الباحث : أمير غلام علي بور دزفولي ، علي رضا آل بويه
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 42
السنة : ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : May / 25 / 2026
عدد زيارات البحث : 86
الخلاصة:
لقد كانت الحرب وتداعياتها على طول التاريخ ـ ولا سيّما في العصر الراهن ـ واحدة من الهواجس الخطيرة بالنسبة إلى البشرية في جميع أنحاء العالم. وقد سعى العلماء والمفكّرون على الدوام إلى دراسة ظاهرة الحرب من مختلف الزوايا، وعملوا على إثبات شرعيّتها أو عدم شرعيّتها من الناحية الحقوقية والأخلاقية. وكانت دراسة ظاهرة الحرب من الناحية الأخلاقية من بين الهواجس التي شغلت اهتمام فلاسفة الأخلاق منذ العصور الإغريقية إلى يومنا هذا. وفيما يتعلّق بأخلاق الحرب شاعت ثلاث نظريات معروفة وهي عبارة عن: نظرية النزعة الواقعية، ونظرية النزوع إلى السلام، ونظرية الحرب العادلة. إن الواقعية تعدّ واحدة من الآراء الشائعة والسائدة، وهي تنقسم بدورها إلى قسمين، وهما: الواقعية التوصيفية، والواقعية التسويغية، والنوع التسويغي منها ينقسم إلى نوعين أيضًا، وهما: الاحتياطي والأخلاقي. وفي ضوء الواقعية التسويغية / الاحتياطية، يُعدّ الطريق الأقلّ كلفة بالنسبة إلى الحكومات من أجل الوصول إلى المصالح، عبارة عن التخلّي عن الأصول الأخلاقية في ضوء رعاية الاحتياط في إطار المصالح. وهم يرون أن القبول بالواقعية تساعد على الصلح والسلام بين الحكومات أيضًا، على خلاف الحرب العادلة التي تؤدّي إلى اتساع رقعة الحروب. وقد تمّ العمل في هذه المقالة على دراسة ونقد الأدلة لصالح الواقعية التسويغية / الاحتياطية.
الكلمات المفتاحية: أخلاق الحرب، الحرب العادلة، والواقعية الحذرة / التسويغية، النزوع إلى السلم.
المقدّمة
إن «الحرب» من الظواهر الشائعة في حياة الإنسان، وهي ظاهرة بدأت منذ بداية خلق الإنسان، وهي متواصلة إلى يوم الناس هذا. إن الحروب تعرّض الناس إلى الكثير من الأضرار والخسائر الجسيمة، وهي ـ بالإضافة إلى تدمير المقدرات والإمكانات التي يحتاج إليها الناس، من قبيل: البنى التحتية، والمستشفيات، ومصادر الطاقة وما إلى ذلك ـ تهدّد حياة الناس وتعرّض أرواحهم إلى الخطر، ولا سيّما منهم المدنيين وكبار السن والنساء والأطفال بشكل جاد. ولم يكتمل القرن المنصرم حتى قضت الحروب على أرواح الملايين من الناس، بالإضافة إلى الأضرار الأخرى والإعاقات الكثيرة التي تسببت بها تلك الحروب. فقد أدّت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية في المجموع إلى مقتل ما يزيد على المئة مليون نسمة، وإن ما يقرب من ثمانين مليون منهم كانوا من ضحايا الحرب العالمية الثانية[4].
وفي العقود الأخيرة وقعت الكثير من الحروب في منطقة جنوب غرب آسيا، وخلّفت الكثير من الخسائر البشرية والمادية. وكانت الحرب المفروضة التي شنّها صدّام على الشعب الإيراني واحدة من بين تلك الحروب، حيث حصدت ما يقرب من 600 ألف نسمة من الطرفين، وكان من بينهم 208 ألفًا من هؤلاء من الإيرانيين[5].
والنقطة الجديرة بالالتفات هنا هي أن ما يقرب من 76 ألفًا قد استشهدوا في هذه الحرب أو أصيبوا في المدن الإيرانية[6]، بمعنى أن هؤلاء الضحايا كانوا من المدنيين، ومنهم الأطفال والنساء وكبار السن من الذين لم يكن لهم أيّ مشاركة مباشرة في هذه الحروب العسكرية على الإطلاق. ويجب أن نضيف إلى هذه الإحصائية ما يقرب من أربعمئة ألف معاق حربي، و45 ألف أسير، وأحد عشر ألف مفقود أيضًا[7]. وإن آثار وتداعيات استخدام الأسلحة الجرثومية والقصف بالقنابل الكيميائية والذخائر المحرّمة دوليًا وتدمير البيوت السكنية والقضاء على البنى التحتية، كانت تعدّ من بين الأضرار الأخرى التي نجمت عن هذه الحروب المفروضة على مدى ثمان سنوات، وجعلت منها واحدة من أكثر الحروب ضراوة في هذه المنطقة. وقد أدّى الهجوم العسكري الذي شنّه النظام السعودي على الشعب اليمني حتى الآن إلى ما يزيد على 42 ألف عسكري وأكثر من أربعين ألف مدني من اليمنيين أو أصيبوا بجروح خطيرة، وكان من بينهم ما يقرب من 13 ألف من الأطفال والنساء[8]، وهناك حاليًا الملايين من اليمنيين يعانون من مخاطر المجاعة، ومئات الآلاف منهم يعانون من الأوبئة الفتّاكة والأمراض القاتلة، ومن بينها الوباء. هذه بعض إحصائيات الأضرار الناجمة عن الحرب، ويمكن لنا أن نضيف إليها أضرار حروب أخرى، من قبيل: الحرب في سوريا وفي العراق وفي فلسطين أيضًا.
يمكن دراسة ظاهرة الحرب من مختلف الأبعاد الفقهية والحقوقية والأخلاقية، حيث تحظى الأبحاث الأخلاقية للحرب في هذا الشأن بأهمية بالغة وعملية. وقد قدم المفكرون المسلمون الكثير من الأبحاث حول الحرب والجهاد من الناحية الفقهية والحقوقية، وأما من الناحية الأخلاقية فلم نشهد دراسات كثيرة في هذا الشأن. وفي المقابل فإن المفكرين الغربيين قاموا بدراسات تفصيلية حول أخلاق الحرب، وقدّموا الكثير من النظريات في هذا الشأن.
وفيما يتعلق بأخلاق الحرب، هناك ثلاث نظريات معروفة، وهي: نظرية النزعة الواقعية، ونظرية النزوع إلى السلام، ونظرية الحرب العادلة. يذهب “أصحاب النزعة الواقعية” إلى الاعتقاد بعدم وجود أيّ صلة في الأساس بين الأخلاق والحرب أصلًا؛ وذلك لأن الحرب إنما تقع من أجل الوصول إلى السلطة وفي إطار الحصول على المصالح الوطنية، ولتحقيق هذه الأهداف يجب التخلّي عن الضوابط الأخلاقية. وفي المقابل هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن الأخلاق والحرب مترابطان، وهؤلاء بدورهم ينقسمون إلى مجموعتين، وهم: أنصار السلام، وأنصار الحرب العادلة. إن أنصار السلام يذهبون إلى القول بأن الحروب بأجمعها ليست صحيحة من الناحية الأخلاقية؛ وذلك لأنهم في الأساس يرون أن العنف بجميع أنواعه لا يمكن أن يكون أخلاقيًا. وأما أنصار الحرب العادلة فإنهم يذهبون إلى الاعتقاد بأن بعض الحروب صحيحة من الناحية الأخلاقية، وبعضها الآخر لا يكون صحيحًا، وفيما لو توفّرت الظروف فإن بداية الحرب سوف تكون صحيحة من الناحية الأخلاقية[9]. وعلى هذا الأساس، فإن بعض المنظّرين يقبلون ببحث أخلاقية الحرب، وأما بعضهم الآخر فيرى أن بحث أخلاقية الحرب أمر لا ينطوي على فائدة بشكل مطلق؛ وذلك لأن حقل الأخلاق والحرب في الأساس منفصلان عن بعضهما تمامًا.
إن أنصار النزعة الواقعية يعتبرون المصالح الوطنية في الدرجة العليا من الأهمية، ويذهبون إلى الاعتقاد بأن الحكومات يجب عليها أن تضع ضمان مصالح الشعب وصيانتها ضمن الأصول الأولية في السياسة الخارجية. وحيث إن الدفاع عن المصالح الوطنية يحتاج إلى بناء القوّة، فإن الوظيفة الثانوية للحكومات هي ترسيخ وزيادة القوة أيضًا. إن الحرب من بين الأمور والخيارات التي تحافظ عن المصالح الوطنية، ولكنها قد لا تنسجم مع المعايير الأخلاقية، وإن الأخلاق تحدّ من الحرية المطلقة للحكومات في هذا الشأن. ولهذا السبب يذهب أنصار النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن الأخلاق والحرب أمران متناقضان؛ وذلك لأنه في حالة دخول الأخلاق في الحرب، فسوف تتعرّض المصالح الوطنية وقوّة الدول إلى الخطر.
إن أنصار النزعة الواقعية ينقسمون ـ بلحاظ بيان فقدان العلاقة بين الحرب والقيَم الأخلاقية ـ إلى نوعين، وهما: أصحاب النزعة الواقعية التوصيفية، وأصحاب النزعة الواقعية التسويغية[10].
إن «الواقعية التسويغية» نظرية معيارية، يكون من واجب كل دولة ـ في ضوئها ـ أن تعمل على ضمان مصالح شعبها، ومن هنا فإنه يجب عليها أن تبلغ بقوّتها إلى الحدود القصوى من أجل الوصول إلى هذه الغاية. وفي بداية الأمر سوف نعمل في هذه المقالة ـ من خلال الأسلوب التوصيفي / التحليلي ـ على بيان النزعة الواقعية التسويغية بشكل صحيح، لنقوم بعد ذلك ببحث ونقد أهم الأدلة المذكور لصالح هذه النزعة.
النزعة الواقعية التسويغية
تقدّم أن ذكرنا أن نظرية النزعة الواقعية للحرب تنقسم في بادئ الأمر إلى قسمين، وهما: «الواقعية التوصيفية»، و«الواقعية التسويغية». وفي ضوء النزعة الواقعية التوصيفية، تسعى الدول والحكومات على الدوام إلى البحث عن مصالحها ومصالح شعبها، وتقوم بفعل كل شيء من أجل تحقيق تلك المصالح. إن توصيف أنصار هذا الرأي لواقعية الحكومات هو توصيف غير أخلاقي، وهم يذهبون إلى الاعتقاد بأن الزعماء السياسيين من أجل تحقيق المزيد من المصالح والقوى، يسوّغون القيام بجميع الأفعال والممارسات حتى وإن كانت على خلاف الأصول الأخلاقية. إن الأصل الأساسي في النزعة الواقعية هو تسويغي أيضًا؛ حيث يجب أن تصبّ جهود الحكومات والدول في إطار تحقيق الحد الأقصى من مصالحهم الوطنية[11]. إن الواقعية التسويغية نظرية معيارية تفرض على كل دولة أن تقوم بواجبها الذاتي في ضمان مصالح شعبها، ولا يمكن لأيّ شيء بما في ذلك حتى الأصول الأخلاقية أن تحوْل دون تحقيق هذا الأمر. والنقطة الجديرة بالالتفات هي أن الواقعية التوصيفية والواقعية التسويغية لا ربط لإحداهما بالأخرى، وفي الأساس فإن القبول بإحداهما لا يتوقّف على القبول بالأخرى. فقد يكون هناك من يؤمن بالواقعية التسويغية ولا يؤمن بالواقعية التوصيفية، والعكس صحيح أيضًا[12]. وعليه فمن الضروري بحث كل واحد من هذين الرأيين على انفراد.
إن الواقعية التسويغية تنقسم في حدّ ذاتها إلى قسمين مختلفين، وهما عبارة عن: الواقعية التسويغية الحذرة، والواقعية التسويغية الأخلاقية. في ضوء الواقعية التسويغية الحذرة يتعيّن على الدول / الشعوب أن تتصرّف في علاقاتها الدولية بحذر، وأن تصبّ اهتمامها على مصالحها الوطنية فقط. وفي ضوء هذه النظرية لن يكون أيّ نظام حكيمًا ونافعًا إلا إذا كانت سياسته الخارجية تقوم على أساس فهم وإدراك دقيق للمصالح الوطنية؛ وذلك لأن سلوكه سوف يكون مقرونًا بالحذر[13]. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إذا كانت مصالح الدولة والشعب لا يمكن تحقيقها إلا بواسطة الحرب، فإن خوض الحرب سوف يكون من مقتضيات العقل والحذر، حتى وإن كانت هذه الحرب على خلاف الضوابط الأخلاقية. يبدو أن المراد من الحذر المقصود من وجهة نظر أصحاب النزعة الواقعية، هو أن الأمر الضروري الوحيد بالنسبة إلى الدول والحكومات هو الاهتمام بالمصالح الوطنية والحفاظ عليها والعمل على زيادتها، ومن هنا فإنه لو أدى شيء آخر غير المصالح الوطنية ـ من قبيل الأصول الأخلاقية ـ إلى حرف أنظار الحكومات عن تحقيق هذه المصالح، فيجب عدم رعاية جانب الاحتياط والحذر، وإن مثل هذا السلوك سوف يلحق بهم الضرر حتمًا.
كما أن الواجب الأهم بالنسبة إلى الحكومات والدول في ضوء الواقعية الأخلاقية، عبارة عن صيانة المصالح الوطنية، بيد أن هذه المسؤولية تعدّ أخلاقية بالكامل، وفي الأساس فإن الأصول الأخلاقية هي التي تحدّد وتثبت تفوّق وعلوّ كعب المصالح على الأمور الأخرى. يذهب أنصار هذا الرأي إلى الاعتقاد بأن صيانة مصالح الشعب وأولويّتها بالنسبة إلى سائر الواجبات الأخلاقية، ليس أمرًا متنافيًا مع الأخلاق ولا صلة له بها[14]. ولمزيد من توضيح الاختلاف بين هذين الرأيين الواقعيين، يمكن القول إن جميع الناس يبحثون عن مصالحهم، مع فارق أنهم يختلفون في طريقة المطالبة بها. هناك من يرى أن الأصول الأخلاقية تحوْل دون الحصول على تحقيق المصالح، ومن هنا فإنهم يذهبون إلى الاعتقاد بوجوب التخلّي عن الأصول الأخلاقية. بينما يذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن كل مجهود من أجل الحصول على المزيد من المصالح هو عين الأخلاق، ويكون متطابقًا مع الأصول الأخلاقية، ومن هنا فإنهم لا يرون وجود أيّ اختلاف بين هذين الأمرين، ويميلون في الأساس إلى القول بـ «الأخلاقية الذاتية». وعلى هذا الأساس فإن العنصر الرئيس في نظرية النزعة الواقعية، عبارة عن أهمية المصالح الوطنية، وإن اختلافها الوحيد إنما يكمن في كيفية توجيه دفّة هذه الأهمية، وإلا فإن النتيجة على كلا الرأيين واحدة.
أدلة الواقعية التسويغية
لقد تمّ ذكر دليلين لإثبات الرأي الأول (الواقعية الحذرة)، أحدهما ينظر إلى واقع كل دولة ما بشكل منفصل ومن دون النظر إلى أوضاع سائر الدول والحكومات الأخرى وما عليه أوضاع العالم برمّته. والدليل الآخر ينظر إلى وضع العالم بأسره دون اختصاص بدولة واحدة بعينها. في الدليل الأول يتمّ إثبات أن نظرية الواقعية التسويغية إذا تم القبول بها من قبل دولة ما، فإن أوضاع وظروف تلك الدولة وذلك الشعب سوف تكون أفضل بكثير. وفي الدليل الثاني يثبت أيضًا أنه في حالة القبول بهذا الرأي، فإن العالم بأسره وجميع الدول سوف تتجه نحو ظروف أفضل.
1. افتراض الحماقة
إن الدليل الأول يقوم على نوع رؤية خاصة إلى الدوَل والحكومات والتزامها بالأصول الأخلاقية وتطبيقها في علاقاتها ببعضها. إن أنصار الواقعية ينظرون على الدوام إلى رعاية الأخلاق في الشؤون الدولية بيأس بالغ، ويذهبون إلى الاعتقاد بأن الدول حتى لو ألزمت برعاية الأمور الأخلاقية في العلاقات الثنائية، بيد أنها في مقام العمل سوف تسيء التصرف من الناحية الأخلاقية. حيث أن الصفة البارزة في المجتمع الدولي هي الفوضى والهرج والمرج، فإن كل دولة إنما تسعى إلى ضمان مصالحها الخاصة بها فقط، ومن هنا سوف يكون من المستحيل العمل على أساس الأصول الأخلاقية؛ وفي ظلّ هذه الظروف يدرك كل سياسي عاقل أنه حيث يذهب الجميع إلى العمل على زيادة قدراتهم وقوتهم وتحقيق مصالحهم، إذن يجب عليه أخذ جانب الحيطة والحذر، وأن لا يجازف في الحصول على المصالح، ومثل هذا الشخص سوف ينتمي في الأساس إلى الفلسفة العملية[15]. وفي ضوء هذا الرأي تكون العقلانية عبارة عن الحفاظ على المصالح مهما كلّف الثمن، ومن هنا فإن الأخلاق إذا تعارضت مع المصالح، فسوف يكون التخلّي عنها أمرًا عقلانيًا ومجديًا.
يذهب أصحاب الرؤية الواقعية إلى الاعتقاد بأن الدول إذا عملت على رعاية الأخلاق في الشؤون الدولية، سوف يتمّ اعتبارها حمقاء من قبل الدول الأخرى. وفي ظلّ هذه الظروف سوف يتم وصف الدول التي تعمل على أساس الأصول الأخلاقية ـ من قبل الدول الأخرى ـ بأنها غير ذات قيمة، وسوف يتم اعتبارها نوعًا من المنفعة البحتة. وبعبارة أخرى: إن السلوك الأخلاقي لدولة ما والقيود الأخلاقية التي تفرضها على نفسها في هذا الشأن سوف تؤدّي إلى اجتراء الآخرين عليها واعتدائهم على حقوقها. وعلى هذا الأساس فإن سلوك الدولة إنما يكون عقلانيًا وحذرًا فيما لو كانت متطابقة مع النزعة الواقعية، وسوف يكون هذا الأمر بالنسبة إلى الناس أجدى بكثير مما لو أراد حكّامهم أن يتصرّفوا أخلاقيًا[16]. من الواضح أن هذا الدليل على نوع من سوء الظن بجميع الدول، والقنوط من تمسّكها برعاية الأصول الأخلاقية في علاقاتها بالدول الأخرى.
يمكن صياغة الدليل الأول لأنصار النزعة الواقعية الحذرة، في ضوء الشكل المنطقي أدناه:
المقدمة الأولى: إن رعاية القواعد الأخلاقية في الحرب تؤدّي إلى اعتبار قادة الدول من الحمقى، وصيرورة الدولة لقمة سائغة تطمع في ابتلاعها الدول غير الأخلاقية.
المقدمة الثانية: إن كل فعل يستوجب اعتبار دولة ما حمقاء ولقمة سائغة بالنسبة إلى الآخرين، يُعدّ أمرًا لا أخلاقيًا.
النتيجة: إن رعاية القواعد الأخلاقية في الحرب، ليست عقلانية.
وعلى هذا الأساس فإن المدافعين عن النزعة الواقعية، لا يرون الحياة الأخلاقية مجدية ولا سيّما في زمن الحرب؛ وذلك لأنها تبعد الإنسان عن الوصول إلى مصالحه، وحيث إنه يستطيع ضمان مصالحه من خلال القيام بالأعمال غير الأخلاقية، فما حاجته إلى الأخلاق؛ ولذلك فإنهم يذهبون إلى الاعتقاد بأن لجوء الإنسان إلى الحياة الأخلاقية يجعل الإنسان يبدو وكأنه أخرق وأحمق، ومن هنا فإنه يتعيّن عليه ـ من الناحية العقلية ـ أن لا يسلك بحيث يصبح أضحوكة للآخرين.
الإشكالات على الدليل الأول
إن النزعة الواقعية الحذرة عبارة عن رؤية مثيرة للكثير من الجدل، ومن هنا يجب الإجابة عنها بشكل دقيق، ولا سيّما من قبل أنصار القول بالحرب العادلة. وإن من بين التحدّيات المطروحة في هذا الرأي ـ على ما جاء في المقدمة الأولى للاستدلال ـ عبارة عن النظرة السخيفة للدول إلى الدول الأخلاقية. يذهب أصحاب النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن الدولة التي تجيز دخول الأخلاق في حقل العلاقات الدولية بشكل عام والحرب بشكل خاص، سوف تعتبر من قبل الآخرين بوصفها دولة حمقاء؛ وذلك لأن أكثر الدول تتصرّف على خلاف القيَم الأخلاقية. إن مثل هذه التصرّفات في الساحة الدولية تستدعي مزيدًا من الحذر والفطنة، وتمنح الدول هذه القدرة في أن لا تنسى مسؤوليتها الوحيدة والتي هي ضمان المصالح الوطنية. وعلى هذا الأساس فإن مبنى هذا الاستدلال هو التخلّي عن الأخلاق بذريعة عدم التعرّض للاستهزاء والسخرية والاتصاف بالحمق بسبب رعاية الأخلاق في العلاقات الدولية، ومن بينها الحرب. يبدو أن هذا المبنى يعاني من الإشكال من ثلاث جهات، وبالنظر إلى هذه الإشكالات سوف يهتزّ صرح الرؤية الواقعية التسويغية الحذرة أيضًا.
أ. الاحتمال غير العقلاني
إن الإشكال الأول الذي يرِد على هذا المبنى، هو أنه على الرغم من إمكان القبول بهذا الرأي على نحو جزئي، والاستفادة منه في بعض الموارد المهمة، والعمل على ترجيح كفّة المصالح على كفّة الأخلاق، ولكن في الغالب لا يمكن لمجرّد احتمال الاتصاف بالحمق أن يكون مسوّغًا للتخلّي عن الأخلاق. ففي بعض الموارد حيث يمكن أن تؤدّي رعاية الأخلاق إلى تعريض الدولة والشعب إلى تداعيات وتبعات قاتلة، فسوف يكون الحذر المنشود لأصحاب النزعة الواقعية من أجل ضمان بقاء الدولة أمرًا عقلائيًا. وبعبارة أخرى: ربما أمكن القبول بهذا الرأي على نحو جزئي، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن هذه الموارد نادرة جدًا، ومن هنا فإنه في ظل الظروف الاعتيادية لا يكون مجرّد احتمال الاتصاف بالحمق مسوّغًا للتخلي عن الأخلاق، والتصرف على نحو أناني تمامًا[17]. إن العمل بالأصول الأخلاقية ـ خلافًا لأصحاب النزعة الواقعية، الذين كانوا يعتبرون تقديم المصالح على الأخلاق أمرًا عقلانيًا ـ يعدّ أمرًا عقلانيًا بالكامل.
يبدو أنه في حالة إثبات أن القيام بعمل أو تركه ينطوي على مصلحة، يكون الالتزام به ضروريًا من الناحية العقلية، وإن لم يلتزم به الآخرون. فلو حصل للإنسان يقين بأمر ما، فلن يكون بمقدور أيّ شيء أن يصرفه عن هذا الاعتقاد أبدًا، حتى وإن تعرّض للسخرية والاستهزاء بسبب تمسّكه بهذا الموقف. فإذا كان الفعل حسنًا من الناحية الأخلاقية، فإنه يجب القيام به، ولو كان قبيحًا فلا ينبغي ارتكابه، حتى وإن أدى فعل الحسن وترك القبيح إلى اتصاف الشخص من قبل الآخرين بالغباء والحمق. وعلى هذا الأساس ومن الناحية العقلية، فإن مجرد احتمال الاتصاف بالحمق، لا يمكن أن ينهض دليلًا عقلائيًا على ترك الفعل الأخلاقي.
ب. القيَم الأخلاقية جزء من المصالح الوطنية
إن الإشكال الثاني الذي يرِد على النزعة الواقعية الحذرة، هو أنها لا تأخذ القيَم الأخلاقية بوصفها من المصالح الوطنية. إن المعتقدات الأخلاقية تمثّل جزءًا من المصالح الأساسية لكل شعب، وإن تحقيقها في إطار الوصول إلى المزيد من الأمن والرفاه للناس في المجتمع يحظى بأهمية خاصة. وعلى هذا الأساس، لا يمكن القضاء على المصالح الأخلاقية تحت ذريعة الحفاظ على المصالح الحذرة بسهولة؛ وذلك لأن المعتقدات الأخلاقية في حدّ ذاتها تمثّل جانبًا مهمًا من هوية الشعب.
إن العلاقة بين المصالح الوطنية والأخلاق تعدّ من بين الأبحاث المهمّة للغاية بين المفكّرين المختصّين في العلاقات الدولية. إن لكل واحد من المصالح الوطنية والأخلاق أهمية كبيرة، وكلاهما يلعب دورًا ملحوظًا في استقرار المجتمع واستحكامه. إن المصالح الوطنية هي الغرض الأصلي لدول العالم ـ باستثناء الدول الأنانية والمتغطرسة ـ ومعيارها لاتخاذ القرارات والسياسات المختلفة. إن المعتقدات الأخلاقية لكل مجتمع ـ والتي تقع تحت مجموعة الهوية الوطنية ـ تعدّ المصدر الرئيس لحياة ذلك المجتمع والضامن لاستقلاله وتقدّمه أيضًا[18]. إن المصالح الوطنية لها عناصر لو تحقّقت فسوف يمكن القول عندها بضمان مصالح البلد، وما علينا إلا أن نرى ما إذا كانت الأخلاق جزءًا من العناصر المكوّنة للمصالح الوطنية. يبدو أن الاتجاه المتمحور حول المصلحة ـ من دون أخذ المعايير الأخلاقية بنظر الاعتبار ـ غالبًا ما لا تنسجم مع المصالح الوطنية، وتؤدّي إلى النزاع والحرب.
تارة يكون المراد من «المصالح الوطنية» عبارة عن المشاعر الوطنية، حيث اندلعت الكثير من الحروب بسبب تبلور هذا النوع من المشاعر. وإن المثال البارز للحروب الناشئة عن فوران المشاعر الوطنية، الحرب العالمية الأولى والثانية؛ حيث كان الشعور المفرط بالوطنية والتفوّق العرقي لدى الألمان هو السبب الرئيس في اندلاع تلك الحروب[19]. يجب الالتفات إلى أن النزعة الوطنية ليست مذمومة بالمطلق، وإن أفراد كل شعب يجب عليهم الاتصاف في قرارة أنفسهم بالمشاعر الوطنية من أجل ضمان قوّة البلد وأمنه. وقد ذهب الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري إلى الاعتقاد بأن الشعور الوطني يُعدّ من لوازم بناء شعب قوي، وقال في هذا الشأن: «إن قيام الشعور المشترك أو الوجدان الجمعي بين مجموعة من الأفراد، هو الذي يؤلّف الكتلة السياسية أو الشعب»[20]. وعلى هذا الأساس، فإن الوطنية بمفهومها الصحيح، تعدّ أمرًا ضروريًا. وأما بمفهومها الخاطئ والذي يعني إثبات الأنا على حساب إلغاء الغير والآخرين فهي ـ من الناحية الأخلاقية ـ مذمومة تمامًا.
إن النزعة القومية والعرقية تعدّ من الآفات الأخرى للمصلحة المحورية المفرطة التي تؤدّي ببعض الأعراق ـ من أجل إظهار تفوّق عرق خاص ـ حتى إلى تسويغ الاعتداء على حقوق شركائهم في الوطن من المنتسبين إلى الأعراق الأخرى أيضًا. وإن الحروب العرقية والعنصرية التي أشعل الصرب فتيلها في البلقان ـ في العقد التاسع من القرن العشرين للميلاد ـ تعدّ نموذجًا من تداعيات الغطرسة والعنجهية العرقية وتغليب المصالح العرقية دون أخذ القواعد الأخلاقية بنظر الاعتبار[21]. وهناك في ظاهرة القومية والعرقية جهات إيجابية وسلبية أيضًا، وعليه لو كان المراد من الانحياز إلى القوم والعرق هو الانحياز لأبناء الوطن والمجتمع والشعور بالعزة والفخر والثقة بالنفس في الحق، فسوف يكون هذا الانحياز أمرًا مطلوبًا ومحمودًا. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن الاعتقاد بـ «التفوّق العرقي» أمر غير أخلاقي، بيد أن الاعتزاز الصحيح بالانتماء إلى قوم وعرق يُعدّ أمرًا محمودًا وأخلاقيًا.
إن المصلحية المفرطة تذهب في بعض الأحيان إلى أبعد من الوطنية والقومية؛ بمعنى أن بعض البلدان تنقسم إلى طائفتين؛ وهما الطائفة التي تقف معنا، والطائفة التي تقف ضدّنا، وإن الذين يقفون ضدّنا، يشكلون خطرًا علينا. إن هذا النوع من النظر إلى المصالح ـ والذي ينشأ عادة من الأنا وعبادة الذات ـ سوف يؤدّي إلى نوع من الاصطفاف وتقسيم الناس إلى من هو معنا ومن هو ضدنا، حيث يمكن القول بأن الهجوم العسكري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان والعراق ـ بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ـ قد نشأ من هذه الرؤية[22]. وبشكل عام يمكن للرؤية المفرطة إلى المصالح الوطنية ـ من دون أخذ الأصول والمعايير الأخلاقية بنظر الاعتبارـ أن تكون منشأ للكثير من الأضرار والآفات، ومن بينها اندلاع الحروب الطويلة. ومن الجدير ذكره أن المعايير الأخلاقية ـ من قبيل القوانين الدولية ـ لا تتنافى مع المصالح الوطنية لكل بلد، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تضمن المصالح في قالب الأطر الأخلاقية والقانونية أيضًا. وعليه يتّضح ـ من خلال ما تقدّم ـ أن «القواعد الأخلاقية» تمثّل جزءًا من المصالح لكل بلد، وإن الحفاظ عليها ومراعاتها يشكّل ضامنًا للمصالح الوطنية.
إن الثقة والاعتماد الدولي الناشئ من التمسّك بالأصول الأخلاقية، دليل آخر يثبت أن “الأخلاق” تعدّ من لوازم الحصول على المصالح الوطنية. إن رعاية الأصول الأخلاقية تؤدّي إلى صيرورة الدول موردًا لثقة المجتمع العالمي. فلو كانت دولة ما ـ على سبيل المثال ـ متمسّكة بعهودها ومواثيقها، ولم تكن كاذبة وكانت مخلصة لمبادئها، فإن البلدان الأخرى سوف تشعر بالأمن تجاهها، وسوف تكون على استعداد للتعامل والتعاون معها في مختلف المجالات، ومن بينها: المجالات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية. وفي المقابل لو قامت دولة ما بنقض عهودها من أجل الحصول على المزيد من المصالح وقامت بخداع الآخرين، فإنها سوف تفقد مكانتها بينهم. وفي العادة فإن الدولة التي تفقد ثقة الآخرين بها لن تعتمد عليها الدول الأخرى، وبالتالي فإنها سوف تبقى وحيدة ومعزولة، وحيث إن الكثير من مصالح الشعوب المتنوّعة مرتبطة ببعضها، فإن مصالح الدولة العديمة الأخلاق سوف تتعرّض على المدى البعيد إلى الخطر.
ج. آلية الأخلاق
إن الإشكال الآخر الذي يرد على الدليل الأول لأصحاب النزعة الواقعية، هو أن عدم قيام الآخرين بالفعل الأخلاقي لا يمكن أن يُعدّ ملاكًا لعدم قيامنا بالفعل الأخلاقي. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن سرقة شخص آخر ونهبه لبيت في غياب أهله لا يصلح أن يكون مبررًا لقيام الآخرين بمثل فعله، كما أنه لا يكون دليلًا على ذكائه وحنكته أيضًا. يجب القول إن مثل هذه اللحظات تمثل مسرحًا لاختبار شخصية الناس وكمالهم الأخلاقي؛ وليست مسوّغًا للتخلّي عن القيَم الأخلاقية. فبالنسبة إلى الشخص الذي يواجه مثل هذه الظروف قد تكون صيانة نفسه عن خيانة المعتقدات الأخلاقية ـ حتى في ظل الظروف التي تكون مثارًا للمخاطر حقيقة أيضًا ـ أكثر قيمة. وعلى هذا الأساس فإن الحدّ الأدنى ممّا يمكن قوله هو إن قضية «أن أفضل الطرق في حالة مواجهة خطر هيمنة الآخرين، هو العمل على طبق الواقعية»، ليست قضية بديهية، وإنما تحتاج إلى بحث ونقاش[23].
فيما يتعلق بأسباب لجوء بعض الأشخاص إلى الحياة غير الأخلاقية، هناك الكثير من الآراء المطروحة من قبل العلماء المختصّين في حقل علم النفس الأخلاقي، حيث يسعى كل واحد منهم إلى تفسير السلوك غير الأخلاقي. وسوف نقوم هنا بدراسة واحدة من هذه النظريات وهي نظرية متماهية مع النزعة الواقعية، ويمكن اعتبارها من مباني هذه النظرية أيضًا. هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن سبب تخلّي الناس وإعراضهم عن الأصول الأخلاقية، هو أن العمل بالأصول والقواعد الأخلاقية إنما يكون مجديًا فيما لو عمل بها جميع الناس، وحيث لا يتمسّك جميع الناس بالأخلاق، فإن العمل بهذه الأخلاق لن يكون مجديًا[24]. وبعبارة أوضح: إن السلوك غير الأخلاقي من قبل الآخرين في المجتمع سوف يكون مسوّغًا لنا للاتصاف بالأخلاق السيئة والقبيحة؛ وذلك لأن السلوك الأخلاقي في مثل هذه الظروف لن يكون مجديًا أو نافعًا لا بالنسبة إلى الفرد ولا بالنسبة إلى الآخرين.
إن الاستدلال الأول الذي يذكره أصحاب النزعة الواقعية يشتمل على مقدمتين، وهما أولًا: إن جدوائية رعاية الأخلاق إنما تكون في حالة رعاية هذه الأخلاق من قبل الجميع. والمقدمة الثانية: عدم رعاية الأخلاق من قبل الجميع. ويبدو أن المقدمة الأولى من هذا الاستدلال تنطوي على إشكال؛ وذلك لأن الأخلاق بالإضافة إلى الفوائد الموجودة في العمل الجماعي، تنطوي على الكثير من المنافع على المستوى الفردي أيضًا. إن العمل بالأصول والقواعد الأخلاقية يمنح الفرد نوعًا من الرضى والسكينة الداخلية، وهذا الأمر لا صلة له برعاية أو عدم رعاية هذه القواعد من قبل الآخرين.
والإشكال الآخر الذي يمكن إيراده على هذا المبنى هو أنه وإن لم يكن جميع الناس ـ في ضوء المقدمة الثانية من الدليل ـ يعملون بالقواعد الأخلاقية، إلا أن الكثير منهم يتمسّكون بهذه الأصول أيضًا، وبهذا المقدار سوف يحصلون على الكثير من الفوائد والمنافع أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنه بالنظر إلى إشكال آلية الأخلاق، لا يكون مدّعى أصحاب النزعة الواقعية ـ القائم على عدم جدوائية العمل بالأخلاق، لمجرّد عدم قيام الجميع بالعمل الأخلاقي ـ صحيحًا.
كما أن الأخلاق بدورها تحتوي ـ من زاوية الأخلاق الإسلامية ـ على آليتين: آليّة داخلية، وآليّة خارجية، حيث يؤدّي العمل على طبق القواعد الأخلاقية في قسم الآليّة الداخلية إلى بلورة «الهوية الإنسانية». إن السلوك الأخلاقي ينطوي على الكثير من الفوائد الاجتماعية، ومن بينها: تطوير العلم وإنتاج المعرفة، والتقدّم والازدهار الاقتصادي، والرفاه والأمن الاجتماعي، والأداء المطلوب من قبل المؤسسات والمنظّمات، والثقة بين العاملين. وبغض النظر عن الآثار والفوائد الاجتماعية، فإن للآخلاق آلية داخلية أيضًا، ويمكن بناء الشخصية الفذّة للفرد من خلال العمل بالقواعد والأصول الأخلاقية. إن أفعال الإنسان تعمل على صياغة صورته النفسانية، وإن آثارها تظهر على النفس في الدنيا وفي عالم ما بعد الموت أيضًا. إن نفس الإنسان في بداية الحياة تكون صفحة بيضاء لا تحتوي على أي رسم أو خطوط أبدًا[25]، وإن الأفعال الاختيارية له هي التي تملأ فضاء هذه الصفحة بالخطوط والصوَر.
في ضوء ما تقدم، فإن مدّعى المدافعين عن النزعة الواقعية في الدليل الأول القائم على عدم جدوائية العمل بالقواعد الأخلاقية في الشؤون الدولية وفي الحرب بشكل خاص، لا يتّصف بالدقة اللازمة. إن احتمالية الاتصاف بالغباء والحمق في حالة عدم العمل بالقواعد الأخلاقية في الحرب ـ الذي هو مبنى الاستدلال الأول لأصحاب النزعة الواقعية ـ احتمال غير عقلائي. وكذلك فإن القيَم الأخلاقية بالإضافة إلى أنها جزء من مصالح الدول، فإنها تحتوي كذلك على آلية داخلية وخارجية، وتعمل على بلورة النفس أيضًا. إن النقطة المهمة التي يجب الالتفات إليها هي أن السياسة الخارجية للنظام الإسلامي قد تبلورت في ضوء هذه المباني أيضًا، ومن هنا فإن النظام الإسلامي أخلاقي في الحرب أيضًا، كما هو الحال في سائر الأمور الدولية الأخرى.
2. فرض السلام بالقوّة
إن الاستدلال العام لأصحاب النزعة الواقعية التسويغية / الحذرة، ناظر إلى الوضع العام لجميع الدول والحكومات، ويبحث أوضاع العالم في حالة العمل بهذا الرأي. ففيما لو قامت كل دولة بالبحث عن مصالحها والحصول على المزيد من القوة، فإن العالم سوف يحظى بأوضاع أفضل بكثير. إن اتخاذ التوجّهات الواقعية ـ بسبب اختلاف مصالح الدوَل ـ يؤدّي أحيانًا إلى الحروب، ولكنها سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى الصلح والاستقرار[26]. إن الاستدلال الثاني للنزعة الواقعية له تقريران مختلفان، وكل واحد منهما يعمل على تفسير كيفية إقامة السلام من خلال الاستفادة من الرؤية الواقعية في المسائل الدولية ومن بينها الحرب. إن المدافعين عن النزعة الواقعية عند بيان التأثير الأكبر لرؤيتهم في إقامة السلام بالقياس إلى الرأي الأخلاقي، يُشيرون في بعض الأحيان إلى التداعيات والتبعات السلبية لنظرية الحرب العادلة على تلك التي يتمّ في ضوئها رعاية القواعد الأخلاقية في العلاقات الدولية. كما يُشير أصحاب النزعة الواقعية أحيانًا في تفسير هذا الأمر إلى تأثير القوة في إقامة السلام، ويذهبون إلى الاعتقاد بأن زيادة القوة تؤدّي إلى الموازنة بين القوة والسلام. وفيما يلي سوف نعمل على بيان وشرح تقريرين للاستدلال الثاني على النزعة الواقعية.
التقرير الأول
يذهب أصحاب النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن تمسّك الشعوب المختلفة بالقواعد الأخلاقية لا يحول دون اندلاع الحروب البتّة، بل يزيد من احتمال اندلاعها أيضًا. ومن ناحية أخرى فإن الأفراد يعيشون على الدوام هاجس معتقداتهم الأخلاقية، ويدافعون عن العدل، ويميلون في الوقت نفسه إلى تغيير هذه المعتقدات أيضًا. وعليه لو كان ملاك السياسة الخارجية للدوَل والحكومات عبارة عن القواعد والأصول الأخلاقية، فسوف تنشب الكثير من الحروب. وبعبارة أوضح: حيث إن إقامة العدل في غاية التعقيد، ولا يستطيع أغلب الناس تحمّل وطأة ذلك، فإن تحقيق الغاية في بسط العدل وسائر القيَم الأخلاقية الأخرى سوف يحتاج إلى الكثير من الجهاد والكفاح[27]. وعليه يمكن القول في ضوء هذا الاستدلال: إن توظيف المعايير الأخلاقية في العلاقات الدولية ينطوي على أثمان باهظة، ومن بينها فرض الحروب على الدول والحكومات.
إن دراسة الحروب المختلفة يثبت أن الكثير منها كان نتيجة لنوع من النزعة الأخلاقية المفرطة. يذهب أصحاب النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن الحروب الصليبية، والحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وحروب الثورة الفرنسية، كانت من بين الحروب التي تعود أسبابها إلى نوع من المتبنّيات الأخلاقية. وربما أمكن حتى القول بأن الحرب العالمية الثانية ـ التي اندلعت بسبب اعتقاد أدولف هتلر بتفوق العرق الآري للألمان، وبالتالي صلاحية هذا العرق للهيمنة على جميع القارّة الأوروبية ـ كانت تشتمل على نوع من الدوافع الأخلاقية[28].
إن أصحاب النزعة الواقعية ـ خلافًا لأصحاب النزعة الأخلاقية ـ لا يعتقدون بالأخلاق الدولية، ويرون تطبيق القواعد الأخلاقية في نهاية المطاف مرتبطًا بالعلاقات الفردية وفي داخل المجتمع. إن الدول والحكومات مسؤولة عن حصر المعتقدات الأخلاقية ضمن حدودهم الداخلية، وعند الدخول في الساحة الدولية إنما يتصرّفون على أساس المصالح التي هي من قبيل: السيادة، والأمن الوطني، والتنمية الاقتصادية، وتحقيق الرفاه لشعوبهم[29]. إن هؤلاء يعتقدون بأنه على الرغم من أن رعاية الحذر وأخذ المصالح المشتركة بنظر الاعتبار، إلا أنّ احتمال اندلاع الحرب يبقى قائمًا، بيد أن نسبة هذا الاحتمال قليلة جدًا[30]. وعلى هذا الأساس، فإن المدافعين عن النزعة الواقعية الحذرة يذهبون إلى الاعتقاد بأن دراسة مختلف الحروب تثبت أن الكثير منها ناتج عن السياسات الأخلاقية، وإن القليل منها ناشئ عن السياسات الواقعية.
إن الاستدلال العام للواقعية الحذرة يحظى بأهمية أكبر بالقياس إلى الاستدلال الأول؛ وذلك إذ يُستفاد منه في الغالب عند المواجهة مع أنصار «نظرية الحرب العادلة». إن أصحاب النزعة الواقعية يوجّهون اتهامين إلى أنصار «نظرية الحرب العادلة»؛ الاتهام الأوّل: امتلاك نمط من عقلية القبول بأسلوب الحروب الصليبية. والاتهام الثاني: زيادة الأضرار الناجمة عن الحرب بسبب القول بارتباطها بالمعتقدات العجيبة والغريبة والمثيرة للجدل بشأن العدالة[31]. إن المدافعين عن الحرب العادلة، يحشون أذهان الناس بمخاطر العدوان، ويذكرون لهم تطلّعات وأحلامًا بشأن ضمان الأمن من طريق العنف. ولهذا السبب يذهب أصحاب النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن تبعية الحرب إلى الأخلاق إنما ترد حيث تكون مخاطر الحرب وأضرارها أكثر بكثير من حالة إنكار الارتباط بين هذين الأمرين. إنهم من خلال بيان هذه الإشكالات يرون أن الشيء الوحيد الذي يُعدّ ضروريًا في الحرب هو المسائل الاستراتيجية، ويذهبون إلى الاعتقاد بأن الأبحاث القائمة على العدل إما أنه يجب التخلي عنها بالمرّة، أو حصرها في داخل منظومة العدل الوطنية والعلاقات الشخصية بين الأفراد[32]. إن مبنى هذا التقرير هو زيادة احتمال وقوع الحرب والأضرار الناشئة عنها في حالة القبول بنظرية الحرب العادلة، وفيما لو بطل هذا المبنى، فإن هذا الاستدلال بدوره سوف ينهار أيضًا.
إن الحروب الصليبية تعد من بين أطول الحروب التي شهدتها البشرية طوال تاريخها، حيث احتدمت بين المسلمين والمسيحيين بخلفيات ودوافع دينية، واستمرّت لما يقرب من مئتي عام ما بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر للميلاد، وكان الهدف منها هو استعادة الأراضي المقدسة على يد المسيحيين. لقد كانت نظرة المسيحيين إلى المسلمين نظرة سلبية؛ حيث كانوا يعتقدون بأن الإسلام دين زائف، وأنه يحتوي على الكثير من العيوب الأخلاقية[33]. وكانت هناك أسباب عدّة تحمل المسيحيين على تبنّي هذا الاعتقاد والتصوّر الخاطئ عن الدين الإسلامي، وكان ذلك يقوّي دوافعهم في الحرب ضدّ المسلمين.
وكان من بين أسباب هذا التصوّر الخاطئ هو أن المسيحيين الأوروبيين ـ ومن بينهم القديس توما الأكويني ـ كانوا يعتقدون أن الإسلام دين سيف وعنف، ويرون أنه ينتشر بواسطة السيف[34]. وكان الصليبيون في العصور الوسطى يعتقدون بأن الإسلام دين بطر واسترخاء وأن المسلمين يهتمّون بالملذّات الجسدية، ودليلهم على ذلك أحكام من قبيل: تشريع تعدّد الزوجات، والإيمان بمعاشرة الحور العين في الجنة[35]، في حين أن هذا كان يخالف التعاليم المسيحية. والدليل الآخر أن المسيحيين كانوا يعتقدون بأن القرآن مشوب بالكثير من الأخطاء، ومن هنا فإنهم لم يكونوا يؤمنون برسالة النبي الأكرم؟ص؟، ويعتبرون المسلمين من الوثنيين[36]. من الواضح أن هذه الأدلة والأسباب تحتوي على أبعاد أخلاقية، وعليه فإذا كانت هي السبب في اندلاع الحروب الصليبية، فسوف يكون ادعاء أصحاب النزعة الواقعية القائم على ارتباط نظرية الحروب العادلة بعقلية الحروب الصليبية صحيحًا.
وعلى هذا الأساس يُستنتج أن خيار الحرب ـ في ضوء هذا النوع من الرؤية الواقعية ـ إنما يتمّ اللجوء إليه فيما إذا كان يصبّ في إطار تحسين المصالح الوطنية. إن الحرب سلوك وحشي وعنيف ويكلّف الدول أثمانًا باهظة. وعليه فإنه إنما يجب اللجوء إليه فيما لو تعرّضت المصالح الحيوية للدولة إلى مخاطر كبيرة. وفي الحقيقة والواقع يجب النظر إلى الحرب بنظرة سلبية، ولا ينبغي اعتبارها بوصفها سلوكًا أخلاقيًا، ودراستها من الناحية الأخلاقية. وفيما لو تمّت ملاحظة الحرب من هذه الزاوية فسوف تقع القليل من الأخطاء في الحسابات بالنسبة إلى الدول، وستكون الكثير من المشاعر الأخلاقية محلًّا للبحث والدراسة، وتنخفض أعداد القتلى، وفي نهاية المطاف سوف تنتهي الحرب سريعًا[37]. وعلى هذا الأساس فإنه من خلال دراسة التداعيات الناشئة عن نظرتين في النزعة الواقعية والحرب العادلة، يمكن لنا أن نستنتج أن تكاليف اتخاذ النظرة الواقعية بالنسبة إلى البشرية أقل بكثير، وتقلّل من احتمال اندلاع الحرب بشكل كبير.
التقرير الثاني
لقد عمد أنصار النزعة الواقعية إلى تقرير مساعدة هذه النظرية على توسيع دائرة السلام بشكل آخر أيضًا، وفي ضوء هذا التقرير تؤدّي ثقافة القوّة إلى إحداث توازن في القوى[38]، ونتيجة لذلك سوف يحل السلام. إن «القوّة» واحدة من العناصر الأصلية لنظرية النزعة الواقعية، والتي على أساسها تسعى كل دولة على الدوام إلى حفظ قدراتها وزيادتها[39]. يذهب هانس جي. مورجنتا إلى الاعتقاد بأن الحصول على القوة هي غاية جميع الدول على طول التاريخ، وإن القوة هي الهدف الرئيس من بين مختلف الأهداف السياسية لكل دولة[40]. يذهب أصحاب النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن كل دولة تسعى إلى الحصول على القوة، وفيما لو تحقق توازن في القوى بين الدول، فسوف يتمّ تحقيق الهدوء النسبي. وفي المقابل لو حصلت بعض الدول على مزيد من القوة، وبعضها الآخر على القليل من القوة، فإن الدولة القوية سوف تفكر على الدوام بالعدوان على الدولة الضعيفة، ولن يكون هناك سلام في البين أبدًا.
إن السلام لا يمكن تحقيقه إلا من طريق التكافؤ في القوى بين الدول على المستوى العالمي، ومن هنا لا يمكن البحث عن التبرير الأخلاقي لهذه الظاهرة. إن أصحاب النزعة الواقعية يعتبرون الإنسان شريرًا بطبعه، ويذهبون إلى الاعتقاد بأنه أناني ومحبّ لنفسه ونفعي بذاته، وهو على استعداد لاقتراف كل شيء بما في ذلك العنف للحصول على مصالحه وأرباحه الشخصية. إن أصحاب النزعة الواقعية ـ بالنظر إلى هذا المبنى ـ لا يسعون إلى إقامة السلام الأخلاقي أبدًا؛ وذلك لأن لازم هذا النوع من السلام هو الاعتقاد بالخير الذاتي للإنسان؛ في حين أن المدافعين عن النزعة الواقعية لا يطيقون مثل هذا الاعتقاد. وعلى هذا الأساس فإن المراد ممّا يُقدّم بوصفه سلامًا من قبلهم، هو تكافؤ القوى؛ بمعنى أن كل دولة يجب أن تسعى إلى زيادة قوتها، لكي تتمكّن من دفع شبح الحرب عن نفسها بواسطة قدرتها على الردع[41].
يذهب كي. إن، والتز ـ وهو من المؤسّسين لـ «نظرية توازن القوى» ـ إلى الاعتقاد بأنه حيث يتحقق شرطان، فسوف تسود سياسة التوازن في القوى. يذهب والتز إلى الاعتقاد بأنه لو كان النظام الدولي فوضويًا من جهة، وكانت الكتل السياسية المختلفة في هذا النظام تسعى إلى الحفاظ على وجودها وبقائها، فسوف تتشكل في مثل هذه الظروف ظاهرة التوازن في القوى على المستوى الدولي والعالمي[42]. وهو يقول: إن مراكمة القوّة الداخلية أو إقامة التحالف بين عدد من الدول هو الطريق الوحيد لمواجهة فائض القوة المفرطة لقوة عظمى أو بلد متسلّط[43]، يذهب المدافعون عن النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن الأمن سوف يسود العالم في هذه الظروف، وإن الدوَل سوف تحجِم عن الاعتداء على بعضها بسبب الخشية والخوف من قوتها.
يمكن بيان التقرير الثاني للاستدلال الثاني على الشكل المنطقي أدناه:
المقدمة الأولى: إن النظرة الواقعية وزيادة القوّة تؤدّي إلى توازن القوى.
المقدمة الثانية: إن التوازن في القوى سوف يؤدّي إلى سيادة السلام وبسط الأمن.
النتيجة: إن الرؤية الواقعية وزيادة القوّة، سوف تؤدّي إلى سيادة الأمن والسلام.
الإشكالات على الدليل الثاني
هناك العديد من الإشكالات التي ترد على الاستدلال الثاني، ومن بينها ما يلي:
أ. مساعدة النزعة الواقعية على بسط السلام المدّعى من دون دليل
إن مساعدة النزعة الواقعية على بسط السلام، هي من بين الادعاءات التي يذكرها أصحاب هذه النظرية، حيث يذهبون إلى الاعتقاد بأن هذه الخصوصية تجعلها أكثر جاذبية وجدوائية من بين الآراء المنافسة الأخرى في حقل الحرب. إن أصحاب النزعة الواقعية لم يقدّموا أيّ دليل على إثبات هذا المدّعى، ومن هنا فإنهم غير قادرين على ردّ الآراء المخالفة والتي تذهب إلى الاعتقاد ببعض اللوازم في حقل السياسة الخارجية. وفي ضوء هذا الرأي يجب على كل دولة أن تكون أنانية بالضرورة، وأن تسعى من أجل الحصول على المزيد من المصالح الخاصة بها. ليس من الصعب كثيرًا فهم أن هذه الرؤية الأنانية إلى الأمور الدولية تؤدّي بالضرورة إلى زيادة النزاعات والاضطرابات، ولن تفضي إلى السلام والاستقرار أبدًا.
إن النزعة الواقعية القائمة على نوع من السياسة الخارجية، أكثر هجومية واشتمالًا على المزيد من الحروب بالقياس إلى السياسة الخارجية القائمة على «العدل»[44]. إن انتهاج مثل هذه السياسة ـ ولا سيّما بالنسبة إلى الدول العظمى ـ يتّصف بالموضوعية، وهي الدول والحكومات التي تعمل ـ من خلال استخدام نفوذها وحتى اللجوء إلى الاستفادة من قوتها العسكرية ـ «إلى إعطاء القليل، والحصول على الكثير»[45]. من الواضح أن السعي من أجل زيادة القوة والحصول على المزيد من المصالح، دون أخذ اللوازم الأخلاقية بنظر الاعتبار، لن ينطوي على نتيجة سوى تفاقم النزاعات الدولية والصراع بين الدول والحكومات.
إن الاطلالة الإجمالية على التجارب السابقة والجذور التاريخية للنزعة الواعية، تعمل بوضوح على إظهار التداعيات والتبعات السيئة جدًا لقيام العلاقات السياسية المتبادلة على أساس الدعم الذاتي والمحاربة الاستراتيجية من أجل مراكمة القوّة. إن السبب الرئيس في وقوع مثل هذه الأحداث المريرة، عبارة عن انعدام الثقة بين الدول، الأمر الذي يؤدّي إلى الفوضى والهرج والمرج والصراعات العامة على الصعيد الدولي. في ضوء هذه النظرية يجب على الجميع أن ينتهجوا الأساليب القاسية والأنانية، حيث تعدّ الصداقة والوثوق بالآخرين في نهاية المطاف مسألة خاطئة تمامًا[46]. يذهب والتز إلى الدفاع عن «أصل الدعم الذاتي» في بنية محورية الفوضى والهرج والمرج الدولي، إلى القول: «إن الدعم الذاتي، هو قاعدة عمل يقينًا»[47].
عندما تفكر كل دولة بمصالحها الخاصة فقط، ولا تراعي أي حدود من أجل الوصول إلى هذه الغاية، ففي ظل هذه الأوضاع لا يمكن الاعتماد على الدولة الأخرى تحت أيّ ظروف؛ إذ يحتمل في كل لحظة أن تقوم هذه الدولة بتعريض الآخرين للخطر في إطار العمل على تحقيق مصالحها. ويوجد هذا الأمر في كل بلد بالقياس إلى البلد الآخر، ويسود سوء الظن بين الجميع.
إن ظروف انعدام الثقة وعدم الالتزام بالمواثيق والعهود الأخلاقية، سوف تجعل أوضاع العالم أكثر سوءًا يومًا بعد يوم، وتصل نسبة احتمال الصلح والسلام إلى الصفر.
وإن انعدام الثقة المتبادلة سوف يؤدّي إلى القيام بأفعال أكثر قسوة وأنانية ووحشية. وفي ظل هذه الأوضاع سوف يدخل الناس في منحدر من سوء الظن وجنون الارتياب[48]، ولن يكون أمامهم من مصير في نهاية المطاف سوى السقوط في هاوية الحرب والصراع[49].
وعلى هذا الأساس لو ذهبت جميع الدوَل إلى القبول بنظرية النزعة الواقعية في العلاقات الدولية، لا يبدو أن ذلك سوف يؤدّي إلى نتائج من قبيل السلام والرفاه والسعادة، بل إن الاحتمال الأكبر هو توسّع دائرة الحروب وانعدام الأمن. إن القبول بالنزعة الواقعية سوف يدفع العالم نحو جنون الارتياب ثم خوض الحروب بسبب الثروات الطبيعية، والتوسع الجغرافي، وحتى الحرب من أجل بثّ الرعب في قلوب الآخرين، وتحقيق الغايات المنشودة.
وقد تمّ توظيف ذات هذه الرؤية في نظرية «توازن القوى» المعروفة، وصارت هي السياسة الغالبة والمتّبعة في السياسات الخارجية الأوروبية؛ حيث تمّ تسويغ خوض الحروب الرادعة، وكانت نقطة الذروة لهذا النوع من السياسات قد تجلّت بوضوح في الحرب العالمية الأولى والثانية[50].
فيما لو تمّ التدقيق قليلًا في الجذور التاريخية للحروب على النحو الذي يدعو إليه أصحاب النزعة الواقعية أيضًا، فسوف يتضح جيدًا أن التضاد بين مصالح الشعوب قد تمّ اعتباره بدوره ـ مثل الأخلاق ـ سببًا في اشتعال فتيل الكثير من الحروب. إن الدراسة الدقيقة للحروب التي نشبت ما بين عامي 1400 إلى 1900 للميلاد بين مختلف القوى والدول الأوروبية حول الثروات والأراضي الاستعمارية، سوف تثبت نزاعها حول المصالح. ويمكن اعتبار هجوم أدولف هتلر على بولندا سنة 1939 للميلاد مثالًا آخر على الأطماع التوسعية وضمان المصالح الألمانية الخاصة. كان أدولف هتلر يرى أن المصالح الشخصية يجب أن تتقدّم على كل شيء آخر، وقام بالهجوم على بولندا بهدف الاستيلاء على المزيد من الأراضي وضمّها إلى ألمانيا المكتظّة بالسكان. كما سبق للجيل الألماني السابق أن غزا المكسيك في عام 1914م أيضًا لغرض الهيمنة على المزيد من الأراضي وإظهار القوّة. وكما سبق للجيل الألماني الأسبق سنة 1870 م بقيادة عالم السياسة الواقعية أوتوفون بسمارك أن فرض الحرب على فرنسا لغرض الاستيلاء على الأرض والإسمنت[51]. والمثال الآخر على هذا النوع من الحروب، عبارة عن الهجوم الاستحواذي لنظام البعث في العراق على دولة الكويت. فقد قام صدام حسين في عام 1990 م بالهجوم على الكويت لغرض الاستيلاء على الأرصفة والموانئ البحرية وزيادة ذخائره من النفط، والتحلّل من الديون الكبيرة التي تراكمت عليه لصالح الكويت بسبب حربه التي سبق له أن فرضها على إيران[52]. وفي الحقيقة يجب القول إن الحرب قد تحوّلت إلى آلية واقعية سائدة للخروج من الظروف والشرائط القاسية، أو العمل في الحد الأدنى على تشتيت الانتباه لدى عامّة الناس عن بعض المشاكل الداخلية للدول والحكومات من قبيل الركود الاقتصادي وما إلى ذلك[53]. وعلى هذا الأساس لا يمكن الادعاء بسهولة أن الرؤية الواقعية في حصول العالم على السلام هي الأجدى والأنجع بالقياس إلى الرؤية القائمة على العدل والتي تشتمل على قواعد وأصول محكمة في مواجهة الأعمال العدائية.
ب. أخلاق مناشئ الحرب أو السلم
إن القواعد والأصول الأخلاقية المشتركة بين الناس ـ خلافًا لمدّعى أصحاب النزعة الواقعية ـ ليست هي منشأ وسبب للحرب، بل وهي تساعد على بسط الصلح والسلام الدائم بين الشعوب أيضًا. بعد دراسة دور النزعة الواقعية في بسط السلام، يجب أن تخضع هذه المسألة بدورها للبحث والتحقيق أيضًا، وهي: هل «الأخلاق» منشأ للحرب كما يدّعي أصحاب النزعة الواقعية؟ على الرغم من وجود بعض الاختلافات بين الأصول الأخلاقية عند مختلف المجتمعات، هناك الكثير من نقاط الشبه الأخلاقي بينها أيضًا. يبدو أنه بالاستناد إلى أوجه الشبه الأخلاقية يمكن التوجّه إلى وفاق دولي متزايد، حيث إنّ ماهيته عبارة عن الاحترام المتبادل للحقوق الإنسانية[54]. وبالتالي فإن الأمر ليس بأن كل نوع من أنواع الاعتقاد الأخلاقي يدفع العالم نحو الصراع وارتكاب المخاطر وانعدام الأمن بشكل مطلق، ويجبر الحكومات على اتخاذ المواقف الحذرة.
هناك الكثير من القواعد والأصول الأخلاقية التي تصبّ في إطار التعايش السلمي، ويمكن على أساسها بناء نظام عادل يحصل فيه جميع الأفراد على مصالحهم بشكل مشترك. يذهب توماس بوغيج إلى الاعتقاد بأن الالتزامات الأخلاقية المشتركة تعدّ بوصفها من الأصول المبشّرة والواعدة في الحصول على نظام دولي آمن؛ وذلك لأن هذه الأصول لا تحدِث تغييرًا وانحرافًا في المنظومة الدولية، وفي المقابل فإنها تقدّم نتائج أفضل في حساب الأرباح والفوائد والمنافع. وهو يرى أن هذا هو السبب الذي يدعو الناس إلى الالتزام بتعهّداتهم الأخلاقية حتى إذا كان ذلك على حساب التضحية بمصالحهم الشخصية. إن الأفراد في الكثير من الموارد يضحّون بمصالحهم من أجل الحفاظ على عهودهم التي قطعوها للآخرين ولا سيّما الأصدقاء والمقرّبون. يذهب توماس بوغيج إلى الاعتقاد بأن الدوافع الأخلاقية في السياسة الخارجية يمكن الوصول إليها بشكل عالمي وهي ذات محدوديات في الحدّ الأدنى. وعلى هذا الأساس فإن التمسك بالأخلاق لن يعمل على مفاقمة النزاعات بين الدول[55]. وفي الواقع فإن القبول بالقواعد الأخلاقية سوف يجعل الثقة والتعاون بين الدول في كل عصر أمرًا ممكنًا وقابلًا للتحقق.
إن الأصول الأخلاقية المشتركة هي الطريق الوحيد لإقرار السلام العالمي، حيث يمكن التوصّل إلى ذلك من طريق العمل بالمسؤوليات الأخلاقية بشكل كامل. يذهب هانس كونغ ـ اللاهوتي والفيلسوف السويسري ـ إلى الاعتقاد بأن الأمن والسلام العالمي قابل للتحقق، ويرى أن المشتركات الأخلاقية للمجتمعات تشكّل ظرفية كبيرة لتحقق هذا الهدف المهم. إنه في معرض بيان نظريته ـ التي هي عبارة عن الأخلاق العالمية ـ يرى أن الأصول والقواعد الأخلاقية متطابقة مع الفطرة الإنسانية المشتركة، وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن القبول بالأخلاق والإيمان بالله من الأمور الوجدانية والبديهية. يذهب هانس كونغ إلى الاعتقاد بأن الناس يمتلكون مستوى واحدًا من العقلانية، حيث يصلون بواسطته إلى إدراك وفهم مشترك للأمور الأخلاقية. وبواسطة الإدراك الأخلاقي المشترك، تنتج قواعد أخلاقية مشتركة سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى تحقق السلام العالمي[56].
إن مبنى هانس كونغ في إثبات الأخلاق المشتركة والسلام العالمي، عبارة عن الفطرة المشتركة بين جميع الناس، وهو في هذه المسألة لا يفرّق بين المتديّن وغير المتديّن. وإن الذي يستوجب إدراك الأصول والقواعد الأخلاقية إنما هو الفطرة ومستوى العقل، وليس التعاليم والمفاهيم الدينية، ومن هنا فإنه يمكن لجميع الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم أن يتمسّكوا بهذه الأصول.
إن السلوك الإنساني القائم على العقل، واحترام حق الحياة والتشبّث بالثقافة الاقتصادية العادلة، تعدّ من بين الأصول المشتركة بين مختلف المدارس الأخلاقية. لقد ذكر هانس كونغ في عام 1993 م إعلانًا بيّن فيه قواعد الأخلاق العالمية، وقد ذهب في هذا الإعلان إلى الاعتقاد بأن إقامة السلام العالمي من أهم عناصر الأخلاق. إن أصل «السلوك الإنساني» يُعدّ من بين هذه الأصول، حيث يعمل على بيان ضرورة السلوك الإنساني مع أيّ إنسان. إن هذا الأصل إنما ينشأ من أصل آخر يقول: يجب على الإنسان أن يحبّ لغيره ما يُحبّه لنفسه أيضًا. إن الأصل الآخر من بين أصول الأخلاق العالمية، عبارة عن عدم تجويز العنف بحق الآخرين واحترام حقهم في الحياة.
في ضوء هذا الأصل، ما لم يقم الآخر بالاعتداء عليك، فلا ينبغي لك أن تسلب حقه في الحياة. وإن القاعدة الأخلاقية المشتركة الأخرى عبارة عن الحصول على الثقافة الاقتصادية والنظام المالي العادل، حيث تعدّ السرقة ـ في ضوء هذه القاعدة ـ والتصرّف الظالم في أموال الآخرين أمرًا خاطئًا، وكذلك يجب على كل فرد أو دولة أن تبذل كل ما بوسعها من القدرة المالية والسياسية في إطار بسط العدل بين الناس، لا أن توظّف ذلك في تكريس هيمنتها وبسط سيطرتها على الناس[57]. إن هذه الأصول وكذلك الأصول الأخرى المطروحة من وجهة نظر هانس كونغ، هي الأمور الوحيدة التي يمكن للتمسّك بها أن يؤدّي إلى إحلال السلام العالمي في جميع ربوع العالم.
الأخلاق والدافع إلى السلام
يذهب المدافعون عن النزعة الواقعية إلى الاعتقاد بأن «الدافع الأخلاقي» له تأثير ملحوظ في اندلاع الحروب، وبطبيعة الحال فإن إثبات صحة أو سقم هذا الادعاء يحتاج إلى بحث ودراسة. إنهم يقولون: إن طرفي النزاع والحرب يعلنان أن لديهما دوافع أخلاقية لشنّ الحرب، ومن هنا يمكن القول بأن منشأ وسبب جميع الحروب يعود إلى النظرية الأخلاقية القائلة بأن الحرب عادلة. إن الذي يجب قوله في الجواب عن هذا المدعى هو أن مجرّد ادعاء الحافز الأخلاقي ومجرّد وجوده الذهني لا يستوجب إضعاف هذه النظرية. فقد يذهب كل واحد من المتحاربين إلى الاعتقاد بامتلاكه دافعًا عادلًا لشنّ الحرب، ولكن هذا مجرّد تصوّر وتوهّم ذهني، وليس له أيّ حظ من الحقيقة والواقع. إن نظرية الحرب العادلة إنما تم التقعيد لها في الأساس من أجل تقليل هذا النوع من الدوافع والأسباب الذهنية، وتعمل في المقابل على بيان الدوافع والأسباب العينية والواقعية من أجل الحكم بشأن أخلاقية الحروب أو عدم أخلاقيتها. يضاف إلى ذلك أنه على فرض واقعية الدوافع، فإن الطريقة المناسبة التي يمكن لها أن تحلّ التعارض القائم بينها، هو التخلّي عن الآراء الشخصية عند اللجوء إلى الأحكام الأخلاقية الدولية[58]. وفي مثل هذه الحالة فسوف يقوم الجميع بالحكم بشأن أخلاقية الحروب بمعيار وميزان واحد.
من الجدير ذكره أن هذا الإشكال الذي يذكره أصحاب النزعة الواقعية، هو واحد من الإشكالات الجادّة للحرب العادلة، حيث تجب الإجابة عنه بشكل صحيح. إن العلة والحافز العادل، يُعدّ من بين شروط الحرب العادلة، إذ يجب على كل حرب إحراز هذه الشروط لكي تتصف بالأخلاقية. يمكن لكل دولة أن تدعي أنها تمتلك هدفًا وغاية عادلة لشنّ الحرب وتختبئ خلف هذه العناوين. ومن الضروري للحيلولة دون هذه التداعيات أن يتمّ وضع معيار دقيق وصارم لاختبار صحة وصدق هذا النوع من الادعاءات.
الأخلاق سبب التقليل من أضرار الحرب
يقوم المدّعى الآخر لأصحاب النزعة الواقعية على تقليل أعداد الضحايا، وتقصير الفترة الزمنية للحرب، وذلك فيما لو تمّ القبول بالرؤية الحذرة والواقعية. فإن هؤلاء يذهبون إلى الاعتقاد بأنه في حالة قيام سياسة شنّ الحروب على هذه الرؤية، فسوف يمكن لنا أن نشهد حروبًا أفضل من خلال خفض أعداد القتلى وتقصير فترة الحرب. كما يمكن القول في الجواب عن هذا المدّعى: إن هذه المسألة لا تعدو أن تكون مجرّد وهم وظن؛ وذلك لأن قادة الدول يمكن لهم أن يرتكبوا بعض الأخطاء بسبب شدّة الحذر والاحتياط فيما يتعلق بالحفاظ على مصالحهم الوطنية أيضًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ هل يمكن اعتبار هجوم صدام على الكويت في عام 1990م عملًا ذكيًا وحكيمًا؟ وهل حالت رؤيته الواقعية دون اندلاع هذه الحرب المأساوية؟ وهل حالت الدوافع الواقعية للإمبراطوريات الأوروبية ـ في مرحلة الاستعمار ـ دون اشتعال فتيل الحروب الواسعة في تلك المرحلة؟ بالنظر إلى الإجابة عن هذه الأسئلة بالنفي، لا يمكن الادعاء بأن نظرية الحرب العادلة تدعم العنف والدمار أكثر من النظرية الواقعية. وبالإضافة إلى ذلك يمكن للنظرة غير الأخلاقية للحرب أن تجعل أصحاب القرار في حقل الحرب يغفلون عن الأضرار الناشئة عنها؛ من قبيل: القتل الذريع والدمار الكبير الذي سوف يترتّب عليها لاحقًا. إن الحرب العالمية الأولى تمثل نموذجًا لهذا النوع من الآراء، حيث ذهب المؤرّخون إلى القول بأن مجموعة من الأخطاء والمشاريع القاسية والوطنية الجاهلة، كانت هي السبب وراء اندلاع هذه الحرب[59]. يبدو أن أنصار نظرية الحرب العادلة وإن كانوا يؤيدون الحرب في بعض الموارد، ولكنهم في الحدّ الأدنى يؤمنون ـ مثل أصحاب النزعة الواقعية وأنصار السلام ـ بأن الحرب تؤدّي إلى الدمار.
عقلية الحروب الصليبية
إن النقطة الأخرى التي كانت في استدلال أصحاب النزعة العقلية، وكان يجب الردّ عليها، عبارة عن وجود عقلية الحروب الصليبية لدى أنصار نظرية الحرب العادلة. وفي الجواب عن هذا الادعاء يجب القول أيضًا بأنه على الرغم من تبلور مثل هذه العقلية لدى بعض المنظّرين للحرب العادلة، ولكن ليس هناك أي ضرورة في هذا الشأن أبدًا. إن نظرية الحرب العادلة لا تستلزم أيّ تعهّد والتزام بالمواجهة على طريقة ونمط الحروب الصليبية من أجل الحصول على نوع من العدالة الخاصة. وقد قال والزر ـ ضمن تأكيده على محدودية الحروب العادلة ـ بأن الساسة والمقاتلين بسبب التزامهم بالأسباب الأخلاقية يخوضون الحرب بنظرة واقعية وحذر شديد[60]. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الأسباب العادلة في نظرية الحرب العادلة إنما صيغت في الغالب من أجل الحدّ من المِحَن والآلام التي تصيب البشرية بسبب الحروب.
بالنظر إلى ما تقدّم من الإشكالات الآنف ذكرها، يتضح أن الطرق الواقعية ـ خلافًا لما يدّعيه أصحاب النزعة الواقعية من تأثير هذه النظرية في إقامة وبسط السلام ـ ومن بينها النظرة المصلحية والنفعية وزيادة القوة، تعمل على إيجاد الطاقة الحربية لدى مختلف الدول والحكومات. وكذلك فإن الأصول الأخلاقية تخلق الدوافع المسالمة لدى الشعوب والحكومات على السواء، وبذلك تكون الأخلاق ـ خلافًا لما يدعيه أنصار النزعة الواقعية ـ منشأ للسلام، وليس الحرب.
النتيجة
بعد الدراسة الدقيقة للنزعة الواقعية التسويغية/ الحذرة، وأهم الأدلة المذكورة لصالحها، نحصل على نتائج مهمة بشأن عدم علانية هذه النظرية. ومن خلال بحث الدليل الأول لهذه النظرية، يتضح أن مجرّد احتمال وصف الأفراد بالحمق، لا يمكن أن يكون مسوّغًا عقلانيًا للتجرّد عن الأخلاق. ففي حالة إثبات أن الفعل صحيح من الناحية الأخلاقية، ويجب العمل على أساسه، يجب الالتزام به، ولا فرق في هذا الشأن في كيفية تفكير الآخرين بهذا الفعل وطريقة عملهم وسلوكهم في هذا الشأن. والعلّة في هذا الالتزام هي أن الأخلاق تحتوي على آليتين: فردية واجتماعية، وإن الخلل والتوقّف في أحدهما لا يشكل مانعًا يحول دون تأثير الآلية الأخرى.
والنتيجة الأخرى التي نصل إليها ـ من خلال دراسة الدليل الثاني ـ هي أن الالتزامات الأخلاقية أكثر تناسبًا مع السلام، وهي تعمل على توجيه المجتمعات نحو الوفاق فيما بينها. إن الواقعية التسويغية لا يمكن أن تساعد على تحسين العلاقات بين الدولة، وعلاوة على أنها لا تحول دون اندلاع الحروب ـ بسبب ماهيتها الأنانية ـ فإنها سوف تمهّد الأرضية لاندلاع المزيد من الحروب. وهكذا فإننا اليوم نشهد أن القوى الاستكبارية في العالم، من قبيل: الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي اللقيط، وبعض الدول الأوروبية وكذلك بعض الدول الأقليمية، من خلال تبنّيها لهذه الرؤية، وبحجّة الدفاع عن المصالح الوطنية، تشن الحروب على البلدان والمناطق الأخرى، وتثير حروبًا دامية. وإن الحلّ الوحيد للحيلولة دون هذه الحروب النفعية، وإقامة السلام الدائم، هو الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية، وهذا في حدّ ذاته يمثل خطوة أخلاقية تتطابق مع الأصول العقلانية.
قائمة المصادر
رشيد، محسن، اطلس آماري جنگ شهرها، سپاه پاسداران انقلاب اسلامي، طهران، 1397 هـ ش.
تحولات جهان اسلام، بتاريخ: 30 / 3 / 1399 هـ ش. على الموقع الآتي: https://iswnews.com
خاني، محمد حسن، نسبت بين اخلاق و منفعت در روابط بين الملل، دو فصلنامه دانش سياسي، 6 (11)، ص 5 ـ 24، 1389 هـ ش.
درويشي سه تلاني، فرهاد، جنگ ايران و عراق پرسش ها و پاسخ ها، سپاه پاسداران انقلاب اسلامي / مركز مطالعات و تحقيقات جنگ، طهران، 1387 هـ ش.
دهقاني فيروزآبادي، سيد جلال، نظريه ها و فرانظريه ها در روابط بين الملل، نشر مخاطب، طهران، 1394 هـ ش.
ذريّة، محمد جواد؛ آبيار، زهراء؛ ارشد رياحي، علي، صلح جهاني در برتو اصول ثابت اخلاقي از نظر هانس كونگ و علامه طباطبائي، مجلة فصلنامه اخلاق زيستي، العدد: 6 (19)، ص 27 ـ 48، 1395 هـ ش.
ساسان پور، شهرزاد، نگرش صليبيان به مسلمانان طي جنگ هاي صليبي، فصلنامه تاريخ اسلام (دانشگاه باقر العلوم عليه السلام)، العدد: 6 (22). ص 111 ـ 150، 1384 هـ ش.
ستوده، محمد، نظريه هاي روابط بين الملل، سازمان انتشارات پژورهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، طهران، 1396 هـ ش.
سندرز، برني، 1398 هـ ش. على الموقع: https://www.khabaronline.ir/news/1273967 تاريخ الاستلام: 4 / 11 / 1399 هـ ش.
سيمبر، رضا؛ صالحيان، تاج الدين، احولات نظام بين الملل پس از جنگ سرد و تنوع جديد موازنه قوا، مجلة دوفصلنامه سياست و روابط بين الملل، 1 (1)، ص 33 ـ 51، 1396 هـ ش.
طياري نجاد، رامين، منافع ملي هويت ملي چالش بزرگ انقلاب و نظام اسلامي، نهضت نرم افزاري، طهران، 1398 هـ ش.
عسلي، بسام، پژوهشكده تحقيقات اسلامي، روزهاي سرنوشت ساز در جنگ هاي صليبي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الحسين بينش، زمزم هدايت، قم، 1386 هـ ش.
عمويي، حامد؛ إلهام حسين خاني، ديدگاه هاي رهيافت هاي مختلف روابط بين الملل نسبت به مسأله صلح، فصلنامه تخصصي علوم سياسي (دانشگاه آزاد اسلامي كرج)، العدد: 7 (14)، ص 149 ـ 174، 1389 هـ ش.
قادري كنگاوري، روح الله، نظريه مقاومت و نظريه هاي غربي روابط بين الملل، نشر مخاطب، طهران، 1394 هـ ش.
كريمي، جواد، جنگ عراق با كويت، دانش نامه جهان اسلام، 1393 هـ ش. (مصدر فارسي).
https://rch.ac.ir/article/Details/7566
المطهري، مرتضى، خدمات متقابل اسلام و ايران، انتشارات صدرا، طهران، 1390 هـ ش.
ملكيان، مصطفى، جزوه «روان شناسي اخلاق»، روان شناسي / اخلاق، 1390 هـ ش.
مورگنتا، هانس، جي. سياست ميان ملت ها: تلاش در راه قدرت و صلح، ترجمته إلى اللغة الفارسية: حميرا مشير زاده، مؤسسة چاپ و انتشارات وزارت امور خارجه، طهران، 1374 هـ ش.
النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، مؤسسة الأعملي للمطبوعات، بيروت، 1427 هـ.
همتي، حسين، گفت و گو با هانس كونگ، 2006 م.
Dower, N. (2009). The Ethics of War and Peace. Cambridge: Polity Press.
Estrella, I. A. (2012). On the Ethics of War. Kritike: An Online Journal of Philosophy, 6 (1), 67 – 84. https://doi.org/10.25138/6.1.a.5
Franck, T. M. (1990). The Power of Legitimacy among Nations. New York: Oxford University Press.
Kung, H. (1998). A Global Ethic and Global Responsibilities. London: Scm press.
Orend, B. (2006). The Morality of War. Canada: Broadview press.
Pogge, T. W. (1989). Realizing Rawls. Ithaca: Cornell University Press.
Riley - Smith, J. (Ed.). (2002). the Oxford History of the Crusades. New York: Oxford University Press.
Tyner, J. A. (2009). War, Violence, and Population: Making the Body Count. The Guilford Press.
Waltz, K. N. (1979). Theory of International Politics. Canada: Addison - Wesley Publishing Company.
Walzer, M. (2006). Just and Unjust Wars. New York: Basic.
--------------------------------------------
[1]. نشرت هذه المقالة بلغتها الفارسية الأصل تحت عنوان (بررسي انتقادي ديدگاه اخلاقي واقع گرايي تجويزي جنگ)، وذلك في مجلة (أخلاق پژوهي: فصلنامه علمي / پژوهشي اخلاق پژوهي، السنة الخامسة، العدد الأول، العدد المتسلسل: 14، بتاريخ ربيع عام 1401 هـ ش).
تعريب: حسن علي مطر الهاشمي
[2]. حائز على شهادة الدكتوراه في المعارف المدرسية، من جامعة باقر العلوم (عليه السلام) في قم المقدسة (كاتب مسؤول).
[3]. أستاذ مساعد في كلية العلوم والثقافة الإسلامية، قم / إيران.
[4]. Tyner, War, Violence, and Population: Making the Body Count, 49
[5]. درويشي سه تلاني، جنگ ايران و عراق پرسش ها و پاسخ ها، 268.
[6]. رشيد، اطلس آماري جنگ شهرها.
[7]. درويشي سه تلاني، جنگ ايران و عراق پرسش ها و پاسخ ها، 268 ـ 269
[8]. تحولات جهان اسلام، بتاريخ: 30 / 3 / 1399 هـ ش. على الموقع الآتي: https://iswnews.com
[9].Dower, The Ethics of War and Peace, 11 - 14
[10]. Estrella, "On the Ethics of War", 69, 84,. https://doi.org/10.25138/6.1.a.5
[11]. Estrella, "On the Ethics of War", 69.
[12]. Orend, The Morality of War, 229
[13]. ستوده، نظريه هاي روابط بين الملل، 85.
[14].مورگنتا، سياست ميان ملت ها: تلاش در راه قدرت و صلح، 9 ـ 10.
[15]. ستوده، نظريه هاي روابط بين الملل، 78.
[16]. Orend, The Morality of War, 229
[17]. Ibid, 231.
[18]. طياري نجاد، منافع ملي هويت ملي چالش بزرگ انقلاب و نظام اسلامي، 17.
[19]. خاني، «نسبت بين اخلاق و منفعت در روابط بين الملل»، 5 ـ 24.
[20]. المطهري، خدمات متقابل اسلام و ايران، 21.
[21]. خاني، «نسبت بين اخلاق و منفعت در روابط بين الملل»، 10.
[22]. م. ن.
[23]. Orend, The Morality of War, 231
[24]. ملكيان، روان شناسي اخلاق، 27.
[25]. النراقي، جامع السعادات، 33.
[26]. عمويي وحسين خاني، «ديدگاه هاي رهيافت هاي مختلف روابط بين الملل نسبت به مسأله صلح»، 162.
[27]. Orend, The Morality of War, 230.
[28]. Ibid, 230.
[29]. Dower, The Ethics of War and Peace, 29 - 30.
[30]. Orend, The Morality of War, 230.
[31]. Dower, The Ethics of War and Peace, 30.
[32]. Franck, The Power of Legitimacy among Nations, 208.
[33]. عسلي وپژوهشكده تحقيقات اسلامي، روزهاي سرنوشت ساز در جنگ هاي صليبي، 172.
[34]. م. ن، 173.
[35].ساسان پور، «نگرش صليبيان به مسلمانان طي جنگ هاي صليبي»، 118.
[36]. م. ن، 118.
[37]. Orend, The Morality of War, 230 - 231
[38]. Balance of Power.
[39]. ستوده، نظريه هاي روابط بين الملل، 82.
[40]. مورگنتا، سياست ميان ملت ها: تلاش در راه قدرت و صلح، 45.
[41]. عمويي وإلهام حسين خاني، «ديدگاه هاي رهيافت هاي مختلف روابط بين الملل نسبت به مسأله صلح»، 161.
[42].Waltz, Theory of International Politics, 121.
[43]. Ibid,. 126.
[44]. دهقاني فيروزآبادي، نظريه ها و فرانظريه ها در روابط بين الملل، 166.
[45]. Orend, The Morality of War, 231
[46]. قادري كنگاوري، نظريه مقاومت و نظريه هاي غربي روابط بين الملل، 206.
[47]. Waltz, Theory of International Politics, 11
[48]. حالة ذهنية مرضية تعرض على بعض الأفراد بسبب توهم أن الآخرين يتآمرون عليهم أو يريدون إيذاءهم وتعذيبهم.
[49]. Orend, The Morality of War, 232
[50].سيمبر وصالحيان، «تحولات نظام بين الملل پس از جنگ سرد و تنوع جديد موازنه قوا»، 35.
[51].Orend, The Morality of War, 232
[52]. كرﯾﻤــی، ﺟــﻮاد، (۱۳۹۳)،ﺟﻨــگ ﻋــﺮاق ﺑــﺎ كوﯾــﺖ. داﻧــﺶﻧﺎﻣــﻪ ﺟﻬــﺎن اﺳــﻼم، https://rch.ac.ir/article/Details/7566 ، ﺗﺎرﯾﺦ دﺳﺘﺮسي: ۲۷/۰۹/۱۳۹۹.
[53]. سندرز، على الموقع: https://www.khabaronline.ir/news/1273967 تاريخ الاستلام: 4 / 11 / 1399 هـ ش.
[54]. ذريّة وآخرون، «صلح جهاني در برتو اصول ثابت اخلاقي از نظر هانس كونگ و علامه طباطبائي»، 33.
[55]. Pogge, Realizing Rawls, 81
[56]. همتي، گفت و گو با هانس كونگ.
[57]. Kung, H. 1998. A Global Ethic and Global Responsibilities. London: Scm press.
[58]. Orend, The Morality of War, 233
[59]. Ibid.
[60]. Walzer, Just and Unjust Wars, 122