البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب: كتاب الانفعال: مقدمة قصيرة جدًا

الباحث :  إدارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  41
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 10 / 2026
عدد زيارات البحث :  146
تحميل  ( 285.271 KB )
معلومات النشر:
اسم الكتاب: الانفعال: مقدمة قصيرة جدًا
الكاتب: ديلان ايفانز
المترجم: أمنية طلعت
الناشر: مؤسسة هنداوي
سنة النشر: 2025
مكان النشر: المملكة المتحدة
عدد الصفحات: 113

الفصل الأول: ما الانفعال؟
يستكشف هذا الفصل مفهوم «الانفعال» كاصطلاح حديث نسبيًا، ظهر في القرن التاسع عشر مع كتابات مثل كتاب تشارلز داروين، ليحلّ محلّ مصطلحات قديمة مثل «الهوى» و»الشهوة» المرتبطة بالتراث اللاهوتي والأخلاقي. يهدف هذا التحوّل إلى تقديم دراسة علمية محايدة للعقل، بعيدًا عن التأثيرات الدينية والفلسفية.

ينقسم الفصل إلى ثلاثة أجزاء رئيسية:

1. الانفعالات الأساسية:
هي انفعالات فطرية وعالمية، مثل الفرح، الغضب، الخوف، الاشمئزاز، والدهشة. تدعمها أدلّة من أبحاث بول إيكمان، الذي أظهر من خلال دراساته على قبائل منعزلة أن تعبيرات الوجه المرتبطة بهذه الانفعالات متشابهة خلال الثقافات، مما يدلّ على أساس بيولوجي مشترك.

2. الانفعالات المعرفيّة العليا:
مثل الحب، الذنب، الفخر، والحسد، وهي انفعالات أكثر تعقيدًا وترتبط بالقشرة المخّيّة، إنها عالميّة أيضًا، إلّا أنها تتأثّر أكثر بالثقافة، وتستغرق وقتًا أطول للتكوين والزوال. هذه الانفعالات غالبًا ما تكون اجتماعية الطابع وتلعب دورًا في التفاعلات المعقّدة.

3. الانفعالات الخاصة بالثقافات:
هي انفعالات غير عالمية، تظهر في ثقافات معينة فقط، مثل انفعال «التصرف كخنزير جامح» في قبيلة الجوروروميا. هذه الانفعالات مكتسبة وتتطلّب تعرّضًا ثقافيًا خاصًا خلال مرحلة الطفولة. وهي تُظهر مرونة العقل البشري وقدرته على تكييف الانفعالات وفقًا للسياق الاجتماعي.
كما يناقش الفصل الحب الرومانسي كحالة دراسة، حيث يرى بعض الباحثين أنه انفعال ثقافي بحت، بينما تظهر الأدلّة الأنثروبولوجية أنه انفعال عالمي مع اختلافات طفيفة في التعبير بين الثقافات.
يختتم الفصل بالإشارة إلى أنّ النقاش العلمي حول دور البيولوجيا والثقافة في تشكيل الانفعالات لا يزال مستمرًا، مع وجود انتقادات لبعض منهجيات الدراسات، لكن الفكرة الأساسية حول الجذور التطورية للانفعالات تظل راسخة.

الفصل الثاني: تطوّر الانفعالات
يناقش هذا الفصل التطوّر البيولوجي والوظيفي للانفعالات، ويدحض الفكرة الشائعة التي تُصوِّرها كعوائق أمام العقلانية، ويقدّم منظورًا إيجابيًا يؤكّد دورها الحاسم في بقاء الإنسان وتطوّره.

النظرة الإيجابية للانفعالات:
بدلًا من اعتبارها معيقة للتفكير العقلاني، تُظهر الأدلّة التطوّرية والعصبية أن الانفعالات تكمل العقل وتساعد في اتخاذ قرارات أكثر فعالية في مواقف معينة. فالكائنات التي تفتقر إلى الانفعالات قد تكون أقلّ قدرة على البقاء، وليس أكثر ذكاءً.
القيمة التطورية للانفعالات الأساسية:
الخوف والغضب: يساعدان في الاستعداد للهروب أو المواجهة.

الاشمئزاز: يقي من تناول الأطعمة الفاسدة أو الملوثة.
الفرح والضيق: يعملان كمحفّزات تشجع على السلوكيّات المفيدة وتجنّب الضارّة، مما يعزّز البقاء والتكاثر.
كما أن التعبيرات الانفعالية، مثل تعابير الوجه، تمكّن الكائنات من التعلّم من تجارب الآخرين، مما يضاعف من قيمتها في المجتمعات الاجتماعية.

الانفعالات المعرفيّة العليا:
مثل الحب، الذنب، والانتقام، تطورت لمعالجة مشكلات الالتزام في العلاقات الاجتماعية المعقدة:
الذنب يزيد المصداقية ويعزز الثقة في التعاون.
الحب يساعد في تكوين روابط ثنائية مستقرّة.
الانتقام يردع الاعتداءات ويحمي من الاستغلال.

التوازن الانفعالي:
يشدد الفصل على أهمية الاعتدال في الانفعالات، مستشهدًا بمفهوم أرسطو عن «الوسط الذهبي» ومفهوم «الذكاء الانفعالي» الحديث. فالإفراط أو التفريط في الانفعال – مثل الغضب أو الغيرة – يمكن أن يؤدّي إلى عواقب سلبية.

الانفعالات والأخلاق:
تلعب الانفعالات دورًا جوهريًا في السلوك الأخلاقي، خلافًا لرأي بعض الفلاسفة الذين يرون أن الأخلاق يجب أن تنفصل عن المشاعر. فمشاعر مثل التعاطف، الذنب، والفخر، تُعدّ أساسية للحكم الأخلاقي والسلوك الاجتماعي السويّ.
الخلاصة، إن الانفعالات ليست بقايا من ماضٍ بدائي، بل هي أدوات متطوّرة ساهمت – ولا تزال – في بقاء الإنسان ونجاحه الاجتماعي. إنها جزء لا يتجزّأ من الطبيعة البشرية، ومفتاح لفهم السلوك البشري المعقّد.

الفصل الثالث: كيف تكون سعيدًا
يستكشف هذا الفصل طبيعة السعادة والعوامل التي تساهم في تحقيقها، مع التركيز على الفرق بين الفرح (كاستجابة انفعالية عابرة) والسعادة (كحالة مزاجية مستدامة). بينما يرتبط الاثنان، فإن السعادة تعتبر أكثر أهمية؛ لأنها تعزّز احتمالية تجربة الفرح وتستمر لفترات أطول.

العوامل المؤثّرة في السعادة:
الثروة المادية ليست ضمانًا للسعادة الدائمة؛ فالفوز باليانصيب أو النجاح المفاجئ غالبًا ما يؤدي إلى نشوة عابرة تتبدّد سريعًا، ويعود الفرد إلى مستواه الأساسي من السعادة أو التعاسة.
العلاقات الإنسانية المستقرة (مثل العلاقات الأسرية والصداقات) هي العامل الأكثر تأثيرًا في تحقيق السعادة الدائمة، بينما تؤدي خسارة هذه العلاقات إلى أعمق أشكال الحزن.

الأساس التطوري للسعادة:
تطورت السعادة كمحفّز بيولوجي يشجع السلوكيّات التي تعزّز بقاء الجينات، مثل بناء العلاقات والتعاون. ومع ذلك، ابتكر البشر طرقًا مختصرة لتحفيز السعادة دون الحاجة إلى هذه السلوكيات الطبيعية، مما قد يؤدي إلى مشاكل كالإدمان.

وسائل تحسين الحالة المزاجية:
1.اللغة: تستخدم في:
المواساة عبر الكلمات والتعاطف.
التسلية عبر القصص والفكاهة.
التنفيس عن المشاعر السلبية، رغم أن الدراسات الحديثة تشكّك في فعالية هذه الطريقة وقد تزيد من استدعاء الذكريات المؤلمة.

2. الفنون والحواس:
الألوان: تؤثّر على المزاج بشكل فطري (مثل الأحمر المثير والأزرق المهدئ).
الموسيقى: تُستخدم لتعديل الحالة المزاجية وتعزيز الاسترخاء.
اللمس: كالتدليك، يحفز إفراز مواد كيميائية مهدئة في الدماغ.
الطهي: يُحسن المزاج عبر تحفيز حاسة التذوق باستخدام نكهات مركزة.

3. المواد الكيميائية:
العقاقير: سواء الطبية أو الترفيهية، تؤثر على الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، لكن آثارها غالبًا ما تكون قصيرة المدى وقد تؤدي إلى الإدمان وتأثيرات عكسية.
الئطعمة: كالشوكولاتة والقهوة، تحسن المزاج مؤقتًا لكن يعقبها تراجع.

السينما والفنون المتعدّدة:
تعتبر السينما والفنون المدمجة (مثل الأوبرا) وسائل فعّالة للتأثير على المشاعر والحالة المزاجية، حيث تجمع بين العناصر البصرية والسمعية لخلق تجارب انفعالية غنية.
الخلاصة، لا يوجد طريق واحد مضمون للسعادة، بل يمكن تحقيقها من خلال مزيج متوازن من العلاقات الصحية، والممارسات الإيجابية كالتواصل والمواساة، والاستمتاع بالفنون، واستخدام الوسائل الكيميائية بحذر. السعادة الحقيقية تكمن في التوازن والوعي بكيفية تأثير هذه العوامل على حالتنا الانفعالية على المدى الطويل.

الفصل الرابع: العقل والقلب
يتناول هذا الفصل العلاقة المعقدة بين الانفعال والعقل، موضحًا كيف تؤثّر المشاعر على عمليّاتنا المعرفية مثل الانتباه، الذاكرة، والحكم واتخاذ القرار.
يبدأ الفصل بتأكيد أن الانفعالات حالات مؤقّتة لكنها قوية، وعندما تسيطر على الإنسان تُضعف قدراته العقلية وتقلّل من حياده في التفكير. يشبّه الكتّاب الانتباه ب-«كشاف ذهني» يمكن توجيهه إلى فكرة محددة، غير أن الانفعالات القوية مثل الخوف أو الغضب تُضيّق دائرة هذا الكشاف، فتصبح بؤرة التركيز محصورة في مثير واحد. ومع ذلك، قد تسهم الانفعالات أحيانًا في تعزيز الانتباه نحو عناصر معينة، مثلما يزيد القلق من يقظتنا تجاه التهديدات المحتملة.
ينتقل الفصل لشرح تأثير الانفعال على الذاكرة، موضحًا أن الأحداث المشحونة عاطفيًا تُحفر بعمق في الذاكرة، بينما تتلاشى تفاصيلها الجانبية بسرعة. أما الأحداث المحايدة فتبقى أقل رسوخًا. كما أن حالة المرء المزاجية لحظة التذكّر تؤثر على ما يستعيده؛ إذ يتذكّر الأشخاص في المزاج الجيد الأحداث السارة بسهولة، والعكس صحيح فيما يُعرف بظاهرة «استدعاء الذكريات المتوافقة مع الحالة المزاجية.»
ويبيّن المؤلف أن الانفعالات تغيّر أحكامنا على الآخرين: فالأشخاص في مزاج جيد يميلون إلى تقويم الآخرين إيجابيًا، بينما القلق يجعلنا أكثر حذرًا ويزيد من سوء الظن. وقد أظهرت التجارب أن المزاج الجيد أو ضيق الوقت يجعلنا أكثر قابلية لقبول الحجج الضعيفة؛ لأننا نفكر بطريقة سريعة غير نقدية، بينما المزاج المحايد أو الوقت الكافي يدفع إلى تفكير منطقي أعمق.
ثم يناقش الفصل العقلانية في اتخاذ القرار، مشيرًا إلى وجود نظامين في التفكير: أحدهما بطيء منطقي يعتمد على التحليل، والآخر سريع انفعالي يعتمد على الحدس. وعندما تكون المخاطر منخفضة أو الوقت محدودًا، نميل إلى النظام الانفعالي. أما في القضايا الحساسة (كالحكم في المحاكم) فيُفترض إتاحة الوقت لتغليب العقل. غير أن القرارات الجماعية، رغم أنّ هدفها تقليل التحيّزات، قد تضخّم الانفعالات بدل تهدئتها كما حذّر غوستاف لوبون في دراساته عن «عقل الجماهير».

وفي القسم الأخير، يتطرّق النص إلى الأساس العصبي للمشاعر والمواجدة (التعاطف)، موضحًا أن اكتشاف «الخلايا العصبية المرآتية» يفسّر العدوى الانفعالية، إذ تنشط خلايا دماغ الإنسان عندما يرى آخرين يعبّرون عن مشاعر معينة، ما يفسر ظواهر مثل التعاطف أو حتى الشماتة. لكن المواجدة لا تقتصر على الانفعال التلقائي، بل تشمل أيضًا الفهم المعرفي لمشاعر الآخرين وإعادة توجيه التفكير نحوهم.
يختتم الفصل بالتأكيد على أن التعاطف أساس أخلاقي واجتماعي ضروري لبناء عالم أكثر تسامحًا، خصوصًا في زمن يتصاعد فيه التعصّب القومي والعنصرية. فالمواجدة، برأي المؤلِّف، هي ما يجعلنا نتجاوز اختلافات العرق والدين لنرى إنسانيتنا المشتركة.

الفصل الخامس:الكمبيوتر الذي بكى
الفصل الخامس من الكتاب، يتناول تطور الذكاء الاصطناعي الانفعالي أو ما يُعرف ب-«الحوسبة الوجدانية»، وهو مجال يجمع بين علم النفس والأنثروبولوجيا وعلوم الحاسوب، يهدف إلى بناء أنظمة قادرة على التعرّف إلى الانفعالات البشرية ومحاكاتها.
يبدأ الفصل بعرض تاريخي لتطور هذه التقنيات منذ تسعينات القرن العشرين، عندما تمكّن باحثان من برمجة جهاز كمبيوتر يتعرّف بدقة على تعبيرات الوجه المرتبطة بستة انفعالات أساسية وفق تصنيف بول إيكمان. ومنذ ذلك الحين، تطوّرت التقنيات لتتعرف على الانفعالات من الصوت، ونبرة الحديث، وإشارات فسيولوجية مثل معدل ضربات القلب أو التعرّق، بحيث يمكن للأجهزة، عبر دمج هذه المعطيات، تكوين صورة دقيقة عن الحالة الانفعالية للإنسان.

يتناول المؤلِّف طريقتين أساسيتين لتصنيف الانفعالات:
الطريقة الفئوية: التي تصنّف الانفعالات إلى فئات محدّدة مثل الغضب أو الخوف.
الطريقة البُعدية: التي تمثّل الانفعالات على محورين: إيجابي–سلبي، وتنشيط–خمول، كما في نموذج هوغو لوفهايم الذي استخدم ناقلات عصبية (الدوبامين، النورأدرينالين، السيروتونين) لتمثيل الانفعالات في مكعّب ثلاثي الأبعاد.
بعد ذلك يناقش الفصل تطبيقات هذه الأنظمة في الحياة اليومية: مثل المساعدات الافتراضية (سيري وأليكسا) والسيارات الذكية التي تراقب حالة السائق الانفعالية، والمنصّات التعليمية التي تتفاعل مع مشاعر الطلاب. كما يشير إلى المخاطر الأخلاقية لهذه التقنيات، مثل استخدامها في مراقبة الموظفين أو المتقدّمين للوظائف، بما قد يؤدّي إلى تحيّزات عرقية أو تمييز سلوكي.
ينتقل المؤلف إلى عرض الروبوتات القادرة على محاكاة الانفعالات مثل روبوت «كيسمت» الذي طوّرته سينثيا بريزيل في معهد «MIT» في التسعينات، والمصمَّم بملامح وجه متحرّكة تستثير التعاطف البشري. كما يتناول «ظاهرة الوادي الغريب» التي لاحظها ماساهيرو موري، والتي تشير إلى أن تشابه الروبوتات الزائد مع البشر قد يثير النفور بدلًا من القبول.
يناقش الفصل لاحقًا استخدام الروبوتات الانفعالية في العلاج والتعليم، مثل الروبوتات التي تساعد الأطفال المصابين بالتوحّد على التفاعل الاجتماعي، أو تلك التي تُستخدم لمرافقة كبار السن والحدّ من شعورهم بالوحدة.
ثم يتوسّع الكتاب في البعد الفلسفي للسؤال: هل يمكن للروبوتات أن تمتلك مشاعر حقيقية؟ يستعرض المؤلِّف تجارب فكرية مثل «غرفة سِيرل الصينية» و«الزومبي الفلسفي» لتوضيح الصعوبة في إثبات الوعي في الآلات، ويطرح إمكانية تطوير أنظمة قادرة على اختيار الأفعال كما تفعل الكائنات الحيّة، مشيرًا إلى رؤية هربرت سايمون التي اعتبرت الانفعالات آليات للمقاطعة والاستجابة السريعة للتغيرات البيئية.
يُختتم الفصل بتأمّل في مستقبل الروبوتات، مشيرًا إلى تجارب «الحياة الاصطناعية» التي تُظهر إمكانية تطور البرامج الرقمية ذاتيًا عبر الخوارزميات الجينيّة، كما في تجربة «تيرا» لتوماس راي. يرى المؤلِّف أن هذه النماذج قد تقود يومًا إلى آلات تمتلك أشكالًا بدائية من الانفعالات، وأن بناء روبوتات انفعالية قد يساعدنا في النهاية على فهم أنفسنا وطبيعة انفعالاتنا البشرية

الخاتمة: للقلب أسبابه
تتناول خاتمة الكتاب العلاقة المعقّدة بين العقل والانفعال، بالاستناد إلى مقولة باسكال بأن للقلب أسبابه التي لا يدركها العقل. يوضح المؤلِّف أن العقل والعاطفة ليسا قوتين متعارضتين، بل يمثّلان قوّتين مكملتين لبعضهما؛ فالعاطفة تُحفّزنا على اتخاذ القرارات، بينما ينظّمها العقل عبر المنطق.
يبيّن أن المزاج يؤثّر في أحكامنا: فأصحاب المزاج الجيد يميلون إلى التفاؤل والمجازفة، ما قد يؤدّي إلى تقدير مبالغ فيه للنجاح، بينما الواقعيون أو المكتئبون يكونون أكثر دقّة في التنبّؤ، لكنهم أقلّ حماسًا للمحاولة. ويستنتج أن التفاؤل الزائد قد يُضرّ بالموضوعية، لكنه أحيانًا يعزز النجاح الاجتماعي ويُلهم الآخرين بالثقة.
يناقش المؤلف النظرة السلبية التقليدية للانفعالات في الفكر الغربي، مبيّنًا أنها ليست دائمًا معرقلة للعقل، بل يمكن أن تكون مصدرًا للإبداع والشجاعة. فغياب الانفعال لا يجعل الإنسان أكثر عقلانية، بل أقل ذكاءً وقدرة على التفاعل.
يطرح أيضًا تصورًا أوسع للعقلانية، مخالفًا للتعريف الاقتصادي الضيق الذي يربطها بتحقيق المنفعة القصوى، معتبرًا أن الرغبات العاطفية جزء مشروع من العقلانية الإنسانية. ويختتم بأن الانفعالات، مثل العقل، هي نتاج للتطور الطبيعي، وُجدت لمساعدتنا على البقاء والتكيّف في عالم محفوف بالمخاطر.

مراجعة نقدية
يقدم كتاب «الانفعال: مقدمة قصيرة جدًا» عرضًا متميزًا ومبسطًا للدراسات العلمية والفلسفية المعاصرة حول الانفعالات البشرية. فهو يستعرض تصنيفاتها، وأصولها التطورية، ودورها في صنع القرار، وحتى آفاق محاكاتها في الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن قراءة هذا الكتاب من خلال عدسة رؤية كونية تستند إلى أبعاد ميتافيزيقية وغائية للإنسان، تكشف عن قصور جوهري في مقاربته، يجعلها قاصرة عن الإحاطة بحقيقة الانفعال الإنساني.

أولًا: القصور في الاعتراف بالبعد الروحي والميتافيزيقي:
الكتاب يدخل ضمن إطار علمي سائد، يحصر تفسير الانفعالات في أسبابها المادية: البيولوجيا التطورية، والكيمياء العصبية، والتكيّف الاجتماعي. بينما يغيّب تمامًا أيّ نقاش حول البعد الروحي للإنسان. فمن المنظور الإسلامي، الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي اجتماعي، بل هو مزيج من جسد وروح. الانفعالات، بهذه الرؤية، ليست مجرد إفرازات كيميائية أو أدوات للبقاء، بل هي أيضًا مؤشّرات على حالة الروح وعلاقتها بخالقها. الخوف، مثلًا، لا يقتصر على الخوف من خطر دنيوي، بل يتجلّى في أسمى صوره كـ«الخشية» من الله تعالى. والحب لا ينحصر في الروابط الاجتماعية، بل يبلغ كماله في ما يسمى لقاء الله تعالى. إغفال هذا البعد يجعل التحليل سطحيًا وغير قادر على تفسير العمق الذي تمنحه الروح للتجربة الانفعالية البشرية.

ثانيًا: الغياب التام للغاية الوجودية للإنسان
يركّز الكتاب على «الوظيفة» التكيُّفية للانفعالات (كالبقاء والتكاثر)، لكنه يغفل تمامًا الحديث عن «الغاية» من وجود الإنسان. الفلسفة الإسلامية ترى أن الغاية القصوى للإنسان هي الاتصال بالكمال المطلق (الله تعالى)، وأن الدنيا دار اختبار وامتحان. في هذا الإطار، لا تُفهم الانفعالات كغايات في ذاتها، بل كأدوات واختبارات. الغضب ليس آلية للدفاع عن الذات فقط، بل هو قوة يمكن توجيهها للغضب في الله. الحزن ليس مجرّد رد فعل على الخسارة، بل هو مناخ روحي للتوبة والإنابة. السعادة الحقيقية، وفقًا لهذه الرؤية، لا تتحقّق بالعلاقات الدنيوية أو المنبّهات الحسية فقط، بل هي تبعية حتميّة لتحقيق الغاية من الخلق: العبادة والطاعة. بغياب هذا الإطار الغائي، تتحوّل السعادة في الكتاب إلى مجرّد حالة مزاجية يمكن تعقّبها كيميائيًا، مما يجرّدها من معناها الوجودي الأعمق.

ثالثًا: الانفعالات كنتاج للطبيعة المقيدة: نظرة ناقصة
الكتاب يتعامل مع الانفعالات كمعطى طبيعي محايد. لكنّ كثيرًا من الانفعالات السلبية (كالقلق، الحسد، الغضب الجامح) هي ليست جزءًا من الفطرة الأصلية السليمة للإنسان، بل هي أعراض لانقطاعه النسبي عن مصدر الكمال المطلق. الفطرة تبحث عن الكمال، والدنيا تعرض نقصًا، فينشأ الصراع الانفعالي. الكتاب يصف هذه الانفعالات، ولكنه لا يقدم إطارًا لـ«تجاوزها» أو «تساميها» نحو حالة روحية أعلى، كالرضى والتوكّل والتفويض، التي تمثّل تحرّرًا نسبيًا من قيود الانفعال الدنيوي.

رابعًا: ضرورة الدين المتعالي: الإطار المفقود لإدارة الانفعالات
يقدّم الكتاب بعض النصائح لتحسين المزاج (كالفنون والعلاقات)، ويلمّح إلى «الذكاء الانفعالي». لكن هذا يبقى حلًا تقنيًا داخل الإطار المادي. الرؤية الإسلامية تؤكّد على أن الدين هو الإطار المتعالي والشامل الذي يقدم:
تشخيصًا أخلاقيًا للانفعالات: فالحسد مذموم، والرحمة ممدوحة.
منهجية عملية لإدارتها: فالصبر، والصلاة، والذكر، والدعاء هي وسائل روحية-عملية لكبح جماح الغضب وعلاج القلق.
توجيهًا وغاية: يتم توجيه كل انفعال نحو ما يحقق رضى الله، فيصبح الانفعال عبادة.
غياب هذا الإطار التشريعي والأخلاقي في الكتاب يترك القارئ في حيرة من أمره: هل الغضب جيّد أم سيّئ؟ الكتاب يجيب: «يجب أن يكون معتدلًا». لكن ما مقياس الاعتدال؟ ومن يحدده؟ الدين إلى جانب العقل هو الذي يضع المعيار ويقدّم الآليّة لتحقيقه.
باختصار، كتاب «الانفعال» هو مرجع جيد في مستواه المادي والتجريبي، لكنه قاصر عن فهم الانفعال الإنساني في كلّيته وعمقه. إنه يشرح «الكيف» ولكن يعجز عن تفسير سؤال «لماذا» الوجودي. القيمة الحقيقية للكتاب، من منظور نقدي، تكمن في أنه يمدّنا بفهم دقيق للآلية، ليصبح هذا الفهم أداة في يد الإنسان الذي يملك الإطار الكلي ليتعامل مع هذه الآلية بحكمة، فيروّضها، يوجّهها، ويتجاوز حدودها نحو تحقيق الغاية التي من أجلها خُلق.