البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاسلام ونظرية الحرب العادلة

الباحث :  الدكتور محمد ليغنهاوزن
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  42
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  May / 25 / 2026
عدد زيارات البحث :  81
تحميل  ( 620.503 KB )
الخلاصة
يُقال إن نظرية الحرب العادلة قد بدأت مع أوغسطين. وقد تطور هذا المذهب لاحقًا كتعاليم دينية، ولكن بعد الإصلاح الديني، برزت نسخ علمانية لنظرية الحرب العادلة. وتُقابل «الحرب العادلة» بـ «الحرب المقدّسة». ولمّا كان الكثير من المسيحيين يعتبرون الحروب الصليبية حروبًا مقدّسة، فغالبًا ما يُفترض أن الجهاد هو المعادل الإسلامي لها. وفيما يلي، أجادل بأن الجهاد يشترك في الكثير مع تقاليد الحرب العادلة. وقد استخدم منظّرون معاصرون مصطلح «مسالمة الحرب العادلة»، أو «المسالمة المشروطة» لوصف الرأي القائل بأنه في ظل ظروف الحروب الحديثة، تفضي نظرية الحرب العادلة إلى استنتاج مفاده أنه من الخطأ الأخلاقي الانخراط في الحرب. وفي هذه الورقة، يُطرح جدل مفاده أن الأخلاقيات الإسلامية للحرب والسلام يمكن تأويلها لتثمر عن مسالمة حرب عادلة مماثلة لتلك التي تطورت على أساس نظرية الحرب العادلة الغربية. وفي ظل الظروف الراهنة، فإن المعايير التي يتطلّبها الإسلام لتوفير مبرّر أخلاقي للحرب العادلة تفشل في التحقق بالنسبة لنطاق مهم من النزاعات المسلحة، ويمكن اعتبار هذا الاستنتاج حجّة لصالح مسالمة حرب عادلة إسلامية مشروطة.

الكلمات المفتاحية: الحرب العادلة، المسالمة، المسالمة المشروطة، النظرية الأخلاقية، حق اللجوء إلى الحرب (jus ad bellum)، قانون الحرب (jus in bello).

مقدمة
قبل حوالي ثلاثين عامًا، كتب ج. هـ. جانسن[3] في كتابه، الإسلام المتشدد[4]: «لقد رسّخت صورة الجيوش الإسلامية التي تفرض التحوّل الديني أثناء تقدمها في العقل الغربي بعمق، لدرجة أنه من غير المرجّح أن يؤدّي أيُّ قدْرٍ من تكرار الحقيقة إلى إزالتها»[5]. وعلى مدار السنوات الفاصلة، إن كان ثمة تغيير، فإن صورة التهديد الإسلامي الزاحف قد ترسّخت بشكل أعمق بكثير، على الرغم من أن الخوف لم يعد من الجيوش الإسلامية بقدر ما هو من الإرهابيين. وتطغى دعوات الإرهابيين إلى الجهاد على الادعاءات القائلة بأن الإسلام دين سلام، تزامنًا مع مناقشة قضايا العنف والإسلام في وسائل الإعلام. ومن أجل تكوين رؤية أوضح عما إذا كان هناك التزام أخلاقي بالسلام في الإسلام، قد يكون من الأنسب أن نبدأ بمصطلح يعتبره بعض مرادفًا للإرهاب تقريبًا، ألا وهو الجهاد.

تعني الكلمة العربية «جهاد» النضال، أو الكدح، أو بذل الجهد. وغالبًا ما تحمل دلالات عسكرية، ولكن من الخطأ ترجمتها إلى «حرب مقدسة» أو «حملة صليبية»، لأنه حتى عند تطبيقها على حالة القتال، فإن معاني هذه الكلمات لا تتطابق مع معنى «الجهاد». وتتكون الحروف الأصلية لكلمة جهاد من (ج هـ د)، والتي تُشتق منها مجموعة من الكلمات ذات الصلة. ويعني الفعل «جَهَدَ» النضال أو السعي. وفي القرآن الكريم، غالبًا ما يُتبع هذا الفعل، وكذلك المصدر «جهاد»، بعبارة «في سبيل اللّه».
ويُحَثُّ المؤمنون على المجاهدة بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ويُسمى من يجاهد على هذا النحو «مجاهدًا». ومن المصطلحات المهمة ذات الصلة والتي لم ترد في القرآن الكريم مصطلح «الاجتهاد»، والذي يشير إلى كدح العالِم وسعيه لتحديد الحكم الصحيح في مسألة من مسائل الشريعة. ويُطلق على من يمتلك القدرة على استنباط الأوامر والنواهي الإلهية من مصادرها اسم «المجتهد». ومثلما هو الحال مع كلمة «نضال»، يمكن استخدام كلمة «جهاد» للإشارة إلى القتال؛ ومع ذلك، لا تقع المساعي البسيطة لإرضاء الله ضمن الامتداد المفاهيمي لكلمة «الجهاد» فحسب، بل إن القرآن يشتمل على عدد من المصطلحات الأخرى التي تُستخدم خصيصًا للدلالة على المساعي العسكرية والقتال.

ومن أجل تكوين فهم أفضل للجهاد، فإننا بحاجة إلى تقصّي ليس فقط الإشارات الواردة عنه في القرآن الكريم، بل أيضًا كيفية إدراكه في التقاليد السابقة للإسلام. يقرّ القرآن بأن الإسلام يضرب بجذوره في التقاليد الإبراهيمية، وخاصة فيما يتعلّق بقانون الحرب، حيث تستدعي تعاليمُ التوراة إجراءَ مقارنة مع الشريعة الإسلامية. ففي الإصحاح العشرين من سفر التثنية، تُعرض بعض عناصر قانون الحرب:

حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح.
فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك.
وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها.
وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف.
وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك.
هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا.
وأمّا مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما.
بل تحرّمها تحريمًا الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزّيين والحوّيين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك.
لكي لا يعلّموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم.
إذا حاصرت مدينة أيامًا كثيرة محاربًا إيّاها لكي تأخذها، فلا تتلف شجرها بوضع فأس عليه. إنك منه تأكل. فلا تقطعه. لأنه هل شجرة الحقل إنسان حتى يذهب قدّامك في الحصار.

وأمّا الشجر الذي تعرف أنّه ليس شجرًا يؤكل منه فإيّاه تتلف وتقطع وتبني حصنًا على المدينة التي تعمل معك حربًا حتى تسقط.
وهنا، تشير الآيات الست الأولى (10-15) إلى إدارة الحرب خارج أرض إسرائيل. فالأمم الواقعة خارج إسرائيل، إمّا أن تصبح خاضعة لدفع الجزية لإسرائيل، أو تواجه اشتباكًا عسكريًا. أما الأمم الموجودة داخل إسرائيل فيجب إبادتها من أجل تطهير تلك الأرض من الممارسات المدنّسة. وقد كانت هذه الآيات موضع جدل كبير بين المفسّرين اليهود والمسيحيين، ولكن حتى بمعزل عن إجراء دراسة مقارنة شاملة بين الشريعة اليهودية المعروفة بـ الهالاخاه وبين الفقه الإسلامي، ثمة أوجه شبه مهمّة بين شريعة التوراة، كما سلف البيان، وعقيدة الجهاد. فكلاهما يشترط توجيه دعوة إلى التحكيم قبل الانخراط في الحرب.
وباستثناء بعض الأعداء المحدّدين (مثل الكنعانيين في الشريعة اليهودية والمشركين في الشريعة الإسلامية)، فإذا كان العدو راغبًا في الخضوع، أو أن يصبح خاضعًا للجزية للدولة اليهودية، أو أن يدفع الجزية للدولة الإسلامية، فلا ينبغي ممارسة أي عنف ضده. وإذا حوصرت مدينة ما، فإنه يتعيّن على المحاربين، سواء أكانوا يهودًا أم مسلمين، الإبقاء على الأشجار المثمرة. كما يُحظر قتل النساء والأطفال والحيوانات التي تقع في الأسر[6].
ويحتوي هذا القانون التوراتي، في صورة مبكرة، على العنصرين الأساسيين لعقيدة الحرب العادلة. إذ يضع قيودًا على بدء القتال وهو ما ناقشه العلماء المسيحيون في العصور الوسطى تحت عنوان حق اللجوء إلى الحرب (jus ad bellum)، وعلى سلوك المقاتلين في ساحة المعركة أو قانون الحرب (jus in bello). فقبل الشروع في النزاع المسلَّح، يجب توجيه نداء للسلام. وتشترط الشريعة اليهودية، كما فُصِّلت في المشناه[7]، أن الحروب التي تهدف إلى توسيع حدود الأرض المقدّسة لا يمكن خوضها إلّا بموافقة من السنهدريم[8] (المجلس التشريعي).
ومن ناحية أخرى، في حالة التعرّض لغزو، يصبح الجميع ملزمين بالقتال، «حتى العريس والعروس»، ولا يكون إعلان الحرب من قِبل السنهدريم ضروريًا في هذه الحالة. أمّا فيما يتعلّق بإدارة الحرب، فنجد قيودًا تمنع تدمير البساتين التي يعتمد عليها المجتمع في غذائه، فضلًا عن القيود المتعلّقة بممارسة العنف ضد النساء والأطفال.
على الرغم من أن الشريعة الموسوية ليست مصدرًا للفقه الإسلامي، إلّا أنّ الشريعة التي أُوحيت إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) توصف في القرآن الكريم من منظور التقاليد التشريعية التي جاء بها موسى وعيسى(صلى الله عليه وآله وسلم) : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾[9] ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾[10].

وثمة سببان يحتّمان استحضار قواعد الحرب اليهودية في الأذهان عند تناول عقيدة الجهاد.

أولًا: تنتمي الشريعتان اليهودية والإسلامية إلى ذات التقاليد الدينية.
ثانيًا: توفّر الشريعة اليهودية نقطة التقاء بين الفكرين الإسلامي والغربي حول الحرب. ومن خلال نقطة الالتقاء هذه، قد يتسنّى لنا إدراك عقيدة الجهاد باعتبارها نظيرًا للمفهوم الغربي لنظرية الحرب العادلة.
وكما سلف البيان، تحتوي الشريعة الموسوية على العناصر الأساسية لنظرية الحرب العادلة: القيود المفروضة على بدء القتال، والقواعد المنظِّمة للإدارة السليمة للحرب. ومع ذلك، فقد عمد بعض الكُتّاب المعاصرين إلى إبراز التباين بين فكرة الحرب العادلة، كما تبلورت في العالم المسيحي إبان العصور الوسطى، وبين فكرة الحرب المقدسة الواردة في العهد القديم، ويُفترض تبعًا لذلك أن الجهاد يتوافق مع الحرب المقدسة [11].
وهذا أمر مؤسف، إذ يُنظر إلى الحرب المقدسة على أنها تتجسّد في الإبادة الجماعية للكنعانيين (بدلًا من اعتبار ذلك حالة استثنائية)، ومن ثم يتولّد انطباع خاطئ بأن الجهاد هو حرب إبادة لا تخضع لأيّ قيود.

ومما يزيد الأمر سوءًا، أن بعض المسلمين قد ترجموا كلمة «جهاد» أيضًا –كما يتّضح في بعض الاقتباسات الواردة أدناه– بـ «الحرب المقدّسة». بيد أن الجهاد لا يعني أبدًا الإبادة غير المنضبطة، وفي كثير من الأحيان لا ينطوي حتى على دلالة قتاليّة.
لقد بُني المفهوم المسيحي للحرب العادلة على تصوّرات الحرب الموجودة في الكتاب المقدّس وفي القانون الروماني. ومع ذلك، فإن النصوص المسيحية مقتضبة للغاية في أحسن أحوالها بشأن موضوع الحرب؛ ولذلك واجه المسيحيون الذين تناولوا هذا الموضوع سؤالًا مفاده: «متى يكون من المبرر للمسيحي، إن أمكن ذلك أصلًا، الانخراط في الحرب؟». ويصف ر. هـ. بينتون[12] ثلاث استجابات مسيحية لهذا السؤال: المسالمة[13]، ونظرية الحرب العادلة[14]، والحملة الصليبية[15].

وقد اختلفت الحملة الصليبية عن الحرب العادلة بشكل أساسي في طابعها الديني المكثّف؛ فالحرب العادلة، يقينًا، لم تكن مجرّدة من الدين، وتجاهُل شروطه كان سيؤدي إلى استجلاب سخط الآلهة، إلّا أنها كانت تُخاض لأهداف دنيوية، وإن كان ذلك بمباركة دينية، في حين كانت الحملة الصليبية بمثابة «حرب الله». وعلى هذا النحو، فإنه ما كان لها أن تنشأ في العصور القديمة إلّا بين اليهود[16].
وقد تعرض تمييز بينتون بين الحرب العادلة وبين الحملة الصليبية للنقد من قِبل ليروي والترز[17]، الذي أوضح أن الحملات الصليبية التاريخية قد صُوِّرت من قِبل المشاركين فيها على أنها حروب عادلة، وجرى الدفاع عنها باستخدام ذات الحجج المنطقية[18]. وفي مؤلّفات بينتون، كما هو الحال في الكثير من الكتابات الغربية الأخرى حول الحرب، ثمة افتراض بأن الحرب الدينية أكثر عرضة للهمجية والإفراط من الحروب التي تُخاض لأغراض غير دينية تحت سلطات علمانية؛ فعلى حدّ تعبير بينتون: «تكون الحرب أكثر إنسانية عندما يُستبعد الله منها»[19]. وقد بيّن جيمس تيرنر جونسون[20] كيف تحوّلت «القاعدة القيمية الأيديولوجية لأفكار الحرب العادلة» في الحضارة الغربية «من المنظور الديني —مفهوم الكنيسة عن «القانون الإلهي»— إلى مفهوم علماني عن «القانون الطبيعي»»[21]. بيد أن حقيقة اقتران عملية العلمنة بتطوّر الأفكار المتعلّقة بكبح جماح الحرب في أوروبا لا تقتضي بالضرورة أن الحملات الصليبية كانت بلا رادع لمجرد كونها دينية.

ويتناول ديفيد أ. بيل[22] مسألة الأسباب الكامنة وراء انخفاض حدة الحرب في دراسته للحروب التي تلت الثورة الفرنسية. فوفقًا لـ بيل، كانت الحرب خاضعة للسيطرة نسبيًا في أوروبا القرن الثامن عشر، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ثقافة الفضيلة الأرستقراطية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يُقِرُّ بأن الجيوش قد أصبحت أكثر انضباطًا وخضعت لسيطرة مركزية، وأن ثمة توازنًا للقوى أخذ يبرز بين الدول الأوروبية، وأن العداوات الدينية التي أُطلق لها العنان في الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت قد انحسرت. ولا يعني هذا أن الدافع الديني يؤدي بالضرورة إلى زيادة حدة الحرب، وأنه ينبغي توقّع أن يؤدّي تضاؤله إلى التخفيف من حدة النزاع؛ إذ لم تبلغ الحرب أقصى درجات حدّتها إلّا بعد ظهور الدول القومية العلمانية والأيديولوجية الجمهورية[23] .
وإذا ما قُبل تمييز بينتون بين الحملة الصليبية والحرب العادلة، فمن المؤكد أننا سنفشل في فهم الجهاد. ففي ضوء هذه الثنائية، سيُعتبر الجهاد نوعًا من الحملات الصليبية لعدة أسباب.

أولًا، ترجع جذور الفكرة الصليبية إلى العهد القديم، وفقًا لـ بينتون، وقد سبق وأن أشرنا إلى أوجه الشبه بين التوراة والشريعة الإسلامية في هذا الصدد.
ثانيًا، يُخاض الجهاد لأسباب دينية، شأنه في ذلك شأن الحملة الصليبية.
ثالثًا، يُشن الجهاد تحت سلطة دينية، تمامًا كالحملة الصليبية. ومن ثم، يبدو من الناحية السطحية أن الجهاد ما هو إلا النسخة الإسلامية للحملة الصليبية المسيحية. وتزيد الحقيقة التاريخية المتمثلة في أن الحروب التي خيضت في العصور الوسطى قد سُميت بالحملات الصليبية من قِبل المسيحيين واعتُبرت نماذج للجهاد من قِبل المسلمين، من ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ.
ومن أجل إدراك خطأ المطابقة بين الحملة الصليبية والجهاد، من الضروري استعراض الأصول المسيحية لفكرة الحرب العادلة عند أوغسطين[24] بإيجاز[25].

لقد انصبّ اهتمام أوغسطين على مسألة ما إذا كان من العدل للمسيحي أن يشارك في الحرب على الإطلاق؛ ولذلك كان اهتمامه بقضايا حق اللجوء إلى الحرب أكبر من اهتمامه بقضايا قانون الحرب أو سلوكيات الحرب. ففي حروب العهد القديم، رأى أوغسطين أن مسألةَ ما إذا كان القتال مبررًا لم تُطرح قط؛ لأن الله هو من شرّع تلك الحروب. أما لتبرير الحروب التي تفتقر إلى تفويض إلهي صريح، فقد لجأ أوغسطين إلى القانون الروماني، الذي اعتبره معبّرًا عن الإرادة الإلهية بشكل غير مباشر لكونه مستندًا إلى العقل. ومع ذلك، ففي غياب الأمر الإلهي الصريح، لا بدّ أن تظلّ الشكوك قائمة دائمًا حول ما إذا كانت الحرب مبرّرة حقًا.
وفي ظل وجود مثل هذه الشكوك، يجب توخّي الحذر في إدارة الحرب، ومن هنا، تتصدّر قضايا قانون الحرب المشهد. ومن ثم، يُنظر إلى الحروب المقدّسة على أنها حروب مطلقة، في حين يجب أن تُخاض الحروب المبرّرة بالعقل الطبيعي بضبط النفس.

من المنظور الإسلامي (واليهودي)، فإن حقيقة كون بعض الحروب مُشرَّعة إلهيًا لا تعني بأي حال من الأحوال أن تُخاض بلا ضوابط. والواقع أن خوض الحرب في سبيل الله يُعدّ أدعى للالتزام الدقيق بكافّة القواعد المنظِّمة للإدارة السليمة للحرب. وعلى الرغم من أن الحروب الموصوفة في التوراة قد تبدو متحلّلة من القيود نسبيًا عند مقارنتها بأشكال القتال المنمّطة بين المسيحيين، والتي وقعت في بعض الحالات منذ العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر، إلّا أن المقارنة الأنسب لحروب الأنبياء لا تكون مع حروب العصور الوسطى، بل مع طبيعة الحروب التي خاضها غير اليهود إبان عهد الأنبياء اليهود. وفي هذا السياق وحده تتجلّى بوضوح أهمية القيود المفروضة على الحرب في الشريعة الموسوية.
وثمة نقطتا تنبيه أخريان يجب التطرّق إليهما، واللتان توضحان الفارق بين الجهاد والحملة الصليبية؛ وتتعلّقان بالأغراض الدينية للحرب، والسلطة الدينية المشرّعة لها. ففي التقاليد المسيحية، فإن الحديث عن حرب تُخاض لأغراض دينية يمثّل حديثًا عن حرب تهدف إلى التحوّل الديني (الإكراه على اعتناق الدين) أو حرب ضد الهرطقة، على غرار الحروب الفرنسية ضد الهوغونوت[26].

ويصف جونسون التقدم الهائل نحو القانون الدولي وضد الحرب المقدسة، والذي أحرزه الراهب الدومينيكاني فرانسيسكو دي فيتوريا[27]، الذي جادل بأن الاختلاف في الدين لا يشكّل مبرّرًا للحرب العادلة[28].
وبالمثل، استشهد العالم المسلم، الشهيد مطهري، بالقرآن الكريم وبأحداث من سيرة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ليحاجج بأن الجهاد لا يُخاض أبدًا لمجرد وجود اختلافات دينية.
ومما يبعث على الأسف أن المسلمين لم يفسّروا الشريعة على هذا النحو دائمًا. ولعل أبرز مثال على ذلك، إعلان ابن خلدون (1332-1406) بصراحة أن أحد أهداف الجهاد هو التحوّل الديني «في المجتمع الإسلامي، الحرب المقدسة هي واجب ديني، وذلك لعالميّة الرسالة الإسلامية، و(الالتزام بـ) تحويل الجميع إلى الإسلام إمّا بالإقناع أو بالقوّة» [29].

وإذا كان بعض كُتّاب العصور الوسطى قد وصفوا الغرض من الجهاد بأنه إخلاء الأرض من الكفار، فإن الفقهاء المسلمين، حتى في العصور الوسطى، كانوا يميلون إلى النظر إلى الغرض من الجهاد ليس بوصفه قتالًا من أجل الإكراه على اعتناق الدين، بل في أقصى صوره هجومية، كنضال لتوسيع رقعة الأراضي الخاضعة لحكم الشريعة[30].
فليس مجرد الاختلاف في العقيدة هو ما يكمن وراء الجهاد، بل الاعتقاد الراسخ بأن الشريعة الإلهية أعدل من أي قانون من صُنع البشر. قد لا يبدو هذا مدعاة للمواساة، ولكنه يمثّل نقطة مهمّة، لا سيما بالنظر إلى حقيقة أنه لا يوجد في العالم المعاصر إجماع بين علماء المسلمين حول ما يُفهم من مصطلح الشريعة أو كيفية تطبيق القانون الإسلامي.
لقد اعتقد المسلمون أن تفوّق الشريعة على القانون البشري الوضعي هو أمر جليّ وبديهي للجميع. وما أكّد في عيون المسلمين أن الشريعة الإسلامية أقل تقييدًا من غيرها من القوانين، هو حقيقة أن اليهود والمسيحيين المونوفيزيين في سوريا قد فضّلوا الحكم الإسلامي على حكم الإمبراطورية البيزنطية[31] .

ولم يُنظر إلى العقل والإيمان على أنهما متعارضان، كما حدث مرارًا في العالم المسيحي، بل كان يُتوقّع أن تنسجم أوامر الدين مع المصلحة الذاتية (المستنيرة). وعلى غرار فرانسيسكو دي فيتوريا، سعى المسلمون إلى تبرير حروبهم بالاحتكام إلى معايير عالمية. ولكن على خلاف دي فيتوريا، لم يَرَوْا أن ذلك يستلزم إنكارًا للمسوّغات الدينية للجهاد.
قسّمت النظرية السياسية السنّية الكلاسيكية العالم إلى دار الإسلام، ودار الكفر أو دار الحرب. وكانت دار الكفر تُعتبر غير شرعية، وكان يُحتّم شنّ الحرب ضدها حتى يتمّ القضاء عليها أو ينتهي العالم. وقد انقلبت هذه النظرة رأسًا على عقب تقريبًا بحلول زمن الغزوات المغولية في القرن الثالث عشر. وقد حدث هذا التحوّل، في جزء منه، من خلال عمليات إعادة صياغة متتالية لتعريف دار الإسلام؛ لتتحوّل من كونها إقليمًا يخضع لحكم قائد راشد، إلى إقليم تُطبَّق فيه الشريعة، بغض النظر عما إذا كان الحاكم مسلمًا عادلًا أم جائرًا، ثم إلى إقليم يمكن أن تُطبق فيه الشريعة بين المسلمين، حتى وإن كان الحاكم غير مسلم، وصولًا في النهاية إلى اعتبارها إقليمًا يمكن للمسلم أن يؤدّي فيه فرائضه الدينية دون التعرّض للاضطهاد.

وقد أضاف بعض الفقهاء «دار الصلح» للحد من نطاق دار الحرب ليقتصر فقط على تلك الأقاليم التي يُمارس فيها الاضطهاد أو العدوان ضد المسلمين. وقد رافق التحوّل في الرؤى حول دار الإسلام تحوّل موازٍ في الرؤى المتعلّقة بالغاية من الجهاد[32].
ومن المشكوك فيه، على أي حال، إلى أي مدى نُفّذت حركات الجهاد لأغراض تبشيريّة (دعويّة)، ولكن بحلول العصر الحديث، بات الكُتّاب المسلمون ينفون أن يُشنّ الجهاد ضد غير المؤمنين بحدّ ذاتهم، بل هو بالأحرى نضال ضد الاضطهاد ومن أجل ضمان حرية ممارسة الإسلام ونشره[33].

ولقد رأى العديد من الكُتّاب المسلمين في عقيدة الجهاد إرهاصًا مبكرًا للقانون الدولي الحديث. إلا أن هذه الرؤية يرفضها رودولف بيترز[34]، الذي يجادل بأنه نظرًا لأن القوانين المتعلقة بالجهاد لا تنطبق إلا على المسلمين، فإن هذه القوانين ليست دولية حقًا في نطاقها[35].
ولكن من وجهة النظر الإسلامية، فإن السمة الجوهرية للشريعة الإلهية هي أن نطاقها عالمي بالفعل. فإذا كانت الشريعة تتوافق مع العقل الطبيعي (الفطرة)، فينبغي أن تكون مقبولة لدى جميع الشعوب. وعلاوة على ذلك، فإن الشريعة الإسلامية تضع أحكامًا تكفل استقلالية محدودة لبعض المجتمعات غير المسلمة على الأقل ضمن إطار سلطة قضائية إسلامية أوسع.
وتحدّد القوانين المتعلّقة بالجهاد حقوق الذمي وواجباته إلى جانب حقوق المسلم وواجباته. وهكذا، وخلافًا لما يراه بيترز، فإن الشريعة الإسلامية المتعلّقة بالجهاد لا تنطبق على المسلمين فحسب، بل على جميع الناس، على الرغم من أنه في واقع الأمر قد لا يقبل بهذه الشريعة سوى الذميين والمسلمين. ولا يقلّل عدم القبول العالمي للشريعة الإسلامية من مكانتها الدولية، تمامًا كما أن حقيقة تجاهل هتلر للقوانين التي وضعتها عصبة الأمم[36] لا تقوّض طابعها الدولي.

إن التمييز بين الحملة الصليبية والحرب العادلة، القائم على ما إذا كانت الحرب تُخاض لأغراض الإكراه على اعتناق الدين أو قمع الهرطقة، أو تُخاض لأغراض علمانية، لا ينطبق على الجهاد، الذي جرى تبريره بناءً على التفوّق العقلاني للشريعة على غيرها من القوانين. ومن ثم، فإن المسلمين عادةً لم يميّزوا بين الأغراض الدينية والأغراض السياسية العادلة. وهذه النقطة لم تغب عن بال بيترز، حيث يقول:
«قد يكون من المشكوك فيه جدًا ما إذا كان مصطلح «الحرب المقدسة» يمثّل ترجمة دقيقة لمفهوم الجهاد. فالمفهوم الشائع لـ «الحرب المقدسة» هو تلك الحرب التي تُخاض حصريًا، أو بصورة شبه حصرية، لأسباب دينية. بيد أن الشريعة الإسلامية لا تميّز بين الدولة والدين»[37].

وإذا لم يكن ثمّة تمييز بين الأسباب الدينية والعلمانية لدى المسلمين في حقبة ما، فإنه من غير المنطقي القول بأن الأسباب التي يسوقونها لتبرير الحرب هي أسباب دينية بحتة، ومن ثمّ فإنّ إطلاق مصطلح «الحرب المقدسة» على حروبهم سيكون أمرًا مثيرًا للشك. ومثلما هو الحال مع الخلط بين الأهداف الدينية والأهداف السياسية العادلة، فإن الخلط بين الدين والدولة في الإسلام يجعل من وجود نظير للتمييز الكاثوليكي بين الحملة الصليبية والحرب العادلة أمرًا غير ملائم لتحليل الفكر الإسلامي الكلاسيكي حول العلاقات الدولية. فالسلطة التي يُشنُّ الجهادُ تحت رايتها هي سلطة دينية وسياسية في آن واحد. ومن الناحية التاريخية، ظل توحيد السلطتين الدينية والسياسية في أغلب الأحيان مثالًا غير متحقق. وتحديد متى تحقّق هذا المثال على وجه الدقّة، وما العمل حين لا يتحقّق، يشكّلان نقطتي خلاف مركزيتين داخل العالم الإسلامي[38] . ومع ذلك، فإن السعي نحو دولة إسلامية موحدة تتضافر فيها السلطتان الدينية والسياسية بطريقة أو بأخرى لم يُهجر كليًا. ويتمثّل التحدي الماثل أمام النظرية السياسية الإسلامية في استكشاف السبل التي يمكن من خلالها استيعاب هذا المثال المنشود، في ظل التباينات الشاسعة بين الهياكل السياسية المعاصرة وتلك التي كانت سائدة إبان فترة تدوين الشريعة الإسلامية.
وبغض النظر عن كيفية إعادة تفسير الشريعة وما يرتبط بها من رؤى تتعلق بالجهاد والنزاع المسلح بشكل عام، فإنه من الخطأ تصنيف عقيدة الجهاد على أنها عقيدة حملة صليبية أو حرب مقدسة في مقابل الحرب العادلة[39]. إن تنوع الرؤى الإسلامية حول الحرب والسلام ليس بأقل اتساعًا من تنوّع الرؤى المسيحية حيال هذه القضايا. فقد كان هناك مسلمون، شأنهم في ذلك شأن المسيحيين، ممن اعتبروا الحرب أداة لنشر العقيدة. ومن ناحية أخرى، وعلى غرار أوريجانوس[40]، الذي اعتبر العهد القديم (Old Testament) رمزًا مجازيًا للعهد الجديد، وأن حروب العهد القديم يجب أن تُفهم من قِبل المسيحيين بمعنى روحي خالص؛ كذلك رأى إخوان الصفا (القرن العاشر والحادي عشر) أن الفتوحات العسكرية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تحمل دلالة روحية حصرية لأبناء دينهم المعاصرين[41].
إن الثنائية بين الحملة الصليبية والحروب العادلة لا تُسعف في فهم التنوّع الكامن في الرؤى المسيحية أو الإسلامية، ناهيك عن أن هذا التقسيم قاصر حتى عن استيعاب الحرب كما نوقشت في التوراة. فالكثير مما سيق من حجج أعلاه فيما يتعلّق بالجهاد يمكن الدفاع عنه أيضًا فيما يخصّ شريعة الحرب الموسوية.

ولا يعني هذا القول بأن نظرية الحرب العادلة عديمة الجدوى في فهم الجهاد؛ إذ إن العديد من الاعتبارات الأخلاقية ذاتها التي تغلغلت في الفكر المسيحي حول الحرب العادلة قد تناولها الفقهاء المسلمون بالبحث في مناقشاتهم للجهاد.
وفيما يلي، تُستَخدم الاعتبارات الأخلاقية الرئيسية لنظرية الحرب العادلة كإطار يمكن من خلاله النظر إلى عقيدة الجهاد. ولا يمثل تفسير هذه العقيدة مسألة يحظى فيها المسلمون بإجماع مطلق، ومع تقدّم النقاش، سيُشار إلى بعض نقاط الخلاف الرئيسية.

٢. حق اللجوء إلى الحرب
٢- ١. السبب العادل
كما سلف البيان، كان ثمة بعض الخلاف بين المسلمين حول ما يشكّل سببًا عادلًا للانخراط في الجهاد. ويُعتبر الدفاع عن الأراضي، بشكل عام، سببًا كافيًا لخوض الجهاد. ومن الناحية التقليدية، كان يُفهم أن الجهاد مبرّر لثلاثة أسباب: صد الغزو أو التهديد به، ومعاقبة ناقضي العهود، وضمان حرية نشر الإسلام. كما سُمح بالقتال ضد المتمرّدين (البغاة)، بيد أن ثمّة خلافًا حول ما إذا كان ينبغي اعتبار هذا النوع من العمل العسكري جهادًا.

يتّفق معظم العلماء على أن الاختلاف في الدين وحده لا يمثّل أبدًا مبررًا كافيًا للجهاد. ومع ذلك، جادل بعض الباحثين بأن الشرك هو نوع من «الفتنة» (والتي تعني حرفيًا «الابتلاء»، ويُفهم منها عادة «النزاع»)، ومن ثم، فإن الحرب ضد المشركين مبرّرة بآيات من القرآن الكريم مثل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾[42]؛ و﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾[43]. ومن ناحية أخرى، ذهب الفقيه السني البارز مالك بن أنس (ت 795م) إلى أنه ينبغي ترك الأحباش والأتراك في سلام على الرغم من شركهم، استنادًا إلى ما رُوي من قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) . كما أن الفقيه الشيعي الحلّي (ت 1278م) يقيّد الأمر بقتال الكفار بشرط أن يكونوا معاديين[44]. ويشهد ابن رشد (ت 1198م) على حقيقة أن مسألة ما إذا كانت عداوة العدو أم كفره هي ما يبرر قتله، كانت مسألة مثيرة للجدل بين الفقهاء في عصره.
ولكن في الأساس، يكمن مصدر هذا الخلاف في تباين آرائهم حول العلّة التي تبيح قتل العدو. فمن يرى أن هذه العلة هي كفرهم، لا يستثني أيّ مشرك. أما الآخرون الذين يرون أن هذه العلّة تكمن في أهليّتهم للقتال، بالنظر إلى ثبوت النهي عن قتل الكافرات، فإنهم يستثنون من لا يقدرون على القتال أو من لا يميلون إليه في العادة، كالفلاحين والأقنان[45].

وفي الآونة الأخيرة، عرّف المفسّر والفيلسوف الشيعي الكبير العلّامة الطباطبائي الفتنة بأنها الإشراك بالله وعبادة الأصنام[46] . ومع ذلك، فإنه يقرّر مباشرة بعد ذلك أنه نظرًا لأن العداوة يجب ألّا تُوجَّه إلّا ضدّ الظالمين، فإن أولئك الذين يكفّون عن كفرهم لا ينبغي قتالهم. وتُعدّ هذه الملاحظات نمطية إلى حدّ كبير؛ إذ يُنظر إلى الكفر عمومًا على أنه متلازم مع الظلم. وهذا هو الوجه الآخر للرؤية الإسلامية القائلة بعدم انفصال الدين عن السياسة. فمن ناحية، تتماهى الأهداف السياسية العادلة مع الأهداف الإسلامية، ومن ناحية أخرى، يتطابق النشاط السياسي للكفّار مع الظلم. وفي حين أن الشرك والظلم ربما كانا متلازمين في شبه الجزيرة العربية إبان عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإن هذا لا يبدو مسوِّغًا لتلك المطابقة العامة بينهما والتي يبدو أن العديد من الكُتّاب المسلمين يعتبرونها من المسلَّمات. ومع ذلك، فإن حقيقة إخفاق الفقهاء ومفسّري القرآن غالبًا في التمييز بين الكفر والظلم السياسي لا تعني أنهم يشرّعون الجهاد لمجرّد الاختلاف في العقيدة. فغالبًا ما يتم التغاضي عن مجرد احتمال وجود اختلاف محض في العقيدة. وغنيٌّ عن القول إن هناك وعيًا أكبر بكثير بهذه المسألة بين العلماء المسلمين المعاصرين.

نجد تمييزًا واضحًا بين الكفر من جهة، وبين الاضطهاد أو الظلم من جهة أخرى، إلى جانب الحكم القائل بأن الكفر وحده لا يمثّل بحال من الأحوال شرطًا كافيًا لشنّ الحرب، وذلك لدى كل من علماء الشيعة والسنّة المعاصرين. ويجادل الفقيه المصري الشهير محمود شلتوت (1893-1963) بأن آيات القرآن التي تأمر بقتال الكفّار لا تنصّ على وجوب قتالهم بسبب كفرهم، بل إن الإشارة إلى الكفار تُعدّ وصفًا واقعيًا لأولئك الذين هاجموا الدعوة الإسلامية[47]. وبالمثل، يميّز الباحث الإيراني مرتضى مطهري (1920-1979) بين الاضطهاد والكفر. إذ يفرّق مطهري بين الاضطهاد والكفر، ويعتبر الاضطهاد أو الظلم شرطًا إضافيًا للكفر من أجل تسويغ الجهاد. ويسهب في المجادلة بأن الظلم شرط ضروري لتبرير الجهاد حتى وإن لم يُنصّ على ذلك صراحة في القرآن. غير أنه يقوّض حجّته هذه، إلى حدّ ما، بتقريره أن الشرك في حدّ ذاته ضرب من ضروب الظلم. ومن بين الكُتّاب المسلمين المعاصرين الآخرين، تتراوح الآراء بشأن تسويغ الجهاد بين آراء الحداثيين الهنود، الذين جادلوا بأن الكفاح ضد الإمبريالية البريطانية لا يمكن اعتباره جهادًا، وصولًا إلى رأي آية الله أحمد جنّتي المعاصر، الذي دافع عن الحرب الهجومية ضد الكفار لكي يتخلّوا عن عقائدهم الباطلة ويميلوا إلى الإسلام [48].
لقد حاول العديد من الكُتّاب المسلمين المعاصرين الدفاع عن الإسلام ضد الاتهامات الغربية القائلة بأن الإسلام دين عنيف، وذلك من خلال المجادلة بأن الجهاد لا يُسوَّغ إلّا لأغراض دفاعية. وعلى سبيل المثال، يجادل محمد أسد (1900-1992)، الذي اعتنق الإسلام بعد أن كان يهوديًا وشغل منصب سفير باكستان لدى الأمم المتحدة، بأن الجهاد ذو طبيعة دفاعية بحتة وأن الإسلام يحرّم العدوان[49] . وقد سبقت الإشارة إلى أن محمود شلتوت يتبنّى هذا الموقف. وبالمثل، قام الحداثيّون المصريون، أمثال محمد عبده ورشيد رضا، بتأويل تلك الآيات القرآنية التي كان يُنظر إليها على أنها أوامر مطلقة بقتال الكفار، على أنها أوامر مشروطة بقتال أولئك الذين نقضوا العهود، أو بادروا بالعدوان على المجتمع الإسلامي بأي شكل من الأشكال[50] .

وقد تعرّض الحداثيون الهنود، أمثال أحمد خان وشيراغ علي[51]، لانتقادات بسبب مبالغتهم في هذا الاتجاه وتبريرهم للتقاعس في ظل الحكم البريطاني؛ وذلك لادّعائهم بأنه لا يمكن أن يكون هناك جهاد ضد البريطانيين، نظرًا لأن الجهاد الدفاعي نفسه يقتصر على الدفاع ضد أولئك الذين يسلبون المسلمين حرية العبادة. وعلى الرغم من أن قلّة من المسلمين قد يتّفقون مع رؤية الحداثيين الهنود، فإن الرأي القائل بأن الحرب الدفاعية وحدها هي المسموح بها في الإسلام يظلّ رأيًا شائعًا إلى حد كبير بين المدافعين عن الإسلام.
ومع ذلك، فإن الفكرة القائلة بقصر الجهاد على الحرب الدفاعية ليست بحال من الأحوال من مبتدعات الحداثة؛ إذ يجادل مجيد خدوري بأنه، بدءًا من ابن تيمية (ت. 1328م)، قام تيار مهم في الفكر الإسلامي السني بتفسير الجهاد على أنه دفاعي حصرًا[52].

اتّخذ معظم الكُتّاب المسلمين في الحقبة الاستعمارية موقفًا نضاليًا ضد الإمبريالية الأوروبية أشدّ من ذلك الذي اتخذه الهنود. ومن أبرز هؤلاء، دعا جمال الدين الأسدآبادي (1839-1897)، وفي وقت لاحق جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إلى الجهاد ضد الإمبريالية البريطانية. وقد أكّد حسن البنا أنه نظرًا لتعرّض أراضي المسلمين للغزو، فقد بات واجبًا على كل مسلم قادر أن يصدّ الغازي. ولما كانت الهيمنة على مصر قد تحقّقت بالفعل بحلول الوقت الذي ظهرت فيه كتابات حسن البنا، فإن الوضع لم يكن على وجه الدقّة وضعًا دفاعيًا ضد غزو؛ فقد انتهى الغزو. ولذا، استند البنّا إلى آيات من القرآن، والأحاديث النبوية، وآراء فقهاء العصور الوسطى للدفاع عن الموقف القائل بأن الجهاد مُسوَّغ ضد جميع غير المسلمين، من المسيحيين والوثنيين على حد سواء، سواء أقاتلوا المسلمين أم لم يقاتلوهم[53]. ويهاجم سيد قطب، المتحدث الرئيسي باسم جماعة الإخوان المسلمين المصرية بعد عام 1954، صراحةً أولئك المفكّرين المسلمين الذين قصروا الجهاد على الدفاع. فهو يُحيي ادّعاء أولئك الفقهاء من العصور الوسطى الذين جادلوا بأن الجهاد ليس بغرض الإكراه على اعتناق الدين، بل لجعل الشريعة قانونًا للبلاد، ومن ثم القضاء على الأنظمة السياسية القمعية[54]. وفي حين أنّ الموقف الذي يدافع عنه سيد قطب لا يختلف عما نجده لدى العديد من كُتّاب العصور الوسطى، فإنّ اللغة التي يستخدمها تعكس جاذبية النضالات الماركسية من أجل التحرّر الوطني. فهو لا يُسوّغ الجهاد للدفاع عن الدولة الإسلامية فحسب، بل من أجل شنّ الهجوم ضد أيّ ظالم أيضًا.

لقد تبنّى مؤسس الجماعة الإسلامية البارز وذو النفوذ في باكستان، أبو الأعلى المودودي، صراحةً لغة التحرّر الوطني بالصيغة التي يستخدمها الشيوعيون. وفي خطاب مهمّ ألقاه عام 1939، يجادل المودودي بأن التمييز بين الهجوم والدفاع لا معنى له عند تطبيقه على التفكير في الجهاد. إذ ينطبق التمييز بين الهجوم والدفاع في المقام الأول على أفعال الدول ذات السيادة تجاه بعضها بعضًا. أما بالنسبة للمودودي، فإن الجهاد يُتصوّر في المقام الأول على أنه ثورة: فالإسلام هو أيديولوجية وبرنامج ثوري يسعى إلى تغيير النظام الاجتماعي للعالم بأسره وإعادة بنائه بما يتوافق مع مبادئه ومثله العليا. و«المسلم» هو لقب ذلك الحزب الثوري الأممي الذي نظّمه الإسلام لتنفيذ برنامجه الثوري. ويشير «الجهاد» إلى ذلك الكفاح الثوري والجهد الأقصى الذي يبذله الحزب الإسلامي لتحقيق هذا الهدف[55] .
ومن بين مفكّري العصور الوسطى، رأينا بعض الخلاف حول ما إذا كان ينبغي للدولة الإسلامية أن تشنّ الجهاد ضد جميع الكفار، أم ضد الكفار المعادين فقط. ويمكننا أن نتوقّع وجود خلافات بين مسلمي القرن العشرين حول ما إذا كان ينبغي توجيه النشاط الثوري ضد جميع الحكومات التي لم تُؤسس لإقامة الشريعة، أم ضد تلك الحكومات القمعيّة فقط. وإذا كان التوافق مع الشريعة هو المعيار الوحيد لتحديد ما إذا كانت قوانين أمّة ما عادلة أم لا، فلن يُلحظ أي فرق بين هذين البديلين.
وهذا هو موقف سيد قطب والمودودي. إذ يُشاد بالإسلام باعتباره الخصم للظلم، حيث يُنظر إلى الظلم على أنه كل ما لا يتوافق مع الإسلام. ويدين كل من المودودي وقطب صراحةً الإكراه على اعتناق الدين، لكنهما لا يظهران أي تسامح تجاه أية حكومة لا تطبق الشريعة.
فما الذي يُعتبر إذن سببًا عادلًا لابتداء الجهاد؟ لا توجد إجابة واحدة يحظى عليها إجماع جميع المسلمين. ومع ذلك، يسعنا أن نورد الإجابات الأوسع قبولًا لهذا السؤال:

الدفاع.
الثورة ضد الطغيان.
إقامة الشريعة.
أما العلّة الشائعة التي يقدّمها بعض الفقهاء، والقائلة بأن الجهاد يُسوَّغه ضرورة ضمان الحرية لنشر الإسلام، فغالبًا ما تُفهم على أنها تندرج تحت البند (2) أو (3). ويمكن إضافة معاقبة ناقضي العهود كمسوّغ رابع؛ غير أن هذا الشرط لم يحظَ تقريبًا بأي اهتمام في العصر الحديث.
وتُعدّ مسألة الدفاع بالغة التعقيد؛ إذ لا يوجد اتفاق حول ماهية الحرب الدفاعية. وفي مواجهة الانتقادات الغربية، زعم العديد من الحداثيين المسلمين أن الدفاع هو المسوّغ الوحيد للجهاد، وأن جميع الحروب التي خيضت في صدر الإسلام كانت حروبًا دفاعية.
وقد تعرّضت هذه المزاعم لهجوم من قِبَل المستشرقين والمسلمين على حدّ سواء. واستجابةً لذلك، عَمَد بعضٌ إلى التوسّع في مفهوم «الدفاع» ليشمل أنماطًا من الحروب قد لا يُنظر إليها في العادة على أنها تندرج تحت هذا التصنيف. وعلى سبيل المثال، يعرّف محمد حميد الله الحرب الدفاعية على نحو يشمل ما يلي:

أ. الحرب العقابية ضد أعداء الإسلام.
ب. الحرب التعاطفية دعمًا لكفاح المسلمين المضطهدين في الأراضي الأجنبية.
ج. الحرب العقابية ضد المتمرّدين داخل الدولة الإسلامية.
د. الحرب المثالية التي تُخاض من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[56].
ولا يُفهم أيٌّ من هذه الأنماط في العادة على أنّه ذو طبيعة دفاعية. فثمّة فرق بين الإجراءات العقابية والإجراءات الدفاعية؛ إذ تقوم الإجراءات الدفاعية على صدّ العدوان، في حين لا تُفهم الإجراءات العقابية على أنها دفاعية إلّا بناءً على تصوّرٍ مفاده أنها تردع الهجمات.

ويمكن التذرّع بمبدأ الحرب التعاطفية لتسويغ الهجمات الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي، بحجة أن بعض المسلمين قد تعرّضوا لسوء المعاملة في تلك الأراضي المُراد السيطرة عليها.

أما في الحالة (ج)، فينشأ خطر تفاقم حركات التمرّد، التي كان بالإمكان قمعها بتدابير تخوضها الأجهزة الأمنية، لتتحول إلى حروب أهلية. ولعل الحالة (د) هي أشدها خطورة؛ إذ إنها قد تسمح باتخاذ أيّ تصرّف مخالف للشريعة الإسلامية ذريعةً لشنّ الحرب.
في حين يتّفق الكُتّاب الشيعة والسنة إلى حدّ كبير حول الشروط التي تُسوّغ الجهاد، إلا أن هناك بعض الاختلافات المهمة. فوفقًا للمذهب الشيعي الاثني عشري، غاب الإمام الثاني عشر عن الأنظار منذ أكثر من ألف عام؛ وهو لا يزال حيًا، وسيظهر يومًا ما ليقود المؤمنين الصادقين في إرساء دعائم السلام والعدل على الأرض. ويرى معظم علماء الشيعة أن الحرب الدفاعية وحدها هي الجائزة في غيبة الإمام، وأن الجهاد الهجومي لا يجوز شنّه إلّا عند عودته. وتوجد خلافات حول ماهية الدفاع؛ إذ يتبنّى الكثيرون رؤية موسّعة للدفاع، لا تختلف كثيرًا عن رؤية حميد الله المذكورة آنفًا. ومع ذلك، تكتنف هذا الرأي بعض الإشكاليات. فإذا فُهِم الدفاع على أنه يشمل كل ما يمكن أن يوفّر مسوّغًا أخلاقيًا للحرب، فمن الخطأ الادعاء بأن الإمام الثاني عشر سيقود حربًا غير دفاعية، لأن هذا يعني أن الإمام سيقود حربًا غير عادلة، وهو أمر لا يمكن تصوّره.

ومن ناحية أخرى، إذا فُهم الدفاع بمعناه الضيق، ليقتصر على الدفاع عن أراضي المسلمين التي تتعرض للهجوم، فيجب الإقرار بأن هناك بعض الحروب التي ينبغي شنّها لأسباب أخلاقية، ولكنها تُعدّ محظورة في غيبة الإمام.
ويتجنّب العديد من علماء الشيعة المعاصرين هذه الإشكالية بإنكار وجود أنواع من الجهاد يقتصر قيادتها حصريًا على إمام معصوم. ويُعدّ آية الله طالقاني صريحًا تمامًا في هذا الشأن[57] . ومن المتّفق عليه عمومًا أن الجهاد يجب أن يُشنّ ضد الظلم. وخلال الحقبة الحديثة للاستعمار والاستعمار الجديد، ثمّة توجه لإعادة تفسير الجهاد بطريقة تسوّغ الكفاح المسلح ضد الطغاة والقوى الاستعمارية.
ويعبّر آية الله إبراهيم أميني عن تصريح نموذجي إلى حدّ كبير يمثّل هذا النوع من الرؤى، حيث قال بصفته عضوًا في مجلس صيانة الدستور في إيران الإسلامية: «لقد ألقى القرآن على كاهل المسلمين مسؤولية جسيمة تتمثّل في محاربة الاستبداد والفساد والاستغلال والاستعمار، والدفاع عن المضطهدين والمستغَلين» [58].
وبطبيعة الحال، لا يجب بالضرورة أن يُحمل القتال على أنه عمل عسكري أو حرب، ويمكن تفسيره بطريقة تتسق مع دور أضيق نطاقًا للجهاد؛ غير أن إمكانية تبنّي فهم أكثر ميلًا للقتال والحرب بالنسبة للجهاد تظلّ قائمة.

2-2. السلطة الشرعية
من المتفق عليه عمومًا أنه لا يجوز شنّ الجهاد ما لم يكن موجّهًا من قِبَل السلطة الشرعية (باستثناء الجهاد الدفاعي الذي يُعدّ مفروضًا على المرء بحكم الضرورة).
وقد كانت مسألة تحديد ماهية السلطة الشرعية واحدة من أكثر المسائل إثارة للانقسام في التاريخ الإسلامي. وكان الوضع الأمثل يتمثّل في الجمع بين السلطتين الدينية والسياسية، كما كان الحال في عهد نبي الإسلام. فبالنسبة للسنة، مارس هذه السلطة السياسية والدينية الخلفاء الأربعة الأوائل بعد النبي.

أما بالنسبة للشيعة، فقد كانت هذه السلطة معقودة للأئمة، غير أنه، وباستثناء فترات وجيزة خلال حياة أمير المؤمنين(عليه السلام) والإمام الحسن(عليه السلام)، حُرموا من السلطة السياسية بغير حق[59]. ونشأت الإشكاليات لكلا الفريقين عندما انقسمت السلطتان السياسية والدينية[60].
ففي أوساط السنة، إبان الخلافة العباسية، وعلى الرغم من أن الخليفة كان يمارس السلطة السياسية ويقود الجهاد، إلّا أنّ شرعية الجهاد وكافة الفروض الدينية كان يقرّرها العلماء. ووفقًا للمذهب المالكي، فإنه يجوز قتال العدو تحت راية أيّ حاكم، برًّا كان أو فاجرًا[61]. ومع تراجع سلطة الخلافة، احتفظ العلماء بمسؤولية إصدار الفتاوى الشرعية التي تحدّد ما إذا كان القتال الذي يقوده رئيس الدولة يُعدّ جهادًا أم لا.

وتُعدّ مواقف الشيعة تجاه السلطة بعد غيبة الإمام الثاني عشر(عليه السلام) في عام 260هـ/874م موضع بعض الخلاف بين الباحثين. إذ جادل بعض الباحثين بأنه نظرًا إلى أن السلطة الحقيقية يجب أن تكون بيد الإمام، فإن المذهب الشيعي الاثني عشري يجعل شرعية أيّ حاكم آخر محفوفة بالمخاطر، في حين يعزّز السلطة السياسية للعلماء[62]. ومع ذلك، خلال عهد الصفويين (1502-1779)، ادّعى الملوك أنهم يحكمون بصفتهم نوابًا عن الإمام الغائب، متّخذين لقب «ظلّ الله في الأرض»، وقد أيّدهم في هذا الادّعاء معظم العلماء. وعلاوة على ذلك، برزت تيارات قويّة داخل أوساط العلماء أصرّت على أنه لا يحقّ للدولة ولا للمؤسّسة الدينية التصرّف نيابة عن الإمام. وقد طرح هذا الموقف بعض أتباع المدرسة الأخبارية في الفقه الشيعي، والتي كانت بالغة التأثير خلال القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، قبل أن تحلّ محلّها المدرسة الأصولية.
ومن ناحية أخرى، احتفظ العلماء (بغض النظر عن مذهبهم) لأنفسهم بمسؤولية التصرّف نيابة عن الإمام في بعض النواحي، مثل الوصاية على الأيتام وإدارة المساجد. وقد اتّخذ مختلف العلماء مواقف متباينة بشأن مدى اتساع نطاق هذه السلطة. وحتى في أوج قوة الصفويين، التُمس إقرار العلماء لشنّ الجهاد ضد الجورجيين من قِبَل الشاه عباس (1587-1629). وفي الفترات التي ضعفت فيها سلطة الدولة، أصبحت مطالبات العلماء أكثر إلحاحًا. وخلال العهد القاجاري، ادّعى الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت. 1823) أن واجب الدفاع عن الإسلام من خلال الجهاد يقع على عاتق المجتهدين في عصر الغيبة. وقد احتفظ الحاكم بالسلطة السياسية، إلّا أنّ الإقرار الديني كان من اختصاص العلماء. وكان يُعتقد أن للإمام نوعين من السلطة: سياسيّة ودينية، يُرمَز إليهما بالسيف والقلم. وفي غيبة الإمام، كان يحقّ للحاكم أن يتصرّف نيابة عن السلطة السياسية للإمام، في حين تولّى العلماء النيابة الدينية.
وتبلغ مطالبة العلماء بالسلطة السياسية ذروتها مع كتابات الإمام الخميني وانتصار الثورة الإسلامية في إيران[63]. ولا يزال هناك بعض الاختلاف في الرأي بين المجتهدين المعاصرين حول ما إذا كانت هناك أيّ سلطة للإمام الثاني عشر التي لا يمكن ممارستها في غيبته. ويتعلّق الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذه السلطة بالجهاد.
وكما ذُكر آنفًا، هناك عدد من العلماء الذين رأوا أنه لا يجوز في غيبة الإمام سوى الجهاد الدفاعي، ويبدو أن هذا هو الرأي السائد اليوم. ويستحق نقاش أرجمند[64] للتطور المبكر لهذا الموقف أن يُقتبس مطوّلًا:

أما بالنسبة للجهاد الذي ينطوي على حرب فعلية، فقد أصبح الوجوب المتعلّق به مقيدًا في أضيق الحدود في عصر الغيبة. فقد أضاف المفيد (ت. 413هـ/1022م)، متّبعًا في ذلك الكليني، دار الإيمان إلى التقسيم الثنائي التقليدي المتمثّل في دار الإسلام ودار الكفر، وقدّم الجهاد على أنه الكفاح (غير العنيف) لتحويل مملكة الإسلام إلى مملكة إيمان (أي التشيّع)، مرجئًا الهجوم على الكفار. وبعد جيل من ذلك، اعتبر الطوسي (ت. 460هـ/1067م) الحرب المقدّسة في غيبة الإمام خطأ، وبعد أكثر من قرنين، حكم المحقّق الحلي (ت. 676هـ/1277م) بالمثل أن الجهاد غير واجب ما لم يُستدعَ المؤمن من قِبَل الإمام. وباستثناء موضع واحد اعتُبر فيه الجهاد «مستحبًّا» وليس واجبًا على الثغور في غيبة الإمام، لم يكن احتمال شن الحرب المقدسة أثناء الغيبة واردًا. ولذلك، حصر المحقّق فعليًّا الجهاد في الحرب الدفاعية[65].
بل إن بعض الكُتّاب الشيعة يتجنّبون استخدام مصطلح الجهاد للإشارة إلى الحرب الدفاعية في غيبة الإمام، ويتحدّثون بدلًا من ذلك عن «حرب دفاعية مقدّسة». ويقصر أمثال هؤلاء الفقهاء مصطلح الجهاد على الحرب التي يبتدئها المسلمون ضد الكفار، والمصطلح الفنّي الأدقّ لذلك هو الجهاد الابتدائي. ومع ذلك، ففي أغلب الأحيان يُفهم الجهاد على أنه يشمل كلًّا من الحرب الهجومية والدفاعية.
ولم تكن الحرب الدفاعية محظورة؛ لأنّه كان يُنظر إلى دفاع المرء عن نفسه عند تعرّضه للهجوم على أنه من البديهيات. إذ كان القتال يُخاض بغية دعوة الناس للاستجابة لنداء الإسلام، وإلى جانب ذلك حماية الناس. وقد ارتبط الغرض الأول بالحرب الهجومية، في حين ارتبط الغرض الثاني بالدفاع.
أما الحرب الهجومية فقد حُرّمت أثناء الغيبة لأنه، وكما يوضح ساشدينا[66] في دراسته القيمة: «الإمام وحده هو من يمتلك اللطف الإلهي اللازم لتجنّب أيّ خطأ في التقدير من شأنه تعريض حياة الناس وأهداف الوحي الإسلامي للخطر»[67] . ووفقًا لرواية تُنسب إلى الإمام الصادق(عليه السلام): «إذا ضرب شخص الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه (بمشيئة الله)، فهو باليقين ضال ومُبطل»[68].

أيد الإمام الخميني الرأي التقليدي القائل بأنه لا يجوز سوى الحرب الدفاعية في غيبة الإمام، وقد لُوحظ أن تأكيده على أن الحرب مع العراق كانت حربًا دفاعية مفروضة يُعزى إلى هذه النقطة[69] . ومن ناحية أخرى، لم يُنظر إلى الثورة الإسلامية ذاتها على أنها جهاد دفاعي أو هجومي بالمعنى الفقهي للجهاد، وقد سعى الإمام الخميني إلى إسقاط نظام الشاه من خلال الاحتجاجات وكسب ولاء الشعب ومختلف أجهزة الحكومة دون اللجوء إلى العنف.
وقد قُوبل عنف الدولة ضد الأفراد بالدفاع الفردي عن النفس، غير أن الإمام الخميني لم يسعَ إلى توظيف الجيش في حرب أهلية من أجل إقامة الحكومة الإسلامية. وبالمثل، كانت فكرته عن تصدير الثورة خالية تمامًا من العنف.
عندما نقول إنّنا «نريد تصدير الثورة»، فإنّنا نريد لهذا الشيء الذي ظهر، لهذه الروحانية التي برزت في إيران أن تُصدَّر. نحن لا نستخدم السيوف أو البنادق، ولا نهاجم أحدًا. لقد مضى وقت طويل والعراق يقاتلنا ونحن لا نهاجمهم. إنهم يهاجمون ونحن ندافع عن أنفسنا، فالدفاع ضرورة[70].

«نحن الذين نقول إنّنا نريد تصدير ثورتنا، لا نريد ذلك بالسيف؛ بل نريده عن طريق التبليغ»[71] .
نأمل أن تبرز قوّة إسلامية، قوة عادلة، قوّة تعتمد على العدل، وليس على الحراب، ولا حتى، على سبيل المثال، المدافع والدبابات، (مما يؤدّي إلى) الوئام بين جميع البشر» [72].
ويمكن العثور على مثال آخر لما يرقى إلى مستوى المسالمة المؤقّتة في غيبة الإمام الحي(عليه السلام) في رسالة تمهيدية للداعية الشيعي المعاصر السيد سعيد أختر رضوي:

وفقًا للفقه الاثني عشري، لا يمكن الشروع في حرب ما لم يُؤذَن بذلك تحديدًا من قِبَل النبي أو الإمام نفسه، وذلك أيضًا في حدود ما يقرّره خليفة الله. ففي نهاية المطاف، الحياة من خلق الله ولا ينبغي تدميرها ما لم يُؤذَن بذلك من قِبَل خليفة الله. وبناءً على ذلك، فإن الحرب المقدسة محرمة على الشيعة الاثني عشرية خلال الفترة التي يغيب فيها إمامنا عنّا[73] .
ولأن ترقّب المهدي(عليه السلام) قد يتّخذ طابعًا سكونيًا كما قد يُفهم من تصريحات كتلك التي أوردها رضوي، فقد ظنّ المستعمرون الأوروبيون في العالم الإسلامي أحيانًا أنه يمكن استغلال العقيدة المهدوية كقوة مناهضة للجهاد. بيد أنّهم كانوا مخطئين في ذلك أشدّ الخطأ؛ إذ يمكن للإيمان بالمهدي أن يتّخذ طابعًا حركيًا بعدّة طرق. أولًا، قد يظهر شخص يدّعي أنّه المهدي؛ وهو ما حدث بالفعل في السودان في أواخر القرن التاسع عشر. ثانيًا، قد يُنظر إلى النضال الحركي على أنه ضرورة لتمهيد الطريق لعودة المهدي. وقد كانت هذه الفكرة بمثابة المحور الذي وظّفه علي شريعتي في مساعيه لحشد الدعم بين الأوساط الجماهيرية الشيعية للإطاحة بشاه إيران. وهذا الحراك الثوري، كما يتّضح لنا من الخطابات العديدة للإمام الخميني، لا يُشترط أن يكون عنيفًا، بل إن النشاط الثوري اللاعنفي قد يُفرض أحيانًا بتوجيه من القيادة الدينية. ثالثًا، وهو رأي شائع بين علماء الشيعة المعاصرين، فإن مسؤوليات الإمام قد تُناط بالفقهاء خلال فترة غيبته. وتُعدّ مسألة تحديد النطاق الدقيق لتفويض السلطة إلى الفقهاء موضع خلاف، لا سيما فيما يتعلّق بقضية الجهاد، على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الشروع في الجهاد العنيف ضد الكفار لا يكون شرعيًا إلّا إذا كان بقيادة المهدي، الإمام الثاني عشر(عليه السلام)، بعد ظهوره، في حين أن النشاط الثوري اللاعنفي لا يخضع لمثل هذا التقييد.

2- 3. النيّة الصحيحة
تُعدّ النية الصحيحة شرطًا أساسيًا للانخراط في الجهاد[74]. ولا يمكن المبالغة في التأكيد على أهمية النية في كلا المذهبين الشيعي والسني. وتوجد أحاديث نبوية عديدة تفيد بأن القتال من أجل الغزو، أو الغنائم، أو الوجاهة في أعين الناس لا يعود على المرء بأيّ أجر. فإذا أراد المرء الانخراط في الجهاد، فيجب أن يعقد النية على القيام بذلك لغرض وحيد وهو التقرّب إلى الله. وفي الفقه الشيعي، تميّز هذه النية العبادات عن غيرها من الأنشطة التي تُناقش في مصنّفات الشريعة.
وتتجلّى أهمية استحضار النية الصحيحة أثناء المعركة في قصة مشهورة عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، والتي نُظمت شعرًا في كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي. فخلال غزوة الخندق (5هـ/627م)، اشتبك علي(عليه السلام)، مع أبرز مقاتلي قريش. وفي إحدى لحظات النزال، طرح علي(عليه السلام) خصمه أرضًا وشرع في الإجهاز عليه، حينها بصق عدوُّه في وجهه. عندئذٍ، تركه علي على الأرض عاجزًا. ولما عاد إليه، سأله العدو عن سبب انصرافه. فأجاب علي(عليه السلام) بأنه لو قتله فور تعرضه للبصق، لبدا وكأن القتل قد ارتُكب شفاءً لغضبه الشخصي، ولذا انتظر حتى يتمكّن من قتله في سبيل الله وحده دون شائبة.

2- 4. التناسب
في قانون حق الحرب، يُقصد بشرط التناسب ضرورة ألا ينخرط المرء في الحرب إلا شريطة أن تفوق المنفعة المكتسبة من خلالها حجم الشر الناجم عنها. ويتفق الفقهاء المسلمون على أن القتال، في حد ذاته، يُعد شرًا أو فسادًا، وأنه لا يصبح مشروعًا وضروريًا إلا بالنظر إلى الغاية التي يتجه نحوها: ألا وهي تخليص العالم من شر أكبر. ومما يدلّ ضمنًا على حقيقة أن القتال في حد ذاته يُعد شرًا -بغض النظر عن مسألة متى يمكن تسويغه- القول القرآني: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾[75]؛ إذ يشير استخدام صيغة التفضيل ضمنًا إلى أن القتل في حد ذاته شر. وعلى النقيض من شروط السبب العادل، والسلطة الشرعية، والنية الصحيحة، فإن شرط التناسب لا يُناقش عمومًا بصفته هذه في مصنَّفات الفقه الإسلامي. ومع ذلك، تُؤخذ مسألة التناسب بعين الاعتبار فيما يتعلّق بالشروط التي يمكن بموجبها إبرام معاهدات السلام. ووفقًا للحلي: «إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، جاز عقد معاهدة سلام»[76]. غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه، وفقًا للحلّي، لا يُعدّ التصرّف وفقًا للمصلحة العامة في هذا الصدد أمرًا واجبًا، بل هو أمر جائز فحسب. وغنيٌّ عن القول إنه، بناءً على رأي الحلي، فإن الإمام وحده هو من يمتلك السلطة لإبرام معاهدة سلام. كما رأى الفقهاء التقليديون أن معاهدات السلام جائزة في حال كانت قوّات المسلمين تقلّ عن نصف قوّات أعدائهم. وقد غدا تحديد طبيعة الشروط التي يمكن قبولها في مثل هذه المعاهدات مورد خلاف. إذ ذهب المُنظِّر الحنفي المبكر الشيباني (ت. 189هـ/804م) إلى أنه يجوز للمسلمين حتى الموافقة على دفع الإتاوة (أو المال) لأعدائهم إذا رأوا أن ذلك سيكون خيرًا لهم من الاستمرار في حرب يخشون فيها الهلاك[77].

2- 5. الملاذ الأخير
لا يجوز الشروع في الجهاد إلّا بعد أن يُعرض على العدو الخيار الثلاثي: قبول الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال. ويُعتقد أن البديل الثاني قد عُرض في البداية على اليهود والمسيحيين فقط؛ وفي وقت لاحق، اعتُبر المجوس أيضًا من «أهل الكتاب».
ومع ذلك، هناك بعض الأدلة على أن أمير المؤمنين(عليه السلام) كان مستعدًّا لقبول الجزية من بعض الأشخاص مجهولي العقيدة. وقد ناقش الفقهاء في ما إذا كانت الدعوة إلى الإسلام يجب أن تُوجّه إلى أولئك الذين سبق دعوتهم. كما كان موضوع بعض الجدل هو مسألة ما إذا كان يمكن اعتبار جماعات أخرى غير تلك المذكورة من أهل الكتاب.

ويقدم حميد الله حجة مثيرة للاهتمام فيما يتعلّق بالخيار الثلاثي. فهو يدّعي أنه في رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هرقل، تمّ تقديم بديل رابع لا يتطلّب أكثر من أن يسمح الإمبراطور لرعاياه بحرية قبول الإسلام.
ويجادل حميد الله بشكل أوسع بأنه نظرًا إلى أنّ الأحاديث التي يستند إليها الفقهاء التقليديون تتمثّل في حديث يأمر فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قائد مهمة استطلاعية أو تأديبية بتقديم العرض الثلاثي لأيٍّ من المشركين الذين يواجههم، فإن الخيار الثلاثي لم يكن يُقصد به أن يكون أمرًا حتميًا لبدء أعمال عدائية جديدة، بل كوسيلة يُعرَض بها السلام على أولئك الذين كانت القوات الإسلامية في حالة حرب معهم بالفعل[78].

2- 6. الغاية المتمثّلة في تحقيق السلام
حتى أكثر المنظّرين المسلمين نزوعًا للحرب رأوا أن غاية الجهاد هي إرساء السلام. إذ لا يُدعى إلى القتال قط لذاته، بل من أجل تخليص العالم من «الفتنة» فقط، وذلك من خلال تأسيس السلام الإسلامي عبر تطبيق الشريعة.

3. قانون السلوك أثناء الحرب
3- 1. التمييز
في أقدم مصادر الفقه، يتم التمييز بين غير المقاتلين والمحاربين، ويُحظر إلحاق الأذى بهم. وفي الفقه المالكي، لا يجوز قتل النساء والأطفال، ويجب تجنّب قتل الرهبان والأحبار ما لم يشاركوا في القتال. ويُفترض في غيرهم أنهم مقاتلون، باستثناء الأشخاص الذين مُنحوا الأمان، والذي يمكن أن يمنحه أيُّ مسلم، ذكرًا كان أم أنثى، ممن بلغ سن التمييز. ويجادل حميد الله بأن غير المقاتلين الذين يقدمون المساعدة للجيش، كالأطباء، لا يجوز قتلهم أيضًا.
يُثار التساؤل غالبًا في نصوص العصور الوسطى حول ما يتعيّن على القوات الإسلامية القيام به عندما يتترّس العدو بأطفال مسلمين وقعوا في الأسر.
ويجيب الفقهاء بأنه يجوز رمي العدو بالسهام في مثل هذه الظروف، ولكن ينبغي للمقاتل أن يصوّب رميته قاصدًا تجنّب إصابة الأطفال. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من أنه لا يجوز قتل غير المقاتلين، فإذا اتّخذ جندي مسلم إجراءً ضروريًا لنجاح شن الجهاد، وقُتل فيه غير المقاتلين دون قصد، فإن الجندي لا يقترف إثمًا بذلك؛ ولا يُلزم بدفع الدية. وفي هذين الحكمين، يمكن ملاحظة تفعيل مبدأ الأثر المزدوج[79].

3- 2. التناسب
يقتضي التناسب في سياق قانون السلوك أثناء الحرب استخدام أقل قدر ممكن ومطلوب من القوة لتحقيق غايات المرء أثناء القتال. ويُعدّ رأي الحلي نموذجيًا إلى حدّ كبير في هذا الصدد:
يجوز قتال العدو بأي وسيلة تؤدّي إلى النصر، ولكن يُكره قطع الأشجار، ورمي النار، أو قطع المياه، ما لم يكن ذلك ضروريًا (لتحقيق النصر)؛ ويَحرُم رمي السم. إلا أن البعض يقولون إن هذا مكروه فقط[80].
وقد أجمع الفقهاء المسلمون عمومًا على أن الحرب يجب أن تُشن بطريقة تُسفر عن أقل قدر ضروري من إراقة الدماء والإضرار بالممتلكات في سبيل تحقيق النصر. ويؤكّد على هذا المبدأ صراحة كُتّاب معاصرون من أمثال حميد الله وشلايفر[81].
وتقدم القيود المفروضة على التمثيل بضحايا الحرب أمثلة إضافية على حظر العنف غير الضروري في الفقه الإسلامي.
ويجادل الشهيد مطهري بأنه إذا كان تدمير الممتلكات هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها إحراز النصر، فإن ذلك يُعد جائزًا، ولكن لا يجوز اعتبار هذا العمل جزءًا أصيلًا ومناسبًا من أعمال الجهاد[82]. وهنا أيضًا، نجد توظيفًا ضمنيًا لمبدأ الأثر المزدوج.

4. الخاتمة
من خلال هذا الاستعراض الموجز لآراء المسلمين حول بعض المسائل المتعلّقة بالجهاد[83]، ينبغي أن تتّضح عدّة نقاط. أولًا: لا توجد نظرية فقهية أو عقيدة واحدة للجهاد تحظى بإجماع عالمي بين المسلمين. لقد تطور الفهم الإسلامي لما يقتضيه القرآن وسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن الجهاد بمرور الزمن، وهو يعكس البيئات السياسية والأيديولوجية التي حاول المسلمون في ظلّها تفسير الشريعة. ومن ناحية أخرى، لا يُفهم من هذا التنوّع في الآراء أن الشريعة الإسلامية تفتقر إلى المضمون، أو أنها مجرّد مسألة خاضعة للآراء الاعتباطية. فليس ثمّة مبرّر لقبول النزعة النسبية في هذا المقام أكثر مما يُقبل في أيّ علم آخر. إن حقيقة وجود بعض المسلمين ممن يجيزون ارتكاب أعمال عنف ضد المدنيين باسم الجهاد لا تعني بأي حال من الأحوال أن الإسلام يغض الطرف عن مثل هذا الإرهاب، تمامًا كما أن إضفاء بعض المسيحيين طابعًا دينيًا يبرر التعذيب وإلحاق أضرار جانبية جسيمة لا يعني أن هذه الأفعال تتوافق مع المبادئ المسيحية. تُشكّل أحكام الإسلام المتعلّقة بالجهاد نظرية لـ«الحرب العادلة». إذ تقصر الشريعة الإلهية للإسلام الحروب على القتال ضد الظلم، وتشترط أن يتّخذ القتال طابعًا إنسانيًا يتّسق مع تحقيق غاياته.
في السنوات الأخيرة، أشار عدد من مُنظّري الحرب العادلة المشتغلين في التراث المسيحي إلى أنه في ظلّ الظروف الراهنة التي تتّسم بالتكنولوجيا المتقدّمة والترتيبات السياسية المعقّدة، لم يعد من الممكن خوض حرب لا تنتهك بعض مبادئ الحرب العادلة. وقد أُطلق على هذا التوجّه مصطلح «سلمية الحرب العادلة»[84]، ويُعرف أيضًا بـ «السلمية الطارئة»[85]، و«السلمية المشروطة»[86]، و«السلمية العملية»[87].‌[88] ويبدو أن الحجج التي سِيقت لدعم هذا النوع من المواقف أكثر قوة في سياق اللاهوت الإسلامي الشيعي مقارنةً بتراث الحرب العادلة المسيحي. وتتمثل إحدى الحجج الرئيسية المؤيدة لـ«سلمية الحرب العادلة» في استحالة التوصّل إلى أيّ ضمان معقول بأن العمل العسكري سيفضي إلى نتيجة محمودة العواقب[89] . كما تبرز هذه الحجة بوضوح بين علماء اللاهوت الشيعة الذين جادلوا بأن الحرب الهجومية (الجهاد الابتدائي) مُحرّمة خلال فترة الغيبة الكبرى نظرًا لعدم وجود إمام معصوم حاضر قادر على الجزم بأن نتائج استخدام القوة ستُبرر المبادرة بشنّ القتال.

برّر الفقهاء المسلمون الحرب الهجومية بغية إتاحة الفرصة للناس للاستماع إلى الدعوة للإسلام. بيد أنه في المجتمع المعاصر، جعلت وسائل الاتصال الحديثة هذا المبرّر لشنّ الحرب أمرًا عفا عليه الزمن. قد يجادل بعض الباحثين بأن الدعوة إلى الإسلام لا تكون متاحة عندما تقع وسائل الإعلام في أيدي من لا يتعاطفون مع الإسلام. ومع ذلك، فإن إشكالية التحيّز في وسائل الإعلام لا يمكن معالجتها عن طريق الحرب. إن النوع الوحيد من الحروب الذي يمكن الزعم بوجاهة مشروعيته في الإسلام في ظل الظروف الراهنة هو الحرب الدفاعية. وقد يتمثّل الدفاع في الردّ على هجوم مباشر، أو قد يكون دفاعًا عن شعب في مواجهة الاضطهاد. وعلى أيّ حال، ومن أجل إقامة دفاع فعّال، يتعيّن علينا معرفة التدابير التي من شأنها أن تفضي إلى النتائج المرجوّة، وما إذا كان إجراء معين سيؤدي إلى دحر العدو أم سيتسبّب في زيادة ضراوة هجماته. وفي بعض الحالات، قد يكون من المعقول الردّ على هجوم ما باستعراض مماثل للقوة العسكرية؛ وهو أمر معقول بمعنى أن المرء قد يمتلك ثقة مبرَّرة للاعتقاد بأن مثل هذا الاستعراض سيصدّ الهجوم. غير أنه في حالات الحرب غير المتكافئة، يُفترض عدم القدرة على مضاهاة القوة النارية للعدو، مما يقتضي تبنّي وتطويع وسائل أخرى. وفي مثل هذه الحالات، سيغدو من العسير الدفاع عن الموقف القائل بأن العنف هو الملاذ الوحيد المتاح. وخاصّة بالنظر إلى حقيقة أن إرادة العدو للقتال قد تعتمد إلى حدّ كبير على الرأي العام، فإن الرد العنيف على الهجمات قد يؤدّي في بعض الظروف إلى نتائج عكسية، ناهيك عما إذا كانت الحالة تتعلّق بالدفاع عن حقوق المضطهدين.

إن النزاعات المسلَّحة التي تُعتبر غالبًا دون مستوى الحرب، مثل التدخّلات الإنسانية، والإجراءات الشرطية التي تنطوي على استخدام قوّات قتالية، وبعض النزاعات السياسية المسلحة منخفضة المستوى، تتطلّب مزيدًا من الدراسة. وعلى الرغم من أن أشكال القتال هذه قد أضحت قضايا ملحّة في العالم المعاصر، إلّا أنّها بعيدة كل البعد عن مفهوم الجهاد كما فُهم في التراث الكلاسيكي. وفيما يتصدّى المسلمون لمعالجة هذه القضايا، يمكننا أن نتوقّع ظهور مجموعة متنوّعة من الآراء الفقهية المماثلة للاختلافات في الرأي التي يمكن العثور عليها بين غيرهم من مُنظّري الحرب العادلة.
إن الوضع الجيوسياسي للمسلمين في عالم اليوم يتطلّب إعادة النظر في طبيعة الأساليب التي يمكن توظيفها للدفاع ضدّ الهجمات وضد الاضطهاد. إن النظر في توجّه سلمية الحرب العادلة قد لا يُزكّي نفسه بناءً على أسس أخلاقية في ظلّ هذه الظروف فحسب، بل قد يساعد الخبراءَ الاستراتيجيين أيضًا في سعيهم لتحقيق أهداف العدالة، والسلام، والأمن التي يوجّهنا إليها الدين، وذلك من خلال استخدام وسائل تُعدّ أكثر فعالية وأكثر انسجامًا مع التوجيهات المناهضة لإراقة الدماء وإلحاق الأذى دون ضرورة، وهي التوجيهات التي يُرسيها الإسلام، إن شاء الله.

قائمة المصادر
Abedi, Mehdi and Gary Legenhausen, eds., (1986), Jihàd and Shahàdat: Struggle and Martyrdom in Islam, Houston: IRIS.
AbuSulayman, AbdulHamid A., (2001), “Islamic Jurisprudence and Modern Needs: The Challenge of Renewal,” in Said et al, pp: 59-72.
Akhtar, Wahid, (1985), “Review of Modern Islamic Political Thought,” Al-Tawid, Vol. II, No. 4, pp: 165-189.
Algar, Hamid, (1969), Religion and the State in Iran: 1782-1906, Berkeley: University of California.
Amini, Ibrahim, (1985), “Foreign Policy of an Islamic State in the Light of the Qur’an,” Al-Tawhid, Vol. II, No. 4.
Arjomand, Said Amir, (1984), The Shadow of God and the Hidden Imam, Chicago: University of Chicago Press.
Asad, Muhammad, (1961), The Principles of State and Government in Islam, Berkeley: University of California Press.
Bainton, Roland H., (1960), Christian Attitudes Toward War and Peace, New York: Abingdon Press.
al-Banna, Hasan, (1978), Five Tracts of Hasan al-Banna (1906-1949), Charles Wendell, tr., Berkeley: University of California Press.
Bell, David A., (2007), The First Total War, Boston and New York: Houghton Mifflin.
Brown, Michael, (1975), “Is there a Jewish Way to Fight?” Judaism, Vol. 24, 466-475.
Cowles, C. S., (2003), Eugene H. Merrill, Daniel L. Gard, and Tremper Longmann III, Show Them No Mercy: 4 Views on God and Canaanite Genocide, Grand Rapids: Zondervan.
Crone, Patricia, (2004), God’s Rule: Government and Islam: Six Centuries of Medieval Islamic Political Thought, New York: Columbia University Press.
Dallmayr, Fred, (2004), Peace Talks—Who Will Listen? Notre Dame: University of Notre Dame Press.
Eliash, Joseph, (1979), “Misconceptions Regarding the Juridical Status of the Iranian Ulama,” International Journal of Middle East Studies, Feb.
Enayat, Hamid, (1982), Modern Islamic Political Thought, Austin: University of Texas Press.
Faridzadeh, Mehdi, ed., (2004), Philosophies of Peace and Just War, New York: Global Scholarly Publications.
Fiala, Andrew, (2004), Practical Pacifism, New York: Algora.
Fiala, Andrew, (2007), "Pacifism", The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Summer, Edition, Edward N. Zalta (ed.), URL= .
Firestone, Reuven, (1999), Jihàd: The Origin of Holy War in Islam, New York: Oxford University Press.
Goodman, Lenn Evan, (1978), The Case of the Animals versus Man Before the King of the Jinn, Boston: Twayne.
Hamidullah, Muhammad, (1977), Muslim Conduct of State, 7th ed., Lahore: Sh. Muhammad Ashraf.
Hodgson, Marshall G. S., (1974), The Venture of Islam, Vol. 1, Chicago: University of Chicago Press.
Ibn Khaldun, (1981), The Muqaddimah, tr. Franz Rosenthal, abridged and edited by N. J. Dawood, Princeton: Princeton University Press.
Jafri, S. H. M., (1979), The Origins and Early Development of Shi‘a Islam, London: Longman.
Jannati, Ayatullah Ahmad, (1984), “Defense and Jihad in the Qur’an,” Al-Tawhid, Vol. 1, No. 3, 39-54.
Jansen, G. H. (1979), Militant Islam, New York: Harper and Row.
Johnson, James Turner, (2004), “Theoretical Contexts of Studies on Peace and Just War,” in Faridzadeh, 13-27.
Johnson, James Turner, (1981), Just War Tradition and the Restrain of War, Princeton: Princeton University Press.
Johnson, James Turner, (1975), Ideology, Reason and the limitation of War, Princeton: Princeton University Press.
Keddie, Nikki R., ed., (1983), Religion and Politics in Iran, New Haven: Yale University Press.
Keddie, N. R., (1972), Scholars, Saints and Sufis, Berkeley: University of California Press.
Khadduri, Majid, (1984), The Islamic Conception of Justice, Baltimore: Johns Hopkins Press. ًً
Khadduri, Majid, (1966), The Islamic Law of Nations, Baltimore: Johns Hopkins Press.
Khomeini, Ruhollah, (2001), Imam Khomeini on Exportation of Revolution, tr. Hamid Tehrani, Tehran: Institute for Compilation and Publication of the Works of Imam Khomeini.
Kohlberg, Etan, (1976), “The Development of the Imami Shi‘i Doctrine of Jihad,” Zeitschrift der Deutschen Morgenlandischen Gesellschaft, 126, 64-86.
Maududi, S. Abul a‘la, (1980), Jihad in Islam, Lahore: Islamic Publications.
Muىahharي, Murtièà, (1986), “Jihàd in the Qur’an,” in Abedi and Legenhausen, 81-124.
Paskins, Barrie and Michael Dockrill, (1979), The Ethics of War, Minneapolis: University of Minnesota Press.
Peters, Rudolf, (1979), Islam and Colonialism: The Doctrine of Jihad in Modern History, the Hague: Mouton.
Peters, Rudolf, (1977), Jihad in Mediaeval and Modern Islam, Leiden: E. J. Brill.
Phillips, Robert L., (1984), War and Justice, Norman: University of Oklahoma Press.
Pruthi, R. K., (2002), Encyclopedia of Jihad, Vol. 1, New Delhi: Anmol.
Qutb, Sayyid, (1981), Milestones, Cedar Rapids: Unity Publishing Co.
Rajaee, Farhang, (1983), Islamic Values and World View: Khomeyni on Man the State and International Politics, Lanham: University Press of America.
Rawls, John, (1971), A Theory of Justice, Cambridge: Harvard University Press.
Rizvi, Seyyid Saeed Akhtar, (1977/1397), Islam, Tehran: A Group of Muslim Brothers.
Rose, Gregory, (1983), “Velayat-e Faqih and the Recovery of Islamic Identity in the Thought of Ayatullah Khomeini,” in Keddie, 166-188.
Russell, Frederick H., (1975), The Just War in the Middle Ages, Cambridge: Cambridge University Press.
Sachedina, Abdulaziz A., (1988), The Just Ruler in Shi‘ite Islam, New York and Oxford: Oxford University Press.
Said, Abdul Aziz, Nathan C. Funk, and Ayse S. Kadayifci, eds., (2001), Peace and Conflict Resolution in Islam: Precept and Practice, Washington, D.C.: University Press of America.
Schleifer, Abdullah, (1404/1984), “Jihad: Modernist Apologists, Modern Apologetics,” The Islamic Quarterly, Vol. XXVIII, No. 1, 25-46.
Tabatabai, Muhammad Husayn, (1982), Al-Mizan, vol. 3, Tehran: WOFIS.
Taleqani, Mahmud, (1986), “Jihad and Shahadat” in Abedi and Legenhausen, 47-80.
Walters, LeRoy, (1973), “The Just War and the Crusade: Antithesis or Analogies?” The Monist, 584-594.
Williams, John Alden, ed., (1982), Themes of Islamic Civilization, Berkeley: University of California Press.


-------------------------------
[1]. المصدر:
JOURNAL OF RELIGIOUS THOUGHT: A QUARTERLY OF SHIRAZ UNIVERSITY NO. 26, SPRING 2008
[2]. Dr. Muhammad Legenhausen، أستاذ بمعهد الإمام الخميني التربوي والبحثي، قم المقدسة.
[3]. J. H. Jansen
[4]. Militant Islam
[5]. Jansen, Militant Islam, 29.
[6]. في الشريعة الموسوية (Mosaic law)، توجد مع ذلك استثناءات لشرط الإبقاء على حياة النساء والأطفال. انظر: سفر العدد 31 وسفر يشوع 8. وانظر:
Brown, "Is there a Jewish Way to Fight?", 24: 466-475.
[7]. Mishnah
[8]. Sanhedrin
[9]. المائدة: 44.
[10]. المائدة: 46.
[11]. Cowles, Show Them No Mercy: 4 Views on God and Canaanite Genocide، 7.
[12]. R. H. Bainton
[13]. pacifism
[14]. just war theory
[15]. crusade
[16]. Bainton, Christian Attitudes Toward War and Peace, 44.
[17]. LeRoy Walters
[18]. Walters, "The Just War and the Crusade: Antithesis or Analogies?", 584-594.
مُقتبس في:
(Johnson, Just War Tradition and the Restrain of War).
وفي المرجع الرائد:
(Johnson, James Turner, (1975), Ideology, Reason and the limitation of War, Princeton: Princeton University Press.)، يجادل جونسون (Johnson) أيضًا بأن عقيدة الحرب العادلة الكلاسيكية لدى فيتوريا (Vitoria) وسواريز (Suarez) لا تنفصل عن فكرة الحرب المقدسة. ويدعم باسكينز (Paskins) ودوكريل (Dockrill) تحليل جونسون، زاعمين أن التقسيم بين الحرب المقدسة والحرب العادلة «مصطنع ومضلل» )
Paskins and Dockrill, The Ethics of War, 193.
[19]. Bainton, Christian Attitudes Toward War and Peace, 45.
[20]. James Turner Johnson
[21]. الاقتباس مأخوذ من وصف جونسون الخاص لمرجعه
(Johnson, Ideology, Reason and the limitation of War).
في مقدمة المرجع:
Johnson, Just War Tradition and the Restrain of War).
[22]. David A. Bell
[23]. Bell, The First Total War, 49-51.
[24]. Augustine
[25]. انظر مناقشة آراء أوغسطين في: (Russell, The Just War in the Middle Ages).
[26]. Huguenots
[27]. Francisco de Vitoria
[28]. Johnson, Just War Tradition and the Restrain of War, 94; Dallmayr, Peace Talks—Who Will Listen?, 49-56.
كتب فرانسيسكو دي فيتوريا (Francisco de Vitoria) حوالي (1485-1546م) مناهضًا لحرب الغزاة الإسبان (Conquistadors) التي شُنت بمبررات دينية ضد الشعوب الأصلية في الأمريكيتين، على الرغم من أنه أجاز الغزو الإسباني بناءً على أسس أخرى.
[29]. Ibn Khaldun, The Muqaddimah, 183.
[30]. Peters, Jihad in Mediaeval and Modern Islam, 183.
انظر مناقشة تطور الآراء حول هذه المسألة بين الفقهاء السُنّة في:
(Crone, God’s Rule: Government and Islam: Six Centuries of Medieval Islamic Political Thought, 368-385).
أما بالنسبة للشيعة، فإن الجهاد لأغراض دعوية كان مُحرّمًا خلال الغيبة الكبرى. وللاطلاع على بيان حديث حول كون الغاية من الجهاد هي إخضاع العالم بأسره لحكم الشريعة الإسلامية، انظر:
Pruthi, Encyclopedia of Jihad, 1: 74.
[31].Hodgson, The Venture of Islam, 1: 201.
[32]. Crone, God’s Rule: Government and Islam: Six Centuries of Medieval Islamic Political Thought, 350-362.
[33]. وفقًا لمحمود شلتوت، هناك ثلاثة أسباب فقط للقتال، وهي: وقف العدوان، وحماية رسالة الإسلام، والدفاع عن الحرية الدينية
(Peters, Jihad in Mediaeval and Modern Islam, 51).
[34]. Rudolf Peters
[35]. (Peters, Islam and Colonialism: The Doctrine of Jihad in Modern History, 149).
للحصول على مثال للنظرة إلى عقيدة الجهاد باعتبارها قانونًا دوليًا، انظر (22).
[36]. League of Nations
[37]. (Peters, Jihad in Mediaeval and Modern Islam, 3-4).
في المرجع:
(Peters, Rudolf, (1979), Islam and Colonialism: The Doctrine of Jihad in Modern History, the Hague: Mouton.)، يجادل بيترز (Peters) بأنه من المبرر لنا أن نتحدث عن الجهاد بوصفه حربًا عادلة.
[38]. Johnson, "Theoretical Contexts of Studies on Peace and Just War", 13-27.
[39]. انظر:
(Firestone, Jihàd: The Origin of Holy War in Islam, 15).
للاطلاع على رأي مخالف. يجادل فايرستون(Firestone) بأنه يمكن اعتبار الجهاد حربًا مقدسة إذا فُهمت «الحرب المقدسة» بمعنى أي حرب مُبررة دينيًا، وفُهمت «الحرب العادلة» على أنها حرب مُبرَّرة بموجب القانون الطبيعي (natural law). إن استخدام فايرستون لهذه المصطلحات يؤدي إلى نتيجة غريبة تتمثل في أن نظرية الحرب العادلة الكاثوليكية يجب اعتبارها مبررة للحرب المقدسة. وبغض النظر عن كيفية تطبيق هذه التسميات، لا ينبغي للمرء أن يظن أن الجهاد كان يُنظر إليه كحرب إبادة أيديولوجية. انظر أيضًا:
(Crone, God’s Rule: Government and Islam: Six Centuries of Medieval Islamic Political Thought, 363).
حيث تشير كرون (Crone) إلى أن الجهاد يختلف بالتأكيد عن المفهوم اليوناني للحرب المقدسة (hieros polemos)، لأن الجهاد لا يُخاض من أجل السيطرة على مزار مقدّس؛ وعلاوة على ذلك، لا يُخاض الجهاد بأسلحة مُكرسة، ولا توجد طهارة شعائرية خاصة للجنود أو لمعسكراتهم، كما لا تُقدم قرابين من أجل النصر ولا تُحمل توابيت مقدسة (tabernacles) مع القوات للدلالة على الحضور الإلهي.
[40]. Origen
[41]. Russell, The Just War in the Middle Ages, 11-12; Goodman, The Case of the Animals versus Man Before the King of the Jinn, 255-256.
[42]. البقرة: 217.
[43]. البقرة: 193.
[44]. Williams, Themes of Islamic Civilization, 269.
[45]. (Peters, Jihad in Mediaeval and Modern Islam, 17).
يُرجع خدوري الفكرة القائلة بأنه يمكن تبرير الجهاد استنادًا إلى الاختلافات الدينية فحسب إلى الإمام الشافعي (المتوفى عام 820م)، ويُعلق على الجدل الذي أثارته هذه المسألة في:
(Khadduri, Majid, (1984), The Islamic Conception of Justice, Baltimore: Johns Hopkins Press, 65-166).
[46]. Tabatabai, Al-Mizan, 3: 89.
[47]. (Khadduri, Majid, (1984), The Islamic Conception of Justice, Baltimore: Johns Hopkins Press.p48)؛
وانظر أيضًا:
Ibid, 50, 75.
حيث يُجادل بأن الجهاد مسموح به للأغراض الدفاعية فقط.
[48]. Jannati, "Defense and Jihad in the Qur’an", 1: 26.
[49]. Asad, The Principles of State and Government in Islam.
[50]. Peters, Islam and Colonialism: The Doctrine of Jihad in Modern History, 129.
[51]. Cheragh Ali
[52]. (Khadduri, The Islamic Conception of Justice, 169-170).
وكما سيُرى أدناه، فإن قصر الشيعة للجهاد على الحرب الدفاعية خلال الغيبة الكبرى يسبق زمن ابن تيمية.
[53]. al-Banna, Hasan, (1978), Five Tracts of Hasan al-Banna (1906-1949), Charles Wendell, tr., Berkeley: University of California Press.p142.
[54]. (Qutb, Milestones, 53 - 76).
تتجلى مسألة ما إذا كان الإكراه ينطوي على النشاط الدعوي الذي يُنفذ من خلال الجهاد بشكل أوضح في حالة الجهاد ضد الوثنيين العرب. فبعد اعتناق العرب الوثنيين للإسلام، ظهرت آراء مختلفة حول الإكراه، والجهاد الدعوي، وتطبيق الشريعة. وفي كثير من الحالات، لم يكن هناك اهتمام جدي باعتناق الإسلام من قِبل غير العرب. انظر:
(Crone, God’s Rule: Government and Islam: Six Centuries of Medieval Islamic Political Thought, 377-385).
[55]. Maududi, Jihad in Islam, 5
[56]. (Hamidullah, Muslim Conduct of State, 7th ed., Lahore: Sh. Muhammad Ashraf).
بخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظر القرآن: آل عمران: 104، 110، 114؛ التوبة: 71.
[57]. Taleqani, "Jihad and Shahadat", 47-80
[58]. Amini, "Foreign Policy of an Islamic State in the Light of the Qur’an", 78
[59]. حول الخلافة القصيرة للحسن(عليه السلام)، انظر ص 130 ومابعدها من:
(Jafri, The Origins and Early Development of Shi‘a Islam, 130).
[60]. حول مسألة متى حدث ذلك وفقًا للمفكّرين السنة، انظر:
(Johnson, "Theoretical Contexts of Studies on Peace and Just War", 13-27).
[61]. الاقتباس مأخوذ من ابن أبي زيد القيرواني (ت. 996م)،
(Williams, Themes of Islamic Civilization, 266).
[62]. انظر:
(Algar, Religion and the State in Iran: 1782-1906, Berkeley: University of California.)
(Keddie, Scholars, Saints and Sufis).
فيما يتعلّق بتفنيد الادعاء القائل بأنه في غياب الإمام الثاني عشر تنتقل السلطة إلى العلماء، وللحصول على مزيد من المراجع، انظر (6) و(15). ويمكن العثور على مناقشة مثيرة للاهتمام حول مواقف الشيعة تجاه السلطة السياسية في
(Enayat, Modern Islamic Political Thought).
وللاطلاع على مراجعة للمرجع نفسه والنقاش الذي أثاره، انظر
(Akhtar, "Review of Modern Islamic Political Thought", 165-189).
[63]. Rajaee, Islamic Values and World View: Khomeyni on Man the State and International Politics, 9-23; Rose, "Velayat-e Faqih and the Recovery of Islamic Identity in the Thought of Ayatullah Khomeini", 166-188.
[64]. Arjomand
[65]. (Arjomand, The Shadow of God and the Hidden Imam, 61-62).
من الدراسات المهمة حول عقيدة الجهاد في المذهب الشيعي دراسة
(Kohlberg, "The Development of the Imami Shi‘i Doctrine of Jihad", 126, 64-86).
[66]. Sachedina
[67]. Sachedina, The Just Ruler in Shi‘ite Islam, 111.
[68]. Arjomand, Said Amir, (1984), The Shadow of God and the Hidden Imam, Chicago: University of Chicago Press.P 61-62.
يستشهد ساتشيدينا بالطبرسي في كتاب «الاحتجاج»، 2: 118؛ والمجلسي في كتاب «بحار الأنوار»، 100: 21.
[69]. Rajaee, Farhang, (1983), Islamic Values and World View: Khomeyni on Man the State and International Politics, Lanham: University Press of America.pp 88-91.
[70]. Khomeini, Imam Khomeini on Exportation of Revolution, 81.
[71]. Ibid., 86.
[72]. Ibid., 43.
[73]. Rizvi, Islam, 68.
[74]. Taleqani, "Jihad and Shahadat", 47-80.
[75]. البقرة: 191.
[76].Williams, Themes of Islamic Civilization, 269.
[77]. Khadduri, The Islamic Law of Nations, 155.
[78]. Hamidullah, Muslim Conduct of State, 7th ed., Lahore: Sh. Muhammad Ashraf.
& Schleifer, "Jihad: Modernist Apologists, Modern Apologetics", 1: 25-46.
[79]. لمعرفة أهمية مبدأ الأثر المزدوج في الفكر المسيحي للحرب العادلة، انظر ص 30 ومابعدها من:
Phillips, War and Justice, 30.
يستشهد فيليبس(Phillips) بالأكويني (Aquinas) لتقديم بيان موجز للمبدأ: «تأخذ الأفعال الأخلاقية نوعها بناءً على ما يُقصد منها، وليس بناءً على ما يخرج عن نطاق النية، لأن ذلك يُعد عرضيًا» (Summa 2.2. q. 64, art. 7). ويمكن العثور على بيان مماثل في الأحاديث التي يُستشهد بها كثيرًا، والتي أعلن فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن الأعمال تُقيّم بنياتها (إنما الأعمال بالنيات).
[80]. Williams, Themes of Islamic Civilization, 269.
[81]. Schleifer
[82]. Muىahharي, "Jihàd in the Qur’an", 81-124.
[83]. يُعد هذا العمل إلى حد كبير مراجعة لأجزاء من مقدمة كتاب عابدي (Abedi) وليغنهاوزن الصادر عام (1986) والتي كتبها ليغنهاوزن.
[84]. just war pacifism
[85]. contingent pacifism
[86]. conditional pacifism
[87]. practical pacifism
[88].Rawls, A Theory of Justice, 38 & Fiala, Practical Pacifism& Fiala, "Pacifism".
[89]. Fiala, Practical Pacifism, 191.