطورية بين الذكور. ويزعمون أن الحرب يمكن فهمها كاستراتيجية تكيُّفية لاكتساب مصادر الدخل اللازمة للتزاوج وإنجاب ذريّة تحافظ على صفاتها الجينيّة. ويضيفون أن النظريات التطورية تُوفّر أدوات لتحديد المناطق المُهيأة للصراع قبل اندلاع الاضطرابات فعليًّا[50].
يُنتقد علم النفس التطوري أخلاقيًا لتحويله إلى أداة أيديولوجية تُبرّر الواقع وتعيق التغيير، حيث يخلط بين وصف السلوك البشري كنتاج للتكيّف «ما هو كائن» وبين تبريره كحتمية بيولوجية «ما يجب أن يكون». فظواهر كعدم المساواة بين الجنسين واستغلال العمال والعنف تُعزى أحيانًا إلى «جينات بدائية» أو فوارق وراثية، كاعتبار الهيمنة الذكورية «طبيعية» أو النزعة العدوانية سمة حتميّة. كما تُستخدم هذه الحجج البيولوجية لمعارضة سياسات العدالة الاجتماعية، كبرامج دعم الفقراء، بدعوى أن تغيير الفوارق الموروثة مستحيل[51].

تكمن الخطورة في تحويل التفسيرات العلميّة إلى مبرّرات زائفة تمنح الظلم شرعية مزيّفة، حيث تُصوَّر المشكلات الاجتماعية على أنّها نتائج بيولوجيّة حتميّة لا قضايا أخلاقية قابلة للتغيير. وبإلقاء المسؤولية على «الجينات» يُلغى مفهوم المسؤولية الفردية والأخلاقية؛ مما يوفر غطاءً للظالمين ويُضعف مطالب المظلومين. بهذا يتحوّل العلم من أداة بحثيّة محايدة إلى سلاح أيديولوجي يدعم الأوضاع القائمة ويُعطّل السعي نحو العدالة. كما يدافع علم النفس التطوّري عن الوضع الراهن في قضايا مثل الجنس والعرق والذكاء، بحجة أن هذه الاختلافات ناتجة عن آليّاتنا المعرفية الموروثة، وبالتالي لا يمكن تغييرها ولا حاجة لذلك، باعتبارها تمثّل حلًّا أمثل لمشاكل تكيُّفية قديمة.
فنجد روبرت رايت يُجادل بأن السلوك البشري ليس ناتجًا عن إرادة حرّة مستقلّة، بل هو محصّلة حتمية لـ «الميول البيولوجية» الموروثة عبر التطوّر. وبناءً على ذلك، فإنّ الفرد يفقد السيطرة على أفعاله؛ لأنّه لا يستطيع التحكّم في برمجته البيولوجيّة الأساسية، ويُصبح إلقاء اللوم على أفعال الفرد مفهومًا غير واقعي ولا أساس له من الصحّة. وبالتالي فإنّ الأساس الفلسفي والقانوني لفكرة «المسؤولية الأخلاقية» القائم سوف ينهار، وهو الأساس الذي يقوم تاريخيًا على افتراض أن الإنسان كائن عاقل وحرّ، قادر على الاختيار بين الخير والشر، وبالتالي يمكن محاسبته على اختياراته. ويذهب رايت إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أنه يجب تغيير هذا الأنظمة السياسية؛ لأنّها تميّز بين الفعل الصادر عن طريق القصد والفعل غير المتعمّد، وهي لن يكون لها معنى أيضًا عندما يُختزل السلوك إلى دافع تطوري[52].

وهنا إنكار لتأثير الفعل الإنساني، فإذا كان سلوكنا مُحدّدًا مسبقًا بفعل التكيّفات التطوّريّة، فأين مكان الإرادة الحرة والاختيار الواعي للفرد؟ هذا المنظور يسلب الإنسان مسؤوليته الأخلاقية وقدرته على تغيير سلوكه. فإذا كان الرجل، على سبيل المثال، «مبرمجًا» تطوريًا للسيطرة والعدوانية، فكيف نحمله مسؤولية أفعاله؟ إذا كانت المرأة «مُعدّة» تطوريًا لتفضيل الرجال أصحاب مصادر الدخل العالية، فهل هذا يجعل اختيارها غير حر؟
ووفقًا لدعاة علم النفس التطوري، يرى كل من مارتن دالي ومارجوت ويلسون أن ظاهرة إساءة معاملة الأطفال يمكن تفسيرها من خلال انخفاض الغريزة الأبوية لدى الآباء غير البيولوجيين، حيث يؤدّي عدم وجود رابط جيني إلى تقليل الدافع لرعاية الطفل. غير أن هيلاري روز تنتقد هذا التفسير بحجّتين أساسيتين: أولاهما عجزه عن تفسير حقيقة أن معظم الآباء بالتبنّي لا يسيئون معاملة أطفالهم، وثانيتهما عدم قدرته على توضيح سبب إساءة بعض الآباء البيولوجيين لأطفالهم. وتقدّم روز مثالًا واضحًا على دور العوامل الثقافية، وهو «وأد البنات» في بعض المجتمعات، حيث يتخلّص الآباء البيولوجيون من بناتهم بسبب تفضيل الذكور. وهذا يؤكّد أن الضغوط الثقافية قادرة على تجاوز الغرائز البيولوجية المفترضة، مما يبرز أن فهم السلوك الإنساني يتطلّب النظر إلى التفاعل الجدليّ بين الاستعداد البيولوجي والنسق الثقافي السائد، وليس الاعتماد على عامل واحد بمعزل عن الآخر [53].

كما يفسّر علماء النفس التطوّري اختيار الشريك بأنّ النساء تفضلن الرجال ذوي الدخل المرتفع (لضمان تربية الأطفال) والرجال يفضّلن النساء الشابات وذات الخصوبة العالية (لضمان الإنجاب). فيرى «روبرت رايت» أنه يمكن فهم العلاقة بين الرجل والمرأة على أفضل وجه، على أنها سباق تسلّح تطوّري، فالانتخاب الطبيعي يفضّل الذكور البارعين في خداع الإناث، ويفضّل الإناث البارعات في كشف الخداع[54]. كما يرى رايت أن النساء لا يُعارضن خيانة الزوج لهنّ، وهنّ يُفضِّلن العيش مع رجل غنيٍ غير مخلص، على العيش مع رجل «فقير مُهمَل» في العادة. ويُضيف أن تعدّد الزوجات يُعدّ نظامًا «متوازنًا»؛ لأنه يسمح بتحقيق هذه الاستراتيجيّات الطبيعية: حيث يتكاثر الأقوى بشكلٍ أكبر، بينما تختار الإناث الأكثر قدرةً على الإعالة[55].
يُقدم هذا التفسير سردية افتراضية يصعب إثباتها عن الماضي التطوّري، ويعامل سلوكيّات البشر المعقّدة والمرنة كسمات ثابتة ومبرمجة بيولوجيًا. كما يعمم تفضيلات محددة، مثل قبول النساء لشريك غني غير مخلص، ويقدّمها كحقيقة بيولوجيّة عالميّة، وهو تفسير ينطبق على المجتمعات الغربية المتحرّرة، متجاهلًا التنوّع والاختلاف الفرديّ والتأثير الثقافي الهائل. فهو تفسير مادّي بحت لا يعكس واقع جميع المجتمعات واختلاف الثقافات، خاصّة الشرقية منها التي غالبًا ما تفضّل النساء فيه شريكًا مخلصًا، حتى لو كان متوسّط الدخل، وترفض رفضًا قاطعًا خيانة الزوج، وتحرص على الاستقرار العائلي بدلًا من الثروة المادية.

وعلى حد تعبير ديفيد بولر: «حتى لو افترضنا أنه كان هناك بنية تشريحية (جسدية) عالمية متشابهة لجميع البشر، فهذا لا يعني بالضرورة وجود صفات نفسيه سلوكية عالمية تنطبق على الجميع[56]. فعلم النفس التطوّري يُركّز على الأسس التطورية العامّة للسلوك البشري، مما يجعله يُهمل عاملين حاسمين في تشكيل السلوك الفردي[57]:
يتجاهل كيف أن الظروف البيئية الفريدة، والتنشئة، والتجارب الحياتية لكل فرد تُشكّل شخصيته وسلوكه بطرق لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عامًا.
يفشل في تفسير كيف أن التركيبة الجينية المتفردة لكل شخص، تتفاعل مع بيئته لتنتج سلوكًا فريدًا. فهو يشرح «لماذا» تطورت سمة ما في الجنس البشري ككل، لكنه لا يشرح «كيف» تظهر هذه السمة بشكل مختلف في كل فرد.

ونظرًا لانتشار علم النفس التطوري في وسائل الإعلام والثقافة العامة الغربية، فقد أثّر كثيرًا على الرأي العام. وهناك الكثير ممن قد وقعوا في فخ تفسيراته المضلِّلة، ولكن منهم من تراجعوا واتّضحت لهم زيف تلك التفسيرات، فنجد «ديفيد بولر» يقول في مقدّمة كتابه «تكييف العقول: «في البداية، كنت مفتونًا تمامًا بعلم النفس التطوّري، وكنت متأكّدًا من أنه يُقدّم فهمًا عميقًا ودقيقًا للعقليّة والسلوك البشري. لكن بعد ستّة أشهر من البحث، لم يكن واضحًا لي عدم اتساق كل ما يُسمى «علم النفس التطوّري»، وبدأت تساورني شكوك جدّية حول العديد من الادّعاءات الواثقة التي يطرحها علماء النفس التطوّري.. وبعد عام من البحث، أصبحت مقتنعًا بأن مسار البحث الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام، سواء أكان ذلك داخل الأوساط الأكاديمية أو في وسائل الإعلام الشعبية، كان خاطئًا في كل تفاصيله تقريبًا. وبناءً على ذلك، كنت أنوي في الأصل تأليف كتاب عن نقاط القوة والضعف في علم النفس التطوّري، ولكن أصبح مشروع الكتاب نقدًا لمشروع علم النفس التطوّري بأكمله»[58].
أخيرًا نجد أن علماء النفس التطوّري يسعون إلى إقناع الآخرين باعتناق معتقداتهم، ويرفضون جميع أشكال الفكر ما بعد الحداثي التي تشمل: النزعة المركزية الأفريقية، والأنثروبولوجيا الاجتماعية البنائية، والنسوية البيئية، وعلم الإيكولوجيا العميقة، والماركسية الجديدة، وكلانية العصر الجديد. ولا يتعاملون مع الانتقادات الموجّهة إليهم بجدية أو محاولة مناقشتها، ولكنهم يرفضونها من الأساس[59]. وهم يميلون أيضًا إلى تهميش منتقديهم ونبذهم، فيصنّفونهم على أنهم «معادون للعلم» أو «ما بعد حداثيين»، أو حتى كمؤيّدين مُخفين لنظريات خلقية[60].

كما يصفون منتقديهم بأنهم جاهلون أو مضللون، أو أن رفضهم نابع من انتماءات أيديولوجية أو سياسية مسبقة، وليس من البحث الموضوعي. ويتّهمون نقّادهم كذلك بالتمسّك الأعمى بنظريات كلاسيكية قديمة (مثل دوركهايم وماركس) وبرفض أيّ تجديد، كما يرجحون أن لديهم دوافع سياسية يسارية تدفعهم لرفض التفسيرات البيولوجية لأنها قد تتعارض مع قناعاتهم بأن الإنسان نتاجٌ للبيئة والثقافة فقط [61].
وقد تمثّل اتهام كل طرف للآخر بتبنّي أو دعم وجهات نظر سياسية متطرّفة، فكثيرًا ما اتُّهم علم النفس التطوّري بدعم سياسات اليمين، بينما اتُّهم النقّاد بالانحياز إلى وجهات نظر ماركسية[62]. وهذا الجدل حول تفسير السلوك البشري بين مدرسة علم النفس التطوّري، وبين مدارس علم النفس حول مسألة جبرية أو حرية السلوك الأخلاقي، يُذكّرنا بالخلاف التاريخي بين مدرستي «الجبرية» و«المعتزلة» في الفكر الإسلامي منذ قرون.

نتائج البحث:
لقد توصّلنا من خلال الدراسة إلى أن علم النفس التطوّري يعاني من إشكاليّات منهجية عميقة، وفيما يلي نعرض أبرز هذه النتائج:
توصّلت الدراسة إلى أن جُلّ فرضيّات علم النفس التطوّري تفتقر إلى القابليّة للاختبار والتكذيب، معتمدًا في ذلك على سرديات تأويليّة تقوم بتقديم تفسيرات استرجاعيّة تخمينيّة لسلوكيّات قائمة.
كما أكّدت الدراسة على استحالة التحقّق التجريبي من الفرضيّات المتعلّقة بـ «بيئة التكيّف التطوري» والضغوط التكيّفية المحدّدة التي يُزعم أنّها شكّلت النفس البشرية في الماضي السحيق، وخلصت إلى أن السبب الجوهري في ذلك يعود إلى عدم وجود سجلّ أحفوريّ كافٍ يمكن من خلاله استنتاج الحياة النفسية والاجتماعية للأسلاف.
استنتجت الدراسة أن النهج الحتمي والاختزالي الذي يقدّمه علم النفس التطوّري، محاولًا تفسير السلوك البشري المعقّد والظواهر الثقافية المتنوّعة بمجرّد أنها نتاج لآليّات بيولوجية وتكيّفيات تاريخيّة، نهج قاصر؛ وذلك لأنّه يتجاهل بشكل كبير دور الإرادة الحرة، والوعي، والعوامل الثقافية والاجتماعية والبيئية كقوى فاعلة وأصلية في تشكيل السلوك الإنساني.
ناقشت الدراسة التشبيه الشائع للعقل بالحاسوب الرقمي، وتوصل إلى أنّ هذا التشبيه يمثّل تبسيطًا مخلًّا للطبيعة المعقّدة والديناميكية والعضوية للدماغ البشريّ، موضحًا أن آليّة عمل الدماغ تماثليّة وشبكية مرنة، تتجاوز بكثير منطق المعالجة الرقميّة الجامد.
ومن أهمّ النتائج التي خلصت إليها الدراسة أن فرضية «الوحدات النمطية الفطرية» التي يُروَّج لها في الأدبيات التطورية تتعارض مع مفهوم «المرونة العصبية» الذي تؤكّده العلوم العصبيّة، والذي يُظهر قدرة الدماغ المذهلة على إعادة تشكيل نفسه ووظائفه باستمرار بناءً على التجربة والتعلّم والبيئة، وليس فقط انطلاقًا من وحدات نمطية مغلقة ومحدّدة مسبقًا بواسطة الجينات.
وحذّرت الدراسة من أن الفرضيّة القائلة بأنّ السلوك الإنساني محكوم بـ «برمجة تطورية» غريزية تقوّض الأسس الفلسفية والقانونية للمسؤولية الأخلاقية والمساءلة الفردية. كما أكّد على أنّ هذه التفسيرات قد تُستخدم كأدوات أيديولوجيّة لتبرير أوضاع اجتماعيّة غير عادلة وعرضها على أنّها «طبيعية» أو «حتمية بيولوجيًا»، مما يعوق مسيرة التقدّم والإصلاح الاجتماعي.
كما انتقدت الدراسة الميل إلى تقديم تفسيرات لسلوكيّات معيّنة –كاختيار الشريك أو العنف– على أنها قوانين بيولوجية ثابتة وعالمية، وأشارت إلى أنّ هذا النهج يتجاهل التنوّع الثقافي الهائل والتفرّد الشخصي بين الأفراد والمجتمعات، كما أنّه يصبغ واقع مجتمعات معيّنة بصبغة العالمية الزائفة.
وأخيرًا فقد خلصت الدراسة إلى أن علم النفس التطوّري يتجاوز في كثير من الأحيان كونه نظرية علمية ليقدم نفسه كـ «نظرية شاملة لكل شيء»، تسعى إلى تقديم إجابات نهائيّة وحاسمة حول أسئلة الوجود والمعنى والأخلاق.

لائحة الصادر والمراجع
حماد، محمد فاروق. الاتجاه النقدي في فلسفة إرنست ناجل ودوره في تطور الابستمولوجيا الوضعية. رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة أسيوط، 2018.
Baker, Robin. Sperm Wars: The Science of Sex. Basic Books, 1996.
Buller, David J. Adapting Minds: Evolutionary Psychology and the Persistent Quest for Human Nature. MIT Press, 2005.
Buss, David M., editor. The Handbook of Evolutionary Psychology. John Wiley & Sons, 2005.
Ciani, A. S. C., et al. "Factors Associated with Higher Fecundity in Female Maternal Relatives of Homosexual Men." Journal of Sexual Medicine, vol. 9, no. 11, Nov. 2012, pp. 2878–2887.
Confer, J. C., et al. "Evolutionary Psychology: Controversies, Questions, Prospects, and Limitations." American Psychologist, vol. 65, no. 2, 2010, pp. 110–126.
Cosmides, Leda, and John Tooby. "The Modular Nature of Human Intelligence." The Origin and Evolution of Intelligence, edited by A. B. Scheibel and J. W. Schopf, Jones and Bartlett, 1997, pp. 71–101.
Cosmides, Leda, and John Tooby. "Evolutionary Psychology: Theoretical Foundations." Encyclopedia of Cognitive Science, edited by Lynn Nadel, Macmillan, 2003, pp. 54–64.
Coyne, Jerry A. and Luana S. Maroja, The Ideological Subversion of Biology, Vol. 47, No. 4, July/August 2023.
Davies, Paul Sheldon, et al. "Logical Reasoning and Domain Specificity." Biology and Philosophy, vol. 10, no. 1, 1995, pp. 1–37.
Durrant, Russil, and Brian Ellis. "Evolutionary Psychology: Core Assumptions and Methodology." Comprehensive Handbook of Psychology, Volume Three: Biological Psychology, edited by Michela Gallagher and Randy Nelson, John Wiley and Sons, 2003.
Downes, Stephen M. "Evolutionary Psychology." The Stanford Encyclopedia of Philosophy, edited by Edward N. Zalta and Uri Nodelman, Spring 2024 ed., 2008, plato.stanford.edu/archives/spr2024/entries/evolutionary-psychology/. Accessed 22 Oct. 2025.
Ermer, Elsa, et al. "Functional Specialization and the Adaptationist Program." The Evolution of Mind: Fundamental Questions and Controversies, edited by Steven Gangstead and Jeffry Simpson, The Guilford Press, 2007.
Franks, Bradley. "The Role of ‘The Environment’ in Cognitive and Evolutionary Psychology." Philosophical Psychology, vol. 18, no. 1, 2005, pp. 59–82.
Gould, Stephen Jay (2000). "More Things in Heaven and Earth." In: Alas Poor Darwin, PP. 119-120.
Hamilton, Richard. "The Darwinian Cage: Evolutionary Psychology as Moral Science." Theory, Culture & Society, vol. 25, no. 2, 2008, pp. 105–25.
Horgan, John. The Undiscovered Mind: How the Brain Defies Explanation. Phoenix, 2000, P. 179.
Hoehl, Stefanie, et al. "Itsy Bitsy Spider...: Infants React With Increased Arousal to Spiders and Snakes." Frontiers in Psychology, vol. 8, 18 Oct. 2017, p. 1710.
Lewontin, Richard C., et al. Not in Our Genes: Biology, Ideology, and Human Nature. Pantheon Books, 1984.
Lickliter, Robert, and Hunter Honeycutt. "Developmental Dynamics: Toward a Biologically Plausible Evolutionary Psychology." Psychological Bulletin, vol. 129, no. 6, 2003, pp. 819–35.
Maryanski, Alexandra, et al. Handbook on Evolution and Society: Toward an Evolutionary Social Science. Routledge, 2015.
Midgley, Mary. "Gene-Juggling." Philosophy, vol. 54, no. 210, 1979, pp. 439–58.
Murphy, Dominic. "Adaptationism and Psychological Explanation." Evolutionary Psychology, edited by n/a, Springer, 2003.
Nelkin, Dorothy; Less Selfish than Sacred?: Genes and the Religious Impulse in Evolutionary Psychology, Op-Cit, P. 2.
Panksepp, Jaak. "The Seven Sins of Evolutionary Psychology." Evolution and Cognition, vol. 6, no. 2, 2001, pp. 108–31.
Peters, Brad M. "Evolutionary Psychology: Neglecting Neurobiology in Defining the Mind." Theory & Psychology, vol. 23, no. 3, 2013, pp. 305–22.
Pinker, Steven. How the Mind Works. W. W. Norton & Company, 1997.
Plotkin, Henry. Evolutionary Thought in Psychology: A Brief History. Blackwell Publishing, 2004.
Quartz, Steven R., and Terrence J. Sejnowski. Liars, Lovers, and Heroes: What the New Brain Science Reveals About How We Become Who We Are. William Morrow and Company, 2002.
Richardson, Robert C. Evolutionary Psychology As Maladapted Psychology. MIT Press, 2007.
Rose, Hilary, and Steven Rose, eds. Alas Poor Darwin: Arguments Against Evolutionary Psychology. Harmony Books, 2000.
Symons, Donald. "If We’re All Darwinians, What’s the Fuss About?" Sociobiology and Psychology: Ideas, Issues and Applications, edited by Charles Crawford et al., Erlbaum, 1987, pp. 121–45.
Tooby, John, and Leda Cosmides. "Conceptual Foundations of Evolutionary Psychology." The Handbook of Evolutionary Psychology, edited by David M. Buss, Wiley, 2005, pp. 5–67.
Tooby, John, and Leda Cosmides. "On the Universality of Human Nature and the Uniqueness of the Individual: The Role of Genetics and Adaptation." Journal of Personality, vol. 58, no. 1, 1990, pp. 17–67.
Tooby, John, and Leda Cosmides. "Toward Mapping the Evolved Functional Organization of Mind and Brain." The New Cognitive Neurosciences, edited by Michael Gazzaniga, 2nd ed., MIT Press, 2000, pp. 1167–78.
Tooby, John, and Leda Cosmides. Foreword. Mindblindness: An Essay on Autism and Theory of Mind, by Simon Baron-Cohen, MIT Press, 1995.
Turing, Alan. "On Computable Numbers, with an Application to the Entscheidungsproblem." Proceedings of the London Mathematical Society, vol. 42, no. 1, 1936, PP. 230–265.
Walter, Sven. "Evolutionary Psychology." Internet Encyclopedia of Philosophy, www.iep.utm.edu/evol-psy/. Accessed 25 Oct. 2025.
Wilson, Edward O. Consilience: The Unity of Knowledge. Knopf, 1998.
Wright, Robert. The Moral Animal: Why We Are the Way We Are: The New Science of Evolutionary Psychology. Pantheon Books, 1994.
Wright, The moral animal: evolutionary psychology and everyday life. New York: Pantheon Books, 1994
Beer, Colin. "Instinct." Encyclopedia Britannica, 18 May 2017, www.britannica.com/topic/instinct. Accessed 20 Oct. 2025.

---------------------------------------
[1]. كلية الآداب – جامعة أسيوط – مصر
[2]. Hoehl, et al. "Itsy Bitsy Spider...: Infants React with Increased Arousal to Spiders and Snakes."8: 1710.
[3]. Lickliter, and Honeycutt. "Developmental Dynamics: Toward a Biologically Plausible Evolutionary Psychology."129: 820.
[4]. Ibid., 822.
[5]. Buss, The Handbook of Evolutionary Psychology. 147–149.
[6]. Maryanski, et al. Handbook on Evolution and Society: Toward an Evolutionary Social Science. 162.
[7]. Durrant, and Ellis. "Evolutionary Psychology: Core Assumptions and Methodology."5.
[8]. Downes, "Evolutionary Psychology":plato.stanford.edu/archives/spr2024/entries/evolutionary-psychology/.
[9]. Franks, "The Role of ‘The Environment’ in Cognitive and Evolutionary Psychology."18: 66–67.
[10]. Ciani, A. S. C., et al. "Factors Associated with Higher Fecundity in Female Maternal Relatives of Homosexual Men."9: 2878–2887.
[11]. Confer, J. C., et al. "Evolutionary Psychology: Controversies, Questions, Prospects, and Limitations."65: 110, 113, 122, 123.
[12]. Ermer, et al. "Functional Specialization and the Adaptationist Program."153.
[13]. Symons, "If We’re All Darwinians, What’s the Fuss About?"126.
[14]. نسبة إلى دكتور بنغلوس في رواية فولتير الذي كان يعتقد أننا نعيش في «أفضل العوالم الممكنة».
[15]. Panksepp. "The Seven Sins of Evolutionary Psychology." 6: 114-115.
[16]. Plotkin, Evolutionary Thought in Psychology: A Brief History. 149.
[17]. Pinker, How the Mind Works.
[18]. Rose, and Rose, Alas Poor Darwin: Arguments Against Evolutionary Psychology. 21.
[19]. Lewontin, et al. Not in Our Genes: Biology, Ideology, and Human Nature. 287.
[20]. Turing, "On Computable Numbers, With an Application to the Entscheidungs Problem."42: 230–265.
[21]. Walter, "Evolutionary Psychology." www.iep.utm.edu/evol-psy/.
[22]. Cosmides, and Tooby. "Evolutionary Psychology: Theoretical Foundations." 54.
[23]. Tooby, and Cosmides. "On the Universality of Human Nature and the Uniqueness of the Individual: The Role of Genetics and Adaptation."58: 21.
[24]. Tooby, and Cosmides. "Conceptual Foundations of Evolutionary Psychology." 16.
[25]. Panksepp, "The Seven Sins of Evolutionary Psychology," 116-117.
[26]. Tooby, and Cosmides. Foreword. Mindblindness: An Essay on Autism and Theory of Mind, xiii.
[27]. Cosmides, and Tooby. "The Modular Nature of Human Intelligence." 78, 81.
[28]. سكّين الجيش السويسري: أداة جيبية متعدّدة الوظائف، تتكوّن من هيكل معدني رئيسي يحتوي على مقبضين جانبيين، تُثبَّت بينهما مجموعة من الأدوات والشفرات الصغيرة ومتعدّدة الاستخدام.
[29]. Tooby, and Cosmides. "Toward Mapping the Evolved Functional Organization of Mind and Brain." 1171.
[30]. مفهوم قدّمه فيلسوف اللغة نعوم تشومسكي، ويشير إلى قدرة الأطفال الفطرية على تعلّم قواعد اللغة المعقّدة بمجرّد التعرّض لها، دون تعليم مباشر، على أساس أن الدماغ لديه دوائر عصبية مخصّصة لمعالجة القواعد النحوية والتركيب اللغوي.
[31]. Cosmides, and Tooby, "Evolutionary Psychology: Theoretical Foundations.," 63.
[32]. Downes, "Evolutionary Psychology."
[33]. Hamilton, Richard. "The Darwinian Cage: Evolutionary Psychology as Moral Science." 25: 107, 111-112.
[34]. Quartz, and Sejnowski, Liars, Lovers, and Heroes: What the New Brain Science Reveals About How We Become Who We Are, 37–38.
[35]. Davies, et al. "Logical Reasoning and Domain Specificity." 10: 1–37.
[36]. Peters, "Evolutionary Psychology: Neglecting Neurobiology in Defining the Mind." 23: 309-310.
[37]. Plotkin, Evolutionary Thought in Psychology: a Brief History, 118.
[38]. Gould, "More Things in Heaven and Earth." 119-120.
[39]. Ibid., 120-121.
[40]. Buller, Adapting Minds: Evolutionary Psychology and the Persistent Quest for Human Nature. 15.
[41]. Panksepp, "The Seven Sins of Evolutionary Psychology," 113-114.
[42]. حماد، الاتجاه النقدي في فلسفة إرنست ناجل ودوره في تطور الابستمولوجيا الوضعية، 276-279.
[43]. Horgan, The Undiscovered Mind: How the Brain Defies Explanation, 179.
[44]. Murphy, "Adaptationism and Psychological Explanation." 161-184.
[45]. Ibid., 161–184.
[46]. Wilson, Consilience: The Unity of Knowledge. 173.
[47]. Ibid., 21.
[48]. Baker, Sperm Wars: The Science of Sex .
[49]. Richardson, Evolutionary Psychology As Maladapted Psychology. 36.
[50]. Nelkin, Less Selfish than Sacred?: Genes and the Religious Impulse in Evolutionary Psychology, 21.
[51]. Lewontin, et al, Not in Our Genes: Biology, Ideology, and Human Nature, 237.
[52]. Wright, The Moral Animal: Why We Are the Way We Are, 203, 357.
[53]. Rose, and Rose, Alas Poor Darwin: Arguments Against Evolutionary Psychology. 136.
[54]. Wright, The Moral Animal: Evolutionary Psychology and Everyday Life. 61.
[55]. Ibid., 95-96.
[56]. Buller, Adapting Minds: Evolutionary Psychology and the Persistent Quest for Human Nature, 426.
[57]. Beer, "Instinct."
[58]. Buller, Adapting Minds: Evolutionary Psychology and the Persistent Quest for Human Nature, 3-4.
[59]. Nelkin, Less Selfish than Sacred?: Genes and the Religious Impulse in Evolutionary Psychology, 24.
[60]. Buller, Adapting Minds: Evolutionary Psychology and the Persistent Quest for Human Nature, 5.
[61]. Nelkin, Less Selfish than Sacred?: Genes and the Religious Impulse in Evolutionary Psychology, 24; Coyne and Maroja, "The Ideological Subversion of Biology," 47, No. 4, July/August 2023.
[62]. Plotkin, Evolutionary Thought in Psychology: A Brief History, 149.