الباحث : ندوة مع الدكتور محمد ترمس
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 41
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : March / 10 / 2026
عدد زيارات البحث : 131
المقدمة
يناقش هذا الحوار الفكري مع الدكتور محمد ترمس، المتخصّص في مجالات علم النفس والتربية والتعليم والإرشاد النفسي المدرسي، أسسَ نشأة علم النفس الحديث وتطوّره، مركّزًا على الجذور الحضارية والفكرية التي شكّلت هذا العلم في رحم الحداثة الغربية. ينطلق النقاش من سؤال جوهري حول ما إذا كان علم النفس علمًا محايدًا وكونيًا أم أنه نتاج ظروف تاريخية وفلسفية واجتماعية خاصة بالغرب. من خلال تتبّع الرحلة الفكرية منذ عصر النهضة والتنوير، يسلّط الحوار الضوء على التحوّلات الكبرى التي أفضت إلى فصل العقل والنفس عن الإطار الميتافيزيقي والديني، وتبنّي المنهج التجريبي كسبيل وحيد للمعرفة المشروعة.
بعد ذلك يغوص الدكتور ترمس في تحليل أسباب تنوّع المدارس النفسية، معتبرًا إيّاه نتيجة حتمية لتعقّد الظاهرة الإنسانية وتفاعل العلم مع السياقات الاجتماعية والتقنية المتغيّرة. كما يتطرّق إلى التطوّرات المعاصرة في المقاربة العلاجية التي تجمع بين التعدّدية المنهجيّة والنموذج الشمولي للإنسان والممارسة القائمة على الأدلّة. أخيرًا، يفتح الحوار آفاقًا نقدية وجريئة حول إمكانية بناء نموذج نفسي أصيل من منطلقات إسلامية، قادر على سدّ الثغرات النظرية والعملية في علم النفس السائد، واقتراح رؤية مغايرة للإنسان والصحة النفسية والمعنى الوجودي.
القسم الأوّل: البنى الفكرية لمدارس علم النفس التقليدي والمعاصر
السؤال الأول: ما هي الأرضية الفكرية المشتركة التي نشأت منها مدارس علم النفس الحديث، وهل يمكن اعتبار علم النفس علمًا محايدًا أو كونيًا؟
الدكتور محمد ترمس: علينا أن نعلم كمقدمةٍ لبحثنا أنّ جميع مدارس علم النفس مهما كانت تسميتها وتنوعها إنّما هي نتاج الغرب بثقافته وحضارته، ولا نقصد بهذه المقدمة مصادرة البحث والنقاش في مدارس علم النفس والقول بأنّنا نرفضها من الأساس، إذ ليس الهدف في الإجابة على هذا السؤال طرح مسألة قبول هذه المدارس أو رفضها، أو قبول جزءٍ منها ورفض جزءٍ آخر، أو أنّه هل ينبغي لنا التعامل معها مثلها مثل سائر العلوم المنتجَة في الغرب بشكلٍ انتقائي بما يتناسب مع ثقافتنا وكيف نقوّم ذلك، أو أنّه لا ينبغي القيام بهذا الأمر من الأساس؛ إنّما المقصود أنّ هذه المدارس وُلدت ونشأت وتطوّرت في سياقٍ تاريخي، فكري، ثقافي، اجتماعي وسياسي خاصٍ بالغرب، والذي يستند إلى مبادىء وأصول وجودية (أنطولوجية) ومعرفية (إبستمولوجية) وقيمية (أكسمولوجية) خاصّة تأثّر بها ليس فقط علم النفس وإنّما كل العلوم المنضوية تحت مسمّى العلوم الإنسانية المعاصرة. وهكذا، لا يمكن فهم نشأة علم النفس الحديث وتطوره بوصفه علمًا مستقلًّا من دون ربطه بالسياق الحضاري والفكري الذي نشأ فيه.
وهذه المباني والأصول هي الأرضية المشتركة التي نشأت عليها الحداثة في الغرب كسمةٍ مميِّزة لحضارته؛ وهي ذاتها –ما خلا بعض التفاصيل الجزئية- المُنشِئة لما بعد الحداثة أيضًا، والتي يعتبرها البعض الوجه الآخر للحداثة التي تمكّن الغرب من خلالها الاستمرار بحياته وبحداثته مع بعض التغييرات التي تصبّ في مصلحته.
وباختصارٍ شديد يمكن القول إنّ أهم ثلاث مسائل تشكّل الأرضية/ البنية التحتية المشتركة للحداثة الغربية والتي بدأت بالظهور منذ عصر النهضة وتبلورت في عصر التنوير؛ هي:
الأولى: القطيعة مع الميتافيزيقا عمومًا ومع الوحي خصوصًا، إذ حدث انفصالٌ نسبي عن تفسيراتٍ دينية مطلقة. وهذا ما حدا بالإنسان الغربي، بغض النظر إن كان يعتقد بالإله أم يُنكره، على إزواء العالم الروحاني أو الغيبي عن العالم الاجتماعي للبشر، وأصبحت غايته بناء هذا العالم الذي يعيشه فيه منقطعًا عن ارتباطه بعالمٍ آخر علوي أو أخروي.
و هذا الأمر عزّز المسألة الثانية وهي: التيار الإنسانوي الذي نشأ مقابل الدين المسيحي بتفسيره الكنسي والذي جرّد الإنسان من العقل مقابل الإيمان؛ فنادى هذا التيار بإعادة تشكيل فهم العقل البشري عبر منهجٍ تجريبي، حيث بدأ العقل يُفهم كموضوع يمكن دراسته بطرق علمية أثناء تراجع التأويل الديني للخبرة.
وفي البداية، كان لديكارت الأثر الكبير وشكّل نقطة التحوّل المركزية في هذا المسار، حين أعاد تعريف العقل بوصفه كيانًا مستقلًا يمكن التأمّل فيه بعيدًا عن الدعوى اللاهوتية التقليدية. وذلك حين أسّس لثنائية العقل والجسد، وفصل بينهما فصلًا مفهوميًا حادًا، مانحًا العقل استقلالًا عن الجسد والطبيعة. هذا الفصل حرّر العقل من الخضوع الكامل للتفسيرات اللاهوتية، لكنّه في الوقت نفسه أبقاه خارج نطاق المنهج التجريبي، باعتباره جوهرًا غير مادي لا يخضع للملاحظة المباشرة.
وتعززّت هذه الفكرة مع الثورة العلمية، ولا سيما مع أعمال غاليليو ونيوتن، إذ تغيّر نموذج المعرفة جذريًا. فقد ترسّخ المنهج التجريبي بوصفه الطريق المشروع لفهم الطبيعة، وامتدّ هذا المنهج تدريجيًا ليشمل الإنسان ذاته؛ لذلك بدأ يُفهم العقل آنذاك بوصفه جزءًا من العالم الطبيعي، يخضع لقوانين يمكن اكتشافها، لا بوصفه جوهرًا ميتافيزيقيًا عصيًّا على الفحص. هذا التحوّل لم يكن مجرد تقدّم تقني في أدوات البحث، بل مثّل إعادة صياغة عميقة لمعنى الخبرة الإنسانية. إذ تراجعت التفسيرات الدينية للأحلام والانفعالات والإدراك، لتحلّ محلّها محاولات طبيعية وميكانيكية لتفسير هذه الظواهر. وبهذا المعنى، فإن الثورة العلمية لم تُنشئ علم النفس مباشرة، لكنها أوجدت الشرط المعرفيّ الضروري لاعتبار العقل موضوعًا قابلًا للدراسة العلمية. وفي مرحلة التنوير، اكتسب هذا التحوّل المعرفي الذي بدأ مع الثورة العلمية بُعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا جديدًا. فقد ارتبطت قيم العقلانيّة والحريّة الفرديّة بإعادة تعريف الإنسان بوصفه ذاتًا عاقلة مستقلّة، قادرة على فهم نفسها والعالم من خلال العقل لا من خلال السلطة الدينية أو التقاليد الموروثة.
في هذا السياق، بدأت «المسألة النفسية» تنفصل تدريجيًا عن الفلسفة واللاهوت. فبدل أن تكون النفس موضوعًا للتأمّل الميتافيزيقي أو النقاش الأخلاقي، أصبحت مجالًا للفهم العقلاني المنهجي. وقد أسهم فلاسفة التنوير، مثل جون لوك وديفيد هيوم، في ترسيخ هذا التحوّل من خلال تركيزهم على الخبرة، والوعي، والارتباط بين الأفكار، بوصفها عناصر قابلة للتحليل. إذ سعيا إلى تأسيس المعرفة على الخبرة الحسية، حيث جرى التأكيد على أنّ المعرفة تنشأ من الخبرة الحسية، وأنّ العمليّات العقلية يمكن تحليلها إلى عناصر بسيطة؛ ما مهّد فيما بعد لعلم النفس بوصفه دراسة منهجية للعقل من خلال التجربة والبيانات.
ومن جهةٍ أخرى، طوّر العقلانيون مثل لايبنتز تصورًّا للعقل بوصفه منظومة نشطة تحكمها قوانين داخلية.
وعلى الرغم من التباين بين الاتجاهين، إلّا أنّهما يشتركان في فرضية حداثية أساسية: أنّ العقل ليس لغزًا ميتافيزيقيًا مغلقًا، بل هو نظام يمكن تحليله وفهمه؛ مما دفع إلى خروج العقلانية عن الإطار الأخلاقي الديني نحو منهج تجريبي مستقلّ. وهكذا تطورت فكرة أنّ النفس البشرية يمكن فهمها بمنهجيات تجريبية ومنطقيّة، وهو ما ساهم في ظهور: مفاهيم مثل الوعي، الإدراك، والانفعالات بوصفها موضوعات في علم النفس التجريبي بدلًا من موضوعات فلسفية أو أخلاقية فحسب. إذن، هذه الحاجة العقلانية هي التي أخرجت علم النفس من دائرة التأمّل إلى دائرة المنهج العلمي (التجريبي). وهذا ما أدّى أيضًا إلى طرح علمية العلوم بطريقةٍ مختلفة عمّا قبل هذا العصر؛ فلكي يستطيع الإنسان القيام بالمحاسبات المادية بشكلٍ دقيق عليه أن يكتشف قوانين الإنسان والمجتمع بطريقةٍ علمية دقيقة كما يقوم بذلك في العلوم الطبيعية؛ فأصبحت العلمية منحصرةً في التجربة والملاحظة وبطبيعة الحال لا مكان للعقل – الكلي بشقّيه النظري والعملي عمومًا والميتافيزيقا على وجه الخصوص – ولا مكان للوحي ولعالم ما وراء الطبيعة، ولم يعد لها محلٌ من الإعراب في هذه العلمية.
وبهذا يصبح العقل -للمرّة الأولى- موضوعًا معرفيًا يمكن دراسته برؤى تنفيذية تتجاوز الرؤية الفلسفية الخالصة السابقة. ولم يكن هذا الاستقلال نتيجة قرار فلسفي واعٍ بقدر ما كان استجابةً لحاجة ثقافية أعمق. فالمجتمع الذي أعاد تعريف الإنسان كمواطن حرًّ ومسؤول، احتاج إلى فهم جديد للعقل والسلوك، فهمٍ لا يستند إلى الوحي أو الميتافيزيقا، بل إلى الملاحظة والتحليل العقلاني. وهكذا مهّد التنوير الطريق أمام نشوء علم النفس بوصفه علمًا مستقلًّا له موضوع محدّد ومنهجه الخاص.
المسألة الثالثة؛ مع تطوّر الحداثة الغربية ظهر فهم جديد للفرد كمركز لفهم السلوك والعقل. إنّ الانتقال من فهم النفس لدى الجماعة الدينية/ التقليدية (داخل الجماعية الدينية - التقليدية) إلى فهم الفرد في سياق اجتماعي معقّد ومتغيّر، أدّى إلى اهتمامٍ متزايد بالفرد وسلوكه ضمن المجتمع الحديث، وأصبح الفرد هو وحدة التحليل الأساسية. ومع تطوّر الدولة الحديثة، والاقتصاد الصناعي، والمؤسسات التربوية والطبية، نشأت حاجة عمليّة إلى علم يفسّر السلوك الإنساني ويمكّن من ضبطه والتنبّؤ به.
وهكذا ترتبط نشوء المدارس النفسية الحديثة بظهور الفردانية بوصفها سمة مركزية للحداثة الغربية. ويظهر هذا التحوّل بوضوح في المدارس النفسية اللاحقة، مثل السلوكية والمعرفية التي تتعامل مع الفرد بوصفه كائنًا متكيّفًا أو معالجًا للمعلومات داخل سياق اجتماعي واقتصادي معقّد.
إذًا قبل أن نتحدث عن سبب تنوّع المدارس الفكرية لعلم النفس، يجب أن نتّفق أنّ سياقها وأرضيّتها التحتيّة ونواتها الصلبة هي واحدة والتي هي بإيجاز الحداثة بكل ما تحمله من مبانٍ أنطولوجية ومعرفية وقيمية؛ وأنّ علم النفس ليس علمًا محايدًا أو كونيًا بالمعنى المطلق، بل هو نتاج تاريخي للحداثة الغربية، تشكّل في سياق فلسفي وعلمي واجتماعي محدّد.
السؤال الثاني: ما هي أهم العوامل التي أدّت إلى تنوّع المدارس الفكرية في علم النفس؟
الدكتور محمد ترمس: كقاعدة عامة، إنّ الاختلاف والتنوّع أمرٌ طبيعي وبديهي، وهذا الأمر غير مقتصر على علم النفس أو العلوم الإنسانية المعاصرة؛ بل هذا ديدن العلوم على مرّ العصور المختلفة، ولا تخلو حضارة من مثل هذا التنوع. فهذه حضارة اليونان رغم اشتراكها في الأرض والثقافة والتاريخ فقد اختلفت الآراء بين فلاسفتها، والأمة الإسلامية رغم اشتراكها على مستوى العقيدة والكتاب إلّا أنّه تنوعت مدارسها في علم الكلام والتفسير والفقه والفلسفة وما شاكل....، وقس على ذلك باقي الأمم السابقة. وبالمنوال نفسه يمكن القول إنّ تلك الأرضية المشتركة نفسها والسياق الحضاري الحداثوي للعلوم المعاصرة ذاته يجعلنا نفهم أساس نشوء هذه العلوم، ومن ضمنها علم النفس، فإنّ ذلك يعدّ مصدرًا لهذا التنوّع والاختلاف.
بالعموم ممّا يؤدي إلى اختلاف المدارس النفسية هو:
اختلاف التصوّر حول الإنسان؛ لأن مفهوم الإنسان معقّد ومتعدّد الأبعاد، ظهرت مدارس مختلفة لتفسيره.
تطوّر العلوم المحيطة بعلم النفس (الطب، الأعصاب، الحاسوب...)
اختلاف المناهج العلمية، فكلّ خلاف منهجي كان كافيًا لنشوء مدرسة كاملة.
هموم اللجوء إلى مناهج دقيقة لفحص المعلومات وجمعها، وكذلك إقامة البرهان.
ظهور مدارس كردّ فعل على قصور سابقتها
اتساع الظواهر النفسية
تأثير الظروف الاجتماعية والثقافية
إنّ كلّ علمٍ لا يظهر بشكله الكامل عادةً ودفعةً واحدة، بل يمرّ في مسارٍ تطوريّ قد يكون تكامليًا أو انقلابيًا. فعلم النفس نفسه كان يمرّ بمرحلة تأسيس وتحوّل مستمرّ إلى عصرنا الحالي. فالتطوّر الذي ينتظم وفقه مسار هذا العلم هو تطوّرٌ يحرّكه تغييرٌ جذري، خاصة فيما يتعلّق بأطره المرجعية الأساسية على المستويات الإبدالية البراديغم (Paradigmes) والنظرية والتفسيرية. وبالتالي فإنّ وجهة هذا المسار ذاته ستتجاذبها مساعٍ مختلفة في تحديد الانتماء العلمي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية في مرحلةٍ أولى، وبين هذه الأخيرة والعلوم المعرفيةٍ في مرحلة ثانية.
ومن الأمور المؤثّرة في إيجاد التنوّع، فضلًا عن اختلاف البشر في قابليّاتهم ومستوى تفكيرهم ونبوغهم الشخصي، السياق الاجتماعي الثقافي لكلّ مفكّرٍ أو مجموعة من المفكّرين، إذ تتفاعل قابلياتهم وقدراتهم مع سياق تنشئتهم الاجتماعية من جهةٍ وما يواجهونه من قضايا وإشكاليات وتحدّياتٍ نتيجة التغييرات والتحوّلات الحاصلة في المجتمع من جهةٍ أخرى. ولا يخفى أنّ لاختلاف المباني الإنسانية (معرفة الإنسان) أو النظرة الفلسفية، سواء أكان بشكلٍ صريح أو ضمني، بين عالمٍ وآخر، يدفعهم إلى بناء نظريّتهم وفق نسقٍ خاصٍ، أو توجيههم النقد أو إعمال الفكر على ما أنتجه غيرهم، أو نتيجة القصور والأخطاء الظاهرة لدى كلّ مدرسةٍ فتأتي المدرسة التالية محاولةً إصلاح ذلك وتطويره. وهكذا كل مدرسة ظهرت لحلّ مشكلة علمية أو منهجية رأت أنّ المدارس السابقة عجزت عن حلّها.
على أنّ أهم ما كان يشغل بال علماء النفس طوال مسار تطوره –كأيّ علمٍ آخر– وهذا ما أشرنا إليه أعلاه، هو تحقيق علميته عبر التأكيد على دراسة مختلف النشاطات القابلة للملاحظة المنظمة لدى الأفراد، وكذلك السيرورات «المفترضة»، العقلية والوجدانية، القابلة للتجريب والتي بإمكانها إتاحة تفسير موضوعي لهذه التصرّفات والنشاطات. وفي هذا الاتجاه ارتبط إطار التفسير الذي يخصّ علم النفس بذلك المجهود الذي يشمل الفهم والوصف والضبط والتنبّؤ، وذلك ضمن شروط يقتضيها الاشتغال بالعلم بصفة عامة والمسعى العلمي لعلم النفس بصفة خاصّة؛ ولذلك كان هناك دائمًا انشغال وسعيٌ مستمرّ بجدلية الربط بين النماذج النظرية والوقائع التجريبية، والسعي الدؤوب لرصد المشكلات التي يفرزها الفعل والنشاط الإنساني وتحديدها ومعالجتها.
ولتبيين هذا التباين والتنوّع عبر مساره التاريخي التطوّري محاولين الإضاءة على جلّ العوامل المؤثّرة التي عدّدناها سابقًا، نعود إلى النقطة التاريخية لتأسيس وولادة علم النفس الحديث، أي عام 1879؛ حيث أسّس فيلهلم فونت أول مختبر نفسي في لايبزيغ. إذ رغم أهمية فونت (فوندت) في نقل دراسة النفس من التأمّل الفلسفي إلى التجربة المخبرية، وكذلك في موضوعه لعلم النفس أي دراسة الخبرة الواعية بالاعتماد على الاستبطان المنظّم؛ إلّا أنّه –أي فونت- لم يكن وضعيًا صرفًا (تجريبيًا بالمعنى الحادّ والمطلق للكلمة)، بل ظلّ متأثّرًا بالفلسفة الألمانيّة، مما يعكس الطابع الانتقالي لعلم النفس في بداياته. وهذا يكشف أنّ علم النفس، حتى في لحظة تأسيسه، كان علمًا حداثيًا في طور التشكّل، يحمل في بنيته تذبذبًا بين الطموح العلمي وبين الجذور الفلسفية.
بعد ذلك، حاولت المدرسة البنيوية تطوير أفكار فونت في المدرسة البنيوية مع إدوارد تيتشنر، الذي سعى إلى جعل علم النفس علمًا دقيقًا عبر تحليل الوعي إلى عناصره الأولية، متأثّرًا بالنموذج الكيميائي في تحليل المادة. وقد اعتمدت البنيوية بشكلٍ أساس على الاستبطان، وركّزت على بنية الوعي بدلًا من وظيفته. ورغم الانتقادات الموجّهة إلى هذه المدرسة بسبب فشلها النسبي وخاصةً عدم قدرتها على التعميم بسبب ضيق منهجها والاستناد إلى ذاتية الخبرة، فإنّ أهميتها التاريخية تكمن في كونها التعبير الأول عن الطموح الحداثي لتحويل الوعي إلى موضوع علمي قابلٍ للتفكيك والتحليل. بعبارةٍ أخرى، إنّ البنيوية تعبّر عن طموح حداثي جوهري، أي تفكيك الداخل الإنساني كما فُكّكت الطبيعة، معتمدةً النموذج الكيميائي.
بعد ذلك، ظهرت الوظيفية في السياق الأمريكي، متأثّرةً بنظرية داروين والفلسفة البراغماتية (على وجه الخصوص فلسفة ويليام جيمس). فانتقل السؤال من «مم يتكوّن العقل؟» إلى "ماذا يفعل؟؛ وهكذا وبدل التركيز على بنية الوعي، ركّزت على وظيفة السلوك ودوره في التكيّف مع البيئة. وقد مهّدت الوظيفيّة الطريق لعلم النفس التطبيقي، لكنّها افتقرت إلى نظرية موحّدة متماسكة.
وبالعودة إلى السياق الأوروبي، أعاد التحليل النفسي مع سيغموند فرويد الاعتبار إلى البعد الداخلي للإنسان من خلال مفاهيم اللاوعي والدوافع اللاواعية والصراعات النفسية والطفولة بصفتها محرّكات أساسية للسلوك الإنساني. واعتمد التحليل النفسي على الاستبطان العميق، تفسير الأحلام، التاريخ الطفولي؛ ولذلك اعتبره بعضٌ غير قابل للقياس، إذ لم يكن التحليل النفسي يتمتّع بالمنهج العلمي الصارم. ورغم أنّ تأثير التحليل النفسي كان ثقافيًا وحضاريًا أكثر منه علميًا، لكنه عبّر عن قلقٍ حداثي عميق إزاء اختزال الإنسان بكونه مجرّد آلة؛ إذ يُعدّ فرويد أحد أبرز المفكّرين الذين شهد فكرهم تحوّلًا منهجيًا واضحًا من العلم التجريبي العصبي إلى التحليل التأويلي للنفس والثقافة. فمن الواضح كذلك أنّ المناهج التجريبية عاجزة عن دراسة عامل «اللاوعي» غير القابل للملاحظة. وفي الحقيقة إنّ طريقة عمل فرويد إنّما تعتبر إلى حدّ ما خروجًا عن الوضعية الصارمة -التي تأسست مع أوجست كونت (عالم الاجتماع الفرنسي ومؤسس علم الاجتماع) وتمسّكت بها المدرسة السلوكية- التي أكّدت على حصرية الاعتماد على التجريبية كأساسٍ للعلم والمعرفة؛ ولذلك استخدم فرويد المنهج التجريبي فقط في حدود ملاحظته لمرضاه، واتخذ هذه الملاحظات نقطة انطلاقٍ لبناء نظرياته. واعتمد في صياغة مفاهيمه النفسية المعقّدة على القدرات العقلية، مستخدمًا التخمين، والافتراض، والاستدلال، ونظريات علماء العلوم الاجتماعية المعاصرين له. فعلى الرغم من تكوينه الطبي–العصبي الصارم، إلّا أنّ مشروعه التحليلي النفسي، ولا سيّما في مراحله الناضجة، خرج عن المنهجية التجريبية الوضعية، متأثِّرًا تأثّرًا عميقًا بالمناخ الفكري السوسيولوجي والأنثروبولوجي السائد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين[1].
في المقابل، مثّلت السلوكية الذروة الوضعية للمشروع الحداثي في علم النفس، خاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك. فقد سعى واطسون، ومن بعده سكنر، إلى جعل علم النفس علمًا طبيعيًا صارمًا عبر رفض الوعي وكل ما لا يمكن قياسه، وبالتالي فقد ركّزت على السلوك الظاهر واعتمدت على المنهج التجريبي الصارم المتمثّل بالتجربة المخبرية والسلوك الظاهر فقط؛ فالإنسان بالنسبة لها هو كائنٌ يمكن فهمه من خلال السلوك الظاهر القابل للقياس. وقد اقترح سكنر استخدام التقنيات السلوكية لتحقيق المجتمع المثالي الذي أطلق عليه اسم «والدن اثنان (walden2) »؛ وجوهر فكرة «والدن اثنان» هي أن يقوم المجتمع على المنهجية التجريبية الصارمة المستندة إلى السلوكية الراديكالية، بحيث يتمّ تنظيم السلوك الاجتماعي عبر: 1. التعزيز الإيجابي بدل العقاب، 2. التخطيط العلمي للبيئة الاجتماعية، 3. إخضاع العادات، التربية، العمل، والاقتصاد لمبدأ الضبط السلوكي التجريبي. ويرفض سكنر فكرة «الإرادة الحرة» بوصفها أساسًا للتنظيم الاجتماعي، ويستبدلها ب- «هندسة السلوك». ورغم أنّ بعض الباحثين يعتبر أنّ قوة السلوكية تكمن في صرامتها المنهجية، إلّا أنّ ضعفها يكمن في اختزال الإنسان إلى أنماط من الاستجابة. وفي الحقيقة، يمكن القول إنّ السلوكية تعبّر عن ذروة التجلّي المنطقي للروح الوضعية للحداثة.
وفي الحقيقة إن هذا التصوّر المثالي للمجتمع عند سكينر كان على غرار «مدينة الله» التي طرحها أوغسطين. وهكذا يمكن القول إنّ علم نفسٍ مثل هذا علم نفس السلوكية، وخاصة لدى سكينر، الذي كان يصرّ على ضرورة فصل القيم عن النفس، قد جعل في نهاية المطاف هدفه وضع نظام معياري لحياة الإنسان، وقد ابتكر التقنيات السلوكية لتحقيق هذا الهدف. وهذا له دلالاته في عدم نجاح التجريبية الصارمة من الخروج ممّا كانت تنتقده في الميتافيزيقا والوحي من كونهما أمرين قيميين ويؤكّدان على التجويز المعياري، ولم تستطع حصر نفسها في إطار الوصف، بل تعدّت ذلك إلى التقويم المعياري للسلوكات والأنشطة الإنسانية، سواء أصرّحت بذلك أم لم تصرّح.
وفيما بعد ظهرت الاتجاهات الإنسانية في ستينات القرن العشرين بوصفها ردّ فعل على الحتمية السلوكية والتشاؤم التحليلي، مع التركيز على مفاهيم الحرية وتحقيق الذات. فقد حاولت الاتجاهات الإنسانية إعادة الحرية والمعنى إلى علم النفس. ونظرت إلى الإنسان بصفته كائنًا حرًّا يسعى للمعنى وتحقيق الذات وقيمه الداخلية، وشكّلت عناصر نظريتها بالاعتماد على المقابلات العميقة والخبرة الذاتية والظواهرية.
وفي السياق نفسه جاءت الثورة المعرفية في النصف الثاني من القرن العشرين التي استندت إلى تطوّر الحاسوب والعلوم العصبية، فأدخلت أدوات النمذجة الحاسوبية والتجارب الإدراكية ووسّعت مجال البحث ليشمل البنى الذهنية وعمليات معالجة المعلومات، معيدةً بذلك الاعتبار للعمليات العقلية التي أهملتها السلوكية. وهكذا أعادت العقل إلى علم النفس بلغة تقنية جديدة، متأثرةً بعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي واللسانيات فيما بعد؛ ولذا فقد أصبح العقل يُفهم بوصفه نظام معالجة معلومات. وبالتالي أرجعت الثورة المعرفية إلى الإنسان قيمته من حيث كونه كائنًا مفكّرًا، يفسّر العالم عبر العمليات الذهنية (الذاكرة، الإدراك، القرارات)، فاتّجهت نحو معالجة هذه العمليات، معتمدةً المنهج التجريبي؛ فركّزت على دراسة العمليات العقلية/الذهنية الداخلية، مثل الإدراك، الانتباه، الذاكرة، وحلّ المشكلات، وتنظر إلى العقل كجهاز لمعالجة المعلومات (مُدخلات، معالجة، مُخرجات). ومن أبرز روادها: جان بياجيه (رائد في نظرية النمو المعرفي، يوضح كيف يتطوّر التفكير لدى الأطفال عبر مراحل، مع التركيز على بناء المعرفة)، أولريك نيسر ( يُعتبر المؤسس لـ «علم النفس المعرفي» لوضعه هذا المصطلح وكتبه التأسيسية حول الإدراك)، جورج ميلر (اشتهر بأبحاثه حول حدود سعة الذاكرة قصيرة المدى ونماذج معالجة المعلومات)، وجيروم برونر (عالم نفس أمريكي قدّم نظرية التعليم البنائي، مؤكّدًا على دور المتعلّم النشط في بناء المعرفة)، وألبرت باندورا (طور نظرية التعلم الاجتماعي التي تجمع بين السلوك والإدراك، مؤكّدًا التعلّم بالملاحظة)، وآرون بيك (يُعتبر الأب المؤسس للعلاج المعرف (cognitive therapy) ، خاصة لعلاج الاكتئاب، مركّزًا على دور الأفكار في المشاعر والسلوك)، وهيربرت سيمون (ساهم في تطوير نماذج معرفيّة لفهم اتخاذ القرار وحلّ المشكلات)، حيث شكّلوا تحوّلًا عن السلوكية لدراسة كيف يعالج العقل المعلومات.
ويعبرّ هذان الاتّجاهان الإنساني والمعرفي عن كونهما تصحيحاتٍ داخل المشروع الحداثي في نظرته إلى الإنسان والنفس.
بناءً على لما تقدّم، لم يتطوّر علم النفس وتتنوع مدراسه لمجرّد التبدّلات الداخلية فيه، وإنّما هو نتيجة تفاعلٍ مع السياق المجتمعي والثقافي وعوامله العميقة. فالمجتمع يخلق أسئلته، وعلم النفس كأيّ علمٍ آخر ينبغي عليه الردّ على هذه الأسئلة بأفكارٍ وتحليلاتٍ ومدارس جديدة. ومن هذه العوامل: الثورة الصناعية التي ولّدت الحاجة إلى قياس القدرات والأداء؛ والحربين العالميتين اللتين دفعتا نحو تطوير الاختبارات الجماعية وفهم الاضطرابات النفسية؛ وتقدّم علم وظائف الأعضاء والكيمياء العصبية؛ ثمّ الثورة الرقمية التي وفّرت نموذجًا جديدًا لفهم الذهن. لقد أسهمت هذه العوامل في إعادة تشكيل موضوعات علم النفس ومنهجيّاته، بحيث لم يكن ممكنًا فصل تطوّر العلم عن السياق الاجتماعي والثقافي الأوسع.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعض المدارس نشأت استجابة لروح العصر: ظهر التحليل النفسي في أوروبا المحافظة والمتوترة جنسيًا، وقد تأثّر فرويد بالطبّ العصبي وبداية اكتشاف الأمراض النفس-عصبية.
والسلوكية في أميركا الصناعية التقنية التي أرادت علمًا «يُقاس ويُضبط»، وقد ساعدها على ذلك صعود العلم التجريبي و«القياس»، والتقدّم في دراسة الحيوانات.
في حين أنّ المعرفية (بياجيه وغيره) قد ظهرت مع ثورة العلوم الإدراكية والذكاء الاصطناعي واللغويات كما ذكرنا، والاتجاه الإنساني (ماسلو، روجرز) ظهر مع تصاعد قيم الحرية والذات والمعنى.
كما أنّ لممارسات اجتماعية مثل التربية، التعليم، الصحّة العقلية في المؤسسات الاجتماعية، الاختبارات النفسية والتقويمات، وإدارة الأفراد في العمل والمنظّمات كانت جزءًا لا يتجزّأ من عملية إنتاج «المعرفة النفسية»، بحيث أصبح العلم يقيس ويطبّق على سلوكيات ملموسة في الحياة. وهكذا قام الباحثون بدراسة السلوكيات الفعلية داخل هذه السياقات، ووفّرت المواقف اليومية بيانات قابلة للتحليل ونتائج يمكن قياسها وإعادة تصنيفها. وهنا تتحوّل النظريات النفسية من مجرد إجابة وصفية – تفسيرية (explicative responses) إلى أدوات تدخل في إدارة الحياة الاجتماعية، وهنا يتحوّل علم النفس من «ردود تفسيرية» إلى أدوات تدخّل فاعلة في إدارة الحياة الاجتماعية، بمعنى أن النظريات النفسية لم تعد تشرح السلوك فحسب، بل أصبحت تُستخدم في:
تصميم المناهج التعليمية حسب قدرات المتعلّمين (الفروق الفردية) وتطوير طرائق التعليم وأنظمة التحفيز وإيجاد الدافعية.
تشكيل برامج الصحة العقلية في المؤسسات الخيرية والاجتماعية والمستشفيات.
وضع سياسات في العمل والمنظمات.
تطوير اختبارات تقويم الشخصية والكفاءة (اختبارات القياس النفسي) في الجيش والمصانع والمدارس.
إذن، مارس علم النفس دورًا تطبيقيًا اجتماعيًا مباشرًا، حيث تتداخل المعرفة النظرية مع الحياة اليومية. وهذا ما ما يُخرجه من كونه مجرّد تراكم نظري وداخل المختبرات أو في قاعات المحاضرات، بل إنّ تطبيقات الحياة الواقعية ومواجهة التحدّيات الواقعية كانت سببًا في بلورة مفاهيم علم النفس نفسه وتطوره (عبر دراسة مواقف الحياة الواقعية وتحليلها، وفهمًا كان مصدرًا للبيانات والملاحظات)، وإيجاد أدواتٍ إجرائية لتحليل السلوك الإنساني وقياسه وتوجيهه ضمن سياقات اجتماعية حقيقية.
كذلك لا يمكن إغفال ما كان للحرب العالمية الأولى والثانية من أثرٍ في تطور علم النفس عبر التحدّيات الجسيمة التي أظهرتاها أمام علم النفس. فقد أصبح من الضروري تقويم ومعرفة أبعاد النفس الإنسانية التي لم تكن قد ظهرت أو برزت من قبل. فالجنود الذين لم يتمكّنوا من تحمّل الصراع والعنف الوحشي الذي شهدوه أو شاركوا فيه، عادوا من هاتين الحربين وهم يعانون من أمراضٍ نفسية، مثل صدمة الحرب واضطراب ما بعد الصدمة، والإدمان. وقد أظهر هتلر وغورينغ قوّة الكاريزما والدعاية المضلّلة في التأثير على مشاعر الإنسان وانفعالاته وسلوكه. كما أنّ المجازر والإبادة الجماعية في هيروشيما وناكازاكي بثّت الرعب في العالم، ونشرت موجات من القلق والشعور بالذنب في أرجاء العالم.
كما أنّه قد نتجت عن الحربين نتائج أثّرت على الأسرة، وتوجّه النساء أكثر نحو العمل وتحمّل المسؤولية أكثر. وهذا ما أدّى إلى تغيير شكل الأسرة عمّا كانت عليه. كذلك نشأت أزمة في مجال القيم دفعت علم النفس إلى معالجتها، وخاصةً في الولايات المتحدة الامريكية ما بعد الحرب التي بذلت جهودًا واسعة في تطور هذا المجال، وبالتالي انعكس تقدّمًا كبيرًا على علم النفس. وكانت أزمة معنى لا أزمة أعراض نفسية فقط، والتي تمثّلت في انهيار المرجعيات الأخلاقية الكبرى وفقدان الثقة بالتقدم العلميّ كضامن للسعادة، وبالصدمة الجماعية الناتجة عن الحروب والمحارق والقتل الصناعي المنهجي؛ مما أدّى إلى حصول شعور واسع بالفراغ الوجودي والعبث واللامعنى. مما دفع الكثيرين إلى التساؤل لماذا نعيش أصلًا بدلًا من لماذا نمرض نفسيًا؟
وحازت القضايا المرتبطة بالصحة النفسية الأولوية القصوى، وخصّصت الحكومات ميزانيات خاصة لتأسيس مراكز للصحة النفسية المحلّية في مختلف أنحاء البلاد. وأصبح علم النفس تخصّصًا محّببًا لدى الطلاب. ولم تعد المعالجة والاستشارة النفسية حكرًا على المرضى، بل تحوّلت إلى ممارسة عادية للتغلّب على ضغوط الحياة اليومية وتوتّراتها.
ولا يمكننا إغفال التحوّلات السياسية الكبرى بعد عام 1945 كقيام نظام دولي جديد، وتوسّع الجامعات، وازدياد حركة الترجمة والتبادل الأكاديمي، بدأ علم النفس ينتشر خارج موطنه الغربي الأصلي. لم يعد يُنتَج في أوروبا الغربية والولايات المتحدة فقط، بل شهدنا نشوء مدارس وبرامج بحثية في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط. هذا الانتشار لم يكن مجرد نقلٍ ميكانيكيّ للنظريات الغربية، بل ترافق مع محاولات لإعادة التفكير في مدى صلاحية تلك النظريات لتفسير السلوك الإنساني في سياقات غير غربية، ما فتح الباب أمام نقد النزعة المركزية الغربية (Eurocentrism) في علم النفس. وقد شقّ علم النفس طريقه بين مسارين متوازيين وقد يبدوان متناقضين:
التدويل (Internationalization): أي تعميم مناهج ونظريات علم النفس الغربي عالميًا، غالبًا بوصفها معرفة «محايدة» أو «علمية كونية».
التمحّل أو التوطين (Indigenization): وهو اتجاه نقدي يسعى إلى بناء علم نفس منبثق من الثقافة المحلّية، يأخذ بعين الاعتبار اللغة، القيم، التصوّرات الأنثروبولوجية، وأنماط العلاقات الاجتماعية الخاصّة بكل مجتمع.
في هذا السياق، برزت محاولات لتأسيس «علم نفس آسيوي»، و«علم نفس أفريقي»، و«علم نفس ثقافي»، وهي محاولات لا ترفض العلم بالمطلق، لكنها تعيد مساءلة فرضياته الأساسية حول الذات، والعقل، والدافعية، والمعايير السلوكية.
كما وشهدت هذه المرحلة أيضًا تصاعد تيارات نقدية داخل علم النفس نفسه، أهمها:
النسوية (Feminism): التي كشفت الطابع الذكوري لكثير من النظريات النفسية الكلاسيكية، وبيّنت كيف أنّ نماذج «الإنسان الطبيعي» في علم النفس كانت في الغالب مستندة إلى تجارب الرجال، خصوصًا البيض من الطبقة الوسطى.
قضايا الهوية والانتماء: حيث لم يعد الفرد يُدرس بوصفه كيانًا معزولًا، بل بوصفه نتاجًا لعلاقات اجتماعية، وبُنى سلطوية، وخلفيّات ثقافية وعرقيّة.
التعدّدية الثقافية التي دعت إلى إدماج تجارب الأقلّيات، والمجتمعات المهمّشة، وعدم اختزال «الطبيعة الإنسانية»في نموذج واحد.
هذه التيارات لم تُضف موضوعات جديدة لعلم النفس فقط، بل هزّت أسسه المفهومية، وطرحت سؤالًا عميقًا حول: لمن يُنتج هذا العلم؟ وبأي معايير؟ ولمصلحة أي تصوّر للإنسان؟
وفي النهاية لا بدّ من الالتفات إلى تأثير تطوّر العلوم المحيطة بعلم النفس، سواء أكان في بدايات تأسيسه أو في مساره التطوري، وخاصةً علم الفيسيولوجيا العصبية والتشريح. فقد انطلقت البدايات من دراسة الأمراض العصبية والحسية، حيث حاول الأطباء فهم الاختلال النفسي عبر تتبّع أسبابه الجسدية. هذا المسار الطبي أفضى إلى اكتشاف العلاقة الوثيقة بين وظائف الجهاز العصبي والتجربة النفسية. لقد ساهمت دراسة الجهاز العصبي ووظائف الدماغ في جعل الظواهر النفسية قابلة للقياس؛ إذ أدّى ذلك إلى تحوّل التركيز من التأمّل الفلسفي والتفسيرات الميتافيزيقية للنفس والتأويلات اللاهوتية أو الأخلاقية إلى بحث الأسباب المادية والسلوكية كأدلّةٍ تجريبية للعمليّات العقلية. فمع تقدّم علم الفيزيولوجيا العصبية، بدأ العلماء يفهمون أن العمليات العقلية ترتبط بالوظائف العصبية، ما أتاح تحديد علاقات مباشرة بين الدماغ والسلوك، مثل تأثير التحفيز العصبي على الانفعال والاستجابة. وعلى سبيل المثال أتاحت دراسات غوستاف فيخر وهرمان هلمولتز (ينتميان إلى القرن التاسع عشر،أي إلى المرحلة السابقة مباشرة لتأسيس علم النفس التجريبي مع فوندت (1879). ويُنظر إليهما بوصفهما من الأسلاف المباشرين لعلم النفس العلمي) إمكانية تحويل الظواهر النفسية إلى بيانات قابلة للتحليل الإحصائي والتجربة. فقد اقترح فيخر (الذي أسّس مبدأ السيكو فيزياء) أنّ العلاقات بين المحفّزات الفيزيائية (المنبّهات الفيزيائية) والإحساس النفسي يمكن قياسها رياضيًا (مثال: قياس شدّة الضوء مقابل الشعور بالسطوع، وقياس الصوت مقابل شدّة الإحساس السمعي). أمّا هلمهولتز فقد ركّز على دراسة سرعة انتقال النبض العصبي والإدراك الحسي، وطوّر أجهزة وأدوات لقياس الاستجابات العصبية وسمحت تجاربه بإثبات أن العمليات العقلية ليست غامضة، بل مرتبطة بأبعاد مادية قابلة للرصد والتكرار. وهكذا أعطت الفيزيولوجيا سقفًا معرفيًا جديدًا لعلم النفس التجريبي، مؤسّسًا على قياس دقيق ووصف منهجي للسلوك.
كذلك أثّر علم البيولوجيا، ولا سيما بعد داروين، على علم النفس، إذ أعاد تعريف السلوك الإنساني بوصفه وظيفة تكيُّفية. فلم يعد العقل يُدرَس باعتباره كيانًا مفارقًا للجسد، بل كنتاج لتاريخ تطوّري طويل. وقد فتح هذا التصور الباب أمام دراسة الغرائز، والانفعالات، والمقارنة بين الإنسان والحيوان، وأسهم في نشوء علم النفس الوظيفي وعلم النفس المقارن. بهذا المعنى، انتقل علم النفس من سؤال «ما هي النفس؟» إلى سؤال «كيف تخدم العمليات النفسية بقاء الكائن الحي؟».
ومع تطوّر العلوم العصبية في القرن العشرين، دخل علم النفس مرحلة جديدة اتّسمت بتكامل غير مسبوق بين المستويات: الجزيئية، والخلوية، والسلوكية، والمعرفية؛ إذ شهد علم النفس اندماجًا متزايدًا مع علوم الأعصاب، والعلوم المعرفية والبيولوجيا. وقد أدّى هذا إلى نشوء مقاربات جديدة تركّز على العلاقة بين الدماغ والسلوك والإدراك، مستفيدة من التطورات التقنية (التصوير العصبي، النمذجة الحاسوبية). وكنموذج على ذلك ربط التعلّم والذاكرة والتغيّر السلوكي بآليات عصبية محدّدة، مثل التعديلات المشبكية (synaptic plasticity) ، والتي توضّح أنّ الخبرة النفسية تترك أثرًا بيولوجيًا ملموسًا في بنية الدماغ ووظائفه. وبهذا، لم تعد الظواهر النفسية تُفسَّر فقط على مستوى الوصف السلوكي، بل أصبحت تُفهم أيضًا بوصفها عمليات دماغية قابلة للرصد والتجريب.
وهكذا إنّ الطب والبيولوجيا والعلوم العصبية لم تكن علومًا مساعدة فحسب في تطوّر علم النفس، بل كانت مكوّنات تأسيسية أعادت صياغة موضوعه ومنهجه وحدوده. فمن خلال الطب تعلّم علم النفس دراسة الاضطراب لفهم السويّ، ومن البيولوجيا تعلّم النظر إلى السلوك كوظيفة حيوية، ومن العلوم العصبية تعلّم الربط بين الخبرة الذاتية والبنية الدماغية.
غير أنّ هذا المسار، رغم تقدّمه العلمي وقوته التفسيرية، يميل أحيانًا إلى تقديم الدماغ بوصفه المفسّر النهائي للإنسان. وهذا ما أعاد إحياء نقاشات واعتراضات فلسفية وإنسانية حول الاختزال البيولوجي، وحدود تفسير الظواهر الإنسانية المعقّدة من خلال الدماغ وحده؛ إذ لا يكتمل هذا المسار دون وعي نقدي يحفظ للإنسان معناه، ووعيه، وسياقه، إلى جانب تفسيره البيولوجي. وفي حين يحذّر بعض علماء النفس من اختزال الظواهر الإنسانية المعقّدة إلى تفسيرات فسيولوجية صرفة، يركّز آخرون على ضرورة التكامل لا الإلغاء؛ أي فهم السلوك الإنساني عبر مستويات متعدّدة دون إنكار البعد الذاتي أو الاجتماعي.
وبطبيعة الحال، كان لعلم الإجتماع والانثربولوجيا آثار متعدّدة على علم النفس ذكرناها في طيّات نقاشنا وبحثنا سابقًا.
في المحصّلة، لم يعد علم النفس المعاصر مدرسة واحدة أو نظرية واحدة، بل يتميّز بالتعدّدية المنهجية والتخصّصات الفرعية، وأصبح شبكة من المقاربات التي تعكس تعقيد الإنسان الحديث. فكلّ تيارٍ ومدرسةٍ ظهرت لأنّها رأت أنّ المدرسة التي قبلها ناقصة أو أُحادية النظرة إلى الإنسان وسلوكه. فالسلوكية فسّرت الإنسان كمجموعة استجابات، وهو خالٍ من العقل والإرادة والحرية والقيم أو الغاية. وجاءت ضد التحليل النفسي لأنّه لم يلتزم بالمنهجية العلمية الصارمة. في حين أنّ التحليل النفسي ركّز على اللاوعي، إلّا أنّه ردّ كل دوافع السلوك الإنساني إلى اللذّة والعدوان وحصر القيم كنتاجٍ للكبت وما شاكل، ولم يعطِ سلوك الإنسان الحقيقي حقّه. وعجز كلا النموذجين عن تفسير القيم الإنسانية السامية مثل التضحية، الصبر، المعاناة الهادفة والبطولة الأخلاقية، خاصةً التي ظهرت خلال الحرب العالمية الثانية. فظهر الاتجاه الإنساني ضد السلوكية التي رأت الإنسان آلة ميكانيكية، وجاءت الثورة المعرفية ضد السلوكية والإنسانوية معًا؛ لأنها تجاهلت العمليات الذهنية الدقيقة. وهكذا كان تاريخ علم النفس سلسلة ردود فعل وتوازنات. طبعًا، فضلًا عن كلّ المؤثّرات والعوامل الخارجية من اجتماعية وسياسية وثقافية وتحوّلاتٍ علمية سبق ذكرها رافقت نشوء الحداثة وتطورها. بناءً عليه، يمكن إدراك علم النفس الحديث بوصفه علمًا معقّدًا ومتطورًا، لا يتحدّد بنموذج تفسيري واحد، بل بمجموعة من المقاربات التي تراكمت وتفاعلت عبر الزمن.
إذن، على امتداد هذا المسار، لم تظهر المدارس النفسية بوصفها مشاريع منقطعة عن بعضها، بل جاءت في معظمها كمحاولات نقدية أو تصحيحية أو تطويرية لنقائص المدارس السابقة، أو كاستجابة لأسئلة جديدة فرضتها البيئة العلمية والتقنية والاجتماعي؛. ولذلك فهي ليست متكاملة بالمعنى التامّ، وليست متصارعة كذلك. وبناءً على ما ذكرناه سابقًا، يمكن القول إنّه مهما تنوّعت المدارس الفكرية في أيّ علمٍ من العلوم الإنسانية ومنها علم النفس، فإنّها متفرعة عن سياق حضاري واحد، ألا هو الحضارة الغربية بحداثتها المعاصرة في مبانيها ومنطلقاتها؛ ولذلك مهما تنوّعت واختلفت فهي مشتركة في كثيرٍ من السياقات والمنطلقات. إذن، في علم النفس المعاصر لم يعد الحديث عن «مقاربة واحدة مهيمنة» توصيفًا دقيقًا للواقع العلمي، بل الأصحّ القول إن الحقل يقوم اليوم على بنية مركّبة متعدّدة المستويات تشكّلت استجابةً لأزمات الاختزال النظري، وتطوّر العلوم العصبية، وتعقّد الظواهر النفسية والإنسانية. وبما أنّ جميع التيّارات مشتركة في الموضوع ألا وهو الإنسان؛ فإنّ كلّ تيار قد نظر إلى هذا الإنسان من زاوية مبانيه وخلفياته وعالجه بحسب المنهج الذي اعتمده وأدلى بدلوه في هذا المجال وأعطى الطرق التي يراها مناسبة للعلاج؛ لذلك رغم اختلافها الظاهري وظهورها متصارعة فيما بينها، فإنّ المقاربة المعتمَدة حاليًا في علم النفس، وخاصةً عند معالجة المشكلات النفسية الجماعية والفردية هي مقاربة تكاملية عمومًا، وهناك العديد من المقاربات التي طُرحت من أجل التلفيق الممنهج لهذه النظريات عند تفسيرها للظواهر أو معالجتها أو تقديم سياساتٍ وعلاجاتٍ على مستوى الفرد وكذلك على مستوى الصحة العامة للمجتمع والمؤسسات، وهذا يتطلّب أيضًا نظرة شمولية ومتعددة الجوانب غير مقتصرة على مدرسة واحدة.
السؤال الثالث: كيف تطوّرت المقاربة المعتمَدة في علم النفس المعاصر لمعالجة المشكلات النفسية؟
الدكتور محمد ترمس: يمكن الإشارة إلى انتظام هذه المقاربات حول ثلاثة محاور متكاملة: رؤية إبستمولوجية تكاملية (التعددية المنهجية المنضبطة)، وتصوّر شمولي للإنسان، وضبط علمي إجرائي قائم على الأدلة.
التعددية المنهجية التكاملية أو الانتقائية ولكن بصيغة منهجية منضبطة لا عشوائية، خاصةً إذا ما نظرنا إلى تعقيد هذه المشكلات والظواهر النفسية بحدّ ذاتها من حيث اشتمالها على عدة جوانب ومستويات: بيولوجية، معرفية، انفعالية، اجتماعية، ثقافية وتاريخية لا يمكن لمنهجٍ واحدٍ أن يفسّرها جميعًا. إذن تقوم هذه المقاربة على أساس معرفي واعٍ يعترف بتعدّد مستويات التفسير، مع السعي إلى بناء علاقاتٍ منهجية بينها. وقد شدّد باحثون بارزون في التكامل العلاجي، مثل نوركروس وغولدفرِيد، على أن التكامل لا يهدف إلى جمع التقنيات، بل إلى توحيد الفهم النظري للعمليات النفسية بما يسمح باستخدام أدوات مختلفة ضمن منطق واحد متماسك. بهذا المعنى، يشكّل التكامل موقفًا نقديًا من الاختزال، لا رفضًا للعلم، بل توسيعًا لأفقه التفسيري، وهذه المقاربة ليست مدرسة جديدة، بل هي إطار ميتا- نظري ينظّم استخدام مدارس متعدّدة.
النموذج البيولوجي النفسي والاجتماعي بوصفه الإطار التصوّري الأوسع لفهم الإنسان والاضطراب النفسي. وقد قدّمه جورج إنغل بوصفه بديلًا عن النموذج الطبي-البيولوجي الصرف الذي ساد طويلًا في الطب النفسي وعلم النفس السريري. لا يقدّم هذا النموذج نظرية تفسيرية واحدة، بل يحدّد خريطة الواقع النفسي: الإنسان ككائن تتفاعل فيه العمليات العصبية والهرمونية مع الخبرات النفسية والبنى المعرفية، ضمن سياق اجتماعي وثقافي محدَّد. ومن هنا، فإن قيمته الأساسية تكمن في كونه إطارًا شموليًا مانعًا للاختزال، يسمح بدمج المقاربات المختلفة داخل تصور واحد للإنسان، دون أن يفرض مدرسة بعينها أو منهجًا بحثيًا محدّدًا.
المنهج القائم على الأدلة (evidence-based practice)، وهو يمثّل البعد الإجرائي–المهني في النظرة المركّبة المتعدّدة المستويات. هذا المنهج لا يحدّد ما هي النظرية الصحيحة فلسفيًا، بل يضع معايير لاتخاذ القرار العلاجي والبحثي، قائمة على الجمع بين أفضل النتائج البحثية المتاحة، والخبرة الإكلينيكية، وخصائص المراجع وقيمه وسياقه الثقافي. ففي إطار هذا المنهج لا يُسأل: «من أي مدرسة هذا العلاج؟» بل: «هل نجح تجريبيًا؟ ولمَن؟ وتحت أي شروط؟» وهكذا، فإنّه لا يتعارض مع التعددية النظرية، بل يعمل داخلها، ويمنحها معيارًا علميًا يمنع الانزلاق إلى الذاتية أو الذوق الشخصي.
انطلاقًا من ذلك يتّضح أن المقاربة المعتمَدة اليوم في علم النفس ليست استبدالًا لمقاربة بأخرى، بل هي تمثّل تنظيمًا هرميًا متكاملًا: التعددية المنهجية المتكاملة تحدّد الموقف الإبستمولوجي العام، والنموذج البيولوجي-النفسي-الاجتماعي يحدّد تصوّر الإنسان ومستويات تفسير الظاهرة النفسية، والمنهج القائم على الأدلة يضبط الممارسة والبحث بمعايير علمية قابلة للتحقّق. وعليه، فإن النجاح العلمي المعاصر في علم النفس لا يتحقّق بتغليب أحد هذه الأبعاد على حساب الآخرين، بل في التوازن الخلّاق بينها: توازن يمنع الاختزال، ويصون الشمول، ويضمن الصرامة العلمية. هذا التوازن هو ما يميّز علم النفس الحديث في مرحلته الراهنة، ويشكّل شرطًا أساسيًا لتطوّره النظري والتطبيقي معًا.
القسم الثاني: الآفاق الإسلامية في مجال علم النفس
السؤال الرابع: برأيكم، ما هي أبرز الثغرات في علم النفس المعاصر التي يمكن أن يتم سدها، لا سيما في مجالات مثل: مفهوم السعادة، ومعنى الحياة، والتعامل مع الأزمات الوجودية؟ ما هي رؤيتكم لتطوير «علم نفس» حقيقي لا يقتصر على نقد النظريات الغربية، بل يقدّم نماذج علاجية وتفسيرية أصيلة قادرة على المنافسة والعطاء على الساحة العالمية؟
الدكتور محمد ترمس: إنّ الانتشار العالمي والتنوّع الداخلي لعلم النفس لا يُنكران حقيقة أنّ هذا العلم وُلد تاريخيًا داخل سياق حداثي غربي، ويحمل افتراضاته الفلسفية الخاصّة حول العقل، والذات، والعلم. غير أنّ ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية يكشف عن مرونة هذا العلم وقدرته على التكيّف، وإعادة صياغة ذاته تحت تأثير ضغوط ثقافية، وسياسية، وأخلاقية متعدّدة. ومن هنا، فإنّ علم النفس المعاصر يقف في منطقة تلاطم دائم بين طموحه الكوني من جهة، وحاجته للاعتراف بالتعدّد والسياق والخصوصية من جهة أخرى، وهذا التلاطم لا يُعدّ ضعفًا بقدر ما يمثّل أحد أبرز محرّكات تطوّره النظري والمعرفي. ومع ذلك، واجه ويواجه علم النفس مشكلة كبرى في سعيه إلى إنشاء نظام متكامل وصفي ومعياري وتقني، من أجل تفسير الظواهر النفسية المكتشَفة حديثًا، وتقديم حلول للتغلّب على الاضطرابات النفسية في القرن العشرين. كما أنّ التيار الرئيس لعلم النفس الأمريكي في مرحلة ما بعد الحرب تجاهل، إلى حدٍّ كبير، الأسس الفلسفية، ولم يبذل جهدًا لتأسيس نظرية معرفية، أو حتى لتقديم رؤية واضحة حول ماهية الإنسان. وبسبب غياب نظرية معرفية واضحة ومحددة، نبتت مناهج ونظريات متعدّدة، وظهرت فروع بحثية وتقنيات نفسية مختلفة. وعلى سبيل المثال، الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الإصدار الخامس (DSM-5) ، الذي خضع لمراجعات منهجية خمس مرات على الأقل، يُظهر أنّه في كل مرة يُعرّف فيها اضطراب ما، تتغيّر تصنيفاته، وتُحذف وتُضاف إليه عناصر جديدة. يبدو أننا ما زلنا نجهل ماهية الاضطراب، ناهيك عن كيفية علاجه، هذا إن لم نتحدث عن ما للضغوطات السياسية والاقتصادية الثقافية والتيارات الفكرية من تأثيرات على ذلك. وتُشير التقارير إلى أنّ أفضل نسبة نجاح للعلاج تبلغ 67% فقط.
ويمكننا القول إنّ الأمر الوحيد الذي ظلّ جميع علماء النفس -إلى أيٍّ تيارٍ ومقاربةٍ انتموا إليها- هو النظر إلى الدين بوصفه ظاهرة ثانوية. فبقي إقصاء الدين عن كونه أساسًا للمعرفة البشرية مستمرًا. إنّ البراغماتية، والتجريبية والمادية، وهي جميعها من إفرازات الوضعية؛ ورغم كلّ إنجازاتها التقنية والمادية العظيمة إلّا أنّها لم تستطع أن تؤمّن الرفاه والصحة النفسية للإنسان. إذ لا يزال الإنسان والمجتمعات عمومًا تعاني من الاكتئاب، القلق، اليأس، الانتحار وخاصة المراهقين، انتشار أدوات الفساد والانحطاط وما تخلّفه الحروب من مجازر وإبادات واسعة ودمار، ولا تزال السجون تكتظ بمجرمين ومنحرفين وتزداد نسبة الطلاق والانفصال العاطفي وتخريب الأسر وتغيير أشكالها التقليدية وشيوع الشذوذ والتغيير الجنسي، فضلًا عن تدميرٍ للبيئة على مستوى الكرة الأرضية.
طبعًا، لا بد من الإشارة إلى أنّنا نشهد اهتمامًا مستجدًّا وتدريجيًا بالدين في الغرب، وخاصةً على مستوى علم النفس. ولكن بطبيعة الحال، يختلف علماء النفس في رؤاهم ومقارباتهم حول دور الدين في النفس الإنسانية، إلّا إنّهم يتفقون جميعًا على أمرٍ واحد، وهو أنّ الدين لا يمكن اعتباره مصدرًا معرفيًا معتبرًا لاستخلاص المعرفة المتعلّقة بالنفس الإنسانية. بل يرى علم النفس نفسه أعلى وأكمل مصدر معرفي لفهم النفس، ومن هذا المنطلق منح نفسه الحق في دراسة التديّن وتقويمه؛ لذا لم يقبل علم النفس توصيفات الدين للإنسان، ولا حتى تجويزاته (معاييره) وتقويماته له، بل تعامل معه كأداةٍ يُبحث تحت المجهر في المختبر. بعبارةٍ أخرى، أُعيدت دراسة القيمة العملية للأعمال الدينية بوصفها تقنياتٍ للصحة النفسية فقط لا أكثر مثل تقويم مسائل مثل المعتقدات الدينية، الذهاب إلى دور العبادة، الانتماء إلى الجمعيات الدينية وأثر الدعاء والصلاة وما شاكل؛ وبالتالي لم يُنظر إلى هذه الأمور إلّا كمجموعةٍ من التقنيات الخاصة، وبذلك تمّ إنزالها من مقامها المقدّس إلى مستوى الظواهر العادية سواءً نفسية كانت أم اجتماعية.
ومن الواضح أنّ مثل هذه البحوث وهذه النظرة إلى الدين -النظرة البراغماتية- لن تكون مثمرة للإنسان، لأنّها لا تستطيع سوى دراسة الجوانب الخارجية للدين، ولا تعبّر إلّا عن كيفية استخدام الدين لتحقيق منفعة مادية أو نفسية. إذًا إنّ محاولة استخدام الدين لأي غاية غير التقرّب من الله تعني تحويله إلى مجرّد تقنية، وهذا اختزالٌ للدين وامتهان وحصر له في كونه أداةً لغاياتٍ دنيوية أو شخصية نفسية وعدم الاعتراف بوصفه مصدرًا للمعرفة. وهذا الأمر يجعل من الاستفادة من الدين ضمن هذا المستوى أمرًا غير كافٍ لتفسير الظواهر والمشكلات النفسية وتقديم الحلول الناجعة لها.
بناءً على ما تقدّم، لقد حان الوقت ليستعيد الدين مقامه وموقعه المعرفي الحقّ، بوصفه مصدرًا وحجةً مقبولة في فهم الإنسان وروحه ونفسه، وذلك ضمن منظومة متكاملة وصفية ومعيارية تجويزية وتقنية. إذن، على الدين أنّ يبتكر منظومة مماثلة لما هو في علم النفس القائم حاليًا (بحيث تشمل جميع مفاهيم علم النفس الحقيقي وموضوعاته). وفي الحقيقة، يتمتّع الدين الحقّ بصفته كلام الله سبحانه وتعالى بشموليةٍ بالقوة تمكّنه من تشكيل نظامٍ كامل للعلوم الإنسانية عمومًا ولعلم النفس خصوصًا. بعبارةٍ أخرى، يجب بناء العلوم الإنسانية بما فيها علم النفس على أساس الدين وليس العكس؛ كأن نقوم بإلباس بعض نتائج علم النفس وما شاكل اللبوسَ الديني، حيث يُمكن ذلك، فنطلق عليها اسم الديني أو الإسلامي، ظانّين أنّنا حللنا المشكلة، ولكن في الحقيقة نكون قد وقعنا في فخ الالتقاط.
ووفق السياق التاريخي في التعامل مع قضية تكوين علم نفسٍ مستند إلى الدين، وهنا الإسلام، توجد ثلاث وجهات نظر أو ثلاثة توجّهات: 1. وجهة النظر المقارنة 2. وجهة النظر الجزئية/الجُزرية. وقد تمّ تطبيق الوجهتين الأولى والثانية حتى الآن، ولا يزال العمل جاريًا على تطبيقهما. أما وجهة النظر الثالثة، وهي وجهة نظر البنية التحتية/ البنية الفوقية، ولا يزال العمل قيد الدراسة والتطبيق وفق هذه المقاربة. وهي نظرة تأسيسية/ اجتهادية ولتحقيق هذا الأمر، لا بدّ من إشراك جهود علماء النفس والمتخصّصين المسلمين وعلماء الدين معًا. فهذه المهمة لا يمكن أن توضع على عاتق فردٍ واحدٍ أو متخصّصٍ واحد، بل ربما تأخذ وقتًا – وهذا جزء من طبيعة نمو العلم والبحوث العلمية- على مدى جيلٍ أو أكثر لينهض بهذا الأمر وتحقيق مثل هذا النظام. بهذه الطريقة، يجب تحمّل مشاق عظيمة، تمامًا كما تحمّلت مدارس علم النفس في العالم مشاقَّ عظيمة في سبيل عملها.
ونحن إذ نتبنّى وجهة النظر أو المقاربة الثالثة؛ إذ رغم أهمية الوجهة الأولى والثانية، إلّا أنّها تبقى قاصرة أو مجتزأة في النظرة وفي الوصف، وبالتالي في التقويم والتجويز وحتى التقني؛ إذ يمكننا كخطوة أولى نحو التغيير وإنتاج علم ديني دراسة عيوب العلوم القائمة. وكما كان عصر النهضة مصدرًا للتغيير في العلوم، فإن النقاش في العلوم الإنسانية سيمهّد الطريق أيضًا للتغيير فيها. ولكن العمل بالوجهة الثالثة بات أمرًا طبيعيًّا أيضًا، بل أصبح ملحًّا حاليًا، وهو ما قام به الغربيون أنفسهم بالفعل؛ فقد عمل الباحثون الغربيون لسنواتٍ طويلة على هذا الجانب من التأسيس للبنية التحتية والتي عليها قامت البنية الفوقية، أي الأقسام الفرعية والتفاصيل، فنشروا كتبًا بعنوان «مبادئ وأسس علم النفس»، و«خلفية علم النفس»، و«مقدمة في علم النفس»، وغيرها، وطرحوها في السوق العلمية. باختصار يمكن القول إنّه من بين هذه الوجهات الثلاث، قد تكون الوجهة الأولى والثانية ضروريتين، لكنهما غير كافيتين؛ لذا وفق الوجهة الثالثة، يجب أولًا استخلاص المبادئ والأسس من النصوص الإسلامية الأصلية، وبناء جميع المواضيع النفسية على هذه المبادئ والأسس، أي تحديد الأطر العامة أولًا، ثم وضع المواضيع الفرعية ضمن هذا الإطار.
إذن لنتمكّن من تطوير «علم نفسٍ» حقيقي لا يقتصر على نقد النظريات الغربية، يمكنه تقديم منظومة متكاملة ونماذج علاجية وتفسيرية أصيلة قادرة على المنافسة والعطاء على الساحة العالمية، علينا أن ننطلق من النقطة نفسها التي تحوّل فيها علم النفس القديم إلى علم النفس المعاصر؛ بمعنى آخر كما أنّ من مقتضيات نشوء علم النفس المعاصر كان ذلك التحوّل الأنطولوجي والأبستمولوجي والقيمي الذي سبقه على مدى 200 سنة تغيّرت على أساسه النظرة إلى العلاقة بين الإنسان والميتافيزيقيا عمومًا وبالدين على وجه الخصوص، وإلى العقل بصفته مكّوَنًا من عناصرَ يمكن اكتشافها وتفكيكيها على غرار المواد الأخرى الموجودة في الطبيعة، وهذا ما حدا إلى اعتماد المنهجية التجريبية في فهم العقل والنفس، وكذلك بالنظر إلى السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي والعلمي والصناعي الخاص للغرب وما نتج عن ذلك من تحدّيات وحاجات للإنسان الغربي؛ مما جعل علم النفس ينكبّ لمعالجة المشكلات والتحدّيات الناشئة عن كلّ ذلك، وتطوّرت مدارسه وأساليبها على هذا الأساس؛ على نفس هذا المنوال ينبغي تغيير الباراديغم الذي على أساسه قام علم النفس المعاصر لكي نستطيع التحدّث عن علم نفسٍ جديدٍ حقيقيّ.
ولنتّفق على أمرٍ، إنّ ما ذُكر لا يعني رفض كل ما توصّلت إليه مدارس علم النفس المعاصر، ذلك أنّها ما زالت تحلّ الكثير من المشكلات التي يعاني منها الإنسان؛ كما أنّه لا يمكن تعطيل كل شيءٍ من منجزات علم النفس المعاصر والانتظار حتى تكتمل منظومة علم النفس الجديد أو الحقيقي/ الواقعي. وبطبيعة الحال، هذا الأمر لا يُعتبر تناقضًا إبستمولوجيًا؛ إذ ما ينبغي تغييره على مستوى الباراديغمي هو المستوى الأنطولوجي – القيمي، أي إعادة تحديد تلك الأمور ذات الصلة بأسئلةٍ من قبيل: ما هو الإنسان؟ ما هو المرض والاضطراب؟ ما هو العلاج والشفاء؟ ما هي الغاية من الممارسة النفسية؟
وهذا المستوى لا يمكن تحييده أو إغفاله ويجب تغييره جذريًا في الطرح الجديد أو ما ندعو إليه، وبذلك يمكن الحديث عن علم نفسٍ جديد كعلمٍ تأسيسي، ويكون نقدنا لعلم النفس المعاصر نقدًا تمهيديًا نحو التأسيس، وليس مجرد نقدٍ لجزئيات وتفاصيل إصلاحية.
أما على المستوى الإجرائي والتقني، فيمكن استثماره واللجوء إليه، وهو على كل حال مستوًى ينتمي إلى ما ينتج عن التجربة، ولا نريد هنا الخوض في إشكالية العلاقة بين النظرية والمنهجية لعدم اتّساع المجال. ويشمل هذا المستوى مثلًا أدوات القياس، تقنيات العلاج السلوكي، بعض بروتوكولات «CBT» ، مهارات التواصل العلاجي وما شاكل، حيث يمكننا التعاطي مع هذه الأمور بطريقةٍ انتقائية نقدية؛ إذ يمكن الاستفادة من بعض الأدوات النفسية بوصفها اعتبارات عملية يُعاد توجيهها ضمن رؤية إنسانية أوسع. فضلًا من أنّه لا جدال في أنّ النظرة الباراديغمية الجديدة سوف ينتج عنها مستوى اجرائي تقني إضافي.
ومنعًا للإطالة، نكتفي بالإشارة إلى أنّ هذا الرأي مستند إلى التالي، كلّ علمٍ إنساني يفترض مسبقًا تصورًا خاصًا عن الإنسان والوجود؛ سواء أصرّح بذلك أم لم يصرّح. فالعلوم التي تتناول الإنسان –كعلم النفس والاجتماع وما شاكل– لا تعمل في فراغ قيمي أو أنطولوجي، بل تستبطن رؤيةً للإنسان بوصفه كائنًا ماديًا، أو روحيًا، أو مركّبًا. وإذا ما ميّزنا بين المعارف الحقيقية المرتبطة بالوجود والإنسان والغاية، وبين المعارف الاعتبارية مثل القوانين والمناهج والأدوات، يمكننا القول إنّ فساد المبنى الوجودي لا يستلزم بالضرورة فساد كل النتائج العملية الجزئية، مادامت هذه النتائج تعمل في نطاقٍ محدودٍ وظيفيًا.
ويمكن لتقريب الفكرة الاستفادة من رؤية الشهيد الصدر للاقتصاد الإسلامي، إذ يمكن تشبيه العلاقة بين علم النفس الغربي وعلم النفس الجديد (أو الإسلامي) بالعلاقة بين الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الإسلامي؛ فمع أنّ بعض الأدوات الإجرائية قد تتشابه، كآليات التنظيم والإدارة، إلا أنّ الاختلاف الجوهري يكمن في المقاصد والقيم وتعريف الإنسان نفسه. وهكذا يستطيع حينئذٍ علم النفس الجديد أن يقدّم حلولًا إبداعية بناءً على مبانٍ وأصول أنطولوجية وإبستمولوجية وقيمية جديدة، خاصةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي العالمي الجديد، فيكون امتدادًا للتراث الإنساني الأصيل كالرؤية الإسلامية عمومًا والتي نتبنّاها، أو من وجهة نظر أخرى تستند إلى التراث الإنساني بسياقاته المتعدّدة.
على كلّ حال، ما نوّد اقتراحه هنا هو أنّه بالالتفات إلى المباني والأصول الإسلامية ذات الصلة بعلم النفس، وبالاستناد إلى ما توصّل إليه علماء المسلمين في هذا المجال، يمكننا فتح آفاقٍ جديدة في علم النفس دون رفض ما توصّل إليه علم النفس المعاصر، بل من خلال تنقيحه وإعادة دمجه ضمن منظومة إبستمولوجية نفسية جديدة.
يُفضي هذا التحليل إلى نتيجة منهجية مفادها أنّ تأسيس علم نفس إسلامي/إنساني لا يعني: رفض علم النفس المعاصر جملةً وتفصيلًا، ولا استنساخه مع إضافة مفردات دينية سطحية. بل يعني:
نقد الباراديغم المؤسِّس لعلم النفس الحديث، ولا سيما تصوّره الاختزالي للإنسان وغاياته.
إعادة تعريف مفاهيم مركزية مثل النفس، والمرض، والصحة، السعادة، الرفاه والشفاء، في ضوء الرؤية الإسلامية للإنسان بوصفه كائنًا ذا بعد روحي وأخلاقي وغائي.
إعادة توطين الأدوات والتقنيات النفسية ضمن هذا الإطار القيمي الجديد، بعد نزع دلالاتها الفلسفية الأصلية وإعادة توجيهها.
وبهذا المعنى، لا يكون علم النفس الجديد (الإسلامي) مجرّد توسيع داخلي للعلم الغربي، بل يشكّل إطارًا معرفيًا مختلفًا في منطلقاته وغاياته. فإن علم النفس الإسلامي والإنساني لا يُعدّ مشروعًا أيديولوجيًا موازِيًا، بل تحوّلًا باراديغميًا واعيًا يستثمر المنجزات العلمية دون الارتهان إلى مبانيها الفلسفية.
إذًا لا بدّ من قيام علم نفسٍ جديدٍ مستندٍ إلى رؤية ميتافيزيقية ومعرفية وقيمية مغايرة عمّا عليه علم النفس الغربي المعاصر؛ ومن منظورٍ فلسفي وبنحوٍ من الأنحاء، يمكن اعتبار علم النفس فرعًا من فروع الفلسفة، ويُشكّل حلّ المشكلات الفلسفية المتعلّقة بالنفس والروح شرطًا أساسيًا لتطوير نماذج نفسية إسلامية. وإذا ما استطاع علم النفس المؤمّل تمكين الإنسان من فهم تلك المعاني الوجودية العميقة ذات الجذور الراسخة في نفسه، لإحيائها والعمل وفق مقتضياتها، فسوف يتمكّن من أن يكون عالميًا. وبرأيي يكمن حلّ هذه المعضلة المتّصلة بالعمق النفسي في الفطرة بالمعنى الذي يقدّمه الإسلام. فعلم النفس المقترح ينبغي أن يحاكي الفطرة ومتطلَّباته وكمالاتها وإزالة العوائق أمامها أو ما يمكن أن يؤدّي إلى توقفها أو إعاقتها، سواء أكان سبب ذلك جسديًّا فسيولوجيًّا أم نفسيًّا أم اجتماعيًّا وما شاكل. ولا يعني هذا أنّ الانطلاق من الفطرة مختصّ ومنحصرٌ بعلم النفس المقترح، بل يمكن القول إنّها الأساس لكلّ العلوم الإنسانية المستندة والقائمة على الدين؛ ذلك أنّ الفطرة هي جوهر علم معرفة الإنسان من وجهة نظر الدين والتي من خلالها وبحسب تعريفها وبحسب مقتضياتها وقابلياتها يُبنى كل الصرح العلمي باختلاف فروعه.
وبطبيعة الحال، إنّ بناء علم نفسٍ جديدٍ على أساس الفطرة لن يُلغي تعدّد وجهات النظر والمدارس في نتائج علم النفس وذلك لعدة أسباب، منها تعدّد الأذواق والأفهام لدى العاملين في هذا المضمار، وكذلك تنوّع المصادر والمناهج التأسيسية، فبعض الباحثين قد يعتمدون على الفلسفة والمنهج العقلي في استخراج المبادىء وقد يعتمد آخرون على المنهج النقلي معتمدًا إمّا على القرآن أو الروايات أو كليهما مفعّلًا الاجتهاد فيهما، ناهيك عن المنهج العرفاني والشهودي المستند إلى الشريعة أو العقل أو تلفيقًا من عدّة مناهج.
ومنها تنوّع الموضوعات بين مجتمعٍ وآخر بحسب السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وما شاكل، والتحدّيات التي يعيشها كل مجتمعٍ على حدة، وهذا الأمر قد طرحه بعض الباحثين بجدّية عالية؛ فما لنا ندرّس وندرس الموضوعات التي انطلق منها علماء النفس الغربيين، فإذا ما وصلوا إلى نتيجةٍ ما قاموا بالتنظير لها وتعميمها على أنّها تصلح للبشر أجمع. وهنا تُطرح قضية التجربة ومكانتها في علم النفس من حيث علاقة التجربة بالإطار الفكري المعتمد لدى العالم، وكيفية معالجته للموضوع محلّ البحث ومدى اعتبارية وموثوقية تعميمه على باقي المجتمعات.
ومنها أن بعض الباحثين قد لا ينطلق من الفطرة، بل يحاول أن يجد مرادفًا لكلمة سلوك الشائع استخدامها في عصرنا الحالي، فيستبدلها بكلمة «فعل» أو «عمل» انطلاقًا من أن كلمة «العمل» تعبّر عن ذلك الفعل الظاهري الصادر عن الإنسان باختياره وإرادته، وبالتالي يمكن خلال ذلك دراسة النوايا والتصوّرات الكامنة خلف ذلك العمل؛ وقد يعبّر بعض الباحثين بأنّ علم النفس يدرس «الشاكلة» التي تتقاطع بشكلٍ جوهري مع العمل... وهكذا. على أنّه مهما تنوّعت الآراء والمدارس، فإنّها لن تختلف فيما بينها بشكلٍ جوهري أو متناقض؛ ذلك أنّ مصدرها جميعًا الأسس والأطر المبنائية للإسلام. كذلك فيما يخصّ علاج الأمراض النفسية، فإنّه يحتاج إلى عملية اجتهادية متعدّدة الأبعاد، فلسفيًا وفقهيًا وقيميًا تجريبيًا، بحيث يتقاطع مع اكتشافات العلوم الأخرى من فسيولوجية وطبية وعصبية؛ فمن القضايا التي قد تُطرح في هذا المجال قدرة عالم النفس على تنحية معتقداته وافتراضاته الشخصية جانبًا عند التعامل مع المرضى. فما هي المبادىء والأسس التي توضّح متى وكيف ينبغي لعالم النفس المحترف أن يفرض قيمه على مرضاه أم لا ينبغي عليه ذلك، سواء أكان العميل متدينًا أم غير متديّن، فضلًا عن تساؤلات كثيرة في هذا المجال وغيره.
السؤال الخامس: برأيكم ومن منظور علم النفس ما هويّة الإنسان في العصر الحالي؟ وكيف يمكن توصيفه وعلاج الثغرات التي تبتلى بها النظرة إليه؟
الدكتور محمد ترمس: في عصرنا الحالي أكثر شيء مبتلى به الإنسان هو البحث عن المعنى، وهذا ما أشرنا إليه سابقًا؛ فقد جفّفت الحضارة الغربية وقضت على كلّ ما يمكن أن يشكّل للإنسان معنًى في حياته؛ ورغم محاولة الاتجاهات الإنسانية وعلم النفس الإيجابي إحياء المعنى في نفس الإنسان وتوجيهه ليقوم بأعمالٍ وسلوكات ذات دلالات معنائية في حياته ليكون لها هدف واضح، بحيث يتمكّن الإنسان من خلال ذلك من إشباع فضوله وطموحاته والشعور بالرضى، وخاصةً في علاقته الإنسانية مع الآخر، سواء أكان هذا الآخر إنسانا أم حيوانًا أم الطبيعة؛ إلّا أنّه مهما كانت نجاحاته في هذا المجال إلّا أنّها لا تزال ضمن بوتقة الفردانية الغربية والقيود المادية الدنيوية دون أن تعالج حاجته الملحّة إلى تلك المعاني الوجودية العميقة والتي يشعر بالانجذاب إليها في خفاء باطن نفسه، فضلًا عن أنّ الإنسان في القرن الواحد والعشرين وعلى وجه الخصوص بعد حرب غزّة اكتشف مدى هشاشة البُنى الإنسانية والنفسية والحقوقية وما شاكل التي تقوم عليها حضارة الغرب. فعلى سبيل المثال، إنّ تحقيق المعنى والرضى من منطلق الفردانية الغربية يقوم على اختزال المعنى في تجربة ذاتية شخصية، أو يُقاس الرضى باللذّة والإنجاز الشخصي. في حين أنّ المعنى في ضوء الفطرة والاستخلاف، هو انكشاف موقع الإنسان في نظام الوجود، أي فهم دوره كخليفة ومسؤول أخلاقي عن نفسه والآخرين، وارتباط أفعاله بالقيم الإلهية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30). أما الرضى فهو ليس حالة شعورية محضة، بل انسجام الفطرة مع الحق الإلهي، يتحقّق عندما تتوافق النوايا والأفعال مع المبادئ الأخلاقية والغاية الوجودية للإنسان ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة: 30). وبهذا المعنى، يصبح المعنى والرضى في علم النفس الإسلامي مرتبطين بالغايات الأنطولوجية والقيمية، وليس بالإشباع الذاتي أو التجربة الفردية. كذلك الأمر بالنسبة لقضايا من قبيل التعاطف، التضحية، الإيثار والتسامح؛ إذ تطوّرت نظرة علم النفس في الغرب إليها من مجرد «دوافع غريزية» أو «حيل دفاعية» إلى اعتبارها ركائز أساسية للصحة النفسية والارتقاء الإنساني. فتأرجحت النظرة الغربية بين فكرتين أساسيتين:
الأنانية النفسية (Psychological Egoism): وقد سادت لفترة طويلة، وترى أنّ أيّ فعلٍ «إيثاري» هو في جوهره وسيلة لتخفيف الضيق الشخصي أو الحصول على مكافأة (حتى لو كانت شعورًا بالرضى عن النفس).
الإيثار الحقيقي (Genuine Altruism): وهو توجّه حديث يرى أنّ الإنسان يمتلك قدرة فطرية على الاهتمام بالآخر لذاته، خاصةً عندما يتمّ تفعيل «التعاطف الوجداني».
فاعتبرت المدرسة الإنسانية (بقيادة ماسلو وكارل راجرز) أنّ التعاطف والتسامح ليسا مجرد سلوكيات، بل هما شرطان أساسيان للنمو البشري؛ لأنّ «التعاطف» (empathy) هو الأداة الأهم في العلاج النفسي. ورأت هذه المدرسة أنّ الإنسان لديه نزعة فطرية نحو الخير وتحقيق الذات، والتضحية والإيثار هما تجلّيات لهذا النضج الإنساني. في حين انتقد مارتن سليجمان علم النفس التقليدي لتركيزه على «المرض»، بينما جاء علم النفس الإيجابي ليدرس «نقاط القوة الإنسانية». اعتبرت هذه المدرسة أن التسامح والإيثار هما «فضائل» ترفع من مستوى السعادة والرفاهية الذاتية. وركّز أمثال بياجيه وكولبرغ على أن الإيثار والتضحية هما نتاج «تطور أخلاقي»؛ لأنّ الطفل يبدأ متمركزًا حول ذاته، ومع تطور قدراته المعرفية، يصبح قادرًا على «تبنّي وجهة نظر الآخر»، وهو ما يؤدّي في النهاية إلى التسامح والتضحية. ولكن كما أشرنا سابقًا، لقد مرّ علم النفس الغربي في مسارٍ تاريخيٍ طويل نسبيًا، حتى وصل إلى فهم هذه القضايا بهذه الطريقة، وذلك بعد تغيّر وجهات النظر الغربية في علم النفس نتيجة فشل بعض النظريات في فهم الظواهر النفسية عند الإنسان، وكذلك نتيجة التغييرات في السياقات الاجتماعية والثقافية وغيرها وظهور التحدّيات، فالحروب وخاصةً الحرب العالمية الثانية وما شهدته من أهوال شكّلت صدمة لدى العلماء وأثارت تساؤلهم حول كيف يمكن للبشر ارتكاب فظائع؟ وفي المقابل، كيف ضحى بعض الأفراد بأنفسهم لإنقاذ الغرباء؟ مما دفعهم لدراسة «المرونة النفسية» والتعاطف. وكذلك أدى نمط الحياة الغربي الرأسمالي إلى زيادة معدلات الاكتئاب والعزلة، وهذا شيء طبيعي نتيجة الفردانية المستفحلة. فوجد العلماء أن «الإيثار» و«التسامح» يعملان كـ «مضادات حيوية» اجتماعية تعيد ربط الفرد بالمجتمع. كما أنّ غياب الدين (دور الكنيسة) دفع بالمجتمعات الغربية للبحث عن إطار «علمي» للتسامح والتعاطف يمكن استخدامه في حلّ النزاعات العرقية والسياسية دون الاستناد إلى نصٍ ديني.
في حين أنّ الدين عمومًا والإسلام لا ينظر إلى هذه الأمور بهذا النحو، لا من حيث المنطلقات، ولا من حيث المعالجة. فالفطرة الإلهية/ الإنسانية هي منبع طلب الكمال والخير والعلم المغروس من قِبل الله فيها؛ ولذلك فالصفات المذكورة من تضحية وإيثار وغيرهما ليس مجرد ردّ فعلٍ عاطفي، بل هو نداءٌ من الروح التي تشتاق للكمالات بفطرتها. فالإنسان يضحّي لأنّه يرى في الآخر «آية» من آيات الله، فحبّه للغير هو فرعٌ من حبّه للخالق. كما ينظر إليهما كأدوات لـ «تزكية النفس»، وبذلك يصبح الهدف ليس الراحة النفسية الدنيوية فحسب، بل صياغة وجود الإنسان ليكون مرآة للصفات الإلهية (كالعفو والرحمة). فالتسامح والإيثار والتضحية هنا «تعبّد» وليس مجرد «تكتيك» نفسي. وهكذا، إنّ أعلى نقطة يمكن تصورها في آخر ما توصّلت إليه مدارس علم النفس المعاصر هي المرحلة التي يستمتع فيها الإنسان بخدمة الآخرين، بينما لا يمكن أن نجد ذروة إنسانية الإنسان إلّا في المبادئ الإسلامية، ولا تقع هذه المتعة المذكورة في خدمة الآخرين في منظور الثقافة الإسلامية إلا في أولى مراتب الأخلاق، حيث من هنا ينطلق الإنسان محو قيمة إنسانيته الحقيقية.
ومن هذا الباب تُطرح بشدّة الصحة النفسية وقضاياها، وربما يمكننا من خلال طرحنا أعلاه، استبدالها بالصحة المعنوية التي تعدّ بُعدًا مهمًا من أبعاد الصحة الفردية، وهي التمتّع بإحساس روحي، ومشاعر إيجابية، وشعور بالتواصل الإيجابي المتبادل مع قوةٍ مقدّسة عليا، ومع الآخرين، ومع الذات، ويتحقّق ذلك من خلال عملية ديناميكية ومنسّقة تشمل الجوانب المعرفية والعاطفية والسلوكية والنتائج الشخصية. وهذا الموضوع قد مرّ أكثر من خمسة عقود على طرحه، ولكن لا تزال أبعاده غير واضحة. فقد حاول العديد من الأشخاص وضع تعريف لها وتحديد مكوِّناتها، آخذين في الاعتبار النموذج السائد انطلاقًا من رؤيتهم للعالم؛ إلا أنّه لم يتم التوصّل إلى إجماع حتى الآن. ويعود السبب الرئيسي لغياب الاتفاق إلى وجود آراء متباينة حول مصطلحي الصحة والمعنوية (الروحانية). وبطبيعة الحال هذا الأمر سينعكس على قضايا ومفاهيم مثل السعادة ومعنى الحياة والإيثار والتضحية والتسامح وحرية التصرّف بالجسد، خاصةً في ظلّ ما نشهده من تحلّل أخلاقي يُنظر إليه على أنّه حرية فردية وتُصاغ له التبريرات النفسية وإعطائه الصبغة العلمية (مثل الشذوذ، والتبدّل الجنسي) والذي على أساسه أيضًا خرجت الكثير من الأمراض من دائرة الاضطرابات النفسية. وهذا الأمر بحدّ ذاته، يجعلنا نضع علامة استفهام على المعايير المعتمدة وإن كانت قائمة على أساس ثابت وواضح أم أنّها تخضع للتبدّلات الثقافية والضغوطات السياسية والاقتصادية وما شاكل.
وربما نستطيع الاختلاف في الرؤية إلى الصحة النفسية عمومًا وإلى الصحة المعنوية خصوصًا، ففي علم النفس الغربي المعاصر ينظر إلى مفهومي النفس والروح بشكلٍ منفصل، بينما قد لا يكون الأمر كذلك في علم نفسٍ يستند إلى مناهج علمية وفلسفاتٍ مغايرة، ومن ضمنها الإسلام الذي لا يعتبر النفس والروح فئتين منفصلتين، وقد منح الإسلام النفس مكانة روحية وفلسفية خاصة. وكذلك من أهم النقاط في مجال علم النفس الاهتمام بنمط الحياة الإسلامي ومهاراته الحياتية. يُمثّل نمط الحياة في هذا السياق البنية الأساسية للحياة التي تُبنى عليها المهارات الحياتية. فمن دون فهم صحيح لهذه البنية (الثقافة الإسلامية ونمط الحياة)، لا يمكن اكتساب مهارات حياتية فعّالة. وهذا يُبيّن أن مجرّد نقل النظريات النفسية الغربية إلى البيئة الإسلامية لن يكون مُجديًا، بل يتطلّب توطينًا عميقًا وحلًّا للمشكلات الفلسفية والثقافية. وهذا يبدو واضحًا في أنّ العديد من تعاليم علم النفس الغربي قد صُمّمت لتنمية المجتمعات الغربية وازدهارها، إلّا أنّه تطبيقها المباشر في المجتمعات الشرقية يفشل نظرًا للاختلافات الثقافية والفلسفية الجوهرية. وهذا الأمر يتّضح أكثر من خلال النظر إلى اختلاف مفهوم الدنيا والآخرة والحياة في الثقافات المختلفة؛ ففي الثقافة الغربية، يُتصور الفردوس الأرضي بإمكانيات مادية متزايدة ووسائل راحة، بينما في الثقافة الإسلامية، يُنظر إلى الدنيا على أنّها دارٌ مؤقّتة، والتمتّع بها مشروط بالرحيل عنها والتوجّه نحو الحياة الأبدية؛ وبطبيعة الأمر هذا الفهم سوف ينعكس على إدراك الفرد وسلوكه وتأمّلاته وآماله. وتنعكس هاتان النظرتان على كيفية فهم معنى الحياة وغاية الإنسان منها وفيها، فنرى أنّ العديد من الاتجاهات الحديثة، من ضمنها الإنسانية وعلم النفس الإيجابي، تعتمد على إشباع حاجات فردية أو تجارب ذاتية لتوليد معنى، مغفلةً البعد الميتافيزيقي والفطري للإنسان، أي الحاجة إلى معانٍ تتجاوز الذات والفردانية. في حين أنّ الإسلام يؤكّد على إمكانية الفرد تحقيق الإنسجام بين ذاته والفطرة واستخدام هذا الانسجام كمؤشرٍ على معنى الحياة وربط ذلك بغاية الوجود؛ وبذلك يصبح معالجة الفراغ وجوديًا وليس مجرد تشخيص أعراض أو تعزيز رضى مؤقّت. كما أنّه غالبًا ما تُعالج الأزمات الوجودية بأساليب تقنية أو علاجية (العلاج المعرفي السلوكي) (CBT) ، مع تركيز على تخفيف الأعراض النفسية دون معالجة الجذور الأنطولوجية والأخلاقية للصراع. فالإنسان الحديث يعاني من إحساس بالفراغ والاغتراب بسبب الهيمنة المادية والثقافية الغربية. في حين أنّه يمكن لعلم النفس من معالجة الأزمات من منطلق البنية الفطرية للنفس، فيتعرّف على الميول والتصوّرات الوهمية والمغلوطة التي تعيق الفهم الصحيح، وبالتالي كبت الفطرة عن التفتّح والانطلاق، فيُعاد توجيه السلوك بما يتوافق مع الفضائل الأخلاقية والروحية بالتزامن مع إصلاح المعرفة وفقًا لمبادىء الفطرة. وعلى المنوال نفسه، تعكس الاختلافات العميقة في النظرة إلى التعايش والعلاقات بين الرجل والمرأة الاختلاف الفلسفي بين علم النفس الغربي والإسلامي؛ ففي الثقافة الغربية، يُشدّد على الانفصال والحفاظ على الحقوق الفردية في العلاقات الزوجية، بينما في الثقافة الإسلامية، يُعتبر استقرار الحياة الأسرية وتحمّل المشاق والتسامح قيمًا أساسية وفق تكاملٍ فطري روحي لكلا الطرفين وضمن إطارٍ معنوي يُعطي معنًى غائيًّا للحياة المشتركة التي هي جزءٌ من الحياة الأعم. وقد أدّت هذه الاختلافات في المناهج النفسية إلى عدم فعالية بعض المهارات الحياتية الغربية في المجتمعات الإسلامية.
بناءً على ما تقدّم، تتكشّف ضرورة قيام علم نفسٍ يمكنه فهم الإنسان بما هو إنسان، مستجيبًا لحاجاته الفطرية، وآخذًا بعين الاعتبار مقتضيات سياقاته الثقافية والاجتماعية.
-----------------------------------------------------
[1]. نشأ فرويد في زمنٍ بدأت فيه الوضعية الكلاسيكية تفقد احتكارها لتفسير الظواهر الإنسانية، لا سيّما في مجالات: الدين، الأخلاق، الثقافة والمعنى الذاتي للسلوك. وقد أظهرت علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا الناشئة أنّ هذه الظواهر لا تُختزل إلى قوانين تجريبية قابلة للقياس المباشر، بل تتطلّب مناهج تفسيرية تاريخية ورمزية. هذا التحوّل العام مهّد لفرويد الانتقال من المختبر العصبي إلى التحليل الرمزي للنفس الفردية والجمعية. إنّ خروج فرويد عن المنهجية التجريبية الصارمة لم يكن انحرافًا اعتباطيًا، بل كان نتيجة: محدودية التجريب في تفسير المعنى والرمز، 2. التأثّر العميق بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، و3. تبنّي المنهج التأويلي لفهم النفس والثقافة. وبذلك تحوّل التحليل النفسي إلى علمٍ للمعنى والرمز والتاريخ النفسي، ولم يعد علمًا تجريبيًا وضعيًا بالمعنى الدقيق.