البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المبتدأ: الصهيونية المسيحية: تخادم الهيمنة والأسطورة

الباحث :  حسين إبراهيم شمس الدين
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  43
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث :  117
تحميل  ( 161.542 KB )
الصهيونية المسيحية: تخادم الهيمنة والأسطورة

حسين إبراهيم شمس الدين[1]


أول المحاذير التي تطالعنا ونحن نبحث عن الصهيونية المسيحية أو أية عقيدة لاهوتية يشار إليها في سياق تحليل الواقع السياسي أو السلوك الاستراتيجي لأية قوة عالمية أو دولة أو امبراطوية أو حضارة، هو الوقوع في فخ التأويل البعيد عن الواقع الذي تمتزج فيه عناصر الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع وغيرها، بحيث قد يقع الباحث في فخ اختزال كل العناصر الواقعية القابلة للقياس في إطار لاهوتي غيبي قد لا يكون له الأثر الذي يعطى له حقيقة. لذا فإن ما نريد بيانه في هذا المبتدأ – والمقالات الواردة في العدد- لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه اختزال، بقدر ما هو تسليط للضوء على بعد من أبعاد متعددة تتشابك مع بعضها لتنتج واقعًا نعيشه.

الصهيونية هي باختصار دعوى أن أرض صهيون ملك حصري لشعب الله المختار اليهودي، ولا يمكن لأي وجود بشري غيرهم أن ينافسهم في هذا الملك، وذلك بوعد إلهي موجود منصوص في الكتاب المقدس، والصهيونية المسيحية هي اعتقاد بهذا الأمر نشأ على يد اللاهوتيين البيوريتانيين بعد مرحلة من الاضطرابات الدينية في القرن السابع عشر، في مواجهة التفسيرات الكلاسيكية للنصوص الموجودة في العهد القديم وبالخصوص النصوص التي ترجع إلى آخر الزمان، حيث وجد هؤلاء البروتستانت أن النص الديني لا بد من تفسيره دون تأويلات الكنيسة الكاثوليكية، وعندئذ سيظهر أن الأرض المقدسة في فلسطين في الحقيقة هي عطاء الله لشعبه المختار اليهودي، والذي لا بد من عودتهم إليها تمهيدًا لمعركة هرمجدون ومن ثم المجيء الثاني للمسيح، حيث سيدخل اليهود في المسيحية ويحكم المسيح العالم بسلام.

هذا الأساس العقائدي الذي بدأ ينتشر بين بعض المسيحيين كان للمفارقة قبل انتشار الصهيونية اليهودية، ومن المهم هنا التمييز بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية؛ فالصهيونية المسيحية تمثل تيارًا لاهوتيًا وسياسيًا داخل بعض الكنائس البروتستانتية، يقوم على الاعتقاد بأن قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إلى فلسطين يشكلان جزءًا من تحقيق نبوءات الكتاب المقدس. أما الصهيونية اليهودية فهي حركة قومية يهودية حديثة نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، وارتبطت بالسعي إلى إقامة وطن قومي لليهود، ويُعد تيودور هرتزل أبرز مؤسسيها.

فلو راجعنا حياة هرتزل الذي يعتبر الأب المؤسس للصهيونية اليهودية لا نجد الحضور العقائدي الديني في بدايات إطلاق مشروعه برجوع اليهود إلى الأرض المقدسة، ولكن الذي تلقف دعوته من المسيحيين التي كانت علمانية ومصلحية، سعى لمزجها بروح عقائدية إنجيلية استمرت بعد ذلك تحت اسم الصهيونية المسيحية.

النقطة المركزية الفارقة بين المسيحيين الصهاينة وغيرهم من المسيحيين، من الناحية العقائدية، هي أن اللاهوت الكاثوليكي القديم كان يفسر نفي اليهود عن الارض المقدسة ومن ثم عودتهم إليها على أنه حدث حصل في الماضي، وبالتالي لا يشكل نبوءة مرتبطة بالمستقبل، بخلاف الإنجيليين من المسيحيين الصهاينة الذين يعتقدون بأن هذه النصوص هي نبوءات، وتحمل في داخلها رؤية مأساوية لمستقبل العالم حيث ستعم الفوضى والتدمير والقتل العميم في معركة هرمجدون التي يلحقها الرجوع الثاني للمسيح.

هذه العقيدة التوراتية-المسيحية وجدت طريقها إلى الدوائر الحكومية والمناصب السياسية لتؤثر في قيادات مهمة في بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية، حيث بدأنا نشهد في القرن التاسع عشر وصولا إلى العصر الراهن امتزاجًا كبيرًا جدًا بين السياسة وتأويل النصوص الدينية، وهو ما نقلته غريس هالسل في كتابها «النبوءة والسياسة». وكذلك فإن بعض الكتابات، تذكر أن المشروع الصهيوني كان قائمًا على «علاقة ثلاثية» بين الجمعيات التبشيرية البروتستانتية، والمجتمعات اليهودية، والمسؤولين السياسيين. وفي العصر الحالي حيث تحمل الولايات المتحدة الأميركية مشروع الصهيونية المسيحية، فإن بعض الباحثين يرى أن الدعم الأمريكي للصهيونية لم يكن نتيجة اعتبارات سياسية حديثة فقط، بل استند إلى قرون من التفكير الديني والثقافي الذي ربط مصير الولايات المتحدة بمصير اليهود. فقد أسهم التراث البيوريتاني، والتفسيرات النبوئية للكتاب المقدس، والاهتمام بالأرض المقدسة، والنشاط التبشيري، والتعاطف مع اليهود المضطهدين في أوروبا، في تكوين بيئة أمريكية مهيأة لتقبل فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين.

من الناحية التاريخية التعاقبية، تطورت الصهيونية المسيحية عبر عدد من المراحل التاريخية المتعاقبة، بدأت في القرن السابع عشر مع ظهور تفسيرات بروتستانتية ربطت عودة اليهود إلى فلسطين بتحقيق النبوءات الواردة في الكتاب المقدس. وفي القرن التاسع عشر انتقلت هذه الأفكار من إطارها اللاهوتي إلى المجال السياسي، ولا سيما في بريطانيا، بالتزامن مع بروز الفكر التدبيري الذي أسسه جون نلسون داربي، والذي أسهم في ترسيخ هذا التصور داخل الأوساط الإنجيلية. ثم انتقلت هذه الأفكار إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر على يد ويليام بلاكستون، حيث وجدت بيئة دينية واجتماعية ساعدت على انتشارها. وخلال القرن العشرين اتسع نفوذ الصهيونية المسيحية بفضل انتشار مرجع سكوفيلد والدور الذي لعبه الإعلام الإنجيلي، حتى أصبحت ذات تأثير ملحوظ في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. وفي القرن الحادي والعشرين غدت الصهيونية المسيحية تيارًا مؤثرًا في بعض الأوساط الإنجيلية الأمريكية، مدعومًا بمنظمات ضغط بارزة.

في الواقع العربي – الإسلامي والمسيحي- نجد أن هناك من تنبّه إلى هذه العقائد وما تمثله من خلفية فكرية لكثير من الناشطين والفاعلين السياسيين بل وأصحاب القرارات أيضًا، فسعى لبذل الجهد الكبير لتفنيدها وكشفها، ويقع على رأس هؤلاء الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري الذي بذل حوالي ربع قرن من عمره في توثيق وتحليل اليهود واليهودية والصهيونية في موسوعته التي تحمل هذا الاسم، من نواحي متعددة فلسفية وسوسيولوجية وتاريخية، مضافًا إلى مفكرين آخرين كانت لهم مساهمات في الترجمة والتحقيق في مجال المسيحية الصهيونية.



[1]. مدير تحرير مجلة الاستغراب.